الناس

التدفئة في إدلب: خطر الموت


خلال شهر شباط الجاري، توفي ستة أشخاص في محافظة إدلب، وأصيب عشرات آخرون بحروق متفاوتة، جرّاء انفجارات تسبب بها «الوقود الرديء» المستخدم في التدفئة، الذي يتم تكريره بطريقة بدائية من خلال ما بات يعرف بـ «الحراقات» المنتشرة في الشمال السوري، التي تفرز كثيراً من الغازات السامة أثناء عملها، وتنتج مركبّات سريعة الاشتعال، تؤدي إلى انفجارات وحرائق تخلّف أضراراً جسدية ومادية.

وقد تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي أخباراً عن حرائق اندلعت في منازل عدة بسبب استخدام «مازوت التدفئة» المكرر بدائياً، كان آخرها في قرى بسقلا وكفرنبل والبشيرية في ريف إدلب، ما أدى إلى وفاة خمسة أطفال ورجل من ذوي الاحتياجات الخاصة، فيما لا تزال حرائق مشابهة تتكرر في أكثر من منطقة، وخاصة في المخيمات الحدودية.

«اللامبالاة تقتلنا»، يقول خالد، وهو ناشط محلي من أبناء إدلب: «جميعنا يعلم أن هذه المحروقات التي نستعملها اليوم مليئة بالمواد القابلة للانفجار، لكن استخدامها يتكرر في كل شتاء، رغم التحذيرات التي تصدر في كل مرة، وعند كل حادثة». ويقول الطبيب محمد شعبان إن إضرار هذه المحروقات لا تقتصر على الانفجارات وما تسببه من حروق، بل تتعداها إلى أمراض عديدة ناتجة عن استعمالها وتكريرها، كالأمراض التنفسية وذات الرئة والتهابات البلعوم والسعال التحسسي المتكرر، فضلاً عن تفاقم حالة مرضى الربو نتيجة الغازات المنبعثة، التي وصفها بـ «السامة».

ولا ترتبط تلك الحرائق بنوع محدد من المدافئ، لأن المشكلة تكمن في الاستهتار وسكب المازوت على النار بشكل مباشر، ونتيجة اختلاط البنزين والغاز بالمازوت المكرر بشكل بدائي، تنتقل النار بشكل مباشر إلى العبوة المليئة بالمحروقات، ما يؤدي لانفجارها وانتشار النار في الأرجاء بشكل تصعب السيطرة عليه. ذلك بالإضافة إلى أن عدداً من الحرائق نشبت بسبب انقلاب مدافئ المازوت في الخيم المصنوعة أساساً من مواد سريعة الاشتعال، الأمر الذي يؤدي لاحتراق الخيمة خلال دقائق.

يقول خالد إن «ضعف الحالة المادية يدفع كثيرين لشراء المحروقات الرديئة، التي تتحول لمادة شحمية مع دخول فصل الشتاء، ما يدفعهم لتسخينها لتعود إلى الحالة السائلة، الأمر الذي قد يؤدي لانفجارها مخلفاً أضراراً كبيرة، وهذا ما حدث في قرية بسقلا جنوب كفرنبل في السابع من شباط الحالي، عندما انفجر برميل محروقات أثناء تسخينه، ما أدى لوفاة طفلة وإصابة والدتها نتيجة انهيار البناء الذي كانت تتم العملية داخله».

وقبل حادثة بسقلا بأيام، كانت أم محمد قد فقدت طفلها جراء حريق في بيتها في كفرنبل ليلة الثاني من شباط الجاري. تروي أم محمد تفاصيل تلك الليلة: «كنتُ أجهز أطفالي للنوم، حين أصابت ابنتي خزان الوقود الخاص بالمدفأة بإحدى قدميها، ما أدى لانسكاب المازوت واشتعال النار بشكل سريع جداً. وقد أصاب المازوت طفلي، واشتعلت النيران فيه أمام عيني».

تستعيد أم محمد تلك اللحظات وكأنها تعيشها الآن، وتقول إنها تمالكت أعصابها، وتمكنت من تغطية طفلها بأحد العوازل، ونجحت في إخماد النار التي اندلعت في جسده، لكن المشكلة الأكبر كانت في عجزها عن الخروج من الغرفة: «عملت المستحيل لأقدر طالع ولادي برى الغرفة، بس ما قدرت»، ويرجع عجزها عن فتح الباب إلى أنه مصنوع من مادة الألومنيوم، وقد تأثر بحرارة النار وبات محكم الإغلاق بحيث أصبح فتحه مستحيلاً بالنسبة لها.

لحظات عصيبة جداً مرت على أم محمد وأطفالها وهم محاصرون في غرفة تأكلها النيران، ويقطع الدخان فيها أنفاسهم ويمنعهم من الرؤية. وفيما كان الأطفال يطلقون نداءات الاستغاثة، استعادت أم محمد قوتها وتمكنت من كسر زجاج الباب بيدها، وبدأت بإخراج أطفالها. تختنق أم محمد بدمعتها: «طالعت اثنين من الولاد، وضل محمد ما قدرت طالعو»، كان الدخان الكثيف وحرارة الغرفة يمنعان من إنقاذه، وتقول أم محمد إن عناصر الدفاع المدني فعلوا المستحيل دون أن يتمكنوا من الوصول إليه، حتى أشارت عليهم بخلع أحد النوافذ القريبة من مكان وجوده داخل الغرفة.

تم إسعاف الأم وأطفالها إلى تركيا، لكن محمد توفي بعد يومين نتيجة الحروق البليغة التي أصابت جسده، إذ لا يوجد في محافظة إدلب أي مشفى مختص بالحروق، بل يقتصر علاجها على قسم الحروق في مشفى أطمة الحدودي، بالإضافة إلى بعض المستوصفات والمشافي التي تقدم الخدمة الإسعافية، ريثما يتم نقل المصاب إلى قسم الحروق في أطمة أو إلى تركيا للعلاج.

تتفاوت جودة المحروقات التي يستعملها أهالي إدلب للتدفئة، وهي لا تخضع لمعايير السلامة الدولية، ولا تتم تصفيتها بشكل جيد، لتخرج المادة النفطية مزيجاً من الكاز والغاز والبنزين، بالإضافة إلى بعض الزيوت التي يمكن أن تحدث ضرراً أكبر في حال حدوث الحريق. وتعمل فرق الدفاع المدني في المحافظة على توعية الأهالي والطلاب في المدارس، من خلال ندوات وبروشورات تشرح الطريقة الصحيحة لاستخدام الوقود، إلّا أن ضعف الحالة الاقتصادية يجبر الأهالي على استخدام أنواع رخيصة من الوقود، واللجوء إلى حرق المواد البلاستيكية وألبسة البالة في بعض الأحيان، مع غياب أي جهة رقابية فاعلة فيما يخص حراقات الوقود البدائية التي تنتج الوقود الرخيص.

ترتفع نسبة هذه الحوادث في إدلب كثيراً بالمقارنة مع مناطق ريفي حلب الشمالي والشرقي، رغم وجود حراقات محلية لتصفية البترول هناك أيضاً، ويقول أبو أحمد، الذي يعمل في مجال تجارة المحروقات، إن «عملية التكرير المتبعة في تلك المناطق أحدث من عمليات التكرير المتبعة في إدلب، التي ما تزال تعتمد أساليب بدائية في تشغيل الحراقات، ما ينتج مزيجاً من المواد النفطية شديدة الرداءة».

وتنتشر مئات الحرّاقات في إدلب وريف حلب الشمالي والشرقي، وفيما تغيب الرقابة على عملها تماماً في مناطق إدلب، تفرض المجالس المحلية في ريف حلب على أصحاب الحراقات استخراج رخصة مدتها ستة أشهر، كما تلزمهم بتركيب جهاز «الفايغون» الذي يخفف من آثار الغازات كشرط من شروط الترخيص. ويقول المهندس هنانو السلوم: «إن نسبة الهدروجين في تركيب المواد النفطية التي يتم استخراجها بدائياً مرتفعة جداً، وهو ما يؤدي لانفجارها لأبسط الأسباب وانتشار النار بشكل كبير، كما أن عملية التقطير البدائية لا تسمح بالفصل الجيد بين العناصر البترولية، بحيث تبقى نسبة كبيرة من البنزين ضمن المازوت أو الكاز، ما يزيد من القدرة الحرارية لهذه المواد عند الاحتراق. ذلك بالإضافة وجود الغازات الحامضية مثل كبريت الهدروجين ضمن النفط المستخلص، ومعها الزيوت التي تلتصق بالجسم في حال التعرض للحريق، ما يساهم بشكل كبير في تشوه الجسم».

وعن أسباب ارتفاع نسبة الحوادث في محافظة إدلب، مقارنة بمناطق ريف حلب الشمالي والشرقي، يقول السلوم: «تلعب الأدوات المستعملة في التقطير دوراً كبيراً في نوع المواد المنتجة، إذ يعتمد أهالي ريف حلب على الفلترة بالكهرباء، وهو ما يساهم في استخراج مواد نفطية أكثر جودة، في حين تعتمد الحرّاقات الموجودة في إدلب أسلوباً أكثر بدائية، عبر تسخين النفط الخام في مراجل معدنية عن طريق الفحم، ثم تمرير بخاره في أنابيب موجودة ضمن أحواض مياه، ليتم تقطيره واستخراج المشتقات المطلوبة».

ثمة محروقات مكررة نظامياً في أسواق إدلب، يتم استيرادها بشكل رئيسي عبر معبر باب الهوى مع تركيا، إلا أن أسعارها مرتفعة جداً، إذ يبلغ سعر برميل المازوت المستورد نحو 75 ألف ليرة سورية، بينما يتراوح سعر برميل المازوت المحلي من 45 ألف إلى 51 ألفاً. ونظراً لهذا الفارق الكبير في الأسعار، فإن معظم أهالي إدلب يلجأون إلى المحروقات المحلية لتلبية أغلب احتياجاتهم، حتى أن استعمال المحروقات المستوردة يكاد يقتصر تقريباً على تشغيل بعض أنواع السيارات.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.