الناس

ثلث عناصر”الجيش الحر” يهربون من إدلب إلى عفرين…/ تيم غوراني


يبدو المشهد طبيعياً للوهلة الأولى في بلد يعيش الحرب، عشرات السيارات تحمل الأمتعة وتسير في رتل إلى وجهتها المجهولة، ولكن الغريب أن هذه السيارات بمعظمها رباعية الدفع، من النوع العسكري الأول في الثورة السورية، ولا يظهر بين ركابها أطفال ونساء، بل مقاتلون وعسكريون وحسب.

نحو 10 سيارات تتوقف للتزود بالوقود على طريق إدلب – حلب، اقتربنا منها بحذر وبعد التمحيص تبين أن ركابها مقاتلون من قوات المغاوير التابعة للجبهة الوطنية للتحرير، شدت رحالها من إدلب متجهة إلى عفرين في منظر يشبه قوافل النازحين الهاربين من القصف إلى مكان آمن.

هذه الحادثة كانت بعد أيام من نهاية الاقتتال الداخلي في إدلب والذي أفضى إلى سيطرة الهيئة (النصرة سابقاً)، على معظم مناطقها، فقد شهدت مناطق ريف حماة الغربي خروج قرابة 1700 مقاتل من الجيش الحر، وخروج رتل كامل من مدينة الأتارب في ريف حلب الغربي، إضافة إلى تهجير المقاتلين التابعين لحركة نور الدين الزنكي بشكل كامل.

ويقدر عدد المقاتلين الذين استقر بهم المقام في عفرين قرابة الـ7000 مقاتل، أغلبهم من فصيلي أحرار الشام والزنكي، ويتوقع أن يتضاعف العدد في الفترة المقبلة، ولكن لماذا تتجه هذه الأعداد الكبيرة مهاجرة من إدلب إلى عفرين، على رغم عودة الهدوء إلى إدلب.

لا نأمن غدر من قاتلونا بالأمس

يقول أبو عبد القادر خطاب، وهو أحد المقاتلين الذين استقر المطاف بهم في عفرين، إنه وبعد سيطرة الهيئة على إدلب لم يعد فيها ما يدفعنا للعيش، “نحن قاتلناهم وخسرنا المعركة، والآن أصبحت رقابنا تحت رحمتهم، وبالنسبة إلي كمقاتل في الجيش الحر لا آمن غدرهم، ولا يمكنني التعايش معهم مهما كانت المسوغات، فهي ليست المرة الأولى التي نطمئن فيها لوجودهم بيننا وسرعان ما ينقلبون علينا ويغدرون بنا”.

يكمل خطاب حديثه لـ”درج”: “من الغباء أن نبقى بينهم وتحت سطوتهم، المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، وكفانا أن نصدق ما يقولونه من افتراءات ودعوات واهية”.

البقاء تحت رايتنا أو الرحيل

من جهة أخرى نشرت وسائل إعلام مناصرة للجبهة الوطنية للتحرير قولها إن قرابة 1700 مقاتل من أهالي مدن وبلدات سهل الغاب بريف حماة الغربي، هاجروا باتجاه مناطق غصن الزيتون، وذلك بعد سيطرة الهيئة على سهل الغاب بعد معركة عسكرية، والتي اشترطت بعدها ألا يبقى أي مقاتل يتبع لأحرار الشام في الغاب، واشترطت على من ينوي البقاء أن يعمل في صفوفها وتحت رايتها.

التقت “درج” خالد حاج حسن، وهو أحد المقاتلين المتجهين إلى عفرين، في مدينة أريحا التي كانت محطة استراحة له قبيل توجهه إلى عفرين، في عينيه تظهر غصة فراق الوطن جلية، يبدأ خالد حديثه “فعلوا ما لم يستطع الأسد أن يفعله، لقد أخرجونا من ديارنا وأبعدونا من أهالينا، أذهب اليوم لعفرين مكرها هاربا من بطش ظالم قد استحل دمائنا، قد تم الصلح فعلاً وهدأت المعارك والتوترات بيننا، ولكنهم اليوم أخطر من الأمس فقد كان لدينا مناطق نمنعهم من دخولها وننام بها مطمئنين، ولكن اليوم في أي وقت ربما قد تأتيك سيارة ليلاً لتقتحم بيتك وتعتقلك وربما تقتلك من دون أي يكون لك أي حق في الدفاع عن نفسك”.

ترك إدلب خيانة للثورة

من جهة أخرى، يرى الشاب أيمن الحسني وهو قائد عسكري في صفوف “هيئة تحرير الشام” أن “ترك إدلب اليوم هو بمثابة خيانة للثورة، فالكل يعلم أن إدلب لم يحسم أمرها بعد، والجميع يتوقع الحرب بين اليوم والليلة، فكيف لمقاتل قادر على حمل السلاح أن يغادرها بهذه البساطة، الاقتتال الذي حصل لم يكن أحد يريده والكل يعلم أنه لبسط السيطرة والنفوذ، وعلى رغم أنني مقاتل في صفوف الهيئة، لكنني لا أؤيد ما قامت به أخيراً، إنما هذا ما حصل، فهل نترك الثورة بسببه؟”. ودعا المقاتلين القادرين على حمل السلاح “إلى البقاء في إدلب، فروسيا والأسد لا يفرقان بين راية سوداء وراية بيضاء، فنحن بنظرهم إرهابيون مهما كان توجهنا، وما حصل في درعا التي كانت خالية من الإرهاب هو أكبر دليل”.

باقون على رغم التهديدات

وفي السياق ذاته، أكد أحد مقاتلي الجيش الحر الذي رفض ذكر اسمه بعد تعرضه للاعتقال سابقاً على يد هيئة تحرير الشام، أنه على رغم المضايقات والتهديدات التي تطلقها الهيئة بغية التخلص من عناصر الجيش الحر وتهجيرهم باتجاه مناطق غصن الزيتون، إلا أنهم لن ينالوا هذا الأمر، “باقون في إدلب ما بقي الزيتون، نحن أهلها وقد قدمنا آلاف الشهداء على ثراها، ومن يترك إدلب اليوم لهم فهو لم يتذوق طعم الحرية بعد، الحرية ممزوجة بالدماء والآلام ونحن هنا كالشوكة في حلوقهم”.

ويضيف أن المرحلة المقبلة تشير إلى وقوع معارك مع قوات الأسد، الأمر الذي يفرض عليهم البقاء للدفاع عن أراضيهم، مردفاً: “ترك الدفاع عن إدلب اليوم بسبب الهيئة، كالذي يترك الصلاة في المسجد بسبب سرقة الأحذية من على بابه”.

بينما كتب حسن صوفان القائد العام لجبهة تحرير سوريا عبر قناته على “التليغرام”: “لن تصدنا أي متغيرات عن القيام بواجبنا، ولن نترك رباطنا مهما ثقلت الحال علينا، وسنقدم مصلحة شعبنا وثورتنا على كل اعتبار وعند الله تجتمع الخصوم”.

الهيئة تلاحظ الأمر وتقوم باتخاذ تدابير تمنع الهجرة

على رغم الإصرار الذي أظهرته الهيئة على خروج المقاتلين من إدلب، إلا أنها سرعان ما تغيرت نبرة حديثها، واتجهت إلى تهدئة الأمور وحث مقاتلي الحر على البقاء في جبهات القتال ضد الأسد. وعلم “درج” من مصدر عسكري في جبهات ريف حماة الغربي، أن الهيئة سمحت لأحرار الشام بالبقاء للرباط في المنطقة، وسعت إلى إعادة بعض الأسلحة التي صادرتها أثناء فترة القتال، الأمر الذي دعا إلى لاستغراب في البداية، فهي بالأمس لم تكن تسمح بأن يبقى عنصر واحد في المنطقة، ومن بقي فرضت عليه تسليم سلاحه، بينما اليوم هي تركض وراء العناصر ذاتهم لكي يبقوا ويرابطوا على جبهات النظام، إضافة إلى أنهم قاموا بإغلاق الطرق المؤدية إلى الشمال السوري ومنع أي مقاتل من التوجه إليها، وذلك بحجة أنهم يقومون بترتيب المعابر بين الطرفين.

وعزا المصدر ذاته أن هذا التغير المفاجئ جاء بعد استيعاب الهيئة أن هناك أعداداً كبيرة من المقاتلين تغادر إدلب، الأمر الذي قد يضع جبهات الرباط تحت مسؤوليتها التامة، واستدركت الأمر لتستخدم هؤلاء المقاتلين وتتفرغ للأمور الداخلية.

على رغم الترغيب بالبقاء الهجرة مستمرة

ما تقوم به الهيئة اليوم من ترغيب وترحيب بالبقاء، ما هو إلا نوع من المراوغة الموقتة حتى تستتب لها الأمور وتمسك بزمامها، فمن لم يهاجر اليوم، وقرر البقاء سيتحمل عقبات ذلك مستقبلاً. تنظيما القاعدة والنصرة، لم يتغيرا منذ سنوات ومن يتوقع أن يصبحا أفضل بعدما سيطرا على إدلب، فهو واهم، فعلى العكس تماماً بدآ اليوم الحكم وسيرى أهل أدلب منهما العجائب، وذلك بحسب الناشط الثوري إبراهيم الحموي، الذي ينوي التوجه إلى عفرين.

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.