سياسة

الصراع السوري على عتبة مرحلة جديدة -مقالات مختارة-


خط في الرمال/ خضر خضّور

التهديد المتواصل بانبعاث الدولة الإسلامية من جديد، والجهود التي يبذلها التنظيم لممارسة نفوذ في سورية والعراق، تتجلّى بصورة جليّة عند الحدود السورية-العراقية. غير أن لتلك الحدود التي تمتد وصولاً إلى تخوم تركيا، أبعاداً تتخطى مسألة الدولة الإسلامية، إذ هي تحوّلت إلى نقطة مواجهة أساسية بين قوى إقليمية ودولية.

يُسيطر أفرقاء سياسيون مختلفون راهناً على شريط حدودي يمتد لأكثر من 600 كيلومتر وكان يخضع سابقاً إلى سيطرة الدولة الإسلامية. في الجانب العراقي، تتكوّن القوى الأساسية من الجيش النظامي العراقي، والقبائل العربية السنّية، فضلاً عن الميليشيات الشيعية والإيزيدية المرتبطة بإيران، والتي تُقيم أيضاً صلات مع حزب العمال الكردستاني الموجود في غرب سنجار. وفي الجانب السوري، تُسيطر قوات سورية الديمقراطية (قسد) الخاضعة إلى سيطرة الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة، على أجزاء واسعة من الحدود. ويفرض النظام السوري، المتحالف مع شركاء محليين، سيطرته على مناطق أخرى، فيما تحكم الدولة الإسلامية جيباً صغيراً من الأراضي.

يُعيد هذا الخليط المعقّد من القوى رسم معالم المنطقة الحدودية، حتى في الوقت الذي تُعيد فيه الحدود قولبة الطريقة التي يتفاعل بها الأفرقاء المختلفون في مابينهم، في خضم تنافسهم للسيطرة على مناطق نفوذ. كذلك ساهمَ التفاعل عبر الحدود والحاجة المتبادلة إلى منع عودة الدولة الإسلامية في حدوث تقارب بين دمشق وبغداد، بما يصب في نهاية المطاف في مصلحة إيران. في الواقع، تُعتبَر إيران راهناً الفريق الوحيد الذي يمتلك حضوراً مهماً، وتأثيراً، في جانبَي الحدود السورية-العراقية.

في العام 2014، خلال مرحلة توسُّع الدولة الإسلامية ثم المعارك الأولى بهدف التصدّي للتنظيم، شنّت القوات الكردية العراقية هجوماً مضاداً واستولت على نحو 30 كيلومتراً من الأراضي بعيداً من منطقة سيطرتها السابقة، وشارفت على الوصول إلى سنجار. وفي أعقاب الاستفتاء الفاشل على الاستقلال الكردي في العام 2017، استعادت الحكومة العراقية السيطرة على جميع تلك الأراضي تقريباً، ونشرت قوات حكومية ووحدات تابعة لقوات الحشد الشعبي – ميليشيات شبه رسمية تتألف بصورة أساسية من شيعة عراقيين – عند الحدود. المعضلة التي تُواجهها الحكومة العراقية راهناً هي أن تلك القوات بحاجة إلى الطعام والوقود، مايتسبّب باستنزاف شديد للموازنة الوطنية. إذا ما أُوقِف هذا التمويل، وهو أمرٌ ممكن، فهذا قد يُتيح للدولة الإسلامية استعادة السيطرة على بعض الأراضي، وإشعال فتيل النزاع مجدّداً في المنطقة الحدودية.

في الجانب السوري، لايعاني نظام الرئيس بشار الأسد من المشكلة نفسها. فبعد استعادة السيطرة على معبر البوكمال الحدودي ذي الأهمية الاستراتيجية الكبرى في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، استخدم النظام نموذجاً قائماً على التعاون بين اللواء 104 في الحرس الجمهوري وعناصر قبليين محليين في دير الزور. وبما أن هذه المنظومة أكثر استدامة على المستوى المالي، فهي تتيح للنظام الإبقاء على حضور قوي عند الحدود.

لقد احتدمت التنافس الجيوسياسي عند الحدود السورية-العراقية نتيجة اشتداد التشنجات بين الولايات المتحدة وإيران. ويزيد النزاع بين تركيا والمجموعات الكردية السورية المدعومة من الولايات المتحدة، والخصومة بين الولايات المتحدة وروسيا، من تعقيدات الأوضاع في المنطقة الحدودية التي تمتد شمالاً نحو تركيا. ومن الممكن أن الولايات المتحدة تدخّلت أيضاً عسكرياً ضد قوات الحشد الشعبي التي عبرت الحدود العراقية باتجاه سورية لشنّ عمليات ضد الدولة الإسلامية. فواشنطن تعتبر أن هذه القوات هي امتدادٌ لإيران، وفي حزيران/يونيو 2018، أقدمت طائرات أميركية، وفق ما أُفيد، على قصف قوات الحشد الشعبي بين البوكمال ومعبر التنف، الذي يسيطر عليه الأميركيون، في الجانب السوري من الحدود. غير أن الولايات المتحدة نفت ضلوعها في الأمر.

تُسلّط هذه الأجندات المتضاربة الضوء على أن الحدود العراقية-السورية تؤدّي دوراً أشد تعقيداً إلى حد كبير من ترسيم الحدود بين دولتَين سياديتين. فقد ولّد وجود أفرقاء غير دولتيين يُنازعون الدولة سيطرتها على الحدود – أو يتشاركون أحياناً مع الدولة السيطرة على الحدود – علاقات عسكرية مُستجدّة.

هذا هو الحال باطراد في الجانب العراقي من الحدود، حيث تعمل الميليشيات الشيعية والبشمركة الكردية إلى جانب القوات العسكرية العراقية. لقد انتشرت قوات الحشد الشعبي عند الحدود السورية-العراقية بالتنسيق مع الحكومة العراقية، وفق مايقول أحد قيادييها. وتشير تقارير أخرى إلى أن 80 في المئة من عناصر الحشد، وعددهم 140,000، يتمركزون في شمال العراق وغربه، على مقربة من سورية وبعيداً عن المناطق حيث جرى تجنيدهم. لم يؤكَّد هذا الرقم، لكن بالنسبة إلى بعض المراقبين، يندرج هذا الانتشار، في حال التحقق من الأرقام، في إطار محاولة تبذلها إيران لتأمين ممر بينها وبين سورية.

في الوقت نفسه، تُواصل القوات المسلحة التركية شنّ عمليات عبر الحدود ضد حزب العمال الكردستاني في مناطق مثل سنجار، ويؤثّر التدخل التركي في العلاقات بين الفصائل الكردية. فالحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يقود حكومة إقليم كردستان في العراق، يعمد إلى التنسيق مع تركيا لمنع حزب العمال الكردستاني وحلفائه من الحصول على ملاذ آمن في شمال العراق. أما الحزب الكردي العراقي الأساسي الآخر، أي الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يسيطر على مدينة السليمانية ويمتلك وجوداً قوياً في كركوك، فلديه موقفٌ مغاير. فهو حليفٌ مقرّب لإيران، ويُعتقَد أنه أكثر تعاطفاً مع حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري، حزب الاتحاد الديمقراطي.

كانت أولوية الدولة الإسلامية الحفاظ على خليفتها من دون خلافة. لايزال التنظيم يسيطر على بقعة صغيرة من الأراضي في الجانب السوري من الحدود السورية-العراقية، وهي مُعرَّضة إلى خطر السقوط الوشيك. وفي كانون الأول/ديسمبر الماضي، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً بانسحاب 2,000 جندي أميركي من سورية، يتمركز معظمهم عند الحدود، ومن المقرر أن  يُستكمَل الانسحاب بحلول نيسان/أبريل، مع الإبقاء على نحو 200 جندي.

إذا ولّدت هذه الأوضاع الجديدة فراغاً، فقد يُتيح ذلك لإيران ووكلائها، أي النظام السوري، أو الميليشيات الكردية، أو تركيا، أو روسيا، التقدّم عسكرياً. لهذا السبب، غالب الظن أن الحدود السورية-العراقية ستبقى شديدة العسكرة، نتيجة التنافس الجيوسياسي والأزمات المحلية على السواء.

مركز كارينغي للشرق الأوسط

الأميركيون “عائدون”: خنق إيران وإسقاط الأسد.. ولبنان ساحة خطرة/ منير الربيع

واشنطن تضع لبنان مجدداً على لائحة “ساحات” الصراع. طوال السنوات الماضية، كان لبنان متمتعاً بمظلّة دولية حامية لاستقراره، وغير آبهة لكل التفاصيل السياسية فيه. الغياب الأميركي والعربي كان واضحاً عن الساحة اللبنانية. فدول الخليج كانت غارقة في مشاكلها، ولم يكن للبنان أي وجود ضمّن سلّم أولوياتها. اما الأميركيون، فلديهم اهتمامات أخرى، مقابل الحفاظ في لبنان على ثابتتين، القطاع المصرفي والوضع المالي، أولاً، والمؤسسة العسكرية المتمثلة بالجيش اللبناني، ثانياً. الهم الدولي في الحفاظ على الاستقرار اللبناني يرتبط بعنوانين أساسيين. الأول، حماية أمن إسرائيل، لأن أي هزة سياسية أو أمنية قد تشعل الجبهات. والثاني، حماية وجود اللاجئين السوريين، لأن أي تطور أمني أو عسكري قد يشكّل تهديداً للدول الأوروبية بموجة لجوء جديدة.

استهداف حلفاء إيران

لكن بعض المؤشرات السياسية التي برزت مؤخراً، توحي وكأن هذه المظلّة بدأت تشوبها الثقوب، خصوصاً مع التصعيد الواضح في المواقف الإسرائيلية على مشارف الانتخابات، ومع التحركات الأميركية التي تصاحبها لهجة تتراوح بين التحذير والتهديد تجاه لبنان، والتي بدأت مع زيارة ديفيد ساترفيلد، وستستمر مع زيارة وزير الخارجية مايك بومبيو. التحرك الأميركي تجاه لبنان، يرتبط بجملة جولات ومبادرات أقدمت عليها واشنطن في المنطقة، توحي بأنها تستعد للتصعيد، خصوصاً بعد مؤتمر وارسو، الذي كان هدفه الأول مواجهة إيران (وحزب الله ضمناً).

وبعد أن كانت الولايات المتحدة الأميركية تصرّ على مبدأ الخنق الاقتصادي تجاه إيران، هناك بعض المؤشرات التي تفيد باحتمال تطور الأوضاع عسكرياً، ليس ضد طهران بشكل مباشر، بل ضد حلفائها في المنطقة. منذ فترة توقفت الغارات على مواقع تابعة للإيرانيين في سوريا. جاء ذلك بعد سلسلة ضغوط أميركية على الروس لإجبار إيران على الانسحاب من نقاط معينة، ويبدو أن الإيرانيين قد عملوا على إعادة تموضع جديدة، وانسحبوا بموجبها من الجنوب السوري. لكن مطالب الأميركيين، على ما يبدو، آخذة في التزايد.

قناة السويس

وحسب ما تؤكد معلومات متابعة، فإن واشنطن قد ضغطت على مصر في مسألتين أساسيتين، الأولى تتعلق بسحب التداول بأي احتمال لإعادة النظام السوري إلى الجامعة العربية. وهذا طلب مباشر وجّه من قبل الأميركيين إلى وزارة الخارجية المصرية. أما المطلب الثاني فيتعلق بالتشدد في مراقبة ومنع حركة السفن الإيرانية المتجهة إلى سوريا، والتي تعبر قناة السويس، مع تلويح أميركي بزيادة الضغط لمنع عبور هذه السفن. تزامن ذلك مع ضغط أميركي مكثّف، أفضى إلى سحب القائم بالأعمال الإماراتي من سفارة بلاده في دمشق. ما يعني فرملة كل أشكال التطبيع مع النظام، خصوصاً أن كل المعطيات الأميركية والأوروبية، تشير إلى رفض مطلق لإعادة تعويم النظام السوري، وأن أميركا تراهن على مبدأ الضغط الدولي والانتخابات المقبلة لإسقاط النظام.

سقوط الأسد انتخابياً!

تتزامن هذه التحركات، مع ضغوط أميركية في شرق سوريا، خصوصاً بعد تثبيت قرار عدم الانسحاب الأميركي من سوريا، وإعادة تعزيز وضع الأكراد لمنع النظام السوري من الدخول إلى شرق سوريا، إلى جانب المزيد من الضغط على الحاضنة الشعبية للنظام، من خلال أزمات الغاز والكهرباء وغيرها من الملفات، بهدف التأثير على الحاضنة الاجتماعية للنظام وتأليبها عليه.

السياسة الأميركية في الملف السوري، في المرحلة المقبلة، ستكون مشابهة لسياسة واشنطن بفرض العقوبات على طهران، أي التأثير على الشعب لدفعه إلى الاحتجاج والنقمة على الأنظمة ورفضها. وإذا ما وضع هذا المبدأ إلى جانب الاستثمار في اللاجئين السوريين، في الانتخابات السورية المفترضة، فإن الرؤية الأميركية تتركز على إسقاط النظام انتخابياً، خصوصاً وأن هذه الانتخابات المخطط لها، ستجري تحت مراقبة دولية حثيثة، وسيكون هناك شخصية بارزة لمواجهة الأسد، بالاتفاق مع الروس، وفق ما تتحدث الأجواء الأميركية. وهذا التحضير يترافق أيضاً مع بعض المعلومات الواردة من أوروبا، بأن بعض الدول الأوروبية ستتقدم بدعوى بحق الأسد لمحكمة الجنايات الدولية.

لبنان وإسرائيل

وسط كل هذه التطورات، تبرز التحركات الأميركية الأخيرة تجاه لبنان، والتي يرتكز الجزء الأساسي منها على إعلان إستمرار محاصرة إيران، والضغط الدولي المستمر عليها، لا سيما بعد مؤتمر وارسو. وتشير المصادر إلى أن الأميركيين يسيرون بجدية في مواجهة إيران وحزب الله. وهذا يعني أنه لن يكون هناك عودة عن الإجراءات المفروضة على إيران والحزب، خصوصاً أن العقوبات قاسية وجدية، وهي عبارة عن موت بطيء، لن تكون طهران قادرة على التحمل، وقد يصل الأمر إلى حدود الانفجار الإجتماعي.

تترافق كل هذه الضغوط، مع احتمال افتعال توتير سياسي وعسكري من قبل الإسرائيليين، لا سيما وأن وضع نتنياهو أصبح سيئاً في الداخل الإسرائيلي، خصوصاً بعد إحالته إلى المحاكمة بتهم فساد. وبالتالي، قد يلجأ إلى الهروب نحو حرب مجنونة، وبذلك يتم تهربه من مسألة محاسبة الفساد والاهتمام بشؤون الحرب. وتتحدث بعض المعلومات في إسرائيل بأن هناك نية لدى نتنياهو بتجريب بعض الصواريخ الجديدة، وهي أحدث من صواريخ الباتريوت، وذلك لضرب منظومة الصواريخ الموجهة لدى حزب الله. وبالتالي هناك من يتحدث عن تقدم خيار الحرب لدى الإسرائيليين. ثمة من يشير إلى أن المنطقة تعيش لحظات مفصلية، قد تشهد خلالها حرباً شرسة.

المدن

ترامب يغيّر رأيه مجدداً

يوم الخميس الفائت، الحادي والعشرين من شباط 2019، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز في بيان مقتضب، إن الولايات المتحدة الأمريكية ستُبقي على مئتي جندي كقوات حفظ سلام في سوريا. وفي وقت لاحق يوم الجمعة، قال مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية، لم يتم الكشف عن اسمه، لمراسل قناة فوكس نيوز الأمريكية، إن الولايات المتحدة ستُبقي أربعمئة جندي موزعين على شمال شرقي سوريا وعلى قاعدة التنف بالقرب من المثلث الحدودي بين العراق وسوريا والأردن، الأمر الذي يعني عملياً تراجع واشنطن عن قرارها القاضي بالانسحاب الكامل من سوريا.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قد أعلن في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي، اعتزامه سحب جميع الجنود الأمريكيين من سوريا، بعد ما أنجزوا هدفهم الرئيسي، حسبما قال، وهو القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية. وقد تعرض هذا القرار لانتقادات واسعة داخل الإدارة الأمريكية، أفضت إلى استقالة كل من وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، والمبعوث الأمريكي في التحالف الدولي لمحاربة داعش بريت مكغورك.

وعلى الرغم من ترحيب كل من موسكو وأنقرة بالقرار الأول القاضي بالانسحاب الكامل من سوريا، إلا هذا القرار الذي جاء مفاجئاً، أدى على أرض الواقع إلى تبدل كثير من الحسابات الإقليمية والدولية بما فيها حسابات أنقرة وموسكو، وذلك في سبيل لعب أدوار أوسع، وملء الفراغ الذي ستتركه واشنطن في المنطقة في حال سحب قواتها كلها فعلاً. وقد أدى هذا إلى اضطراب الاتفاقات والتفاهمات بين سائر الدول المعنية بالملف السوري، وبحثها السريع عن خلق توازنات جديدة لدعم موقفها ضمن الظرف الجديد.

وكان حلفاء واشنطن الأوربيين هم الأكثر رفضاً لقرار الانسحاب الكامل، خاصة وأنه جاء دون أي ترتيبات مسبقة، ودون إعلام الحلفاء المشاركين في التحالف الدولي، الأمر الذي دفع مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية الأمريكيين، للقيام بجولتين منفصلتين خلال الشهر الماضي، شملت دولاً في المنطقة والخليج العربي وأوروبا.

وكما جاء القرار الأول القاضي بالانسحاب الكامل بعد مكالمة هاتفية بين أردوغان وترامب، كذلك جاء القرار الجديد القاضي بإبقاء قوات أمريكية في سوريا بعد هزيمة داعش، بعد مكالمة مماثلة بينهما. وعلى الرغم من أن التصريحات التي نشرت بعد إجراء الاتصال لم تشر إلى مثل هذا القرار، إلا أن المحادثات بين أنقرة وواشنطن طوال الفترة الماضية كانت مرتبطة بشكل وثيق بما تفعله الأخيرة في سوريا اليوم، وهو ما يرجّح فرضية أن القرار الجديد مرتبط بما جرى في ذلك الاتصال. وعلى الرغم من أن الانسحاب الأميركي يشكل في أحد وجوهه مصلحة تركية، كونه قد يطلق يد أنقرة في منطقة شرق الفرات، إلا أن حدوثه بشكل كامل ومفاجئ، ودون ترتيبات معها، سيلقى على عاتقها عبئاً كبيراً لا يبدو أنها مستعدة لتحمله الآن، لأنه يضعها في موقف ضعيف أمام موسكو وطهران، اللتين ترغبان بالهيمنة على شرق سوريا بالكامل في حال رحيل الأمريكيين عنه.

كذلك جاء إعلان بقاء قسم من القوات الأمريكية على إثر تصريحات من مسؤولين أوروبيين، رفضوا خلالها الإبقاء على قوات بلادهم في سوريا لحماية المنطقة «العازلة» المزمع إنشاؤها بالقرب من الحدود مع تركيا، إذا ما أصرت واشنطن على سحب جميع قواتها من هناك، وهو الأمر الذي شكَّلَ واحداً من دوافع القرار الأمريكي الجديد على ما يبدو.

وقد تعني التطورات الأخيرة اقتراب الوصول إلى اتفاق معلن بين واشنطن والدول الأوروبية من جهة، وأنقرة من جهة أخرى، يقضي بإنشاء منطقة «عازلة» قرب الحدود السورية مع تركيا، تقوم بإدارتها قوات مقبولة من أنقرة وبرعاية كاملة ومباشرة من واشنطن والدول الأوربية، ليكون ذلك بمثابة حل وسط بين رغبة أنقرة بالتدخل عسكرياً في هذه المنطقة، وبين الوضع الحالي المتمثل بسيطرة قوات سوريا الديمقراطية المرفوضة تركياً عليها.

وأياً يكن عدد الجنود الأميركيين الذين سيبقون في سوريا بعد هزيمة داعش، فإن بقاءهم هذا في حال حدوثه سيترك آثاراً سياسية على المدى المتوسط، أوسع من مجرد تهدئة التوتر في شمال شرق سوريا، لأنه سيعني في الواقع مزيداً من الضغط الأمريكي غير المباشر على طهران ومناطق نفوذها في سوريا. لكنه في الوقت نفسه لن يعني استعادة واشنطن لنفوذها الكامل في الملف السوري، كما كان عليه قبل إعلان ترامب الشهير في شهر كانون الأول الماضي، بل سيتوجب عليها اتخاذ خطوات أكثر قوة في الفترة المقبلة، ذلك إذا ما أرادت التأثير في المسار السياسي السوري بشكل فعّال.

موقع الجمهورية

هل يخسر الأسد من قرار ترمب البقاء في سوريا؟/ روبرت فورد

تبدو السياسة الأميركية في سوريا في حالة من الفوضى. في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترمب أنها ستسحب جنودها من شرق سوريا في غضون أربعين يوماً. بعد ذلك، تحولت الأيام الأربعون إلى أربعة أشهر. ومطلع الأسبوع الماضي، بدلت إدارة ترمب قرارها وأعلنت أنها ستترك في شرق سوريا 200 جندي. وبعد يومين، ارتفع العدد إلى 400 جندي.

أما عن المدة التي سيبقى خلالها الجنود في سوريا، فقال مسؤول أميركي رفض كشف هويته إنهم سيبقون لـ«مدة معينة». في النهاية، يبدو واضحاً أن واشنطن لا تعلم حتى هذه اللحظة عدد الجنود الذين سيبقون داخل شرق سوريا وإلى متى سيبقون.

المؤكد أن ثمة مفاوضات مكثفة تجري على قدم وساق الآن داخل واشنطن بين البيت الأبيض الراغب في الانسحاب من سوريا ومسؤولين في وزارتي الدفاع والخارجية، وكذلك مع أعضاء جمهوريين وديمقراطيين في الكونغرس ومراكز استراتيجية معنية بالسياسة الخارجية، يحثون جميعاً في اتجاه الإبقاء على قوات أميركية داخل سوريا.

وحتى الآن، لم تفلح هذه المفاوضات في التوصل إلى إجماع بخصوص ماهية المصلحة الوطنية الأميركية في سوريا. والواضح أن واشنطن ليست لديها أولويات واضحة، مما يعني أن هؤلاء الجنود الـ400 والطائرات التابعة للقوات الجوية الأميركية التي تحلق في الأجواء السورية، أمامهم مهام كثيرة للغاية. على سبيل المثال، يتعين على هذه القوات الحيلولة دون استخدام إيران الطريق المؤدية من العراق قرب التنف، حتى داخل دمشق، بهدف معاونة إسرائيل على هذا الصعيد. أيضاً، يجب أن تعمل تلك القوات على منع عودة تنظيم «داعش» إلى شرق سوريا، وذلك بالتنسيق مع «قوات سوريا الديمقراطية». أما بالنسبة لمسألة كيف ستتمكن القوات الأميركية و«قوات سوريا الديمقراطية» من إصلاح المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية السورية التي شجعت البعض على الانضمام إلى «داعش»، فلا أحد يتعرض لها بالمناقشة.

ومن المفترض كذلك من الجنود الـ400 أن يوفروا الحماية للأكراد السوريين ومشروع الحكم الذاتي الخاص بهم في مواجهة تركيا وحكومة الأسد.

يذكر أن ثمة ارتباطاً عاطفياً قوياً بين الأميركيين وحلفائهم الأكراد. ولا يزال الأميركيون يأملون في أن تقبل تركيا بحكم ذاتي محلي لأكراد سوريا، لكن ليس بمقدورهم قول هذا الأمر مباشرة لأنقرة. ولسوء حظ واشنطن، يدرك الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الرسالة الأميركية.

وتبدو تلك ثلاث مهام ضخمة بالنسبة لقوة صغيرة من الجنود الأميركيين. هل يمكن لـ400 جندي أميركي حتى لو كان الواحد منهم في قوة سيلفستر ستالون أو بروس ويليس، إنجاز كل هذه المهام في مواجهة روسيا وتركيا وإيران ونظام الأسد ومتطرفي «داعش»، خصوصاً إذا ما تعاون أحدهم ضد الأميركيين؟

تتمثل إجابة إدارة ترمب في أن لندن وباريس ستنشران ألف جندي لمعاونة الأميركيين، لكن حتى الآن لم تعلن أي من لندن أو باريس موافقتها على الطلب الأميركي.

يذكر أن العلاقات الأميركية مع غرب أوروبا في أسوأ حالاتها اليوم منذ 70 عاماً، وتساور لندن وباريس شكوك كبيرة حول مدى الالتزام الأميركي تجاه سوريا. هل يمكن لأي جهة الوثوق بما يعلنه ترمب ومسؤولوه على المدى الطويل؟

من بين الذين وثقوا بكلمة ترمب والآن مني لتوّه بخسارة كبيرة، على الأقل على المدى القصير، الأسد. لقد كان الرئيس السوري واثقاً بأن ترمب سيسحب قواته. وعليه، رفض عرضاً روسياً لمقايضة تقديم تنازلات بخصوص إقامة حكم ذاتي محلي للأكراد مقابل موافقة الأكراد على نشر قوات من الجيش العربي السوري في مناطق بشرق سوريا وعلى امتداد الحدود.

الآن، وبسبب القرار الجديد من واشنطن، خسر الأسد أفضل فرصة سنحت أمامه منذ عام 2012 لاستعادة السيطرة على الحدود الشرقية لسوريا. وسيضطر الأسد للانتظار «مدة معينة» قبل أن تحين فرصته التالية لعقد اتفاق مع الإدارة الكردية.

ومع هذا، تظل الحقيقة أن الأسد يتسم بالصبر، بينما يفتقر إليه ترمب، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الرئاسية عام 2020. وربما يقبل الأوروبيون بالطلب الأميركي ويرسلون بعض القوات إلى شمال سوريا. وحتى إذا أرسلوا قوات، فلا أحد في واشنطن أو لندن أو باريس يدرك ما الحل الطويل الأمد في سوريا.

من جهته، لن يرحل الأسد عن سوريا، ولن ترحل إيران عن سوريا، ولن تضغط روسيا على أي منهما. أما «داعش»، فسيعمد إلى استغلال الدعم الغربي للأكراد السوريين لتجنيد مزيد من المقاتلين العرب في إطار حرب العصابات التي يخوضها، وستواجه القوات الغربية مزيداً من الهجمات المتطرفة.

وبطبيعة الحال، ستعاون الاستخبارات السورية هذه القوات المتطرفة، مثلما حدث أن عاونت تنظيم «القاعدة» في العراق.

يذكر أن انتحارياً فجر نفسه الشهر الماضي في منبج وقتل 4 جنود أميركيين.

أما الرأي العام الأميركي، فيملك الصبر اللازم لـ«مدة معينة». لقد زرت ولاية يوتاه ذات التوجهات المحافظة في غرب الولايات المتحدة، الأسبوع الماضي، وتحدثت إلى مجموعة من المواطنين بلغ عددهم نحو 100 شخص حول سوريا والعراق. وقد طلبت منهم ذكر اسميْ مدينتين في شرق سوريا، ولم يتمكن من الرد على هذا السؤال سوى اثنين فقط. أما الباقون، فالتزموا الصمت حيال سياسة ترمب في سوريا، ولم يعربوا عن تأييدهم أو رفضهم لها.

ومع هذا، فمن غير الواضح ما إذا كان هذا الصبر الأميركي سيستمر لفترة طويلة. وتكشف استطلاعات الرأي أن الأميركيين يرغبون في تقليص معدل التدخل في الخارج. والآن، يقترب موسم الانتخابات الرئاسية. وبالتأكيد يدرك ترمب جيداً هذه الحقائق حتى وإن كانت النخبة المعنية بالسياسة الخارجية في واشنطن لم تدركها بعد. والتساؤل إذن: كيف ستصبح سياسة واشنطن تجاه سوريا خلال الشهرين المقبلين؟

الشرق الأوسط

هل الولايات المتحدة تخسر أوروبا في ما يتعلّق بالشرق الأوسط؟/ مايكل يونغ

كريستينا كوش | زميلة أولى مقيمة في صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة

نعم، وعلى نحو مطّرد. مع أن ثمة مروحة واسعة من القضايا التي عكّرت صفو العلاقة بين ضفتَي الأطلسي، إلا أن التباين حول ملفات سياسية أساسية متعلّقة بالشرق الأوسط هو الذي أدّى دوراً حاسماً في دقّ إسفين التباعد بين القادة الأوروبيين من جهة، ونظرائهم الأميركيين من جهة أخرى. وعلى الرغم من أن المصالح الجوهرية لكلٍّ من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في الشرق الأوسط لاتزال متقاطعة، يبدو أن الخلافات بين ضفتي الأطلسي حول إيران وفلسطين، وفي الآونة الأخيرة سورية، أماطت اللثام عن وجود شقاق عميق حول الطريقة المُثلى لتحقيق هذه المصالح.

مرّ القادة الأوروبيون بثلاث مراحل في تعاملهم مع الظاهرة الترامبية (من ترامب): النكران، والانتظار، والمعارضة النشطة. فقد دعا وزير الخارجية الألماني هايكو ماس في آب/أغسطس الماضي الأوروبيين لأن يكونوا قوة موازنة في وجه سياسات ترامب غير المسؤولة، وأن يتدخّلوا “ليشكّلوا ثقلاً مضادّاً عندما تتجاوز الولايات المتحدة الخطوط الحمراء”. وهذا ما فعلوه ردّاً على مقاربات “الحب الصارم” التي اتّبعها ترامب مع كلٍّ من إيران وفلسطين. يعكس المسار المختلف الذي سلكته أوروبا حيال إيران اختلافها مع الولايات المتحدة حول الطريقة الفُضلى لاحتواء نزعة طهران التوسعية العدائية، كما يعكس مقاربة مختلفة جوهرياً حيال الدبلوماسية الدولية. كذلك، ستندرج المعارضة الأوروبية الصريحة لانسحاب القوات الأميركية من سورية في إطار المساعي الأوروبية لتشكيل ثقل موازن في وجه ما يعتبرونه مواقف سياسية نارية لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط المُستعرة أصلاً.

فرانسوا دالانسون | مراسل الشؤون الخارجية في صحيفة “لاكروا” في باريس

يقف الأوروبيون والأميركيون على طرفَي نقيض حيال الشرق الأوسط، بيد أن أوروبا لا تقدّم بديلاً لرسم معالم التنافس الجيوسياسي الذي تشهده المنطقة. فالقارة العجوز مُنقسمة على نفسها سياسياً وتفتقر إلى القوة العسكرية اللازمة للتصرّف بشكلٍ فعّال من دون دعم أميركي.

في الملف السوري، وعَقِب التغيير الجزئي في موقف الرئيس دونالد ترامب من السحب الكامل للقوات الأميركية البالغ عديدها 2000 عنصر، باتت فرنسا والمملكة المتحدة، وهما الدولتان الأوروبيتان الوحيدتان اللتان لديهما قوات على الأرض، تناقشان مع الولايات المتحدة شروط انتشارهما في المنطقة. لكن من غير المرجّح أن يعيد هذا التدبير المؤقّت والمُرتجل للبيت الأبيض بناء الثقة التي قوّضتها مقاربة ترامب الزبائنية النفعية حيال السياسة الخارجية.

أما في مايتعلق بالملف الإيراني، فقد طلبت الولايات المتحدة من أوروبا مؤخراً الانسحاب من الاتفاق النووي مع طهران وإلغاء الآلية التي وضعتها لتيسير العلاقات التجارية مع إيران – والتي كانت الخطوة الأبرز التي اتّخذتها أوروبا للحفاظ على الاتفاق النووي – ما أربك الحلفاء الأوروبيين. فقد اعتبر رئيس الوزراء السويدي، كارل بيلدت، أنها محاولة ترمي إلى “إيجاد عذر للدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران”. يبقى علينا الانتظار لرؤية ما إذا ستنجح أوروبا في الحؤول دون الانزلاق نحو حرب جديدة في المنطقة.

جودي ديمبسي | باحثة أولى غير مقيمة ورئيسة تحرير “أوروبا الاستراتيجية” في مؤسسة كارنيغي أوروبا

لم تراهن الولايات المتحدة قط على أن أوروبا يمكن أن تكون لاعباً جديّاً ومنخرطاً في شؤون الشرق الأوسط، لأن الأوروبيين يعتمدون كليّاً عليها للتعامل مع هذه المنطقة. بيد أن هذا يمكن أن يتغيّر. انظروا، مثلاً، إلى سورية: فترامب قد يطلب من الأوروبيين توفير الأمن والجنود حالما تنسحب القوات الأميركية، لكن يتعيّن بذل ضغوط قوية عليهم كي يقبلوا بمثل هذا الطلب. وبالطبع، سيعني الرفض المزيد من التوترات في العلاقات بين ضفتي الأطلسي. دقّقوا، مثلاً أيضاً، في ما قد يلي القمة العربية- الأوروبية التي عُقدت في أوائل هذا الأسبوع (في شرم الشيخ): فلأن الهجرة مسألة سامّة جدّاً في أوروبا، يندفع الاتحاد الأوروبي إلى جعل الاستقرار في الشرق الأوسط أولوية له. وهكذا، نُحّيت الخطب البلاغية عن القيم، وحكم القانون، وحرية الإعلام جانباً لصالح السياسة الواقعية، تماماً كما كان الأمر قبل الربيع العربي. وهكذا أيضاً، يدرك قادة المنطقة، خاصة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أن الأنظمة السلطوية تحظى بدعم بروكسل وواشنطن. وفي إطار هذا السياق، يمكن القول إن الولايات المتحدة لاتخسر أوروبا.

جورج فهمي | زميل باحث في برنامج اتجاهات الشرق الأوسط في مركز روبرت شومان للدراسات المتقدّمة، في معهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا

لاتريد إدارة ترامب مناقشة استراتيجيتها في الشرق الأوسط مع الدول الأوروبية، بل طلبت عوض ذلك أن تحذو أوروبا حذو القيادة الأميركية كما كان الحال، على سبيل المثال، مع الاتفاق النووي الإيراني. بيد أن العديد من الدول الأوروبية ترفض ذلك، لكنها أيضاً عاجزة عن طرح استراتيجية خاصة بها. والحال أن صنّاع القرار الأوروبيين يعتبرون إدارة ترامب مؤقتة واستثنائية، وسرعان ما ستُستبدل بإدارة لها مقاربة مغايرة، الأمر الذي سيسمح لاحقاً لأوروبا والولايات المتحدة بلمّ الشمل مجدّداً والاتفاق على سياسة مشتركة إزاء المنطقة. وقد عزف نائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن على أوتار المشاعر والرغبات الأوروبية هذه حين قال في مؤتمر ميونخ: “نحن عائدون”.

لكن، وحتى ذلك الحين، ستمتنع أوروبا عن اتبّاع السياسة الأميركية إزاء المنطقة، لكنها لن تطرح كذلك استراتيجية خاصة بها.

ستُفضّل أوروبا ببساطة الانتظار.

مركز كارينغي للشرق الأوسط

مشروعان في الشرق الأوسط… أيهما تسانده الولايات المتحدة؟/ دنيس روس

قال لي أحد المسؤولين الذين قابلتهم أثناء سفري في منطقة الشرق الأوسط: «هناك مشروعان في الشرق الأوسط؛ أحدهما تركيا وقطر وإيران، والآخر هو السعودية والإمارات ومصر والأردن، بالإضافة إلى إسرائيل. ويجب أن تساند الولايات المتحدة المجموعة الأخيرة لأنها ملتزمة بالحفاظ على استقرار المنطقة على المدى البعيد».

كان حديثه مثيراً للاهتمام، ويحمل كثيراً من النقاط. أولاً، من الواضح أن تركيا وقطر وإيران ليست متماثلة. ولكن كان المسؤول يقول إن المهم بشأن تركيا وقطر في الأساس هو أنهما تدعمان «الإخوان المسلمين»، ويعني ذلك تشجيع التيار الإسلامي السني المتشدد في الشرق الأوسط. وانعكاسات ذلك على الترويج لنظام إقليمي جديد لا حاجة فيه لاحترام الحدود، وتسييس الإسلام بهدف احتكار السلطة. وتركيا هي الشريك الأكبر في السعي إلى هذا الشرق الأوسط الجديد. أما إيران، فهي بالطبع مختلفة. ففي حين أنها تسعى أيضاً إلى تغيير النظام الإقليمي، فإن هدفها هو خدمة أجندة شيعية متشددة أيضاً، وبالتالي في تلك الحالة تعزيز نفوذ إيران في المنطقة، ولأجل ذلك تستخدم الإرهاب والتخويف لتحقيق هدف الهيمنة على المدى البعيد.

ثانياً، ربما لا يكون التصنيف البديل متماثلاً أيضاً، ولكن أطرافه تتشارك في توجه استراتيجي متشابه؛ إذ يجب احترام الدولة القومية وسيادتها، وأن الأطراف غير الدولية وميليشياتها تشكل تهديدات تجب مقاومتها، والنظام السياسي القائم يحقق أكبر أمل في الاستقرار على المدى البعيد.

ثالثاً، يحمل وجوب مساندة أميركا لهذه المجموعة الثانية معنى ضمنياً بأنها لا تفعل ذلك في الوقت الحالي. وقد يكون هذا خبراً جديداً لإدارة ترمب التي ربما تعتقد أنها تساندها. من المحتمل أن يكون قصد هذا المسؤول هو الإشارة إلى أن إدارة ترمب لا تقدم ما يكفي لمساندة هذه المجموعة الثانية.

وهنا أشير إلى أننا على الأرجح نرى معنيين مختلفين. فمن جهة، يثير أسلوب إدارة ترمب مع تركيا وقطر قلق هذا المسؤول. وهو بالفعل كان يقول إن أميركا لا تبدو مدركة أن تركيا وقطر تتصرفان على نحو سوف يهدد في النهاية استقرار المنطقة ومصالح أميركا فيها. ويعني ذلك أن علاقات الإدارة يجب أن تتخذ شكلاً مختلفاً، وأن تمارس ضغوطاً أكبر على هاتين الدولتين ولا تسكت عنهما.

من جهة أخرى، فيما يتعلق بإيران والميليشيات الشيعية، تبدو السياسة الأميركية – على الأقل في نظر هذا المسؤول – صارمة خطابياً واقتصادياً، ولكنها لا تواجه بالضرورة تصرفات إيران وميليشياتها في الواقع. وعلى صلة وثيقة بهذه المخاوف، بدت السياسة المتعلقة بسوريا موجهة فقط ضد تنظيم «داعش». علاوة على ذلك، أوحى إعلان الرئيس ترمب عن سحب القوات من سوريا بأن إيران تستطيع أن ترسخ وجودها هناك إذا أرادت ذلك. ولعل التراجع والإبقاء على 400 جندي من القوات الخاصة الأميركية في سوريا على الأقل في الوقت الراهن يطمئن هذا المسؤول، ولكنه لا يعالج حتماً مخاوفه بشأن أولويات أميركا وبقاء نفوذها في المنطقة.

أجد فيما قاله المسؤول أمراً أخيراً مثيراً للاهتمام ومحفزاً على التأمل. يشير إدراج إسرائيل في المجموعة إلى معنى آخر: ربما لا يوجد تطبيع مع إسرائيل، ولكن هناك وضع جديد في المنطقة. والتهديدات هي ذاتها من كل من إيران والميليشيات الشيعية والسنية المتطرفين. بالإضافة إلى ذلك لا تتحدث إسرائيل عن هذه التهديدات فحسب، بل تتخذ إجراءات ضدها. وفي مفارقة، كلما ازدادت الشكوك حول أميركا – والتي بدأت في المنطقة في عهد أوباما وتستمر في عهد ترمب – ارتفعت صورة إسرائيل عملياً كشريك صامت. بيد أن الخلاف معها لا يزال قائماً إلى حد بعيد بسبب القضية الفلسطينية.

وفي مؤتمر وارسو، انعقدت الاجتماعات وكأنها حلقات نقاش تهدف إلى الوصول إلى أفضل الأفكار والسبل لمواجهة الإيرانيين والجماعات المتطرفة – ولم يلقِ الوزراء العرب ورئيس الوزراء الإسرائيلي خطابات، بل قدموا تحليلاتهم وتوصياتهم. (ومن خلال عملي مديراً للقاءات هناك وملاحظتي لهذا، شعرت بأن الفلسطينيين أخطأوا بمقاطعة المؤتمر. لو حضروا، كان من الممكن أن يدفع كل وزير عربي وكثير من الأوروبيين بالقضية الفلسطينية ويلح على معالجتها. ولكن من دون وجودهم، تم ذكرها عابراً وجاءت قضية فرعية أمام التهديدات التي بدت أكثر إلحاحاً).

ماذا يفيدنا من كل هذا؟ من المهم لإدارة ترمب أن تدرك وجود مشكلة. يجب أن تدخل في مباحثات استراتيجية هادئة مع قادة عرب بارزين، وتوضح ما تستعد لفعله بصدد إيران في المنطقة بالإضافة إلى ما تتوقعه من شركاء إقليميين. كما تحتاج إلى تفسير سياساتها تجاه تركيا حالياً. نعم هي عضو في «الناتو» وطرف أساسي في سوريا، ومن المهم الوصول إلى بعض التفاهمات مع تركيا بشأن ما سيحدث أو لن يحدث في شمال شرقي سوريا. ولكن بعيداً عن ذلك يجب أن تستمع الإدارة إلى المخاوف التي لدى كثير من القادة العرب الآن بشأن تركيا، وألا تظهر أنها على دراية بها فحسب، بل أنها سوف تدرجها في سياستها.

في بعض الأحيان تستطيع عبارات قصيرة الكشف عن الكثير. من الواضح أن المسؤول العربي الذي نقلت عنه عبارته عن المشروعين المتنافسين في المنطقة قد قدم تناولاً مثيراً للاهتمام بشأن الشرق الأوسط ومضامين حول الكيفية التي يجب أن تتعامل بها معه إدارة ترمب.

– خاص بـ«الشرق الأوسط»

الشرق الأوسط

الصراع السوري على عتبة مرحلة جديدة/ ماجد كيالي

أدى إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أواخر العام الماضي، قراره بخصوص سحب القوات الأميركية من سوريا (حوالي 2000 عسكري)، بدعوى أنها أتمت مهمتها بالقضاء على تنظيم داعش، إلى خلط أوراق مختلف الفاعلين الخارجيين في الصراع السوري، وهذا ينطبق على روسيا وتركيا وإيران.

الإعلان المذكور أدى بتركيا إلى تأجيل قرارها المتعلق بنشر قوات من جيشها في الشمال السوري، على امتداد الحدود التركية السورية، لإيجاد منطقة آمنة، ولإنهاء قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي ترى فيها تهديدا لأمنها القومي بعد أن مهّدت لذلك طويلا، بسلسلة من الإعلانات والتهديدات. أما روسيا التي كانت شككت بهذا الإعلان، الذي توجّست من تداعياته، ولاسيما من احتمال كونه مجرد خطوة لاستدراجها إلى المزيد من التورط في الصراع السوري، فقد وجدت نفسها مضطرّة إلى مسايرة تركيا في مسألتين. أولاهما الإبقاء على منطقة إدلب وريفها، كمنطقة خفض تصعيد، أي التسليم بالدور التركي في معالجة وضع هذه المنطقة. وثانيتهما مسايرة موقف تركيا بخصوص المنطقة الآمنة، ولكن وفقا لاتفاق أضنة التركي السوري عام 1998، الذي يشرعن دخول قوات تركية إلى سوريا، لكن بعمق مقداره 5-10 كلم، فقط، وليس وفقا للمخططات الأميركية التي عرضت على تركيا عمقا قدره 20- 30 كلم.

هكذا يتبين أن إيران هي الخاسر الأكبر من هذه التطورات،، إذ أن مرحلة ما بعد الحرب على الإرهاب، سواء تمثل في داعش أو في جبهة النصرة، ستعني تحجيم نفوذها حكما، سيما بعد تراجع الصراع العسكري في سوريا، والتوجه نحو تفعيل سكّة الحل السياسي، سواء عبر اللجنة الدستورية أو عبر استعادة مسار جنيف مع مجيء مبعوث دولي جديد، علما أن هذا التحجيم جاء مصحوبا بحملة دولية، أميركية وإسرائيلية، تستهدف تحجيم نفوذ إيران، من العراق إلى سوريا، وفرض عقوبات عليها، باعتبارها أحد أهم مصادر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

يستنتج من كل ذلك أن الصراع السوري بات على عتبة مرحلة جديدة بالنسبة للأطراف المنخرطة فيه، وبالنسبة لتمظهراته وأشكاله، فمرحلة ما بعد الحرب على الإرهاب، غير ما قبلها، ومرحلة ما بعد الصراع العسكري غير ما قبله، ومرحلة فرض منطقة آمنة في الشمال، أو الشمال الشرقي، مع تحديد دور تركيا، غير ما قبل ذلك. هكذا، فإن المرحلة القادمة ستكشف، على الأرجح، عن الملامح الأساسية الآتية:

أولا، استقرار توزع خارطة القوى العسكرية، في الجغرافيا السورية، حيث ستبقى تركيا في الشمال الغربي، أي في إدلب وريفها، على الأغلب، وتبقى الولايات المتحدة في شرقي الفرات، مع قرارها مؤخرا بالإبقاء على 200 عسكري، والبقاء في قاعدة التنف، مع ضمان أمن تركيا، من جهة، والحفاظ على قوات “قسد” من جهة أخرى، في حين يبقى النظام بقوة حليفتيه روسيا وإيران، مسيطرا في وسط وغرب سوريا، بينما تعتبر منطقة الجنوب تحت النفوذ الإسرائيلي غير المباشر.

ثانيا، هذا التموضع للقوى الفاعلة في الصراع السوري يفيد بأن قواعد الصراع سوف تتغير، ففي هكذا واقع ستبقى نقطة التجاذب الوحيدة للصراع العسكري، هي منطقة إدلب وأريافها وحماه، وبشكل محدود، خاصة في حال لم تنجح تركيا بإقناع روسيا بمشروعها المتعلق بترك تركيا تتدبّر أمر منطقة إدلب والقوى الموجودة فيها، خاصة جبهة النصرة.

ثالثا، يفيد هذا الوضع بتضاؤل الدور الإيراني لصالح الدور الروسي، فمن المعلوم أن احتدام الصراع العسكري هو الذي غطى على دخول ميليشيات تابعة لإيران من بلدان شتى، وأن تراجع حدة الصراع العسكري سيؤدي إلى التخفف من ذلك، خصوصا أن روسيا أثبتت بأنها هي التي حمت النظام أكثر من إيران وأنها هي التي باتت تمسك بقواعد الصراع السوري، وليست إيران.

رابعا، حتى مع بقاء 200 عسكري أميركي، فقط، في الأرض السورية فإن الولايات المتحدة مازالت تحتفظ بدور المقرر في إدارة هذا الصراع، وهذا يفسّر أن روسيا مثلا، تستطيع أن تجرب عضلاتها وأن تفرض وجودها عسكريا في سوريا، لكنها لا تستطيع أن تحول ذلك إلى استثمار سياسي فيها، ما يتجلى عدم قدرتها في ملفات استعادة الاستقرار السياسي وإعادة اللاجئين وتمويل عمليات الإعمار.

كاتب سياسي فلسطيني

العرب

سورية.. الحل الغائب أممياً/ سميرة المسالمة

يعيد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سورية، غير بيدرسون، ترتيب أولويات العملية السياسية “بعيدة المنال”، في مداخلته الأولى أمام مجلس الأمن نهاية شهر فبراير/ شباط، والتي جاءت بعد لقاءاته مع أطراف الصراع “المحليين” والدوليين، فحيث يؤكد مضمون خطابه أن ملف المفقودين يحتل مركز الصدارة في النزاع بين النظام والمعارضة، يأتي توزّع الأراضي السورية تحت سيطرة الدول من جهة، والمنظمات الإرهابية من جهة أخرى، ليشكل جوهر مشكلةٍ متفاعلة، ومتقلبة، في التعاطي مع الحل المنشود، وهذا ما يعني غياب سورية التي يتحدث عنها كل الأطراف، بخريطتها المعروفة ما قبل 2011، وحيث تغرق الدول الأوروبية والعربية المجاورة لسورية تحت سيل اللاجئين فيها، يقع البحث في قضية “حق العودة” وحماية العائدين، واحدا من الملفات الضاغطة والمتعثرة حالياً، في ظل تجارب “العائدين” غير الموثوقة مع النظام، ليأتي ترتيب اللجنة الدستورية وافتعال مشكلة تشكيلها، ومواضع النزاع على محاصصة الدول فيها، ومواضيع عملها ومسؤولياتها، آخر بنود ما يمكن الحديث عنه مدخلا للحل “السياسي” الغارق بالدم السوري، من دمشق حتى آخر نقطة على الحدود السورية وما بعدها.

وإذ يقرّ بيدرسون أن “النزاع في هذا البلد أبعد من أن ينتهي”، فإنه لا بد أن يدرك، في الآن نفسه، أن تغيير المصطلحات والتسميات واختراع منتدياتٍ مشتركةٍ بين القوى الدولية لن يفيد 

في المساعدة في تحقيق السلام، إنما هو مجرّد محاولةٍ لإحياء دوره، وتغطية على تقاعس الأمم المتحدة في أداء دورها في حماية السلم والأمن الدوليين من لعبة الموت التي تتوسع رقعتها الجغرافية، ويتزايد أعداد اللاعبين فيها، بينما تبقى كل البنادق موجهة إلى سورية، سواء التي تنتسب للأسد في شقه الإيراني، أو للنظام في شقه الروسي، أو لقيادات المعارضة في مجموع تبعياتها الدولية، والتي يدفع ثمن كل هذه “السوريات” هم السوريون، سواء الذين آمنوا بالثورة خلاصاً لهم من نظام الاستبداد، أو، في الوقت نفسه، من تنعكس سياسات النظام سلباً عليهم ممن وقفوا إلى جانبه خوفاً، أو تمسّكاً بامتيازاتهم ومصالحهم، على حساب فقر السوريين، وأمانهم وأسباب عيشهم.

ولعل التعويل على تشكيل منتدىً دولي مشترك بين القوى الدولية للمساعدة على تحقيق السلام في سورية، كما يدّعي المبعوث الأممي “تعمل الدول من خلاله على مسائل عالقة، ما يساعد على حل تلك المسائل”، يضعنا أمام جملةٍ من التساؤلات بشأن الآلية التي يعمل عليها المبعوث الأممي، فهل تجاهل بيدرسون وجود مجموعات عملٍ دوليةٍ تشكلت منذ العام الأول للصراع بدءاً من لجان جامعة الدول العربية إلى مجلس الأمن، إلى مجموعة أصدقاء سورية التي عقدت أول اجتماعاتها في فبراير/ شباط من عام 2012 في تونس، وكانت الغاية محاولة إيجاد حل للأزمة السورية، بعيداً عن مجلس الأمن الذي عطّلت مفاعيل عمله أنظمته المتحجرة المتمثلة بحق النقض، ولا تزال هذه الآلية واحدةً من أسلحة الدمار المسلطة على السوريين، والتي تحول دون أي قرار جدّي يوقف الحرب في سورية، ويفرض الحل السياسي الذي لا يحتاج إلا إلى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في قرار مجلس الأمن 2254 بعد تمييع كثير من مطالب الثورة، والقفز من التغيير إلى التعديل، في شكل النظام وأسماء متنفذيه.

وكما لا يمكن للمبعوث الأممي تجاهل الاعتراف بمجموعات عمل دولية كثيرة، ومنها المجموعة التي عقدت اجتماعاتها في لوزان في شهر أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2016، وضمت الولايات المتحدة، وروسيا، والسعودية، وقطر، والأردن، وتركيا، ومصر، والعراق، وكان هدفها أيضاً التوصل إلى اتفاق مع روسيا بشأن استراتيجية عامة لإنهاء الأزمة في سورية، ومن ثم التحالفات الدولية، ومجموعة العمل الدولية المصغرة التي عقدت أكثر من اجتماع في باريس في يناير/ كانون الثاني ولاحقاً مايو/ أيار 2018، وسعت خلاله فرنسا إلى إقامة حوار مع ضامني أستانة، المسار الذي ابتدعته روسيا مع حليفتيها، تركيا وإيران 2017، ودجّنت من خلاله الفصائل المسلحة “المعارضة” ضمن مسارٍ تفاوضي أدخل مسار جنيف الأممي في حالة “كوما” لم يخرج منها حتى اليوم، على الرغم من تعدّد جولات إنقاذه التي وصل عددها إلى تسعة زائد واحد “جولة فيينا”.

أي أننا ومن خلال ما تقدم به بيدرسون من اقتراحٍ لإعادة تدوير التجارب الدولية، في إنشاء منتدياتها، أو مجموعاتها، أو تحالفاتها، ندور في حلقةٍ مفرغة، مهمتها شرعنة استمرار الصراع في سورية وعليها، سواء الصراع المحلي، المتمثل في الخلافات البينية داخل كل من النظام والمعارضة، وهو الظاهر بين طرفي النظام المنقسم على نفسه بين تبعيته لإرادة الحل الروسي وتماهي جزء منه مع المصلحة الإيرانية بمواجهة الإرادة الأميركية والإقليمية والعربية، صراع، لم يعد خافياً، بين أتباع كل من جهتي الاحتلال “المشرعن” لسورية، أو بين المعارضات أو المحسوبين عليها، ذات المرجعيات العديدة التي تحضر خصوماتها الأيدولوجية والعسكرية، سواء ميدانياً في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، أو داخل منظومات العمل السياسي في كيانات المعارضة التي تمثل الطرف المقابل للنظام في مشاريع التسوية المأمولة.

التعويل على منتدى دولي في حل القضايا العالقة، وأهمها ملف المعتقلين واللاجئين والانتقال السياسي المغيب حالياً عن التداول ضمن مشاريع التسوية المقترحة، والتي تمثّل جوهر الصراع في سورية، في الوقت الذي عجز فيه مجلس الأمن عن فعل ذلك، يمكن اعتباره ليس التفافاً على الحل، وإنما هي عملية “التخلي” من الأمم المتحدة عن القيام بدورها، في حماية تنفيذ قراراتها التي أساساً تضع حداً لتلك المسائل العالقة التي يريد بدرسون أن يرحلها إلى منتدىً، لن يخرج عنه أكثر من بيانٍ يقارب، أو يوازي بيانات المجموعات الدولية التي سبقته، والتي ستلحق به، في ظل التواطؤ والتباطؤ اللذين مارستهما الأمم المتحدة لتجنب فرض تنفيذ قراراتها التي أقرّتها منذ بيان جنيف 1 في 2012 وحتى القرار 2401 لعام 2018، وما بينهما نحو 17 قرارا دوليا، بقيت الأمم المتحدة والدول المعوّل عليها ترزح تحت جنح الصمت تارة، والشراكة غير النزيهة في حربٍ وقودها وحجتها وضحيتها الشعب السوري.

العربي الجديد

الواقع السوري يلزمنا بالبحث عن القواسم المشتركة المطمئنة/ عبدالباسط سيدا

أيام قليلة تفصلنا عن الذكرى الثامنة لانطلاقة الثورة السورية التي جسدت تطلعات السوريين، لاسيما الشباب منهم، نحو حياة حرة عادلة، تضمن العيش الكريم لجميع السوريين من دون أي استثناء أو امتياز. ثورة كان من بين أهدافها طمأنة الأجيال المقبلة بمستقبل زاهر، يرتقي إلى مستوى إمكانيات سوريا على صعيد الموارد البشرية والطبيعية. مستقبل يفتح الآفاق أمام الطاقات الإبداعية الواعدة للسوريين الشباب الذين أثبتوا، ويثبتون، تميزهم اللافت في بلدان اللجوء والاغتراب. هذا رغم قسوة الظروف التي أجبرتهم على مغادرة وطنهم، والمعاناة الجسيمة التي أنهكتهم.

وبهذه المناسبة، لا بد لنا من وقفة مع الذات، إذا صح التعبير، بغية إعادة النظر في ما جرى، والعمل على تقويمه في أي سعي يمكّن السوريين من الوصول إلى بر الأمان، وذلك بعد رحلة العذابات والآلام التي تتمرد على أي وصف.

كانت المشكلة الأساسية التي واجهتها الثورة السورية منذ اليوم الأول متمثلة في عدم وجود قيادة متماسكة، تمتلك من الخبرات والكفاءات التي تؤهلها لتحمّل المهمة الأصعب في تاريخ سوريا الحديث والمعاصر. فالأحزاب الموجودة كانت تقليدية، معزولة جماهيريا، ومترهلة تنظيميا. كما كانت، ومازالت، تفتقر إلى القيادات الكاريزماتية التي تكون الحاجة إليها ماسة في مثل هذه الظروف.

وقد تمكّن السوريون، رغم ذلك، وبعد لقاءات ومناقشات مطولة، من الوصول إلى فكرة المجلس الوطني السوري الذي شهد النور في نهاية المطاف أواخر عام 2011، على أمل أن يكون مشروعا مفتوحا يجمع بين سائر السوريين. ولأسباب تناولناها في أكثر من مناسبة، لم يتمكن المجلس المعني، كما لم يتمكن الجسم الذي تلاه، الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، من إنجاز الحد الأدنى من تطلعات السوريين بكل أسف، ولهذا الأمر أسبابه ومقدماته التي تناولناها أيضا في أكثر من مناسبة.

ولكن في المقابل، لم يتمكن النظام نفسه من تحقيق الانتصار الذي كان يدّعيه منذ الأشهر الأولى رغم استخدامه كل أنواع الأسلحة، بما في ذلك صواريخ سكود والطائرات وبراميل الحقد، والأسلحة الكيمياوية على مدى سنوات. وحينما عجز عن إرغام السوريين المناهضين له على الصمت والعودة إلى حظيرة الطاعة مجددا، لجأ إلى راعيه الإيراني ليتوسل منه التدخل المباشر، والاشتراك معه في قتل السوريين. وكان إدخال الميليشيات المسلحة المذهبية التوجه التي أنشأها النظام الإيراني في إطار مشروعه التوسعي في المنطقة.

وهكذا شهدت سوريا حربا بالوكالة على السوريين المناهضين لحكم بشار الأسد، وذلك تحاشيا لمحاسبة دولية، وتهربا من تحمّل المسؤولية المباشرة، وذلك بالتناغم مع الموقف الدولي الذي غض النظر عن دخول ميليشيات حزب الله والفصائل المذهبية العراقية، والتشكيلات العسكرية المذهبية الأفغانية، هذا رغم معرفة جميع الدول المعنية بالملف السوري بأهداف اللعبة، واطلاعها على أبعادها.

ومع إخفاق النظام الإيراني في إبعاد شبح السقوط عن حكم الأسد، كان اللجوء إلى روسيا التي كانت تتحين الفرصة في عهد الرئيس فلاديمير بوتين للعودة مجددا إلى الساحة الدولية كقوة عظمى منافسة للولايات المتحدة الأميركية، وكان الشعار هو محاربة الإرهاب الذي أُقحم إقحاما في الساحة السورية لأداء أدوار وظيفية، خدمت في نهاية المطاف النظامين الأسدي والإيراني. كما خدمت روسيا. هذا في حين أن عدم الوضوح الذي مازال يغلّف الموقف الأميركي من كل ما جرى، ويجري، في الساحة السورية، يفسح المجال أمام مختلف التحليلات والتأويلات التي لم تتمكن حتى الآن من ملامسة الثابت النسبي الذي قد يمكن البناء عليه في الإستراتيجية الأميركية تجاه سوريا على وجه التحديد، والمنطقة على وجه العموم.

لن ندخل في تفصيلات ما جرى، فقد كُتب الكثير حول هذا الموضوع. كما أن الكثير منه مازال حاضرا فاعلا متفاعلا في أذهان السوريين، سواء من الذين عايشوا الأحداث، أو من أولئك الذين تابعوا بدايات المشهد السوري بمختلف أبعاده، ومازالوا يتابعون.

فما نريد التركيز عليه هو تحديد السعي من أجل استشفاف ملامح المطلوب للخروج من حالة الاستعصاء التي تعاني منها الحالة الوطنية السورية. فالسوريون اليوم قد توزعوا بين ثلاثة مواقف أساسية، وذلك وفق التصنيفات النمطية الدارجة: المناهضون “للنظام”، الموالون “للنظام”، والرماديون. والقاسم المشترك بين هذه المجموعات الثلاث يتجسد في التوجس من المجهول القادم.

فعلى صعيد الواقع الميداني، هناك مناطق نفوذ، ووجود لقوات مسلحة متعددة الجنسيات على كامل المساحة السورية. والملاحظ أن هذه القوات تعتمد بهذه الدرجة أو تلك على القوى المحلية، وعلى الميليشيات الوافدة في تنفيذ عملياتها وخططها التي ترمي في نهاية المطاف إلى تثبيت موقع كل دولة في المعادلة السورية. حتى وصلنا إلى مرحلة باتت الأمور الخاصة بمصير سوريا ومستقبلها تقرر من قبل القوى الكبرى: الولايات المتحدة وروسيا تحديدا، والقوى الإقليمية: إيران وتركيا وإسرائيل. هذا في حين أن الموقف العربي مازال يعاني من الهشاشة والتردد والتهميش.

في مواجهة كل ما يهدد سوريا، أرضا وشعبا، يحتاج السوريون إلى استعادة إرادتهم، ليقرروا بأنفسهم أي مصير يتطلعون إليه لأنفسهم وأجيالهم المقبلة.

هل هناك رغبة في استمرارية التواصل والتفاعل ضمن إطار وحدة وطنية تضمن حقوق الجميع، مقابل التزامهم بواجباتهم الوطنية على صعيد الأرض والمجتمع؟ أم أن الأمور قد وصلت إلى مستوى من التشابك والتعقيد، وفقدان الثقة، تشعر معه جملة المكونات السورية بعدم القدرة على التفاهم والتعاون من أجل النهوض بالبلد وأهله رغم كل ما حصل؟

ولكن السؤال الأهم هو: ما هي حدود المساحة التي يمكن للسوريين أن يتحركوا فيها بحرية، ويقرروا بأنفسهم استنادا إلى تطلعاتهم الخاصة بهم وإرادتهم الحرة؟

أسئلة وجودية تمس في العمق المصير السوري بصورة عامة، ومصير المكونات السورية على وجه التخصيص.

الأمر الإيجابي حتى الآن في المشهد السوري، هو عدم إقدام أي مكون من المكونات السورية، أو أي طرف من الأطراف السياسية، على المطالبة بالانفصال علنا. وهذا الأمر يشمل الجميع بغض النظر عن اصطفافاتهم أو مواقعهم من النظام.

ولكن في المقابل، هناك أمر سلبي يتلمّسه المرء المتابع للشأن السوري، وهو غياب الخطاب الوطني الجامع المؤثر، الذي يطمئن حامله الاجتماعي السوريين جميعا. بل على النقيض من ذلك، مازالت لغة التحدي والتشفي المفعمة بالتهديد والوعيد هي المعتمدة من جانب النظام الذي يخدع أنصاره في المقام الأول عبر ادعاءات الانتصار الزائفة. فهو يزعم بأنه قد أفشل المؤامرة الكونية التي كانت تستهدفه بصفته “المقاوم الممانع”.

هذا في حين أن الجميع يعلم بأن غالبية السوريين كانت، ومازالت، مناهضة لنظام الفساد والاستبداد هذا الذي بات في يومنا الراهن مجرد نظام تابع، يتصرف ويتحرك بناء على الأوامر الإيرانية والروسية.

ومن جهة المعارضة، مازالت عقلية المجاملات الخاوية هي المهيمنة. ومازال كل فريق يحلم بإمكانية الانتصار على بقية السوريين من أجل فرض مشروعه الأيديولوجي على الجميع، من دون أي اعتبار لما سيترتب على هذا المشروع من مآلات.

الوضعية السورية الراهنة تستوجب تجاوز التقسيمات المعتمدة حاليا: معارضة، موالاة. فنحن إذا كنا نريد الوحدة الوطنية السورية، قولا وعملا، لا بد أن نبذل الجهود من أجل تحقيق هذا الهدف الصعب جدا في ظل نتائج الزلزال السوري المدمر.

فما نحتاج إليه هو مشروع وطني عام يمثله سوريون همهم الأول هو الشعب والوطن، مشروع يطمئن السوريين عبر القطع مع الاستبداد والظلامية، والنزعات القومية والمذهبية بكل تلاوينها. ومشروع كهذا هو مستقبلي بطبيعته. هذا مع إقرارنا الكامل بأن مشروعا كهذا لن يكون قابلا للحياة من دون مصالحة وطنية حقيقية، أساسها الاعتراف بالخطأ، والاستعداد لتحمّل نتائجه، وتوفير المقوّمات التي من شأنها ضمان العيش الكريم لجميع السوريين. وهذا كله لن يكون من دون عدالة انتقالية لا تتساهل مع المسؤولين المباشرين عن كارثتنا الوطنية الكبرى.

كاتب سوري

العرب

الولايات المتحدة تشدّد الحصار على إيران ونظام الأسد في سوريا/ علي الأمين

لم تكن زيارة رئيس النظام السوري الأولى إلى طهران منذ انطلاق الثورة السورية، سوى إعلان صريح عن نهاية فرصة عودة سوريا بصورتها الأسدية غير المنقحة إلى الجامعة العربية.

تحاشى الأسد القيام بهذه الزيارة طيلة تلك السنوات، رغم الدعم الكبير الذي تلقاه من طهران في مواجهة الثورة، ورغم القطيعة شبه الكاملة مع المنظومة العربية، فضلا عن قيامه بعدة زيارات إلى موسكو التي بدت بالنسبة إليه، الدولة الكبرى التي لا تشكل زيارتها تحديا أو استفزازا للعديد من الدول الكبرى ولاسيما الولايات المتحدة الأميركية، بل أملا بإمكانية إعادة الاعتبار الدولي والإقليمي إلى النظام الذي تورط بقتل مئات الآلاف من السوريين وتهجير الملايين فضلا عن تدمير معظم المدن والحواضر السورية.

وصل الأسد إلى طهران في خطوة تعكس الإعلان عن نهاية فرص تحسين الشروط الإقليمية والدولية للنظام، فالدول العربية تراجعت خطوة إلى الوراء، سحبت دولة الإمارات العربية المتحدة القائم بأعمال سفارتها في دمشق، بعد أن تراجعت عن خطوة تعيين سفير جديد فيها، ومصر التي كانت وزارة الخارجية فيها تنشط لإعادة سوريا إلى الجامعة العربية، انكفأت عن هذه الدعوة، ولم تقم البحرين بما كان متوقعا منها بفتح سفارتها في دمشق.

باختصار ثمة ما خفف من الاندفاعة العربية تجاه سوريا، بل فرملها وهي رسائل أميركية واضحة لجهة عدم إضفاء أيّ شرعية إقليمية أو دولية على نظام الأسد، طالما لم يجر الانتقال إلى مرحلة التغيير في صيغة النظام ودستور البلاد استنادا إلى مقررات جنيف، والأهم هو أن نظام الأسد لم يقدم شيئا حيال التخلص من النفوذ الإيراني، ولم يقم بأيّ خطوة يشتم منها أنه في وارد الخروج من الحضن الإيراني.

ما تنقله أوساط سورية معارضة للنظام في هذا السياق، أن زيارة الأسد لطهران، تتصل بجانب آخر، له علاقة بالتنافس الروسي- الإيراني، وهذا التنافس الذي لم يخرج إلى حدود التناقض بين مصالح الدولتين في سوريا حتى اليوم، إلا أن ذلك لا يقلل من شأن أن الدولتين تعملان كل بمفردها على تعزيز نفوذها داخل الدولة السورية والجيش، إلى حد أن ذلك ساهم في حدوث صدامات في أكثر من مكان، بين الجزء الذي تشرف عليه روسيا عبر اللواء سهيل الحسن، والفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد الذي يوصف بأنه حصة إيران في المؤسسة العسكرية.

وتضيف هذه المصادر نقلا عن مصادر روسية، أن الجيش السوري غير قادر على الدخول إلى منطقة شرق الفرات، فيما تفسر قوى معنية الموقف الروسي، باعتبار أن موسكو غير متحمسة لخوض معركة في شرق الفرات لأن نتيجتها ستكون لصالح سيطرة الميليشيات الإيرانية والقوى التابعة لها، على حساب سيطرة النظام وقواته التي تصفها المصادر بالهشة.

الموقف الروسي يبقى أقرب إلى الموقف التركي حيال عدم الدخول في مواجهة في هذه المنطقة التي تتداخل فيها مصالح إقليمية ودولية تطال الأكراد والمنطقة الآمنة، والحضور الأميركي الذي لا يزال في هذه المنطقة استراتيجيا رغم إعلان الرئيس الأميركي الانسحاب من سوريا.

جاءت زيارة الأسد إلى طهران في ظل خطوات إحكام الحصار الأميركي، ومع رسوخ قناعة لدى طهران من أن مسار التصعيد الأميركي لن يتوقف، وسيمتد هذه المرة إلى نظام الأسد

ومن ضمن المعلومات التي تؤكد أن خطة أميركية يجري تنفيذها على صعيد التضييق على النظام السوري، أن الإدارة الأميركية ألزمت قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا، بوقف تزويد النظام بالمشتقات النفطية، وهي خطوة تهدف إلى تضييق الخناق على النظام، ومنعه من إعادة ترميم علاقاته مع البيئة السورية الحاضنة له، وما يؤكد هذا التوجه، هو ما أكدته مصادر سورية معارضة في القاهرة بأن الحكومة المصرية تلقت طلبا من الإدارة الأميركية مفاده منع البواخر الإيرانية المتجهة إلى السواحل السورية من العبور عبر قناة السويس.

جاءت زيارة الأسد إلى طهران في ظل خطوات إحكام الحصار الأميركي، ومع رسوخ قناعة لدى طهران من أن مسار التصعيد الأميركي لن يتوقف، وسيمتد هذه المرة إلى نظام الأسد، وبالتالي فإن التغيير في سوريا وإعادة إعمارها، باتا محكومين بشرطين لازمين. الأول يتصل بإنهاء النفوذ الإيراني أو تقليصه نوعيا. والثاني الانتقال من النظام الدكتاتوري إلى نظام بديل يتيح مشاركة قوى ومكونات سورية معارضة ومستقلة.

كلا الشرطين قاتلان للنفوذ الإيراني ونظام الأسد، فالأول لن يحتمل مشروع خروجه من سوريا، والثاني عاجز عن البقاء في السلطة في حال وافق على إجراء أي تعديل ولو بسيط في بنية النظام.

لذا تفيد المؤشرات في سوريا اليوم، بأن الأزمة مستمرة والحلول ليست قريبة، هذا ما تكشفه الإجراءات الأميركية الآنفة، وهذا ما يؤكده عجز طهران وحتى روسيا عن خوض غمار إعادة الإعمار وترسيخ وجود النظام، بمعزل عن حاضنة دولية وعربية، وقد أكد الرئيس الروسي قبل أيام على ضرورة وجودها وقال إن روسيا تعمل على قيامها.

يدرك الرئيس السوري أن فرص بقائه تكمن في استمرار الأزمة، طالما أن الحلول ليست بيده ولا بيد حلفائه فقط، وهو يدرك بعمق أكثر أن بقاءه في السلطة واستمرار دعم حلفائه له، يتطلبان أيضا بقاء الأزمة لأنها الوحيدة التي تجعل روسيا وإيران متمسكتين به، وأي انتقال لتسوية دولية سيكون هو كبش فدائها، سواء طاله مباشرة أو من خلال تغيير النظام أو تعديله.

الخطر الذي يهدد إيران في سوريا، يجعل من طهران أكثر تمسكا بالأسد، كما يجعل الأسد أكثر اطمئنانا لإيران، طالما أنهما عنوان الأزمة في الاستراتيجية الأميركية وطالما أن روسيا ليست في هذه الوضعية، بل هي التي لديها خيارات عدة يمكن أن تعتمدها طالما أن الدول المؤثرة تسلم بدور موسكو المرجعي في سوريا.

كاتب لبناني

العرب

الأسد بحاجة إلى الولايات المتحدة وحلفائها لإعادة إعمار بلاده/ جمانة قدور

عاودت دول عربية كثيرة فتح سفاراتها في سوريا منذ شهر كانون الأول/ديسمبر في خطوةٍ أثارت التكهنات حول مشاركة نظام الأسد في “القمة العربية” المقبلة بعد أن كان مستبعدًا عن “جامعة الدول العربية” لأكثر من سبع سنوات. وفيما تواصل دمشق تقدّمها التدريجي نحو معاودة الاندماج الكامل في المنطقة، سيكون التحدي الأكبر أمامها هو تأمين مئات مليارات الدولارات اللازمة لإعادة إعمار البلاد بعد الحرب. ولهذا ينبغي على إدارة الرئيس ترامب أن تعمل مع حلفائها الإقليميين لإبطاء مسيرة الاندماج هذه واستغلال التمويل اللازم لإعادة الإعمار من أجل ضمان المصالح الأمريكية.

سوريا عاجزة عن تمويل عملية إعادة الإعمار بمفردها

سنواتٌ من الحرب المدمّرة تركت الاقتصاد السوري أشبه بشبحٍ لما كان عليه في الماضي. فقد تقلّص الناتج المحلي الإجمالي في سوريا بمعدل أربعة أخماس بين عامَي 2010 و2016 بحسب “المكتب المركزي للإحصاء”، فيما أفاد “البنك الدولي” أن الإيرادات العامة تراجعت من نسبة 23 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي المسجلة عام 2010 إلى أقل من 3 في المئة عام 2015، في الوقت الذي تراجعت فيه قيمة الليرة السورية بنسبة 459 في المئة خلال الفترة نفسها بسبب خسارة الإيرادات النفطية وانهيار الاقتصاد نتيجة العقوبات وظهور اقتصاد غير رسمي قوي، ناهيك عن افتقار السلطات المحلية إلى القدرة على جباية الضرائب، من جملة عوامل أخرى. هذا وتقدّر “لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا” كلفة إعادة الإعمار بنحو 400 مليار دولار، علمًا أن قطاع الإسكان يستحوذ على 65 في المئة منها بحسب البيانات الصادرة عن “صندوق النقد الدولي”.

وترافق هذا كله مع هروب أصحاب الأعمال التجارية بمعظمهم من البلاد، حيث أفاد “البنك الدولي” أن حصة الاستثمار الخاص من الناتج المحلي الإجمالي هبطت من 12 في المئة عام 2010 إلى 4 في المئة عام 2015، فيما تعتبر النسبة المتبقية من أصحاب الأعمال التجارية تابعةً لحكم الأقلية الذي يمارسه بشار الأسد: فقد أُدرج ما لا يقل عن 270 شخصًا و72 شركة متصلة بالنظام على قوائم وزارة الخزينة الأمريكية أو قوائم عقوبات الاتحاد الأوروبي أو كلتيهما، ومن بينهم شخصيات بارزة موالية للنظام أمثال رامي مخلوف وسامر فوز ومحمد حمشو.

إضفاء طابع شرعي على انتزاع الملكيات

يمكن القول باختصار إن القطاعين العام والخاص في سوريا ليسا مهيّأين لمواجهة تحدي إعادة إعمار البلاد بأسرها، إنما يبدو أن تركيزهما محصور بمكافأة النخبة في العاصمة وغيرها من المدن الكبيرة بالتزامن مع إعادة رسم الخارطة الطائفية للبلاد. ومثالٌ عن ذلك أن جهود الإعمار التي تبذل حاليًا تركّز على مشاريع سكنية وترفيهية فاخرة يطلقها رجال أعمال موالون للنظام في بلديات دمشق على غرار ماروتا سيتي وجوبر والقابون – بالإضافة إلى أخرى مرتقبة في حلب وحمص- عوضًا عن التركيز على مهمة جوهرية وهي تأمين السكن لنحو خمسة ملايين لاجئ لا يزالون عالقين خارج البلاد. وفي هذا السياق، كشف المتعهدون المحليون أن سعر المتر المربع في هذه المشاريع سيكون 3,500 دولار (أي 300 دولار للقدم المربع)، ما يناهز 500 ألف دولار للشقة المؤلفة من ثلاث غرف نوم، وهذا مبلغ يتعدى بأشواط الإمكانيات المادية للاجئين العائدين إلى وطنهم.

وفي هذه الأثناء، كانت الحكومة تثابر على وضع يدها على أكبر قدر ممكن من الأملاك، ومن الخطوات التي اتخذتها لهذه الغاية إصدار أكثر من عشرين قانونًا جديدًا يتعلق بالأملاك خلال الحرب، منها قانونٌ مثير للجدل هو القانون رقم 10 لعام 2018 القاضي بإنشاء مناطق تنظيمية لإعادة البناء في مختلف أنحاء سوريا وإعطاء أصحاب العقارات فيها مهلة سنة واحدة لتسجيل طلباتهم شخصيًا لدى الموظفين الحكوميين – وهذا شرطٌ يستحيل على الكثير من المنشقين السياسيين واللاجئين وغيرهم من المالكين استيفاؤه. أضف إلى ذلك أن هذه السياسة تنطوي على إشكالية كبيرة لأن نسبة 50 في المئة فقط من الأملاك السورية كانت مسجلة رسميًا قبل الحرب بحسب ما أفادته منظمة “هيومن رايتس ووتش”. وعلى المنوال نفسه، يجيز القانون رقم 3 لعام 2018 للمحافظ تدمير المباني الخاصة الواقعة في عقارات معينة، فيما يسمح المرسوم الاشتراعي رقم 63 لعام 2018 للحكومة بالاستيلاء على أملاك “الإرهابيين” – أي كل أخصام النظام السياسيين – بدون اللجوء إلى الإجراءات النظامية. وهذه أخبار يتداولها الناس أيضًا، حيث اشتكى بعض المالكين من انتزاع ملكيات مربحة منهم ولم يُدفع لهم بالمقابل سوى 10 في المئة من قيمتها.

خيارات التمويل الخارجي محدودة

بالرغم من جاذبية إقامة مشاريع مربحة جديدة في منطقة تعاني من ركود مالي، لم يستسلم المستثمرون – ولا حتى أقرب حلفاء الأسد – لهذا الإغراء. فإيران وقّعت عدة مذكرات تفاهم مع حكومة دمشق حول مسائل عدة كمكافحة تبييض الأموال وتشجيع الاستثمارات المشتركة، ولكن أهمية هذه الاتفاقيات تبقى رمزيةً أكثر مما هي مالية. ذلك أن ازدياد العقوبات المفروضة على إيران منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي العام الفائت أضعف قدرة الإنفاق لدى الجمهورية الإسلامية في سوريا – مع أن طهران لا تزال تشكل مقرضًا مهمًا لدمشق بحيث أقرضتها منذ عام 2013 نفطًا خامًا بقيمة تتراوح بين 6 و7 مليارات دولار.

وفيما أصرّ حليف سوريا الروسي علنًا على الاضطلاع بالدور الرئيسي في إعادة الإعمار بعد إنفاق حوالي 1.2 مليار دولار سنويًا على العمليات العسكرية في سوريا وفق ما جاء في صحيفة “فيدوموستي” الروسية، يواجه الكرملين تحدياته المالية الخاصة ولا يستطيع بالتالي إعانة عملية إعادة الإعمار على هذا النطاق الواسع. لا بل إن الشركات الروسية أبرمت عدة عقود لاستخراج الموارد السورية، ومن بينها صفقة أبرمتها شركة “ستروي ترانس غاس” الروسية لاحتكار إنتاج الفوسفات على مدى خمسين سنة، وصفقات أخرى هدفها تحرير حقول النفط والغاز أو الدفاع عنها أو تطويرها (كالعقد المبرم مع شركة “إيفرو بوليس”).

في المقابل، كانت دول الاتحاد الأوروبي تؤكد أنها لن تتعهد بأي أموال لإعادة الإعمار في سوريا في ظل غياب تقدم سياسي ملموس. وبالفعل فقد تفوّقت على الولايات المتحدة في فرض العقوبات على العديد من رجال الأعمال السوريين الفاسدين الذين يعوّل عليهم النظام لتأمين التمويل الخارجي. وفي أواخر كانون الثاني/يناير، أضاف الاتحاد الأوروبي 11 رجل أعمال و5 كيانات إلى قائمة عقوباته الناشئة التي باتت اليوم تضم 270 سوريًا و70 منظمة بالإجمال.

أضف إلى ذلك أن فرص تأمين الأموال من مؤسسات مالية دولية تفتقر اليوم إلى الواقعية. فناهيك عن أن الولايات المتحدة وأوروبا تعارضان مثل هذه التدابير، تمنّع نظام الأسد بشدة عن إجراء أدنى الإصلاحات الاقتصادية التي تستلزمها عادةً هذه المؤسسات لناحية الحد من الفساد وتعزيز الشفافية والمساءلة.

وفي ما يخص الدول العربية، لا تعتبر مواقفها من إعادة الأعمار موحدة. فمصر ليست مخوّلة بتاتًا للاستثمار، ولكنها استضافت المستشار الأمني للأسد علي مملوك في كانون الأول/ديسمبر وتطمح إلى الاستفادة من المشاريع الجديدة في سوريا عبر إرسال العمّال والشركات التابعة للدولة للعمل هناك.

أما في الأردن ولبنان، فلم تتوفر حتى الآن الإحصاءات المتعلقة بتأثير إعادة فتح معبر نصيب الحدودي، ولكن أي فوائد تعود على الاقتصاد الكلي ستكون طفيفةً – فبحسب “البنك الدولي”، لم تشكل تجارة كلا البلدين مع سوريا سوى 4 في المئة أو أقل من التجارة الخارجية الإجمالية لديهما حتى قبل اندلاع الحرب. لكن المؤكد هو أن هذا المعبر يبقى مهمًّا من الناحية الاقتصادية باعتباره جزءًا من الطريق المستخدم منذ زمنٍ طويل لشحن البضائع الأردنية، غير أن نظام الأسد يستغل هذا الوضع ويفرض رسومًا جمركية مهولة فيه – حيث بات اليوم يتوجب على الشاحنات الأردنية واللبنانية دفع رسم يقارب 800 دولار للأولى و700 دولار للثانية لمجرّد عبور الحدود، وفق ما جاء عن “اتحاد مالكي الشاحنات الأردنية”.

ومن ناحية الدول الخليجية، لا تزال السعودية معاديةً لنظام الأسد وبالتالي ليست مهتمة بالاستثمار في مشاريع إعادة الإعمار في البلاد، مع العلم أن حلفاءها المقرّبين، أي البحرين والإمارات العربية المتحدة، ينظرون في إمكانية تحسين علاقتهم بدمشق. فقد استضافت الإمارات في أواخر كانون الثاني/يناير لقاءً رفيع المستوى بين وفد تجاري سوري و”غرفة تجارة وصناعة أبوظبي” لمناقشة التعاون في القطاع الخاص. ولكن أي خطط طموحة تم طرحها في ذلك الاجتماع بقيت معلّقةً منذ ذلك الحين، بسبب الضغوطات الأمريكية على ما يبدو.

توصيات حول السياسات

أعادت إدارة ترامب التأكيد على أهداف سياستها المعلنة في سوريا خلال الاجتماع الذي عقده “التحالف الدولي للقضاء على تنظيم داعش” في 6 شباط/فبراير، وتحديدًا التصدي للهيمنة الإيرانية والقضاء على تنظيم “الدولة الإسلامية” واشتراط إحراز تقدم سياسي حقيقي لإعادة الإعمار بناءً على قرار مجلس الأمن رقم 2254. ولكن بما أن الإدارة الأمريكية تنوي التخلي عن غالبية نفوذها العسكري في سوريا، ستحتاج إلى تنسيق استراتيجي أكبر مع حلفائها الإقليميين لتحقيق هذه الأهداف. وإنّ ورقة الضغط الأخيرة والفضلى في يدها هي إعادة الإعمار.

بالتالي، يجدر بواشنطن أن تكون حازمةً في اشتراط حدوث تقدم سياسي في سوريا لتقديم الأموال والمساعدة في إعادة الإعمار. وعليها، من جملة تدابير أخرى، أن تستوجب من دمشق اتخاذ الخطوات التالية:

إنهاء التجنيد الإجباري

الموافقة على أحكام القرار 2254 بما فيها إجراء انتخابات وطنية بحلول عام 2021.

استبعاد كل رموز النظام الخاضعين للعقوبات عن مشاريع إعادة الإعمار.

الامتناع عن التدخل في المنظمات الإنسانية المسجلة، ومن ضمنها الأمم المتحدة.

الإفراج عن السجناء السياسيين السوريين المقدَّر عددهم بمئة ألف سجين.

إطلاق سراح كافة السجناء الأمريكيين، من بينهم أوستن تايس وماجد كمالماز.

لربما فازت روسيا وإيران في المرحلة العسكرية من الحرب، ولكنهما لن تربحا السلام ما دامتا عاجزتين عن إعادة بناء سوريا. إنّ الأسد وحلفاءه بأمسّ الحاجة إلى المساعدة الدولية اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، ولكن حتى هذه الحاجة الواضحة قد لا تكفي لإرغام النظام على اتخاذ أيٍّ من الخطوات المذكورة. ويمكن الاستنتاج من تصرفات الأسد خلال الحرب أنه لا يكترث لمعاناة الشعب السوري ويُستبعد أن يفضّل إعادة الإعمار على صموده السياسي الشخصي. ومن المحتمل على المدى القريب أن يحاول انتظار تحرك واشنطن والاتحاد الأوروبي بينما يُحكم قبضته على البلاد.

من هنا، فإن إحراز التقدم يستدعي من واشنطن ألا تكتفي بالتلويح بأموال إعادة الإعمار فحسب، بل أن تضاعف أعباء الميزانية على كاهل الأسد – كأن تبقي مثلاً النفط والغاز بعيدًا عن متناوله لتضطره بإلحاح إلى القيام بالتنازلات. وإذا كسبت الولايات المتحدة حلفاءها الإقليميين إلى جانبها وضاعفت الضغوطات على النظام، قد تتمكن من تحقيق بعض أهدافها في سوريا.

للاطلاع على المادة من المصدر اضغط هنا

معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/assad-needs-the-united-states-and-its-allies-for-reconstruction

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.