منوعات

إنجاز علمي: الثقب الأسود بات صورة متاحة للمشاهدة

بات بإمكان البشرية مشاهدة صورة حقيقية للثقب الأسود، الذي كان إلى سنوات قليلة خلت، مجرّد فكرة من الخيال العلمي. ففي ستة مؤتمرات صحافية عقدت بالتزامن في بروكسل وسنتياغو وشانغهاي وتايبيه وطوكيو وواشنطن، بثّت للمرة الأولى “صورة العصر” للثقب الأسود، التي انتظرها العالم، والمأخوذة من قلب مجرة M87، البعيدة نحو 60 مليون سنة ضوئية. والأخيرة مجرّة ضخمة جداً، يقدّر حجمها بما يعادل مليارات الشموس.

تعاون دولي

ورغم أنّ الصورة أعدّت منذ بضعة أشهر إلا أنّها بقيت طيّ الكتمان، وذلك في انتظار تحليل جميع النتائج والمحتويات التي توصّل إليها العلماء. حتى أنّ المجتمع العلمي كان لسنوات عدّة يعتقد أنّ الثقب الأسود غير موجود، إلى أن تمكّن التعاون الدولي من التقاط صورة. وقد تمكّن العلماء من تجميع بيانات هذه الصورة، بعد عمل امتدّ لنحو سنتين من خلال مشروع  Event Horizon Telescope (تليسكوب أفق الحدث)، الذي ضمّ أكثر من ستّين مركزاً للفيزياء الفلكية من حول العالم. فرغم أن تشكّل الثقوب السوداء بات أمراً معروفاً ويقيناً لدى العلماء، بعدما اكتشفوا أدلّة كثيرة على وجود الآلاف منها، إلا أنهم لم يلتقطوا صورة واحدة لأيّ منها بشكل مباشر.

تقنية التقاط الصورة

في التفاصيل، تمّ استخدام ثمانية تيليسكوبات راديوية وضعت في أنحاء عدة من العالم تبعد عن بعضها آلاف الكيلومترات، وزّعت بين التشيلي، وجزر الهاواي، والمكسيك، وإسبانيا، والولايات المتحدة الأميركية، وقارة أنتاركتيكا في القطب الجنوبي. وتمّ توجيه الموجات الراديوية الصادرة عن التيليسكوبات نحو زاوية موحّدة للكون. وهي موجات عريضة بلغ حجمها حجم الأرض، واستخدم في قياسها تقنية “قياس التداخل” المستخدمة في علم الفيزياء.  

بعد إعداد التيليسكوبات وضبط تزامنها وتوقيتها بواسطة ساعة ذرية، جمّع كل تلسكوب منها ملايين التيرّابيت من المعلومات على مدى عامين، وذلك منذ العام 2017. وكان من الصعب إرسال تلك المعلومات عبر شبكة الانترنت، بالتالي وضعت على أقراص صلبة وأرسلت إلى مركزين هما: Haystack Observatory في ولاية مساشوستس، وMax Planck Institut fur Radioastronomie في مدينة بون الألمانية، لتحليل البيانات بواسطة كمبيوترات ضخمة خاصّة. وتمكّن العلماء من جمع معالم الصورة، التي التقطت بواسطة الموجات الراديوية وليس الضوء المرئي، وتمّ دمج المعلومات التي جمعتها التيليسكوبات عبر استخدام خوارزمية مخصّصة، عمل على وضعها العلماء لسنوات طويلة.

أفق الحدث

مع إطلاق هذه الصورة بات بإمكان البشرية رؤية “الحدود الزمكانية” (الزمانية – المكانية) و”خط أفق الحدث”، أي تلك المنطقة التي تحيط بالثقب الأسود، والتي لا يستطيع مَن يقف خارجها معرفة ما يجري داخلها. هناك حيث تعمّ العتمة ويختفي وينعدم كل شيء بفعل الجاذبية الشديدة، التي لا يستطيع أي شيء مقاومتها حتى الضوء.

*ترجمة وإعداد وليد حسين

ما هي الثقوب السوداء ولماذا تجذب اهتمام العالم؟

نجح علماء الفلك لأول مرة في التقاط صورة لثقب أسود، وتعود هذه الصورة لشبكة تلسكوب «إيفينت هوريزون»، وتظهر بقعة مظلمة أمام حلقة تضيء بشكل خافت، وعرضت خلال ستة مؤتمرات صحافية متزامنة أمس (الأربعاء)، في مدن مختلفة من العالم.

لم يكن هناك حتى الآن سوى رسوم عن الثقوب السوداء. والثقب الأسود الذي أميط اللثام عن صورته أمس هو ثقب يمتلك كتلة هائلة ويقع في مركز مجرة «مسييه 87» التي تقع على بعد نحو 55 مليون سنة ضوئية من الأرض.

ولكن، لماذا كل هذا الزخم حول الثقوب السوداء؟

تعرف الثقوب السوداء بأنها منطقة ذات كثافة شديدة في الفضاء، تتضمن كتلة كبيرة جداً تفوق مليون كتلة شمسية، وتعتبر موطن اللامعقول بشرياً، حيث إن كتلة هذه الثقوب مضغوطة بقوة تجعل من المستحيل على أي شيء الإفلات من قوة جاذبيتها، بما في ذلك الضوء.

والثقوب السوداء، أو «الوحوش السماوية» لا تُرى، ولكنها تكشف عن نفسها من خلال المادة التي تبتلعها، وتقع على بعد سحيق من الأرض.

وترتفع درجة حرارة هذه الثقوب كثيرا مما يجعلها تسطع بشكل مميز.

ولكن المادة التي يبتلعها الثقب تصبح ساخنة بشدة قبل أن تلتهم، مما يجعلها تضيء، وهذا السطوع المميز هو الذي يظهر باللون الأحمر في الصورة التي نشرها الباحثون.

وتؤكد الصورة نظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين، تحت أشد الظروف الكونية، حسبما أوضح كارل شوستر، مدير معهد الفلك الراديوي في النطاق الملليمتري، والذي شارك في حملة الرصد.

وقالت جيسيكا ديمبسي، نائبة مدير مرصد «إيست آسيان» الفلكي في هاواي، التي أسهمت في اكتشاف الثقب الأسود، في حديث نقلته وكالة «أسوشييتد برس»، إن «الصورة تساعد العلماء في تأكيد نظرية النسبية العامة لأينشتاين». وأضافت أن أينشتاين توقع قبل قرن مضى أن يكون شكل الثقب متناظراً، وهو ما عثر عليه العلماء الآن.

وما أعطى هذه الثقوب أهمية كبرى أيضاً، هو الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينغ، الذي طرح نظرية جديدة قبل وفاته حول المكان الذي تنتهي فيه المعلومات المفقودة في حال ابتعلت من قبل ثقب أسود.

ويقول هوكينغ في أبحاثه إن هذا المكان الذي تصل إليه المعلومات تضغط فيه الجاذبية بشكل كبير مما يبطل قوانين الفيزياء المعتادة.

وأشار هوكينغ إلى أن المعلومات أو أي مادة تختفي داخل ثقب أسود لا تكون قد فقدت تماماً، فوفقاً لطريقة عمل الكون يجب أن تستقر هذه المواد في مكان ما. وبحسب هوكينغ، فإن المواد التي تعبر الثقب الأسود ربما تذهب إلى عالم بديل لا نعرف أي شيء عنه.

وأكد هوكينغ في نظريته هذه أن العودة إلى عالمنا بعد الدخول في ثقوب سوداء غير ممكنة، لأنها بمثابة ممر لأكوان وأزمان أخرى.

وأكسبت هذه النظرية الثقوب السوداء أهمية بالنسبة للعلماء ولكل الأشخاص المهتمين بالفضاء الخارجي.

ووجه علماء شبكة «إيفينت هوريزون» تلسكوباتهم قبل عامين إلى ثقبين أسودين، أحدهما في مركز درب اللبانة، وبدأوا منذ ذلك الحين يحللون البيانات التي يتلقونها عن هذا الثقب.

ويأمل الباحثون من خلال عمليات رصد الثقب، والتي نشروا نتائجها أيضاً في مجلة «أستروفيزيكال جورنال» المتخصصة، في الإجابة على العديد من التساؤلات الأساسية بشأن الثقوب السوداء. من بين هذه الأسئلة: هل تبدو الثقوب السوداء متوافقة مع التصور النظري لها؟

ويقول أنطون تسينزسوس، مدير معهد «ماكس بلانك» للفيزياء الراديوية في مدينة بون الألمانية: «بصراحة، فوجئنا بمدى توافق البقعة السوداء التي رصدناها مع تصورنا لها من خلال محاكاة الحاسوب التي تنبأنا بالثقب الأسود من خلالها».

كاتي بومان… صاحبة الفضل في التقاط أول صورة للثقب الأسود

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي والوسائل الإعلامية أمس (الأربعاء) بإنجاز فريد من نوعه حققه فريق علمي دولي يعمل في مجال الفيزياء الفلكية، حيث قام بالتقاط أول صورة على الإطلاق لثقب أسود باستخدام شبكة عالمية من أجهزة التليسكوب.

ويتيح هذا الإنجاز فرصة نادرة لفهم هذه «الوحوش السماوية» التي تتمتع بقوة جاذبية هائلة لا يفلت منها أي جسم أو ضوء.

وأجرى هذا البحث علماء مشروع «إيفنت هورايزون تليسكوب»، وهو مشروع دولي مشترك بدأ عام 2012 في محاولة لرصد بيئة الثقب الأسود باستخدام شبكة عالمية من أجهزة التليسكوب المتمركزة على الأرض.

ولم تكن هذه الصورة لتصبح متوفرة اليوم لولا جهد العالمة كاتي بومان، التي طورت خوارزمية مهمة ساعدت في ابتكار أساليب التصوير المستخدمة، وفقاً لتقرير نشره موقع شبكة «سي إن إن».

وتمكنت بومان قبل ثلاث سنوات من إنشاء خوارزمية كانت الأساس في التقاط الصورة الأولى للثقوب السوداء.

ومن الجدير ذكره أن بومان كانت حينها طالبة دراسات عليا في علوم الكومبيوتر والذكاء الاصطناعي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

وتمثل الصورة شكلاً للثقب الأسود في المجرة المسماة «إم 87» التي تقع على مسافة 54 مليون سنة ضوئية، والسنة الضوئية تساوي 9.5 تريليون كيلومتر تقريباً. وتبلغ كتلة الثقب نحو 6 ملايين كتلة الشمس.

وقال العلماء إن التقاط أول صورة لثقب أسود يجسد التعاون بين أكثر من 200 باحث على مستوى العالم.

وباستخدام خوارزميات التصوير التي ابتكرتها وطورتها بومان، استطاع الباحثون استحداث برمجيات لتجميع الصورة، بحسب التقرير.

وأفادت بومان لشبكة «سي إن إن»: «لقد طورنا طرقاً لتركيب البيانات واستخدمنا خوارزميات مختلفة واختبرناها معاً لمعرفة ما إذا كان بإمكاننا استعادة صورة ما».

وأضافت: «لم نرغب في تطوير خوارزمية واحدة فقط، بل أردنا تطوير العديد من الخوارزميات التي تحمل أكثر من فرضية، لنرى إن كانت جميعها ستوصلنا لنفس الشكل، مما يبني الثقة بهذا العمل أكثر».

وكانت نتيجة تلك الاختبارات صورة أولى لثقب أسود تشبه ما وصفه وتنبأ به العالم الشهير ألبرت أينشتاين منذ أكثر من قرن، ضمن شرحه لنظرية النسبية العامة.

وتُعرف الثقوب السوداء بأنها «موطن اللامعقول» بشرياً، إذ إن كتلة هذه الثقوب مضغوطة بشدة وتجعل من المستحيل على أي شيء الإفلات من قوة جاذبيتها، بما في ذلك الضوء. والثقوب السوداء لا تُرى، ولكنها تكشف عن نفسها من خلال المادة التي تبتلعها. وترتفع درجة حرارة هذه الثقوب كثيراً، مما يجعلها تسطع بشكل مميز تستطيع التليسكوبات المتطورة رصده.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.