سياسة

التسابق الأميركي-الروسي في إسرائيل والشرق الأوسط/ د. خطار أبودياب

لم تعد الولايات المتحدة الأميركية لوحدها سيدة الموقف في الشرق الأوسط حيث يحتدم التنافس الدولي وتختلط الأوراق على أكثر من مسرح في منطقة غير مستقرة وملتهبة بالحروب والأزمات. واللافت للنظر ليس فقط إغداق الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين في تقديم الهدايا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عشية انتخابات مفصلية لمستقبله السياسي، بل التسابق الدائر بين موسكو وواشنطن، من إسرائيل والمشرق، إلى تركيا والخليج ومصر وليبيا وشمال أفريقيا، والذي يتراوح بين التكامل التنافسي، والسعي الروسي لملء الفراغ بعد التراجع الأميركي في الإقليم منذ عهد الإدارة السابقة، والمزاحمة الاقتصادية التي تشمل أيضا الصين ودولا أوروبية وآسيوية أخرى.

لا تنتج عن ذلك بلورة محاور واضحة حيث لا يمكن اعتبار روسيا بمثابة القوة الدولية المتحالفة مع ما يسمى معسكر الممانعة، ولا اعتبار الولايات المتحدة غطاء للدول العربية المرتبطة معها، ولكن نلاحظ أن إسرائيل تتميز باستقطاب الحماية الأميركية والعلاقة الخاصة مع روسيا-بوتين، والروابط المتشابكة مع أوروبا، والصلات المتينة مع الصين والهند، ما يعزز ثقلها الإستراتيجي ويشي بطموحها للمشاركة في إعادة تركيب الإقليم إن من خلال ما يسمى “صفقة القرن” وفحواها تهميش أو إنهاء المسألة الفلسطينية أو من خلال احتواء ما تسميه “الخطر الإيراني” خاصة في جوارها.

بيد أن رهان إسرائيل على خط التقاطع الأميركي-الروسي لن يمنع بالضرورة أو يحجم التسابق بين هذين الطرفين حيث تبقى الغلبة لمنطق تضارب المصالح من فنزويلا إلى أوكرانيا ومن إيران إلى شرق المتوسط. ولذا يندرج ضمن السيناريوهات لتنفيس الاحتقان وبدء التفاوض احتمال الاشتباك الإسرائيلي-الإيراني مباشرة أو بالوكالة في سوريا ولبنان، ويرتبط ذلك بقدرة موسكو على لجمه واضطلاعها بدور تحجيم الوجود الإيراني في سوريا. وتأمل روسيا في مقايضة ذلك بترتيبات تهدئة مع واشنطن في ملفات ساخنة أخرى.

يستمر مخاض إعادة تركيب الإقليم من السودان إلى الجزائر واستمرار الحروب في ليبيا واليمن وسوريا، بالإضافة إلى الأدوار الهجومية لإيران وإسرائيل وتركيا

يدل تسلسل الأحداث منذ اتخاذ واشنطن قرار تخفيف وجودها في الشرق الأوسط في إطار الاستدارة نحو آسيا والمحيط الهادئ وفق تعديل الأولويات الإستراتيجية، على استفادة روسيا وبدء الاختراق انطلاقا من الساحة السورية خاصة بعد عملية الناتو في ليبيا التي ضربت مصالحها الاقتصادية. ومن الواضح أن إسرائيل القلقة من التراجع الأميركي باركت الانغماس الروسي في الملف السوري. ومن الإشارات الحديثة عن “التنافس التكاملي الأميركي-الروسي” عندما يتعلق الأمر بإسرائيل ردة فعل موسكو الحذرة والمترددة إزاء قرار الرئيس ترامب الاعتراف بضم الجولان إلى إسرائيل (تماماً كما بالنسبة للقرار حول القدس) والأدهى من ذلك أن يقوم بوتين بعد ذلك بتسليم صديقه نتنياهو رفات جندي إسرائيلي سقط في لبنان أثناء معركة السلطان يعقوب عام 1982، وذلك قبل خمسة أيام من الانتخابات الإسرائيلية.

وبغض النظر عن أبعاد وكواليس وأسرار هذه الهدية الروسية والتي ستتضح لاحقا، خاصة بعد تلعثم النظام السوري ونفيه المشاركة في الموضوع، اهتم المراقبون بموقف أعلنته روسيا في موازاة خطوة تسليم الرفات إذ أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا أن “هذا الأمر ليس موضوعا للتفاوض ومسألة رحيل الأسد باب مغلق بل سبق أن طوى الجميع هذه الصفحة”.

ومنذ بدايات الأزمة السورية بدت إسرائيل متحفظة على تغيير النظام وتقاطع موقفها مع روسيا خاصة بعد صفقة السلاح الكيميائي في سبتمبر 2013. ومع تصعيد التدخل الروسي في 2015 اتضحت معادلة قبول موسكو لقيام إسرائيل بغارات ضد الوجود الإيراني وحزب الله، مقابل عدم مس النظام ومحاولة إبعاده عن طهران. وبالرغم من قناعة عالمية بأن الثنائي الإيراني-السوري أشبه بالتوأم السيامي، حسبما أثبتت الزيارة الأخيرة للرئيس السوري إلى طهران وتقديمه الولاء إلى المرشد خامنئي كما تفاخر المصادر الإيرانية الرسمية، تتمسك روسيا بدعم استمرارية الأسد مع التلويح للجنة الدستورية ووهم ما بعد نهاية ولايته في 2021، لكنها في نفس الوقت تعمل لتعزيز انتدابها وإدارتها للعبة في سوريا مستفيدة من علاقتها مع إسرائيل في هذا السياق.

على العكس من ذلك يبرز حيال هذا الموضوع تباين أميركي- إسرائيلي إذ بالرغم من تقلبات مزاج الرئيس ترامب، تبدو المؤسسات الأميركية متمسكة بحل سياسي متكامل وفق القرار الدولي رقم 2254، ولو أنها مع حلفائها تخلت عن أولوية تخلي الأسد عن السلطة في مسعى لعقد ترتيب تتباطأ موسكو في تبنيه بانتظار تفاوض أعمق مع واشنطن يشمل الملف السوري.

يدل تسلسل الأحداث منذ اتخاذ واشنطن قرار تخفيف وجودها في الشرق الأوسط في إطار الاستدارة نحو آسيا والمحيط الهادئ وفق تعديل الأولويات الإستراتيجية، على استفادة روسيا وبدء الاختراق انطلاقا من الساحة السورية خاصة بعد عملية الناتو في ليبيا

يمتد التسابق الأميركي-الروسي، أو الغربي-الروسي إلى المسرح الليبي حيث تختلط الأوراق مع اقتراب قوات المشير خليفة حفتر من طرابلس، وكان لافتا مسارعة الكرملين للتصريح بأن “موسكو ليست لها علاقة بالتطورات في ليبيا”، علما أن حفتر سبق له أن زار موسكو والتقى حينها بالرئيس الروسي.

ومع احتفال حلف شمال الأطلسي بذكراه السبعين، برز إلى السطح الاختراق الروسي لأحد أبرز أعضائه غير الغربيين أي تركيا من خلال بيع منظمة صواريخ أس-400 واهتزاز العلاقة بين واشنطن وأنقرة مما يزيد من التحديات الإستراتيجية لواشنطن ويشوش على ما تعتبره الهدف الرئيسي لسياستها شرق الأوسطية المتمثل بتصعيد العقوبات على إيران. ويطل التسابق أيضا من بوابة الدول العربية للخليج وآخر مثال بهذا الخصوص ليس جولة سيرجي لافروف الممهدة لجولة الرئيس بوتين فحسب، بل تلويح المملكة العربية السعودية بعدم حصر تعاملاتها النفطية بالدولار تجنبا لقيام واشنطن برفع دعاوى ضدها بموجب قانون “نوبك” لمحاربة أوبك، والكل يعلم الهاجس التاريخي لواشنطن أيا كانت الإدارة في تحديد سعر النفط والاعتراض على دور أوبك.

يتضح من هذه البانوراما تصاعد مؤشرات التسابق الروسي- الأميركي في الشرق الأوسط وحوله. وبالطبع لم يقل كل طرف كلمته الأخيرة في أكثر من موقع ويحدونا ذلك للاعتقاد بأن مرحلة ما بعد داعش لا تعني أن المنطقة مقبلة على مرحلة التسويات. ويستمر مخاض إعادة تركيب الإقليم من السودان إلى الجزائر واستمرار الحروب في ليبيا واليمن وسوريا، بالإضافة إلى الأدوار الهجومية لإيران وإسرائيل وتركيا. وعلى رقعة الشطرنج الإقليمية تحرك الأطراف الدولية حجارتها، ولكن مصير “القلعة” يبقى مرهونا بمتغيرات تاريخية تخرج عن السيطرة.

أستاذ العلوم السياسية، المركز الدولي للجيوبوليتيك – باريس

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.