سياسة

الدور الإيراني في الأزمة السورية و عن زيارة الأسد لطهران -مقالات مختارة-


جدل سوري في الهزيمة/ عمر قدور

إهانتان توالت موسكو وطهران على توجيههما، الأولى بتسريب صورة قديمة لبشار الأسد يظهر فيها كأنه في عداد رعية بوتين وضباطه، والثانية عبر استقدامه إلى طهران خلسة، وفي طيارة شحن كما أُشيع، ومن ثم استقباله كمسؤول إيراني صغير لا يستلزم حضوره وضع علم الدولة التي يُفترض “شكلياً” أنه يمثّلها. الصراع بين العاصمتين يبدو كأنه يعتمد على إبراز تبعية بشار لكل منهما، والتسابق في إذلاله يظهر كأنه السبيل الوحيد لإظهار تفوق كل منهما على الأخرى، بينما من يتلقى الإهانة جاهز عند الطلب مهما كان مذلاً.

سيكون مضيعة للوقت رمي هذه النهاية المشينة في وجه شبيحة الأسد وقسم من موالاته، وهم سيلقون باللائمة على الذين قاموا بالثورة، وطبعاً على عناصر المؤامرة الكونية المزعومة، إذا اضطروا للإقرار على مضض بوجود إهانة ما. بالتأكيد سيلجأ هؤلاء إلى استذكار شخصيات في المعارضة تابعة لهذه الدولة أو تلك، واضعين بلا وعي رئيسَهم في مصاف من يتهمونهم بالعمالة والإرهاب. ذلك قد لا يكون حال معسكر الموالاة كاملاً، فإذا تجاوزنا الإهانات التي يتعرض لها من يُفترض أن يمثّل ولو شكلياً مفهوم السيادة فإن واقع الأزمات المعيشية يدل على ثمن الانتصار الموعود، وفي آخر خطاب لبشار لم يقدم ولو وعوداً كاذبة لتحسين المستوى المتردي الذي أودى بـ80% من السوريين إلى ما دون خط الفقر بحسب تقرير جديد للأمم المتحدة.

على صعيد موازٍ، تشير كافة التقارير إلى أن التنافس الروسي-الإيراني، من أجل استرداد تكلفة الإبقاء على بشار، هو تنافس في الجشع أيضاً. الطرفان يريدان الثمن من حاضر ومستقبل السوريين، وبالحصول على اتفاقيات إذعان طويلة الأمد، على الصعيد العسكري والاستراتيجي وعلى الصعيد الاقتصادي، ومن أجل تنفيذ الاتفاقيات المذكورة سيلزم تحرير القطاعات المذكورة من قبضة بشار وزمرته. كما نعلم فإن ذلك يمضي قدماً عبر اقتسام الطرفين السيطرة المباشرة على القوات التي باتت تتبع الأسد شكلياً، وعلى قسم من أجهزة استخباراته، ليبقى تحرير الاقتصاد منه متوقفاً على أمرين؛ استقرار القسمة بين طرفيها، والانتهاء من الأعمال العسكرية بحيث تغطي جعجعة الانتصار العسكري على التضخم الهائل المتوقع جراء اقتسام الاقتصاد وإعادة الإعمار بأسلوب المافيات.

استعراض الفشل الذريع والهزيمة المسماة نصراً قد يكون مادة للشماتة لدى بعض المعارضة، لا لدى غالبية منها، لأن القسم الغالب يدرك على الأقل بقاء سوريين متضررين لا ينتمون إلى البنية الأسدية، ويدرك أن أبواب الخروج من سوريا باتت مغلقة منذ زمن طويل حتى من قبل الجار التركي الذي يزعم الغيرة على مصير السوريين. من جهة أخرى، يرى هذا القسم مآل قيادات المعارضة التي انحدرت من فشل إلى آخر، ومن ارتهان إلى ارتهان لا يقل عنه بؤساً، بحيث أن ما تبقى فعلياً منها يصعب إيجاد قاسم بينه وبين ما انطلقت الثورة بسببه ولأجله.

كي لا نحسن الظن ونخطئه معاً، هذه الهزيمة المتكاملة لا تمتلك ديناميكيات إيجابية حتى الآن، بل على العكس من ذلك؛ أطرافها منخرطة عموماً في الكيد الذي يتبادله المهزومون. لا يخرج عن الإطار نفسه الكيدُ الذي نراه في مقلب المعارضة، بين علمانيين وإسلاميين، وبين يساريين سابقين ونظرائهم. لا يُستبعد على الصعيد ذاته الانقسام الطائفي أو العرقي، وبدرجات مختلفة تطل الانقسامات أو المظالم المناطقية. إذا اعتمدنا تاريخ انطلاق الثورة، فمنذ ذلك الحين أخذت الانقسامات تتفاقم وتترسخ بعد خروجها إلى العلن، ولا نغامر بالقول أن نسبة ساحقة من السوريين فقدت صلتها الواعية “المُفكَّر فيها” بالواقع، وبقيت أسيرة لحظات تقادمت بفعل ديناميكيات الخارج الذي تولى تطويع الداخل بمجمله.

الجدالات السورية الصغيرة في مناخ الهزيمة نستطيع ردّ جانب مهم منها إلى الارتكاسات المرافقة للهزيمة نفسها، وعلى ذلك نستطيع التنبؤ بتفاقم الشروخ والفصامات النفسية الفردية والجماعية التي ستتعزز بعيداً عن الواقع، بعد امتلاكها قوى دفع ذاتية. بالأحرى ثمة في الواقع ما يسند تلك الفصامات، هو اعتبار الشروخ الواقعية مؤبدة وخارج منطق السياسة، وهذا الاستسلام لما يُحسب بمثابة القدر يتولى امتناع التفكير فيه أو محاولة تغييره. إلا أن ذلك على الأقل منافٍ لمنطق الثورة، لا بعدّها حدثاً بدأ وانقضى، وإنما باحتسابها ضمن سياق مما قبل وبعد.

على نحو أو آخر، كان الانفجار السوري سيحدث، بحكم عوامل كان معظم السوريين “الذين انقسموا في ما بعد” يشكو منها. البديهية التالية هي أن المتضررين من عقود حكم “المزرعة الأسدية” لم يمتلكوا أدنى قوة، ولا أدنى هامش للانتظام كقوى ضغط، لسبب بسيط ومعروف هو تحريم السياسة في المزرعة. أما البديهية الثالثة التي أثبتتها الثورة، فهي أن الثورة ذاتها فعل مجتمعي، إذا انتصرت يكون انتصارها على قاعدة انتصار السواد المجتمعي الأعظم الذي ينتج التسويات الملائمة له ولمستقبله، وإذا هُزمت تكون الهزيمة للكتلة العظمى ذاتها التي لم تتمكن من “أو لم يُتح لها” الوصول إلى تلك التسويات.

في حالتنا السورية، نحن إزاء أنموذج صارخ لهزيمة الثورة وإفشالها، ولعل أفضل معيار للهزيمة هو الفشل الذريع والهزيمة في معسكر المنتصرين، إذ لا شيء يثبت أحقية الثورة ضمن سياقها التاريخي كما تثبته الهزيمة الجماعية الكبرى. لدينا أيضاً تجارب في المنطقة تثبت أن الهزيمة الشاملة لا تلغي استحقاق التغيير، وبدل تجرعه وجعله من الماضي يبقى الخوف منه مسلطاً ومولِّداً للفشل. تفيدنا أيضاً التجارب المجاورة بأن التعلم من الهزيمة ليس سهلاً أو متاحاً، رغم أنه لا ينتقص من قيمة المهزومين! لذا، سيكون من الأسهل طرق باب اليأس، وانتظار المزيد من تعفن المستنقع السوري بمن فيه. الاحتمالات الأخرى تحتاج شجاعة عامة غير متاحة في المدى المنظور، بل لعل الكثيرين لا يجرؤون على مجرد التفكير فيها لئلا تكون قدراتهم العقلية محل شك.

المدن

الأسد في طهران: ليت العلم وحده كان الغائب!

كان مطلوباً من «زيارة العمل» التي قام بها رئيس النظام السوري بشار الأسد إلى طهران، واجتماعه مع المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس الإيراني حسن روحاني، أن تحقق بعض أغراضها لجهة الإيحاء باستقرار إيران رغم أعباء العقوبات الأمريكية الخانقة، وخروج الأسد أكثر فأكثر من عنق الزجاجة بعد ثماني سنوات على الانتفاضة الشعبية ضد نظامه.

وقد حرصت وسائل الإعلام الرسمية في طهران ودمشق على إشاعة الأجواء الإيجابية والاحتفالية، فنقلت على لسان خامنئي وصف الأسد بـ«بطل العالم العربي» وإطراء «انتصارات وجهت ضربة قاسية للمشروع الغربي والأمريكي في المنطقة»، وأبرزت تصريح روحاني بأن «انتصار سوريا هو انتصار لإيران وللأمة الإسلامية بأكملها»، وتأكيد الأسد بأن العلاقات بين طهران ودمشق كانت «العامل الرئيسي في صمود سوريا وإيران في وجه مخططات الدول المعادية التي تسعى إلى إضعاف البلدين».

ولكن المظاهر لم تفلح في إخفاء محتوى آخر للزيارة يفضح مظاهر الاستقرار والانتصار المزعومة ويناقضها ويكشف زيفها، وبالتالي لا يفرغها من مضمونها ويعطل أغراضها فقط، بل يعطي عنها إشارات معاكسة تماماً في حقيقة الأمر. ذلك لأن المنتصر والمستقر لا يقوم بزيارة غير معلنة مسبقاً ولا يتم الإفصاح عنها إلا بعد انتهائها، ولا تضمّ وفداً رفيع المستوى يرافق رئيس النظام في زيارة هي الأولى له إلى طهران منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2010، ولا يُرفع فيها علم النظام خلال اجتماع الأسد مع نظيره الإيراني.

وعلى الجانب الآخر أتت استقالة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف لكي تفضح المزيد من المظاهر الخادعة، سواء من حيث الشكل الذي تمثل في إعلان الاستقالة عبر رسالة على موقع التواصل الاجتماعي إنستغرام وليس في مخاطبة رسمية مع الرئاسة الإيرانية، أو من حيث المضمون في تصريح ظريف بأن «السم القاتل بالنسبة للسياسة الخارجية هو أن تصبح قضية صراع أحزاب وفصائل». وأياً كانت الصلة، من عدمها، بين استقالة ظريف وزيارة الأسد إلى طهران فإن الصور الرسمية لاستقبال رئيس النظام السوري أظهرت غياب ظريف رجل الدبلوماسية والسياسة، مقابل حضور قاسم سليماني رجل «فيلق القدس» والحرب.

وليت علم النظام السوري كان الرمز السيادي الوحيد الذي يغيب عن زيارات الأسد النادرة إلى روسيا وإيران، الدولتين اللتين تكفلتا بإنقاذ نظامه عن طريق التدخل العسكري المباشر، إذ تشاء المصادفة أن تسرّب موسكو صوراً فوتوغرافية جديدة عن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى قاعدة حميميم السورية، أواخر 2017، يظهر فيها الأسد منزوياً في منطقة خلفية بعيدة إلى جانب ضابط روسي. ولهذا فقد كان مضحكاً أن يطلب الأسد من حكومات المنطقة التوقف عن الانصياع إلى إرادة قوى خارجية، وهو يتحدث من طهران التي سلم إلى حرسها الثوري وميليشياتها مفاتيح غزو سوريا واجتياح أراضيها والعبث بوحدتها الوطنية وانتهاك خصوصياتها الثقافية.

ويبقى أن الزيارة حملت درساً بليغاً للأنظمة التي تلهث إلى التطبيع مع نظام الأسد وإعادة فتح سفاراتها في دمشق تحت ذريعة قطع الطريق على النفوذ الإيراني في سوريا، فهنا أيضاً مناسبة سانحة لافتضاح المظاهر الخادعة وانكشاف الحقائق.

القدس العربي

خامنئي – الأسد مقابل بوتين – نتانياهو/ وليد شقير

كثيرة هي علامات الاستفهام التي طرحتها زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى طهران، منفردا، والتي صحبه فيها قائد قوة “القدس” في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني قبل يومين.

يشبّه كثر من المراقبين الطريقة التي تمت فيها الزيارة بتلك التي قام بها الأسد إلى موسكو أواخر تشرين الأول 2015 حين حضر وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى دمشق من دون سابق إنذار، واصطحب الأسد في طائرة شحن عسكرية إلى الكرملين، من دون أن يرافقه أي مسؤول سوري. حصل ذلك بعد أسابيع على بدء الحملة العسكرية الروسية في 31 أيلول (سبتمبر) من العام نفسه. ومهدت تلك الزيارة لإعلان الاتفاقات العسكرية الروسية السورية التي تعطي موسكو حق إنشاء قواعد عسكرية مع امتيازات قل نظيرها على الصعيد الدولي، شرعت القواعد التي كانت بدأت بإنشائها قبل أشهر، لعشرات السنين اللاحقة.

الزيارتان التاليتان للأسد كانتا إلى سوتشي وكان هدفهما سياسي أكثر منه عسكري، وتتعلقان بإطلاق موسكو مسار أستانا وسوتشي، في 2017 ، ولضمان انسجامه مع توجه الكرملين (تثبيت مناطق خفض التصعيد تمهيدا للتفاوض) في حينها أمام الشريكين التركي والإيراني بأنه هو من يملك ورقة القرار السوري. ثم في أيار(مايو) 2018 للتأكيد على إصرار فلاديمير بوتين على بقاء الأسد في السلطة في سياق مفاوضاته المستمرة مع واشنطن.

زيارة الأسد طهران تشبه زيارة الأسد الأولى في ظروفها، سواء في الشكل، أو في المضمون. فبالإضافة إلى مظاهر “الاستخفاف” الشهيرة بالأسد، والتي أشبعتها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في حينها تمحيصا خلال زيارته موسكو الأولى، بدا واضحا أن التعجل الإيراني لاستقباله من قبل المرشد السيد علي خامنئي، ثم الرئيس حسن روحاني، قد أشبع تمحيصا من هذه الوسائل أيضا، (غياب العلم …)

سواء تقصد الجانب الإيراني تكرار المشهد الروسي لتحوّل الأسد إلى مجرد رمز للانصياع للقوة الروسية التي أنقذته، مثلما كان لطهران الدور الفاعل في إبقاء نظامه، أم لم يكن الأمر مخططا له، فإن وجه الشبه يتعلق بالحاجة العسكرية الإيرانية إلى تلك الزيارة المفاجئة.

الصورة التي جمعت خامنئي بالأسد، من المنطقي اعتبارها نقيض الصورة التي جمعت بوتين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في موسكو، بعد 24 ساعة على زيارة الرئيس السوري.

بل أن الصورتين تعيدان إلى الواجهة تناقض المصالح الروسية – الإيرانية في الميدان السوري، تحت سقف “التحالف الاستراتيجي”. وفي مرحلة التنافس على من يملأ فراغ الانسحاب الأميركي المنتظر إتمامه أواخر شهر نيسان (أبريل) المقبل، لكل من اللاعبين الأربعة خططه، في ظل غموض قصد واشنطن من إبقاء 400 جندي على الحدود السورية العراقية، ومعها باريس ولندن. وإذا كانت أولوية نتانياهو الحؤول دون تثبيت قواعد إيرانية في بلاد الشام منتشرة بين الجنوب والوسط والغرب، حمل معه خرائطها إلى موسكو، فمن نافل القول أن تحتاط طهران لما يهيئه لها التساهل الروسي المفترض مع المصالح الأمنية الإسرائيلية الذي أنتج الضربات الجوية المتلاحقة لتلك القواعد. فلا واشنطن اكتفت ولا تل أبيب كذلك بإعادة الانتشار الإيراني في سورية والانسحابات التي نفذها “حزب الله” من بعض المناطق السورية، لا سيما منها المحاذية للحدود مع لبنان، أو في الداخل، قياسا للهدف الأميركي المعلن والذي هو بمثابة شرط على موسكو، أي انسحاب إيران الكامل من بلاد الشام.

زيارة نتانياهو إلى موسكو عسكرية. واستقدام الأسد إلى طهران عسكري الطابع. الحدثان يتبعان معارضة طهران في قمة سوتشي الأخيرة للتوافق الروسي التركي على قيام منطقة آمنة في الشمال، لأنقرة اليد الطولى فيها، مع تعزيز لوجودها في إدلب، بينما يُطلب إليها إخلاء الساحة، تاركة وراءها كل الاستثمارات التي وظفتها ببلايين الدولارات، (الخط المالي الائتماني لدمشق بلغ 6 بلايين دولار) من دون ضمان استرجاع الديون. ويحول تقدم المصالح الروسية دون إفادة طهران من الاتفاقات الاقتصادية مع الحكومة السورية، ولا تشرع اتفاقية التعاون العسكري التي عقدتها مع دمشق الصيف الماضي، وجود الحرس الثوري. فتعزيز مواقع إيران على الحدود مع إسرائيل، وإقامة قواعد عسكرية في مناطق حيث ابتكر العقل الإيراني مزارات دينية، قد يخالف النظرة الجيوسياسية لموسكو.

لطهران دين على الأسد، يوجب مراعاة مصالحها بالبقاء على أرضه، في أوج صراعها مع واشنطن. والأمر قد يقود إلى حرب، قد تشمل لبنان، يجمع كل فريق أوراقه، استعداداً لها، أو لتفاديها. وقد يرمز الإصرار على عودة محمد جواد ظريف عن استقالته، إلى الرغبة في إعادته إلى حلبة التفاوض لتجنبها.

الحياة

الأسد في طهران ونتنياهو في موسكو: شتان بين الدلال والإذلال/ صبحي حديدي

الرقم جدير بالتدوين، لأنه قياسي بالفعل وضمن اعتبارات شتى، جيو ــ سياسية وتاريخية وثقافية: منذ أن اتخذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قرار التدخل العسكري المباشر في سوريا، لإنقاذ نظام بشار الأسد من سقوط وشيك؛ التقى مع رئيس دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو 15 مرّة، هي الأعلى عدداً للقاءات بينهما خلال فترة زمنية قياسية بدورها. ويقتضي السياق تبيان حقيقة أولى كبرى، مزدوجة على نحو ما، تمحورت حولها جميع، وليس فقط معظم، المشاورات بينهما: كيف يمكن أن ينخرط الإثنان في شراكة، محفوفة بالمخاطر عسكرياً، تنقذ الأسد؟ وكيف، في الآن ذاته، يتمّ التوافق على سلسلة من الخطوط الحمر ترسم حدود الدور الإيراني في عملية الإنقاذ إياها؟

وخلال هذه اللقاءات الـ15 تمتع نتنياهو، والحقّ يُقال، بمعاملة من نوع خاصّ تماماً، لعله كان أقرب إلى «الدلال» منه إلى الترحاب وحسن الوفادة بين «دولتين صديقتين»؛ ولعلّ الذروة الدراماتيكية التي تكفلت بتجسيد تلك المعاملة، على صعيد المادة والمجاز معاً، تمثلت في الهدية التي قدّمها بوتين إلى نتيناهو، صيف 2016: دبابة إسرائيلية كان الجيش السوري قد غنمها في سهل البقاع اللبناني، سنة 1982، وأهداها النظام إلى متحف سوفييتي، ليعيد بوتين تسليمها إلى دولة الاحتلال. ومؤخراً، خلال زيارته إلى موسكو الأربعاء الماضي، حظي نتنياهو بروحية تسامح فائقة من سيّد الكرملين؛ لأنه طلب تأجيل الموعد الأوّل للزيارة بسبب مشكلة التحالفات الحزبية الجديدة ضدّ «الليكود»، ثمّ طلب اختصار الزيارة لأنّ المدّعي العام الإسرائيلي أفيشاي ماندلبليت قد يفرج في أيّ وقت عن توصياته في إدانة نتنياهو بالرشوة والفساد.

يصعب، بالطبع، أن نعثر على مقدار استثنائي من السذاجة المعلنة يمكن أن يسمح للبعض بأيّ وجه من المقارنة مع سلوك بوتين حين يلتقي الأسد، سواء في موسكو أو سوتشي أو قاعدة حميميم؛ أو، في المقابل، سلوك المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي والرئيس الإيراني حسن روحاني، مع رأس النظام خلال زيارته الأخيرة إلى طهران. وفي الأساس، ليس ثمة عنصر واحد، من أيّ نوع أو محتوى، يتيح وضع علاقة نتنياهو مع موسكو، أو العالم خارج دولة الاحتلال إجمالاً؛ مع علاقة الأسد بعالم خارجي اختُصر، بعد انتفاضة الشعب السوري ربيع 2011، إلى دولتين لا ثالثة لهما، روسيا وإيران، فضلاً عن استقبال دكتاتور السودان عمر حسن البشير. هذا على مستوى الشكل والمراسم والبروتوكول، وأمّا من حيث مضامين اللقاءات، جيو ــ سياسية كانت أم عسكرية وأمنية، فإنّ الأمر عندئذ يتجاوز نهائياً فكرة المقارنة، بل يصبح واجباً انتفاء مفاهيم الفارق أو الاختلاف!

بشاشة بوتين في لقائه مع نتنياهو يتوجب أن تحمل دلالة خاصة، ضمن نطاق «الدلال» ذاته؛ لأنها تبدّت على محيا الرئيس الروسي بدل حدّ أدنى من «تجهم» منتظَر مردّه أنّ هذه هي زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأولى بعد واقعة إسقاط الطائرة الروسية «إيل 20» فوق الساحل السوري، في أيلول (سبتمبر) الماضي، ومقتل 15 عسكرياً روسياً كانوا على متنها. صحيح أنها سقطت بمضادات النظام السوري، إلا أنّ وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو حمّل سلاح الجوّ الإسرائيلي مسؤولية واقعة «لا تعكس روح الشراكة الروسية ــ الإسرائيلية»، وأنّ موسكو تحتفظ بالحقّ فى الردّ بخطوات مناسبة». وكما هو معروف، كانت بعض تلك الخطوات قد تمثلت في نشر صواريخ «إس ـ 300»، الروسية المتطورة في بعض مناطق الساحل؛ الأمر الذي لم يمنع الطيران الحربي الإسرائيلي من استئناف عمليات القصف الجوي في العمق السوري.

الشراكة الروسية ــ الإسرائيلية مستمرة، إذن، ولم يعكر صفوها حادث طائرة «إيل 20»، ولهذا فقد أدلى نتنياهو بتصريحات لا لبس فيها أو غموض حول السمت العريض لزيارته الـ15 إلى موسكو: «إيران هي التهديد الأكبر على استقرار وأمن المنطقة، وسنفعل ما بوسعنا لإبعاد هذا الخطر». من جانبه لم يردّ سيّد الكرملين إلا بعبارة فضفاضة، تحتمل كلّ اللبس وكلّ الغموض: «من المهم جداً مناقشة المسائل المتعلقة بأمن المنطقة»؛ وهذا يشمل، أوّل ما يشمل كما للمرء أن يرجّح، أمن دولة الاحتلال في ضوء بندين حملهما رئيس الاستخبارات الإسرائيلية الذي رافق نتنياهو إلى موسكو: مخاطر إطلاع الضباط الإيرانيين في سوريا على أسرار صواريخ الـ»إس ــ 300» الروسية، ومخاطر أوسع نطاقاً ناجمة عن الحضور العسكري الإيراني المتزايد في قلب المعادلة السورية.

ولقد كان لافتاً تماماً تصريح نتنياهو بأنّ الشراكة الروسية ــ الإسرائيلية في سوريا تقوم، أيضاً، على اتفاق بين موسكو وتل أبيب حول «خروج القوات الأجنبية» من البلد؛ وفي هذا استعادة لتصريح مماثل كان بوتين قد أطلقه في أيار (مايو) الماضي، حين كان رأس النظام السوري يقف إلى جانبه في سوتشي: «الانتصارات الملموسة للجيش السوري فى محاربة الإرهاب وانطلاق المرحلة النشطة من العملية السياسية سيليها بدء انسحاب القوّات الأجنبية من أراضى سوريا»؛ قال بوتين، وهو لا يصنّف القوّات الروسية في باب الأجنبية، وكذلك لا يُدرج الاحتلال الإسرائيلي في الجولان ضمن هذا التصنيف. كان الغمز يعني إيران أوّلاً، حتى إذا كان يشمل أمريكا وتركيا، ولهذا لم يتردد أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، فأعلن أنّ إيران لن تنسحب من سوريا رغم الضغوطات التي تتعرض لها.

وحين ينطوي الأسبوع ذاته على زيارة من نتنياهو إلى موسكو، وأخرى من الأسد إلى طهران؛ فإنّ حكاية التنافس الروسي ــ الإيراني على الأرض السورية تصبح تحصيل حاصل منطقيّ الاتساق، يجوز أيضاً البحث عن عناصره الفرعية الميدانية. على سبيل المثال، معظم قتلى الأسابيع الأخيرة ضمن صفوف جيش النظام لم يسقطوا في القتال مع المعارضة المسلحة أو «النصرة» أو «داعش»؛ بل خلال المواجهات المسلحة الضروس بين ميليشيات إيران والنظام وكتائب الفرقة الرابعة من جهة، وميليشيات سهيل الحسن، الملقب بـ«النمر»، وكتائبه التي تدعمها القوات الروسية، في ريف محافظة حماة ومنطقة الغاب، من جهة ثانية. وهذه حروب صغيرة، قد يقول قائل، لكنها ليست البتة بعيدة عن الانقلاب إلى رافعة صراع داخل مجموعات النظام ذاته، أوّلاً؛ وفي عمق ما تبقى له من جبهة موالاة في العمق الشعبي للطائفة العلوية، ثانياً؛ فضلاً عن الانشطارات المستجدة التي تزداد تبلوراً، واكتمالاً، بين الاستقطاب الروسي (كما تمثله اليوم شخصية «بو علي بوتين»، على صعيد القِيَم والعصر و«العلمانية»)، والاستقطاب الشيعي، أو التشييعي على وجه الدقة (كما أخذ ينحسر عن شخصية خامنئي، أو حسن نصر الله)، ثالثاً.

بين العناصر الميدانية الأخرى اجتماعات اللجنة العليا السورية ــ الإيرانية المشتركة، التي عُقدت في دمشق قبل أسابيع قليلة وتمخضت عن 11 اتفاقية مختلفة؛ بينها واحدة حول التعاون الاقتصادي الاستراتيجي طويل الأمد، اعتبرها إسحاق جهانغيري النائب الأول لرئيس الجمهورية الإيرانية أوّل إسهام في «مرحلة إعادة الإعمار». وليس خافياً أنّ مشروع التدخّل العسكري الروسي في سوريا يتوخى الثمار السياسية والعسكرية والأمنية الإقليمية والدولية، ولكنه أيضاً يقرنها بثمار اقتصادية ذات صلة بإعادة التعمير المقبلة والعقود الفلكية لاستثمار الخراب السوري؛ وثمة، هنا، منافس جدّي وغريم كبير اسمه إيران.

ومن هنا فإنّ من الإنصاف إقرار الخلاصة التالية: نتنياهو في موسكو، والأسد في طهران، شتان بين الدلال والإذلال!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

التنازع على بشار الأسد/ بكر صدقي

تشكل زيارة بشار الأسد إلى طهران لحظة مهمة في مسار الصراع على النفوذ في الحطام السوري بين عدة أفرقاء. من المحتمل أن الزيارة أزعجت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يريد التفرد بتقرير مصير سوريا واستتباعها، ثمناً لحمايته النظام من السقوط. فالزيارة، من هذا المنظور، تعني أن إيران لن تتخلى عن حصتها في مستقبل سوريا لمصلحة روسيا، وبخاصة في مناخات الحديث عن رغبة روسية في إخراج طهران من المعادلة، من أجل إلحاق سوريا بروسيا وحدها، الأمر الذي يحقق ضمناً المطالب الأمريكية أيضاً، وهو ما لا غنى لروسيا عنه، أي الاعتراف الأمريكي بالسيطرة الروسية التامة على سوريا.

لكن التنازع على بشار الأسد، من خلال شحنه مرات إلى موسكو وسوتشي وقاعدة حميميم، ومرة إلى طهران، لا يقتصر على حليفيه الروسي والإيراني، فثمة كذلك دول عربية متلهفة إلى التطبيع معه بدعوى انتزاعه من النفوذين الإيراني والتركي، وقد شكلت زيارة بشار إلى طهران رداً مدوياً على تلك الذريعة المتهافتة. في حين أن النفوذ التركي المشكو منه هو نفوذ عسكري على الأرض ولدى قسم من المعارضة الإسلامية، وليس نفوذاً لدى النظام. وقد رفضت تلك الدول طلباً أمريكياً لملء الفراغ العسكري الذي سينشأ عن انسحاب القوات الأمريكية من شرقي نهر الفرات، بقوات عربية بدلاً من تركيا المتحمسة لملء الفراغ. على أي حال كان قطار التطبيع مع النظام الكيماوي قد أبطأ، بعد الزخم الأولي الذي تمثل في فتح السفارة الإماراتية في دمشق، بضغط أمريكي أيضاً، فتراجعت مصر عن مساعيها لإعادة النظام إلى الجامعة العربية. أما عمر حسن البشير الذي تفرد بين الحكام العرب بزيارة دمشق، فقد عاد إلى الخرطوم ليواجه ثورة شعبية تدعو لتنحيه. وهكذا انتهى «ربيع التطبيع» مع النظام الكيماوي بأسرع مما قضى الأسد على كل من «ربيع دمشق» والربيع العربي في سوريا. فخرج المتلهفون على استعادة الأسد إلى «الحضن العربي» من السباق ليبقى النزاع على بشار محصوراً بين بوتين وخامنئي.

من الذي يمكن أن يفوز في هذا التنازع؟

مبدئياً، يبدو الروسي في وضع أفضل. فروسيا دولة عظمى، بالمعنى العسكري على الأقل، وعضو دائم العضوية في مجلس الأمن يملك حق الفيتو، وباتت تملك وجوداً عسكرياً دائماً في سوريا، في قاعدتي حميميم وطرطوس، إضافة إلى نفوذ عسكري داخل قوات النظام وبموازاته، وتقود مسار آستانة الذي يهدف إلى جني ثمار النصر العسكري في تسوية سياسية بعيداً عن ضغوط المجتمع الدولي والأمم المتحدة وقراراتها، ولديها تفاهمات مع الولايات المتحدة بشأن سوريا، جنباً إلى جنب الخلافات بينهما.

أما إيران، فإضافة إلى عزلتها العربية والدولية، وهشاشة وضعها الداخلي بما في ذلك وضعها الاقتصادي، هي تتعرض لضغوط أمريكية وغربية كبيرة لوضع حد لتمددها الإقليمي، وحرب بالمفرق على قواتها ومواقعها في سوريا من قبل إسرائيل.

هذه المقارنة تمنح أفضلية لروسيا على إيران في «الفوز» بالعميل السوري. ولكن هناك وجها آخر للمقارنة: فروسيا التي ترغب في الانتهاء سريعاً من المرحلة العسكرية من الصراع السوري وقطف ثمار انتصارها في تسوية سياسية على مقاسها، تلاقي مقاومة من عميلها السوري الذي لا يريد القبول بأي تسوية سياسية مهما كانت لمصلحة استمراره في الحكم، لا أدل على ذلك من العراقيل التي وضعها أمام تشكيل اللجنة الدستورية التي يستعجلها بوتين. وقد كانت زيارة طهران بمثابة رسالة لموسكو تطالبها بعدم «التفريط» بالقضية الأسدية التي يمكن تلخيصها في عبارة «نظام الحرب الدائمة على سوريا».

كذلك فشل الروسي في إغراء الدول الأوروبية، وربما الخليجية، بالمساهمة في إعادة إعمار ما دمره النظام والطيران الروسي معاً والتخلي عن شرط «الانتقال السياسي» مدخلاً لتلك المساهمة. وفشل أيضاً في تشجيع الأنظمة العربية على التطبيع مع النظام وإعادته إلى جامعة الدول العربية، وإن بدا أنه حقق تقدماً طفيفاً في البداية، سرعان ما كبحه الأمريكي. هذه العوامل مجتمعة شجعت إيران على استدعاء عميلها في دمشق لكي يرى بوتين أنه لا يملك السلطة الكافية على الأسد لجره إلى التسوية الروسية. ومن جهة الأسد، فقد كان بحاجة إلى هذا «المتنفس» من املاءات الكرملين عليه.

لكن إيران، بدورها، لا تملك خيارات واسعة في مواجهة بوتين الذي استقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي في موسكو بالتزامن مع زيارة الأسد إلى طهران. فإذا صدقنا تصريحات نتنياهو بشأن نتائج الزيارة، فقد حقق الكثير. «اتفقنا مع روسيا على العمل معاً لإخراج جميع القوات الأجنبية من سوريا» قال! وهو ما فهمه الجميع على أن المعنية أولاً هي القوات الإيرانية. ليس ذلك وحسب، بل تتناقل وسائل إعلام إسرائيلية توافقاً بخصوص عدم تسليم صواريخ s300 للسوريين، ليحافظ الطيران الإسرائيلي على حرية حركته فوق الأجواء السورية، ويواصل ضرب الأهداف الإيرانية متى يشاء.

إذا غادرنا أرض النزاعات بين الدول على «التركة الأسدية»، ونظرنا إلى داخل مجتمعات السوريين، سوف نلاحظ أن لا أحد منهم يتنافس على «تملك الأسد» إذا جاز التعبير. وإذا كانت البيئات المعارضة قد قالت كلمتها منذ ثمان سنوات فأسقطت الأسد، فالبيئات الموالية اليوم لا تظهر أدنى درجات الرضى عن حصان سباقها القديم الذي بلغ به الأمر، في خطابه الأخير، أن بدأ بتخوين تلك البيئات أيضاً لأنها طالبته بتوفير الكهرباء والغاز. لسان حال السوريين يقول للدول المتنازعة على بشار الأسد: خذوه واتهنوا به.

كاتب سوري

القدس العربي

صراع روسي ـ إيراني داخل عائلة الأسد/ سوسن الشاعر

أمن الدول الخليجية هو بوصلتها التي يجب أن ترشدها لكيفية وطبيعة إعادة العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، لذلك من المهم أن نعرف ما هو السر وراء مرافقة قاسم سليماني لبشار الأسد لطهران للمثول أمام خامنئي؟

هذا ما يجيب عنه تقرير نشره «المرصد الاستراتيجي» يتناول تفاصيل الصراع داخل أسرة الأسد، وحروب الوكالة الإيرانية الروسية داخل الأسرة!!

وفقاً لهذا التقرير، فإن الصراع الروسي الإيراني تحول إلى معارك داخل بيت آل الأسد، وبالتالي داخل القوات المسلحة السورية بين فرق وفيالق محسوبة على ماهر الأسد رجل إيران في الجيش السوري من جهة، وبين فرق وألوية تدين بالولاء للقوات الروسية تحت غطاء شرعية بشار الأسد من جهة أخرى، وكأن التاريخ يعيد نفسه في المعارك التي دارت بين حافظ الأسد ورفعت أخيه اعتراضاً على ازدواجية مراكز القوى بينهما، داخل القوات المسلحة السورية، وأسفرت عن نفي رفعت الأسد.

ولأن صراع النفوذ الإيراني الروسي نجم عنه استقطاب ثنائي بين

ماهر وبشار، كان من الضروري أن يؤكد سليماني لروسيا أن بشار لن يخرج عن طاعتهم، وأنه مع أخيه في صف واحد يقفان مع إيران!

أما على أرض الواقع فتجري حرب الوكالة والمعارك والتصفيات بين القوتين الإيرانية والروسية تقوم بها وحدات من الجيش السوري موالية للاثنين.

«فمنذ الإطاحة بوزير الدفاع السابق العماد فهد جاسم الفريج، واستبداله بالعماد علي أيوب، عمدت القوات الروسية إلى حجب منصب رئاسة الأركان لمدة 15 شهراً، وذلك في سابقة لم يعرف لها مثيل في تاريخ المؤسسة العسكرية السورية منذ تأسيسها عام 1946، وبادرت إلى تنفيذ خطة شاملة لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية السورية، وتعزيز شبكة الضباط الموالين لها، حيث أحكمت قبضتها على القطاعات والأسلحة المختلفة، وعلى رأسها: سلاح الجو، والدفاع الجوي، والفيالق: الثاني والرابع والخامس، بالتزامن مع حل الميلشيات التابعة للنظام، وعرقلة مشروع (جيش الدفاع الوطني) الذي تبناه (الحرس الثوري الإيراني)».

ثم يتطرق التقرير إلى التنسيق الروسي الإسرائيلي لمواجهة المد الإيراني ووحداته الموالية لماهر الأسد، وللرد على رسالة قاسم سليماني التي وجهها من طهران أثناء جلبه للأسد للسلام على خامنئي «إذ تتجه القوات الروسية في شهر مارس (آذار) الحالي نحو تطهير منطقة السيدة زينب والريف الجنوبي لدمشق حتى مطار دمشق الدولي، وتفكيك عشرات الثكنات ومراكز التدريب والحواجز العسكرية التي أقامها الإيرانيون تحت إشراف ماهر الأسد، وتسليمها إلى الفيلق الخامس».

التصفيات شملت شبكة التمويل الإيراني مع الجانب الأميركي «وفي هذه الأثناء، تعكف جهات مقربة من القصر الجمهوري على إعداد خطط للاستئثار بالتمويل الدولي المرتقب تحت عنوان: (إعادة الإعمار)، في حين تعد إيران العدة للدخول في مشروعات الإنشاءات المدنية والعسكرية والصناعات والتبادل التجاري تحت مظلة الشبكة المالية التابعة لماهر الأسد. ويتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة معركة محتدمة بين جهات محسوبة على بشار الأسد من جهة، وشقيقه ماهر من جهة ثانية، لمد شبكات التمويل والحوالات المالية وغسيل الأموال والتحايل على العقوبات الدولية، حيث يرغب بشار في تمكين شركات النفط الروسية للاستحواذ على نفط المشرق العربي من خلال إبرام اتفاقيات مع حكومات بغداد وأربيل ودمشق وبيروت، الأمر الذي يتعارض بصورة مباشرة مع مصالح ماهر الأسد وشبكاته المالية في دمشق وبيروت ودبي، والكثير من العواصم الغربية. ويمكن أن تفضي تلك المخالفات إلى استهداف شبكة ماهر التي تعمل من خلال رجال أعمال يمثلون واجهات للشركات العملاقة التي يمتلكها هو أو تلك التي يمتلك فيها حصصاً كبيرة، ومن أبرزهم: رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها سامر الدبس وزوجته غالية ميداني اللذان يعتمد عليهما ماهر في إدارة أعماله التجارية، ويرتبطان بشراكات متعددة مع رجل الأعمال محمد حمشو وخالد قدور الذي يقوم بإدارة الكثير من أعمال ماهر التجارية، حيث تولى مسؤولية إدارة المجموعات التجارية ومصانع البلاستيك العائدة لماهر، كما يدير شركة مختصة بالمناقصات الخارجية المتعلقة به، ويقوم بدور السفير التجاري لماهر الأسد خارج سوريا.

ونظراً لخضوع ماهر الأسد للعقوبات الدولية، فإن الكثير من المصادر تتهم قدور بتسخير مؤسساته لتحايل ماهر على تلك العقوبات، وعلى رأسها: (شركة الشهباء للاتصالات)، و(شركة آبار للاستثمار)، و(شركة سيف الشام للآليات)، وذلك بالشراكة مع محمد حمشو وسليمان معروف في شركة (تطوير). كما تشير أصابع الاتهام إلى رئيس (الهلال الأحمر السوري) خالد حبوباتي بالعمل مع زوجة ماهر، منال جدعان، عبر (الجمعية السورية للخيول العربية الأصيلة) لتسهيل حركة نقل أموال ماهر إلى سويسرا، وتغطية أنشطته في حركة تبييض الأموال». انتهى

على الدول العربية أن تلم بتفاصيل تلك التقسيمات، إن كانت تسعى لتقييد النفوذ الإيراني في سوريا، خصوصاً حين يتعلق الأمر بتقديم المساعدات من أجل إعادة الإعمار بعد الإعلان عن القضاء على «داعش»، فخروج إيران من سوريا يعنينا، وأهم لأمننا ألف مرة من فلول «داعش».

الشرق الأوسط

الدور الإيراني في الأزمة السورية: التموضع والتحالفات والمستقبل

تسعى إيران إلى تعزيز تموضعها في بنى النظام السوري وشبكاته بما يتيح لها التأثير في مركز القرار السوري سياسياً وعسكرياً، ولجأت إلى سياسات الاحتواء ثمّ التكيف من خلال العمل على تناقضات القوى والمصالح الدولية لتفادي الضغوط الدولية والإقليمية/ معن طلاع

مقدمة

مع انطلاقة حركات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا، أعلنت إيران عن دعمها لحق الشعوب العربية في التحرر من الاستبداد والتطلع إلى الحرية وما أسمته بـ”الديمقراطية الإسلامية”، لكن تغيرت هذه النظرة عندما وصلت حركة الربيع العربي إلى سوريا، وبات الربيع -من وجهة نظرها- خريفاً أروبياً وأمريكياً وإسرائيلياً، مبنياً على نظرية التآمر على “دولة المقاومة والممانعة”(1). وتبنت دوائر التأثير الإيراني الرواية الرسمية للنظام السوري، وساندته سياسياً وإعلامياً ومادياً وعسكرياً للحيلولة دون إسقاطه(2)، ولعلّ مردّ هذا التغيير نابع من طبيعة التحالف الاستراتيجي مع النظام، ومتسق مع ضرورات الحدّ من تداعيات الحراك الثوري الذي سيُفقد طهران تواصلها مع حلفاء آخرين مثل: حزب الله اللبناني وحماس، الأمر الذي سيؤدي إلى تغيير عميق في قواعد اللعبة والتأثير في المنطقة.

ومع تحول الصراع في سوريا، وانتقاله لمستويات متعددة تتداخل فيها الأدوار المحلية والإقليمية والدولية؛ شهدت السياسة الإيرانية عدة مقاربات سواء فيما يتعلق بالتعريف الإيراني لما يحصل في سوريا أو فيما يرتبط بحجم الدعم والمساندة والتدخل ومستوياته وما يرتبط به من استثمارات. كما انطلقت تحالفات طهران السياسية والعسكرية والأمنية في المشهد السوري من عدة ضرورات تكتيكية واستراتيجية، دفعتها باتجاه تطويع هذه التحالفات لتغيير حجم وشكل التموضع الإيراني الذي أضحى تموضعاً نوعياً في بنى الدولة ومؤسساتها لا سيما في مؤسسة الجيش والأمن؛ هذا التموضع أضحى في مرحلته الراهنة مطلباً وهدفاً مشتركاً للعديد من الفواعل الإقليمية والدولية التي تطالب بخروج إيران من المشهد السوري؛ وبالمقابل يدلل هذا التموضع على امتلاكه القدرة والتأثير في معادلات حل الأزمة السورية ومستقبل سوريا والإقليم.

ستحاول هذه الورقة التحليلية تتبع المقاربة والسياسة الإيرانية للأزمة السورية وأدواتها، وأبرز تحولاتها، وأدوارها المستقبلية. وستتكئ الورقة: على مداخل التحليل الجيواستراتيجي باعتباره المدخل الأكثر موضوعية في فهم سلوك إيران الإقليمي عموماً والقائم على مفهومي القوة والمصلحة النظرية الواقعية في العلاقات الدولية؛ دون أن نقلل من أهمية التوجهات الأخرى المتحكمة في السياسة الإقليمية الإيرانية، كالتوجه الثقافي والتاريخي لما له دور مهم في خلق أدوات داعمة للاستراتيجية العامة.

تدخل وتحالفات وظيفية

سعت طهران، بعد تدحرج كرة الربيع ووصولها لليمن وسوريا (المنطقتان المهمتان بالمعنى الجيوسياسي والجيبوليتكي)، ولا سيما بعد ظهور مؤشرات تصدع نظام الحكم في اليمن وتزعزعه في دمشق، إلى تكثيف أدوات المساندة والانخراط العسكري النوعي: كالدعم الميليشياوي الأجنبي وتأسيس وتدريب وتمويل ميليشيات محلية ودعمها سياسياً وعسكرياً، وتقديم الاستشارات والمشاركة في غرف القيادة والعمليات المركزية والفرعية؛ إضافة إلى تدخلها المباشر في المفاوضات المحلية و”المصالحات المحلية”؛ كما دفعها ذلك إلى انتهاج سياسة إقليمية ترتكز على عدة أبعاد عسكرية أمنية وسياسية، فالأبعاد العسكرية دفعتها باتجاه تمكين حليفها عسكرياً وأمنياً وتشكيل أطر ميليشياوية محلية؛ وتطلبت الأبعاد السياسية العمل على خلق سرديات مغايرة لأسباب وموجبات الحراك الثوري وأرجعتها لمطالب اقتصادية يستغلها “مخربون”؛ وفي ذات السياق عملت الماكينة الأمنية الإيرانية على نقل مستويات الصراع إلى صراع ضد “قوى إرهابية” بشكل يخدم السردية الإيرانية، وذلك عبر دعم السياسات والممارسات التي تُهيئ انتقال الصراع لأبعاد طائفية تغذي سرديات ومظلوميات تخفف من وطأة الصراع على المستوى السياسي(3).

يمكن تحديد أهداف التدخل الإيراني في سوريا بعدة غايات منها ما يرتبط بموقع سوريا الجيوسياسي الذي يتطلب من طهران العمل على عدم السماح بإخلال قواعد الاشتباك مع إسرائيل واحتكار مواجهتها، إذ يشكل سحب هذه الورقة من إيران انتكاساً حاداً لفاعليتها الحركية ضمن تفاعلات النظام الإقليمي، وغياباً عن ميادين صياغة المعادلات الأمنية في المنطقة فانحسار قوات النظام العسكرية وتقهقرها في مناطق الجنوب السوري الحدودية مع فلسطين والأردن وفي مناطق القلمون الحدودية مع لبنان خلال الأعوام الأولى للصراع العسكري، شكل هاجساً مركباً للنظام الإيراني، إذ أنّ هذا الانحسار من شأنه أن يفرض لاعبين جدد في معادلات الأمن ويخرج النظام وإيران منها، بالإضافة إلى أنه يشكل تهديداً حقيقياً لطرق إمداد حزب الله اللبناني الذي يسعى لأن يكون المؤثر الرئيسي في تلك المعادلات في الجنوب اللبناني(4).

ومن الأهداف أيضاً ما يتعلق بسوريا نظاماً وجغرافية؛ إذ أنّ الحفاظ على النظام ودعمه ومساندته أمام حركة التغيير التي تلقت دعماً ومساندة من عدة دول عربية وأروبية ناهيك عن تركيا والولايات المتحدة، أدى إلى إبراز قوات النظام وحلفائه كقوة عسكرية منظمة، يمكن أن تضطلع بأدوار عسكرية وأمنية ضمن عمليات “محاربة الإرهاب”، ما من شأنه أن يعزز مكاسب طهران ويجعلها أكثر استراتيجية؛ كما أن التحكم في الميزات الجيوسياسية لما بات يُعرف بـ “سوريا المفيدة” و”البادية السورية”، سيزيد من هامش طهران في عرقلة أي حل نهائي في سوريا، ويتيح لها تعميق مستوى الحماية لجيوب استراتيجية تشكل تهديداً لمصالحها في حال فقدان السيطرة عليها، فتثبيت قواعد اشتباك خارج حدود “سوريا المفيدة” من شأنه أن يحول دون تعطيل المشروع الإيراني في سوريا والتي تعتبر نقطة وصل مهمة إلى لبنان وإلى المياه الدافئة، كما أنّ تأصيل هذا التدخل سيبدد أي وجود عسكري يهدد مصالح حزب الله في لبنان، ويحافظ على قنوات إمداده(5).

قبل التدخل الروسي؛ شكل مشهد التخلي عن النظام السوري من معظم حلفائه السابقين (كدول الخليج وتركيا وأروبا قبل الثورة) فرصة مهمة لطهران للاستحواذ على دائرتي التفاوض المنبثقة عن الصراع السوري؛ الدائرة المحلية والدائرة الخارجية؛ فعلى المستوى المحلي شكل التواجد العسكري للميليشيات المحلية والأجنبية المدعومة من طهران عاملاً دافعاً للانخراط في المفاوضات المحلية مع قوى الثورة والمعارضة وبالتالي مع حلفائهم الإقليميين والدوليين(6)؛ وعلى المستوى الخارجي فقد ساهم هذا التواجد وما يتضمنه من عوامل تأثير في المشهد السوري في تغلغلها في عمليات التفاوض الدولية ضمن “العملية السياسية” وبالتالي العمل على استثمار هذا التغلغل لخلق مساحات حوار مع المجتمع الدولي، تساهم في تعجيل الحصول على اتفاق نووي لا يتعارض مع الشروط الإيرانية؛ واستثمار هذه المساحات لتعزيز بعض المقاربات الدولية، لا سيما مقاربة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في التعاطي مع إيران والتي تعتبر أن تمكين إيران مقابل تحجيم قوتها النووية عامل يساهم في الاستقرار الإقليمي، وهي نظرة سياسية لا يستثنيها المجتمع الدولي من خياراته السياسية حيال المشرق العربي متذرعاً “بترهل” الكتلة الخليجية(7).

تدرجت أدوات التدخل العسكري الإيراني ونوعيتها في سوريا وفق طبيعة كل مرحلة، وعلى الرغم من مساهمة هذه الأدوات في تحسين قدرة النظام العسكرية نسبياً إلا أنه وبعد الهزائم المتتالية التي مني بها النظام، منذ الربع الأول من العام 2015 وحتى بداية ربعه الثالث، أضحت تلك الأدوات غير قادرة على تحقيق الفاعلية أو حتى الصمود (يدلل على ذلك العديد من المؤشرات، منها طلب طهران من موسكو التدخل)(8)، الأمر الذي جعل معظم مكتسبات الهندسة الإيرانية مكتسبات قلقة؛ فلم يساهم الاتفاق النووي عملياً في تحسن تموضع إيران وحلفائها عسكرياً في سوريا، وحتى الجيوب الاستراتيجية التي حاولت السيطرة عليها بقيت غير مستقرة نظراً لكثرة الفاعلين المحليين وتنوع انتمائهم واختلاف مقدراتهم العسكرية. كما تحولت سوريا التي جهدت طهران في تحويل جل أذرعها في المنطقة إليها، إلى جبهة استنزاف حاد لهم لا سيما لحزب الله والميليشيات العراقية، وبالتالي تزايد احتمالية انعكاس ذلك سلباً على مصالحها في لبنان -المضطرب سياسياً- والعراق، ويضاف إلى ذلك تزايد صراعات بينية عسكرية كامنة بين أذرعتها في الجغرافية السورية.

أما بعد التدخل الروسي الذي أتى كخطوة فرضتها الضرورة الناشئة من اللحظة السياسية والعسكرية الحرجة في الملف السوري، عملت موسكو وطهران وفق مقاربة سياسية عسكرية، قائمة على الهيمنة العسكرية واستعادة الأرض وضرب المعارضة السورية، وتحويل ذلك لمكتسبات سياسية توظفها لتعزيز سرديتها وتعريفها للملف السوري. وبهذا السياق كان لا بد لموسكو من اتباع ذات الاستراتيجية العسكرية المتبعة من قبل النظام وإيران، والمعروفة باستراتيجية “الحل الصفري” على المستوى العسكري في سوريا. فتعمّق التحالف الروسي الإيراني بحكم الضرورة والغاية العسكرية (القوات الروسية جواً والميليشيات الإيرانية براً)، فضربت ابتداءً مناطق سيطرة قوى الثورة في الساحل، وأخرجت كافة جيوبها من مساحات “سوريا المفيدة” مُتبعة منهجية التهجير وصولاً لعودة السيطرة على حلب الشرقية، كما رافق كل ذلك إجهاضٌ دائمٌ لأية فاعلية تُرتجى من مجلس الأمن باستثناء قرار نشر المراقبين الدوليين رقم 2328، للإشراف على عملية الإخلاء كونه يعزز السيطرة الدائمة على مدينة حلب. هذا الإعلان الذي أفضى لاحقاً لتكريس مسار الأستانة الذي وجدت فيه طهران فرصة للاتكاء على الروس على سبيل استيعاب الطموحات الترامبية (التي كان من أهم ادعاءاتها أنها ستحجّم إيران التي تتسبب في توتر المنطقة وعدم استقرارها)؛ ومدخلاً مهماً لتحسين علاقة طهران بتركيا باعتبارها فاعلاً مؤثراً مهماً في مشهد المعارضة السياسية والعسكرية من جهة؛ وباعتبارها مدخلاً مهماً لمقاومة العقوبات الدولية المفروضة على إيران من جهة أخرى(9).

وعلى الرغم من تحسين كفة الصراع للنظام وتعظيم شروطه السياسية ضمن مسار العملية السياسية سواء عبر ما أفرزه مسار الأستانة أو عبر مسار المصالحات (الشكل الادعائي لعمليات التهجير)؛ فإنّ التواجد الإيراني شهد تحديات عديدة لعل أهمها الاستهداف الإسرائيلي المستمر لها، وتحول هذا التواجد لاسيما ضرورة تحجيمه في سوريا، لهدف مشترك لعديد من الفواعل لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والمملكة العربية السعودية؛ وعاملاً ضاغطاً على حلفائهم الروس؛ إلا أن سياسة الاستحواذ الإيرانية التي اتبعتها خلال سنوات الصراع من خلال امتلاك القدرة والتأثير على معظم دوائر التأثير الحكومي وغير الحكومي في سوريا، جعل طهران تتجه نحو إعادة التموضع والتحالف المحلي وجعله تواجد شبكي مندمج لحد ما، لا سيما في بنية الدولة العسكرية والأمنية، وهو ما سيجعلها مرشحة للمساهمة في إنتاج حل سياسي لا يتعارض مع أهدافها الاستراتيجية، سواء عبر الدعوات المبطنة لعودة التطبيع مع النظام، أو عبر تجاوز لحظة الانتقال السياسي لصالح استحقاقات تجهد كل من موسكو وطهران لتحويلها لاستحقاقات حكومية غير مستعجلة.

الحفاظ على المكتسبات

انطلاقاً من ضرورة ضمان مصالحها في سوريا أدركت القيادة الإيرانية ضرورة الإمساك بكل أطراف الملف السوري وتنويع سيناريوهات التعامل مع المآلات المتعددة؛ وهذا ما يفسر تعدد اتجاهات التموضع والتي يمكن حصرها باتجاهات سياسية وعسكرية واقتصادية.

فعلى المستوى السياسي تدفع إيران سياساتها تجاه سوريا نحو تحقيق الخيار الأمثل لها وهو التأثير المستمر على قرارات النظام السوري والدفع باتجاه إعادة تأهيله إقليمياً ودولياً، الأمر الذي يبقي إيران متحكمة بملفات المنطقة ذات الأهمية الجيوسياسية والأمنية؛ كما عملت السياسة الإيرانية على جعل أي سيناريو متخيل حول تنحي الرئيس بشار الأسد أو عزله في حال وقوعه غير مؤثر، ولا تنتج عنه ارتدادات وانتكاسات على مشروعها في المنطقة، وذلك عبر تنويع الاختراق لمؤسسات الدولة، خاصة مؤسستي الأمن والجيش(10)؛ وحزب البعث العربي الاشتراكي؛ بالإضافة إلى توظيف الأدوار السياسية للنظام سواءً عبر إحكام تبعية أدوات النظام الدبلوماسية بتوجيهات وأهداف إيران الإقليمية والدولية، أو عبر ربط الأدوات الإعلامية والتنفيذية الرسمية بحزم خيارات وتوجهات إيران(11).

أما على المستوى العسكري، فيمكن وصف التواجد والتغلغل الإيراني داخل بنى الجيش بأنّه تغلغل نوعي؛ تشارك إيران في أجزاء من الميليشيات التي ترعاها في القوات الفرعية التابعة للنظام، في محاولة واضحة لضمان وجود نفوذ طويل الأجل داخل المؤسسات المسلحة الرسمية في سوريا. وتحقيقا لهذه الغاية، توصلت طهران إلى اتفاق في أبريل/ نيسان 2017 لدمج قوات الدفاع المحلية، والتي تشكلت من الميليشيات التي كانت قد رعتها بين عامي 2013-2014، في القوات الرسمية للنظام(12)، ولم ينتج عن هذا الدمج إنهاء تابعيتها لإيران حيث لا تزال بمثابة المسؤول الوحيد عن تسليحها وتمويلها. وخلال تنويع نفوذها، تعكف إيران على دمج حلفائها من الميليشيات المحلية في هيكل عسكري هجين يكون تحت السلطة الاسمية لمخابرات القوات الجوية أو الفرقة الرابعة أو الحرس الجمهوري، وبالرغم من قيامهم بتلقي تمويلهم وذخيرتهم من خلال هذا الهيكل، فإنّهم يستمرون في العمل بشكل مستقل إلى حد ما. وكما هو الحال مع قوات الدفاع المحلية، تنضم هذه الميليشيات إلى وحدات كاملة (بدون تدريب أو رتب أو إعادة هيكلة)، حيث يوقع الأعضاء عادة عقوداً لمدة سنة، ويتقاضون أجورهم من طهران(13).

وفي خطوة بالغة الأثر؛ وقّع أمير حاتمي، وزير الدفاع الإيراني، مع نظيره السوري، علي أيوب، في أغسطس/آب عام 2018 معاهدة عسكرية، تضمنت تقديم إيران كافة أشكال الدعم لإعادة بناء القوات المسلحة والصناعات العسكرية الدفاعية السورية بما في ذلك الصواريخ، والالتزام بتعزيز “البنى التحتية الدفاعية في سوريا” والتي تسمح وتتيح مواصلة التواجد والمشاركة الإيرانية في سوريا. وفي ذات السياق، فإنّ الميليشيات الإيرانية موجودة إمّا في قواعد عسكرية تتبع لقوات النظام أو من خلال تشكيلات خاصة بها معروفة أو مستحدثة وتنتشر في عموم سوريا، خاصة قرب المناطق الحدودية مع الأردن وفي درعا والسّخنة والقلمون بالإضافة إلى قاعدتها الجديدة في اللجاة؛ ناهيك عن قيام طهران بتعزيز تحالفاتها مع قياديين عسكريين بارزين كقائد الفرقة الرابعة (اللواء الركن ماهر الأسد) وقائد الحرس الجمهوري (اللواء طلال مخلوف) والمخابرات الجوية (اللواء جميل الحسن) وغيرهم(14).

وعلى المستوى الاقتصادي، فالنشاطات الإيرانية متعددة وتشمل عدة قطاعات؛ فعلى سبيل الذكر لا الحصر، وقعت هيئة إعادة الإعمار الإيرانية عدة عقود مع وزارات مختلفة في مجال الكهرباء وإعادة تأهيل المدارس؛ كما تنفذ منظمة جهاد البناء، المدعومة إيرانياً، عدة أنشطة ضمن ما تسميه إعادة الأعمار والإنعاش، كما تم إنشاء فرع من جامعة آزاد الإسلامية في مدينة حلب. أما على مستوى العقود الرسمية فهناك طيف واسع من الاتفاقات التي تدلل على رغبة طهران التغلغل في كافة القطاعات الاقتصادية؛ ففي العام 2017 وقّعت إيران خمس مذكرات تفاهم بين دمشق وطهران في يناير/كانون الثاني، تضمنت العديد من الاستثمارات السيادية في الطاقة، والاتصالات، والصناعة، والزراعة، والثروة الحيوانية. كما تم الاتفاق على التعاون في استثمار مشاريع للكهرباء بإنشاء محطات توليد ومجموعات غازية، ناهيك عن استثمارات في مناجم الفوسفات بخنيفيس في ريف حمص التي تُعتبر من أكبر حقول الفوسفات في العالم، إذ بلغ احتياطي سوريا من هذا المورد الهام وفق أرقام الشركة العامة للفوسفات والمناجم 1.8 مليار طن خام في 2009، كما قُدرت أرباح الشركة خلال 2008 بمليارين ومليوني ليرة سورية (قرابة 40 مليون دولار على سعر 50 ليرة للدولار)، ويشمل العقد الموقع مع إيران التنقيب عن الفوسفات واستخراجه واستثماره لمدة 50 عاما؛ كما منحت دمشق إيران أيضاً حق الاستثمار في حقل زاهد لتربية الماشية، وخمسة آلاف هكتار من الأراضي الزراعية، ومثلها لإنشاء المستودعات والمحطات النفطية، ورخصة تشغيل الهاتف المحمول الثالث في البلاد، علماً أنّ عائدات شركة النقال في سوريا تقدر بنحو 12 مليار ليرة سورية سنوياً، على أن يبلغ حجم الاستثمار في المشغل الجديد نحو 300 مليون دولار، بحيث تكون حصة الجانب السوري 20%، في مقابل 80% لشركة إيرانية(15).

يتمثل الناظم الرئيسي وراء هذا التموضع النوعي برغبة طهران بامتلاك أكبر قدر ممكن من مجالات التأثير على الدولة السورية وشبكات النظام الآخذة بإعادة التشكل؛ وذلك بغية الهدف الجيواستراتيجي الأبرز وهو الحفاظ على المكتسبات وحمايتها وضمان استمرارها؛ وبالتالي تحصيل ما تعتبره طهران “ثمار سنين من التدخل والاستنزاف”؛ ولا يزال مسار الأستانة يشكل المدخل الأهم لطهران لبلورة حل سياسي يستند لنتائج الميدان الذي جهدت موسكو وطهران لتطبيق الحلول الصفرية حياله.

سيناريو استيعاب المرحلة

ممّا لا شكّ فيه أنّ الانسحاب الأمريكي المزمع من المشهد العسكري السوري سيشكل فرصة مهمة لإيران تدفعها نحو ملء الفراغ؛ إلا أنّ هدف “تقويض طهران” بات يشكل قاسماً مشتركاً لمعظم الفاعلين في الشأن السوري؛ خاصة بعد التوافق الدولي غير المعلن حول السماح لإسرائيل باستهداف تحركات وقواعد طهران المنتشرة في معظم المحافظات. هذا الاستهداف الذي تزايدت حدته في الآونة الأخيرة قد يكون من شأنه إبقاء المشهد السوري خاصة والإقليمي عامة، مرشحاً لاضطرابات كبرى، ولكن قد يُخفف من بعضها، تغليب الفاعلين في الولايات المتحدة الأمريكية لسيناريو “الخنق الاقتصادي والاستهداف الدقيق”، الذي يهدف –بحسب بعض التصريحات الأمريكية- إلى تغيير النظام الإيراني من الداخل من خلال ضرب الاقتصاد المحلي، وإنهاك البلد، واستهداف التواجد الإيراني الإقليمي(16). بالمقابل، وأمام جملة الاحتمالات المفتوحة تلك، فإنّه من المتوقع أن تتّبع طهران سيناريو “استيعاب المرحلة” واللعب على التناقضات بين الفاعلين سواء في الداخل الأمريكي نفسه الذي يشهد اضطراباً متزايداً حول سياسات ترامب في المنطقة باعتبارها سياسات ارتجالية لا تستند لركائز استراتيجية؛ أو تلك التناقضات الكامنة بين روسيا وتركيا حول ترتيبات شرق الفرات، أو من خلال المفاوضات الجارية بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية والتي لا تزال حذرة ومليئة بالتعقيدات؛ وبالتالي فإنّ معظم القرائن تشير إلى أنّ حلاً سياسياً ناجزاً وشاملاً وفق القرار الدولي 2254 ومسارات جنيف، وحتى مسار اللجنة الدستورية، لن يحصل في المدى المنظور. وبالتالي ستعتمد الأطراف سياسة الركون إلى مناطق النفوذ والبناء عليها لتكون الدينامية الأبرز لمحركات المشهد السوري؛ وهذا سيتيح المجال أمام طهران لتعزيز شبكاتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية من جهة؛ ويخلق لها هوامش من جهة ثانية، لإعادة خلق سياسات شبيهة بسياساتها في العراق إبان الاحتلال الأمريكي وبعده، بما يُمكّنها من حماية مكاسبها وضمان استمراريتها وعدم خسارتها لمسرح جيوسياسي مهم كسوريا.

ولكن لا تزال عقبات وعوائق الحفاظ على تلك المكتسبات القلقة قائمة أيضًا؛ منها احتمالية توسع التباينات التي بدأت بالظهور بين روسيا وإيران لتصبح اختلافاً؛ فالتلاقي الوظيفي البيني الراهن قد يغدو خلافاً عند النقاش على الهدف الاستراتيجي لإيران وإشكالياته الدولية والإقليمية؛ هذا الهدف تراه موسكو بمثابة استمرار للتدخل أو “التورط الروسي”؛ ومن هذه العقبات أيضاً تراجع القدرة الإيرانية سواء في ظل ما تشهده طهران من انتكاسات اقتصادية أو ما ستفرزه العقوبات الدولية من تداعيات؛ وهذا الأمر سيتعزز إبان حالة الاستعصاء الدولي اتجاه تمويل إعادة الإعمار وربطها بعدة شروط لا تتناسب ومتطلبات النظام وحلفائه.

عموماً تدلل الحركية السياسية والعسكرية الإيرانية على استمرارها بالقيام بثلاث وظائف رئيسية، الأولى الاستحواذ الأفقي على المؤسسة العسكرية والأمنية وكافة تفاعلاتها بحيث تضمن امتلاك مداخل صنع القرار فيهما، وبالتالي تحكمها بأحد أهم أركان الدولة العميقة، وهو أمر له تقاطعاته مع الغاية السياسية لطهران والمتمثلة في ضمان مراعاة شروطها الجيوسياسية والجيبولتيكية، والوظيفة الثانية تتمثل في الاستحواذ على أهم الطرق البرية في سوريا لتحقيق الوصول للمياه الدافئة من جهة وللاستمرار بإرسال الأسلحة لحزب الله من جهة ثانية، أما الوظيفة الثالثة فهي الاستثمار في تحالفاتها الراهنة باتجاه تضمين مصالحها في أي تسوية محتملة في سوريا.

وبهذا ستكون جملة “سندافع عن سوريا بكل وجودنا” التي صرّح بها الرئيس السابق لهيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية، فيروز أبادي، هي المتحكمة في الأدوار المستقبلية لطهران؛ لأن كافة المحركات الرئيسية للفاعلية الإيرانية في سوريا والتي انتقلت من الفعل والاهتمام السياسي ليشمل الفعل الأمني والعسكري والاقتصادي، تنطلق من مقاربات جيوسياسية وجيوأمنية؛ وتستند على اعتبارات استراتيجية إيرانية تنظر إلى سوريا باعتبارها نقطة دفاع متقدمة عن إيران وطموحاتها في التموضع الرئيسي في النظام السياسي –الأمني الإقليمي؛ كما أن أي استهداف للنظام الحاكم في سوريا تعتبره طهران استهدافاً للاستثمار الإيراني الاستراتيجي الذي بلغ حداً مهماً في العراق –حيث مجاله الحيوي- ومكانة رئيسية في لبنان عبر حليفها الاستراتيجي حزب الله؛ وهذا كله -في ظلّ توجهات الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها حيال إيران- سيدفع المشهد العام سورياً وإقليمياً لمزيد من التوترات التي تمتلك كافة مؤشرات الانزلاق لأزمة كبرى.

خاتمة

تشكل أدوات القوة الصلبة أحد أهم أدوات سلوك طهران وسياساتها الإقليمية منذ مطلع الألفية الجديدة، إذ تدلل تلك الأدوات على طبيعة التوجه الإيراني وطموحه باتجاه قيادة محور إقليمي يحقق له المكاسب الاستراتيجية ويضمن له أدواراً قيادية، وحيث تؤكد حركية طهران في المشرق العربي أنّها انتهجت عدة سياسات؛ انطلقت الأولى من ضرورة الاستحواذ التام على تفاعلات العراق، المجال الحيوي الأكثر أهمية لإيران، والسيطرة على كافة مسارات ودوائر صنع القرار فيه، والثانية تمتين التحالف مع نظام الحكم في دمشق الذي يضمن لها الانخراط في معادلات المنطقة الأمنية وبالتالي حمايته ودعمه ومساندته سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، والثالث هو عبر تعزيز أدوات التمكين لحزب الله اللبناني داخل الدولة اللبنانية وتطويعه لصدّ مهددات طهران، وتعزيز امتلاك خطوط مواجهة مع إسرائيل الذي يخدم “دعايتها السياسية” من جهة ويجعل الحزب طرفاً مؤثراً في معادلات أمن الإقليم من جهة ثانية؛ إلا أنّ تلك الأدوات تشهد اختباراً جدياً في سورية؛ تحاول طهران التعامل معه وفق سياسات الاحتواء ثمّ التكيف من خلال العمل على تناقضات القوى والمصالح الدولية، وعبر إعادة تموضعها في سوريا عبر سياسات الاستحواذ النوعي والانصهار في بنى الدولة وشبكات النظام.

ــــــــــــــــــــــ

باحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية.

مراجع

1- ولد شيخنا، سيد أعمر، ” الديمقراطية عقدة إيران مع الربيع العربي”، الجزيرة نت، 9 يوليو/تموز 2015، (تاريخ الدخول 19 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/b5RP7i 

2- دندوش، كريم، “الموقف الإقليمي (الإيراني والتركي) من الثورة السورية”، مركز أمية للبحوث والدراسات، 26 يوليو/تموز 2012، (تاريخ الدخول 19 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/x4TYdp 

3- الخالدي، هناء، “التدخل الإيراني في الصراع السوري الداخلي 2011-2014″، رسالة ماجستير، جامعة الأزهر- غزة، 2014، صفحة 28.

4- “حدود السياسات الإيرانيّة في سوريّة وأثرها في الحل السياسي”، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 13 أبريل/نيسان 2015، (تاريخ الدخول 19 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/S8sUoH 

5- المرجع السابق.

6- للمزيد أنظر:

– “لماذا يستميت النظام ومعه إيران للسيطرة على الزبداني بأي ثمن؟” السورية نت،17 أغسطس/آب 2015، (تاريخ الدخول 17 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/8fPjUZ 

– الداهوك، فادي، “حمص القديمة كمرتكز للنفوذ الإيراني”، المدن، 13 مايو/أيار 2015، (تاريخ الدخول 17 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/Su2rJy 

7- “السياسة الإيرانية في سورية: حدودها ومستقبلها”، السورية نت، 14/4/2015، (تاريخ الدخول 17 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/Fu76fH 

8- للاطلاع على هذه المؤشرات انظر: محسن أبو النور، محمد، “انعكاسات التدخل الروسي على دور إيران في سوريا”، السياسة الدولية، 11 مايو/أيار 2016، (تاريخ الدخول 18 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/7Xjm8n 

9- “تحديات المعارضة السورية بعد خسارة حلب وإعلان موسكو”؛ مركز عمران للدراسات لاستراتيجية، 26 ديسمبر /كانون الأول 2016؛ (تاريخ الدخول 19 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/2ZwVda 

10- بلال، غياث، “دور إيران ووكلائها الإقليميين في أزمة سوريا”، الجزيرة نت، 10 مارس/آذار 2015، (تاريخ الدخول 19 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/rrcjWp 

11- الخطيب، مجد، “ماذا تريد إيران من انتخابات الادارة المحلية؟” المدن، 16 سبتمبر/أيلول 2018، (تاريخ الدخول 17 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/XNLBFp 

12- وهي وحدات أُنشأت مع نهاية عام 2017 وهي تتألف من عدة ميليشيات محلية مدعومة إيرانياً؛ بتاريخ 6 إبريل/نيسان 2017 صدرت وثيقة عن “شعبة التنظيم والإدارة/فرع التنظيم والتسليح” مرفوعة إلى “القائد العام للجيش والقوات المسلحة” بشار الأسد، من أجل تنظيم علاقة “السوريين المدنيين والعسكريين في القوات العاملة مع الجانب الإيراني”، و”تسيير أمورهم إدارياً طيلة فترة الأزمة”. ووقع بشار الأسد على تلك الوثيقة، موافقاً، في إبريل/نيسان 2017. للمزيد انظر: “تحولات المؤسسة العسكرية السورية: تحدي التغيير وإعادة التشكيل”، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 31 ديسمبر/كانون الثاني 2018، ص: 80- 96.

13- حايد، حايد، “إعادة دمج الجماعات المسلحة السورية: الآليات، الجهات الفاعلة، وأوجه الفشل”، كارينغي، 17 ديسمبر/كانون الثاني 2018، (تاريخ الدخول 23 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/ZUQkS8 

14- “سوريا: محركات الصراع الداخلي في المؤسسة العسكرية ومآلاتها المتوقعة عام 2019″، المرصد الاستراتيجي، 13 يناير/كانون الثاني 2019، ص: 7- 8

15- قومان، مناف، “التموضع الاقتصادي الإيراني في سورية”، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 4 أبريل/نيسان 2018، (تاريخ الدخول 20 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/bbezEm 

16- “ثلاثة سيناريوهات مريرة أمام إيران في سوريا”، أورينت، 12 مايو/أيار 2018، (تاريخ الدخول 23 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/1N2Vi3

الأسد بين إيران وروسيا.. إما الرحيل وإمّا القتل/ منير الربيع

لم يكن مشهد ارتماء رئيس النظام السوري بشار الأسد في الحضن الإيراني، مشهداً بسيطاً أو تفصيلياً. بالتزامن مع احتضانه من قبل خامنئي، كان هناك لقاء يحصل بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. بعض التفاصيل المقبلة ستكون كفيلة بإيضاح الصورة أكثر. إيران تستثمر بشخص الأسد فقط، وروسيا تستثمر بالنظام ومؤسساته، أما واشنطن التي تضغط على الطرفين، على ما يبدو أن موقفها من الأسد لم يتغيّر، بل أصبح ثابتاً أنه وضع على الطاولة بانتظار ثمنه.

مشهد الأسد في طهران، سيمثّل استثماراً من قبل روسيا، خاصة أنه كان وحيداً، ما يعني أن طهران تحتفظ بشخص الأسد بينما موسكو تحتفظ بكامل “الدولة” السورية. وإذا ما ارتبط هذا المشهد، بجملة أحداث وتطورات حصلت، فيعني أن الأمور تتجه نحو فتح البازار على رأس الأسد، قد لا يفتح البازار سريعاً، ولا منطلق من حسابات عسكرية، بل سياسية بفعل تأثير الضغوط الاقتصادية الأميركية والأوروبية على كل من روسيا وإيران، للوصول إلى حلّ سوري يلائم مختلف القوى، أي حلّ من هذا النوع لا يمكن له أن يسمح للأسد بالبقاء.

الشروط التي كانت مفروضة على الأسد لإعادة فتح أبواب الجامعة العربية أمامه كانت تتلخص بخروجه من العباءة الإيرانية، أما وقد لجأ إلى الاختباء في ظل هذه العباءة، فهذا يعني قرارا حاسما لدى الدولة المناهضة لطهران بأن الأسد غير صالح للتأهيل أو للاستعادة. وهذا لا ينفصل عن التحرك الإسرائيلي الذي سيحصل خلال الفترة المقبلة في سوريا، أولاً لجهة توسيع رقعة العمليات والغارات، والتي ستزداد وتيرتها كلما اقتربت الانتخابات الإسرائيلية وقد تتطور أكثر في مرحلة ما بعد الانتخابات، وهذا يتحدد بناء على الجهة التي ستفوز بهذه الانتخابات.

وما هو ليس تفصيلاً أيضاً، هي الجولة التي أجراها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى دول الخليج، بعد لقاء نتنياهو بوتين، والمواقف الخليجية جاءت واضحة لرفض التطبيع مع الأسد وإقفال أبواب إعادته إلى الجامعة العربية. وهذا كلّه يرتبط بجملة تحركات أميركية ستحصل، وهي في إطار التحضير للمرحلة المقبلة. وقد بدأت بطي صفحة الانسحاب الأميركي الكامل من شرق سوريا، مع تعزيز هذا الوجود بإجراءات قاسية لن تحمل أي تغيير دراماتيكي الطابع. بل طويلة الأمد. وربما تحضيراً للانتخابات الرئاسية التي ستحصل سنة 2021.

كلام لافروف من السعودية حيث قال إنه جرى التوصل بين موسكو والرياض إلى تفاهم بشأن جميع الموضوعات الرئيسية في الأزمة السورية. يعدّ دليلاً بارزاً على مدى التوافق الروسي الأميركي حيال الوضع السوري، خاصة أن روسيا وإيران دخلتا في مجال المنافسة بينهما حول من يتمكن من السيطرة أكثر على مفاصل القرار السوري، وبما أن موسكو لا تريد الدخول في مواجهة مباشرة مع طهران في سوريا، فلا بد لها من منح الغطاء للضربات الإسرائيلية، والتي تتوازى مع حراك أميركي أصبح واضحاً.

ستستمر أميركا بالضغط أكثر فأكثر على النظام السوري، وذلك لضربه أمام حاضنته الشعبية، وهذا لا ينفصل عن أزمات الكهرباء، الغاز، والماوزت التي تعاني منها بيئة النظام الاجتماعية، هذا المسار الطويل الأمد، سيكون مرتبطاً بملف إعادة اللاجئين، والذين تراهن عليهم أميركا إلى حدّ بعيد في تغيير أي معادلة انتخابية في المستقبل بعد الاتفاق على الحلّ السياسي، وبالتالي سيكونون الحصان الرابح في إسقاط رئاسة بشار الأسد، خاصة أن أي انتخابات ستحصل ستكون خاضعة لمراقبة دولية شديدة، وسيخوضها مرشحون معارضون حقيقيون وجديون لمواجهة الأسد، الذي سيجبر على فتح باب الترشح وتأمين حرية الدعاية الانتخابية وصولاً إلى حرّية الاقتراع، هذا وفق النظرة الأميركية للأحداث. بناء على توافق أميركي روسي، يجنّب روسيا الحرج من التخلي عن الأسد، وإحالة إزاحته إلى الانتخابات.

كل المعطيات تؤشر إلى أن القضية السورية ستكون ممتدة إلى سنوات متواصلة، إذ ليس هناك ما يوحي بخطوات سريعة، لكن الأساس هو أن الأميركيين سيبقون في سوريا وخاصة على الحدود السورية العراقية، ربطاً بمنع النظام من الدخول إلى الشرق السوري وتحديداً مناطق وحدات حماية الشعب الكردي، وهذا يرتبط بإجراءات أميركية جديدة ستحصل، من خلال مطالبة مصر بمنع مرور السفن الإيرانية من العبور في قناة السويس، خلال توجهها إلى سوريا، وهذا يؤشر إلى التصعيد الأميركي الكبير حول الملف السوري، لا سيما أن الضغط الأميركي ازداد في الفترة الأخيرة على مصر لسحب مسألة إعادة النظام السوري إلى الجامعة العربية من التداول.

تحوّل بشار الأسد إلى عبء على كل الدول، الحليفة والمخاصمة له، فهو عبء على روسيا بسبب علاقاته بالإيرانيين، وعبء على الأميركيين على الرغم من أن أسباب بقائه ترتبط بتوفير أمن إسرائيل وتأكيد الإسرائيليين بأنه لن يكون بالإمكان المجيء بأفضل من آل الأسد لتوفير حماية الحدود، لكن عند توفر البديل أو بروز الاتفاق الذي يسعى الإسرائيليون إلى تحقيقه من خلال الأميركيين والروس، فإن الأسد سيكون قد بدأ بشدّ أحزمته للرحيل.

التبارز الإيراني الروسي حول الأسد سيبقى مستمراً، وهو سيجد نفسه أمام خيار من اثنين، إما الاستمرار بالعلاقة مع الإيراني وهذه ستكلّفه سياسياً، أو أن يبدأ الخروج من العباءة الإيرانية تباعاً لإرضاء روسيا وبحثاً عن مكسب، لكن ذلك سيكلّفه حياته، التي ستنهى برصاصة إيرانية.

تلفزيون سوريا

الاسد في الحضن الايراني الدافىء/ ساطع نور الدين

منذ أن إرتمى الرئيس السوري بشار الاسد في أحضان المرشد الايراني علي خامنئي في طهران الاسبوع الماضي، في مشهد غير مألوف بين الرجلين وبين الشعبين وبين البلدين، والبحث يدور عما إذا كانت إيران قد حققت أخيراً نصرها النهائي في سوريا، وما عادت تخشى من عدو او خصم او منافس على التركة السورية التي تخلى عنها الجميع، ولم يبق منهم سوى روسيا.

لم يكن المشهد محبباً لأحد، بمن فيهم السوريون الموالون للنظام. لعله كان صادماً للكثيرين، ولا يزال. حتى الآن لم يتضح ما إذا كان الاسد قد إستُدعي على عجل الى العاصمة الايرانية، للقاء ولي الفقيه، أم أنه هو الذي طلب ذلك اللقاء العاجل، الأول من نوعه منذ الثورة السورية، وهو الذي أحرج خامنئي وأخرجه عن وقاره، عندما دخل عليه لوحده، وإحتضنه بحرارة، وفتح معه ذلك النقاش الذي لن تعرف  تفاصيله الكاملة، إلا إذا روتها المصادر الايرانية.

ليس هناك رواية سورية لخلفيات ذلك اللقاء الحميم، سوى إتفاق التعاون الاستراتيجي الذي وقعه البلدان في دمشق قبل أسابيع، وهو يتضمن إستثمارات إيرانية في قطاعات الكهرباء والمياه والطرق والاسكان، وغيرها من البنى التحتية المدرجة على لائحة إعادة الاعمار..وهو يسلط الضوء على واحد من أهم ألغاز الحرب السورية: التمويل الخارجي الذي حسمته إيران منذ اللحظة الاولى عندما قررت أن تضخ في ميزانية الدولة السورية، ما يصل الى ستة مليارات دولار سنويا، تغطي الوقود وتسليح الجيش وتجهيزه والمواد الغذائية الاساسية.. وهو رقم يتخطى بأضعاف مجموع ما دفعته دول الخليج العربية على المعارضة السورية طوال ثماني سنوات.

يمكن الإفتراض أن الاسد طار الى طهران لكي يشكر خامنئي على هذا التمويل السخي، ولكي يطلب مبالغ إضافية تسد الحاجة المتزايدة لتغطية متطلبات السوريين المعيشية الملحة مثل الخبر والغاز، ومستلزمات الجيش من الاسلحة والذخائر والمعدات الروسية التي لا تصنف كلها كهبات من موسكو، بل كمستحقات مؤجلة، واجبة السداد، إما بالعملة الصعبة أو بالمقايضة السهلة  مثل تأجير عدد من المنشآت العسكرية (البحرية والجوية ) والنفطية السورية لروسيا .

الزيارة المفاجئة جاءت في ختام جولة من الصراع الميداني والسياسي بين طهران وموسكو، على النفوذ في سوريا، وهو ما تجسد في سلسلة اشتباكات ومناوشات بين الفرقتين الرابعة من الجيش السوري الموالية لإيران والفرقة الخامسة الخاضعة للروس، والتي يبدو أنها ساهمت في تعزيز الحضور الايراني، المتغلغل أصلاً في مختلف مناحي الحياة السورية، والمتمدد حتى في أوساط المعارضة السورية السابقة، التي صالحت النظام وعادت الى “حضنه”، لا سيما في جنوب سوريا، لقاء بدل مالي إيراني مجزٍ، أكثر من البدل الخليجي السابق.

زيارة الاسد قدمت الدليل الأكيد على التفوق الإيراني في هذا السباق الخفي مع روسيا التي بات يحكى علناً في طهران وفي بعض الدوائر في دمشق عن سوء فهمها وإدارتها للشأن السوري، وعن تفاهماتها المكشوفة مع إسرائيل، وعن هواجسها الاميركية المبالغ بها، وعن مبالغاتها في طلب حصص سورية لا تستحقها، ولم تقدم ما يوازيها من تضحيات.. برغم ان الحكومتين الايرانية والسورية لم ولن تتنكرا للدور ولا للحصة الروسية، لكنهما لن تغفلا حقيقة ان موسكو أحجمت عن المضي قدماً في تنفيذ الهجوم على الشمال السوري، كما أن مخططها لإعادة اللاجئين السوريين بتمويل غربي باءت بالفشل، وكذا الامر بالنسبة الى مسعاها لمصالحة العرب مع النظام.. علما بأن هذا المسعى كان مبنياً على مناشدة العرب العودة الى سوريا لموازنة نفوذ ايران والحؤول دون هيمنتها الكاملة على ثاني بلد عربي بعد العراق.

وعدا عن بغداد، وبعض الانحاء اللبنانية، التي اغتبطت للعناق بين خامنئي والاسد، فإن ذلك المشهد الحميم أطلق أجراس الانذار في بقية عواصم العالم: الكلام بات علنياً في موسكو عن أن الكرملين يطعن في الظهر وبات على طريق الخروج من سوريا خالي الوفاض. والذهول ما زال طاغياً في أنقرة، بعدما أصدر المرشد الايراني خلال اللقاء مع الرئيس السوري أول إدانة صريحة للمنطقة الامنية التي تسعى تركيا الى إقامتها في الشمال السوري، ووصفها بأنها مؤامرة ينبغي التصدي لها. والصدمة ما زالت ملموسة في مختلف دول الخليج العربي التي سبق أن راهنت على الدور الروسي في تحجيم حضور إيران في سوريا.

ولعل كلام خامنئي عن المنطقة الامنية تحديداً كان المؤشر على أن طهران قررت إبلاغ شريكيها في مسار الاستانة، وجميع المعنيين العرب والاجانب بالشأن السوري، أنها هي الآن صاحبة اليد الطولى في سوريا، وأن بشار الاسد عاد الى الحضن الايراني الدافىء، الذي لم يغادره يوماً..بعدما أدرك أنه أهم ما ورثه عن والده الراحل حافظ الاسد.

أما ما يقال في الغرف المغلقة عن أن خامنئي الذي أعلن إستيلاءه على سوريا، يعرض بلاده لمخاطرة شديدة، وما يتردد عن أن بشار الذي تنكر للحضن الروسي، يسير الآن بخطى متسارعة نحو حتفه.. فإنه يحتاج الى الكثير من الأدلة الحسية الملموسة على أنه ليس مجرد تمنيات!

المدن

طموحات إيرانية في سورية/ سامح راشد

ثمّة أمر لا يحتاج إلى تأكيد، أن بشار الأسد لم يعد لديه حلفاء أو داعمون سوى إيران في المنطقة، وروسيا كقوة عظمى، إلا أن ثقته في طهران أعلى منها في موسكو، حيث تتجاوز أهداف روسيا وحساباتها شخصه والنخبة الحاكمة معه. وخلال العامين الأخيرين، ألمحت موسكو، أكثر من مرة، إلى أنها غير متمسكة بالإبقاء على شخص بشار الأسد. كما لعبت عدة مرات دور الوسيط بين الأطراف المعنية بالملف السوري، وكانت أهم تلك الوساطات مطلع أغسطس/ آب 2018، عندما دفعت روسيا إيران إلى سحب قوات وعناصر وأسلحة تابعة لها إلى مسافة 85 كم شرقاً من الجولان، بعد أن هدّدت إسرائيل بعملية عسكرية ضد تلك القوات.

لذا لا تعد روسيا حليفاً حصرياً لبشار الأسد، فقد ساندته بقوة، وأنقذته من السقوط، لكنها تحرص، في الوقت ذاته، على عدم استفزاز الأطراف الأخرى، بل وأحياناً التنسيق معها. بما فيها إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، وتركيا أيضاً. أما إيران، فمتحرّرة إلى حد بعيد من تلك المواءمات، ورهانها على بشار كبير وعميق، ولذلك تحظى بثقته أكثر من أي طرفٍ آخر، وتعتبر أن استثمارها الحقيقي في سورية يكمن في الإبقاء على حكم بشار، واستمرار التحالف الاستراتيجي مع دمشق الذي تملك فيه طهران اليد الطولى.

لا يمثل غياب بشار الأسد مشكلةً حقيقيةً لروسيا، وكذلك الأمر بالنسبة لأميركا وأوروبا، بل وأيضاً لإسرائيل، إلا إذا كان البديل قفز الإسلاميين على الحكم، لكن الوضع مختلف بالنسبة لطهران، فإن مجرد سقوط الأسد، في حد ذاته، يعد خطراً كبيراً وخسارة فادحة، وإهداراً للمليارات التي أنفقتها طهران دعماً عسكرياً واقتصادياً له. ولم يُخف المسؤولون الإيرانيون أن طهران تتطلع إلى مكاسب اقتصادية أعلى كثيراً مما تم إنفاقه، من خلال مشروعات إعادة الإعمار، وكذلك عبر مشروعات جديدة للطاقة، تشمل خطوط أنابيب وممرّات لنقل الطاقة.

كما أن وجود بشار الأسد يمثل صمّام أمانٍ ليس فقط لاستمرار الهيمنة والنفوذ الإيراني، لكن أيضا من منظور التوافق العقيدي “المذهبي” الذي يمثل خط دفاع أول ومباشر أمام مصالح إيران ونفوذها في مواجهة أي تهديد يحمل بعدا عقائديا، سواء في لبنان أو العراق، فضلا عن الداخل السوري بالطبع.

يعزّز ما سبق من توافقات بين دمشق وطهران قاسم مشترك مهم يتعلق بمستقبل سورية، إذ لم تعد وحدة الدولة السورية هي الأولوية، وإنما الاستمرار في الحكم بالنسبة لبشار الأسد، وضمان قدرٍ مناسبٍ من النفوذ والدور بالنسبة لطهران، فالأسد حدّد محور اهتمامه فيما أسماها “سورية المفيدة”. وتجسّدت هذه الرؤية في تركيزه على استعادة مناطق معينة، ومواجهة مختلف الفصائل المسلحة، عدا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وقوات سورية الديمقراطية (قسد)، التابعة للأكراد. ومن المنظور نفسه، حرصت إيران على تركيز وجودها في الغرب والجنوب. وشهدت تلك المناطق نزوحاً داخلياً وتغييراً في التركيبة الديمغرافية، كانت الهوية المذهبية ملمحاً بارزاً فيها.

وعندما تركّز القوات الحكومية المدعومة إيرانياً في عملياتها العسكرية على استهداف الفصائل الإسلامية المسلحة المختلفة مع بعضها، المتقاتلة فيما بينها، وتترك عناصر “داعش” تنسحب بهدوء، وتخرج من مناطقها في أمان، وتترك الشمال ساحةً مفتوحةً تتنازعها تركيا وقوات “قسد”. بينما تمد إيران أذرعها (حزب الله ومجموعات أخرى مرتزقة) في الغرب. يكون المعنى المباشر لهذه الانتقائية أن طهران ودمشق لا تعتبران تقسيم الأراضي السورية خطاً أحمر. بينما استمرار الوجود والسيطرة هو المصلحة الأساسية المباشرة، حتى وإن كان ذلك في نطاق جغرافي معين، قد لا يشمل كل الأراضي السورية، لكنه يكفي لاستمرار سلطةٍ، ولو جزئية، لبشار الأسد والنخبة المرافقة له، وضمان نفوذ سياسي وحضور عسكري ومكاسب اقتصادية لإيران.

العربي الجديد

ماذا تخبرنا زيارة الأسد عن النظام الإيراني؟/ علي حسين باكير

زار بشّار الأسد الأسبوع الماضي إيران للمرّة الاولى منذ اندلاع الثورة السورية في العام ٢٠١١.  الزيارة كانت عاجلة على ما يبدو ويعتقد أنّه قد تم الترتيب لها من قبل قاسم سليماني بهدف تسليط الضوء على “الانتصار الإيراني” في سوريا في مرحلة ما بعد داعش وإرسال رسائل في هذا الصدد إلى الدول المتنافسة على النفوذ داخل سوريا وفي الإقليم.

وفيما يتعلق بتفاصيل الزيارة ومضمونها، فقد قيل الكثير مع التركيز على الطريقة التي تمّ بها التعامل مع نظام الأسد حيث جرى استقباله وحده منفرداً دون أي مرافق ومع إهمال تام للمراسم التي من المفترض أن تطبّق حال استقبال أي رئيس دولة بما في ذلك أبسطها وهي رفع العلم السوري – كما يقتضي البروتوكول- خلال لقائه بالرئيس روحاني.

لكن بغض النظر عن هذا الأمر، فإنّ الزيارة التي كان من المفترض بها أن تركّز على الانتصار الإيراني في سوريا تحوّلت فجأة إلى فوضى داخلية عارمة في إيران وذلك مع تقديم وزير الخارجية جواد ظريف استقالته من منصبه بطريقة غير تقليدية عبر إنستغرام احتجاجاً على عدم السماح له بحضور أي من الاجتماعات التي تمّ ترتيبها للرئيس السوري مع المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس حسن روحاني.

بعضهم أشار كذلك إلى أنّ موضوع استقبال الأسد هو واحد من المواضيع الخلافية فقط، وأنّ الإشكال بين الطرفين

كشفت زيارة الأسد الأخيرة إلى طهران عن حجم الخلاف الداخلي بين أجنحة النظام الإيراني ورجالاته، وهو خلاف ليس مستجداً أو طارئاً بطبيعة الحال، لكنّ تفاعلاته ظلّت تجري حتى حينه خلف الأبواب المغلقة

المعنييّن داخل إيران لا ينحصر فيه وإنما يمتد ليشمل مواضيع أخرى على رأسها السياسة الخارجية تجاه عدد من بلدان الشرق الاوسط بالإضافة إلى الموقف من الاتفاق النووي الذي انسحب منه الرئيس الأميركي ترمب، وما هي الآلية المناسبة للرد على هذه الخطوة.

وبهذا المعنى، فقد كشفت زيارة الأسد الأخيرة إلى طهران عن حجم الخلاف الداخلي بين أجنحة النظام الإيراني ورجالاته، وهو خلاف ليس مستجداً أو طارئاً بطبيعة الحال، لكنّ تفاعلاته ظلّت تجري حتى حينه خلف الأبواب المغلقة. معظم التحليلات التي تحدّث عن الاشتباك الذي ظهر إلى العلن مع هذه الزيارة وقعت في فخ تصنيفه على أنّه صراع بين معتدلين ومتطرفين داخل النظام الإيراني.

مثل هذا التصنيف مخادع وليس دقيقاً، وفي حقيقة الأمر فإن النظام الايراني يحبّذ أن يتم توصيف هذه الخلافات بهذه المفردات لأنّ ذلك يفيده على مستوى التخاطب مع الغرب، وعلى مستوى الاحتفاظ بخيارات ومساحة للمناورة، وعلى مستوى تخفيف الضغط، وذلك بحجّة إمكانية أن يؤدي إلى الإطاحة بمن يوصفون على أنّهم معتدلون مقابل صعود من يوصفون بأنّهم صقور أو متطرفون. كل من يوصفون بالمعتدلين أو المتطرفين إنما يعملون في نظام واحد يقوده المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية. ليس هناك مخالف لهذه المنظومة وبالتالي لا فرق بين من يسمّون معتدلين ومتطرفين من هذه الزاوية.

هناك طبعاً مساحة للاختلاف بين الفريقين في الرؤى وآليات التنفيذ لكن اللعبة بأكملها تظلّ مضبوطة بمسار المرشد الأعلى ورؤيته فلا اتفاق

حجم الاعتراض على استقالة ظريف، ورفض رئيس الجمهورية قبولها، بالإضافة إلى صدور ما يشبه الاسترضاء العلني لظريف من قبل قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري مؤشرات على انتصار ظريف في هذه المعركة

نووياً كان من دون موافقة الرشد الأعلى، ولا خروج منه لاحقا في المستقبل سيتم من دون موافقة المرشد الأعلى أو بمؤشّر منه.  نفس الشيء ينطبق على باقي المواضيع المهمّة في إيران، فإذا فهمنا هذه النقطة سندرك حينها أنّ الخلاف ليس بين معتدل ومتطرف وإنما هو خلاف قام على الصلاحيات ومراكز القوى ضمن المنظومة التي تحدثنا عنها.

وبينما يرى البعض في حجم الاعتراض على استقالة ظريف، ورفض رئيس الجمهورية قبولها، بالإضافة إلى صدور ما يشبه الاسترضاء العلني لظريف من قبل قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري مؤشرات على انتصار ظريف في هذه المعركة، فإن آخرين يرون أنّ المعسكر التابع للمرشد مباشرة فضّل إغلاق الملف في هذه المرحلة لأنّ توقيتها لم يكن ملائماً له، على أن يتم تصفية الحسابات بشأن ما جرى لاحقا. فإن صحّ مثل هذا الاجتهاد، فهذا يعني أنّنا سنكون مقبلين خلال المرحلة اللاحقة على معارك داخلية إيرانية-إيرانية بموازاة المعارك الحاصلة إقليمياً وهو ما سينعكس بالتأكيد على الملفات ذات الطابع الخارجي للبلاد. هل سيحسن خصوم إيران استغلال مثل هذه الفرصة إن حصلت؟

تلفزيون سوريا

الأسد في طهران/ رضوان زيادة

حمّل الأسد إلى طهران من قبل قاسم سليماني قائد الحرس الثوري الإيراني، طبعا لم يستقبل كرئيس دولة أو حتى كمسؤول أجنبي، في العادة يتم الاحتفاء بحسن نصر الله أكثر من الأسد ذاته، الأسد بحد ذاته مشكلة داخلية لإيران، الكل في طهران يعرف جرائمه وما فعل بالشعب السوري من قتل وتهجير وتشريد ولذلك تدعمه طهران سياسيا لكنها تتعفف منه أخلاقيا لاسيما أنها تدعي زورا النطق باسم الإسلام والحكم بشريعته.

الأسد يعاني من مشكلة اقتصادية لا خروج منها لا في المستقبل القريب أو البعيد، كما أن روسيا لا تجد نفسها بحاجة لمساعدته على فشله فالتكلفة بالنسبة لها كبيرة من دون عوائد في المستقبل، أما طهران فإنها تقع تحت العقوبات الاقتصادية مجددا دون القدرة على ترميم اقتصادها الهش فكيف بمساعدة هذا الجار العالة عليها الآن.

يحصد الأسد نتيجة إجراءاته التي نفذها ضد الشعب السوري، كما أن كثيراً من هذه الإجراءات العقابية والسياسية هي غير قابلة للعودة أو الإصلاح خاصة الاستخدام المكثف للبراميل المتفجرة أو الحصار القاسي الذي فرض على المدن والقرى السورية التي انضمت للمعارضة.

كما أن المجتمع الدولي غير مستعد على تقديم المساعدة للأسد وبالتالي مكافأته على جرائمه، وهو ما يعنيه أن لا عودة لملايين اللاجئين إلى بلدهم الأم، وهو هدف المجتمع الدولي الأول، لابد من الربط الدائم أن مساعدة الشعب السوري وإخراجه من محنته الاقتصادية اليوم لا تكون سوى بتمكينه من اتخاذه قراره بنفسه.

لا يمكن مكافأة الأسد أو النظام السوري على جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها عبر إعطائه مكافآت إعادة الإعمار

ولذلك فإذا كانت الولايات المتحدة اليوم أو المجتمع الدولي جادين في عودة الملايين من السوريين اللاجئين في دول الجوار وفي كل دول العالم تقريبا وخاصة أوروبا في ألمانيا والسويد فلابد من وضع إستراتيجية سياسية لا تقوم على إعادة الإعمار فحسب، وإنما تتضمن الاستقرار السياسي بعيد المدى والمحاسبة والعدالة على الجرائم التي ارتكبت خلال السنوات الثماني الماضية، فلا يمكن مكافأة الأسد أو النظام السوري على جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها عبر إعطائه مكافآت إعادة الإعمار، لابد من تحقيق الشروط الثلاثة للإستراتيجية المتمثلة في ضمان الانتقال السياسي من أجل تحقيق الاستقرار المستدام، ومن ثم ضمان إعادة الإعمار وفق الشروط الدولية وأخيرا ضمان المحاسبة والعدالة للضحايا الذين يطلب منهم العودة إلى قاتلهم دون إنصافهم.

من دون تحقيق ذلك ستبقى الدياسبورا السورية هي الأكبر وسيبقى اليأس مستحكماً في نفوس السوريين الذين ما زالوا يعيشون داخل سوريا ضمن ظروف اقتصادية يمكن وصفها بالمستحيلة مع انعدام أبسط مقومات الحياة المدنية الحديثة فيها مع انقطاع الكهرباء بشكل دائم وشح كبير في الغاز المنزلي وارتفاع الأسعار الجنوني مع ارتفاع التضخم إلى نسب كبيرة ويرافق ذلك انهيار سعر صرف العملة المحلية (الليرة) مقارنة بالدولار وبالتالي ستبقى سوريا دولة فاشلة على مدى العقود القادمة وليونتها تجاه صعود الحركات الإرهابية أو المتطرفة ستبقى كبيرة للغاية.

من دون ضمان تحقيق شروط هذه الإستراتيجية لا شيء يمنع أن تتكرر الأزمة الإنسانية أو تتضاعف في سوريا مع استمرار النظام السوري فرض قبضته الحديدية على المجتمع والعودة بالسوريين إلى نظام الحكم الدكتاتوري الذي ثاروا من أجل تغييره قبل ثماني سنوات تماماً. وهو ما على الأسد ومؤيديه أن يدركوه؛ أن لا خروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة اليوم من دون انتقال سياسي، وأن الاعتماد على طهران أو موسكو لن يجدي نفعا في إخراج ملايين السوريين اليوم من الجوع والعوز والحاجة الماسة للمساعدات الإنسانية.

ربما يكون الاقتصاد وحاجة الشعب السوري آخر ما يفكر فيه الأسد اليوم، لكن عليه أن يدرك أن الشعب السوري قام بثورته في أحد أهم أسبابها للقضاء على الفساد وتحسين مستوى معيشته الاقتصادية لكن الأسد عاد به قرونا إلى الوراء، واليوم نعود للبديهية الأولى وهي أنه لا اقتصاد من دون سياسية وعماد هذه السياسة هي مصالح الشعب الذي يقرر من يختاره ويمثله بوصفه الأقدر على التعبير عن مصالحه وهو طريق الشرعية التي لا يمكن لها أن تأتي سوى بالانتخابات، التي لا يمكن لها اليوم سوى بالانتقال السياسي عبر إشراف الأمم المتحدة وهو ما يبدو اليوم حلما بعيد المنال بالنظر إلى فشل الأمم المتحدة في الضغط على الأسد خلال أشد الضغوط عليه فما هي الأوراق التي تملكها الأمم المتحدة اليوم للضغط بها على الأسد؟.

في الحقيقة بالرغم من أن المساعدات الإنسانية تعد من أقوى الضغوط لكن الأمم المتحدة لا ترغب في استخدام هذه الورقة كي لا يتم تسييس هذه المساعدات لكنها في اللب والجوهر يستفيد منها النظام أكثر من استفادة الشعب السوري له.

بالنهاية لابد من القول أن الأمم المتحدة يجب أن تكثف ضغوطها السياسية من أجل الربط بين الانتقال السياسي وبين شروط المساعدات الإنسانية لأنها بذلك تضاعف من فرص أن يخضع الأسد في النهاية ولو أن فرص ذلك تبدو معدومة بالنظر إلى تاريخ الأسد حيث لا تجدي معه سوى القوة العسكرية.

تلفزيون سوريا

إيران في الإمتحان السوري/ حسن فحص

هل يمكن الرهان على الكلام الذي اعلنه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد زيارته الاخيرة الى العاصمة الروسية موسكو عن تفاهمات مع الرئيس فلاديمير بوتن حول مستقبل الوضع في سوريا والاتفاق على اخراج كل القوات الاجنبية من سوريا وتشكيل قوات مشتركة لتنفيذ هذا الامر وتثبيت الاستقرار في هذا البلد والقضاء التام على بؤر الارهاب فيه؟

على الرغم من اهمية التنسيق الايراني الروسي الذي أنتج في اواسط عام 2015 قناعة روسية بضرورة الدخول العسكري المباشر في الازمة السورية، كإحدى ابرز نتائج الزيارة الشهيرة التي قام بها قائد قوات فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني الى موسكو والاجتماعات التي عقدها مع الرئيس بوتن والقيادة العسكرية الروسية حينها وترجمت على ارض الواقع في ايلول سبتمبر من ذلك العام، الا ان التفاهم في الموضوع السوري والاتفاق على انقاذ النظام فيها، ونتيجة لقناعة كلا اللاعبين، من الصعب ان يرتقي الى مستوى التعاون او الحلف الاستراتيجي لانه مرهون بعقدة الموقف من اسرائيل، اذ ان موسكو لا تتردد بالتأكيد للجانب الايراني التزامها الحازم والنهائي بالامن الاسرائيلي وعدم السماح بتهديد الاستقرار على الجبهات مع إسرائيل، في حين ان طهران وان كانت لا ترغب في الدخول بمواجهة مع تل ابيب، الا انها لا تستبعد هذه المواجهة في حال كانت مجبرة او مضطرة لها من اجل تثبيت مواقعها على الخريطة الاقليمية وفرض قواعد اشتباك جديدة اذا ما شعرت بوجود مساع او جهود لاخراجها من المعادلة في المنطقة.

هذا الافتراق في المواقف بين موسكو وطهران في النظرة الى التعامل مع المخاوف الاسرائيلية، لا يعني عدم وجود تفاهمات بين الحليفين حول الخطوط العامة لرؤية اقليمية قد تنتهي بوضع تفاهمات اقليمية تؤسس لسلام في المنطقة لا تكون على حساب الدور الايراني. من هنا يمكن فهم الكلام الذي اعلنه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف حول المساعي الاسرائيلية لقلب المبادرة العربية للسلام 2002 (الارض مقابل السلام) التي قد لا تعارضها طهران في حال اوصلت الى نتائج واضحة وراسخة على صعيد الوضع الفلسطيني باقامة دولة مستقلة ذات سيادة قابلة للحياة وعودة اللاجئين لكن من دون التخلي عن رؤيتها الاستراتيجية العقائدية التي اعلن عنها المرشد الايراني عندما وضع خريطة الحل الفلسطيني باستفتاء شعبي حول طبيعة النظام في فلسطين يشارك فيه السكان الاصليون (مسلمين ومسيحيين ويهود) في اطار دولة واحدة فلسطينية.

في المقابل، فان ما يزيد الموقفين الروسي والايراني افتراقا في الموضوع السوري، والذي يدفع موسكو الى مزيد من الحذر في التعامل مع نفوذ ودور طهران، يعود الى الاصرار الايراني على وضع الملف السوري خارج الادارة الدبلوماسية الايرانية وحصره في يد المؤسسة العسكرية. ولعل هذا الصراع الداخلي الايراني قد يكون السبب الذي دفع وزير الخارجية محمد جواد ظريف لتقديم استقالته بعد استبعاده عن زيارة الرئيس السوري بشار الاسد الى طهران وبروز الجنرال سليماني كعراب لها. ما يعني تفجر الصراع بصورة علنية بين رؤية دبلوماسية تحاول توظيف البعد العسكري للنفوذ الايراني الاقليمي في اطار خدمة الموقف الايراني على الساحة الدولية، وبين مساعي المؤسسة العسكرية لفرض رؤيتها على الدولة والنظام وتوظيف انجازاتها الاقليمية على المستوى الداخلي في اطار الصراع على السلطة ومستقبل النظام، وهو صراع أضعف قدرات رئيس الدبلوماسية او شيخها على التفاوض والتأكيد بانه يمثل الموقف الايراني الموحد في كل المواضيع والقضايا التي تشكل محل جدل وصراع مع المجتمع الدولي.

محاولات الاسترضاء التي تلت اعلان ظريف استقالته والسعي لترميم الصدع الذي حصل جراء زيارة الاسد، قد لا تساعد الزيارة التي اعلن عنها الوزير الايراني الى دمشق في الايام المقبلة، اذ بات عليه بذل جهود اكبر واوسع لاعادة تعبيد جسور التفاهمات السياسية مع الحليف الروسي الذي قد يتجاوز حدود التعامل المرحلي مع طموحات نتنياهو الانتخابي الى مسار أكثر تشدداً مع الوجود والدور الايراني في سوريا، من هنا يأتي القلق الايراني من الموقف الروسي في سوريا خصوصا وان الكرملين لم يبادر الى توضيح التصريحات التي ادلى بها رئيس الوزراء الاسرائيلي بعد لقائه مع بوتن حول حرية النشاطات العسكرية الاسرائيلية ضد الوجود الايراني في سوريا او توضيح حدود القوات الاجنبية في سوريا الموجودة بطلب من حكومتها او غير الشرعية حسب التوصيف الايراني وحتى الروسي.

طهران التي بادرت الى توضيح الموقف الروسي، باضافة “الشرعية” على كلام نتنياهو في وصف القوات الاجنبية في سوريا، لتأكيد استمرارية وبقاء قواتها او ما تسميهم”المستشارين” في هذا البلد، لجأت الى المزيد من التصعيد باتجاه اسرائيل، عندما اكدت على لسان رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية وزير الخارجية الاسبق كمال خرازي بان “نتنياهو بحاجة الى استعراض القوة، لكنه يعلم جيدا ان اي تحرك ضد المصالح الايرانية سيكون بمثابة انتحار سياسي له”.

مسارعة المؤسسة العسكرية والتي جرت معها قيادة النظام الى الاعلان عن “انتصار” في سوريا من خلال استقبال الاسد في طهران، قد يكون الهدف منه فرض قواعد جديدة امام الشركاء – الحلفاء والشركاء – الخصوم في الازمة السورية، من اجل تثبيت الموقع الايراني في المعادلة المستقبلية لسوريا والمنطقة، الا ان عدم الاخذ بالاعتبار التعقيدات التي لم تستطع قمة سوتشي الثلاثية الاخيرة ولا مسار استانه في وضع اطر تفاهم حول نقاط الخلاف بين هذا الثلاثي، اضافة الى التعقيدات التي يفرضها الموقف الامريكي امام الحل السياسي في هذا البلد، قد يؤدي الى اضعاف الدبلوماسية الايرانية دوليا التي سعت الى توظيف هذا الدور في تعزيز موقفها المفاوض، وان كان يعزز طرفا على حساب اخر في الصراع الداخلي.

المدن

المرحلة القادمة من المنافسة الروسية الإيرانية في سوريا/ سنديكيشن بيورو – نيل هاور

ماذا يمكن أن نتوقّع بالنسبة للمرحلة القادمة في سوريا؟، يمكن لنا النظر إلى روسيا وإيران وهما على أعتاب الدخول في معركة كل ضد الطرف الآخر، وقد تميّزت الأعوام السابقة من الصراع بأن كل عام كان له موضوع مختلف، بدءًا من العام 2014 وظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وحتى العام الماضي حيث اندلعت صراعات بين الدول، وخلال تلك الأعوم كانت هناك سلسلة من التغيُرات التي أصابت أقدار ومصائر أبطال الرواية، وإذا ما نظرنا إلى الأمام؛ فإن هذا العام ربما يشهد صراعًا بين العناصر الرئيسية المكونة للتحالف الموالي للحكومة السورية، وبدأت كل من موسكو وطهران في تأليب الفصائل الموالية لكل طرف ضد الطرف الأخر، تلك الفصائل التي ظهرت بعد تفكك القوات السورية.

وخلال الأسابيع الماضية من العام الحالي؛ كانت هناك تقارير عن صراعات مفتوحة بين الوحدات الموالية للنظام السوري، وأن تلك المعارك اندلعت في مناطق تسيطر عليها الحكومة السورية بشكل تام، وفي منتصف يناير وضح أن هناك نزاعات مسلحة اندلعت بين الوحدات الموالية لكل من روسيا وإيران في محافظة حماة، وأن المعركة التي جرت في التاسع عشر من يناير اشتركت فيها أسلحة ثقيلة، بما فيها الدبابات والمدفعية، ويقال أن تلك المواجهات أسفرت عن مقتل أكثر من 200 مقاتل، وادّعت صحيفة “نوفايا جازيتا” الروسية المحسوبة على المعارضة أن تلك المواجهات تطورت فيما بعد، واشتركت فيها وحدات روسية وإيرانية في مواجهات عسكرية مباشرة ضد بعضها البعض، حيث تسعى الوحدات الإيرانية للدفاع عن موقعين استراتيجيين يحيطان بإقليم إدلب الذي يسيطر عليه الثوار، وهناك صحيفة “كوميرسانت” الروسية اليومية، التي أشارت في تقرير لها إلى أن القوات الموالية لإيران رفضت عودة المدنيين السُنّة إلى ديارهم، وأن تلك الوحدات الإيرانية دخلت في مواجهات مسلحة مع وحدات مدعومة من روسيا حول مزرعة كان عناصر الوحدات الإيرانية يريدون الاحتفاظ بها لأنفسهم.

وقد اتضح أن تلك المواجهات كانت بمثابة معركة من أجل احتلال مركز الصدارة بين فصائل مختلفة تابعة للجيش السوري، وهناك رجُل روسيا المفضل “سهيل الحسن”، الذي بات ذائع الصيت منذ العام 2013، ووصل إلى مرتبة أعلى منذ التدخُل العسكري الروسي في الأزمة السورية في أواخر العام 2015، ومن حينها تم دمج “قوات النمر” – التي تعُد الوحدة الخاصة لسهيل الحسن – داخل الفيلق الخامس، وهي الوحدة التي قامت روسيا بتدريبها لتصبح من أكثر الوحدات العسكرية تماسُكًا على الأراضي السورية.

وفي ذات الوقت فقد اختارت إيران دعم الفرقة الرابعة المدرعة التي يقودها “ماهر الأسد”، شقيق الرئيس بشار الأسد.

وقد بات لكل طرف مجموعة من القوات الموالية له على الأراضي السورية: فهناك موسكو التي لديها قوات الشرطة العسكرية والوحدة التابعة لمنظمة “فاغنر”، وهي منظمة شبه عسكرية تضم عناصر من المرتزقة، وهناك إيران التي تمتلك مجموعة ضخمة من المقاتلين الشيعة الأجانب على الأراضي السورية.

وقد قام نائب وزير الخارجية الروسي “سيرغي ريابكوف” بإثارة ضجة في الخامس والعشرين من يناير، خلال كلمة قصيرة له أعقبت التقارير الصادرة حول تلك المواجهات المسلحة، قام خلالها بتوضيح مسألة التحالف الروسي الإيراني قائلًا: “نحن نعمل سويًا فحسب”.

وعلى الرغم من عدم التأكيد على تلك الحقيقة بشكل صريح، فطالما تباينت الأهداف والأساليب الخاصة بكل من موسكو وطهران على الأراضي السورية، فبينما تريد إيران تغيير الأساس الديموجرافي في المناطق الرئيسية (وهناك أقاويل أن ذلك هو سبب اندلاع مواجهات يناير)، فايران تسعى إلى زرع مختلف الميليشيات التي تحارب عنها بالوكالة داخل هيكل الدولة السورية التي تشهد إعادة تشكيل من جديد، على غرار قوات “الحشد الشعبي” الموجودة في دولة العراق المجاورة، وفوق كل ذلك فإن طهران تريد أن تجعل من سوريا مركزًا للعمليات خلال المواجهة القادمة بين إيران وإسرائيل.

لكن روسيا لا تريد شيئًا مما سبق، والهدف الأساسي لموسكو يتمثّل في الوصول لإنهاء الصراع عبر التفاوض على تقسيم منطقة إدلب التي يسيطر عليها الثوار (بما فيها القضاء على الجماعات المتطرفة مثل هيئة تحرير الشام HTS) وذلك بالتنسيق مع تركيا، كما تهدف موسكو إلى منع اندلاع مواجهة تركية – كردية على نطاق واسع.

وليست هناك مصلحة للكرملين في اندلاع حرب جديدة مُدمِرّة بين تحالف تقوده إيران وبين إسرائيل، وهي المواجهة التي لن تستطيع موسكو السيطرة عليها حال اندلاعها، وتلك النقطة الأخيرة أصبحت مثارًا للخلاف بشكل خاص، حيث قام مؤخرًا مسئول إيراني رفيع المستوى بوزارة الدفاع باتهام روسيا بالتنسيق مع تل أبيب من أجل السماح لسلاح الجو الإسرائيلي بضرب أهداف إيرانية على الأراضي السورية.

والواقع أن التقارير الأخيرة حول التوتر بين روسيا وإيران على الأراضي السورية لا تعُد الأولى من نوعها، وعلى أي حال، فخلال الأزمة التي أثيرت حول صحة بشار الأسد خلال العام2017؛ سرت إشاعات بأن قوات الشرطة العسكرية الروسية والميليشيات الإيرانية قامت باحتلال مواقع استراتيجية في العاصمة دمشق، تحسُبًا لظهور خليفة بشكل مفاجئ للرئيس السوري بشار الأسد.

وطالما كانت موسكو لا تشعر بالوئام مع أفراد عائلة الأسد، وكذا فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن لم يكن معجبًا ببشار الأسد، ويراه مسئولًا عن سوء الإدارة التي تم التعامل بها مع الثورة السورية، التي كادت أن تطيح بالأسد من سدة الحكم، وخلال زيارة سابقة للأراضي السورية، قام وزير الدفاع الروسي”سيرغي  شويغو” باستدعاء الرئيس السوري للقائه، وكانت تلك إشارة هامة لمن بيديه مقاليد الحكم، وهناك واقعة أخرى لا تُنسى؛ فخلال الزيارة التي قام بها “بوتن” للأراضي السورية في ديسمبر من العام 2017؛ تم منع بشار الأسد من السير بجوار الرئيس الروسي، حيث قام مسئول روسي بحجز الأسد بيديه حتى يمر فلاديمير بوتن.

والآن فقد بات واضحًا أن إيران تريد الخروج من التحالف الثلاثي مع روسيا وتركيا، وعبر رعاية الدول الثلاث للمفاوضات في الآستانة ومنتجع سوتشي، بات جليًا أن تلك الدول تتحكم في عقد الصفقات حول المسألة السورية، واللقاءات لا زالت مستمرة بين قادة الدول الثلاث، لكن لم يتم النظر إلى طهران فيما يخُص مصير “إدلب”، كما هو الحال بالنسبة لمنطقة “منبج”، وهي المنطقة التي تسعى أنقرة إلى طرد “وحدات حماية الشعب” الكردية منها، وكلا السيناريوهين تمت مناقشتهما بشكل علني وشبه حصري بين كل من موسكو وأنقرة، وللأمانة، طالما قامت طهران بلعب دور غير ظاهر في النشاط الدبلوماسي حول المسألة السورية، وتُفضِل طهران بدلًا من ذلك التحكم في الأحداث بشكل مباشر على الأرض، لكن من الواضح أن طهران سوف تصطدم مع روسيا على الأراضي السورية في هذا الإطار.

وخلال النصف الأول من الشهر الحالي، حاولت كل من موسكو وطهران التغطية على تلك الخلافات، وأصدرت وزارة الخارجية الروسية بيانًا يشيد ب”التعاون الفعال بين روسيا وإيران من أجل استعادة وحدة الأراضي السورية”.

لكن تلك التصريحات العامة يمكن لها فقط أن تقوم بالتغطية بشكل كبير على الخلافات بين الطرفين، بينما دوافع ذلك التعاون تقل بشكل ملحوظ، والواقع أن العلاقة بين الفرقة الرابعة المدرعة والفيلق الخامس، وتحركات تلك القوات في وسط سوريا؛ سوف يكشف عن الكثير فيما يخُص العلاقة بين موسكو وطهران خلال الشهور المقبلة.

للاطلاع على المادة من المصدر اضغط هنا

تلفزيون سوريا

الأسدية إذ تتجاوز خطر الحلفاء/ عمر قدور

بينما ينشغل العالم بما يبدو تنافساً روسياً-إيرانياً على احتكار السيطرة على بشار، أو استتباعه بشكل مفضوح، لا تبدو العصابة الأسدية مكترثة، ولا تبدي أي تذمّر ولو على سبيل التخفيف من وقع الإهانات. إذعان العصابة قد يُفسَّر بوضعها تحت الوصاية المزدوجة، وتجريدها من كافة أدوات القرار، فضلاً عن أنها الآن لا تستطيع ممانعة حليفين من هذا العيار، أو أياً منهما بمفرده.

قد يُفسَّر التصاغر الأسدي أيضاً بمنطق القوة الذي لا تفهم العصابة سواه، ومن ضمنه تحتفظ باستقوائها على السوريين، في حين تكون أمام الخارج في موضع مشابه لأولئك الذين تتولى سحقهم. لكن تجريد العصابة هكذا، مهما بلغ انحطاطها الأخلاقي ووحشيتها وعمالتها، ربما لا يكفي لسبر أغوارها. على الأقل هناك معطيات تدعم تطلعها إلى الخروج من ورطتها الحالية، وبعض ما نراه من مظاهر الضعف قد يراه قادة العصابة نوعاً من المرونة المؤقتة ليس إلا، مع تعويلهم على ما يعتبرونه حنكة أثبتت نجاحها حتى الآن.

على سبيل المثال، لم يأتِ الوجود الروسي المباشر إنقاذاً عسكرياً فحسب بعد فشل الميليشيات الشيعية، فمن وجهة نظر العصابة أتى كخلاص من السيطرة الإيرانية المطلقة. وإذا حُمِّل التدخل الروسي تطلعات العديد من القوى الدولية والإقليمية، بعضها يتعلق بإخراج إيران وبعضها الآخر يتعلق بتأهيل العصابة الحاكمة لتصبح نظاماً، فإن عقل العصابة يعمل على بقاء الوصاية المزدوجة واللعب في المساحة المتاحة بين طرفيها. بشار ليس روسياً ولا إيرانياً “ولا سورياً بالطبع”، بخلاف الأحكام أو التمنيات التي تُطلق هنا وهناك، هو ينتمي لكل ما يبقيه في السلطة سواءً كان حلفاً أو مجموعة من التناقضات والتعقيدات، ولا يمانع في أن يكون ذلك نوعاً من عدم الاستقرار طويل الأمد.

يرتكز تفكير العصابة على أنها فعلت بالسوريين الأكثر وحشية ما لا يمكن لعاقل تخيله، ورغم ذلك حظيت بمباركة دولية لبقائها. هي إذاً مطلوبة بما هي عليه، ويصعب العثور على بديل عنها يملك مواصفاتها أو مواصفات أدنى. من وجهة النظر هذه، ذلك يعني أن قرار التغيير لا تمتلكه موسكو أو طهران “أو كل منهما على انفراد” وحدهما، فهناك قوى غربية لن تفرّط بالزمرة الأسدية إذا أدى التفريط بها إلى تفكك البنية الأسدية بمجملها كما حصل للتركيبة الصدامية أو القذافية. بخلاف ما نظن، لا يعتبر الأسديون أنفسهم في مأزق، بقدر ما يرون المجتمع الدولي في مأزق جراء الإصرار على بقائهم والخسارة المتعمدة لأي خيار آخر، وعلى المجتمع الدولي تحمل أعباء تلك النتيجة رغماً عن موسكو وطهران إذا اقتضت الضرورة.

يرى بشار “بوصفه وريث الأسدية” نفسَه قد التقط ما تريده حكومات غربية، تحديداً في لعبة الحرب على الإرهاب، وهو بذلك شريك لها حتى إذا أنكرت الشراكة أو تحاشت الإعلان عنها. أبعد من ذلك، إذا كانت الحكومات الغربية تتحاشى تلويث سمعتها مباشرة برعاية الأسدية فهذه مصلحة مشتركة، لأن شراكةً أوسع لم تكن يوماً ضمن اهتمامات الأخيرة بما ترتّبه الشراكة العلنية من التزامات الحد الأدنى في الجانب السياسي. لنتذكر أن الأسدية حالت دون تطوير الشراكة مع أوروبا في أكثر من مناسبة سابقاً، وعرقلت تنفيذ العديد من المشاريع والالتزامات الأوروبية في لبنان أيام الوصاية عليه.

نحن، عندما نفكر ضمن منطق السياسة، نرى مأزق العصابة بأكثر مما تراه. فتدمير البلد لا يعنيها حقاً سوى من زاوية مكاسب إعادة إعماره ثانية، أي عبر سرقة نسبة ضخمة من المساعدات التي قد تأتي لإعادة الإعمار. وإذا كانت المساعدات مشروطة بإشراف الجهات المانحة فسترفضها العصابة بذريعة الاستقلالية والسيادة، وستفضّل بقاء الخراب والدمار حتى في البنى التحتية الضرورية إذا لم تقبض الثمن. كذلك هو الأمر في ما يخص عودة اللاجئين، فالعين أولاً على الشبان الذين هربوا من الالتحاق بقواتها، وفي المرتبة الثانية تأتي ضرورة استعادة بعض الكفاءات والمهارات الضرورية لمزرعة العبيد.

الحديث عن خسائر سورية، في ما يخص الإبادة والتدمير والتهجير، لا يمس الزمرة المتسلطة، وكي يمسها ينبغي أصلاً أن تتحلى بقليل من الانتماء للبلد. كما شاهدنا، وشاهد العالم كله، كانت المقتلة السورية فرصة للتكسب والإثراء لأفراد العصابة من أعلى الهرم لأسفله، ومفهوم الاستباحة الذي شهدناه كان استئنافاً لمسيرة عقود من النهب المنهجي والإفقار، فلم يكن على سبيل الانتقام من الثورة فحسب. فائض التدمير الذي حدث كان “خارج دائرة الانتقام” يصدر عن أولئك الذين يعرفون جيداً أنهم لن يعيدوا البناء على حساب مكاسبهم القديمة والمستقبلية، ولأسباب غير حربية إطلاقاً دُمّرت مناطق حيوية من أجل الاستيلاء عليها واستثمارها تجارياً.

مما نعرفه عن العصابات أن لا شيء يضغط عليها، سوى المسدس عندما يوضع بجدية على صدغ أحد قادتها الكبار، وربما يراوغ القادة حتى لحظة تلقي الرصاصة فعلاً. لذا لن يكون هناك تعديل في سلوك العصابة الأسدية، وإذا كان عامل الوقت ضاغطاً على العديد من القوى، بما فيها الحليفان الروسي والإيراني، فهو لا يضغط عليها إطلاقاً، ولا ترى أنها أمام أي استحقاق ملحّ. على العكس من ذلك، كانت الأسدية دائماً تلعب على استهلاك الوقت الذي لا يعني لها شيئاً بالمعنى الاستراتيجي بينما يمتلك قيمة بالنسبة للآخرين، وعندما يصرّح الناطقون باسمها أنهم لن يتغيروا وأن على الآخرين مراجعة حساباتهم فهذه الأقوال تٌبنى على خبرة طويلة سابقة في استنزاف الوقت.

قد يكون مثيراً للدهشة إذا قلنا ما نعرفه عن اعتقاد العصابة الأسدية أنها تمتلك ذكاء يفوق الجميع، وهذه الصورة لا تُسوَّق داخلياً فقط من أجل التغرير بقاعدة مغفّلة. هو بالأحرى اعتقاد مبني على عقود من القدرة على البقاء، وعلى عقود من الوحشية والاستباحة، وعقود من الثبات ضمن عالم متغير. ما سبق كله يمنح العصابة الثقة في أنها ستتجاوز خطر الحلفاء الحاليين، بعد استخدامهم في التخلص من خطر السوريين. قد يصعب التكهن بمآل منطقي لهذه الثقة المفرطة، على الأقل تلزمنا معرفة أدقّ بكيفية تفكير المافيتين الحليفتين.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.