ثقافة وفكر

أخلاق العُصَب وحروبها: هل السياسة ممكنة في العالم العربي؟/ محمد سامي الكيال

عانت طموحات ودعوات التغيير في العالم العربي دوماً من أزمة أساسية: الاختيار المر بين «الاستقرار» مع استمرار القمع والأنظمة الديكتاتورية، والفوضى والحروب الأهلية. ارتبطت هذه الأزمة بالتلازم الشهير بين العسكر والإسلاميين، وعلاقته بالثنائية التأسيسية للدولة العربية، منذ مطلع العصر الحديث: الجيش والدين. إلا أن تحديد المشكلة بهذه الطريقة لم يعد لوحده كافياً، في ظل التطورات التي شهدها العقدان الماضيان. فقد ظهر أن العسكر لم يعودوا قادرين على تأمين الاستقرار، وترسيخ سلطتهم، بالعنف أو الهيمنة الأيديولوجية، على كامل المساحة الجغرافية، التي يُفترض أن يحكموها. ما يعني أنهم يخسرون ورقة «الدولة». في حين بات الإسلاميون، على تنوع توجهاتهم، فريسة صراعات البنى الأهلية، التي ادعوا دوماً تمثيل ثقافتها وهويتها. ما جعلهم مجرد عصبة من العصب المتنازعة، وليس العصبة الأقوى أو الأهم. وبالتالي يخسرون بدورهم ورقة «الحرب الأهلية».

يدفعنا هذا إلى إعادة التركيز على مفهوم «العصبة»، الذي يكمن في خلفية هذا التحديد للصراع الاجتماعي العربي، ليعبّر عما هو سابقٌ للجيش والدين، وما يخترق أجهزة الدولة والخطابات الدينية. فما هي العصبة؟ وكيف يمكن تمييزها عن مفاهيم تبدو مرادفة لها مثل «الطائفة»؟ وما علاقتها بالدولة والمجتمع المدني والحيز العام، أو بالسياسة الحديثة عموما؟

ما وراء الدولة والدين

استعمل عدد من المفكرين العرب، مثل برهان غليون وعبد الإله بلقزيز ووجيه كوثراني، مفهوم «العصبة» و«المجتمع العصبوي» للدلالة على الانقسامات العمودية العميقة في المجتمع العربي، التي تقوم على بنى اجتماعية تقليدية، قرابية أو مناطقية أو مذهبية أو إثنية، تتحول إلى كيانات مغلقة لا تستطيع الاندماج في متحد سياسي وطني، أو المشاركة في مجتمع مدني. إلا أنهم كثيراً ما استعملوا العصبة بوصفها مردافاً للطائفة، واعتبروا أن وجود الإثنيات والطوائف بحد ذاته لا يؤدي إلى ظهور مجتمع عصبوي، فكثير من الدول الديمقراطية عرفت تنوعاً اجتماعياً وثقافياً، بدون أن يؤدي بها إلى السقوط في العصبوية. لا بد إذن لهذه العصب من أن تتمأسس على المستوى السياسي، وعلى صعيد وعيها بذاتها، مقابل غيرها من الجماعات. هنا تلعب الدولة العربية دوراً مهماً في تعزيز العصبوية، عن طريق سحقها للمجتمع المدني والتجارب الديمقراطية الوليدة، وتعزيزها للمجتمع الأهلي، فضلاً عن كون الدولة ذاتها تعبيراً عن سيطرة عصبة أو أقلية ما على جهاز الحكم.

يُظهر هذا المنظور، على أهميته ووجاهته، تناقضاً أساسياً، فإذا كانت المجتمع العصبوي يقوم على مأسسة الجماعة على مستوى السياسة والهوية، فهو يحتاج بالضرورة إلى حيز عام وأيديولوجيا ودولة حديثة، وإلا فلا إمكانية لأي «مأسسة». وبالتالي فلا يمكن أن يكون «المجتمع العصبوي»، إذا تمت مماثلته بالطائفية Sectarianism، نتيجةً لغياب السياسة والحيز العام بالمعنى الحديث، لأن وجوده يفترض حضورهما سلفاً. هذا يجعل الإشكالية التي يرددها كثيرون غير ذات معنى، أي غياب الدولة والمجتمع الحديث بسبب الطائفية. ربما كانت الطائفية، للمفارقة، هي نصيبنا من الحداثة.

إلا أن هذا لا يتطابق مع الواقع التاريخي للدولة العربية: عانت المجتمعات العربية دائماً من غياب الحيز العام أو مصادرته، وضعف المجتمع المدني والسياسي، ما لا يسمح بوجود قنوات يمكن بواسطتها للطوائف بناء هويتها وتشكيل سياستها. بهذا المعنى يجب فصل مفهوم العصبة عن مفهوم الطائفة، فنحن لا نملك طوائف متماسكة لها مؤسساتها المستقلة وأيديولوجيتها الخاصة، وتنظيماتها السياسة التي تتصارع لتمثيلها (إلا في حالات محدودة، كالحالة اللبنانية)، بل لدينا عصب متناثرة، غير متكونة هوياتياً بشكل كامل، ولم تستطع التعبير عن نفسها سياسياً وثقافياً بشكل واضح في الحيز العام. تقوم على ترتيبات هرمية، وعلاقات ولاء ومصلحة متبدلة ومتغيرة. وغير قادرة على صياغة أنظمة سياسية وقانونية تؤمن لها التعايش، لأنها لا تستطيع بناء «شعب» أو «أكثرية» تتأسس عليها الأمة والدولة، حتى لو كانت على شكل ائتلاف طائفي موسع بين مكونات متكافئة. إنها حالة أقلياتية بالضرورة، فالمجتمع العصبوي هو مجتمع أقليات، حتى لو كان فيه مذهب ديني سائد تعتنقه أغلبية السكان. ما يجعل العصب المتناحرة تلجأ لمنطق الغلبة الفج، الذي يتم غالباً عبر الجيوش وانقلاباتها، والحروب الأهلية الدائمة.

نخب الإسلاميين وعصبهم

ولكن ألا يمكن للإسلاميين، الذين يعتبرهم البعض معبراً عن الثقافة الدينية للمجتمع، أن يصنعوا تلك الأكثرية المطلوبة، ويبنوا مفهوماً جديداً لـ«الشعب»؟ التجربة التاريخية تجيبنا بالنفي، ليس لأنهم لا يستطيعون التعبير عن بقية المكونات الطائفية والإثنية للمجتمع وحسب، بل لأن العصب الكثيرة والمتصارعة، التي تُحسب على «الأكثرية»، أظهرت دوماً محدوديتها وتشتتها، وارتباطها بشبكات زبائنية متضاربة، ما يمنعها من التوحد على أساس هوية سياسية «أكثروية» بالمعنى الحديث. ما هو أساسي في العصبة ليس الأيديولوجيا الدينية أو الطائفية، بل المحافظة على هرميتها وبناها الأبوية قدر الإمكان، بوصفها قنوات للسيطرة وتوزيع الأرباح والغنائم، وهذه البنى قائمة على التقليد والعرف، سواء كان مترسخاً ضمن جماعة أهلية، أو مستحدثاً نتيجة مصالح مستجدة وعلاقات زبائنية (كالعلاقة بين محدثي النعمة من الضباط ورجال الأعمال المدينيين)، وليس الشريعة أو «المذهب الصحيح» الذي يتخيله الإسلاميون والطائفيون.

بهذا المعنى يمكننا تفسير جانب من الحالة السورية مثلاً، التي شهدت وجود كثير من الضباط، عملوا في أجهزة أمنية نكلّت بالمناطق والقرى التي تحدروا منها، مثل اللواء محمد ديب زيتون، الضابط السني ابن جبال القلمون، الذي لم يمنعه انتهاك بلدات المنطقة، مثل الجبة ورنكوس وجيرود، من أن يكون على رأس جهازي الأمن السياسي والمخابرات العامة. ويساهم بقيادة قمع «أبناء جلدته». فهو من عُصَب السلطة، التي أظهرت أنها أمتن من الطائفة. في حين لم تعرف عُصب الضباط العلويين تهديداً وجودياً حقيقياً، من جهة أقوى منها فعلياً، يمكّننا من اختبار صدق ولائها الطائفي. ولنذكر أن تاريخ المنطقة عرف استقواء عشائر وبطون المذهب الواحد على بعضها بعضا، بـالاستعانة بـ«الآخر» المذهبي، عندما لا يكون ميزان القوى محسوماً سلفاً.

الإسلاميون، سواء في نشأتهم الأولى أواخر العشرينيات، أو بصعودهم مع «الصحوة الإسلامية» بالسبعينيات، ليملأوا الفراغ الذي خلفته الناصرية، كانوا أبناء «حداثة» الدولة، ونخباً متعلمة ومسيسة، وهذا ما لاحظه الباحث الفرنسي أوليفييه روا، الذي تتبع بروز الإسلاميين من كليات الطب والهندسة وغيرها، وليس من المؤسسات المشيخية التقليدية، ونقمتهم على الدولة التي لم تحقق ما وعدت به من تحرير وتنمية. وإذا كان الإسلاميون قد أظهروا بعض الكفاءة في اختراق العصب التقليدية، وحاولوا الاستثمار السياسي فيها، فإنهم لم يستطيعوا أن يحققوا هيمنة سياسية تتجاوز منظورها الضيق. هذا يفسر انقلاب جانب كبير من المجتمع عليهم بشكل مفاجئ، كما في الحالة المصرية. اليوم يتحول الإخوان، في مصر وغيرها، إلى عصب مغلقة، وتصبح أيديولوجيتهم «تقليداً» عائلياً، خاصة مع تصاهرهم الداخلي، ما يجعلهم أشبه بجماعات قرابية.

هنالك حالة معاكسة، وهي تحول العصبة نفسها إلى جماعة إسلامية، غالبا مسلحة، وهو ما شهدناه في سوريا مع سيل الكتائب المحلية، التي نشدت الدعم والتمويل من ممولين متطرفين بأسلمتهم. ولكن سرعان ما شذّب بعض مسلحيها لحالهم، عندما وجدوا ممولاً أكثر «انفتاحاً»، وأقل اهتماماً بهذه المظاهر.

تراكب التشكيلة الاجتماعية

رغم كل هذا فلا يمكن اختزال أي تشكيلة اجتماعية – اقتصادية بعامل وحيد، وإذا كانت الشبكات العصبوية – الزبائنية عنصراً أساسياً في مجتمعات قائمة على تآكل الحيز المديني وضعف التصنيع والاعتماد على توزيع الريع، فإن التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية العربية، باختلاف الدرجة بين بلد وآخر، قائمة على تراكب عدة مستويات وأنماط إنتاج وتوزيع، ويمكننا رصد عناصر إنتاجية وصناعية على النمط الرأسمالي، إلى جانب العناصر الزبائنية والريعية، وباختلاط معها أحياناً. هذا يفسر النجاح السياسي النسبي لبعض الثورات، مثل الثورة التونسية، التي كانت بوادرها مع إضرابات عمال الحوض المنجمي، ولعب فيها اتحاد الشغل ونقاباته دوراً أساسياً. وكذلك الثورة السودانية، التي برز فيها المهنيون، وحركات استعادة النقابات العمالية. دعك من دور الإضرابات العمالية في اندلاع الثورة المصرية.

حضور الطبقة والنقابة والحزب، وغيرها من أشكال الجماعات التعاقدية، التي تقوم على الشراكة بين أفراد، كان دوماً مؤشراً على مدى إمكانية نجاح أي حراك جماهيري عربي. ربما علينا، في بحثنا عن الشعوب والأكثريات التي تبني الدول والمجتمعات المستقرة، أن نركز قدر الإمكان على تأسيس وترسيخ هذا النوع من التجمعات، بدلاً من البحث عن «جماعة» عضوية تتجسد في التاريخ، ذات روح وجوهر أخلاقي خاص، على أساس الدين أو العرق أو اللغة والثقافة، وهذا ما ابتلانا به لعقود المنظرون القوميون والإسلاميون والطائفيون.

٭ كاتب من سوريا

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.