شعر

مختارات للشاعرة التونسية منى الرزقي

كم غابة أحرق الفتى

إلى من قال لي: العالم غابة

(مقاطع)

أعدو في منامي محفوفة بأطياف نزقة

وكقاطرة مكشوفة تفتح جوانحها للرّيح

أفتح لِلَيْل الكوابيس خرائب روحي

أصحو مهشمة كوعاء زُؤَان مكسور فيما يقف أهلي

كسَحَرَة معبد آمون عاجزين عن تأويل ظلال منامي

السّرير -كما دوما- جوار النافذة،

شجرة الخوخ في فناء البيت لكن البيت تَسَلَّمَهُ الغرباء

لم أجد صوتا لأوصيهم بأشيائي الصّغيرة خيرا

كأن لا يكسروا الأصيص الذي زرعت فيه صدى ضحكتك في الشّتاء الأخير

***

صرت أشتاق ذاك السّرير الذي لم تَره

وتلك الوسادة التي لم تُرح فوق منامها رأسك

وذاك الغطاء الذي لم تَدُسَّ في أنحائه تعبك..

بت أرى العالم فرنا ساخنا وأنا فيه

صرت أبحث عن لئام يكيدون لي هربا من أحبّة يشفقون عليّ

الشفقة أثقل من أن تحتمل

أنا ومعي اللاَّشَيْء في اللَّامكان،

أقول للحظّ ما قاله المسيح ليهوذا “تَخَلَّف عني يا شيطان، إنّ عرشي يفوق بصيرتك”.

عرش الشّاعر خيالاته وأوجاعه، المجد لا يصنعه الحظّ إنّما تصنعه الحرائق

أدركت هذا وأنا أرقبك من بعيد فيما كنت منشغلا بإشعال نار هائلة في الفناء الخلفي من غابات خيالاتك.

(…)

إليك إذن تأويل ظلال منامي

أنا من يجدر بالرب أن يرمّم خرابها بأحجار شعركَ

يجدر به أن يوفر بنائين يحملون جلاميد الصخر من قيعان قلبكَ ووديان صوتكَ

ليبنوا بها خراب صوتي وأطلال قلبي

سلام عليك وقد خانك الوقت مثلي

لا بيت لا حظ لا صحب لا لحظة ناعسة

تزوّجت في الهاتف الخلويّ مرارا

فأنجبت حلمين هَدَّهما التعب.

لماذا نكتب ؟

المجدُ للأصابِعِ قُلْتُ

قَالَ و للفُؤُوسِ أَيْضًا

لماذا نكتب؟

ذلك هو السؤال الأشد تعقيدا

مُدَرِّبُ الرّقص الذي تجاوزَ صفّا كاملا من الحسناوات

ليقول لي بحركة يده الغامضة

هل ترقصين؟

قدَّمَ لي إجابة قد تكون هي الأكثر دقـَّة ً

في وضع شاعرة لا تجيد الرّقص

ُ أنا إذن أكتُبُ لأرقُصَ بالكلمات تعويضا عن خسارتي

ما تنفك ربــّة الإلهام تقول لي أكتبي

فإنّ منزلتكِ عندَ آخِرِ نصّ تكتبينه

و ما أنفك أقول لها

يا سيدتي أنتِ تنفخين ريشًا لا يعلق بي .

إنَّ الكتابةَ دائِمًا ما تُعطي شكلًا مِن النِّظَام لفوضَى

الحيَاةِ و الذَّاكرة..

هذا ما انتهت إليه إيزابيل اللِّنْدي لكنَّني أرى العكسَ تماما

إنـّها غالبا ما تعطي شكْلاً من الفوضى لنظام الحياة و الذاكرة

هي لا تسيرُ دائِمّا على نحوٍ جيِّدٍ

يأخُذ شبحُها في التَّلاشي

عندما تتوقف الحياة بمكرٍ مُعلَنٍ

ٍ عن تسديد الطعنات لقلبك و رئتيك

لذلك بدا لي الأمرُ مع الزمن أكثر عمقا

من مُجرّد التعويض عن الخسارة

في الحقيقة أنا لم أعثر بعد على شيء أكثر إثارة من الكتابة

إنّها قادرة على قيادتك إلى منعرجات لم يَأْلفها خيالك

و عليه فأنا أسافر كل يوم عبر حقول السُّكَّر المهجورةِ

في قرية “باتي مونتي” و أصارع في الطريق وحوشا ضارية

و الغريب أنني أعود سالمة إلى البيت كل مساء

يدي مشدودة إلى خصري و جيوبي مليئَة باليراعات المُضيئة .

اليراعات أكثر تعبيرا -عن علاقتي الشائكة بالضّوء- من المصابيح..

فأنا أنحدرُ من سُلالة رُعاةٍ برابرة

مَجدُهُم الوحيد هو أنَّ نبيَّ المُسلمين كان راعيًا.

ثَلَاثونَ عامًا و أنا أَطْرَحُ اللؤلؤ للخنازير

في برّية قلبي الموحشة

ولا شيء يحدث عدا أن الخنازير لا تصنع باللؤلؤِ شيئا

أيـّتها الخطوة الَّتِي ماتزال على مشجبِ الأيّامِ مُعَلَّقةً

أنا لا أكتبِ لأرْوِي

بل أكتبُ لأَتَوَارَى..

غريبان والأرض منفى

على سفر

كالحساسين في كل فصل

خيام تسلّمنا لخيام!

تركنا على حافة الغيم أصواتنا

نما سرو أحزاننا واستقال الكلام

نحدّق في اللا بلاد التي طوّقتنا

نلقِّن أسماءنا للغبار

أقول سئمنا انتظار الذي ليس يأتي

يقول تأخر هذا القطار

أقول ولكن إلى أين نمضي؟

يقول إلى غصة في هديل الحمام

شبابيك مطوية

شوارع تروي لإسفلتها ما جناه الحفاة

على صدرها

مشاة يفرّون منك كأنك عدوى

كأنك رائحة الموت

في بهو تجار جنوا

لهم ما يعودون من أجله في المساء

عشاء خفيف على حافة المسبح العائلي

وبعض النبيذ إذا شاء ليل الحكايا

قِنَان العطور ملاءاتهم

أسرّتهم حين يفضي الكلام

إلى فسحة من جسد

لهم يا أخي قطعة من تراب

تسمّى بلدْ

لنا جرحنا !

أنين السعاة على بعد حربين من حلمنا

وكالات غوث

وبرقية راودتها الرياح على نفسها

سقوط الخيام على ظلها

سنرحل عما قليل

ولا شيء نخسره كالحصى

حين يجرفها النهر في ليلة عاصفة

سنعبر كالغيم فوق السطوح

نردد قول الحمامة للعابرين على صدرها

“تعلمت كيف أموت كصفصافة واقفة “

نودع أرضا لتطلع في القلب أرض

على مهلها

بكل تباريحها الممكنة

وماذا سيحدث

لو صار هذا المخيم بيتاً

وعيناك بحراً وصدرك مرسى؟

هو الحب سجادة العابرين إلى المستحيل

سنرحل عما قليلْ

فلا تعشقي ما حييت بلادا

سيسكنها الآخرون

ولا تزرعي حنطة في عيوني

سيأكلها الآخرون

وكوني كما شاءت الطرقات

لنا أن نكون.

اظنك ادركت

أظنّك أدركت الآن معنى أن يكون

الانسان إلَهًا بِجَرَّةِ فأْرَةٍ يا “مَارْك”

تُطلُّ كلَّ مساءٍ من شرفةٍ عالية

لكي تُحصي ذنوبَ سكّان مدينتكَ الكبيرة المحتشدة

تُحصيها صامتًا و وحيدًا كما يَجدُرُ بإلهٍ أن يفعل.

حيثُ تكونُ المُدنُ الكبيرةُ المحتشدة تُعشِّشُ الوحدَةُ

الأشدُّ وطأَةً و الأكثر إيلامًا. هذا ما اهتدى إليه “جون راسين”

على إثر تعاطيه الطويل مع الوحدة

دعني أخبرك أنَّ كلَّ ما لَقِيتُه في حياتي حتّى الآن

لا يُساوي ثِقَلَ مُحادثةٍ يرحلُ صاحبُها

في ما تظلُّ مُنتَصِبةً كشاهِدَةِ قبرٍ فرعونيّ

أنا راعيةُ أغنام حزينة يا “مَارْك”

جئتُ من قريةٍ بعيدةٍ يَفوقُ عددُ الكلابِ فيها عددَ المُزارعين!!

وَضعتُ كلّ قلبي في صندوق رسائلكَ العجيب

و أبحرتُ مُزْدحمَةً بالمئاتِ إنَّما أشدُّ وحشةً

من غُرابٍ يجوبُ البرِّيَةَ في اللّيل.

أعوامٌ من النَقْرِ فوقَ مفاتيح الآلة الكاتبة

أعوامٌ من الرَّكْضِ وراءَ الأشباحِ في ليْلٍ كسيح..

منْ نحْنُ ؟

و كيف انتهى بنا الأمْرُ مَساجينَ في مدينتِكَ المُحتَشِدة ؟

بقايا قرابينَ انسانيّةٍ في كهف شانوفا المُقدّس !

رُبَّما سيَأْتي رُعاةٌ آخرون من بعدي

و سيكتُبون لكَ رسائِلَ عديدةً عن المدن الكاذبة و عن الزمن المستعار

قائلين بصوتٍ واحدٍ :

هلْ تَذْكُرُ قتلاكَ يا مَارْك ؟؟

وحيدًا بمقهى

على حافةِ الدربِ تَبقَى

حزيناً شريداً مع اللحنِ والأغنياتْ

وفي شارعٍ من سرابٍ ومنفىً

جلستُ على مقعدٍ من بكاءْ

دخاناً كثيفاً و قلبًا مُعنَّى..

وحيدًا بمقهى

تُغطيكَ جدرانُه الفاخرةْ

وأمطارُ أكتوبرَ الباهتةْ

تغازلُ وجهَ الزجاجِ

وتهطلْ تُمشِط ُوجهَ الرسومِ بعينِك

ودردشةُ الجالسينَ بقربِك

وقهقهةُ العاشقينَ هُنا تُتعبُك

يذيبونَ جمرَ الليالي فقد لا تبالي

ولكنّ جمرَ الأحبةِ قدْ يُحرقُك

هُنا اجتمعُوا

هنا بَعثرتكَ المواعيدُ ما أحزنَك!!

هو الدربُ لا عيبَ فيه سواكَ

فماذا دَهَاك؟

لترتادَ مقهى الجنون

أما حاصرُوك بشكوى العيون

هنا العاشقون

وماذا دَهاكَ لتبقى هُنا؟

كزيتونةٍ خَلفتْها القرونْ

تدخنُ سيجارةً من حنينْ

وتنهيدةً بين حينٍ وحينْ

تعد الخساراتِ تنظمُها مثل عقدٍ ثمينْ

تَنحّ قليلاً فللدربِ روادُه الحالمونْ

يحبونَ لثمَ الشفاهِ الجريئةْ

وأنتَ هُنا مثلُ وجهِ الخطيئةْ

فكُن جاهزاً للرحيلِ سريعاً

شربتَ من الجمرِ حتى ارتويْت

تخيرْ بقاياكَ وارحلْ

لعلّ الشوارعَ أرحمْ

تعجّ بمن أثقلتْهم خطايا

بحجمِ البلادِ التي تركوها بحِضنِ الرزَايا

يجيئونَ من كلِّ صوبٍ فُرادَى

وفي اللافتاتِ حنينٌ تمادى

لحدِّ الضجرْ

فقلْ ليتني شجرٌ أو حَجَرْ

وقُلْ للسماءْ

إذا ما تجلّتْ

لعينيكَ بينَ الغيومِ

“أنا ما تعمدتُ قتلَ العناكبِ

حينَ تعثرتُ في بيتِها بينَ تلكَ الحُفرْ

فيا لعنةَ العنكبوتِ ارحميني

شديدٌ على القلبِ حكمُ القدرْ

لقد ضاقَ بينَ المواقيتِ صدري

أ يا خالقَ الكونِ ما أوسعَك”

هو الصبرُ تعويذةُ الليلِ

للخاسرين ولكنّ ليلَ المدينةِ قدْ يخنقُك

هنا التحمُوا واللحائفُ نشوى

ولا حضنَ يُؤويك ما أهونك..

أ يا داميَ القلبِ أينَ ستمضي؟

مفاتيحُ أبوابِهم عَربدتْ

ستلفظُك الآنَ كلُّ المقاهي

سيلفظُك الموتُ

تخرجُ من رحمةِ الوقتِ حيًّا!!

فسِرْ للوراءِ انتصرْ

للهزائمِ عبداً شقيّاً

سقطتَ من الأمنياتِ

انكسرتَ تناثرتَ بين الدروبِ

وما عُدتَ شيَّا..

خريف

في الخريف نكونُ شُعرَاء

أكثر ممّا كنَّا عليه في أيّ فصل آخرَ

نحن الذين ما إن نرى ماءً يلمعُ في بركةٍ

أو ريحًا مُستوحشة تُميلُ الأنادرَ

حتّى نغدو كمخمورين أفاقوا لتوّهم من الخَدَر.

عليكَ أن تكون شاعرا لتفهَمَ هذَا:

«فقط في الخريف أستطيع أن أرى حكايتي»

أرى شَاعِري يفتحُ الشُبّاكَ لقطِّ البيت

فيما أوشكُ في الخارج أن أُصبحَ حجرًا

لو قُيِّضَ للنظرة أن تترك أثرًا

لصار الآن لي جَيْشٌ من المقاولينَ الأوغاد

يُقَوِّضونَ مسَاربي التي حَفرتُها بِنَظَراتِي

في ليالي الرّيح

لعلّكم صرتم تعرفون الآن

لماذا أحبُّ الخريف كما تُحبُّ امرأة سعال زوجها

إنّهُ يسعُلُ

والموتى لا يُصابون بالرّبو.

الخريف يجعلني أفكّرُ في القصيدة التّي سأكتبها

عندما يكون لزاما عليّ أن أفكّر

في الديوان الذي سأُمزّقه

الشعرُ يجعلني أفكّر في الشاعر الذي أحبّه

عندما يكون لزاما عليّ أن أفكّر

في الرّجل الذي سأتزوجه

كيف أثق بالخريف يا إخوتي

كيف أثق بالشعر؟

رسالة من شاعر مهزوم

إِسمعيني جيدا، أنتِ أجل أنتِ يا من استبدلتِ برحلتك الأبدية في قلبي و عيوني مقعدا ثابتا وجدارا أصما…

لطالما ادعيت أن في حضنك عشبة الحياة التي جعلت من «أوتنابشتم» رجلا خالدا إلى الأبد و لكنني لم أَدَّعِ يوما أنني الطواف الذي بامكانه العبور بك إلى أرض الخلود..

كنت امرأة مهمَلَة تعد الشاي والأكل لعجوزين فرنسيين جعلا من قرية نائية ملاذا لهما بعد عشرين عاما من العمل المشط في مركز إيواء بريطاني _و لا عجب_ فصناع الحرب باليد اليمنى هم من يوفرون باليد اليسرى الأرز المطبوخ والماء والخيام لضحايا الحرب ذاتها.

أعرف أنك لم تفتحي في كل حياتك كتابا واحدا ما عدا نشرات الحظ والطقس التي كنت تتعثرين بها صدفة. كنت تقولين أن القراءة صنيع الحمقى الذين يتلذذون باجترار الوقائع والتجارب في شكل درامي مؤثر إلى حد الإعتقاد بأفضلية كاتب عن كاتب آخر. و بما أنني كبير الحمقى كنت أسمعك أشعاري و أحدثك عن رمزية المكان في نص حداثي كالدرج والحديقة ذات السياج والمنزل ذي الأبواب الكثيرة…

و لكم وقفت أمام أنوثتك العاصفة مندهشا تماما كفاصلة يشاء لها القدر أن تعقب اسمك في حوار عاطفي مطول و في المقابل كنت في نظرك عثة النحل الأسترالي الجديدة التي حيرت بظهورها العلماء

أي شاعر فاشل أنا !!

لقد أنشد « ابن النهر ميليس» أبياتا قليلة على مسمع تاجر الجلد فآواه إليه و كتبت في حبك نصف أشعاري لكنك انفرطت كحبات عباد شمس من يديَّ و لم أستطع إقناعك بأن قلبي هو مأواك الأول والأخير..

و نسيتني كما يُنسى مغني الكورس في مسرحية غنائية مملة. فردة حذاء تآكلت على سطح منزل مهجور. حجر طائش سقط في قاع بئر… أعترف الآن أمامك أنني لم أتعلم الكثير من دهاء «منتس» بحيث لم أزين لك أمصار قلبي بما يكفي لإقناعك بالرحيل إليَّ و لكن ما كان بوسع شاعر أن يقدم لامرأة لا تزال تجهر بعشقها للونه الأسمر و ملامحه العربية حتى تزوجت بأول رجل أشقر تقدم إليها

و لا أدري إن كان بوسعك الآن أن تتفهمي معنى أن يتخلى شاعر عن كبريائه كمن يتخلى عن إحدى قدميه في حرب خاضها مرغما..

أيتها السيدة التي أصبح الآن بوسعها الإبحار على متن سفينة إفتراضية. لقد شربت كأس خيانتك حتى آخر قطرة و لم أنبس بكلمة واحدة من شأنها أن تجرح غيابك فلولا حضنك المحفوف بالموت والضياع لما صار هذا الشاعر الذي يكتب الآن شاعرا عاشقا..

رجاء الشاعر الأخير من حبيبته السابقة :

إذا مت قبلك لا تعددي مزاياي كما لو كنت أمي أو صاحبي الودود و لا ترفعي على جدارك صورا كانت قد جمعتنا ذات ألفة معا..

هكذا فقط تبررين زمنا من النسيان و الخيانة…

شاعرة تونسية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق