ثقافة وفكر

خرافة «المثقف العلماني»/ إيلي عبدو


راجت في الآونة الأخيرة كتابات استغرابية، يتسابق مدبجوها على طرح أسئلة حول مواقف أدباء وشعراء وروائيين ومفكرين استسلم بعضهم إلى هوياته الطائفية، وانحاز آخرون إلى أنظمة مستبدة على حساب الشعوب. ومواقف هؤلاء شابها هلوسة وتخريف، فتبدت في تصريحات لا تستقيم مع تاريخهم، بل تشكل ردة وتناقضا وانهيارا، على ما زعمت الكتابات الناقدة. وقياس هذا الانفصال بين كلام المثقفين، محل النقد، وتاريخهم يتمثل في أن هذا التاريخ كان ناقداً للرجعية والدين والاستبداد، مهجوسا في التحرر ومعاداة الرجعية، مناصرا لحقوق المرأة، مدافعا عن حق الشعوب في تقرير مصيرها. بمعنى آخر هو جزء من سردية «تنويرية» عربية، لم يتم إخضاعها للنقد، وفرز تلفيقاتها واختلاط مراحلها. ذاك أن قليلا من «نهضة» بدايات القرن العشرين، معطوفا على صعود الأيديولوجيات وانعكاسها الاجتماعي، ثم النقد المتعجل للهزائم مع إسرائيل، وفتح معركة مع الإسلاميين يشوبها تسيس تُحرك خيوطه الأنظمة، شكل بيئة متناقضة لخلق المثقف العلماني العربي، الذي بنى وعيه بقليل من كل حقبة، مستلهما فكرة من هنا وأيديولوجيا من هناك، ليصبح ضحية مزيج ثري يمنحه الكثير من الأسلحة لمواجهة خصومه، لكن في الوقت نفسه لا يحرره من وضعية المهزوم، الذي يدور في حلقة فيها الكثير من الأفكار التي لا تتسق في سياق أو معنى. فاليساري امتزج بالناصري، والقومي استدخل شيئا من التنوير في عقيدته، والليبرالي عقد تسوية مع الإسلام تستند إلى الاقتصاد، واللائحة تطول.

والحال، فإن الهشاشة تلك، أرجعت المثقف العلماني، لفترات وفترات، لتعيده أخيراً إلى هويته الأولى التي غادرها بمفاعيل وعي زائف متعدد الأذرع، وغير محقب زمنياً. ومنتقدو كلام المثقفين حول الطوائف والأنظمة، ليسوا أغراباً عن بيئة الهشاشة سالفة الذكر، بل هم ضمنها، مع فارق في التوجهات، بمعنى أن البيئة التي يخرج منها الطرفان واحدة، لكن النتيجة تختلف شكلاً، وإن بدا أن طرفا يناصر الاستبداد وآخر مع الثورات، أو طرفا يدافع عن هويته وآخر ينادي بالوطنية، فإن هناك جذرا مشتركا يتصل بوعي الجانبين وطبيعة تراكمه. وعليه، فتعييب المثقفين «العلمانيين» بالعودة إلى الهوية الطائفية، أو مناصرة نظام مستبد، لا يأتي من خارج المركب المتناقض الذي أنتجهم، بل من داخله، ما يساهم في تعطيل أي إمكانية لتجاوز ثنائية الخير والشر، التي تنتجها سردية «التنوير» العربية، التي تفزر مثقفين، أحدهم متحمس للحرية وآخر مناصر للاستبداد، والاثنان ينطلقان من المقدمات نفسها. ثم إن نقد المثقفين «التنويريين»، على مواقفهم المخالفة لتاريخهم، تحديداً العودة إلى هوياتهم، على قاعدة السردية الهشة، تنكر عليهم صلتهم بمجتمعاتهم، وتنزههم عن كل شائبة ومشكلة، وتطالبهم بعدم «التلوث» بانتماءاتهم، والترفع عن عالمهم. كما تنكر على المجتمع طبيعته وتنظر إليها باحتقار ودونية، بمعنى أن أي اقتراب أو اختلاط به من قبل المثقف يعرض الأخير للنقد والتعييب، فضلاً عن أن هذا النقد يحصر الثقافة في إطار السردية المزعومة، ويحول المشتغلين بها إلى أنبياء وقديسين يبشرون بقيم وأفكار لا يفهمها العامة، وأي انشقاق يعرض صاحبه للتقريع والنبذ، بدل أن تكون، أي الثقافة، مجالاً حيوياً للبحث عن حلول.

والحال، فمشاكل مجتمعاتنا المعقدة، بدل أن تدفع لخلق مثقف علماني حقيقي، يقرّ بطبيعة التكوينات الاجتماعية ويتعامل معها، بطرح مقاربات تسووية، انتجت صنفين من المثقفين، ينتميان إلى أصل « تنويري» واحد، صنفا انهار وعاد إلى هوياته وبات مدافعا عن الاستبداد، وآخر انهار أيضاّ لكنه يدافع عن انهياره بمهاجمة الصنف الأول.

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.