مراجعات كتب

رفعت سلام في كتاب «ما الشِّعر؟»: شعريّات هاربة بالإنسان عبر العصور/ رشيد ازروال


■ الشعر كائن ملتبس، غامض، خفي كما هو باد. الشعر كالماء يجري جريان الحياة في أودية الطبائع البشرية. لكن، ما هو هذا الشعر؟ تعددت التعاريف وصقلت المفاهيم، وراجت رواج الموضة في الثياب والأحذية وأنماط العيش المتقلبة، تدرج الشعر بين المدائن القديمة في روابي الإغريق، وتبلور المفهوم ليتجدد في روما ثم أخذ شكل الصحراء المبللة بجريان النيل في مصر القديمة في تجربة الشعر الهيروغليفي، ثم وصل إلى العصور التالية مضمّخا بالتحولات والأسئلة التي لا تستكين، فاتسع الشعر كسماء تصر على فتح أحداقها الواسعة. الشاعر المصري رفعت سلام اقترب من حقل الألغام/ سؤال «ما الشعر؟» (الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2018). سافر إلى العصور القديمة وجال يها ملتقطا منها جوهر الوقائع، مر على الإغريق ثم الرومان اللاتين فالمصريين القدامى ثم العرب إلى أن وصل إلى ورثة الحضارة الهيلينية في الغرب ليرسو بسفينة التنقيب في ميناء الشعرية العربية الحديثة، فالمعاصرة. كيف كانت رحلة رفعت سلام؟

سؤال الجذور

يعود السؤال إلى الما قبل، وليس إلى الما بعد، هذا مما جعل الكاتب يضع عنوانا دالا على ما يعتمل في الدخيلة من أسئلة تقض مضجع المألوف والأجوبة الجاهزة: ما معنى الشعر؟ هل يوجد معنى قطعي وحاسم لهذا التعبير الإنساني؟ هل هناك مفهوم مستقر تجمع عليه امة البشر، مفهوم غير قابل للتغير، أم انه مفهوم يتغير ويتبدل وفق حركة الثقافات والمجتمعات وتلاقح الأفكار؟ مثلا، هل منظور الشعر الجاهلي يتلاءم مع الشعر العربي المعاصر؟ وما يستدعي ذلك من أسئلة تغير التمثلات الثقافية التي تؤثر حتما على بنية الكتابة الشعرية. يشير المؤلف إلى حزمة أسئلة تتعلق بالمفاهيم المنحوتة حول هذا النوع الأدبي في الثقافات الأجنبية، وسؤال التوافق مع المفاهيم العربية. هذا الكتاب إذن، هو رحلة فعلا في الزمن والتاريخ والشعر.

مخاض عبر العصور

الآثار الثقافية هي نقطة بداية العصور القديمة، الأعمال الثقافية الباقية هي أساسات البدايات. في اليونان القديمة كانت الأساطير تحيا في اليومي، كان الإنسان الإغريقي يعيش في جماعته الوطنية مؤطرا بالأسطورة، ولم تكن الفنون والعلوم يتيمة بلا رعاة، كانت الجماعة تعتقد أن هذه التعبيرات الثقافية لها تسع ربات، وأنهن مصدر المعرفة الكامنة في الشعر والأغاني والأساطير الشفاهية المنتشرة كالفطر. فالشعر الملحمي له الربة «كاليوب»، و»كليو» للتاريخ، و»يوتيرب» للموسيقى والغناء والشعر الغنائي، و»أرتو» لشعر الحب، و»ميلومين» للتراجيديا و»يوليهينبيا» للترانيم، و»تيربيسكور» للرقص، و»تاليا» للكوميديا، و»أورانيا» للفلك، ثم تغلغلت أسطورة ربات الفنون والعلوم في نسيج المجتمع الروماني إذ صارت علامة على الحضارة الرومانية، وبعدها استقرت في صلب ثقافة العصور الوسطى. استلهم «هوميروس» ربة الشعر في «الإلياذة» و»الأوديسة»، إذ يفتتح المنشد الضرير «الإلياذة» بالابتهال إلى ربة الشعر «تغني أيتها الربة بغضب «أخيل» بن «بيلوس»، ذلك الغضب المدمر الذي نكب الأخيين بآلام لا تحصى». ويعقب رفعت سلام (لكن الاعتقاد بوجود ربات الفنون يتلاشى في العصور التالية، ويتحول الابتهال إلى ربة الشعر إلى «تقليد» شعري يمارسه الشعراء «اقتداء» فحسب بالسابقين). لم يعد الاقتداء عقيدة، الاقتداء تجمل أكثر وابتعد عن التصورات الدينية وتشكل كصورة شعرية تحفز وتوسع الخيال الإبداعي كما لدى دانتي في «الكوميديا الإلهية»، وشكسبير في «هنري الخامس»، وميلتون في «الفردوس المفقود». وعن الإلياذة التي معناها أنشودة طروادة، والمؤلفة من خمسة عشر ألفا وخمسمائة من أبيات الشعر، يكتب: «الإلياذة مدينة بخلودها إلى قوة موضوعها، و»حرارة» أبياتها، وسلاسة أسلوبها، البسيط، الوقور، وأخيرا إلى تصويرها الناطق الحي لنفسيات الإغريق- رجالا ونساء- في ذلك العصر الحافل يصور بطولاتهم النادرة في الحرب وفي الحب». وإذا كانت الإلياذة تدور حول أسطورة «أخيل»، فالأدويسة مشتقة من اسم بطلها «ادويسيوس». هل هذه الأساطير المؤسسة هي الرحم الجمالي للشعر اليوناني القديم؟

التقعيد الأرسطي

المُنظر الأدبي بلا منازع، هو أرسطو صاحب أقدم كتاب في الشعر والنظرية الأدبية المعروف بـ «فن الشعر». قسم الشعر إلى أنواع متمايزة «الملحمةـ التراجيدي، الكوميدي، الساتيري- مقطوعات دينية شعرية غنائية راقصة- والشعري لدى أرسطو يقوم على اللغة، والإيقاع والتناغم، والشاعر هو من يؤلف عملا من أعمال المحاكاة باستخدام مزيج من الأوزان. وقسم الشعراء إلى قسمين : أصحاب الطباع الجدية الرصينة حاكوا الأفعال النبيلة، فأنجزوا الترانيم للآلهة في البداية، والمدائح للرجال المشاهير، ثم اتجهوا إلى التراجيديا. أصحاب الطباع الوضيعة أو العادية أفعال أهل السوء، فكتبوا الهجاء في البداية، ثم اتجه بعضهم إلى كتابة الكوميديا. يحدد أرسطو وظيفة الشاعر في رواية المحتمل وليس رواية ما وقع. وما زال التقعيد الأرسطي للشعر ساريا مفعوله العجيب عبر العصور إلى يومنا هذا، وقد غذى الأعمال الإبداعية مثلما أسس للتنظير الأدبي، فالنظرية الأدبية الأرسطية هي المؤسسة الأصيلة لنظريات الأدب والكتابة التي تلاحقت وتوالت كأسراب طيور مسافرة.

الابن البار

الشعر اللاتيني ابن بار بوالده «الشعر اليوناني»، يوضح ذلك رفعت سلام: «الشعر اللاتني القديم اقتفى تراث الشعر الإغريقي، سواء في أشكال العروض المختلفة، أو في الشكل الفني، أو في الموضوعات. ويؤرخ الباحثون بداية الأدب اللاتيني بعام 240 قبل الميلاد، حين شاهد المتفرجون الرومان عرضا لاتينيا لإحدى المسرحيات الإغريقية، وقام بإعداد نصها «ليفيوس اندرنيكوس» وهو محارب يوناني قديم تم أسره في الحرب..». عجيب هذا الأمر أن تثمر الحرب الضروس شيئا جميلا وأساسيا سيطبع حيوات أجيال الرومان، بل اقترف الأسير المبدع ترجمة رائقة لـ»الأدويسا» لهوميروس وذلك بتنميطها شعرا لاتينيا. وبعد الإشارة إلى أول شاعر لاتيني يتناول موضوعا رومانيا «جنايوس نايفيوس» خلال القرن الثالث قبل الميلاد، والذي كتب قصيدة ملحمية عن الحرب البونية الأولى، التي شارك فيها. وكتب أيضا تراجيديات تتعلق بالأساطير والتاريخ الرومانيين، تلاه بعد انصرام مائة عام «كوينتوس انيوس» الذي كتب ملحمة تصف التاريخ الروماني بدءا من ميلاد روما حتى عصره، إلا أن ذروة الأدب اللاتيني تمثلت في أعمال فيرجيل، وخاصة ملحمته الشهيرة «الإلياذة» لم يتبقَّ من أعمال فيرجيل أهم شاعر في تاريخ الأدب اللاتيني سوى «مختارات»و»زراعيات».

فجر الضمير

هكذا أطلق عالم المصريات القديمة السير جيمس هنري برستيد اسم «فجر الضمير» على الأدب المصري. يشرح الكاتب: «وما تبقى من التراث الأدبي (وخاصة الشعري) لقدماء المصريين يكشف عن ثراء الحياة الثقافية والأدبية عامة، وعن بلوغ الأدب المصري-عامة- ذرى رفيعة من الوعي والبصيرة والشعرية»، فالتراث الثقافي الفرعوني الباقي يضم الكثير من النصوص الشعرية المختلفة، الدينية، والغنائية، والقصص المختلفة، والتعاليم التربوية، والخرافات الأسطورية». ومن متون الأهرام تقرأ: أن الملك قد طار في السماء في صورة سحابة مثل طائر الواق

إن الملك قد قبل السماء كصقر

وإنه قد وصل إلى السماء كجراد»

أغنى الأدب المصري القديم المكتبة الثقافية العالمية، وغذى النسيج الأدبي الإنساني، وكان مصدر إلهام وتناص في الشعر والرواية والمسرح والسينما وشتى الفنون.

الشعر العربي .. من المعلقات إلى «الظلمات»

علق العرب أجمل القصائد على الكعبة بيت الرب المقدس، احتراما وإجلالا منهم للجماليات (جماليات المرحلة) التي تكتنزها المعلقات. وتتبلور المرحلة الجاهلية في شعراء المعلقات السبعة: امرؤ القيس، طرفة بن العبد، زهير بن أبي سلمى، لبيد بن ربيعة، عمرو بن كلثوم، عنترة بن شداد، والحارث بن حلزة. يشير رفعت سلام إلى أن الإنسان في القصيدة الجاهلية يمكن له أن «يلتفت إلى ما يحيإه من تفاصيل المكان، أو الزمان، بالاكتشاف والوصف والحوار، وعلاقته بحصانه الصامت الذي يأخذه في رحلة بعيدا عن الأطلال، وهي تبدو رحلة في المكان، لكنها – في جوهرها-رحلة داخل الإنسان المرتحل». الشاعر المتأمل في الكون والحياة، الذي يكتنفه شعور حاد بالعجز عن مواجهة مصيره، المفتخر بأمجاد الأجداد، المتعصب لقبيلته.. المتغني بفحولته وفروسيته وشجاعته الحربية، لكنه «في أعماقه سيظل الإنسان الفرد الذي يعاني الألم السري في مواجهة الزمن بلا معين».

يعرف المؤلف الشعراء الصعاليك: «هم مطاريد الزمن ‘الجاهلي’، الذين نفاهم المجتمع لا إلى الهامش، بل إلى خارج الهامش». قصائدهم تخاصم البكاء على الأطلال والتغزل في الحبيبة، يهجون مجتمعهم ويمجدون ذواتهم المتحملة للأذى الاجتماعي، ويفتخرون بكرمهم. من أشهرهم أبو خراش الهذلي، عمرة بن الورد، تأبط شرا، السليك بن السليكة، الأحيمر السعدي، الشنفرى، مالك بن الريب. ويمجد سيد الصعاليك عروة بن الورد الصعلة بقوله: ولله صعلوك صفيحة وجهه كضوء شهاب القابس المتنور.

ثم وقعت نقلة نوعية هزت كيان الشعر العربي، تجسدت في الشعر الصوفي الذي يمثل قفزة خارج السياق الشعري العربي، السائد، منذ العصر «الجاهلي». فهذا النوع الشعري «أدار ظهره لأشياء العالم وعلاقاته»، وأهم أدوات الشاعر فيه الخيال والحدس الباطني، وهو يستخدم لغة خاصة تقوم على المجاز والرمز والإيحاء. كان خارج السياق الشعري واللغوي، وتحول فيما بعد إلى بديل للأسطرة الإغريقية والرومانية التي كان يلجا إليها شعراء التفعيلة، ثم وظف شعراء قصيدة النثر (في إحدى تنويعاتها) المرجعية الأدبية الصوفية كمغذٍّ للبنية التخييلية وللغة النص. ثم تتالت الإنجازات الشعرية اللافتة مثل البحتري الذي في شعره «كثرة الماء والرونق» –وفق تعبير الآمدي- وهو المشذب للشعر العربي، أما المتنبي العارف بأسرار اللغة، قلب المدائح رأسا على عقب، إذ يضخم المديح لدى المتنبي ذات الممدوح – على حساب العالم وليس على حسابه- دون تفريط في «حق الذات» في ضخامة مثلها. أما المعري فقد أدخل الفلسفة إلى القريض، حتى أضحت القصيدة فلسفة بليغة بجماليات الشعرية العربية المتجددة في سياقها التاريخي. يعارض رفعت سلام اعتبار عصر المعلقات أزهى عصور الشعر العربي، بقوله: «هؤلاء النقاد لن يلحظوا أن ‘النقد الأدبي’ غير موجود»، متطرقا إلى علاقة شعراء المرحلة الشعرية بشياطين وادي عبقر. ثم قدم مفهوم قدامة بن جعفر في كتابه «نقد الشعر» بأنه (قول موزون مقفى يدل على معنى)، ومفهوم الجاحظ الذي عده «أحد وسائل البيان»، وصولا إلى حازم القرطاجني الذي مثل نقلة في التراث النقدي العربي في كتابه «منهاج البلغاء وسراج الأدباء»، واعتبر أن احد شروط الشعر هو «التخييل» فضلا عن الوزن والقافية. يعرج المؤلف على عصر النهضة الأوربية ثم عصر التنوير وتأثيرهما في المشهد الثقافي الأوربي عامة والشعري خاصة، مذكرا بهذين العصرين فيما يقابلهما عصر الظلمات العربي، الذي يحدد بدايته مع تفكك دولة الخلافة العباسية حتى سقوطها، إذ يفكك واقع الحال: «ماتت الروح الشعرية الإبداعية، وتحول الشعر إلى نظم ورصف الكلمات، على سبيل التسلية، أو المديح طلبا للعطاء»؛ هو عصر الانحطاط الشعري.

ثورة الشعريات العربية

نفضت حركة الإحياء الشعري الغبار عن الشعر العربي الخامل والميت في خموله الطويل، وأيقظت روحه الدفينة بادخال مضامين جديدة واستعادت رشاقة وجزالة اللغة والأساليب في الشكل القديم، مثلما كسرت جماعات شعرية لاحقة انشداد الشعر إلى الذات الجمعية، وجعلته ملتصقا بالذات الفردية. هكذا تنافست تيارات الديوان، أبوللو، والرابطة القلمية بالمهجر على النفخ في روح جديدة. وبعد الحرب العالمية الثانية اشرأبت قصائد من بلاد الرافدين مع بدر شاكر السياب ونازك الملائكة متأثرة ب»الأرض اليباب» للشاعر الانجليزي «اليوت»، وانتشرت في العالم العربي وازدهرت في مصر مع صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وغيرهما، إلى أن خرج شاعر سوري من العتمة ونشر قصائد نثر متمردة على التفعيلة وعلى الأنظمة الأدبية؛ وهو محمد الماغوط، فأصدر ديوانه «حزن في ضوء القمر» مثيرا جدلا في الأوساط الأدبية البيروتية. شجعت التجربة الصادمة شعراء آخرين مثل أدونيس، وأنسي الحاج على اقتراف القصيدة المحرمة، ليصدر الحاج ديوانه «لن» موطئا له بمقدمة كما لو أنها بيان تنظيري أو هكذا هي، كأنها تؤسس قصيدته لقطيعة شعرية مع التراث. أما في مصر فكان أول ديوان لقصيدة النثر «مدخل إلى الحدائق الطاغورية» للشاعر عزت عامر سنة 1971، لتظهر حركة «إضاءة 77» بإصدار مجلة بالاسم ذاته أشرف عليها أربعة شعراء، هم: حلمي سالم، رفعت سلام، جمال القصاص وحسن طلب، على نفقتهم الخاصة. يقول رفعت أحد مؤسسيها: «العدد الأول بدا كحجر ألقي في بحيرة راكدة». هي كتابة غريبة، صامدة، متصادمة، منذ الافتتاحية الأولى مع التيارين السائدين المهيمنين (التفيعلة، الواقعية الاشتراكية). هكذا دخل النوع لشعري الجديد إلى الشعرية المصرية «لتتفجر كالنار في الهشيم» ابتداء من التسعينيات.

٭ كاتب من المغرب

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق