سياسة

مسار أستانة واتفاق سوتشي في إدلب -مقالات مختارة-


دوريات إدلب وجبهة النصرة/ بشير البكر

شرعت أنقرة يوم أمس بتسيير دوريات في المنطقة العازلة في إدلب التي حددها اتفاق سوتشي في 17 سبتمبر/ أيلول الماضي، الأمر الذي يعدّ كسراً للجمود الحاصل على هذه الجبهة. وعلى الرغم من أن أطراف الاتفاق؛ تركيا وروسيا وإيران، عقدت أكثر من اجتماع على مستوى عالٍ منذ الخريف الماضي، فإن الوضع لا يزال جامداً في مكانه، ومثال ذلك قمة سوتشي في 14 فبراير/ شباط الماضي، وجمعت الرؤساء، التركي رجب طيب أردوغان، والروسي فلاديمير بوتين، والإيراني حسن روحاني، وانتهت إلى عدم اتفاق الأطراف الثلاثة بشأن الوضع في إدلب.

وتكثفت الاجتماعات، منذ ذلك الحين، على مستوى عسكري بين روسيا وتركيا، لحل عقدة المنطقة المنزوعة السلاح، وسط تجاذبٍ واختلاف ظاهر بين الطرفين، فروسيا تذهب أحياناً في التصعيد إلى حدّ اعتبار الاتفاق مرحلةً مؤقتةً تؤول بعدها محافظة إدلب للنظام السوري، على غرار بقية مناطق خفض التصعيد في الغوطة ودرعا، وهذا أمرٌ لا تقرّه تركيا التي تتحمّل تبعاتٍ كبيرةً من تداعيات التدهور السوري، وتتخوّف من موجة نزوح جديدة تتجاوز المليون إذا سيطر النظام على إدلب. ويمكن اعتبار تسيير دورياتٍ تركيةٍ أمس، في المنطقة العازلة التي تم إنشاؤها حسب اتفاق سوتشي، إشارة مهمة إلى أنها تغطّي أرياف إدلب وحماة وحلب التي بدأت المليشيات الإيرانية عملياتٍ عسكريةً ضدها منذ أكثر من شهر، وذلك ضمن توجّه إلى اجتياحها عسكرياً، وهناك معلوماتٌ تتحدث عن حالات نزوحٍ واسعةٍ من المنطقة، كما هو الحال في خان شيخون التي باتت فارغةً من أهلها. وفي إحصاءاتٍ متداولة، وصل عدد النازحين منذ أوائل فبراير/ شباط الماضي إلى نحو 100 ألف. والأمر الثاني الذي يستحق الاهتمام أن تسيير تركيا الدوريات يأتي بعد عودة الحديث عن الفصل بين المعارضة المسلحة وجبهة النصرة المصنفة إرهابية، وهنا تكمن العقدة الأساسية، خصوصاً أن تصريحات المسؤولين الروس في الأيام القليلة الماضية، وفي مقدمتهم وزير الخارجية، سيرغي لافروف، اعتبرت أن هذه المسألة من اختصاص تركيا.

وتفيد أوساط إعلامية قريبة من تركيا بأن الأجهزة التركية المعنية تولي هذا الملف أهمية كبيرة، وهي تتابعه، سواءً لأنه يقع ضمن اتفاق سوتشي أو لا، لكون جبهة النصرة تشكل عقدةً لتركيا لا تقل خطراً عن الأطراف الأخرى. ولكن يبدو أن أنقرة ليست في وارد القيام بعملية ضد “النصرة” من باب تنظيف غسيل الآخرين، وإذا كان لا بد من ذلك فلتكن العملية في سياق. والرسالة التركية موجّهة إلى روسيا كما إلى الولايات المتحدة، وهي متعلقةٌ لا بترتيبات إدلب، بل بشرق الفرات والمنطقة الآمنة التي ستحدّد مستقبل القوات الكردية. وتقول الأوساط إن لدى تركيا وصفة جاهزة لتفكيك جبهة النصرة، وتلقى تجاوباً من المعارضة السورية، بشقّيها السياسي والعسكري، ويرى هؤلاء أنها قابلة للتطبيق بأقل الخسائر من دون حربٍ واسعة. ويبدو أن الطرف التركي غير مستعجل لرمي هذه الورقة، ولا يعتبرها أولوية، وينتظر حتى يتضح الموقف الأميركي من أمرين. الأول، الانسحاب الأميركي من سورية لجهة التوقيت، وتمركز القوات الباقية والمهام التي ستوكل إليها. والثاني، الموقف الأميركي النهائي من أطروحة المنطقة الآمنة. ومن الواضح أن هذه المسألة غير محسومة، وهي مثار شدّ وجذب بين أنقرة وواشنطن، ويمكنها أن تتعقد أكثر مع إعلان أنقرة عزمها أخيرا المضيّ بصفقة صواريخ أس 400 مع روسيا، وتسلم الدفعة الأولى في يوليو/ تموز المقبل.

تسيير الدوريات في المنطقة العازلة يمكنه أن يوقف هجوم المليشيات الإيرانية على أرياف حلب وحماة وإدلب مؤقتاً، ولكن لا يبدو أنه الحل المنتظر لعقدة جبهة النصرة.

العربي الجديد

مسار أستانة واتفاق سوتشي في إدلب مستمرّان/ رانيا مصطفى

أعلنت موسكو، خلال زيارة نتنياهو للكرملين آخر شهر فبراير 2019، عن إنشاء مجموعة عمل بشأن سوريا، تضمّ إسرائيل، وتسعى لضمّ دول عربية إليها. مهّد ذلك لزيارة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى قطر والسعودية والكويت، تليها إلى الإمارات. وتمهّد هذه الزيارة بدورها إلى زيارة تاريخية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى المنطقة خلال العام الحالي.

دفعت هذه المستجدات المحللين إلى التكهن برغبة روسيا بالبحث عن بدائل لتحالف أستانة، ورغبتها بانهيار اتفاق سوتشي في إدلب، مع استمرار التصعيد العسكري للنظام السوري. لكن هذا التصعيد الذي بدأه النظام على ريف إدلب الجنوبي والجنوب الشرقي منذ بداية فبراير الماضي، توقف الجمعة بقرار روسي، بعد تنسيق جديد مع الأتراك على استكمال تطبيق بنود اتفاق سوتشي، المنعقد في 17 سبتمبر الماضي بين تركيا وروسيا، والخاص بإنشاء منطقة منزوعة السلاح في ريفي إدلب وحماة، وبعمق 15 إلى 20 كيلومترا.

إيقاف القصف بقرار روسي يعني أنه بدأ أيضا بقرار وإرادة روسيين، رغم أن هدف النظام السوري، ومن خلفه إيران، غير المشارِكة في سوتشي، هو خرق الاتفاق وخلط الأوراق في إدلب، استعدادا لعمل عسكري لاستعادتها، كونها المنطقة الوحيدة التي تسيطر عليها المعارضة المدعومة من تركيا؛ بينما كان هدف روسيا إحداث ضغوط شعبية، ومن الفصائل، على تركيا، للمفاوضة على وقف القصف، وتسيير دوريات تركية وروسية على طرفي الحدود بين النظام والمعارضة، تمهيدا لفتح الطريقين الدوليين الرئيسيين، دمشق- حلب واللاذقية- حلب، الضروريين لإعادة الحياة الاقتصادية إلى مدينة حلب.

بدأ تطبيق تنسيق جديد روسي- تركي، بتسيير دوريات تركية في نقطتي عندان والعيس، ونقطة دارة عزة في ريف حلب؛ وكل دورية هي عبارة عن سيارتين مصفّحتين برفقة سيارتين من فيلق الشام، تقوم يوميا بثلاث جولات ذهابا وإيابا بين نقاط المراقبة، ومزوّدة بأجهزة رصد لتبليغ الروس بمواقع القصف، والذين بدورهم يسيّرون طائرات استطلاع، وينشرون دورياتهم على الخط المحاذي في مناطق سيطرة النظام.

إذن، هذا ما كانت تريده روسيا من استمرار التصعيد لأكثر من شهر على جرجناز وخان شيخون ومعرة النعمان، والذي تسبب بقتل المئات من المدنيين، وتهجير أكثر من 100 ألف مدني؛ فقد يكون استكمال التنسيق الجديد بتأمين حماية تركية وبرفقة فيلق الشام المدعوم من أنقرة، استعدادا لفتح طريق حمص- حلب الدولي.

إدخال تركيا لفيلق الشام ضمن دوريات المراقبة له دلالات كبيرة، على صعيد تشكيل أمر واقع في المنطقة، على هيئة تحرير الشام قبوله، في خطوة تشكل ضغطا كبيرا وتحديا للهيئة، التي روّجت في الفترة الأخيرة لسيطرتها على كامل المنطقة، عبر حكومة الإنقاذ التابعة لها، مع صمت بقية الفصائل المعتدلة.

ومع اتضاح النوايا الأميركية شرق الفرات، بالبقاء، وبعدم رغبتها في إشراك روسيا والنظام في المنطقة الأمنية، والتنسيق مع الأتراك حولها بدلا من ذلك، تضغط روسيا لحلّ ملفّ إدلب، وهو ما بدا واضحا في تصريحات لافروف الأخيرة في الكويت، بأن “اتفاق سوتشي حول إدلب لم ينفّذ بحذافيره”؛ لذلك تريد موسكو من أنقرة الإسراع في حلّ المعضلة الجهادية.

تواجه تركيا متاعب في تنفيذ خطتها بشأن حلّ هيئة تحرير الشام، وإشراك عناصرها السورية ضمن الفصائل المعتدلة؛ فقد شهدت الهيئة انشقاقات المتشددين وانضمامهم إلى تنظيم حراس الدين؛ وهي ما زالت تفضّل التعامل مع ملفّ الجهادية بروّية، منعا لفتح تصعيد في المنطقة يتسبب في عمليات نزوح كبيرة لا تحتملها.

تتمسّك الدول الضامنة بتحالف أستانة، وكل له أسبابه المختلفة عن الآخر؛ فطهران تربط مصير بقائها في سوريا ببقاء الأسد، وتعلن بأنّ لها ديونا في سوريا، وعليه الإيفاء بها، وهي متوغلة عسكريا وسياسيا في قرارات النظام، ولن تتنازل بسهولة عمّا صرفته في سوريا لمصلحة روسيا، لذلك استدعت الأسد إلى طهران الأسبوع الماضي، في ردّ واضح لنسف إمكانية تنسيق روسي- إسرائيلي- عربي، يُخرجها من اللعبة.

وتربط أنقرة حصّتها في سوريا برعايتها للمعارضة المسلّحة في الداخل السوري، والمعارضة السياسية في تركيا؛ وبالتالي تتمسك روسيا بالحلف مع تركيا لإخضاع هذه المعارضة وقبولها بالحل الروسي، في حين أن حلّ مخاوفها الأمنية شرق الفرات مرهونٌ بالتنسيق مع واشنطن.

وتريد موسكو التفرّد بالقرار السوري؛ وهذا يوجب عليها العمل في ملفّات منفصلة: تنسيق دائم مع واشنطن، وهو ما أكده لافروف مؤخرا في الكويت، حيث تدرك موسكو أن اعتراف واشنطن بأحقيتها في السيطرة على سوريا مشروط بالتخلي عن الحليف الإيراني، وبإجراء تغيير سياسي في النظام تفرضه العقوبات الأميركية عليه، والملاحقات القضائية دوليا لأركانه، وتنسيق مع إسرائيل حول فتح الأجواء السورية لها لاستئناف قصف المواقع الإيرانية على الأراضي السورية. إلى جانب محاولة موسكو أيضا فتح ملفات التطبيع مع النظام وإعادته إلى الجامعة العربية، وملف إعادة الإعمار، وعودة اللاجئين.

لذلك خطت موسكو منذ أشهر خطوات كبيرة مع دول عربية، ما سيحدّ من النفوذين التركي والإيراني، لكن ذلك توقف بسبب فرملة الولايات المتحدة لها. وتسعى موسكو مجددا إلى عقد هذا التحالف، بسبب حاجتها إلى الأموال الخليجية، إضافة إلى الأوروبية، وربما الصينية، من أجل المضي في مشاريع إعادة الإعمار، وحصد غنائم احتلالها لسوريا، وهو الهدف الأساسي لتدخلها العسكري في خريف 2015.

وخارج سوريا، ترتبط الدول الضامنة بعلاقات تجارية هامّة، تزيد من فرص استمرار تحالفها في سوريا؛ فأنقرة لم تلتزم بعقوبات البيت الأبيض على طهران، بسبب حاجتها إلى النفط والغاز، وتسعى إلى رفع حجم التجارة بينهما إلى 30 مليار دولار، حيث يلوح التكامل في اقتصادي البلدين.

في حين أن الميزان التجاري بين موسكو وأنقرة حقق فائضا لصالح روسيا في 2017 بقيمة 16.8 مليار دولار، كما أن 50 بالمئة من واردات الطاقة التركية تأتي من روسيا، ووصل عدد السياح الروس إلى تركيا 3.5 مليون شخص عام 2017؛ وهناك مشاريع قيد الإنشاء في تركيا، كخط الغاز الطبيعي (السيل التركي)، ومحطة (أقويو) للطاقة النووية، وصفقة شراء منظومة صواريخ أس- 400 الروسية، رغم معارضة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي لها.

كاتبة سورية

العرب

الانهيار الأمني في شمال سوريا يخدم استراتيجية النظام/ سلطان الكنج

إن من شأن تزايد الاستياء من كِلا المعارضتَين الإسلامية والعلمانية سيؤدي إلى توجُّه المزيد من الناس إلى النظام من أجل الأمن والخدمات.

تنتشر الفوضى في أرجاء المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في شمال سوريا، فقد أصبحت أعمال القتل والخطف والسطو المسلح أكثر انتشاراً، إذْ يواجه الجهاديون والمعارضة العلمانية انهياراً أمنياً في المناطق الخاضعة لسيطرتهم. ويتزايد قلق عامَّة الناس في هذه المناطق وهُم يُعرِبون عن استيائهم من هذه الجماعات الثورية، والفائز في معركة النفوذ هو النظام، جنباً إلى جنب مع حليفته روسيا، فيما لا يزال المواطن السوري هو الخاسر.

وفي خِضمِّ هذا الانهيار الأمني، تحاول فصائل المعارضة المختلفة استغلال هذا الاضطراب لإشاعة عدم الثقة في بعضها البعض. وعلى وجه الخصوص، هاجم منافسو هيئة تحرير الشام الجماعة في وسائل الإعلام بسبب السماح بانتشار الفوضى في مناطقها. وتأمل هذه الجماعات الثورية، التي أُجبِرت في الماضي على الخروج من مناطق معينة بسبب هيمنة هيئة تحرير الشام، أن يتحول الاستياء العام من الهيئة إلى ما يشبه انتفاضةً ضد الجهاديين، ولا سيّما بعد استيلاء الهيئة مؤخراً على المناطق التي كانت تسيطر عليها الجماعات الثورية الأخرى في ما مضى.

كان الجمهور السوري عموماً فاتراً تجاه مشاريع الجماعات العلمانية والمدنية، لكنَّ بإمكان عجز الجهاديين عن إدارة مناطقهم إعادة الحياة إلى بعض هذه المشاريع. على سبيل المثال، كان الرد على اغتيال الناشط المدني رائد الفارس على أيدي جماعات يعتقد أنها جهادية أقوى من المتوقع. وقد جاء ذلك الرد على الرغم من الدعاية الدينية القوية للجهاديين، الذين يرون أن المدافعين عن المدنيين هم من الكفار المارقين.

ومع ذلك، فإن معظم الجماعات المعتدلة التي تدعمها تركيا شهدت أيضا انهياراً أمنياً في مناطقها، وعدم القدرة على إدارة هذه المناطق بشكل مؤسسي. في هذه الحالات، بدلاً من إعطاء حافز للمعارضة المعتدلة، كان النظام السوري هو أكبر المستفيدين.

كان النظام يعمل من خلال وكالات الاستخبارات التابعة له لزرع الفوضى في المناطق الخارجة عن سيطرته. ومن خلال الانهيار الأمني، يأمل النظام في أن يُثبِت للمجتمع السوري الذي ثار الكثير من قطاعاته عليه، أن المجموعات التي تُمثل الثورة – سواء كانت إسلامية أو علمانية – ليست سوى عصابات تعمل كمرتزقة وهي غير قادرة على توفير الأمن للناس وتفتقر إلى “روح الدولة “.

لكنَّ ما زعمه النظام قد حصل فعلاً في شكل الفوضى التي أثَّرت على الناس العاديين الذين عانوا من النزوح والفقر، بالإضافة إلى مخاوفهم إزاء هذا الانهيار الأمني. وهكذا قدَّم النظام دليلاً بصورة غير مباشرة للمجتمع المحلي بأنه ينبغي عليه الوثوق بما يقوله، وأن مصداقيته تكمن في ما يجري الآن.

في ظل الانهيار الأمني للمعارضة، يريد النظام كسب الدعم الدولي على أساس أن النظام في نهاية المطاف عبارة عن دولة تواجه مجموعات متنافرة فاشلة. وعلى الرغم من الدعم الدولي لهذه الجماعات إلاَّ أنها فشلت في مواجهة الجهاديين مثلما فشلت في بناء عقلية إدارية. وقد استغل النظام السوري هذه الفوضى لزيادة السخط الاجتماعي. وفي الحقيقة، فقَد العديد من الناس تفضيلهم للمعارضة على النظام، وبالتالي حقق النظام شيئاً وهو كَسبُ المجتمعات المحلية بدافع الضرورة، وليس باعتباره خياراً.

إن أكثر ما يريده النظام هو أن يساهم هذا الانهيار الأمني في معركته ضد المجموعات المعارضة في إدلب. فمن خلال التنافس بين الفصائل، والاغتيالات الكثيرة وحالة الفوضى، يستطيع النظام أن يترك إدلب تحترق على نار هادئة، وأن يُهيّئها اجتماعياً وحتى عسكرياً للخضوع لسيطرته مرة أخرى.

لقد دفعت حالة الفوضى العديد من المنظمات الدولية التي تقدم المساعدات للحدّ من عملها أو لوقفه بالكامل بسبب اختطاف العديد من موظفيها. وبسبب الفوضى، بدأت المجتمعات المحلية تخسر الطواقم الطبية والتربوية التي ساعدت في الحد من معاناة هذه المجتمعات، وهذا يمهد الطريق أمام الناس للتطلّع نحو النظام.

هذه استراتيجية خطيرة. تُهيّئُ الفوضى في شمال سوريا بيئة خصبة لأن يقوم تنظيم داعش بإعادة تنظيم صفوفه من المجموعات المعارضة الفاشلة، لا سيما هيئة تحرير الشام. وينطبق هذا أيضاً على الأحزاب الكردي التي تستغل هذا الوضع لتصفية حساباتها مع حلفاء تركيا الذين يسيطرون على المناطق الكردية.

من المرجح أن يكون النظام قادراً على تحمُّل هذه التحديات، لكن هذا يعني المزيد من المعاناة لعامّة السوريين.

للاطلاع على المادة من المصدر اضغط هنا

https://syria.chathamhouse.org/ar/research/2019/a-security-breakdown-in-northern-syria-plays-into-the-regimes-strategy

تشاثام هاوس

سوريا رهينة القضية الكردية/ عائشة كربات

جوهر القضية السورية هو الضفة الشرقية لنهر الفرات. وجوهر القضية هو الصراع التركي الكردي. الآن، جميع الجهات المعنية وحتى غير ذات الصلة تتخذ مواقفها مع مراعاة هذه النقطة.

تقول تركيا مراراً وتكراراً، إنها ليست ضد الأكراد على الإطلاق. مشكلتها هي مع حزب العمال الكردستاني الذي يشن حرباً ضد تركيا منذ عقود، تسببت بإهدار حياة الآلاف في الماضي وخلقت أعباء اقتصادية هائلة على تركيا وسببت آلاماً لا تحصى في المجتمع. لا يوجد حل سهل للمشكلة التي بدأت حتى قبل حزب العمال الكردستاني عندما تأسست الجمهورية التركية. في المرة الأخيرة التي حاولت فيها الحكومة التركية حل المشكلة من خلال الحوار، لم تنجح لأسباب كثيرة. لكن أحد الأسباب الرئيسية كان تفضيل حزب العمال الكردستاني لإمكانية وجود منطقة حكم ذاتي في سوريا بدلاً من حل ديموقراطي قائم على حقوق المواطنة داخل تركيا.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت وحدات حماية الشعب الكردية التابعة لحزب العمال الكردستاني حليفاً مهماً للولايات المتحدة واستولت على ثلث سوريا. إن تعاون وحدات حماية الشعب مع العناصر العربية لا يجعلها غير معادية لتركيا وستبقى الأمور على هذا النحو لأن الوحدات تخضع لإشراف قوي من حزب العمال الكردستاني. تحدث الأميركيون عن أفكار لفصل هذين المسارين، لكن لم يتم اتخاذ أي خطوة ملموسة بعد، ربما لأنه ليس من الممكن فصلهما.

لذا، في ظل هذه الظروف، لا تريد تركيا أي كيان تابع لحزب العمال الكردستاني على طول حدودها. هي تطالب بمنطقة آمنة في الجانب الشرقي من الفرات، وتصر على أنه يجب أن يسيطر عليها الجيش التركي فقط.

في هذه المرحلة من التاريخ، لا ترغب كل من الولايات المتحدة وروسيا في خسارة تركيا، ولكنهما لا ترغبان في إبعاد وحدات حماية الشعب، لأسباب مختلفة.

الأميركيون الذين أعلنوا أنهم ينسحبون من المنطقة، لا يريدون أن يخسروا وحدات حماية الشعب على أمل أن يتم استخدامهم ضد نفوذ إيران. وتقول الوحدات لواشنطن إن “قلبي هو لك، ولكن إذا تركتني أفقد ما أكسبه في سوريا، فسوف أقوم باتفاقيات مع دمشق وإيران”. لكن الولايات المتحدة تدرك تماماً حقيقة أنه إذا سمحت للوحدات بالاحتفاظ بالسيطرة في سوريا، فإن تركيا، حليفتها في الناتو، ستقترب أكثر من روسيا. ولهذا السبب يحاول الأميركيون إيجاد طريقة من خلال اقتراح منطقة آمنة غير عميقة، يسيطر عليها بعض الشركاء الأوروبيين وربما مع بعض العناصر العربية وبعض القوى الكردية الأخرى التي تعارض وحدات حماية الشعب.

مع ذلك، فإن تركيا، أقلّه من خلال الخطاب، تصر على كونها المتحكم الوحيد في المنطقة، وأن الذي من المفترض أن يتم إزالته هي وحدات حماية الشعب. إن رسالة الوحدات إلى الولايات المتحدة الأميركية واضحة: “حسناً، أفضل أن أكون معك، لكن إذا كنت ستبيعني إلى تركيا، فسوف أتعاون مع دمشق وبمعنى آخر مع إيران”. ومع ذلك، فقد كان الأميركيون واضحين بالفعل بأنه إذا قامت الوحدات بالخطوة، فإن علاقتهم معها ستنتهي، وهذا يعني أنهم لم يشتروا ابتزاز وحدات الحماية. لكن من ناحية أخرى، فإنهم يعلمون جيداً أنهم إذا باعوا أقرب حليف لهم في سوريا، فسوف يواجهون صعوبات في العثور على متعاونين في المستقبل.

يريد الروس الاحتفاظ بتركيا في مدارهم ليس في سوريا فقط بل لطموحات عالمية أخرى أيضاً. ومع ذلك، فهم أيضاً يدركون حقيقة أنه من دون موافقة من وحدات حماية الشعب على الأقل، فإن ذلك غير ممكن لأن الوحدات تسيطر على الجزء المهم من الموارد الطبيعية في سوريا، والتي تعتبر ضرورية لإعادة إعمار البلاد. لا تريد موسكو إنهاء الحرب فحسب، بل تريد أيضاً إرساء الاستقرار السياسي، ومن دون تعاون الوحدات لن يكون الأمر سهلاً. إنهم يريدون دفع وحدات الحماية إلى التفاوض مع دمشق، التي أعلنت بالفعل أنه لن يكون هناك حكم ذاتي للأكراد. أخبر بشار الأسد الأكراد أنهم إمّا أن يكونوا معه أو سوف يتم سحقهم من قبل تركيا.

باختصار، ليس الأمر كله نزاعاً كردياً تركياً، لكن صراع بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية تستخدمه القوى العالمية لمصالحها الخاصة كما فعلت في الماضي. هذا الصراع يأخذ جميع الأطراف الفاعلة، وخاصة سعادة أهل المنطقة كرهائن. يمكن تغيير هذا القدر ويجب تغييره.

المدن

متى ستغادر جبهة النصرة المشهد؟/ عمار ديوب

قبل بضعة أشهر، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) انتهى. وفي 15 فبراير/ شباط الجاري، عُمّم إعلامياً أن المعركة حُسمت ضده. على الرغم من ذلك، سرّبَ الإعلام أن “داعش” ما زال حيّاً يرزق في بادية السويداء! مشهد آخر: شاهدنا صوراً آتيةً من إدلب تظهر مسحاً لعبارات “الجهاد باب من أبواب الجنة، والحجاب يا فتاة الإسلام، والصلاة يا شباب الإسلام، والشيعة أعداء الشام”.

تُغيِّرُ هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) جلدها، وفقاً لقراءتها الشروط الإقليمية والرسائل التي تصل إليها تباعاً من تركيا. وشطبها السابق هذا يوضّح أنّها مجبرةٌ عليه، وعلى تغيير رؤيتها بالكامل، وحدث ذلك بالتزامن مع اجتماع الدول الضامنة لاتفاق إدلب في سوتشي، وعلى وقع التهديد الروسي باجتياح إدلب في الأيام الأخيرة، والتهديد بأن المدينة أصبحت تحت حكم “القاعدة”، ولا بد من إنهاء الإرهاب فيها. ربما فهمت جبهة النصرة الشروط الإقليمية أخيراً، ومجمل اللوحة السورية كذلك، فتنظيم الدولة الإسلامية انتهى في شرقي الفرات، ووجوده في البادية، حراً طليقاً، بمثابة ورقة سياسية لتدوير الزوايا بين كل الدول، للتوافق على المصالح في سورية، وضمن ذلك لا تشكّل قوات سورية الديموقراطية مُشكلةً حقيقية، فتركيا حاسمةٌ بقرار اجتثاثها، وعرب شرقي الفرات لن يقبلوا بحكمها، وأميركا ومهما ناورت لن

تضحّي بالعلاقة مع تركيا لصالح أكراد سورية، وبالتالي “لم يبقَ إلا حديدان بالميدان”، أي جبهة النصرة، وصارت إعادة إنتاجها باعتبارها حركة مقبولة هي القضية الموضوعة على طاولة الدول الضامنة والأميركان كذلك. فهل ستنجح في ذلك؟

الآن، ما المطلوب منها لتكون مقبولة، وهي المُلاحقة بقراراتٍ دولية باعتبارها جهة إرهابية؟ وهناك نهاية المعارك الكبرى في سورية. هيئة تحرير الشام حركة جهادية وأصولية أولاً، ووفق ذلك تغيّر في ممارساتها ورؤيتها ثانياً، والمطلوب منها، حالياً، أن تكون شبيهة بالفصائل الخاضعة لتركيا أو المليشيات التابعة لروسيا، سوى ذلك مرفوض قطعاً. ولكنها كذلك حركةٌ قويةٌ، وهناك ما يشبه القرار الدولي بعدم فتح معركةٍ ضد إدلب. سيدفع هذا الوضع الهيئة لإجراء خطواتٍ حاسمةٍ لتشريع نفسها، وضد نفسها؛ أقصد تطهير نفسها بشكل كبير، وأكثر مما تمّ، من كل العناصر الجهادية، وإنهاء أي وجودٍ للحزب التركستاني الإسلامي وحراس الدين، وإعطاء الحرية والاستقلالية لفعاليات إدلب، لتشكيل إدارة مدنية لتسيير شؤون المدينة، والتحوّل إلى ما يشبه شرطةً مدنية، وإنهاء المحاكم الشرعية، وجعل السجون والمعابر تحت إدارة مدنية وتابعة لمجلس المحافظة، وبالتالي هناك قضايا حاسمة مطلوب تنفيذها، وبما يمنع الهيئة من تشكيل أي خطرٍ محتملٍ على كل الدول المتدخلة في سورية. طبعاً لم يعد مقبولاً التخفي خلف الحكومة المؤقتة التابعة للهيئة، ومختلف أشكال الإدارة التي أنتجتها من قبل هيئة تحرير الشام.

تحيط الدول الضامنة بمناطق نفوذ هيئة تحرير الشام، وهي متحالفةٌ معاً، وتعمل بشكلٍ منسق. اللعب الذي كانت تجيده الهيئة بسبب الخلافات بين الضامنات هذه يتآكل تباعاً. الخلاف أخيرا بين تركيا التي تؤكد على دورٍ كبير لها في شرقي الفرات ومنبج، وتهميش دور النظام هناك، وبين رفضٍ روسيٍّ إيرانيٍّ لذلك، وتأكيدهما على إنهاء الإرهاب في إدلب، وتفعيل اتفاقية أضنة في شمال الفرات والتطبيع مع النظام. ولا يعني هذا التباين أن تركيا ستماطل بورقة هيئة التحرير، فكما أن لإيران مليشيات ولروسيا كذلك، تريد تركيا من الهيئة أن تكون كذلك بالضبط، وتوظفها في إطار الصراعات بين الدول المتقاتلة على سورية وفيها. ضمن ذلك هناك مصلحة لتركيا خاصة، وتتعلق بتفكيك هيئة تحرير الشام، والتخلص من الجهاديين، وإحكام سيطرتها الكاملة على إدلب، وتحويلها إلى ورقةٍ بيدها، وهذه مهمةٌ تركية بامتياز، ولكنها

ستُواجه باستغلالٍ روسي إيراني لكل خطوةٍ تُضعف الهيئة، وهناك قوة الهيئة ذاتها والهامش الذي تتحرك من خلاله.

قد يتأخر حسم الوضع ضد هيئة تحرير الشام، كلما تأخر حدوث توافقاتٍ بين الدول الضامنة على مستقبل سورية، ومصير كل من شرقي الفرات ومنبج، وهذا متعلقٌ بالانسحاب الأميركي، والذي تارةً يتأكد وتارةً يتأجل البتّ في توقيته! وذلك بسبب خلافات الإدارة الأميركية الداخلية، وعدم وجود اتفاق كامل بين تركيا وأميركا على القوات التي ستحلَّ محلها في شرقي الفرات ومصير قوات الاتحاد الديموقراطي أيضاً. الأشهر التي تكسبها هيئة تحرير الشام بسبب ما سبق تفرض عليها إحداث تغييراتٍ كبرى، بما يجعلها فصيلاً مسلحاً تابعاً لتركيا بالكامل؛ سوى ذلك، فإن روسيا وإيران وأميركا تعتبرها قوة إرهابية، ويجب اجتثاثها.

ليس من مستقبلٍ لتنظيم داعش، فهو بالأصل أداة لتخريب الصراعات الثورية والوطنية ولصالح دول وضد دول. هو أقرب إلى الشركات الأمنية، و”متعدّدة الجنسيات”، وهذا يشمل جبهة

النصرة وسواها أيضا، ولهذا تُتابع تحركاته دولياً وبشكل دقيقٍ، وهو من برّرَ تشكيل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة، لاجتثاث الثورة وتدمير سورية باسم محاربة الإرهاب. الآن انتهت الثورة، وكل الحديث عن إعادة تأهيل النظام، والتخلص من بقايا الجهادية، وإعادة دورها إلى ما كانت عليه قبل مجيئها الكثيف إلى سورية، أي نقلها إلى أماكن أخرى، أو إلى خلايا نائمة، وهكذا؛ هيئة تحرير الشام أمام خيارات واضحة، إمّا أن تصبح فصيلاً تابعاً لتركيا أو تُنقل إلى خارج سورية أو تجتث؛ وكل هذه الاحتمالات ممكنة.

وبالتالي، هل من نهاية للجهاد في سورية؟ وُجِدَ الجهاد في سورية لاجتثاث الثورة، والآن هُجر نصف الشعب السوري، ودمّرت مدنه، وهناك محاولاتٌ لإعادة تأهيل النظام، وربما سيحدث هذا، وسيكون ذلك عبر توافق أميركي روسي أولاً، ولكن أميل إلى احتمال آخر، وهو إحداث تغيرات كبرى في النظام، وتطاول مفاصله الأساسية ليكون مقبولاً في المستقبل. ربما يمكن الاستنتاج هنا أن نهاية الجهادية ليست خبراً سعيداً للنظام السوري.

تتطلب عملية إعادة اللاجئين وبداية الإعمار التي تستعجلها روسيا، أولاً، نهاية الجهادية، وهو ما يُعمل لأجله عبر سوتشي وتركيا خصوصا، وعبر قول ترامب بانتهاء “داعش”، وثانياً من خلال إنهاء الوجود الإيراني الكبير. وهنا علينا التدقيق بمؤتمر وارسو أخيرا، وعدم التقليل من شأنه، وهو شرط إقليمي وأميركي، وثالثاً، إحداث تغييرات كبرى في النظام، وهو شرط أميركي وأوروبي خصوصا.

العربي الجديد

هل ستصمد إدلب في وجه اجتياحها المقبل؟/ تيم غوراني

تعود إدلب إلى واجهة الحديث بين تركيا وروسيا وإيران، وعلى رغم كثرة الاجتماعات والقمم واللقاءات، يبقى ملف إدلب، حتى اليوم بحكم غير المتفق عليه، إذ لم يحسم أمرها بعد. ومع تفاقم وتيرة القصف المدفعي على أرياف إدلب، يعود إلى الأذهان التخوف من عمل عسكري، يؤدي إلى اجتياح إدلب.

وتكثر التحليلات والتصورات المتناقضة دائماً، بين ضغط سياسي وتمهيد عسكري، ولكن الأهم هو، هل ستصمد إدلب في حال حدث الهجوم العسكري المتوقع، أم ستكون كغيرها من مناطق خفض التصعيد السابقة والتي أغلق ملفها بما يعرف بالمصالحة مع الأسد؟

اليوم تضم إدلب قرابة 3 ملايين نسمة، معظمهم من الذين رفضوا المصالحة مع الأسد وهجروا إليها، إضافة إلى اجتماع المقاتلين فيها، من المناطق السورية كلها، وهي تعيش منذ قرابة العام حال هدوء نسبي، وهي فترة مناسبة للتجهيز والإعداد لما هو مقبل، ناهيك بوجود احتقان في كل بيت في إدلب. فلا يوجد عائلة لم تخسر أحد أفرادها قتلاً أو اعتقالاً في سجون الأسد، الأمر الذي يجعل إدلب مؤهلة للصمود، فهي تعرف مقومات التماسك العسكري، كطرق الإمداد والسلاح والمقاتلين وحتى الحاضنة الشعبية والجغرافيا الواسعة.

الحاضنة الشعبية متعبة وتصرفات الفصائل تنفرها

من جهة ثانية، يرى الدكتور عدي الأصفر وهو طبيب عام عمل في الثورة منذ بدايتها في مجاله الطبي، أن حاضنة  الثورة في إدلب تراجعت بشكل كبير جداً، معللاً ذلك بما عاشه الناس من اضطهادات ومضايقات من قبل الفصائل، فالناس لم يشعروا حقاً، بأن هذه الفصائل هي لحمايتهم ولتحقيق أهداف ثورتها، فهي اليوم إمارات متقاتلة بشكل مستمر، تسعى كلها للحصول على السلطة والسيطرة والمال بأي وسيلة كانت، متجاهلة حاجات الناس ومستلزماتهم.

يضيف عدي لـ”درج”: “نفور الناس من المقاتلين ليس حديث العهد، إذ بدأ الأمر مذ كان تنظيم الدولة “داعش” في إدلب، ويعتبر الجهة التي سنّت ما تقوم به الفصائل اليوم من ضرائب وسجون وغيرها من الأمور، إضافة إلى انحراف البندقية عن النظام وتوجيهها للاقتتال الداخلي والتناحرات المستمرة”..

من جانب آخر، يقول لـ”درج” عبد الكريم الحسن، وهو من سكان إدلب المقيمين في تركيا، إنه لا يمكن التعويل على إدلب في أي شيء، فاليوم تحولت الثورة كلها إلى اتفاقات دولية ما إن حصلت، ستنفذ، على رغم أنف الجميع، ففي حال التوصل إلى توافق دولي على أن تكون إدلب للأسد، فستكون له سواء في حرب أو في اتفاق ما. ولكن إن كان هناك خلاف دولي على إدلب ووُجدت دول أو دولة واحدة كتركيا مثلاً، ترفض الأمر، فهذا سيحفز المعارضة على الصمود والقتال ويمدها بالسلاح والذخائر، وعندها لن يستطيع الأسد ولا روسيا دخول إدلب. إلا أن الخوف اليوم هو من أن توافق تركيا على الهجوم على إدلب مهما كانت حجج ذلك ودواعيه، ولكن إن تم الأمر فلا تعولوا على إدلب ولا على مقاتليها كما يقول.

غير مستعدين للمزيد من التضحيات ورغيف الخبز يشغل الجميع

يعيش حوالى 80 في المئة من أهالي إدلب اليوم تحت خط الفقر، وقد مرت عليهم سنوات من الحرب أنهكتهم حقاً، من القصف إلى الفقر والنزوح وغيرها من المتاعب التي لا تنتهي. هذا الضغط كله، زرع في عقول الناس وقلوبهم قناعة تقضي بأنه “كفانا تضحية فلم نعد نحتمل”. في هذا الصدد، أوضح زاهر حج حسن أحد العاملين في المجال الإغاثي من مهجري ريف دمشق، أنه “من النادر اليوم أن تجد أحداً يقول لك إن لا مشكلة لديه مع القصف أو المعارك، أو أنه سيقاتل حتى آخر رمق. لا أظن أن أحداً لديه طاقة لتحمّل المزيد. تتركز هموم الناس اليوم على السعي وراء لقمة عيش صعبة المنال، فهي تشغلهم بشكل شبه كامل وهم مستعدون للتنازل من أجل الحفاظ عليها، كفانا مزايدات وحديثاً عن الصمود وأساطير البطولة، فهذا واقعنا اليوم ولنبنِ تصوراتنا على أساسه”.

بدأت الثورة كاسرة كل القوانين ولن يصعب عليها شيء

يقول القائد العسكري في هيئة تحرير الشام خالد نداش، إنه في بداية الثورة لم يكن هناك أي مناطق محررة من سيطرة النظام، ولم يكن السوريون يملكون أي أسلحة، وكان الدعم الدولي مقدماً للأسد منذ اللحظة الأولى. “على رغم ذلك استطعنا أن نقاتل ونحرر ونسيطر ونفعل الأعاجيب، فلمَ اليوم يأتي هذا الإحباط إلى قلوب الناس؟ هل سنبيع دماء شهدائنا وتضحيات أهالينا بعد هذه السنوات؟ إدلب المحطة الأخيرة في الثورة والثورة مهما طالت وانكسرت ستنتصر ولن تنتهي مهما حصل”.

يضيف خالد لـ”درج” أنه وعلى مدار الأشهر السابقة أُخِذت الاحتمالات كافة في الحسبان، وتم اتخاذ التدابير اللازمة لردع أي قوة تقترب من إدلب.

الأسد عاجز عن السيطرة على إدلب عسكرياً

التقت “درج” أحد العاملين في مجال الدراسات الاستراتيجية في أحد الفصائل العسكرية، ورفض كشف اسمه واسم فصيله لدواع أمنية. يؤكد أن هناك دراسات كثيرة تثبت أن الأسد اليوم عاجز عن السيطرة على إدلب عسكرياً، حتى في ظل الدعمين الروسي والإيراني، فهو يعيش أزمات لا تنتهي ويبحث عن أي رجل ليسوقه إلى الخدمة في صفوف جيشه المتهالك. اليوم يضم جيش الأسد حوالى 100 ألف مقاتل، ما بين الميليشيات الشعبية أو القوات النظامية. وعسكرياً، هذا العدد لا يكفي لتغطية المناطق التي يسيطر عليها أساساً، فهو اليوم بحاجة إلى أعداد أكبر بكثير، لكي يفكر في عملية عسكرية على إدلب.

ويضيف المصدر: “نعم هناك آلاف الميليشيات الإيرانية واللبنانية، ولكن كلها كانت تريد القتال في إدلب، بغية فك الحصار عن بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين، فالميليشيات التي دعمت الأسد جاءت بدوافع طائفية غير مكترثة لأهداف غيرها، واليوم وبعد إخراج أهالي البلدتين لم يعد المسوغ الذي كانت عناصر الفصائل يقاتلون لأجله موجوداً. لذلك في حال شاركوا في العملية فستكون مشاركتهم خجولة، وفي حال أشركهم الأسد جميعاً في هذه المعركة، فلا تزال عقبات كثيرة تقف في طريقه للسيطرة على إدلب”.

تباينت وجهات النظر في توقع مصير إدلب في حال الهجوم عليها، وتتشابك الخطوط في ما بينها، الأمر الذي يدخل الجميع في حيرة من أمره، فهل تبقى إدلب خارج معادلة التسويات القائمة؟

درج

أنقرة – واشنطن: “ثورة الشك”/ سمير صالحة

كانت واشنطن تظن أنها نوبة غضب تركي ستتبدد سريعا، لكن الكرملين أمسك باليد التركية الممدوة مستغلا الظروف الصعبة التي تمر بها أنقرة ولم يتركها حتى اللحظة.

التوتر التركي – الأميركي سببه هذه المرة إعلان أنقرة عن تمسكها بمواصلة سياسة الانفتاح والتقارب على روسيا والاستعداد للدخول في تفاهمات استراتيجية أكثر عمقا بينها السعي للحصول على منظومة صواريخ إس – 500 بعد تمسكها بصفقة إس – 400.

تقول واشنطن إنها لن تسمح لتركيا أن تحاول الاحتفاظ بقدمها في بروكسل حيث مقر حلف شمال الأطلسي بينما هي تحاول وضع القدم الأخرى في موسكو رأس حربة المواجهة مع الغرب في هذه الحرب المفتوحة. إدارة ترامب ترفض حصول تركيا على الصواريخ الروسية والسعي لشراء الباتريوت الأميركية في الوقت نفسه. لكن البنتاغون والكونغرس يقولان إن المواجهة ستكون أكبر من ذلك وستصل إلى محاولة إخراج تركيا من تكتل تصنيع مقاتلات إف – 35 الحديثة وقطع الطريق على وجود الضباط والخبراء الأمنيين الأتراك في غرف التخطيط الاستراتيجي للأطلسي تجنبا لوقوع عملية تسرب للمعلومات والخطط الحربية والاستخباراتية.

لم تعد واشنطن تكتفي باتهام أنقرة بمساعدة إيران في تفادي العقوبات الأميركية بسبب برامجها النووية. وأنقرة ذهبت في اتهاماتها للإدارة الأميركية بأبعد من تسليح وتدريب المجموعات الكردية في “قسد” المرتبطة بتنظيم “حزب العمال الكردستاني” المصنف إرهابيا من قبل أميركا نفسها.

تلتقي المؤشرات كلها عند حقيقة أن الإدارة الأميركية لن تكتفي بمواصلة سياسة فرض العقوبات أو التلويح بها ضد تركيا. وأن أنقرة لن تتراجع عن اتهام واشنطن بمحاولة استهداف اقتصادها وخططها الإنمائية ومحاولة تدميرها كما حدث قبل أشهر عندما حمل الأتراك الجانب الأميركي المسؤولية المباشرة عن فقدان عملتهم الوطنية لربع قيمتها أمام الدولار  بعد تغريدة استهداف استفزازية للرئيس الأميركي.

تحاول تركيا تبرير الصفقة “الصاروخية ” مع موسكو بالتذكير أن لا مانع قانوني يحول دون حصولها على أسلحة من خارج الأطلسي مشيرة إلى امتلاك اليونان وبلغاريا ودول أوروبية شرقية عديدة لهذا النوع من السلاح، وإلى تصريح الأمين العام للناتو أن دول الحلف مستقلة في اتخاذ قرارات شراء وبيع السلاح بما يتلاءم مع سياساتها التسلحية. وخلوصي أكار وزير الدفاع التركي يردد “إن احجام الحلفاء عن تزويد تركيا بالمنظومات الجوية لحماية نفسها من التهديدات، اضطرها لشراء منظومة إس 400 الروسية، التي سيتم نصبها في شهر تشرين الاول المقبل فوق الأراضي التركية “.

لكن المسألة لن تتوقف حتما عند ما يقوله روبرت بلادينو، نائب متحدث وزارة الخارجية الأمريكية ” لقد حذرنا بوضوح من أنه في حال شراء تركيا لمنظومة إس-400 فإن هذا سيكون سببًا في إعادة تقييم مشاركتها في برنامج إنتاج مقاتلات إف-35، ويهدد احتمال تسليم أسلحة أخرى في المستقبل لتركيا”. ولن تنتهي مع ما طالب به رئيس القيادة الأوروبية للجيش الأميركي، القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي، الجنرال كورتيس سكاباروتي، بضرورة عدم إعطاء تركيا طائرات إف-35 حال مضيها قدمًا في شراء المنظومة الروسية . التحدي التركي الأميركي في ذروته اليوم . أنقرة تقول إنها جاهزة لبحث شراء مقاتلة الجيل الخامس الروسية ” سوخوي – 57 ” إذا ما حاولت واشنطن إبعادها عن شراكة تصنيع وتسويق المقاتلة إف – 35 . ودولت بهتشلي زعيم حزب الحركة القومية اليميني المساند للحزب الحاكم يقول معلقًا على موقف واشنطن من شراء تركيا للصواريخ الدفاعية الروسية، “لسنا دولة خاضعة للاستعمار، ولا ندور في الفلك الأمريكي “.

كيف وصلت الأمور إلى هذه النقطة من التصعيد والتوتر والتحدي؟

أصل الحكاية كما تقول أنقرة هو أنّ القوات المسلحة التركية تعاني من نقص في مجال دفاعاتها الجوية خصوصا في عدم امتلاكها لمنظومة صواريخ دفاعية متطورة وإن شركاء أنقرة في الأطلسي هم الذين تعهدوا لسنوات بسد هذا النقص لكن تركيا لم تعد تريد أن تكون تحت رحمة المظلات الصاروخية الغربية التي خذلتها أكثر من مرة ، في عام 1991 أمام تهديدات صدام حسين بقصف أنقرة وإسطنبول ، وفي عام 2011 مع تفاقم الأزمة السورية لتكرر ذلك عام 2015 إبان التوتر الحدودي التركي الإيراني مع قرار سحب صواريخ الباتريوت الألمانية والهولندية المنتشرة على حدودها الشرقية وهي في أمس الحاجة إليها . وهكذا تحركت أنقرة للبحث عن صفقة تسد هذا العجز الأمني والاستراتيجي الخطير . العواصم الغربية لم تقدم العروض المادية المقنعة لأنقرة فقرعت باب موسكو التي فتحته على وسعه أمام الأتراك . واشنطن وحلفاؤها يرصدون عن قرب هذا التقارب التركي الروسي المتزايد والذي انتقل إلى ملفات الطاقة والتسليح والتكنولوجيا المتطورة والرهان على إيصال حجم التبادل التجاري السنوي إلى  100 مليار دولار.

لا تعاني العلاقات التركية الأميركية اليوم من إخفاق تام في إزالة أسباب التوتر الكثيرة بين البلدين بسبب تباعد الرؤى وتضارب المصالح، بل من احتمال اتساع الشرخ وتحوله إلى خصومة وعداء سياسي وايديولوجي ثابت لا يختلف عن الحالة الأميركية الروسية أو الأميركية الإيرانية. كل طرف يتطلع إلى تعزيز نفوذه  وبناء منظومة علاقات إقليمية جديدة على حساب الطرف الآخر وبعكس ما يقوله ويريده. المشكلة الأكبر ستكون عندما يطالب البلدان حلفاءهما الآخرين بتحديد خياراتهما والالتحاق بعملية الاصطفاف الجديدة هذه. أول من سيطالب بدفع الثمن وتحمل المسؤوليات سيكون حلف شمال الأطلسي الذي يجمعهما منذ أكثر من 6 عقود تحت سقف واحد. ثم هناك المجموعة الأوروبية التي ستطالبها واشنطن بإعلان موقفها النهائي عندما تواصل أنقرة الانفتاح على روسيا    أكثر فأكثر وتتمسك بسياسة البحث عن حلفاء وشركاء جدد يضعهم الغرب داخل دائرة الخطر والمواجهة مثل إيران وفنزويلا . الكارثة الحقيقية ستكون عندما تذكر إسرائيل بموقعها ودورها وحصتها الإقليمية وتصب الزيت فوق النار لتأجيج التصعيد أكثر فأكثر ضد تركيا شريك الأمس وعدو اليوم في المنطقة.

قبل عامين كان خبراء الأطلسي يصفون التقارب التركي الروسي بالخيالي والمستحيل حصوله بين جارين في حالة عداء دائم وترّقب حذر، تركيا لن تصمد أمام الضغوطات الغربية، وأبعد ما يمكنها أن تقوم به هو لعب ورقة الصفقة من أجل الحصول على السعر الأفضل. تركيا وقعت الصفقة التجارية مع روسيا بعرض مغر، ورئيس قسم المعلومات في أسطول البحر الأسود الروسي “ألكسي روليوف”، يشيد بالمناورات البحرية المشتركة مع تركيا، في البحر الأسود مركز النزاع التاريخي بين أنقرة وموسكو. لكن الأهم هو اليوم أن الأحجار تتحرك مجددا على رقعة الشطرنج الإقليمية وتكاد المعادلات والتوازنات الكلاسيكية المعروفة تتحول إلى سراب يتبدد في العامين المقبلين.

هناك من يرى أن المنطق وضبط الإيقاع في العلاقات التركية الأميركية هو الذي سيعود ويتقدم ويمسك مجددا بدفة القيادة، خاصة وأن أنقرة بموقعها الجيوسياسي تظل تحظى بأهمية العواصم الغربية مهما “تمردت”؛ فغير ذلك يعني في أبسط تقدير إطلاق العنان للتحالف الرباعي الروسي الصيني التركي الإيراني وهو ما لن يكون سهلا على واشنطن وحلفائها الغربيين تحمله في هذه المرحلة.

كان وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، يردد قبل عام ونصف أن واشنطن لن تعرقل خطوة تركية من هذا النوع، فهذا قرار سيادي ينبغي احترامه. لكنه لم يتردد في تذكير الأتراك أن عمل منظومات “إس – 400” لا يتطابق عملانياً مع المعدّات العسكرية للأطلسي الذي تعدُّ تركيا أحد أعضائه. هناك من يقول إن أميركا ستتخذ المزيد من تدابير منع تحول هذا التقارب الروسي التركي إلى أدوات ضغط إقليمي على مصالحها ونفوذها ، لكن هناك من يقول أيضا إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تواصل عملية دفع تركيا نحو روسيا أكثر فأكثر . ربما هو فخ أميركي نصب لأنقرة لدفعها نحو مغادرة الحلف إما بارادتها أو بقرار الدول الاعضاء لأنها تمردت على روح الاتفاقيات ومضمونها؟

رسائل الغزل الأميركي الأخيرة حيال روسيا من أجل ماذا ؟ هل قررت واشنطن قطع الطريق على كل هذا التقارب التركي الروسي عبر التواصل مع موسكو مباشرة بعدما وصلت ضغوطاتها على أنقرة إلى طريق مسدود؟

تلفزيون سوريا

بوتين يلعب الشطرنج مع نفسه/ عروة خليفة

من الممكن أن تلعب الشطرنج وحيداً، لن يكون الأمر سهلاً إذا كنت كاسباروف، لكن على ما يبدو فإن الأمر أسهل بكثير إذا كان الشخص الذي يلاعب نفسه هو بوتين.

بالأمس قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إنه لا حاجة لمنتدى دولي جديد لإدارة الأوضاع والمسار السياسي في سوريا، لأن أستانا تكفي، معلناً تراجع معلمه عن الحركة الأخيرة التي قام بها خلال زيارة نتنياهو لموسكو. في الشطرنج لا يمكنك التراجع عن الحركة، إلا إذا كنت تلاعب نفسك، وإذا كنت متسامحاً في القوانين بعض الشيء.

في السبعينات والثمانينات، وقبل ذلك طبعاً، كان المنظرون لمحاربة الشيوعية مهووسين بلعب الشطرنج مع المارد الأحمر. كتاب رقعة الشطرنج الكبرى لمستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغنيف بريجنسكي، هو أحد المعالم الكاريكاتورية التي تذكرنا بذلك، أما اليوم فإن فلاديمير بوتين قد وصل، وهو يريد أن يلعب الشطرنج ضدهم أيضاً، لكن إذا أردنا أن نكون صريحين، فإن أحداً لم يعد يلعب الشطرنج. عندما زار بوتين صديقه جورج بوش الابن اضطر أن يلعب الغولف معه، الأمر حتماً مخيب للأمل، خاصةً عندما يعرف المرء أنه لاعب محدود القدرة، ومتوسط الذكاء.

من ينظر إلى ثلاثي أستانا، واجتماعاتهم وتحالفاتهم الثنائية، والعداوة الظاهرة والمتوارية بينهم، قد يظن أنهم يلعبون الشطرنج بكفاءة عالية ضد الولايات المتحدة في سوريا، وأنهم سيجبرون واشنطن في النهاية على الاعتراف بمهاراتهم وخططهم، إذ ربما قد يُلقَّبُ بعضهم بالغراند ماستر، ويتم الاحتفاظ ببعض تحركاتهم باعتبارها انتصارات استراتيجية مميزة.

لا شكّ أن بوتين مقتنع بذلك، يحلم به قبل النوم، ويأمر مرؤوسيه بتعلم تلك الخدع الاستراتيجية العظيمة، ومن المرجح أنه قال للافروف قبل أن يأمره بالإعلان عن عدم الحاجة إلى منتدى دولي جديد حول سوريا: «تعلّم هذه الخطة، لقد استدرجتهم بتصريحاتي عن المنتدى الدولي، وأربكتهم وخرجت الآن أقوى منهم». ولأن لافروف ينتمي إلى البيروقراطية الروسية العتيدة، فهو بالطبع سيكون قد أثنى على تكتيكات معلمه، وضحك لاحقاً على بوتين الذي لم ينتبه إلى دعواته أحد، عدا المبعوث الدولي «الجديد» إلى سوريا، الذي اضطر، محرجاً ربما، أن يكررها في خطابه أمام مجلس الأمن.

إذن لنواجه الواقع الذي لا يحبه فلاديمير؛ أنقرة تريد دعم واشنطن، ولن تقف ضدها إلى النهاية حتى في لعبة بوتين المتخيلة، بينما نتنياهو مستعد لتوزيع الابتسامات والمصافحات الحارة في موسكو، مع أنه يؤكد أن طائراته ستستمر في قصف المواقع الإيرانية في سوريا، حتى أنه يبدو مستعداً لأكثر من ذلك، فالحرب بالنسبة لشخص مثله خيار متاح وجيد. أما إيران فهي تريد أن تستدرج بوتين إلى معركة في إدلب، سيعني حتى انتصاره الكامل مع حلفائه فيها خسارة جديدة في لعبته المتخيلة، لأن قواته الجوية في سوريا ستصبح بعدها فاقدة للقيمة في أي توظيف سياسي. وهكذا، فإن اعتقاد بوتين أنه ما زال نقطة التوازن الأساسية في لعبة السياسات الدولية حول سوريا اليوم، هو وهمٌ آخر.

يُظهر هذا الوهم خللاً فظيعاً في سياسات موسكو، التي لم تفعل شيئاً إلّا أنها زادت التصاق بشار الأسد بمعلميه في طهران، فالأخير وأخوه ماهر، بعد أن أظهرا ولاءً جيداً لروسيا طوال سنتنين أو أقل، وأعطيا ضباطاً مقربين منها صلاحيات واسعة، عادا بالتدريج ليغيرا كل ذلك؛ غسان بلال ضابط الفرقة الرابعة الكبير والمقرب من موسكو، قتل في خريف 2017، واليوم يتم تفكيك ميليشيات مختلطة شكلتها موسكو بقيادة سهيل الحسن. بهذه الطريقة يصبح بوتين أقل تأثيراً في سوريا، أما قاعدة حميميم فهي ستكون معرضة ببساطة لتساقط قذائف الهاون إذا ما قررت موسكو التصرف بمفردها بعيداً عن طهران، فهذه الأخيرة يمكنها ابتداع اسم فصيل معارض ليقصف المطار، كما حدث خلال تعرض المطار منتصف العام الماضي لضربات مدافع هاون، كان مصدرها منطقة بستان الباشا التي يسيطر عليها النظام بشكل كامل.

أما الأمر كله، فهو ما زال في لعبة الصراع الإقليمي والدولي تلك بيد واشنطن، لا شيء يمكن أن يخفف عن بوتين حزن معرفته بذلك. وعلى أرض الواقع، فإن بوتين الذي يتخيل أنه يلعب الشطرنج، يقف كالأحمق، وسط لعبة بيسبول، عليه أن يتحرك ليستولي على القاعدة الجديدة، لكنه واقفٌ يضحك.

موقع الجمهورية

متى يبيع بوتين الاسد؟/ مهند الحاج علي

لم تكن صُدفة تزامن زيارتين، الأولى لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى موسكو، والثانية للرئيس السوري بشار الأسد إلى طهران. خرج الاجتماعان بتصريحات متناقضة جذرياً، إذ صدرت عن نتنياهو تأكيدات في شأن التزام موسكو انسحاب القوات الأجنبية بما فيها الإيرانية من سوريا، في حين ترافقت زيارة الأسد مع تصريحات سورية عن محور المقاومة وانتصاره واستمراره.

هذا التناقض يدعو إلى التفكر في الاحتمالات المستقبلية. ذلك أن هناك تحديات مقبلة على روسيا وإيران، قد تستدعي تحولاً في المواقف أو تصعيداً فيها.

ما الطارئ على روسيا وإيران؟

تستعد الولايات المتحدة لإقرار رزمتين جديدتين من العقوبات على إيران وروسيا. ايران وروسيا ستشهدان انخفاضاً كبيراً في قدراتهما المالية خلال الفترة المقبلة، بما يجعل التغيير في السياسة الخارجية، إما تصعيداً أو انكفاءّ، حتمياً.

بداية، ستواجه ايران موجة عقوبات جديدة في أيار (مايو) المقبل، والتي توقع مسؤول صيني رفيع أن تحمل مضاعفات أكثر خطورة مما سبق، لأنها ستُقلّص نسبة تصدير النفط الى ما دون المليون برميل يومياً بعدما تجاوزت قبل العقوبات 4 ملايين برميل يومياً.

بالنسبة إلى روسيا، أقر مجلس الشيوخ الأميركي قانون “تعزيز أمن أميركا في الشرق الأوسط للعام 2019” الذي ينتظر اقراره في مجلس النواب وتوقيع الرئاسة الأميركية عليه، ليصير نافذاً. تكمن أهمية القانون في استهدافه الشركات الروسية العاملة في مجال إعادة إعمار سوريا، بما يُقيّد هذا النشاط ويربطه بالحل السياسي غير المكتمل نتيجة طبيعة النظام وإصراره على الاستئثار بالسلطة. والحقيقة أن الشركات الروسية في سوريا لا تتولى إعادة الإعمار بقدر المشاركة في الثروات، على الطريقة الكولونيالية القديمة. على سبيل المثال، وقعت شركة سترويترانسغاز الروسية اتفاقاً لنصف قرن، (50 عاماً بالتمام والكمال)، لاستخراج الفوسفات واقتسامه مع السلطات الروسية بشكل غير متكافئ (70 في المئة للروس مقابل 30 للسوريين). وهذا سينسحب أيضاً على النفط والغاز مستقبلاً.

من هنا، يأتي التحرك الأميركي لاحتواء هذه المحاولات الروسية. يستكمل مشروع القانون الأميركي الجديد، عقوبات فرضها الكونغرس الأميركي على أثرياء روس وشركات روسية في نيسان (أبريل) العام الماضي. ولهذا انعكاسات خطرة على الاقتصاد الروسي. بين أكثر التأثيرات وضوحاً للعقوبات الأميركية، هروب رأس المال الروسي من جهة، والضغوط الداخلية على الرئيس فلاديمير بوتين لتعديل سياسته وتفادي المواجهة المكلفة مع الغرب. ذلك أن روسيا تشهد ظاهرة خطيرة اقتصادياً، مع تضاعف هجرة رؤوس الأموال بالعملات الصعبة منها، إذ هرّب رجال الأعمال 67.5 مليار دولار العام الماضي (2018)، مقارنة بـ31 مليار دولار عام 2017. السبب هو احتدام المواجهة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في السياسة الخارجية الروسية، وارتفاع وتيرة العقوبات على الشركات ورجال الأعمال القريبين من الكرملين.

هذا النزيف المالي في روسيا، يزيد التوتر بين مجموعة رجال الأعمال القريبين من الكرملين، من جهة، وبين بوتين ورجالاته من جهة ثانية. وفقاً لتقرير نشرته مجلة أميركية، أبدى رجال الأعمال، من أصحاب المليارات، استياءهم من السياسة الروسية الصدامية مع الغرب. رد فعل إدارة بوتين كان اقتياد الملياردير زيافودين ماغوميدوف العام الماضي إلى السجن بتهم متعلقة بالفساد يُعتقد بأن النظام الأمني رتبها له بهدف توجيه رسالة إلى بقية رجال الأعمال في خصوص استهدافهم في حال تجاوزوا الخط الأحمر، وتدخلوا بالسياسة. وهذا خط ميّز إدارة الرئيس بوتين مقارنة بسابقه الراحل بوريس يلتسين الذي أفسح في المجال لأصحاب المليارات، للعب أدوار سياسية كبيرة من خلف الكواليس.

كلما ازدادت العقوبات الأوروبية والأميركية حدة، كُلما ارتفعت أصوات رجال الأعمال المتضررين بشكل متزايد. سيستدعي ذلك في الكرملين رداً من اثنين، إما التصعيد بمزيد من القمع لهذه الأصوات، والإتجاه لمواجهة أعمق مع العالم الغربي، أو محاولة إرضائه بحل سياسي مقبول في سوريا. وهنا بيت القصيد.

إذا تعمّق المأزق الروسي في سوريا، مع فشل اقتصادي غداة نصر عسكري، هل ترد موسكو بالتخلي عن الأسد ورفع وتيرة الضغط على إيران داخل سوريا؟ وماذا سيكون الموقف الإيراني حينها؟

هناك من يحسم باستعداد روسيا لبيع الأسد في أول مزاد أو صفقة سانحة، وليس السؤال: “هل”، بل “متى يبيع بوتين الأسد”؟

المدن

سوريا: معركة النظام الأمني مع النفوذ الروسي/ سلام السعدي

تتواصل حملات الاعتقالات التي ينفذها النظام السوري في مدينة درعا ضد السكان المشكوك في ولائهم بصورة عامة، وضد المقاتلين السابقين في صفوف قوات المعارضة السورية بصورة خاصة. ورغم أن إلقاء سلاح هؤلاء وخضوعهم لسلطة النظام السوري قد تمَّا بعد تقديم تعهدات روسية بعدم ملاحقتهم، لا يبدو النظام السوري مكترثا بتلك التعهدات، وهو ما يوضح رغبة روسيا في ضبط السلوك الأمني للنظام وقدرتها المحدودة على فعل ذلك.

في منتصف العام الماضي، حقق نظام الأسد نصره الأبرز منذ بداية سلسلة الانتصارات العسكرية في مطلع العام 2016 وذلك باستعادة مدينة درعا مهد الثورة السورية. ليست استعادة درعا، برمزيتها العالية، هي فقط ما يؤشر على الوضع التراجيدي الذي آلت إليه الثورة السورية، ولكن استعادتها من دون قتال هي ما يؤشر على حالة الهزيمة العامة وانعدام أفق التغيير لدى المتمردين السوريين.

عاد النظام السوري بكامل أجهزته ومؤسساته، وعلى رأسها المؤسسة الأمنية التي تظاهر أهل المدينة، قبل ثمانية أعوام، احتجاجا على انتهاكاتها بحق الأطفال المعتقلين وعائلاتهم. أما اليوم، فبدا أن على سكان درعا وثوارها المقاتلين أن يتناسوا جراحهم ويبتلعوا الهزيمة بصمت ومرارة.

والحال أنه لم يكن بالإمكان السيطرة على مدينة درعا من دون قتال دون حدوث اتفاق سياسي أمني وتقديم ضمانات روسية تجنب المدنيين والمقاتلين مصير الاعتقال والموت في غياهب السجون. نص الاتفاق الذي وُقع في منتصف العام الماضي، على أن يخضع السكان لما يسميه النظام السوري “تسوية وضع”، إذ تقوم الأجهزة الأمنية بشطب أسمائهم من لوائح المطلوبين، فيما ينضم من يريد من المقاتلين إلى الفرقة الخامسة في الجيش السوري والتي تشرف عليها موسكو.

جنب ذلك المقاتلين وعائلاتهم مصير الترحيل نحو الشمال السوري ليخضعوا للهيمنة التركية أو لهيمنة جبهة النصرة والمكوث في مناطق هي نفسها عرضة للهجوم في وقت لاحق. الأهم من كل ذلك هو الضمانات الروسية بتقييد ممارسات المؤسسات الأمنية بعد عودة النظام ومنعها من تنفيذ اعتقالات تعسفية.

في الأشهر الأولى للتسوية، عملت روسيا على منع النظام السوري من ممارسة الاعتقال التعسفي والانتقام من السكان. في حالات حدوث اعتقالات على الحواجز الأمنية للنظام، كانت الشرطة الروسية تتدخل لتخلي سبيل المعتقلين. حدث ذلك بصورة متكررة عند اعتقال مقاتلين من المعارضة فاوضوا على استسلامهم مع روسيا، أكثر من حدوثه في حالات اعتقال المدنيين. ولكن، بصورة عامة، أصبحت الشرطة الروسية وسيطا بين السكان والنظام السوري المتطلع إلى إعادة هيمنته الأمنية كما كانت قبل العام 2011.

وبالفعل، مع مرور الوقت، عاد النظام لتوطيد سلطته الأمنية فأوقف كافة المساعدات الإنسانية القادمة من الأردن عبر المنظمات الدولية ورفض دخول موظفي تلك المنظمات، فضلا عن الصحافيين، إلى المناطق التي سيطر عليها ليؤكد على “سيادة” الدولة كما تردد وسائل إعلامه. كما اتهم ناشطون سوريون النظام بشن حملة اغتيالات طالت قيادات عسكرية وشخصيات سياسية سابقة في المعارضة السورية.

في الأشهر الأخيرة، شنت القوات الأمنية عددا كبيرا من حملات الاعتقال في ظل تراجع الدور الروسي في المدينة. اتضح ضعف تأثير ونفوذ موسكو على النظام السوري، إذ فشلت روسيا في منع عودة الانتهاكات المستمرة وأساليب القمع المعهودة والتعسفية التي قادت في العام 2011 إلى الثورة الشعبية.

من حيث المبدأ، تدرك روسيا أهمية ضبط سلوك النظام السوري وكبح جماح المؤسسات الأمنية من أجل خلق مناخ من الأمان يسمح بعودة جزء من اللاجئين وبتدفق مساعدات إعادة الإعمار. كما تتطلع روسيا إلى خلق دعائم استقرار حقيقي إذ تدرك أن ما تحقق حتى اليوم ليس إلا استقرار وهمي، وهو عرضة للانفجار في أية لحظة.

وفي هذا السياق، كان لافتا إصدار وزارة الدفاع السورية قبل نحو ثلاثة أشهر قرارَ منعِ الاعتقالات على الحواجز العسكرية لكل من يحمل وثيقة توضح أنه قد خضع لـ”تسوية وضع”. من المرجح أن القرار قد اتخذ بضغط روسي لتجنب تصاعد الأمور، بما يساهم في تنشيط مقاومة مسلحة للنظام السوري وهو ما بدأ بالفعل خلال الأشهر الماضية باسم “المقاومة الشعبية”. استهدفت الأخيرة حواجز عسكرية ونفذت بضع عمليات اغتيال لشخصيات موالية للنظام السوري في محافظة درعا.

ولكن قرار وزارة الدفاع بقي حبرا على ورق، حيث تواصلت الاعتقالات بل وتصاعدت منذ صدوره؛ إذ تتحكم الأجهزة الأمنية والميليشيات العسكرية المرتبطة بها في السياسات التي يجري تطبيقها على الأرض، وذلك بأوامر مباشرة من الحلقة الضيقة في النظام السوري.

تدرك تلك الحلقة أن روسيا تحاول انتزاع نفوذ كبير داخل أجهزة النظام بما يجعل الأخير مقيدا بالسياسات الروسية، المقيدة بدورها بتحالفات إقليمية وبتنسيق مع إسرائيل حول الوضع في الجنوب. دفع ذلك نظام الأسد لمقاومة عمليات تثبيت النفوذ الروسي، وذلك بدعم واضح من الحليف الإيراني الذي يشاركه التوجس من دور واسع لموسكو في سوريا.

كاتب فلسطيني سوري

العرب

ما أعلنته روسيا مؤخرًا عن انتصارها في سوريا هو صدى لما حدث في الحقبة السوفيتية/ نيل هاور

أطلقت روسيا مؤخرًا أحدث احتفالاتها بالانتصار في سوريا. وكجزء من عطلة “المدافعين عن أرض الآباء”، دشن المسؤولون في “23” فبراير قطار “غنائم الحرب في سوريا” في موسكو. وسيتجول هذا القطار داخل البلاد لعدة مرات خلال الشهرين القادمين ، ويضم هذا القطار أكثر من “500” قطعة حربية اغتنمها الروس أثناء حملتهم العسكرية في سوريا، حيث يغطي “29” ألف كيلومتر، ويتوقف في أكثر من 60 مدينة. ويشكل هذا المعرض أول حدث رئيسي ينظمه أحدث فروع القوات المسلحة الروسية، وهو الأمانة السياسية العسكرية الرئيسية، وهو قسم جديد للعلاقات العامة إبان الحقبة السوفيتية. وبقدر ما كان الاحتفال بالاتحاد السوفيتي القديم أمرًا مناسبًا، نجد أن قليلاً من الاحتفالات الروسية بشأن سوريا يرتبط بالواقع.

وهذه هي المرة الرابعة على الأقل التي تعلن فيها موسكو “النصر” أو الانسحاب من سوريا منذ دخولها المباشر في النزاع عام 2015. وفي مارس 2016، أعلن فلاديمير بوتين انسحاب واسع النطاق للقوات الروسية من سوريا، وبعد ذاك بمدة قصيرة، أقامت روسيا في مدينة تدمر، والتي أعادة روسيا السيطرة عليها في مايو (وكان تنظيم الدولة داعش قد سيطر عليها مرة أخرى قبل نهاية العام). وفي زيارته إلى قاعدة حميميم الجوية الروسية على الساحل السوري في شهر ديسمبر / كانون الأول عام 2017، أعلن “بوتين” مرة أخرى “انتصاره” في سوريا، في حين أنه أعلن في يونيو عام 2018 أن العشرات من الطائرات وأكثر من 1000 جندي (من أصل ما مجموعه 5000 جندي تقريباً) قد تم سحبهم من سوريا.

ولم تعكس أي من هذه الأحداث تقريبًا حقيقة الوضع على الأراضي السورية، أو أن الصراع قد وصل بالفعل إلى نهايته. وقد يكون الاستثناء الوحيد هو الإعلان الصادر في ديسمبر 2017، ومفاده أن الحملة التي يشنها النظام السوري ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في شرق سوريا قد بلغت منتهاها. وليس هناك أي نجاح في تخليد اللحظة الراهنة. وفي الواقع، وتواجه روسيا نفس المعضلات التي واجهتها في سوريا على مدار الأشهر الستة الماضية، فما هو الوضع حيال إدلب ومنبج.

وفي كلتا الحالتين، تتعارض أهداف روسيا مباشرة مع الطرف الاخر المشارك في النزاع، وهي دولة تركيا. وأكدت موسكو مراراً وتكراراً أنه لا يمكن القبول بوجود الإرهابيين” في إدلب، وأن الكرملين لن يخفي رغبته في أن يرى معظم المحافظات السورية في قبضة النظام السوري مرة أخرى. وكانت روسيا قد سعت من أجل وضع حل مماثل في “منبج”، وذلك مع استبدال القوت الكردية بالقوات الحكومة السورية والشرطة العسكرية الخاصة بها، بيد أنه لم يحدث أي تقدم تقريبًا مع أنقرة بخصوص أيٍ من الأمرين، بالرغم من المحادثات التي استغرقت شهور عدة.

ومهما كان الأمر، فيبدو أن مشاكل روسيا في سوريا في الوقت الحالي تتضاعف ولا تنحسر. وهناك تقارير متزايدة تتحدث عن اشتباكات بين روسيا والقوات السورية المدعومة من إيران منذ مطلع هذا العام، حيث يعاني الجانبان من اضطراب غير مسبوق في علاقتهما، وهو تطور يزيد من ضعف موقف موسكو أمام أنقرة.

ويحتمل أن يكون التمرد المتزايد في “درعا” هو الحدث الأكثر شؤمًا وتهديدًا للنظام السوري، وذلك بسبب ما شهدته المنطقة على مدار الثلاثة أشهر الماضية من قتلٍ لعناصر الجيش السوري، و استهدفت سيارات النظام بالعبوات الناسفة. وفي الوقت نفسه، كشف التهديد المتراجع الذي يشكله التمرد النقاب عن استياء كبير من حكومة بشار الأسد داخل الدوائر الانتخابية الأساسية، بالإضافة إلى تزايد الاستياء من الوضع الاقتصادي الذي لا يزال يتفاقم وسط الفساد الصاخب للنخب الانتهازية.

ولا شيء من هذه الدلالات تبعث موسكو على التفاؤل. ومع ذلك، يشعر “بوتين” بوضوح أنه من الواجب عليه إخبار الناخبين المحليين أنه يحقق نجاحًا ملحوظًا في صراعه في سوريا، وأن هذا الصراع يقترب من نهايته. ومنذ أن أعلن الرئيس الروسي في شهر يونيو الماضي عن إجراء إصلاح شامل في نظام المعاشات رغم رفضه من العامة، وشعبية الرئيس الروسي في تراجع. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن عدم الرضي الرئيس الروسي مؤخراً قد بلغ أقصى مستوى له منذ  توليه السلطة لأول مرة في عام 2000، حيث بلغت نسبة غير الراضين عن أداء الرئيس الروسي في الوقت الحالي “35%” من الشعب.

ويشعر عامة الشعب الروسي بالاستياء والمعاناه على نحو متزايد بسبب المغامرات الخارجية في ظل الركود أو التدهور الاقتصادي داخل البلاد: وكان رد فعل وسائل التواصل الاجتماعي على “قطار غنائم الحرب في سوريا” مفعمًا بالتعقيبات الساخرة ومفادها أن القطار “يجب أن يقدم طعام مجاني” بدلاً من تسميته بهذا الاسم. وانقضت ثلاث سنوات ونصف من نشرات الأخبار الليلية والتي تبث للشعب الروسي أخبار عن مقتل مائة إرهابي آخر في سوريا.

وقد كان هناك جانب آخر من الانتصار الأخير لروسيا لكنه لم يحظى بكثير من الاهتمام، رغم أنه قد يكون أكثر إثارة للاهتمام. ففي 21 شباط / فبراير، زار “صلاح حاجي مجيدوف”، مفتي الجمهورية الشيشانية، مسجد خالد بن الوليد في حمص بسوريا للاحتفال بإعادة افتتاح المسجد. والمسجد هو أحد المسجدان اللذان أُعيد إعمارهما بتمويل من مؤسسة “أحمد قديروف” التابعة للحكومة الشيشانية، وهي إحدى الوسائل المتعددة التي يشارك فيها هذا الإقليم المسلم السني التابع لروسيا في جهود العلاقات العامة التي تبذلها موسكو في سوريا.

وقد التقى “مجديدوف” مع شخصيات حكومية من بينها وزير الأوقاف السوري، وأشار “مجيدوف” خلال هذا اللقاء إلى أن إعادة تأهيل المسجد الثاني، وهو الجامع الأموي في حلب، قد شارف على الانتهاء. وهناك سبب للاعتقاد بأن هذا الحدث سيشهد زيارة رفيعة المستوى من قبل الزعيم الشيشاني، رمضان قديروف، والذي أعلن مؤخرًا عن نيته لزيارة سوريا. وتتوافق محاولات الشيشان لوضع نهاية للصراع على الأراضي السورية مع جهود موسكو على الجبهة الداخلية.

وبغض النظر عن الرواية، فان هناك مؤشرات على أن موسكو تستعد بهدوء لهذه المهمة الشاقة. إن ما حدث مؤخرًا من نشر قوات إضافية من الشرطة العسكرية في “منبج” يشير إلى رغبة موسكو في فرض المزيد من السيطرة على الأرض، وهي إستراتيجية قد تسهل على النظام السوري والأكراد إبرام المزيد من الاتفاقيات في ظل سحب الولايات المتحدة لقواتها، كما أن إقامة روابط إضافية مع تشكيلات النظام، كالفيلق الخامس، تمثل استثمارًا طويل الأجل.

فقد يرغب “بوتين” في الخروج من سوريا، بيد أن سوريا لا تريد له الخروج.

تركيا وروسيا وأميركا.. لماذا كل هذا الصراع على شرق سوريا؟

يوم 14 ديسمبر/كانون الأول، وفي مكالمة هاتفية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أعلن الرئيس الأميركي ودون مقدمات أنه سيأمر بانسحاب القوات الأميركية من سوريا، في مفاجأة لنظيره التركي، وكثير من شخصيات الأمن القومي.

هذا القرار المفاجئ بسحب القوات البالغ تعدادها 2000 جندي أميركي شمال شرق سوريا كان علامة مسجلة باسم ترمب. لسنوات، ظل الرئيس يعد بخفض عدد القوات الأميركية في المنطقة ويجادل بأن على حلفاء أميركا وشركائها بذلُ المزيد والمشاركة في أعباء الأمن الإقليمي.

لكن الولايات المتحدة ليست الطرف الوحيد في سوريا؛ وقرار ترمب المتهور جاء دون أي محاولة سابقة لانتزاع تنازلات أو ضمانات من الأطراف الأخرى الضالعة في الصراع. والآن، يحاول كل طرف تشكيل الوضع على الأرض بما يخدم مصالحه ويضرُّ بمصالح الولايات المتحدة.

الأقطاب ذات التأثير الأكبر في هذه البيئة المعقدة من الأطراف الخارجية والقوات المقاتلة بالوكالة هما تركيا وروسيا. إذ يرغب كل منهما بالسيطرة على أراضي شمال شرق سوريا والتي كانت حتى الآن تحت سيطرة الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية، وهي ميليشيا مدعومة من الولايات المتحدة ويقودها في الغالب مقاتلون أكراد.

بالنسبة لكل من أنقرة وموسكو، فهناك الكثير على المحك: تركيا قلقة من إمكانية تمركز قوات كردية مسلحة على طول الشريط الحدودي، وترغب بتوسعة نطاق تأثيرها السياسي ليشمل شمال سوريا بأي ثمن. في حين تسعى روسيا للاستفادة من الضعف الكردي ومن تهديد التدخل التركي لتمكين حليفها في دمشق، بشار الأسد. إن انسحبت الولايات المتحدة، ستكون واشنطن مرغمة على مراقبة هذا السباق من مقاعد المتفرجين، ورؤية نفوذها في المنطقة يذهب أدراج الرياح.

الرهان التركي

قبل إعلان الانسحاب، شكلت سياسة ترمب في سوريا مصدر قلق حقيقي للزعماء الأتراك. وكان وجه اعتراض أنقرة تحديدا، في مارس/آذار 2017، تسليحَ قوات حماية الشعب الكردية، وهي ميليشيا لأكراد سوريا تتفرع عن حزب العمال الكردستاني، الذي أدرجته كل من الولايات المتحدة وتركيا كجماعة إرهابية.

وكان قلق الحكومة التركية نابعا من أن يؤسس الدعم الأميركي العسكري لوحدات حماية الشعب لجيوب كردية على طول الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا تكون ملاذا آمنا للمقاتلين الأكراد وكوادر حزب العمال في تركيا والعراق.

وبشكل ضمني، وإن كان على القدر نفسه من الأهمية، فهُناك امتعاض تركي من توسعة نطاق مهام الولايات المتحدة في سوريا. فما بدا أنه مهمة لقتال تنظيم الدولة الإسلامية، توسع لاحقا لكي يشمل التصدي للنفوذ الإيراني في سوريا. هذا التحوُّل كان بالدرجة الأولى بقيادة مستشار الأمن القومي جون بولتون، وبدعم من وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو. عوض الاكتفاء بقتال الجيوب المتبقية لمقاومي تنظيم الدولة، جادل الرجلان بأن واجب الولايات المتحدة يتمثل في “طرد كل جندي إيراني” من الأراضي السورية، وهو هدف غير قابل للتحقق لكنه يوحي بحضور عسكري أميركي مفتوح المدة.

بالنسبة إلى تركيا، كانت هذه المهمة الموسعة بمنزلة كابوس. فقد خشيت أنقرة من أن الحضور الأميركي المستمر، حتى بعد هزيمة تنظيم الدولة، سيعني أيضا استمرار تدريب وتمويل قوات سوريا الديمقراطية، وبالتبعية، وحدات حماية الشعب. على حين غرة، بدا أن الولايات المتحدة قد تبقى لمدة تكفي لظهور دولة كردية ذاتية ناجزة على تخوم الحدود التركية، بقوّات مسلحة فائقة التدريب على الأرض.

في إصرار منها على تفادي الأمر، كثفت أنقرة جهودها باتجاه ترسيخ وجودها السياسي والعسكري في المناطق التي سيطرت عليها وحدات حماية الشعب الكردية والقوات الأميركية. عبر استبدال المجالس المحلية الكردية في المنطقة بهيئات حاكمة تتصل بتركيا، مما سيعمل، وفق ما رأت تركيا، على امتصاص أي تهديد ينبع من المنطقة.

لتحقيق ذلك، كانت تركيا بحاجة إلى إضعاف العلاقة بين الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية والضغط على واشنطن لكي تتعاون معها. وهو ما حققته عبر التهديد بشن هجوم عسكري حدودي يزعزع الوضع القائم، أولا في البلدة الشمالية منبج، ومن ثم في الشرق، على طول نهر الفرات، حيث تتمركز القوات الأميركية.

في أواسط ديسمبر/كانون الأول، ومع التحضير العسكري التركي الضخم لشن هجوم مماثل، قام أردوغان بمهاتفة ترمب. توقعت أنقرة أن ترمب، وبمواجهة هجوم تركي على القوات الكردية المدعومة أميركيا، سيسرع عملية إدخال شركاء تركيا إلى البلدات الواقعة تحت إدارة الأكراد. وهو ما لم يفعله في مكالمته مع أردوغان. عوض ذلك، وبينما كان الرئيس التركي يؤكد بأن الأولوية التركية في سوريا ستظل قتال تنظيم الدولة، أعلن ترمب أن الولايات المتحدة لم يتبق لديها أي سبب للبقاء في سوريا.

وبالطبع، فقتالُ تنظيم الدولة في آخر معاقله، على بُعد 200 ميل من الحدود التركية، هو آخر ما كان يفكر فيه الرئيس التركي. أما الآن، فهو ملزم بذلك. وسرعان ما وجد نفسه مرغما على التحضُّر لمرحلة ما بعد خروج الولايات المتحدة من الأراضي التي كان يرغب بالسيطرة عليها عبر مساعدة وإذعان أميركا. إثر هذه المستجدات غير المتوقعة، أصبحت أولوية تركيا الآن هي موازنة علاقاتها مع أكبر طرف عسكري خارجي على الأرض: روسيا.

في أواخر ديسمبر/كانون الأول، وصل وفد تركي رفيع المستوى إلى موسكو بالتزامن مع إعلان تركيا رغبتها بالاضطلاع بدور أوسع في الصراع. كانت الاستخبارات برفقة الجيش التركي يعملان على نقل الجنود والعتاد العسكري إلى مواقع خارج منبج وعلى طول الشريط الحدودي شمال شرق سوريا، لضمان المرونة الكافية لاستخدام القوة إن لزم الأمر.

هدفت هذه التعزيزات أيضا إلى إبقاء نظام الأسد في دمشق في حالة تأهب. فأنقرة تريد الاعتماد على الحكومة السورية في حال عادت إلى شمال شرقي البلاد، في القضاء على أي شبكات كردية توجد على طول الحدود التركية، بحيث لا يؤدي انسحاب الولايات المتحدة ببساطة إلى نشوء دولة كردية ذاتية بقيادة حزب العمال الكردستاني تكون حليفة للنظام.

على مدار سبع سنوات من عمر الحرب الأهلية، تجنب أكراد سوريا في وحدات حماية الشعب دعم تغيير النظام ونادوا عوض ذلك بدولة لا مركزية ودرجة من الحكم الذاتي الكردي. وهو ما لا يبدو أنه يناسب بشار الأسد. لكن تركيا لن تركن إلى ذلك، وهي ترى بأنَّ الضغط العسكري سيكونُ وسيلة لجعل صوتها مسموعا في أروقة موسكو ودمشق.

التعزيزات العسكرية تساعد تركيا أيضا في التفاوض مع إدارة ترمب، التي تسعى بأثر رجعي للحصول على ضمانات بأن الانسحاب لن يضر بمصالح الولايات المتحدة. وفي سلسلة من المكالمات الهاتفية على مدار الأسابيع الفائتة، يظهر أن أردوغان قد لجأ لاستخدام التهديد بشن هجمات تركية ضد الأكراد لكي يضمن دعم ترمب إنشاء “منطقة آمنة” على طول عشرين ميلا من الحدود السورية التركية، وهو ما يرجح أنه سيكون بمنزلة عازل تركي ضد قوات حماية الشعب وعقبة أمام تدفق اللاجئين إلى تركيا، وهي أهداف أساسية لأنقرة. بهذا المعنى، فإن أرجحية انسحاب القوات الأميركية لم تغيّر إستراتيجية تركيا بقدر ما سرّعتها.

صانع الملوك الروسي

بالنسبة إلى روسيا، يبدو احتمال انسحاب الولايات المتحدة وكأنه يوسع ساحة اللعب. حتى الآن، تفادت موسكو الكشف عن أي خطط ملموسة. لكن بالنظر إلى تصريحاتها حيال المسألة حتى اللحظة وبالنظر إلى تحركاتها الماضية في المنطقة، فلا بد أنها ستحاول إلهاء الأتراك والأكراد لتحقيق غايتها الأهم: عودة نظام الأسد للسيطرة على كافة الأراضي السورية، بما فيها الشمال الشرقي. هذا النوع من الألاعيب سيتطلَّب من روسيا أن توازن بين مصالحها من تعميق العلاقة مع تركيا ومصالحها من تأهيل حليفها في دمشق.

لم تكن الأمور معقدة على روسيا. ففي بداية سنوات الحرب الأهلية السورية، كان الدعم الروسي لدمشق بمنزلة تحريض مباشر على التمرد المدعوم تركيًّا، في الشمال الشرقي. لاحقا، وفي أواخر 2016، ساعدت روسيا الحكومة السورية على إخماد الكثير من هذا التمرد في حلب التي كانت ذات يوم في قبضة الثوار. سقوط حلب حمل تركيا على تغيير مسارها. وعوض دعم القوات التي سعت لإسقاط النظام في دمشق، خفضت تركيا طموحها وركزت جهودها على وقف التقدم الكردي على الحدود.

اضطلعت تركيا بعمليتيّن رئيسيتين دعما لإستراتيجيتها الجديدة: الأولى ضد مقاتلي تنظيم الدولة في شمال حلب في أغسطس/آب 2016، والثانية ضد القوات الكردية في عفرين مطلع العام الفائت. وفي الحالتين، كان هدف تركيا الضغط على الأكراد، أولا بالسيطرة على أراضي قوات سوريا الديمقراطية غرب منبج، ومن ثم بإخراج وحدات حماية الشعب من عفرين. وفي كلتا المنطقتين، تحاول تركيا حاليا فرض سيطرتها السياسية والعسكرية كأمر واقع.

موسكو، أيضا، لديها شيء تريده من الأكراد: الخضوع التام لنظام الأسد. وعمليات تركيا مثلت لها هذه الفرصة. لقد تواصلت روسيا مع القوات الكردية في عفرين قبل وعند بداية الهجوم التركي، وعرضت عليهم دفع تركيا للانسحاب في حال وافقوا على الخضوع لنظام الأسد. رفضت وحدات حماية الشعب الكردي ذلك العرض، لأن روسيا وفق اعتقادهم لم تكن لتسمح لتركيا بابتلاع الأراضي السورية في كل الأحوال.

إلا أن حساباتهم كانت خاطئة، فموسكو لم تمنع العمليات التركية، وعفرين الآن تحت سيطرة قوات مدعومة تركيا. مع زيادة الضغط التركي على القوات الكردية فيما وراء عفرين، ستقوم روسيا على الأرجح بمبادرات مماثلة على أمل أن يقبل الأكراد هذه المرة بعودة نظام الأسد مقابل تفادي هجوم تركي.

تقوم دمشق، في هذه الأثناء، بمفاوضة الأكراد الموالين للنظام ضمن صفوف وحدات حماية الشعب. وتشير تقارير مسربة إلى أن كلا الجانبين لا يزال يختلف بقوة على مقدار التأثير الذي سيتنازل عنه الأكراد على الأرض. وتعتمد موسكو ودمشق على التوافق كوسيلة وحيدة للحيلولة دون وجود منطقة تخضع للتأثير التركي المباشر وغير المباشر.

الجوكر الأميركي

مع تمركز القوات الأميركية في قلب الحدث، فلا يزال لدى الولايات المتحدة قدر من التأثير على لعبة شد الحبل في المنطقة. لكن إستراتيجيتها المحددة، مع ذلك، تظل غير واضحة. فالبنتاغون مصمم على تصفية الجيوب الأخيرة في منطقة تنظيم الدولة شرق سوريا، ويعتبر قوات سوريا الديمقراطية شريكا مهما في هذا القتال. لكن البعض في وزارة الخارجية يضع علامات استفهام بشأن التحالف لتأثيره السامّ على العلاقات التركية الأميركية، مفضلين ببساطة تغيير المواقف الأميركية من أنقرة للحيلولة دون رجوع نظام الأسد.

بالإجمال، حاولت بيروقراطية الأمن القومي الأميركي التراجع عن إعلان ترمب الانسحاب، باحثين عن سبل للقيام بذلك دون تعريض مصالح الولايات المتحدة للخطر. لكن هذه الجهود ستكون ضئيلة طالما أن تركيا تستطيع ببساطة الالتفاف حول هذه البيروقراطية والحديث مباشرة مع ترمب، الذي يبدو وأنه يميل لأخذ تطمينات بشأن الأكراد.

ضئيلة هي دوافع تركيا لمشاركة السلطة مع الأكراد في سوريا أو في أي مكان آخر، ونيتها هي هزيمتهم وإخراج قوات سوريا الديمقراطية من حدودها. أما الأكراد، من جانبهم، فيرفضون التوسع التركي، وسيواصلون مفاوضة نظام الأسد، كحل بديل. في حين سيراقب الروس وعن كثب ما تتمخض عنه هذه المفاوضات ملوحين بتدخل تركي عسكري لتقوية دمشق وإحراج واشنطن.

لا يزال من غير الواضح إن كانت المنطقة ستنتهي تحت سيطرة الأسد بشكل كامل، أو بشكل جزئي تحت سيطرة تركيا، لكن من الواضح أن أي حد أدنى من الاستقرار في المناطق الكردية التي ساهمت الولايات المتحدة بتحريرها من تنظيم الدولة قد ذهب إلى غير رجعة.

—————————————————————-

ترجمة: فرح عصام

Foreign Affairs

بوتين يلوّح بالانقلاب على شركاء أستانة/ علي العبدالله

أتى إعلان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يوم 28 فبراير/ شباط الماضي، عن نيته تشكيل “آلية دولية” بمشاركة جميع القوى المنخرطة في الصراع السوري، “لتطبيع الأوضاع في سورية بعد استكمال القضاء على تنظيم داعش”، تعبيراً عن استعداده للانقلاب على شريكيه في مسار أستانة، تركيا وإيران، بتشكيل آليةٍ تشرك آخرين في إدارة الملف السوري وحله تضعف دورهما، وتقلّص نفوذهما في سورية، ما لم يتقيدا بالمحدّدات الروسية. لم يفاجئ الإعلان شريكي بوتين فقط، بل فاجأ الولايات المتحدة ودولاً في الاتحاد الأوروبي؛ في ضوء تركيز التصريحات الروسية المستمر على نجاح مسار أستانة، وتحقيقه تقدماً على طريق وقف القتال، بما في ذلك الاتفاق على مخرجٍ للوضع في إدلب، اتفق عليه في قمة سوتشي أخيراً باعتماد “آلية الخطوة خطوة، لاستعادة إدلب من التنظيمات الإرهابية”، وتوفيره (مسار أستانة) مناخاً للولوج في خطواتٍ سياسيةٍ للحل، وفق تصريحات وزير خارجيته، سيرغي لافروف، ونائب الوزير سيرغي فيرسيشين، والناطق باسم الكرملين ديميتري بيسكوف، وترويجها متانة العلاقات، واستمرار التعاون والعمل المشترك.

جاء إعلان بوتين على خلفية الاستياء من توجهات شريكيه، وعملهما، كلٌ لاعتباراته الخاصة، لإجهاض تصوراته وخطواته في إدارة الملف السوري التي يريد لها أن تخدم مفاوضاته مع الولايات المتحدة حول دور روسيا في العالم، وحصتها من النفوذ الدولي، وتحرّكهما خارج نطاق التفاهمات المشتركة، وبحثهما عن اتفاقات وحلول تخدم مصالحهما، حتى لو أضرّت بمصالح شريكهما الروسي. لم يكتف الشريك الإيراني بخرق التزاماته السابقة، بالابتعاد عن خط جبهة الجولان السوري المحتل، وعن الحدود الأردنية، بتجنيده أبناء المنطقة في مليشيات مسلحة، وإنشاء قواعد عسكرية في محافظات درعا والقنيطرة والسويداء، والانتشار في مواقع قوات النظام بين صفوفها وبلباسها، وتكرار إعلاناته المتوعدة إسرائيل، عبر تصريحات رئيس مكتب الأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، حول تفعيل عملية ردع إسرائيل، وجنرالات 

“اعتبر الرئيس الإيراني أن الجذور والقواسم الدینیة

والثقافیة المشتركة (مع النظام) مصدر لتلاحم الشعبین” الحرس الثوري حول محو مدن إسرائيلية بدقائق.. بل ودخلت في سباقٍ مع قوات للنظام قريبة من روسيا على السيطرة على المواقع، في ريفي حماة وإدلب قرب خطوط التماس مع قوات المعارضة، ودفعه هذه القوات لخرق اتفاق سوتشي، الخاص بمنطقة خفض التصعيد في إدلب الذي اتفقت عليه روسيا وتركيا… فضلاً عمّا أعلن من مواقف مذهبية خلال زيارة رئيس النظام بشار الأسد طهران واجتماعه بالمرشد والرئيس الإيرانيين، وقول المرشد “ينبغي تطوير العلاقات المذهبية وزيارات متبادلة لعلماء إيران وسورية”، وتأكيد رئيس النظام على ذلك، بقوله “العلاقات المذهبية تشكل فرصةً مهمةً لمواجهة التيارات التكفيرية”؛ واعتبار الرئيس الإيراني “الجذور والقواسم الدینیة والثقافیة المشتركة بأنها مصدر لتلاحم الشعبین”. كل هذا وضع روسيا في موقفٍ حرج مع الدول العربية، خصوصاً الخليجية التي تسعى موسكو إلى استدراجها إلى المساهمة بتمويل إعادة الإعمار، لأنه وضعها في محور مذهبي مضاد لها، من دون أن ننسى الأثر السلبي للعقود الاقتصادية والاستثمارية الكبيرة التي فرضتها إيران على النظام السوري.

لم يتوانَ الشريك التركي عن تجاهل تفاهماته مع روسيا، عبر عدم تنفيذه بنوداً في اتفاق سوتشي: الفصل بين الفصائل المعتدلة والمتطرّفة؛ تسيير دوريات روسية تركية في المنطقة العازلة؛ فتح طريقي حلب دمشق وحلب اللاذقية، ودفعه قوات “الجبهة الوطنية للتحرير” للرد على قصف قوات النظام مدن وبلدات ريف إدلب الشرقي، ناهيك عن رفضه اقتراحاتٍ للشريك الروسي، مثل فكرة مشاركة شرطة عسكرية روسية في إنشاء المنطقة الأمنية على الحدود السورية التركية، وهي رغبة روسية مرتبطة بالصراع مع الولايات المتحدة، ومنعها من تكريس وجودها في شرق الفرات، تحت غطاء تحالف دولي، غربي بالأساس، لحماية المنطقة الأمنية، وعمله (الشريك التركي) على إنجاز تفاهم منفرد مع الإدارة الأميركية حول منطقتي منبج وشرق الفرات واتهامه موسكو بعرقلة التفاهم مع واشنطن حول شرق الفرات.

أعطت المواقف والتحرّكات السابقة انطباعاً واضحاً عن ضعف شراكة ثلاثي أستانة وهشاشتها، ما منح الإدارة الأميركية فرصاً لتجاهل الدعوات الروسية إلى الحوار حول الملفات الثنائية العالقة بينهما، من أوكرانيا إلى معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى، مروراً بجورجيا وقانون ماغنيتسكي والعقوبات الاقتصادية، والتنسيق في مواجهة الإرهاب والتفاهم على التعاطي مع الملفات الدولية الساخنة. هذا ما عكسته المواقف الأميركية أخيراً من الإبقاء على أربعمائة جندي أميركي من الوحدات الخاصة على الأراضي السورية، مائتين في قاعدة التنف على الحدود السورية العراقية الأردنية ومائتين شرق الفرات، وتجاهلها دعواتٍ روسيةً متكرّرة

لسحب القوات الأميركية من سورية، كون وجودها غير شرعي، وفق موسكو، ولدعواتها إلى إخلاء مخيم الركبان الواقع في نطاق منطقة الـ 55 كيلومترا المحدّدة لقاعدة التنف، ورفض دعوتها إلى تمكين النظام من السيطرة على منطقة شرق الفرات التي ستنسحب منها القوات الأميركية، إذ أعلن المبعوث الأميركي إلى سورية، السفير جيمس جيفري، “لن نسمح بعودة قوات الأسد إلى الأماكن التي سننسحب منها”، وإبلاغ مبعوثين أميركيين محاوريهم من الأتراك والمعارضين السوريين أن من شأن سيطرة الروس والإيرانيين والنظام على إدلب وشمال شرقي سورية أن تدفن الحل السياسي نهائياً، وتحفّظها المعلن على قيام النظام السوري وحلفائه، الروس والإيرانيين، بمهاجمة إدلب. كرّر المندوب الأميركي في الوكالة لدى الأمم المتحدة، جوناثان كوهين، الموقف نفسه يوم 26 فبراير/ شباط بقوله “إن اتفاق وقف إطلاق النار بإدلب السورية الذي توصلت إليه موسكو وأنقرة يحمل أهمية كبيرة لحماية ثلاثة ملايين مدني، وحدود حليفتنا في الناتو تركيا”.

لم يكن الإعلان الروسي عن نية تشكيل “آلية دولية” للتعاطي مع الملف السوري الموقف الوحيد الذي عبر عن انزعاج موسكو من شريكي أستانة، إذ أكدت تصريحاتٌ روسيةٌ متعدّدة عدم رضاها عن تنفيذ تركيا بنود اتفاق سوتشي بشأن إدلب، بدءاً من التصريح عن تحول إدلب إلى “تجمع للإرهابيين”، وعدم إمكانية الصبر على وجودهم إلى ما لا نهاية، وفق تصريح وزير الخارجية، سيرغي لافروف، وصولاً إلى التحذير من “التعويل على عقد صفقات مع الإرهابيين” الذي أطلقة الناطق باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، في تلميحٍ إلى محاولات تركيا التفاهم مع هيئة تحرير الشام، جبهة النصرة سابقاً، ورفض نشر قوات تركية على الحدود المشتركة مع سورية، وفق تصريح نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فيرسيشين، بالنسبة لتركيا، وتبنّي موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من مواصلة العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد الوجود الإيراني على الأراضي السورية؛ والاتفاق معه على تشكيل مجموعةٍ دوليةٍ تعمل على إخراج القوات الأجنبية من سورية، الإيرانية خصوصاً. اعتبرت صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” الروسية الاتفاق ردّا على “الزيارة غير المتفق عليها التي قام بها الرئيس السوري، بشار الأسد، إلى طهران”، ووصفتها بأنها “ضربةً حقيقية للكرملين”، خصوصاً أنه لم يلتق هناك مع الرئيس حسن روحاني فحسب، وإنما أيضاً مع المرشد الأعلى، علي خامنئي، بغياب وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، مقابل حضور اللواء قاسم سليماني، الذي وصفته بأنّه “الشخصية الأكثر نفوذًا في الحرس الثوري الإيراني”.

وربطت تقديراتٌ سياسيةٌ استياء موسكو من الزيارة بما كشفت عنه من تغيّر في أولويات إيران 

على الساحة السورية من مواجهة إسرائيل إلى محاربة الوجود الأميركي، وقد تجلى ذلك في مهاجمة خامنئي المنطقة الأمنية، والوجود الأميركي على الحدود العراقية، والدعوة إلى رفضهما ومقاومتهما بشدة، وما قد يثيره ذلك من تحولاتٍ ميدانيةٍ أقلها تخلي واشنطن عن قرار سحب قواتها من سورية، بالنسبة لإيران.

نقطة الافتراق الرئيسة بين شركاء أستانة مرتبطةٌ بمحدّدات كل منهم وطبيعة تصوراته الاستراتيجية لتأمين مصالح بلاده وحمايتها، فلكل من تركيا وإيران مصالح في جوارها الإقليمي، بما في ذلك الأرض السورية، ما جعل تصوّراتها واستراتيجيتها تركز على معطيات الإقليم وتوازناته واحتمالاته. أولوية تركيا الملف الكردي وأولوية إيران بقاء النظام السوري ورئيسه، في حين أن لروسيا استراتيجية دولية، ما يجعل حساباتها واسعة ومتعددة المداخل والمخارج، في ضوء سياسة الربط بين الملفات التي تعرفها إدارة الصراعات الدولية. وهذا يجعل خياراتها السورية تتجاوز مجرّد بقاء رأس النظام، ومحيطه العسكري والأمني إلى تحويل سورية إلى خط دفاع في وجه التحركات الغربية عامة، والأميركية خاصة. وهذا قاد إلى تعارض الحسابات والمقاربات بينها وبين شركائها في مسار أستانة، وأسس للافتراق، ولو بعد حين.

العربي الجديد

مسار أستانة واتفاق سوتشي في إدلب مستمرّان/ رانيا مصطفى

أعلنت موسكو، خلال زيارة نتنياهو للكرملين آخر شهر فبراير 2019، عن إنشاء مجموعة عمل بشأن سوريا، تضمّ إسرائيل، وتسعى لضمّ دول عربية إليها. مهّد ذلك لزيارة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى قطر والسعودية والكويت، تليها إلى الإمارات. وتمهّد هذه الزيارة بدورها إلى زيارة تاريخية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى المنطقة خلال العام الحالي.

دفعت هذه المستجدات المحللين إلى التكهن برغبة روسيا بالبحث عن بدائل لتحالف أستانة، ورغبتها بانهيار اتفاق سوتشي في إدلب، مع استمرار التصعيد العسكري للنظام السوري. لكن هذا التصعيد الذي بدأه النظام على ريف إدلب الجنوبي والجنوب الشرقي منذ بداية فبراير الماضي، توقف الجمعة بقرار روسي، بعد تنسيق جديد مع الأتراك على استكمال تطبيق بنود اتفاق سوتشي، المنعقد في 17 سبتمبر الماضي بين تركيا وروسيا، والخاص بإنشاء منطقة منزوعة السلاح في ريفي إدلب وحماة، وبعمق 15 إلى 20 كيلومترا.

إيقاف القصف بقرار روسي يعني أنه بدأ أيضا بقرار وإرادة روسيين، رغم أن هدف النظام السوري، ومن خلفه إيران، غير المشارِكة في سوتشي، هو خرق الاتفاق وخلط الأوراق في إدلب، استعدادا لعمل عسكري لاستعادتها، كونها المنطقة الوحيدة التي تسيطر عليها المعارضة المدعومة من تركيا؛ بينما كان هدف روسيا إحداث ضغوط شعبية، ومن الفصائل، على تركيا، للمفاوضة على وقف القصف، وتسيير دوريات تركية وروسية على طرفي الحدود بين النظام والمعارضة، تمهيدا لفتح الطريقين الدوليين الرئيسيين، دمشق- حلب واللاذقية- حلب، الضروريين لإعادة الحياة الاقتصادية إلى مدينة حلب.

بدأ تطبيق تنسيق جديد روسي- تركي، بتسيير دوريات تركية في نقطتي عندان والعيس، ونقطة دارة عزة في ريف حلب؛ وكل دورية هي عبارة عن سيارتين مصفّحتين برفقة سيارتين من فيلق الشام، تقوم يوميا بثلاث جولات ذهابا وإيابا بين نقاط المراقبة، ومزوّدة بأجهزة رصد لتبليغ الروس بمواقع القصف، والذين بدورهم يسيّرون طائرات استطلاع، وينشرون دورياتهم على الخط المحاذي في مناطق سيطرة النظام.

إذن، هذا ما كانت تريده روسيا من استمرار التصعيد لأكثر من شهر على جرجناز وخان شيخون ومعرة النعمان، والذي تسبب بقتل المئات من المدنيين، وتهجير أكثر من 100 ألف مدني؛ فقد يكون استكمال التنسيق الجديد بتأمين حماية تركية وبرفقة فيلق الشام المدعوم من أنقرة، استعدادا لفتح طريق حمص- حلب الدولي.

إدخال تركيا لفيلق الشام ضمن دوريات المراقبة له دلالات كبيرة، على صعيد تشكيل أمر واقع في المنطقة، على هيئة تحرير الشام قبوله، في خطوة تشكل ضغطا كبيرا وتحديا للهيئة، التي روّجت في الفترة الأخيرة لسيطرتها على كامل المنطقة، عبر حكومة الإنقاذ التابعة لها، مع صمت بقية الفصائل المعتدلة.

ومع اتضاح النوايا الأميركية شرق الفرات، بالبقاء، وبعدم رغبتها في إشراك روسيا والنظام في المنطقة الأمنية، والتنسيق مع الأتراك حولها بدلا من ذلك، تضغط روسيا لحلّ ملفّ إدلب، وهو ما بدا واضحا في تصريحات لافروف الأخيرة في الكويت، بأن “اتفاق سوتشي حول إدلب لم ينفّذ بحذافيره”؛ لذلك تريد موسكو من أنقرة الإسراع في حلّ المعضلة الجهادية.

تواجه تركيا متاعب في تنفيذ خطتها بشأن حلّ هيئة تحرير الشام، وإشراك عناصرها السورية ضمن الفصائل المعتدلة؛ فقد شهدت الهيئة انشقاقات المتشددين وانضمامهم إلى تنظيم حراس الدين؛ وهي ما زالت تفضّل التعامل مع ملفّ الجهادية بروّية، منعا لفتح تصعيد في المنطقة يتسبب في عمليات نزوح كبيرة لا تحتملها.

تتمسّك الدول الضامنة بتحالف أستانة، وكل له أسبابه المختلفة عن الآخر؛ فطهران تربط مصير بقائها في سوريا ببقاء الأسد، وتعلن بأنّ لها ديونا في سوريا، وعليه الإيفاء بها، وهي متوغلة عسكريا وسياسيا في قرارات النظام، ولن تتنازل بسهولة عمّا صرفته في سوريا لمصلحة روسيا، لذلك استدعت الأسد إلى طهران الأسبوع الماضي، في ردّ واضح لنسف إمكانية تنسيق روسي- إسرائيلي- عربي، يُخرجها من اللعبة.

وتربط أنقرة حصّتها في سوريا برعايتها للمعارضة المسلّحة في الداخل السوري، والمعارضة السياسية في تركيا؛ وبالتالي تتمسك روسيا بالحلف مع تركيا لإخضاع هذه المعارضة وقبولها بالحل الروسي، في حين أن حلّ مخاوفها الأمنية شرق الفرات مرهونٌ بالتنسيق مع واشنطن.

وتريد موسكو التفرّد بالقرار السوري؛ وهذا يوجب عليها العمل في ملفّات منفصلة: تنسيق دائم مع واشنطن، وهو ما أكده لافروف مؤخرا في الكويت، حيث تدرك موسكو أن اعتراف واشنطن بأحقيتها في السيطرة على سوريا مشروط بالتخلي عن الحليف الإيراني، وبإجراء تغيير سياسي في النظام تفرضه العقوبات الأميركية عليه، والملاحقات القضائية دوليا لأركانه، وتنسيق مع إسرائيل حول فتح الأجواء السورية لها لاستئناف قصف المواقع الإيرانية على الأراضي السورية. إلى جانب محاولة موسكو أيضا فتح ملفات التطبيع مع النظام وإعادته إلى الجامعة العربية، وملف إعادة الإعمار، وعودة اللاجئين.

لذلك خطت موسكو منذ أشهر خطوات كبيرة مع دول عربية، ما سيحدّ من النفوذين التركي والإيراني، لكن ذلك توقف بسبب فرملة الولايات المتحدة لها. وتسعى موسكو مجددا إلى عقد هذا التحالف، بسبب حاجتها إلى الأموال الخليجية، إضافة إلى الأوروبية، وربما الصينية، من أجل المضي في مشاريع إعادة الإعمار، وحصد غنائم احتلالها لسوريا، وهو الهدف الأساسي لتدخلها العسكري في خريف 2015.

وخارج سوريا، ترتبط الدول الضامنة بعلاقات تجارية هامّة، تزيد من فرص استمرار تحالفها في سوريا؛ فأنقرة لم تلتزم بعقوبات البيت الأبيض على طهران، بسبب حاجتها إلى النفط والغاز، وتسعى إلى رفع حجم التجارة بينهما إلى 30 مليار دولار، حيث يلوح التكامل في اقتصادي البلدين.

في حين أن الميزان التجاري بين موسكو وأنقرة حقق فائضا لصالح روسيا في 2017 بقيمة 16.8 مليار دولار، كما أن 50 بالمئة من واردات الطاقة التركية تأتي من روسيا، ووصل عدد السياح الروس إلى تركيا 3.5 مليون شخص عام 2017؛ وهناك مشاريع قيد الإنشاء في تركيا، كخط الغاز الطبيعي (السيل التركي)، ومحطة (أقويو) للطاقة النووية، وصفقة شراء منظومة صواريخ أس- 400 الروسية، رغم معارضة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي لها.

كاتبة سورية

العرب

مفارقات المصالح في شرق الفرات/ حسين عبد العزيز

يُشير تأخر التوصل إلى اتفاقٍ بشأن منطقة شرق الفرات في سورية إلى تعقيدات المصالح المحلية والإقليمية والدولية، فقد بيّنت الأسابيع الماضية أن مسألة ملء الفراغ الأميركي غاية في الصعوبة، بسبب التداخلات والتخارجات في مصالح جميع الأطراف، وبينت أيضا صعوبة الملف السوري، واستحالة حصره بجهة من الجهات.

بين أنقرة وموسكو تقاطعات مشتركة في المنطقة، لكن بينهما خلافات كبيرة، وبين أنقرة ـ واشنطن تقاطعات قليلة، ولكن بينهما خلافات كبيرة جدا، فيما تبدو موسكو وواشنطن على طرفي نقيض، ولا تجمعهما سوى الرغبة الواحدة في منع تركيا من التغوّل عميقا في الأراضي السورية شرقي الفرات، بما ينعكس سلبا على الحضور الكردي، وهو الموقف الأميركي، وينعكس سلبا على النظام السوري، وهو الموقف الروسي.

وجدت روسيا في إمكانية تطبيق المنطقة الآمنة فرصةً لها لتحصيل تنازلاتٍ من تركيا، إما على المستوى السياسي عبر تنفيذ اتفاق أضنة من بوابة النظام، مع ما يعنيه ذلك من تواصلٍ سياسي بين أنقرة ودمشق، واعتراف من الأولى بالثانية، أو على المستوى العسكري بتقديم تركيا تنازلاتٍ في منطقة إدلب. وإلى الآن، يبدو صناع القرار في أنقرة قد نجحوا في تجنب كلا السيناريوهين، فلا تنسيق سياسيا مع النظام، وإنْ كان يمكن القبول بتنسيق أمني، ولا معركة عسكرية في إدلب قبيل الانتهاء من مصير شرق الفرات.

بين هذه المواقف المتشابكة، تلتقي أنقرة مع دمشق، وهذه إحدى مفارقات الجيواستراتيجيا، فكلاهما يريدان القضاء على الحلم الكردي، وتدمير القوة العسكرية الكردية أو إضعافها، كل على طريقته: بالنسبة لتركيا، لا يكون ذلك إلا بمنطقةٍ آمنةٍ تمتد إلى عشرات الكيلومترات في عمق الأراضي السورية، وأن تكون هذه المنطقة تحت إشرافها. وبالنسبة للنظام، لا يكون ذلك إلا بانصياع الوحدات الكردية لمطالب دمشق، وتسليمها كل الأراضي التي تسيطر عليها، على أن يتم لاحقا مناقشة مسألتي اللامركزية ومصير القوات العسكرية الكردية.

لا تبدو موسكو منخرطة في هذا السياق كثيرا، فهي، وإن كانت ترغب بإضعاف الدور 

الكردي، إلا أنها تفضل إبقاء نوع من الحضورين، العسكري والسياسي، لهم، لما يمثله حزب الاتحاد الديمقراطي من حالةٍ وسط بين النظام السوري والمعارضة، ولهذا تعارض روسيا الموقف التركي علنا، وتعارض موقف النظام سرا.

وعند هذه النقطة، يظهر التباين بين روسيا والنظام السوري، حيث لا ترغب الأولى في تدمير مشروع الإدارة الذاتية، كونه يفيدها في تطبيق رؤيتها مستقبلا حول اللامركزية.. هنا يتقاطع الموقفان، الروسي والأميركي، مرة أخرى.

وقد كشف الموقف الأميركي الجديد بترك مئات من الجنود الأميركيين في سورية، وجود قرار في المؤسسات الأميركية الحاكمة بمنع أية محاولة للقضاء على الحضور الكردي ومشروعهم.

وإذا كان التراجع في الموقف الأميركي قد انعكس إيجابا على الوحدات الكردية، فإنه انعكس سلبا على أنقرة وموسكو، حيث تفيد معطيات تطورات المواقف خلال الشهرين الماضيين بأن ما يفرّق بين الولايات المتحدة وتركيا أكبر بكثير مما يجمعهما، وهكذا تجد الأخيرة نفسها مرة أخرى في موقفٍ صعب، فلا هي قادرةٌ على الوصول إلى تفاهمٍ مع الغرب، ولا هي قادرةٌ على تحصيل تنازلاتٍ من الشرق.

مرة أخرى، تستغل موسكو هذه المتغيرات في الموقف الأميركي، فتعلن عن رغبتها بالمشاركة في نشر شرطة عسكرية في المنطقة الآمنة المزمع إقامتها. ويشكل هذا الموقف محاولةً لقطع الطريق على المخططات الأميركية في إنشاء تحالف دولي على الأرض السورية، خوفا من شرعنة هذا الوجود العسكري، نتيجة توافق اللاعبين الكبار في الغرب.

ويبدو توقيت الموقف الروسي الجديد ذا مغزى، فهو جاء غداة إعلان الولايات المتحدة الإبقاء على جزءٍ من قواتها ضمن تشكيلةٍ عسكريةٍ تضم دولا أخرى.

قلب المتغير الأميركي حاجة الطرفين، الروسي التركي، إلى بعضهما بعضا، فبعدما كانت تركيا تتوسل تنازلاتٍ من روسيا، تبدو روسيا اليوم بعد التراجع الأميركي بحاجةٍ إلى أنقرة، للإسراع في إيجاد موطئ قدم لها في المنطقة، ولا يتم ذلك إلا عبر اتفاق أضنة، وهو ما قاله وزير الخارجية الروسي، لافروف، إن بلاده تجري مشاورات مع أنقرة ودمشق حيال هذه النقطة. بعبارة أخرى، الحضور الروسي في شرق الفرات إذا تم سيكون عبر بوابة أنقرة ـ دمشق، وليس عبر البوابة الأميركية ـ الغربية.

لا تفضل واشنطن وجودا روسيا في شرق الفرات، فمن شأن ذلك أن يمنح الروس دورا في منطقة أميركية صرفة، ويجعل منهم لاعبا إلى جانب الأميركيين الذين يفضّلون حصر الخيار الكردي في الولايات المتحدة فقط، وهو أمرٌ يتطلب من واشنطن إعادة ترتيب البيت الكردي الداخلي، والانفتاح أكثر نحو شركائهم الأكراد في المعارضة السورية.

العربي الجديد

حصان طروادة” الروسي/ بسام مقداد

بعد النقاش الواسع ، الذي أثاره مساعد الرئيس الروسي فلاديسلاف سوركوف أواسط الشهر المنصرم، حول “دولة بوتين “الأبدية” واستعصاء الشعب الروسي “العميق” على الفهم والدراسة، فجر رئيس الأركان الروسية فاليري غيراسيموف، السبت المنصرم في 2 من الشهر الجاري ، نقاشاً متصلاً بأمن “دولة بوتين” هذه ، وعلاقتها بالشعب “العميق”هذا وحركات احتجاجه المحتملة . تحدث غيراسيموف في الإجتماع السنوي لأكاديمية العلوم الروسية حول الإستراتيجية الجديدة لخوض الحروب، التي يعدها البنتاغون تحت اسم “حصان طروادة”، والرد الروسي عليها . وكان البنتاغون قد أعلن أواخر الشهر المنصرم عن المباشرة بوضع استراتيجية جديدة لحوض العمليات الحربية ، تقوم على استخدام كافة الإمكانيات العسكرية المتاحة للتغلغل الخفي في عمق أراضي العدو، وتوجيه ضربات دقيقة إلى المواقع الضعيفة لديه ، وتلعب فيها المقاتلات F-35 دور المنسق في الهجوم .

وعلى الرغم من أن الإعلام الرسمي الروسي قد نقل في حينه ما أعلنه البنتاغون عن استراتيجيته هذه، إلا أن ما تحدث عنه غيراسيموف وبنى عليه لعرض الإستراتيجية الروسية المضادة ، كان مختلفاً كلياً. فقد كتب ألكسندر غولتس، رئيس تحرير موقع “المجلة اليومية” الروسي المعارض في 4 الشهر الجاري يقول أن غيراسيموف صور الإستراتيجية الأميركية الجديدة “حصان طروادة”، بأنها ليست أكثر من الإستخدام الفعال للطاقة الإحتجاجية “للطابور الخامس”، وتنظيم “ثورة ملونة” (هكذا يسمي الروس ثورات “الربيع العربي”) تترافق مع توجيه ضربات بالأسلحة الدقيقة إلى الأهداف المهمة. ويقول بأن كلام غيراسيموف لا يمت إلى الواقع إلا بصورة مواربة، إذا ما قارناه بما جاء على لسان رئيس أركان سلاح الجو الأميركي الجنرال ديفيد غولدفاين، الذي أعلن أواخر الشهر المنصرم عن مباشرة البنتاغون في وضع استراتيجية “حصان طروادة” لخوض العمليات الحربية ضد الأعداء المفترضين. ويقول بأن الجنرال الأميركي لم يأت على ذكر استخدام ” الطاقة الإحتجاجية” لأي طابور خامس، وهو يتحدث عن ما يخطط له الإستراتيجيون الأميركيون من التغلغل الخفي للقوات الأميركية من البر والجو والبحر في وقت واحد . وما ظهور المقاتلات F-35 قرب حدود العدو المفترض، سوى إنذار له، بان القوات الجوية والبحرية والبرية الأميركية قد أصبحت داخل أراضيه . 

وينقل غولتس عن غيراسيموف قوله ، بأن روسيا مستعدة لصد أي من مثل هذه الإستراتيجيات ، وأن العلماء العسكريين الروس قد بلوروا مع الأركان العامة ، خلال السنوات الأخيرة، مقاربات مبدئية لصد أية عمليات عدوانية للأعداء المفترضين. وتقوم هذه المقاربات على أساس “استراتيجية الدفاع النشيط” ، التي تفترض اتخاذ جملة تدابير لتعطيل المخاطر المحدقة بأمن الدولة .

ويؤكد الإعلامي المذكور، أن العسكريين الروس يجهدون في السنوات العشر الأخيرة لحل مشكلة مستعصية مبدئياً ، تتمثل في “شرعنة” إمكانية استخدام القوات المسلحة ضد شعبها . ويقول بأن رئيس أكاديمية العلوم العسكرية محمود غارييف “المعروف بقدرته الفريدة على تلمس اتجاهات الريح”، أخذ يتحدث فجأة في أواسط الأعوام 2000 عن ضرورة العثور على رد عسكري على التهديدات غير العسكرية . وقد تطورت هذه الموضوعة بعد “ميدان” كييف واجتياح القرم وبداية الحرب السرية في الدونباس .

ويقول بأن رهاب الكرملين الرئيسي، المتمثل بالخوف مما يسمى “الثورات الملونة” ، كان محكوماً بأن يتخذ بعداً عسكرياً. ويعتبر القادة الروس، أن اية محاولة من قبل الشعوب للتخلص من الحكام المتسلطين ، هي نتيجة مؤامرات حاكتها أجهزة المخابرات الغربية. وينقل عن وزير الدفاع سيرغي شويغو قوله في العام 2014 ، بأن “الثورات الملونة” تتخذ ، أكثر فأكثر، شكل الصراع المسلح ، ويتم تطويرها وفق معايير الفنون العسكرية ، وتستخدم في ذلك كافة الأدوات المتوفرة .

ويؤكد غولتس، أن محاولة إعلان الثورات الشعبية شكلاً جديداً للعمليات العسكرية ، تتضمنها النسخة الأخيرة من العقيدة العسكرية الروسية، التي وقعها الرئيس بوتين في العام 2014 . فقد ورد في باب “المخاطر العسكرية الداخلية الأساسية “، أن من بين هذه المخاطر “العمل على التأثير الإعلامي على السكان، وعلى المواطنين الشباب، بالدرجة الأولى، والذي يستهدف تقويض التقاليد التاريخية والروحية والوطنية في مجال الدفاع عن الوطن”. ويقول واضعو الوثيقة ، أن الصراعات العسكرية المعاصرة تتسم “بالإستخدام المتكامل للقوة العسكرية والتدابير السياسية والإقتصادية والإعلامية ، وسواها من الإجراءات ذات الطابع غير العسكري، والتي تترافق مع الإستخدام الواسع لطاقة السكان الإحتجاجية وقوات العمليات الخاصة”. ويلفت الرجل إلى أن الوثيقة تساوي بحديثها هذا بين احتجاج السكان على أمر ما يعترضون عليه، وبين عمليات القوات الخاصة التخريبية التابعة لدولة معادية .

ويقول غولتس أن الكرملين، وقبل عام تقريباً من الأزمة الأوكرانية، اعتمد ما يسمى “عقيدة غيراسيموف”، التي تقول بأن حروب الجيل الجديد، التي يخوضها الغرب في القرن الحادي والعشرين ، تتسم بالتوجه نحو” محو الحدود بين حال السلم وحال الحرب. فالحروب لم تعد تُعلن، وهي إذ تندلع، لا تسير وفق القوالب المعهودة ، وتزايد فيها دور الوسائل غير العسكرية في بلوغ الأهداف السياسية والإستراتيجية ، والتي تخطت بفعاليتها قوة السلاح في عدد من الحالات .

وإذ يؤكد الكاتب أن تطبيق “عقيدة غيراسيموف” قد أدى إلى عزلة الكرملين دولياً، يقول بأن الأركان العامة تعود مجدداً لاعتماد لمحاولة التوفيق بين الطرق “العسكرية” و”غير العسكرية” في بلورة مخططات عملانية لاستخدام القوات المسلحة ضد الشعب في شوارع المدن الروسية، مبررة ذلك بما تفبركه عن استراتيجية “حصان طروادة” غير الموجودة لدى الأميركيين.

اللافت أن بعض المواقع الإعلامية الروسية، التي تقول باستقلاليتها عن الكرملين ، لم تشكك مطلقاً بوجود الإستراتيجية الأميركية “حصان طروادة” هذه على النحو، الذي قدمه بها قائد الأركان الروسية فاليري غيراسيموف، وانطلقت في الحديث عن مخاطر هذه الإستراتيجية على روسيا. فقد كتبت صحيفة القوميين الروس “SP” مقالة بعنوان :”عملية “حصان طروادة” : الولايات المتحدة خططت كيف تسحق روسيا نهائيا”ً . وتقول بأنه لا يرقى أي شك بوجود مثل هذه الإستراتيجية، طالما تحدث عن وجودها كل من رئيس الأركان الروسية ونائب وزير الدفاع الجنرال فاليري غيراسيموف ورئيس أركان القوات الجوية الأميركية الجنرال ديفيد غولدفاين. وتقول أن هذه الإستراتيجية موجهة ضد روسيا والصين، وتفترض، إلى جانب التدخل العسكري باستخدام الأسلحة عالية الدقة، تدمير البلد من الداخل عن طريق حركات الإحتجاج. وتشير إلى أن الإستراتيجية الأميركية هذه قد نجحت في إسقاط الإتحاد السوفياتي بإغراقه بالتناقضات الداخلية، وهي مسؤولة عن ما حدث في يوغوسلافيا وليبيا والعراق واوكرانيا .

ومن جانبها، كتبت صحيفة “NG”، التي تقول بانها مستقلة، بأن الولايات المتحدة تطلق استراتيجية”حصان طروادة” في الشرق الأوسط. وتقول بأن الإستعداد لسحب القوات الأميركية من سوريا ، لا يحول دون انتهاج الولايات المتحدة سياسة متشددة هناك موجهة ضد خطط المساعدات الإنسانية لكل من دمشق وموسكو. وتقول بأن مثل هذه السياسة المتشددة للولايات المتحدة تنسجم كلياً مع استراتيجية “حصان طروادة” ، التي يعدها البنتاغون لخوض العمليات الحربية .

يبدو من الواضح، أن تقديم رئيس الأركان الروسية لاستراتيجية البنتاغون في خوض العمليات الحربية ضد الأعداء المفترضين ، بانها “حصان طروادة” يستخدم احتجاجات سكان البلدان المعنية لتدمير هذه البلدان من الداخل، لس إلا تغطية لوجود “حصان طروادة روسي” حقيقي يبرر استخدام الجيوش في قمع احتجاجات شعوبها.

المدن

ماذا يريد لافروف من جولته الخليجية؟/ حسن النيفي

تزامناً مع الجولة الخليجية التي قام بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ،في الفترة الواقعة ما بين 3 – 7 من آذار الجاري، وتشمل كلاً من قطر والإمارات والكويت والسعودية، ترتفع من جديد نبرة الحديث عن عودة علاقات بعض الدول العربية مع نظام الأسد، علماً أنّ ثمة مبادرات حقيقية قد حصلت بهذا الخصوص، ولعل أبرزها قرار دولة الإمارات بإعادة فتح سفارتها في دمشق، وإعلان الكويت – حينذاك – عن نيتها القيام بخطوة مماثلة، بل ربما كانت الخطوة الأهم بهذا الخصوص، هي قمة وزراء خارجية الإمارات والسعودية والبحرين والكويت بالإضافة إلى مصر والأردن، على شاطئ البحر الميت، في نهاية كانون ثاني من العام الجاري، إذ كان العنوان الأبرز لتلك القمة هو إعادة تفعيل عودة نظام الأسد إلى الجامعة العربية، بذريعة انتزاع بشار الأسد من أحضان إيران، فضلاً عن إمكانية تشكيل لوبي من الدول المشاركة في تلك القمة، قادر على التدخل الفعلي في الشأن السوري، بذريعة الوقوف أمام التوغل التركي في الأرض السورية وتهديده للكرد المنضوين تحت مظلة حزب الاتحاد الديمقراطي pyd.

ولعل اللافت للانتباه أن ردّة فعل نظام دمشق لم تكن بتلك اللهفة التي كان يتوقعها المبادرون للعودة إليه، ولعل الجواب الأنصع لمجمل هذه المبادرات، هي الزيارة التي قام بها رأس النظام إلى إيران بتاريخ 25 من شباط الماضي، وبغض النظر عمّا تحمله تلك الزيارة من دلالات، إلّا أنها حملت في طياتها جواباً واضحاً مؤداه: واهمٌ كل من يسعى إلى انتزاعي من أحضان إيران، فهي الملاذ الأهم بالنسبة إليّ، ولا نعتقد أن طبيعة تعاطي نظام الأسد مع دول الخليج وإيران بجديدة، إذ سبق وقدّم القادة الخليجيون كافة أشكال الدعم لحافظ الأسد طيلة أعوام الحرب العراقية الإيرانية 1980 – 1988 ، على الرغم من وقوف الأسد إلى جانب إيران عسكرياً وسياسياً، وذلك بذريعة الحيلولة دون تهافت حافظ الأسد – آنذاك – بأحضان إيران.

إلّا أن واقع الحال يؤكد عدم فلاح جميع المحاولات الرامية إلى دمج بشار الأسد في محيطه العربي من جديد، لا لسبب، سوى للفيتو الأمريكي الذي تجسّد برسالة واضحة إلى الخارجية المصرية، يطلب منها وقف المحاولات والمساعي العربية الرامية لإعادة بشار الأسد للجامعة العربية، بالإضافة إلى رسالة تحذيرية أخرى إلى قوات سوريا الديمقراطية، تهدد من خلالها واشنطن بقطع الدعم عن حلفائها في قسد، إنْ هم توصلوا إلى اتفاق ما مع حكومة النظام، ولعله من نافل القول أن تشديد الحصار الأمريكي إنما يستهدف الروس قبل نظام الأسد، وذلك في سياق استمرار الضغط على روسيا، التي بدأت – هي الأخرى – أمام أكثر من مأزق في سوريا، ولعل أهم تلك المآزق انحسار السبل أمام رغبتها في استثمار ما أنجزته عسكرياً، وأعني إيجاد حل سياسي وفقاً لما هندسه الروس في سوتشي، وما يزيد المأزق الروسي تعقيداً هو تعثر التفاهمات بين الأطراف الثلاثة الراعية لأستانا، وبتعبير أدق، فشل التفاهمات الروسية التركية بخصوص إدلب، واستمرار الرفض التركي لاجتياح قوات النظام وحلفائه لمدينة إدلب، إضافة إلى تهديد وجهته أنقرة إلى شريكيها – روسيا وإيران – يقضي بالتنصل الكامل من تفاهمات أستانا إن تم اجتياح إدلب، ما يعني من الناحية العملية، إعاقة الوصول إلى حل سياسي وفقاً لما يريده بوتين.

ما هو مؤكد أن روسيا لن تستسلم في سوريا، لا لخصمها الأمريكي، ولا لفشل تفاهماتها الراهنة مع شريكها التركي، بل سوف تحاول استثمار جميع علاقاتها التقليدية مع الدول الإقليمية، وإن اقتضى الأمر، فلا بأس لديها من العمل على إعادة إنشاء وتفعيل علاقات جديدة، من شأنها أن تقوي مسعاها الرامي إلى الحفاظ على منجزها العسكري والسياسي في سوريا، وعدم إعطاء الفرصة للجانب الأمريكي لاستغلال أي استرخاء يخيّم على مسار أستانا.

يتمحور الجهد الروسي الراهن إلى توفير أسباب تماسك نظام الأسد، وتمكينه من القدرة على الصمود، عبر ثلاثة مسارات متوازية، الأول: دفع نظام الأسد نحو مزيد من التصعيد العسكري تجاه إدلب، كما هو حاصل الآن من استهداف شديد لريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي، مجسّداً رسالة واضحة الدلالة إلى أنقرة، مؤكدةً إصرار الروس على اجتياح إدلب، وإن كان ذلك بالتدريج، أما الثاني فيتجه نحو القبول بزيادة التنسيق مع إسرائيل، والعمل معها لإخراج ميليشيات إيران من سوريا، شريطة مشاركة نظام الأسد في هذه العملية، علماً أن إسرائيل قد رحّبت بهذا المقترح الروسي. والثالث يتجه نحو دول الخليج لإقناعها بالالتفاف حول نظام الأسد، وتعزيز الوهم القائم في أذهانها بأن السبيل الأمثل لإبعاد الأسد عن إيران هو إعادة احتوائه، ولعل هذا المسعى يفسّر – أيضاً – رغبة الروس بإيجاد أنصار عرب لسياسة بوتين في سوريا تكون بديلاً عن الشريك التركي، إن لم نقل: إلتفافاً على الموقف التركي الرافض للحرب على إدلب. ولا بأس – في هذا السياق – من التواصل مع هيئة التفاوض السورية، وحثها على الانخراط في مسار تفاوضي مع النظام بعيداً عن جنيف وأستانا معاً.

حتى الآن، لا يمكن الجزم أو التكهّن بمردودية الجولة الخليجية لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ولكن ما يمكن الركون إليه أن حكومة بوتين لم تعد تخفي أنها تسعى لتضع نظام الأسد من جديد، في ذمة إسرائيل ودول الخليج، فهل تنجح في تعويمه لفترة زمنية أخرى؟.

تلفزيون سوريا

المرحلة القادمة من المنافسة الروسية الإيرانية في سوريا/ سنديكيشن بيورو – نيل هاور

ماذا يمكن أن نتوقّع بالنسبة للمرحلة القادمة في سوريا؟، يمكن لنا النظر إلى روسيا وإيران وهما على أعتاب الدخول في معركة كل ضد الطرف الآخر، وقد تميّزت الأعوام السابقة من الصراع بأن كل عام كان له موضوع مختلف، بدءًا من العام 2014 وظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وحتى العام الماضي حيث اندلعت صراعات بين الدول، وخلال تلك الأعوم كانت هناك سلسلة من التغيُرات التي أصابت أقدار ومصائر أبطال الرواية، وإذا ما نظرنا إلى الأمام؛ فإن هذا العام ربما يشهد صراعًا بين العناصر الرئيسية المكونة للتحالف الموالي للحكومة السورية، وبدأت كل من موسكو وطهران في تأليب الفصائل الموالية لكل طرف ضد الطرف الأخر، تلك الفصائل التي ظهرت بعد تفكك القوات السورية.

وخلال الأسابيع الماضية من العام الحالي؛ كانت هناك تقارير عن صراعات مفتوحة بين الوحدات الموالية للنظام السوري، وأن تلك المعارك اندلعت في مناطق تسيطر عليها الحكومة السورية بشكل تام، وفي منتصف يناير وضح أن هناك نزاعات مسلحة اندلعت بين الوحدات الموالية لكل من روسيا وإيران في محافظة حماة، وأن المعركة التي جرت في التاسع عشر من يناير اشتركت فيها أسلحة ثقيلة، بما فيها الدبابات والمدفعية، ويقال أن تلك المواجهات أسفرت عن مقتل أكثر من 200 مقاتل، وادّعت صحيفة “نوفايا جازيتا” الروسية المحسوبة على المعارضة أن تلك المواجهات تطورت فيما بعد، واشتركت فيها وحدات روسية وإيرانية في مواجهات عسكرية مباشرة ضد بعضها البعض، حيث تسعى الوحدات الإيرانية للدفاع عن موقعين استراتيجيين يحيطان بإقليم إدلب الذي يسيطر عليه الثوار، وهناك صحيفة “كوميرسانت” الروسية اليومية، التي أشارت في تقرير لها إلى أن القوات الموالية لإيران رفضت عودة المدنيين السُنّة إلى ديارهم، وأن تلك الوحدات الإيرانية دخلت في مواجهات مسلحة مع وحدات مدعومة من روسيا حول مزرعة كان عناصر الوحدات الإيرانية يريدون الاحتفاظ بها لأنفسهم.

وقد اتضح أن تلك المواجهات كانت بمثابة معركة من أجل احتلال مركز الصدارة بين فصائل مختلفة تابعة للجيش السوري، وهناك رجُل روسيا المفضل “سهيل الحسن”، الذي بات ذائع الصيت منذ العام 2013، ووصل إلى مرتبة أعلى منذ التدخُل العسكري الروسي في الأزمة السورية في أواخر العام 2015، ومن حينها تم دمج “قوات النمر” – التي تعُد الوحدة الخاصة لسهيل الحسن – داخل الفيلق الخامس، وهي الوحدة التي قامت روسيا بتدريبها لتصبح من أكثر الوحدات العسكرية تماسُكًا على الأراضي السورية.

وفي ذات الوقت فقد اختارت إيران دعم الفرقة الرابعة المدرعة التي يقودها “ماهر الأسد”، شقيق الرئيس بشار الأسد.

وقد بات لكل طرف مجموعة من القوات الموالية له على الأراضي السورية: فهناك موسكو التي لديها قوات الشرطة العسكرية والوحدة التابعة لمنظمة “فاغنر”، وهي منظمة شبه عسكرية تضم عناصر من المرتزقة، وهناك إيران التي تمتلك مجموعة ضخمة من المقاتلين الشيعة الأجانب على الأراضي السورية.

وقد قام نائب وزير الخارجية الروسي “سيرغي ريابكوف” بإثارة ضجة في الخامس والعشرين من يناير، خلال كلمة قصيرة له أعقبت التقارير الصادرة حول تلك المواجهات المسلحة، قام خلالها بتوضيح مسألة التحالف الروسي الإيراني قائلًا: “نحن نعمل سويًا فحسب”.

وعلى الرغم من عدم التأكيد على تلك الحقيقة بشكل صريح، فطالما تباينت الأهداف والأساليب الخاصة بكل من موسكو وطهران على الأراضي السورية، فبينما تريد إيران تغيير الأساس الديموجرافي في المناطق الرئيسية (وهناك أقاويل أن ذلك هو سبب اندلاع مواجهات يناير)، فايران تسعى إلى زرع مختلف الميليشيات التي تحارب عنها بالوكالة داخل هيكل الدولة السورية التي تشهد إعادة تشكيل من جديد، على غرار قوات “الحشد الشعبي” الموجودة في دولة العراق المجاورة، وفوق كل ذلك فإن طهران تريد أن تجعل من سوريا مركزًا للعمليات خلال المواجهة القادمة بين إيران وإسرائيل.

لكن روسيا لا تريد شيئًا مما سبق، والهدف الأساسي لموسكو يتمثّل في الوصول لإنهاء الصراع عبر التفاوض على تقسيم منطقة إدلب التي يسيطر عليها الثوار (بما فيها القضاء على الجماعات المتطرفة مثل هيئة تحرير الشام HTS) وذلك بالتنسيق مع تركيا، كما تهدف موسكو إلى منع اندلاع مواجهة تركية – كردية على نطاق واسع.

وليست هناك مصلحة للكرملين في اندلاع حرب جديدة مُدمِرّة بين تحالف تقوده إيران وبين إسرائيل، وهي المواجهة التي لن تستطيع موسكو السيطرة عليها حال اندلاعها، وتلك النقطة الأخيرة أصبحت مثارًا للخلاف بشكل خاص، حيث قام مؤخرًا مسئول إيراني رفيع المستوى بوزارة الدفاع باتهام روسيا بالتنسيق مع تل أبيب من أجل السماح لسلاح الجو الإسرائيلي بضرب أهداف إيرانية على الأراضي السورية.

والواقع أن التقارير الأخيرة حول التوتر بين روسيا وإيران على الأراضي السورية لا تعُد الأولى من نوعها، وعلى أي حال، فخلال الأزمة التي أثيرت حول صحة بشار الأسد خلال العام2017؛ سرت إشاعات بأن قوات الشرطة العسكرية الروسية والميليشيات الإيرانية قامت باحتلال مواقع استراتيجية في العاصمة دمشق، تحسُبًا لظهور خليفة بشكل مفاجئ للرئيس السوري بشار الأسد.

وطالما كانت موسكو لا تشعر بالوئام مع أفراد عائلة الأسد، وكذا فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن لم يكن معجبًا ببشار الأسد، ويراه مسئولًا عن سوء الإدارة التي تم التعامل بها مع الثورة السورية، التي كادت أن تطيح بالأسد من سدة الحكم، وخلال زيارة سابقة للأراضي السورية، قام وزير الدفاع الروسي”سيرغي  شويغو” باستدعاء الرئيس السوري للقائه، وكانت تلك إشارة هامة لمن بيديه مقاليد الحكم، وهناك واقعة أخرى لا تُنسى؛ فخلال الزيارة التي قام بها “بوتن” للأراضي السورية في ديسمبر من العام 2017؛ تم منع بشار الأسد من السير بجوار الرئيس الروسي، حيث قام مسئول روسي بحجز الأسد بيديه حتى يمر فلاديمير بوتن.

والآن فقد بات واضحًا أن إيران تريد الخروج من التحالف الثلاثي مع روسيا وتركيا، وعبر رعاية الدول الثلاث للمفاوضات في الآستانة ومنتجع سوتشي، بات جليًا أن تلك الدول تتحكم في عقد الصفقات حول المسألة السورية، واللقاءات لا زالت مستمرة بين قادة الدول الثلاث، لكن لم يتم النظر إلى طهران فيما يخُص مصير “إدلب”، كما هو الحال بالنسبة لمنطقة “منبج”، وهي المنطقة التي تسعى أنقرة إلى طرد “وحدات حماية الشعب” الكردية منها، وكلا السيناريوهين تمت مناقشتهما بشكل علني وشبه حصري بين كل من موسكو وأنقرة، وللأمانة، طالما قامت طهران بلعب دور غير ظاهر في النشاط الدبلوماسي حول المسألة السورية، وتُفضِل طهران بدلًا من ذلك التحكم في الأحداث بشكل مباشر على الأرض، لكن من الواضح أن طهران سوف تصطدم مع روسيا على الأراضي السورية في هذا الإطار.

وخلال النصف الأول من الشهر الحالي، حاولت كل من موسكو وطهران التغطية على تلك الخلافات، وأصدرت وزارة الخارجية الروسية بيانًا يشيد ب”التعاون الفعال بين روسيا وإيران من أجل استعادة وحدة الأراضي السورية”.

لكن تلك التصريحات العامة يمكن لها فقط أن تقوم بالتغطية بشكل كبير على الخلافات بين الطرفين، بينما دوافع ذلك التعاون تقل بشكل ملحوظ، والواقع أن العلاقة بين الفرقة الرابعة المدرعة والفيلق الخامس، وتحركات تلك القوات في وسط سوريا؛ سوف يكشف عن الكثير فيما يخُص العلاقة بين موسكو وطهران خلال الشهور المقبلة.

للاطلاع على المادة من المصدر اضغط هنا

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.