منوعات

أميركا تحارب التحرّش وتتسامح مع الاغتصاب/ دلال البزري

منذ عامين، تندلع فضيحة التحرّش الجنسي في مجتمع هوليوود. ولا تحتاج إلى وقت كثير لتنتشر في المعمورة، بشعارها الجذاب، (me too) “أنا أيضاً”: “أنا أيضا تعرّضتُ للتحرّش الجنسي من فلان الفلاني”؛ عادة شخصية مرموقة. فتُنْصب المشانق، ويعلو صراخ، وترتفع الحماسة التي تشبه، في أحيان كثيرة، تلك التي حرَّكت محاكم التفتيش أو صائدي الساحرات. المدّ يصبح “تراند”، موجة “فكرية”، تحتل فيه أميركا موقع “المُلْهم النظري والميداني”. هكذا تتصدّر أميركا المشهد العقابي ضد الذين نالوا من جسد المرأة، الآن، أو حتى قبل عقود.

إشارة هي النقيض، تصدر عن أميركا قبل أيام قليلة. في مجلس الأمن: ألمانيا تتقدّم بمشروع لإنشاء هيئة عالمية تعمل على محاكمة المتهمين بجرائم جنسية بحق النساء، وإلى حماية الباقيات على الحياة من بينهن، خصوصا اللواتي حملنَ من جراء اغتصاب. وكلها جرائم وقعت، وما زالت، في حروب أهلية. أميركا هنا، تنسى أنها البطلة العالمية لحملة “أنا أيضاً” ضد التحرّش والاغتصاب. مندوبتها في مجلس الأمن تحذف من المشروع الألماني كل زبدته الحيوية، ليتم التصويت عليه، وهو مفرغ من مضمونه: من دون البند المتعلق بالحقوق الصحية لضحايا الاغتصاب، ومع نسف اقتراح إنشاء آليةٍ قانونيةٍ لملاحقة المغتصِبين.

أية أميركا نصدّق؟ تلك التي تخلق تياراً عالمياً معاديا للتحرّش الجنسي والاغتصاب؟ وتوسّع هذا التيار عالمياً، بجهد من نجومها الهوليودية ونسوياتها وشخصياتها المرموقة؟ أم التي لا تريد التدخّل في جرائم اغتصاب جماعية، تقع خارج حدودها، لا تعنيها ضحايا البعيدة؟ باستثناء كلمة أمل كلوني، محامية ضحايا هذا العنف، ردود الفعل الأميركية الداخلية على الموقف الرسمي لمندوبتهم في مجلس الأمن، كانت غائبة تماماً. تلك الترْسانة الإعلامية التي فجرت الفضيحة الجنسية في الوسط السينمائي لم تنبس ببنتْ شفة عن هذه السقْطة. لا إعلاميات ميهمنات على الشاشة، ولا نجوم هيولودية، ولا شخصيات أو كاتبات نسويات. أو أن ردود الفعل المطلوبة ضعيفة إلى حدّ أنها لم تصل إلى متابعيها المفترَضين.

هل يعود هذا الصمت إلى “جهل” الأميركيين بسياسة بلادهم الخارجية؟ أو جهلهم بمجريات

العالم، وبحروبه غير النظامية التي تصاحبها، هي بالذات، جرائم جنسية ضد النساء؟ هل هو نوع من “الأنانية” الأميركية التي لا ترى في الأذى إلا ما يصيبها؟ أم أن “تسامحاً” ما يغطي هذا الموقف المتناقض مع قاعدته الداخلية، باسم شيء معروف، اسمه “المصالح العليا للدولة”؟ وما هذه المصالح بالتحديد؟ أم أن “الفردية” الأميركية لا تستطيع أن ترى جمعاً، أو جرائم جماعية، لا تستطيع أصلا أن تتصوّرها، بما أنها منكبّة على الجرائم الخاصة، الشخصية؟

ولنفترض هنا أن ردودا قد صدرت؛ فهل يعني ذلك أن ثمة إزدواجية مبطنة في السياسة الأميركية: من جهة، بين قطب يريد حماية النساء من العنف الجنسي ورئيس كاره للنساء، رجعي، يتذرّع بقيم دينية، ومنها رفض الإجهاض، للتملّص من ملاحقة مجرمين نالوا من نساءٍ لا يملكن قوة الدفاع عن أنفسهن، وحماية أجسادهن من الانتهاك؟ الأرجح هذا كله مع بعضه: حيث تبدو ظاهرياً متناقضة، هذه الأسباب. ولكنها في العمق تستجيب لعقليةٍ استعمارية، يتواطأ معها استعماران، روسيا والصين؛ الأولى تخطو والثانية تحبو. والدولتان مرتدّتان عن مشروعهما التحرري قبل ما يقارب القرن. تتقاسمان الآن العقيدة الرجعية نفسها التي “تؤمن” بها الإدارة الأميركية الحالية. والثلاثة، الولايات المتحدة “الرسمية”، وزميلتاها في الهيمنة على العالم، الصين وروسيا، ذريعتهم “الأخلاقية” واحدة: ممنوع الإجهاض، خصوصاً للواتي حملنَ من مغتصب.

فالدول، أو بالأحرى النساء المعنيات بجرائم كهذه، لسن أميركيات ولا روسيات ولا صينيات. هذه “جنسيات” النخبة. ثم إن ليس في الأفق حروب قد تطاولها. هي محمية بقلاعها العسكرية والاقتصادية. تلك الأنواع من الحروب تقع في “الهوامش” المغلوبة: في الكونغو، في البوسنة، في كمبوديا؛ وكذلك، بل أولاً، والآن، في سورية؛ حيث يتناوب النظام و”داعش” على تحويل جسد المرأة إلى مسرح دموي، تبعاً لتقاليد حربية عريقة؛ أي عبر اغتصابهن.

تعيدنا هذه الوقائع إلى عصرٍ كانت فيه فرنسا هي الاستعمار الكبير لبلادنا. هي فرنسا نفسها

اليوم التي تتأسف على الموقف الأميركي المدعوم من روسيا والصين، لم تكن تتصرّف بغير عقليته. كما لأميركا اليوم حماية نسائها من التحرّش من الداخل، وتجاهل الاغتصاب خارجها، كانت فرنسا في القرن التاسع عشر تتمتع بنعمة العلمانية وبمعاداة الإكليروس، المتحجر، الظلامي، الظالم. ولكنها خارج ديارها، تتقرّب منه، تغازله، تمدّه بالإمكانات. رئيس وزراء فرنسا، وقتها (القرن التاسع عشر)، ليون غامبيتا، المعادي بشدة لرجال الدين الفرنسيين، وصاحب الشعار المعروف “الإكليروس هو العدو”… كان يزور لبنان متحمّسا للرهبانيات المسيحية اللبنانية، يدعمها، يرعى ويدشن مؤسساتها المختلفة. ربما سأله أحدهم عن هذا التناقض في المواقف، بين معاداة الإكليروس هنا ومحاباته هناك في المشرق. فكان الجواب الذي نال حظاً لا بأس به من الذيوع بين اللبنانيين: “إن مكافحة الإكليروس ليست سلعةً للتصدير”. وقد “عدّله” اللبنانيون لاحقاً، فصار: “العلمانية ليست سلعةً قابلة للتصدير”. أوجه الشبه بين فرنسا الأمس وأميركا اليوم، بل بين فرنسا اليوم المحتجة على أميركا، والفاقدة هيمنهتا القديمة، وبين أميركا، الممْسكة اليوم بزمام العالم، وإنْ بدرجاتٍ وألوان.. أوجه الشبه هذه تدعو إلى التأمل: الموضوع موضوع قوة، لا حضارة ولا جنس، لا أخلاق ولا دين.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.