سياسة

روسيا – إيران والازمة السورية -مقالات مختارة-

روسيا تسوّي خلافاتها مع أنقرة بالتصعيد في إدلب/ رانيا مصطفى

بدأت قوات النظام السوري، مدعومة بغطاء جوي روسي، حملة عسكرية عنيفة في إدلب، وُصفت بالمحدودة، كونها تطال مناطق في ريفي إدلب الجنوبي وحماة الشمالي، أي المناطق المشمولة باتفاق المنطقة منزوعة السلاح، الذي عقد في سبتمبر الماضي بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سوتشي. وذلك وسط صمت تركي، ومخاوف أوروبية، وتحذيرات أميركية لروسيا من حصول كارثة إنسانية في إدلب، بعد تهجير قرابة 200 ألف مدني وقتل وجرح أكثر من 350، خلال ثلاثة أشهر من الحملة الأخيرة.

لا يزال حل ملف الجهادية معقّدا، خاصة على الطرف التركي المعني به؛ فطرد قرابة 15 ألفا من الأجانب المتشددين هو أكبر تلك التعقيدات، مع رفض دولهم استقبالهم، كما تفعل مع مقاتلي تنظيم داعش وعائلاتهم المحتجزة لدى قوات سوريا الديمقراطية. وتطويع تنظيم هيئة تحرير الشام أيضا من الملفات الشائكة، كونها مسيطرة على 90 بالمئة من المنطقة، وتشترط الإشراف على الدوريات الروسية – التركية المشتركة، الأمر المرفوض كليّا من روسيا.

لكن تركيا بدورها لم تقم بخطوات عملية في حلّ ملف الفصائل، وتطبيق اتفاق سوتشي حول إخلاء المنطقة العازلة من السلاح الثقيل والجهاديين؛ فهو ليس من الملفات الملحّة بالنسبة إليها، كما حال روسيا. وبالعكس، بعد عقد الاتفاق في سبتمبر الماضي، سمحت أنقرة لهيئة تحرير الشام بالسيطرة شبه الكاملة، مما عقّد الوضع، في خطوة منها لتشكيل ورقة ضغط على روسيا تستخدمها في ملفات أكثر أهمية بالنسبة إليها من إدلب؛ وهو ما تفعله اليوم بخصوص تل رفعت، لدفع موسكو إلى القبول بتسيير دوريات مشتركة فيها.

بقاءُ الجهاديين في المنطقة العازلة شكّل حجة لروسيا لفرض بنود الاتفاق بالقوة. لكن موسكو مقيّدة في حملتها هذه: بحدود المنطقة العازلة، وبرفض أميركي وأوروبي مساند للموقف التركي، وبتأمين حشد بري يقتصر على الفيلق الخامس وقوات النمر، لمواجهة أكثر من 30 ألف مقاتل من المعارضة، من المتوقع توحدها (المعارضة) ضد أي هجوم بري، خاصة مع تململ الحاضنة الشعبية للنظام بسبب سوء الوضع المعيشي، وعدم استعدادها لتقديم المزيد من الضحايا، ومصلحة الاحتلال الروسي. وكذلك رفضت إيران الطلب الروسي بمشاركة ميليشياتها، حيث لم تعد لطهران مكاسب في إدلب، بعد أن أقصتها روسيا عن مناطق الغاب وريف حماة، وسيقتصر دورها على المراقبة.

وبذلك اقتصرت الحملة، التي تزامنت مع عقد جلسة جديدة من مؤتمر أستانة، على الضربات الجوية، واستهدفت بشكل مكثف المدارس والمنشآت الصحية والمناطق السكنية، لتشكيل ضغط من الحاضنة الشعبية على الفصائل الرافضة لمشاركة روسيا في الدوريات المشتركة مع تركيا، تنفيذا لاتفاق سوتشي، بإخلاء المنطقة العازلة، وبعمق 15-20 كم، من السلاح، ومن الفصائل، وتفضّل روسيا خلوّها من السكان أيضا.

روسيا تريد منطقة ريف حماة الشمالي والشرقي والغربي وريف إدلب الجنوبي خالية من الفصائل غير المنضبطة، وغير الخاضعة لإمرة تركيا، لتأمين محيط قاعدة حميميم من استهدافات المعارضة المتكررة؛ وذلك استكمالا لما قامت به في ريف حماة الشرقي ومنطقة الغاب، في مناطق سيطرة النظام، بجعلها مناطق نفوذ خالصة لها، وخالية من التواجد الإيراني، حيث تقيم فيها معسكراتها، وقد طردت سكان قريتي بريديج والجرنية، لإقامة قاعدة عسكرية لها تدعم الخطوط الأمامية.

وإضافة إلى هيئة تحرير الشام، هناك جيش العزة، العامل في إدلب، والمدعوم أميركيا، يعلن رفضَه تسيير دوريات روسية- تركية في المنطقة العازلة، في موقف يبدو أنه إرباك أميركي إضافي لروسيا في تحقيق مكاسب ميدانية، وتعزيز مواقعها العسكرية.

هذا عدا الإرباك الأكبر بتراجع الولايات المتحدة عن الانسحاب الكلي من شرق الفرات، وتريد روسيا أن يستعيده النظام، للاستفادة من ثرواته، ومن الاستثمارات وعملية إعادة الإعمار.

وفوق ذلك أوشك الطرفان التركي والأميركي على التوصل إلى اتفاق بشأن المنطقة الأمنية شمالي شرقي سوريا، بعد لقاء خلوصي أكار، وزير الدفاع التركي مع جيمس جيفري، المبعوث الأميركي إلى سوريا، والذي من المتوقع الإعلان عنه فصوله بعد شهر، حيث يجري التوافق على العمق الذي ترغب تركيا في التوغل به. الأمر الذي يزعج روسيا ويحفّزها على الضغط على تركيا لتحصيل مكاسب روسية شرقي الفرات.

الولايات المتحدة دعمت، من الخلف، اتفاق المنطقة منزوعة السلاح، ودعمت المشاركة الأوروبية في قمة إسطنبول الرباعية بين تركيا وروسيا وألمانيا وفرنسا، لتثبيت الاتفاق. وبالتالي بات الاتفاق دوليا، ما يعني التزام الطرفين الروسي والتركي به.

أما الفصائل الرافضة لتسيير دوريات روسية في المنطقة، أي هيئة تحرير الشام وجيش العزة، عدا حراس الدين والحزب التركستاني، وحتى الفصائل الموافقة والتابعة لتركيا، من الجيش الوطني والجبهة الوطنية، فكلها لا تأمَن الجانب الروسي، ولا تريد حصرها في منطقة ضيقة شمالا، لأن ذلك سيهدد تحصيناتها التي بنتها خلال أشهر.

كما أن المضي في تنفيذ البند المتعلق بتسيير دوريات روسية- تركية في المنطقة منزوعة السلاح، سيعني الانتقال إلى الخطوة اللاحقة، وهي فتح الطرق الدولية. فتح طريق دمشق- حلب لا يشكل خطرا كبيرا على الفصائل، بعد سيطرة الروس على شرقي السكة في 2016، بعد اتفاق أستانة 4؛ لكن الخطورة تكمن في فتح طريق اللاذقية حلب، فهو سيعني سيطرة روسيا على منطقة جسر الشغور، وبالتالي محاصرة مناطق المعارضة في جيب صغير يسهل اقتحامه.

يظلّ ملف إدلب الأكثر تعقيدا في سوريا؛ ورغم أنها (إدلب) لا تشكّل مطمعا كبيرا للأطراف الفاعلة، كونها لا تحوي ثروات نفطية، وليست ثقلا في ملف إعادة الإعمار، لكن تجميع مقاتلي المعارضة على اختلاف أجنداتهم، ووجود متشددين أجانب، واحتوائها على قرابة 4 مليون مدني بينهم نازحون من مختلف المناطق السورية التي سلمت للروس والنظام، كلها عوامل تجعلها منطقة لتسوية الصراعات وتشكيل ضغوط متبادلة بين الأطراف الفاعلة في الساحة السورية، لتحصيل مكاسب في ملفات أخرى، بحيث يبدو أن حسم مصير إدلب النهائي مرتبط بالوصول إلى تسوية سياسية نهائية، تحدّ من الصراعات الدولية والإقليمية على الأراضي السورية.

وحتى الوصول إلى تلك التسوية سيظل السوريون في إدلب يدفعون باهظا، ثمن رغبة الفصائل الجهادية وغيرها في فرض أجنداتها بالقوة، وثمن الطريق الوعر للوصول إلى تسويات دولية بشأن سوريا.

كاتبة سورية

العرب

محاولة روسية جديدة لتفكيك “الائتلاف الوطني”السوري المعارض

أعلن عدد من “معارضي” النظام في جنيف، الاثنين، عن طرحهم مبادرة قالوا إنها “وطنية سورية” تهدف لعقد “مؤتمر وطني شامل يجمع السوريين بمختلف مشاربهم الفكرية والسياسية والدينية خلال فترة أقصاها 6 أشهر”، يقع على عاتقه “وضع خريطة طريق” تتضمن “تحديد اجراءات تهيئة المناخ للحل السياسي قبل واثناء التفاوض”، و”اقتراح تشكيل هيئة حكم انتقالي وتتالف من مجلس وطني انتقالي، ومجلس قضاء اعلى، وحكومة مرحلة انتقالية، ومجلس عسكري وامني انتقالي، وهيئة مستقلة للعدالة الانتقالية”.

وإذ تبدو هذه الأهداف هي أقصى ما كان يمكن المطالبة به ضمن برنامج ثوري معارض، في لحظة ما قُبيل التدخل العسكري الروسي نهاية العام 2015، فإن الغرابة ترافق إطلاق المبادرة اليوم في ظل انتصار النظام على الأرض. وما يزيد من الغرابة، أن من يقف خلف المبادرة، هي مجموعات غير متجانسة، قليل ما يُعرفُ عن معارضتها للنظام. لا بل إن الدعم الروسي لبعض أطرافها، شديد الوضوح، كما هو حال “منصة موسكو”، وكذلك الدعم الإماراتي لمجموعة خالد المحاميد، وهما أبرز كتلتين في المبادرة، التي تنطح لقيادتها أكثر المعارضين السوريين قرباً من النظام وحليفه الإيراني، هيثم مناع.

المبادرة التي حضر إعلانها معارضون، غابوا منذ سنوات عن المشهد السياسي السوري، أكدت أنها “غير محسوبة على أي دولة أو حزب وتحمل أجندات سورية فقط”. لكن مصادر “المدن”، قالت إن المبادرة المطروحة كانت بتنسيق مباشر مع النائب السابق لرئيس “الهيئة العليا للمفاوضات” خالد المحاميد، الذي غاب عن الإعلان جسداً وحضر ممولاً وداعماً من وراء الكواليس. كما تعمّد عشرات الموقعين على المبادرة التغيّب عن حفل إعلانها، كي لا يتسببوا بتعطيلها لحظة ولادتها. من أبرز تلك الأسماء الداعمة لمبادرة هيثم المناع؛ رندة قسيس، وقدري جميل، وخالد المحاميد، وأحمد الجربا، بحسب مصادر “المدن”.

وأشارت بعض المصادر إلى التناقض الذي يحيط بدور خالد المحاميد، وهو المدعوم من روسيا، في طرح مبادرة تقول بما يحقق تطلعات السوريين في بناء دولة مدنية. كيف لا؟ وهو عراب تسليم الجنوب السوري للنظام وروسيا، عبر ممارسته ضغوطاً على قادة الفصائل، واقناعهم بعودة النظام وإقامة “المصالحة”. وإذ يغرق الجنوب السوري بالفوضى، وتخترقه مليشيات إيران وروسيا، ويعيش على وقع حرب يومية بين إيران وإسرائيل، يغيب عنه بالمطلق أي صوت للثورة السورية وأهدافها وأحلامها، بعدما تحوّل أهلها إلى لاهثين وراء لقمة الخبز.

المحاميد وبعدما نجح باختراق الفصائل العسكرية وتسبب بتسليم مهد الثورة السورية للنظام، كُلّفّ بمهمة جديدة: تكرار المهمة نفسها، ولكن على صعيد المعارضة السياسية.

ولعل “المبادرة الوطنية السورية” الحالية تتوافق مع طلب سابق للمحاميد، بعقد مؤتمر مشترك بين المعارضة والنظام، ومناقشة آليات و”سبل الحل السياسي” وفق الرؤية الروسية. فالمحاميد كان قد عمل نهاية العام 2018، بـ”ضمانات روسية” على تشكيل جسم سياسي يمهد لـ”مؤتمر حوار وطني سوري-سوري”، وبدأ تشكيل “لجان” من محافظتي درعا والقنيطرة لاختيار ممثلين عنهما لحضور المؤتمر، الذي قال المحاميد إنه سيكون بتمويل إماراتي، ودعم روسي.

والهدف من تنظيم ذلك “الحوار الوطني” في الداخل السوري، بإشراف أجهزة النظام الأمنية وحضور ممثليها، كان إيجاد جسم سياسي يمثل المعارضة في الداخل، للالتفاف على القرارات الدولية التي تدعو لانتقال سياسي للسلطة في سوريا، وتقزيم مطالب المعارضة من تغيير نظام الحكم إلى المطالبة بتأمين احتياجات الناس وتوفير الخدمات والإفراج عن الأحياء من المعتقلين في سجون النظام.

عضو سابق في “الهيئة العليا للمفاوضات”، قال في حديثه لـ”المدن”، إن مبادرة المحاميد، ولدت ميتة، خاصة وأنها تستكمل ما بدأه قبل سنوات من اختراق “الهيئة العليا للمفاوضات”، التي عجزت عن تحقيق أي تقدم في المسار السياسي منذ أواخر العام 2017.

واعتبر المصدر أن الهدف من المبادرة الجديدة، هو تفكيك “الهيئة العليا للمفاوضات” و”الإئتلاف الوطني”، وصناعة جسم سياسي جديد، بإشراف روسي، يقبل الدخول في مفاوضات مباشرة مع النظام، تحظى بدعم الشرعية الدولية، ما يضمن رفع العقوبات المفروضة على النظام والبدء بإعادة الإعمار.

وقلل العضو السابق في “الهيئة”، من قدرة هذه المبادرة على تحقيق تقدم في المسار السياسي، مستشهداً باتفاق الجنوب السوري الذي تم توقيعه بضمانة روسية. فمضمون الاتفاق ما زال معلقاً إلى اليوم، بعد مضي 9 شهور على توقيعه. فالنظام لم يُفرج عن المعتقلين، وما زال مصير الآلاف من أبناء المنطقة مجهولاً، هذا عدا عن انتشار حواجز مليشيات النظام وتقطيع أوصال حوران، على عكس ما تم الاتفاق عليه بإعادة الجيش إلى ثكناته، فضلا عن تجاوزات وانتهاكات النظام المستمرة بحق أبناء المنطقة.

إلا أن هذا تماماً، هو ما تعد به “المبادرة الوطنية السورية”: مصادرة خطاب المعارضة، والانخراط بمفاوضات شكلية مع النظام لإعادة تعويمه دولياً، والعودة إلى الأوضاع ما قبل العام 2011 مقابل بعض التنازلات الشكلية لأبطالها؛ المحاميد وجميل وقسيس ومناع. وبعبارة أخرى، استكمال برنامج الثورة المضادة، سياسياً هذه المرة.

المدن

يستغلّون نظام الأسد وهو يظن أنه يستغلّهم/ عبدالوهاب بدرخان

أصبح اعتيادياً أن يصمت مسؤولون روس إذا انتقد محاوروهم إيران ودورها في سورية أو إذا هاجمها معارضون للنظام السوري، وأحياناً يشاركون بما يضيف إلى حجج الآخرين. في الآونة الأخيرة صاروا ينصتون ويشاركون أكثر في تفنيد ممارسات النظام ومواقف رئيسه. قبل ذلك لم يكونوا يمرّرون أي ملاحظة، بل يدافعون عن “شرعية” الوجود الإيراني ومحاربته للإرهاب، ويرفضون الاعتراف حتى بوقائع موثّقة عن عمليات تهجير وتغيير ديموغرافي ينفّذها الإيرانيون. في الوقت نفسه كانوا يستبعدون أي تعريض بالنظام أو بـ “شرعية الحكومة السورية” كما يسمونها. الجديد في موسكو أن الملف السوري لم يعد مشتركاً بين الدفاع والخارجية، بل بات حصرياً لدى الاستخبارات العسكرية. ما أوجب ذلك أن العلاقة الروسية مع بشار الأسد والإيرانيين أضحت خلافية وإشكالية في الجانب الأكبر منها.

قد يتناقض هذا الواقع مع التصريحات الأخيرة للرئيس الروسي الذي أكّد التنسيق مع النظام في شأن “عملية عسكرية” ما في إدلب، ونفى أي مسؤولية للنظام في تأخير استكمال أعضاء اللجنة الدستورية، بل نوّه بجهد لـ “الشركاء الإيرانيين” في هذا المجال. لكن يصعب القول أن النظام وإيران يشاطران فلاديمير بوتين إيحاءه بأن الشراكة الثلاثية على ما يرام، بل يعتبران أنه يوجّهه إلى الأطراف الأخرى، الولايات المتحدة وإسرائيل والأوروبيين والعرب، ويوظّفه في المساومات الجارية، خصوصاً تلك المتمثلة بتفاهمات يطوّرها بوتين مع بنيامين نتانياهو (تحديداً في شأن إيران) ويأمل بأن يتمكّن الأخير من استغلال علاقته الخاصة مع الرئيس دونالد ترامب لإقناع واشنطن بمعاودة التحادث مع موسكو، أقلّه في الشأن السوري.

تتعارض الوقائع على الأرض في سورية مع المناخ العام الذي أرادت تصريحات بوتين إشاعته. هناك تنافس وصراعات بين موسكو وطهران على تقاسم النفوذ في القطاعات العسكرية والأمنية، وعلى مناطق السيطرة، وعلى القرارات “الحكومية”. كان الروس شكّلوا الفيلق الخامس الذي أصبح قوتهم الضاربة برّاً، وشرعوا أخيراً في تشكيل الفيلق السادس، كما ضاعفوا تدخّلهم في تعيينات الضباط وتسريحهم، محاولين إعادة هيكلة الجيش والأمن وفقاً لمعايير غير طائفية. في المقابل زادت الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد من التصاقها بالإيرانيين، الذين احتضنوا أيضاً الحرس الجمهوري وأدخلوا إليه عناصر من ميليشياتهم غير السورية. ومنذ فترة يتابع القريبون من النظام باهتمام التقلّبات التي تشهدها التعيينات في شعبتي الاستخبارات العسكرية والجوية، فيما يبدي الروس ثقة متزايدة بجهاز الأمن الوطني ورئيسه علي مملوك الذي تردّد أنهم طرحوا تعيينه نائباً للرئيس، وهو كان رفض سابقاً طلباً من رئيس النظام لوضع “داتا” الجهاز بتصرّف الإيرانيين. وعلى صعيد آخر دلّت اشتباكات ومناوشات في بعض مناطق حلب وحمص وحماة إلى صراع على خريطة النفوذ بين القوات الموالية لروسيا وتلك الموالية لإيران والنظام. أما بالنسبة إلى “القرارات الحكومية” فتمثّل الموافقة السريعة من الأسد على تأجير ميناء طرطوس لروسيا لمدة 49 سنة إحدى وقائعها الأخيرة، وقد جاءت بعد موافقته أيضاً على الترخيص لإيران بتشغيل مرفأ اللاذقية، غير أن اجتماعات اللجان المكلّفة بتنفيذ التعاقد مع الإيرانيين شهدت أخيراً فرملة: فتّش عن روسيا، التي تتولّى هنا عرقلة وجود إيراني على المتوسّط لا تريده أي من الدول الإقليمية، بالإضافة طبعاً إلى الولايات المتحدة.

لا يزال بعض أوساط النظام يعتقد أن الأسد حقّق نجاحات في اللعب على الحبلين الروسي والإيراني، إذ جعل الطرفين حريصين على بقاء النظام وعلى إدراج الحفاظ عليه في أهدافهما الاستراتيجية. وفي المرحلة الأخيرة ضاعف رهانه على إسرائيل، أو أن إسرائيل أوحت له بأنها متمسّكة به بدليل أنها استجابت طلباً من بوتين فأفرجت “كبادرة حسن نية” عن أسيرين (سوري متهم بتهريب مخدّرات وفلسطيني اجتاز الحدود للقيام بعملية ببندقية صيد). كان النظام يتوقع أسرى آخرين، لكن إسرائيل لا تزال تطالب برفات عميلها ايلي كوهين وجنديين في لبنان عام 1982 مع الثالث زخاريا باومل الذي سلّمت رفاته بطلب روسي بعد أيام من نيل نتانياهو اعتراف الرئيس الأميركي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان. وحين عقدت الجولة 12 من مسار استانا أكدت الدول الثلاث (روسيا وتركيا وايران) رفضها القرار الأميركي الخاص بالجولان، باعتبار أن وحدة الأراضي السورية من “ثوابتها”، إلا أنها لم تشر إلى تشديد العقوبات الأميركية على إيران و”حزب الله” مع أنه مرشح لأن ينعكس على الوضع السوري، ولا إلى تشديد العقوبات على النظام والمناطق الواقعة تحت سيطرته وعجز روسيا وإيران وكذلك امتناع تركيا عن مساعدته.

لم يكن الوضع المعيشي للسوريين، موالين ومعارضين، ليشغل الروس لولا أنهم استشعروا أخيراً أن أزمة الوقود والمواد الغذائية وازدياد النقمة الشعبية باتت تشكّل قلقاً أمنياً حتى في المناطق الأكثر موالاةً للنظام. وقد استنتج ممثلو “الهيئة التفاوضية” للمعارضة هذا القلق خلال لقائهم مع وفد روسي في الرياض، إذ تناول رئيسه ألكسندر لافرنتييف الوضع الداخلي ليعبّر عن غضب موسكو من الدول الغربية ومن سير المعارضة وراء هذه الدول. ونقلت مصادر أن ممثلي المعارضة ردّوا بأن المشكلة كانت ولا تزال داخل سورية، وتتمثّل بالنظام وتعاونه مع إيران لعرقلة أي حل سياسي، وهو أنهما نجحا في حمل روسيا نفسها على تأخير تشكيل اللجنة الدستورية لنحو سنتين، أما الدول الغربية فقال ممثلو المعارضة أنها “لم تعد مكترثة” بالشأن السوري، بل بإخراج إيران من سورية قبل تحريك الحل السياسي. بدا الجانب الروسي خلال اللقاء واثقاً بأن اجتماع “استانا 12” سيحسم تشكيلة “الدستورية”، وهو ما لم يحصل، حتى أن بوتين نفسه كشف أن الخلاف يدور على ستة أسماء جرى تبديلهم أكثر من مرّة.

الأسوأ أن الجانب الروسي يساوم المبعوث الأممي غير بيدرسون على تقاسم هذه الأسماء (3 بـ 3، أو 4 مقابل 2…)! على الجانب الآخر يحاول عدد من أعضاء اللجنة (على لائحة النظام) إيصال رغبتهم في التملّص من هذه المهمة للتخلّص من الضغوط التي يتوقّعونها. وفيما تتجنّب البعثة الأممية التدخّل في الأمر لأنه خارج صلاحيتها، إلا أن استياءً بدأ ينتاب رئيسها بيدرسون بعد مضي خمسة أشهر من دون أن يتقدّم ولو خطوةً واحدة. فإذا كان الخلاف على الأسماء استغرق كل هذا الوقت فكم سيستغرق الاتفاق على طريقة عمل اللجنة وعلى الآليات الضرورية والمناسبة لتطبيق الدستور بعد إنجازه. الواقع أن الجميع يتطلّع إلى تسهيلات روسية، ضغطاً على النظام ولجماً للإيرانيين، لكن موسكو حتى لو كانت راغبة لا تبدي استعداداً للتحرّك ما لم تتعرّف إلى ما ستجنيه في المقابل.

يعتقد الأسد أنه ونظامه صارا نقطة تقاطع مصالح القوى الدولية والإقليمية، وأنهما سيستأنفان قريباً اللعب بالأوراق، إلا أن بعض الأوساط القريبة منه لا تخفي مخاوفها من جملة تطوّرات: أولها أن الروس جمّدوا عملياً الحسم العسكري واستعادة النظام كامل السيطرة ليدخلوا في صفقات مع الأتراك والإسرائيليين، ولاحقاً مع الأميركيين في حال استجابة واشنطن. وثانيها أن الأسد اندفع نحو الإيرانيين آملاً في مكاسب من استغلال احتدام المواجهة بين إيران وأميركا، ولم يقدّر أن أي مكاسب سيجنيها الروس لقاء تعاونهم ضد الإيرانيين. وثالثها أن الوضع في الجنوب تحديداً في درعا يزداد غموضاً بسبب نشوء حالٍ من المقاومة الشعبية ضد النظام مستفيدة من الوجود الروسي. ورابعها أن الائتلاف المعارض وحكومته الموقتة افتتحا للمرة الأولى منذ بدء الأزمة مقراً في ريف حلب الشمالي وتلقيا ردود فعل غربية إيجابية، وكان النظام دأب على تكثيف القصف على المناطق الحدودية لمنع إنشاء منطقة للمعارضة. وخامسها أن العديد من العسكريين السوريين المنكفئين تلقوا أخيراً “عروضاً أميركية” لتنظيم مجموعات مسلحة قادرة على التحرّك في شمال سورية من دون أن تحظى بحماية أميركية أو باعتراف رسمي.

الحياة

بعد الانتصار الكبير في سوريا… بوتين يواجه حقل ألغام دبلوماسياً

بعد أن نقل السيطرة على معظم أراضي سوريا إلى بشار الأسد، كان بإمكان الرئيس الروسي بوتين، بدرجة كبيرة من الصدق، أن يسجل لنفسه إنجازاً عسكرياً مهماً، إلا أن الإنجاز لم يشكل انتصاراً بعد، ففي اليوم التالي تبين له أنه أمام حقل إلغام سياسي، يضع أمامه تحديات جديدة غير مخططة من شأنها أن تقضم من إنجازاته العسكرية.

الخطة السياسية التي رسمتها موسكو ظهرت وكأنها عملية مرتبة ومعقولة: روسيا كان عليها أن تبدأ بسحب جزء من قواتها من سوريا؛ وحل مسألة تفكيك قوات المتمردين في محافظة إدلب بطرق دبلوماسية، بالأساس بواسطة تركيا؛ وتشكيل لجنة لصياغة الدستور الذي سبق لمبادئه أن كتبت بأيدي المستشارين الروس؛ وتحديد موعد للانتخابات والبدء بإعادة إعمار الدولة. بدايات الفصول تم الاتفاق عليها في لقاء القمة الذي عقد في أيلول 2018 بين إيران وتركيا وروسيا، وقبلها بشار الأسد وعدد من منظمات المتمردين.

ولكن في كانون الأول الماضي بدأت الأمور تتشوش: الرئيس دونالد ترامب أعلن عن نيته سحب القوات الأمريكية من سوريا، وهو قرار لم يطبق بعد. بين ترامب وتركيا حدث شرخ عميق في موضوع الدفاع عن القوات الكردية التي تحميها القوات الأمريكية. وافق ترامب على إقامة قطاع أمني في المناطق الكردية في شمال سوريا، بعمق 32 كم، لكنه طلب أن تقوم قوات أوروبية بالإشراف عليه والقيام بأعمال الدورية في المنطقة، في حين أن تركيا طلبت أن تكون قواتها هي المسؤولة عن ذلك. وطالما لم يتم الاتفاق على هذا الموضوع فإن الانسحاب سيتأجل. وفي هذه الأثناء يبحث الطرفان عن تسوية تناسب الأكراد أيضاً.

روسيا وسوريا تعارضان أيضاً سيطرة تركيا في شمال سوريا، لكن في الوقت نفسه تطلبان من تركيا تطبيق الاتفاق حول حل المليشيات المسلحة التي تتركز في محافظة إدلب، وبالأساس قوات جبهة النصرة (أو جبهة احتلال الشام، الاسم الجديد لها). هذا الاتفاق استهدف منع هجوم عسكري روسي ـ سوري كبير على الإقليم، حسب طلب تركيا. ولكن في الوقت الحالي لا تفي تركيا بتعهدها لحل المليشيات. وبدأت روسيا بالتهديد بأن صبرها آخذ في النفاد. إن معركة على إقليم إدلب، الذي يعيش فيه 3 ملايين مواطن تقريباً مع 50 ألف مقاتل من المليشيات المسلحة، يعني موجة جديدة من اللاجئين الذين سيهربون إلى تركيا، التي تستضيف الآن أكثر من 3.5 مليون لاجئ سوري. بدون حل مشكلة إدلب سيتأخر أيضاً استكمال سيطرة النظام على كل أرجاء الدولة ومعه أيضاً باقي الخطوات السياسية التي خططتها روسيا.

لغم آخر يكمن في غياب اتفاق على تعيين لجنة للدستور التي يجب عليها العمل برعاية الأمم المتحدة. في يوم الجمعة الماضي انتهت الجولة 12 من محادثات الأستانة (أو باسمها الجديد نور الدين)، في عاصمة كازاخستان، بدون أي نتائج. أساس الخلاف يتركز حول تشكيل الطواقم التي ستعمل على صياغة الدستور. روسيا معنية بتمثيل كبير بقدر الإمكان لقوى المعارضة إلى جانب ممثلي النظام، تركيا تعارض إشراك الأكراد، والأسد يعارض مشاركة عدد من منظمات المعارضة. إيران من ناحيتها تريد الحفاظ على نفوذها في سوريا إزاء السيطرة الاقتصادية لروسيا على مواردها مثل حقول النفط والغاز التي أعطيت حقوق تطويرها لشركات روسية، إلى جانب تأجير ميناء طرطوس لروسيا مدة 49 سنة.

هذا الصراع الاقتصادي تعاظم إلى جانب ما تسميه إيران تعاوناً بين روسيا وإسرائيل، في مؤامرة لطردها من سوريا. محللون إيرانيون يشيرون إلى عدد من «الدلائل»: إعطاء الضوء الأخضر لمهاجمة أهداف إيرانية؛ وضبط النفس الروسي بشأن قرار ترامب الاعتراف بهضبة الجولان كجزء من دولة إسرائيل؛ ومؤخراً إطلاق سراح أسيرين سوريين مقابل جثمان زخاريا باومل. كل ذلك يعتبر خطوات تدل على وجود «تحالف» روسي ـ إسرائيلي موجه ضد طهران. هذا التفسير الإيراني ـ الذي يجد له مؤيدين أيضاً في الحكومة التركية ـ يخدم في الحقيقة إسرائيل التي تبدو كمن تستطيع التأثير على سياسة روسيا في الشرق الأوسط (إلى جانب السياسة الأمريكية). ولكن ليس مؤكداً أن روسيا راضية عن هذا التشبيه، لا سيما عندما تكون موجودة ضمن ضفيرة من الخطوات السياسية في سوريا، التي من الأفضل لها ألا تظهر كمن تعمل حسب أجندة إسرائيل.

روسيا تسيطر على ما يبدو على احتكار إدارة العمليات السياسية، ولكن هذا الاحتكار الذي يقتضي صيانة ومرونة تجاه المنافسين الآخرين من أجل أن يتمكن من التحقق. في هذه الأثناء يبدو أن ملايين المهجرين واللاجئين السوريين، وكذلك الأفكار والمخططات لإعادة إعمار سوريا، ستضطر إلى الانتظار. لأنه طالما لم يشكل هناك نظام ثابت ومتفق عليه، لن تكون هناك دولة مانحة مهمة ستوافق على ضخ الأموال الطائلة المطلوبة لإعادة الإعمار.

تسفي برئيل

هآرتس 30/4/2019

القدس العربي

سورية.. مصير اتفاق سوتشي ومسؤولية الفصائل/ عمار ديوب

صعّدت روسيا والنظام السوري قصفهما على ريفي حماة الشمالي والغربي وجنوب إدلب، وكأنهما يريدان استباحة إدلب بأكملها، وقصفا منشآت طبية وتعليمية وقرى وبلدات، وطاول التهجير مئات ألوف الناس. جاء هذا الجديد على أثر تسريباتٍ وصفقاتٍ بين روسيا وتركيا، فالأخيرة تأخذ تل رفعت وقرىً تسيطر عليها الوحدات الكردية، وروسيا تتوسع في المناطق منزوعة السلاح وفق اتفاق سوتشي، فتصبح منزوعة السكان، ومناطق عسكرية خالصة لصالح الروس، وتسيّر فيها الدوريات.

لتركيا التي هي أحد الضامنين لاتفاق سوتشي 2018، حساباتها في عدم تصفية الفصائل الرافضة هذا الاتفاق، مثل هيئة تحرير الشام وجيش العزة، ولكن لروسيا مصلحة في ضبط كل العمل العسكري في إدلب؛ أي على حدود المناطق التي تسيطر عليها روسيا، وللأخيرة مطارات وثكنات وجنود ومرافئ، وبالتالي تريد تنفيذ اتفاق سوتشي كاملاً، ولو أدى الأمر إلى إنهائه وليس تطبيقه، واحتلال إدلب أيضاً. ما تمنع روسيا عن إنهائه، كما حال اتفاقيات خفض التصعيد في درعا وغوطة دمشق وحمص الشمالية، والاكتفاء بتطبيقه، ويؤكد أن العملية لن تكون واسعة، شروطٌ دوليةٌ تخص إدلب، إذ هناك رفض دولي لاجتياح كامل. وقد أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بياناً رافضاً لها؛ فسوف يفضي إلى موجةٍ جديدة من التهجير، وستطاول ملايين السوريين، وهذه لا تحتملها لا تركيا ولا أوروبا، وهناك أيضاً عدم جاهزية روسيا لحرب استنزافٍ طويلة، سيما أن الخلافات بينها وبين إيران تتصاعد، وهي تسعى إلى فرض سيطرة كاملة على شمال حماة وجنوب إدلب، وإخراج إيران نهائياً من تلك المنطقة. وبالتالي، ليس هناك قوات برية تابعة للروس، وتكون قادرةً على حرب طويلة وصعبة، حيث

هناك عشرات الألوف من المقاتلين في إدلب. والآن يثير التصعيد التحشيد العسكري، وستتشكل بالضرورة غرف عمليات قوية. وهذا ما سيوحد الفصائل المختلفة في إدلب (هيئة تحرير الشام، الجبهة الوطنية، الجيش الوطني، جيش العزة، وربما حراس الدين والجهاديين الأجانب). لهذا لن تصعد روسيا من معركتها الحالية. تريد تطبيق اتفاق سوتشي، وإجبار جيش العزة، وهيئة تحرير الشام، على الموافقة عليه، والسماح بتسيير دوريات روسية تركية مشتركة. يرفض “العزة” بشكل قطعي ذلك، وتطلب “تحرير الشام” أن تسير الدوريات برعايتها! طبعاً يستهدف اتفاق سوتشي إنهاء “تحرير الشام”، وتصفية جيش العزة، وهناك بديل تركي عنهما، الجيش الوطني، والجبهة الوطنية.

ويعود تأخر تركيا في الحسم إلى أسباب متعددة، منها كما جاء أعلاه الخلافات عن الحصص في تل رفعت، وأيضاً صعوبة الحسم ضد هيئة تحرير الشام خصوصا، وهناك عدم الاتفاق الكامل بخصوص شرقي الفرات، والتي تتكثف النقاشات التركية الأميركية حولها، وبما ينشئ منطقة آمنة بإشراف تركي، وهذا أيضاً عنصر خلاف بين روسيا وتركيا، فروسيا تريد السيطرة على شرق سورية، حيث ثروات سورية النفطية والزراعية والمائية. وبالتالي هناك أسباب متعددة للتصعيد الروسي، وبما يُجبر تركيا على مزيد من التوافق مع روسيا، بخصوص تطبيق اتفاق سوتشي والمنطقة الآمنة في شرق سورية، وبخصوص اتفاقيات تركيا مع أميركا، والتي تشهد تقارباً، وعلى أكثر من صعيد. رفض تركيا التصعيد الأميركي ضد إيران لا يعتد به كثيراً.

تذهب كل مقاربةٍ للتصعيد الأخير نحو المقارنة مع مناطق خفض التصعيد الأخرى، والتي استُخدمت الاتفاقيات تلك فيها لإنهاء “تحرّرها” من النظام، وبالتالي عادت إلى سيطرته. الوضع في إدلب خطير للغاية، وهنا على الفصائل الموجودة هناك الارتقاء إلى مستوى المشكلة، فإدلب حاضرة على طاولة البحث بين كل من تركيا وروسيا وإيران وأميركا، وهي لن تُترك “مستقلة”، بل ستفرض عليها اتفاقيات أخرى، وليس فقط اتفاق سوتشي. الآن وكما الحال مع فصائل درعا والغوطة وحلب وحمص، تتحمل فصائل إدلب المسؤولية. يقع على جيش

العزة بالتحديد احترام اتفاق سوتشي، وهنا تكمن مشكلة، فهذا الجيش مدعوم أميركياً، وتشدده يجد تفسيره انطلاقاً من “إزعاج” أميركي للروس، ولكن موقفه أوجد حجةً للروس لذلك التصعيد، وتهجير كل السكان من مناطق القتال. وبتصعيدها، لا تكتفي روسيا بأن تُهجر سكان قرى كثيرة، وهي تهجر سكان بلداتٍ خاضعة للنظام في المنطقة ذاتها، بقصد بناء منطقة عسكرية جديدة لها في شمال حماة، وبالتالي لن تصمت أبداً عن أي فصائل عسكرية خارجة عن السيطرة التركية. جيش العزة وهيئة تحرير الشام، خارجان عن ذلك، ويرفضان الدوريات المشتركة، ويرفضان إخلاء بعض القرى المشمولة باتفاق سوتشي. تعني هذه الأفعال حرباً قوية من الروس وحلفائهم في تلك المنطقة، وبالتالي تتحمّل الفصائل مسؤولية كبيرة في مواقفها تلك، وهذا ما يدفع إلى القول إن روسيا لا تحتاج إلى حجة للتصعيد، وهي تسمح لقوات النظام بتكرار ذلك.

وباعتبار أن الفصائل تدعي أن مواقفها تنطلق من الدفاع عن حقوق الناس، فإن الموافقة الكاملة على اتفاق سوتشي، بين الرئيسين التركي أردوغان والروسي بوتين، أكثر من ضرورية في هذه المرحلة، وطبعاً كان يجب تنفيذ بنوده منذ لحظة توقيعه، في 2018. هيئة تحرير الشام وجيش العزة يتحملان مسؤولية إذاً، وهناك قضايا أخرى، يقع على الهيئة بالتحديد إنجازها، وتتصل بتسليم كل الجوانب الخدمية لحكومة ومجالس محلية منتخبة وممثلة للسكان، ومحاربة كل أشكال الجهادية المتبقية في المدينة، وتنظيف نفسها من العناصر والكتل الجهادية. ستجدد هذه النقطة التصعيد، في حال توقف التصعيد الحالي، ولم يصل إلى طرح مصير الجهاديين في إدلب من حراس الدين وسواهم وهيئة التحرير نفسها.

قصدت من التحليل أعلاه أن الفصائل المعارضة لروسيا وللنظام معنية بنزع كل حجة تنهي اتفاق سوتشي، وتؤدي إلى كوارث طالما فعلتها روسيا وحلفاؤها في كل سورية، وهذا ما يطرح مصير هيئة تحرير الشام نفسها. إذاً للتصعيد الحالي أسبابه، وسيكون هناك تصعيدٌ آخر، وسيشمل مصير الهيئة، فهل تعي الأخيرة مسؤولياتها الراهنة والمستقبلية وتحلُّ نفسها؟

العربي الجديد

الاستثمار الروسي في سوريا/ رضوان زيادة

تعيش المناطق داخل سوريا والتي ما زالت تحت سيطرة النظام السوري أزمات اقتصادية متلاحقة هذا فضلا عن السياسية والأمنية التي لا يبدو أن أحداً يكترث لها تحت حكم النظام السوري، فقد شهدت العاصمة دمشق وغيرها من المدن السورية نقصاً حاداً في الغاز المنزلي حيث انتظم المواطنون في طوابير لا تنتهي من أجل الحصول على جرة الغاز التي أصبحت تستخدم اليوم ليس فقط للطهي وإنما للتدفئة مع انعدام الكهرباء في معظم المدن السورية وانقطاعها لساعات طويلة في العاصمة، والشهر الماضي اصطفت الطوابير مجدداً من أجل الحصول على البنزين الذي انفقد تماما من محطات الوقود وشوهدت عربات الحيوانات التي تنقل الركاب بسبب فقدان مادة البنزين بشكل شبه تام، أما الحاجات الأساسية كمياه الشرب والكهرباء والمدارس وغيرها فتبقى معدومة نهائيا داخل المدن التي اصطفت يوما ما مع المعارضة وتعرضت لدمار شبه كامل في كل أبنيتها ومبانيها وبناها التحتية كداريا والمعضمية ومدن الريف الدمشقي وأحياء كاملة في حمص وحلب حيث لم يعد أيٌّ من ساكنيها

لغياب الأمان أولا وثانيا لانعدام الموارد كليا عن إعادة إعمار هذه المدن التي دمرها النظام السوري بمروحياته وطائراته وصواريخه وأكمل المهمة فيما بعد الطيران الروسي الذي حول مدنا كحلب ودوما وحرستا إلى مكب كبير للنفايات حيث الانعدام الكامل للقدرة على رفع الأنقاض بسبب كبر حجمها وانعدام الموارد الضرورية للقيام بذلك.

في نفس الوقت يبدو حلفاء النظام الرئيسيّون في روسيا وإيران غير مستعدين لمساعدة النظام السوري في الخروج من محنته، فهم يعرفون أولا أن التكلفة تفوق قدرتهم لا سيما أن الاقتصاد الإيراني اليوم يخضع لضغوط غير مسبوقة مع سياسة تصفير الصادرات الإيرانية التي أعلن عنها الرئيس الأميركي ترمب، وهو ما انعكس في زيادة التضخم وارتفاع سعر الريال الإيراني مقارنة بالدولار إلى مستويات غير مسبوقة (وصل الدولار إلى 42 ألف ريال إيراني) وهو ما رافقه ارتفاع الأسعار للمواد الأساسية كالغذاء والمحروقات، كل ذلك يؤكد أن إيران لن تكون في وارد مساعدة النظام السوري في محنته الاقتصادية اليوم التي لا يبدو أن هناك أفقاً للخروج منها فالعقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية تزداد شهرا بعد شهر والخزينة السورية شبه خاوية تماما من أية أرصدة أجنبية بعد استنفاد كل الاحتياطي في تمويل الحرب ضد الشعب السوري خلال السنوات الماضية، وهو نفسه النظام الذي لا يعتبر نفسه أنه يخضع للمساءلة أو المحاسبة أمام السوريين بسبب هذه السياسات التي قادت سوريا إلى أن تكون دولة فاشلة كما هي اليوم بكل معنى الكلمة.

على ضوء هذه المؤشرات الاقتصادية التي لا تنبئ بأن حلا قريبا للأزمة الاقتصادية التي يعيشها الداخل السوري انعقدت جولة جديدة من المباحثات في أستانا بعد توقف المفاوضات في جنيف مع تسلّم المبعوث الدولي الجديد لسورية بيدرسون مهامه من جنيف والذي كان قد علق آماله بأن الجولة الأخيرة للمفاوضات في أستانا قد تقود إلى انفراجة ما في ملف اللجنة الدستورية لكن

شيئا من ذلك لم يتحقق، وهو ما اعترف به وزير الخارجية الكازاخي في بيانه الختامي الذي طالب “المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسن بتسريع العمل لإطلاق اللجنة الدستورية في أقرب وقت ممكن” على الرغم من التوقعات التي سبقت هذه المفاوضات بأن إعلان اللجنة الدستورية سوف يتم في الشهر الماضي من أستانا.

وبنفس الوقت يبدو أن روسيا قد فترت رغبتها في حمل ملف اللاجئين، وإقناع العالم والسوريين أنفسهم بأنه يمكنهم العودة فالحقائق على الأرض تخالف كل الأكاذيب الروسية التي تنشرها بشكل دائم، حيث لم تبذل روسيا أية جهود سياسية في المضي قدما في ملف اللجنة الدستورية بل على العكس من ذلك بدا وأنها تدفع باتجاه بدء المعركة في إدلب، حيث سمحت للنظام السوري باستئناف القصف بالبراميل المتفجرة في القرى والمدن المختلفة التي تخضع للمعارضة السورية في إدلب وريف حلب، وقد خلف هذا القصف أكثر من 18 قتيلاً خلال الأيام الماضية فيما يبدو مؤشر واضح على الرغبة الروسية في الحسم العسكري على عكس ما نص عليه بيان أستانا الأخير، وعلى العموم لا تبدو هذه المرة هي الأولى التي تخالف روسيا في وقائعها على الأرض البيانات التي تدعمها في المؤتمرات الدولية.

وعليه، فعلى السوريين أن يتوقعوا دوما عكس ما تقوله البيانات الروسية وهو ما يدفع للقول بأن معركة إدلب ربما بدأت.

لكن الحماسة الروسية اليوم تبدو على أشدها في الحصول على عقود وتفاهمات مع النظام السوري لاستثمار ما تبقى من الموارد الطبيعية السورية وعليه فإننا نسمع كل يوم عن عقد لمدة 49 عاما لاستثمار مرفأ طرطوس وعقود أخرى لاستثمار الغار في ريف حمص وغير ذلك، أدركت روسيا مؤخراً أن مغامرتها في سوريا لم تجلب لها المنافع التي توقعتها وإنما خسرت سمعتها في العالم العربي وها هي تخسر وتبدد مواردها في دعم نظام لا يستطيع الصمود بنفسه وإنما تحول إلى عار على نفسه وعلى السوريين وعلى المجتمع الدولي بأكمله.

تلفزيون سوريا

كذبة صدّقها النظام السوري/ خيرالله خيرالله

يشير ما تفعله روسيا حاليا إلى رغبة في التوصل إلى صفقة بين النظام السوري وإسرائيل في حال توفر شروط معيّنة. استدعى عثور القوات الروسية على رفات عسكري إسرائيلي، مفقود منذ معركة السلطان يعقوب في لبنان في العام 1982 مع رفاق له وتسليمه إلى إسرائيل، قيام موسكو بمبادرة من أجل إنقاذ ماء الوجه لبشّار الأسد.

أدت المبادرة إلى إطلاق إسرائيل سراح معتقلين سوريين كانا في سجونها. لم يعد أمام روسيا سوى مثل هذه المبادرة من أجل القول إن النظام السوري ما زال حيّا يرزق، وأنّه كان له دور في العثور على رفات العسكري السوري في مخيّم اليرموك الفلسطيني قرب دمشق.

بكلام أوضح، أرادت موسكو تأكيد أن النظام السوري جزء من صفقة محتملة مع إسرائيل تتجاوز مسألة الرفات، ويمكن أن تصل إلى إعادة إسرائيل الحياة إلى سياستها القديمة المستمرّة منذ العام 1967. تقوم هذه السياسة في الأساس على وجود نظام أقلّوي في دمشق مهمته الأولى والأخيرة حماية أمنها في الجولان الذي ضمته إلى أراضيها منذ فترة طويلة.

ماذا يعني ذلك كلّه، خصوصا أن كلاما من نوع آخر صدر عن مسؤول روسي عن احترام إيران للاتفاق الذي يقضي بابتعاد قواتها الموجودة في سوريا عن خط فك الاشتباك في الجولان مسافة تراوح بين 75 و80 كيلومترا؟ هل يعني أنّ إيران طرف أيضا في الصفقة التي يسعى الروسي إلى تمريرها بما يؤدي إلى تحويل نفسه محورا لأي حلّ يمكن الوصول إليه في سوريا؟

كلّ ما يمكن قوله إنّ روسيا تعمل حاليا، من أجل إثبات أنّها تمسك بكلّ خيوط اللعبة في سوريا، وأن هناك فائدة من تدخلها المباشر في الحرب على الشعب السوري ابتداء من أواخر أيلول – سبتمبر 2015. من الواضح أن الرئيس فلاديمير بوتين في حاجة إلى إظهار أنّه كان على حق في التدخّل في سوريا عسكريا، وأنّ الأمر لا يقتصر على إيجاد حقل تجارب للسلاح الروسي بغية إثبات فعاليته ومستواه. هناك ما هو أهمّ من ذلك، خصوصا لجهة تأكيد أن روسيا صارت اللاعب الأساسي في سوريا، وأنّها استعادت موقعا مهمّا في الشرق الأوسط انطلاقا من سوريا وساحلها.

يصعب القول إن الرهان الروسي في سوريا هو رهان في محلّه في غياب اتفاق واضح بين موسكو وواشنطن على الدور الروسي في سوريا بمباركة إسرائيلية. صحيح أن إسرائيل على تفاهم عميق مع روسيا، وأن كلّ ما تفعله ناتج عن هذا التفاهم بين الجانبين، لكن الصحيح أيضا أن روسيا لا يمكن أن تحقق نجاحا حقيقيا في سوريا من دون أن تأخذ في الاعتبار شرطين في غاية الأهمية. هذان الشرطان المهمّان مرتبطان بمستقبل النظام السوري، والوجود الإيراني في سوريا المرتبط بالوجود الإيراني في لبنان أيضا.

بالنسبة إلى الشرط الأوّل، ثمّة حاجة إلى استعادة مجموعة من البديهيات. في مقدّم هذه البديهيات أن الثورة السورية ثورة شعبية حقيقية بغض النظر عن القيادات التي نبتت على هامش هذه الثورة… وبغض النظر عن دور النظام السوري وإيران في إيجاد “داعش” من أجل تبرير اللجوء إلى كلّ أنواع الإرهاب في التعاطي مع ثورة الشعب السوري على الظلم.

عانى السوريون طويلا من نظام لم يكن لديه همّ، في يوم من الأيّام، سوى البقاء في السلطة مستخدما شعارا واحدا هو إلغاء الآخر. سئم الشعب السوري من نظام لا يؤمن سوى بهذا الشعار الذي يعني قمع المواطن وتحويله إلى مجرّد عبد لدى العائلة الحاكمة. هل في استطاعة روسيا أن تفهم ذلك وأن تتصرف من منطلق أن لا مجال لإعادة الحياة إلى النظام السوري، لا لشيء سوى لأن النظام انتهى قبل اندلاع الثورة في آذار – مارس من العام 2011؟ هذا النظام انتهى عندما لم يجد ما يردّ به على القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في الثاني من أيلول – سبتمبر 2004 سوى التمديد للرئيس اللبناني وقتذاك إميل لحود، ثم المشاركة في اغتيال رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط – فبراير 2005 أو تغطية الجريمة في حال كان مطلوبا إيجاد أسباب تخفيفية، أو ما شابه ذلك، لبشّار الأسد.

بالنسبة إلى الشرط الثاني، المتعلّق بالوجود الإيراني في سوريا، لم تستطع موسكو إلى الآن تصديق أنّ ليس في الإمكان الفصل بين بشّار الأسد وإيران. كلّ من حاول القيام بعملية الفصل هذه فشل فشلا ذريعا في ذلك. ليس سرّا أن رئيس النظام السوري ربط مصير نظامه منذ اليوم الأوّل الذي خلف فيه والده، وربّما قبل ذلك، بإيران وبـ”حزب الله” في لبنان. ليس صدفة أن يكون الحزب، الذي هو لواء في “الحرس الثوري” الإيراني، دفع كلّ ما يمتلك من قوى وإمكانات من أجل الحؤول دون سقوط النظام وذلك منذ اليوم الأوّل لاندلاع الثورة في 2011.

لا مجال أمام روسيا، من أجل تحقيق تقدّم في سوريا، سوى تحقيق هذين الشرطين المرتبطين في نهاية المطاف بشخص بشّار الأسد وإيران التي تعرف قبل غيرها أن انسحابها من سوريا سيعني نهاية النظام في طهران. إضافة إلى ذلك، تعرف إيران أن وجودها في سوريا مرتبط بشخص رئيس النظام ولا شيء آخر غير ذلك.

لا يستطيع بشّار الأسد أن يكون روسيا، على الرغم من معرفته التامة بأن سلاح الجوّ الروسي كان وراء بقائه في دمشق كرئيس لا يتحكّم سوى ببعض الميليشيات التابعة للنظام. صارت هذه الميليشيات تختزل النظام لا أكثر. من الصعب على موسكو استيعاب هذه المعادلة، على الرغم من معرفتها بأنّ كلّ الوعود التي حصلت عليها من النظام كانت مجرّد وعود زائفة.

تبقى حقيقة ثابتة وحيدة في سوريا. تتمثّل هذه الحقيقة في أن الإدارة الأميركية جدّية في ممارسة ضغوط على إيران من أجل تغيير سلوكها. شملت هذه الضغوط الوجود الإيراني في الأراضي السورية من جهة، ومحاصرة النظام السوري اقتصاديا من جهة أخرى. ليست أميركا وحدها التي لا يمكن أن تقبل بالوجود الإيراني في سوريا. هناك إسرائيل أيضا التي يبدو أنّها قررت إعطاء موسكو كلّ ما تحتاجه من وقت لإقناع النظام باتخاذ قرار مستحيل هو فكّ الارتباط بإيران.

في انتظار تأكد روسيا من أنّ لا مجال لأيّ ابتعاد للنظام السوري عن إيران، ليس ما يمنع استمرار البحث عن رفات لجنود إسرائيليين آخرين، أو عن رفات الجاسوس إيلي كوهين، ما دام المطلوب تحقيقه يتحقّق. المطلوب تفتيت سوريا التي عرفناها وتكريس الوجود الإسرائيلي في الجولان المحتل. ثمّة حاجة إلى إقناع النظام السوري بكذبة كبيرة صدّقها في الماضي وما زال يصدّقها. تقول هذه الكذبة إنّه لا يزال لديه أمل بإنقاذ نفسه وأن تسليم الجولان لإسرائيل في العام 1967 لا يزال ورقة صالحة للاستخدام!

إعلامي لبناني

العرب

هل بدأت روسيا معركة تأمين الخواصر الرخوة شمال غرب سوريا؟/ منهل باريش

صعّدت موسكو من قصفها الجوي العشوائي على منطقة خفض التصعيد الرابعة شمال غرب سوريا التي تسيطر عليها المعارضة السورية. وتركز القصف بداية على قرى وبلدات ريف حماة الشمالي الممتدة من مدينة مورك شرقاً وصولا إلى قلعة المضيق غرباً. وتوسعت دائرة القصف لتشمل بلدات ريف إدلب الجنوبي ومن ثم قرى جبل الزاوية التي قصفت بعشرات البراميل المتفجرة.

وعلمت “القدس العربي” أن ضباطا روس حَمّلوا نظراءهم الأتراك عدم ضبط منطقة خفض التصعيد وخصوصا مسألة استهداف القاعدة الجوية الروسية التي تتخذ من مطار حميميم العسكري مقرا لها.

وتتذرع موسكو بسيطرة هيئة “تحرير الشام” وفشل الدوريات المشتركة وعدم التزامها بتطبيق اتفاق سوتشي الموقع بين الجانبين في أيلول/ سبتمبر الماضي في الضغط على أنقرة بخصوص ملف المنطقة.

أهداف الهجوم

مهدت عدة تطورات إلى صعوبة الاستقرار طويل الأمد في إدلب، أبرزها:

رفض الروس إنشاء نقاط مراقبة تركية متقاربة في ريف حماة الشمالي وسهل الغاب، ما أدى إلى بعد المسافة بين نقطتي المراقبة في مورك وشير مغار شمال قلعة المضيق، وبقيت المنطقة خالية من التواجد التركي. ويضاف إلى ذلك تمركز نقطة شير مغار بعيدا عن سهل الغاب، وعدم تواجد أي نقطة تركية في سهل الغاب مطلقاً.

الرغبة الإيرانية بتكثيف تواجدها في مناطق نهر العاصي المقابلة والمتداخلة مع منطقة اللطامنة، تحديداً في معر زاف والأراضي الزراعية غربها، حيث تسللت الميليشيات التابعة لها إلى إحدى نقاط “جيش العزة” واستهدفت 19 مقاتلاً في عملية شكلت خرقاً أمنياً كبيراً لأقوى فصائل المعارضة السورية والأكثر تمرسا وتدريبا وجاهزية قتالية، اخترقت خلالها وحدة مهام خاصة مشتركة من القوات الإيرانية وحزب الله منطقة الزلاقيات قرب اللطامنة.

وتضاف القدرة النارية لفصائل المعارضة للوصول إلى المخافر الروسية الصغيرة قرب محردة والسقيلبة واعتبار موسكو أن حماية القرى المسيحية وتأمين سلامتها هو من أولويات دورها في سوريا.

ويعتبر تهديد مطار حميميم العسكري واحداً من أبرز تلك الإشكاليات بين روسيا وتركيا، فرغم نجاح أنقرة بمنع استهداف المطار بطائرات الدرون الموجهة التي كانت تطلقها هيئة تحرير الشام بشكل منتظم، إلا انه سجلت عدة هجمات بتلك الطائرات فيما يعد استهدافاً للمطار من قبل “حراس الدين” و”تحرير الشام” خلال جولة أستانة 12. والخميس الماضي حصلت أكبر عملية قصف على مطار حميميم منذ توقيع اتفاق سوتشي حتى اللحظة حيث استخدمت صواريخ غراد 40 كم لقصفه وأطلقت من قرى جسر الشغور الغربية الأقرب للقاعدة الروسية.

وتعتبر الهجمات الخاطفة على خطوط جبهة جورين وريف حلب الجنوبي أيضا سببا للتصعيد الحاصل والذي جاء كرد فعل على قصف النظام.

وتدفع الاعتبارات الواردة أعلاه إلى ترجيح قيام موسكو بعملية عسكرية محدودة لتأمين تلك المناطق والتي أصبحت خواصر رخوة ويمكن تلخصيها بأربع رئيسية ستتحرك روسيا من أجل إبعاد المعارضة عنها بشكل نهائي وهي: جورين والقرى العلوية القريبة، السقيليبة وجوارها، مدينة محردة إضافة إلى مطار حميميم.

وفي غياب التوصل إلى حلول وتجاهل التعهدات التركية في ضبط الخروقات، أصبح من الواضح أن روسيا تستعد لتحرك يبعد نيران مدفعية المعارضة وصواريخ الراجمات إلى نحو 25 كم وهذا عملياً يعني الرغبة الروسية بالسيطرة على كامل ريف حماة الشمالي من مدينة مورك شرقا إلى اللطامنة وكفر نبودة وهو المحور الأقرب إلى مدينة محردة، فيما تشكل قلعة المضيق وريفيها الشرقي والغربي الخطر الأكبر لمدينة السقيليبة.

ولتأمين القرى العلوية في سهل الغاب على روسيا إبعاد المعارضة منه إلى حدود جبل الزاوية الغربية المطلة على سهل الغاب، فيما تعتبر السيطرة على جسر الشغور وريفها الغربي وتضييق سيطرة المعارضة قرب الحدود السورية التركية أكثر الأهداف استراتيجية لتصفية سماء مطار حميميم أمام قاذفاتها الاستراتيجية المتمركزة هناك.

اتفاق سوتشي

من المرجح أن روسيا ستحاول الموازنة بين العملية العسكرية المحدودة هذه وبين علاقتها مع تركيا، وهذا ما قد يدفع موسكو إلى عملية عسكرية دقيقة وليس اجتياحا بريا كبيرا غير متفق عليه، كما فعلت عندما أخلت باتفاق شرق السكة (سكة قطار الحجاز) وتقدمت غرب سكة القطار إلى مسافة وصلت إلى 15 كم في بعض المناطق في ريفي إدلب وحماة الشرقيين.

ليس الحفاظ على العلاقة مع تركيا هو ما سيحدد الهدف الروسي من حجم العملية العسكرية، وإنما الاعتبارات الروسية نفسها للحفاظ على مسار أستانة والتقدم في اللجنة الدستورية والنية المعلنة لعودة اللاجئين. فعملية عسكرية غير دقيقة ومنضبطة ستدفع مئات الآلاف من السوريين في تلك المناطق إلى النزوح شمالا إلى عفرين وريف حلب الشمالي، أي حصول موجة تشريد وتهجير قسري جديدة بحق المدنيين.

من جهة أخرى، فان تركيا اعتادت المفاوضات على حافة الهاوية بشكل دائم وهذا ما فعله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في قمة طهران على الهواء مباشرة في أيلول/سبتمبر الماضي.

وهنا، تدرك أنقرة أن تجنيب إدلب عملية عسكرية ووقف القصف العشوائي ونزع الذراع الروسية وتحقيق ما تسعى له موسكو من العملية العسكرية بالطرق الدبلوماسية، أي تأمين الخواصر الرخوة بشكل نهائي يتطلب إيجاد آليات جديدة في منطقة اللطامنة وقلعة المضيق وإبعاد “تحرير الشام” وباقي التنظيمات المعتبرة إرهابية في اتفاق سوتشي من خطوط المواجهة مع النظام في جسر الشغور وسهل الغاب وريف حلب الجنوبي ووقف استهداف مطار حميميم بشكل حازم ونهائي.

دون تغيير تركيا لاستراتيجيتها في التعامل مع “تحرير الشام” وتطبيق اتفاق سوتشي الذي تأخرت فيه فإن منطقة شمال غرب سوريا ستبقى عرضة للخطر المستمر ومهددة بعدم الاستقرار دائماً وعلى فصائل المعارضة أن تدرك أن المواجهة مع روسيا هي ضرب من المستحيل وأن إعمال العقل أجدى من الشعر والخطابة.

القدس العربي

سورية رهينة روسية إيرانية/ بشير البكر

سورية مرهونة اقتصاديا لروسيا وإيران. وتفيد الأخبار المعلنة عن توقيع عقود روسية وإيرانية، من أجل تملك واستثمار وإدارة قطاعات استراتيجية من الثروة الوطنية، كالغاز والفوسفات والنقل فترات زمنية طويلة، تصل حتى نصف قرن، كما هو حال الغاز الذي وقعته شركة الملياردير الروسي، غينادي تيمتشنكو، الشريك لعائلة الرئيس فلاديمير بوتين.

يبدو أن الهيمنة السياسية على جزء كبير من سورية من الاحتلالين، الروسي والإيراني، لا تؤدي الغرض. وعلينا أن نأخذ في الاعتبار كلفة المساعدة العسكرية التي قدمتها روسيا وإيران للرئيس السوري، بشار الأسد، وعائلته والأطراف المتحالفة معه، طوال ثماني سنوات من الثورة السورية. وكما هو معروف، الفاتورة باهظة جدا، وتقدّر بالمليارات. وفي كل الأحوال، لا يمكن أن تتنازل الدولتان عن الديون التي باتت مترتبة على النظام، فهما أرسلتا قواتٍ إلى سورية لخوض حربٍ طويلة، باتت خسائرها كبيرة في الأرواح والماديات. وهذا يعني أن هذين الشريكين في الحرب لن يوفرا فرصةً من أجل تعويض خسائرهما.

سورية بلد مريض، يجري توزيع مقدّراته بين الاحتلالات الأجنبية تحت إشراف روسيا التي صارت صاحبة الحصة الأكبر في الاقتصاد والسياسة والأمن. هي التي تفاوض الولايات المتحدة على منطقة الجزيرة الواقعة تحت سيطرة قوات سورية الديموقراطية. كما أنها ترسم لإسرائيل حدود أمنها، وتتفاوض مع تركيا على إدلب ومناطق درع الفرات وغصن الزيتون. ووصل نفوذها إلى أنها تحدّد لإيران نسبتها من العوائد الاقتصادية، ومناطق الوجود الأمني والعسكري. وكما هو واضح من العقود الأخيرة التي وقعتها شركة الملياردير الروسي تيمتشنكو (ستروي ترانس غازCTG)، تحصل روسيا على النسبة الأكبر من المشاريع بحدود نسبة 70%، وهذا يعني أن إيران خسرت رهانها على احتكار الكعكة السورية، وباتت حصتها متركزةً على استملاك أراضٍ وعقارات في المدن الكبرى، وخصوصا في دمشق ومحيطها، وصارت تتمدّد في العامين الأخيرين إلى مدن أخرى، مثل حمص وحلب، وحتى الحسكة.

وتفضح الاتفاقات التي جرى توقيعها حتى الآن البروباغندا الروسية الإيرانية التي تتحدّث عن حرب ضد الإرهاب في سورية، وصار واضحا أن تدخل هاتين القوتين، السياسي والعسكري، أملته مصالح اقتصادية وحسابات الموقع الاستراتيجي، وبات بمثابة القيد المعلق في رقبة البلد، ولا فكاك منه، طالما أن المافيات المحيطة بالأسد لا تزال في السلطة، فهؤلاء هم الضمانة الوحيدة لتحصيل الديون الروسية والإيرانية، وما عدا ذلك مناورات وأكاذيب مكشوفة، يروجها المحتلون الجدد. بشار الأسد دمر البلد وهجّر أهلها، وها هو يرهن ثرواتها لأكثر من نصف قرن للروس والإيرانيين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية في سورية، وذلك كله من أجل أن يحتفظ، هو والمافيات المحيطة به، بكرسي الحكم. وجود الأسد ومافياته يقدم غطاء للاحتلال، وهذا ما يفسر سبب التمسك به من جميع المستفيدين من تقاسم سورية. ولكن هذا لا يعني أن يقبل السوريون بالواقع المزري الذي أوصل الأسد سورية إليه، ففي نهاية المطاف، هذا البلد هو للسوريين، وليس لآل الأسد، وعليهم أن يستعيدوه بكل الوسائل المشروعة. والأمر الغريب أن تقاسم سورية بين الروس والإيرانيين يتم وسط صمت شامل، ولم يصد أي رد فعل، حتى من الذين يقدّمون أنفسهم أنهم يمثلون الثورة، فهؤلاء جلسوا إلى جانب الروس في مفاوضات أستانة، وكأن كل شيء على ما يرام. والملاحظ أن هؤلاء الممثلين يفصلون بين روسيا قوة احتلال وطرفا في المباحثات السياسية.

وضع القبضة الروسية على الحصة الأكبر من المشاريع في سورية بروفة لإعادة الإعمار التي ستكلف مئات مليارات الدولارات، وفي ظل المقاطعة الدولية سوف تتحول سورية إلى حقل استثمار روسي.

العربي الجديد

سورية.. وفد أستانة في ثوب الملك العاري/ سميرة المسالمة

توافق “المعارضة” السورية، ممثلة بوجوهٍ عيّنتها الأنظمة التي تستثمر وجودها في أستانة وسوتشي وحتى في جنيف، على خطط التصعيد ضد سكان مناطق سوريةٍ، لا تزال الخلافات حول تبعيتها قائمة بين الدول الثلاث الضامنة لاستمرار الصراع في سورية وعليها، وهي وفود المعارضة إلى أستانة بحضورها المتكرر، أو حتى تكليف من ينوب عنها في المشاركات الدبلوماسية أو العسكرية، توقِّع على قرار إعدامات كل ضحايا الحرب السوريين، ليس فقط ضحايا خلافات الدول الضامنة (روسيا، إيران، تركيا) حول طاولة مفاوضات أستانة، وحواراتها المسلحة خارجها، بل منذ تأسيس تلك الفصائل، ذات الأجندات والطموحات غير السورية، وتصدير قادتها، أو ممثلين عنهم، إلى الجلوس مفاوضين عن الشعب السوري، وحتى آخر ضحية لاقت المصير نفسه، بعد قصف استمد شرعيته من اجتماعات “أستانة 12” الذي اختتم الأسبوع الماضي ببيان “ترفيهي” على صوت قرع طبول الحرب “المؤجّلة” في حلب ومناطق في إدلب.

منذ بدء العملية السياسية، مارست الوجوه نفسها (يجلس معظمها اليوم مقابل وفد النظام والداعمين له في أستانة) عملية تعطيل ممنهجة لأي مسار تفاوضي منذ عام 2013. وكانت هذه الأسماء الرائجة اليوم، والتي تحتل شاشات معظم الفضائيات للحديث عن نجاحات التفاوض “الوهمية” التي تجري في أستانة، قد عملت سابقاً على تجريم كل الراغبين بفتح أبواب الحل السياسي آنذاك، وأصدرت بحقهم بيانات التخوين، وفتاوى قتل من يحضر المفاوضات أو يروّجها، على الرغم من أن العملية السياسية بدأت معالمها في التبلور اعتماداً على نجاحات الجيش الحر (2012-2013) في صد هجوم قوات النظام عن مناطق كثيرة، وإبعاد خطر أن تداهمها القوات الأمنية، ما وضع الأمم المتحدة ودولا كثيرة أمام استحقاقات وجوب السعي إلى الحل السياسي، إما لتجنب سخط شعوب العالم المتعاطفة مع ثورة السوريين آنذاك، أو لإنقاذ دور النظام في المنطقة. وفي الحالتين، كان للشعب السوري مصلحة في الذهاب بطريق الحل السياسي الضامن لحقوقه، في وقت انكسرت فيه، بعد ما يزيد عن أربعين عاماً، صورة هيبة النظام داخل مخيلة السوريين، وضمن مسار وقائع الأحداث. ففي البيان المشترك للفصائل المنضوية تحت الجبهة الإسلامية (تم حلها لاحقاً)، والتي تشكلت بهدف إطاحة النظام السوري، وإقامة دولة إسلامية تحكمها الشريعة الإسلامية، وينضوي كل من جيش الإسلام وأحرار الشام تحتها كأكبر فصيلين إسلاميين، والمشاركين في اجتماعات أستانة الآن، إلى جانب فصائل وشخصيات وظيفية من أشباههم في الأيديولوجيا والهدف، إذ اعتبرت الفصائل الموقعة على البيان في (27 أكتوبر/ تشرين الأول 2013): “مؤتمر جنيف 2 حلقة في سلسلة مؤامرات الالتفاف على ثورة الشعب في سورية وإجهاضها”. وأكدت الجبهة أن اندماج فصائلها هدفه “التأثير في القرار السياسي للثورة، وامتلاك موقع متميز يمكنها من التحكّم بمسارات التسوية المحتملة”. أي أن الهدف الأساسي كان هو ذاته ما وصلت إليه اليوم في أنها، كحركات إيديولوجية متحكمة بمسار التسوية، سواء عبر ممثلين لها في المفاوضات العسكرية التي تجري في أستانة، أو المشاركين في وفود التفاوض السياسي بعد أن استولت على قرار الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة أيضاً، في نسخته الحالية غير السورية، والذي لم ينتج سوى بيانات خطابية أكثر رداءةً من بيانات النظام الشعاراتية لمؤيديه حول أن الحرب “خلصت”، بينما خلصت قدرتهم على تأمين فرصة العيش بأبسط ظروف الحياة.

ومن هنا، يكمن حجم الدهشة في أن تكون الجهات التي ترى في “جنيف 2” مؤامرة هي نفسها من تتولى عملية التفاوض مع الجهات المتآمرة على السوريين في ثورتهم السلمية (إيران وروسيا)، للوصول إلى ما طرحته مباحثات جنيف 2 في حدّها الأدنى الذي تحاول مداولات أستانة وسوتشي إلغاء مفاعيل ايجابياته لمصلحة تسوياتٍ شكليةٍ، يحظى فيها الجالسون على مقاعد المفاوضات “بجوائز ترضية رخيصة”.

ولعل هذا ما يسوّغ السؤال عن هذه التسوية التي تعمل عليها إيران وروسيا، وإلى جانبهما تركيا؛ فهل هي التسوية التي لا تلتف على ثورة السوريين وتُجهضها، حسب معتقدات من طرح بيانات التخوين سابقاً لكل من يقبل التفاوض مع النظام، وهم من يتولى تقديم التنازلات اليوم؟ أم أنها التسوية التي زرعت من أجلها كل تلك التنظيمات المسلحة، بمرجعياتها غير السورية، في قلب الثورة السلمية، فكانت أن أنجزت اتفاقات التسويات المجحفة والمدن الأربع وتهجير سكانها، ومناطق خفض التصعيد التي انتهت بتسليم المناطق إلى النظام، وأبرزها و”أبشعها” تسليم الغوطة، بعد معركةٍ وهميةٍ هدفت إلى خروج قادة الفصائل، بما يحملون من تجارة الحرب وأنفاقها من غنائم؟

التوغل في العمل المسلح من النظام السوري أتى أكله معه، على الرغم من حجم الدمار

وفظاعة الجرائم التي ارتكبها بحق مواطنيه، إلا أنه حقق الغاية التي ابتغاها منه، وهو إبعاد مخاطر الحل السياسي العادل الذي كان يهدّد استبداديته وفردانيته ثمانية أعوام متتالية، وبالتالي غيّر هذا الخيار الأمني العسكري للنظام مواقع بعض الدول من المواجهة إلى التقارب، والتفاوض، وحتى التفاهم، بطريقة مباشرة، أو عبر شريكيه في قتل السوريين روسيا وإيران. إلا أن العمل المسلح نفسه تحت عنوان “المعارضة” أوصلنا إلى ما عبر عنه بيان الفصائل الإسلامية (2013) برغبتها الهيمنة على القرار السياسي، وأخذوا بذلك سورية إلى سوريات كثيرة بعدد الفصائل. وأنتجت فصلنة الثورة طبقةً من أمراء الحرب، استطاعت انتزاع أحلام السوريين في دولة ديمقراطية مدنية، تتساوى فيها حقوق المواطنة على اختلاف القوميات والديانات، وهو ما سهل عملية تمزيق سوريات الفصائل “المشتتة” أمام سورية النظام المدعوم من شركائه، وفق خطة واحدة ممنهجة، أنتجت في النهاية مؤتمرات أستانة من 1 حتى 12، والمزيد قادم بانتظار بياناتٍ ترفيهيةٍ، تبرّر سياحة الوفود المشاركة فيها بمضامين لا طعم لها ولا لون، كحال ما ورد في البيان الذي صدر أخيرا، المكرر بعباراته وقلة حيلته، لإنجاز أي خطوة باتجاه الحل الضامن لسلامة السوريين، وضمان وحدة أراضيهم، على الرغم من تكرار التأكيد على ذلك، من بداية انطلاقة البيانات حتى رقمها 12 في أستانة ومعها سوتشي، هي على الأكثر لتبرّر للضامنين خطواتهم العسكرية على دروب الدم السوري، بينما يهلل وفد المعارضة لمنجزات وهمية ومتخيلة، يسيرون بها في فضائياتٍ تمنحهم من وقتنا ودمنا فرصة السير بيننا، كالملك العاري الموهوم بثوبٍ لم يره ولن يراه غير المزاودين والمنافقين.

العربي الجديد

روسيا – إيران.. عض أصابع في سورية/ علي العبدالله

كثر الحديث، في تقارير الصحافيين وتقديرات المحللين السياسيين، عن توجه روسي لإخراج إيران من سورية في ضوء تباينات سياسية وميدانية صريحة برزت في الأشهر الأخيرة، وتصريحات روسية مباشرة عن ضرورة خروج كل القوات الأجنبية من سورية وموافقة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، على مناقشة خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، للتسوية النهائية في سورية، والتي تتضمن خروج القوات الإيرانية منها.

هناك قناعة روسية بأن الوجود العسكري الإيراني في سورية مصدر تهديد كبير لمصالحها، وأن هذا الوجود ينعكس سلبا على عملية إعادة الإعمار، إذ لن تسمح الدول العربية والأوروبية، بضغط من الإدارة الأميركية، بانطلاق العملية من دون حل سياسي يخرج إيران من سورية، سيُفقدها الفوز بعوائد اقتصادية كبيرة من العملية. كذلك هناك تنافس محتدم بين روسيا وإيران للفوز بعقود تجارية أو صناعية أو استثمارية كبيرة، خصوصا الفوسفات وميناءي طرطوس واللاذقية، وتأهيل البنى التحتية، وهناك سعي لكل منهما إلى فرض أمر واقع، لتعزيز مواقعه في أي تسويةٍ سياسيةٍ مقبلة، وقلق روسي من ميل رئيس النظام السوري إلى الارتماء في أحضان إيران أكثر فأكثر، وتحفظ روسي صريح على التوجهات السياسية الإيرانية إزاء الحل السياسي، وعلى الانتشار الإيراني الواسع، الحرس الثوري والمليشيات الشيعية اللبنانية والعراقية والأفغانية والباكستانية، وقوات من جيش النظام، الفرقة الرابعة، موالية لها، على الأرض السورية الذي عكسته مواقف روسية سياسية وميدانية: نقل ملف تشكيل اللجنة الدستورية إلى جنيف؛ ما يعني تدويله وإضعاف الدور الإيراني في صياغة الدستور السوري، والمراهنة على العقوبات الأميركية في إضعاف دور إيران ودفعها للتسليم بالرؤية الروسية للحل، محاصرة الانتشار الإيراني والتضييق عليه، والعمل على إخراج مليشيات شيعية، وقوات سورية موالية من بعض المواقع في محافظات ريف دمشق وحلب وحماة وإدلب ودير الزور (تم إخراجها من مواقع بعد احتكاكات واشتباكات محدودة)؛ رفض شن عملية عسكرية على محافظة إدلب، وعلى مواقع فصائل المعارضة في ريفي حماة وحلب، صمتها على الغارات الإسرائيلية ضد مواقع الحرس الثوري الإيراني والمليشيات الشيعية في طول الأرض السورية وعرضها، ناهيك عن تحرّك روسيا الدؤوب للحد من نفوذ إيران، وتأثيرها على جيش النظام وأجهزة مخابراته؛ وسعيها المحموم إلى حرمان إيران من تحقيق مكاسب اقتصادية، والاستحواذ على جزء من الكعكة السورية؛ واستثمار قرار واشنطن “تصفير” مبيعات إيران من النفط بزيادة حصتها في سوق النفط، (قدّر خبراء روس تحقيق روسيا عائدا إضافيا من بيع النفط مقداره ستة مليارات دولار في حال نجحت الإدارة الأميركية في “تصفير” مبيعات النفط الإيراني)، والعمل على منع وصولها إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط، بإقامة ميناء خاص على السواحل السورية، أو التعاقد على إدارة ميناء اللاذقية. لكن، على الرغم من ذلك كله الذي ذكرناه أعلاه، فإن ما يدور لا يهدف إلى إخراج إيران من سورية في المدى المنظور.

صحيحٌ أن روسيا، بعد نجاحها في تدمير القسم الرئيس من قوات المعارضة المسلحة، ودفع المتبقي منها إلى الانضواء تحت جناح تركيا، ما يعني أنها أصبحت تحت السيطرة، لم تعد بحاجةٍ إلى القوات البرية الإيرانية، إلا أنها ما تزال بحاجة للحضور والدور الإيرانيين على الأرض السورية، وفي الملفات الإقليمية الأخرى، لتوظيفهما في مساوماتٍ ومقايضاتٍ مع الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية وإسرائيل وتركيا والدول الخليجية. كذلك، صحيح أن ما يجري هو محاولة لضبط التوازنات السياسية والميدانية للسيطرة على مفاصل الملف السوري، والإبقاء على قرار الحل النهائي بيدها، فروسيا، وفي مواجهة تعدّد القوى المنخرطة في الملف السوري، وتعارض توجهاتها وخياراتها تحتاج إلى ورقة “الرجل الشرير”، للضغط على حلفائها وخصومها وابتزازهم. إنها بحاجةٍ لإيران، للضغط على الولايات المتحدة، ومقايضة إخراج إيران من سورية بخروج القوات الأميركية من شرق سورية وجنوبها؛ ولدفعها للجلوس إلى طاولة المفاوضات، للاتفاق على حل للملفات العالقة بينهما، العقوبات الاقتصادية وأوكرانيا وضم جزيرة القرم، والاعتراف بدور دولي وازن لها، يجعلها شريكة في حل الملفات الدولية الساخنة.

روسيا بحاجة للدور الإيراني في سورية، لابتزاز الدول الأوروبية بملف اللجوء، في حال وافقت على سعي إيران والنظام السوري إلى مهاجمة محافظة إدلب التي يقطن فيها قرابة الأربعة ملايين نسمة بين مواطن ونازح، ودفعها إلى إعادة العلاقات مع النظام السوري، وتأهيله دوليا، والمساهمة في إعادة الإعمار. هي بحاجة للدور الإيراني في سورية في المقايضة مع إسرائيل: لجم إيران مقابل تحرّك إسرائيلي لصالح الأجندة الروسية مع الولايات المتحدة. إسرائيل سلّفت موسكو موقفا بالاستثمار المكثف في جزيرة القرم؛ مع أن في ذلك مخالفة صريحة لموقف واشنطن، لكنه جاء على خلفية قناعة إسرائيلية أن وجود روسيا في سورية يخدم مصالحها الاستراتيجية (بقاء النظام السوري واحتواء الخطر الإيراني) الذي جسّده تغاضيها عن استهدافها إيران على الأرض السورية، ووعدها بالاستمرار على هذا الموقف. روسيا بحاجة إلى الحضور والدور الإيرانيين للضغط على تركيا في شمال وشرق سورية، من أجل تنفيذ كل بنود اتفاق سوتشي حول إدلب (محاصرة القوى المتشدّدة وإخراج الأجانب وفتح الطريقين، حلب دمشق وحلب اللاذقية، والاتفاق على مستقبل شرق الفرات بالانفتاح على

النظام، والعودة إلى اتفاق أضنة الموقع بينهما عام 1998، وتسليمه الأراضي التي تسيطر عليها)، وإلا واجهت طوفانا من اللاجئين، عبر السماح بعمليةٍ واسعةٍ في محافظة إدلب؛ لوّح الرئيس الروسي بهذه الإمكانية، في مؤتمره الصحافي في بكين يوم 27/4/2019، حين قال: “إنه لا يستبعد عملية عسكرية في إدلب، لكن الوقت غير ملائم الآن، إذ يجب الأخذ بالاعتبار الأوضاع الإنسانية وحياة المدنيين”، ولإبقائها بعيدةً عن التفاهم مع الولايات المتحدة حول شرق الفرات، وصفقة الـ إس 400. وروسيا بحاجة إلى الحضور والدور الإيرانيين، لمقايضتهما مع دول الخليج العربية، بالتطبيع مع النظام السوري، وإعادة تأهيله عربيا، والمشاركة في إعادة الإعمار، وفي السياسة النفطية، للاتفاق على سقف الإنتاج من أجل المحافظة على سعرٍ للنفط، يتوافق مع احتياجات الموازنة الروسية.

لا تنوي روسيا العمل على إخراج إيران من سورية، قبل جني المنافع التي تتيحها ورقة “الرجل الشرير”، وتوسيع دائرة مصالحها في ملفاتٍ عدة مع حلفائها وخصومها؛ واستثمار الضغوط الشديدة التي تتعرّض لها إيران في استنزافها وإضعافها، كي تكون عملية إخراجها يسيرة وقليلة التكلفة، في حال نجحت في عقد صفقةٍ بهذا الخصوص مع الولايات المتحدة، تحقق طموحات الرئيس الروسي الدولية. وهذا يفسّر الموقف الرخو الذي اتخذته من العقوبات الأميركية على إيران، ما دفع موقع “تابناك” الإيراني إلى القول: “لم تظهر موسكو التصميم الجاد للوقوف مع طهران”، وتعزيز علاقاتها وتنسيقها مع إسرائيل.

العربي الجديد

12 جولة من مسار أستانة.. وماذا بعد؟/ ماجد كيالي

لم تلق الجولة الـ12 من مفاوضات أستانة السورية، التي انعقدت يومي 25 و26 أفريل الجاري، نفس القدر من الاهتمام الإقليمي والدولي، السياسي والإعلامي، الذي لقيته الجولات السابقة، لأسباب عديدة، ضمنها أولاً انحسار مستوى الصراع المسلح بين النظام والفصائل العسكرية المعارضة، لاسيما بعد أفول هذه الفصائل واستعادة النظام السيطرة على معظم المناطق التي كانت تخضع لها، خلال العامين الماضيين.

ثانياً وصول الأطراف الثلاثة المنخرطة في هذا المسار، أي روسيا وإيران وتركيا، إلى نوع من التفاهم على وجودها في الأرض السورية، رغم التباينات، في ما يشبه التوافق على توزيع “الكعكة” على الأقل في المرحلة الحالية.

ثالثاً، رفض الولايات المتحدة، ومعها الدول الأوروبية، منح أي تغطية أو دعم لمسار أستانة، بل إنها مانعت ذلك برفضها تطبيع العلاقات مع النظام، أو الانخراط في عملية إعادة الإعمار، أو إعادة اللاجئين، معتبرة أن كل ذلك يجب أن يحصل في خضم عملية الانتقال السياسي وفقا لمنطوق القرار الدولي 2254، أي ليس قبل ذلك، وليس وفقاً لمعايير مختلفة عن ذلك.

وربما يفسّر ذلك حقيقة أن البيان الختامي الذي صدر بعد انتهاء تلك الجولة، كان مجرد تكرار للإنشاءات البديهية، التي لا خلاف عليها بين النظام والمعارضة، والتي ظلت بمثابة لازمة لكل البيانات التي صدرت سابقا، مثل الالتزام بسيادة سوريا واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها، وعدم وجود حل عسكري للصراع السوري، وضرورة الإفراج عن المعتقلين، وحل القضايا الإنسانية، وضمنها عودة المهجرين.

مع ذلك فإن البيان لم يخلُ من إيحاءات جديدة لعل أهمها يكمن في جانبين، أولهما، أن الأطراف التي تتقاسم الجغرافيا والنفوذ في سوريا (روسيا وإيران وتركيا)، أدانت الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة، باعتباره انتهاكا للقانون الدولي، وتهديدا للسلام والأمن في الشرق الأوسط.

وثانيهما أن تلك الأطراف بالذات، التي تحاول خلق وقائع سياسية وأمنية وديمغرافية جديدة في سوريا، عبرت عن رفضها كل “المحاولات لخلق حقائق جديدة على أرض الواقع بذریعة مكافحة الإرهاب… والوقوف ضد المخططات الانفصالیة التي تهدف إلى تقويض سیادة سوریا وسلامة أراضيها وكذلك الأمن القومي للدول المجاورة” في إشارة واضحة إلى التواجد الأميركي في شرقي الفرات، والذي يدعم قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي يهيمن عليها حزب الاتحاد الوطني الكردي.

طبعا، تبقت نقطتان أساسيتان شكلتا محور الاجتماع. تتعلق الأولى بالوضع في شمالي غرب سوريا، أو في منطقة إدلب وريفي حلب وحماه، لاسيما مع وجود جبهة النصرة في تلك المناطق، وبالنتيجة فقد تم التوافق على تعويم هذه المسألة، بعبارة تتعلق بسيادة سوريا وسلامة أراضيها، واستعادة الاستقرار، و”تسییر الدوریات المنسقة والأداء الفعال لمركز التنسیق الإيراني الروسي التركي المشترك”، وهذا أمر جديد، إذ كان الحديث في السابق عن دوريات مشتركة روسية – تركية فقط.

وطبعا فإن البيان لم ينس تأكيد التعاون من أجل القضاء على الكيانات المرتبطة بالقاعدة وداعش والقصد جبهة النصرة، لكن من دون تصريح بكيفية القيام بذلك؛ أي أن هذه النقطة ما زالت مثار خلاف بين الأطراف المذكورة، لاسيما مع استئناف القصف على هذه المناطق عشية انتهاء اجتماع أستانة من قبل النظام والطيران الروسي.

أما النقطة الثانية، المتعلقة باللجنة الدستورية، فقد تم تأجيل البتّ فيها إلى اجتماع يعقد في جنيف لاحقا، بسبب الخلاف حول تركيبتها، ومحاولات النظام الدؤوبة للتملص من هذا الاستحقاق، وأيضاً بسبب عدم نضوج الظرف لتشكيل هكذا لجنة، لاسيما بسبب عدم وجود غطاء أميركي لها، في الظروف الراهنة.

معلوم أن مفاوضات أستانة المستمرة منذ عامين، والتي أريد لها أن تكون بديلا لمفاوضات جنيف، ومحاولة التفافية على القرارات الدولية المتعلقة بالشأن السوري، كانت في حقيقتها تجري بين ممثلين عن الدول الثلاث، بمعنى أن حضور الطرفين السوريين، أي النظام والمعارضة، كان شكليا، ولأغراض البروتوكول أو الصورة، وأن 12 جولة من المفاوضات لم ينتج عنها أي شيء، ولا على صعيد أي ملف مثل وقف القتال، أو تشكيل لجنة دستورية، أو حل القضايا الإنسانية. أما الملف المتعلق بمكافحة الإرهاب، فإن القوات الأميركية، مع قوات “قسد”، في شرقي الفرات، هي التي لعبت الدور الأساسي في ذلك، في حين بقيت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة)على انتشارها في منطقة إدلب.

وربما يفيد التذكير، أيضاً، بأنه في العام 2017 تم عقد ثماني جولات، وفي العام 2018 تم عقد ثلاث جولات (في أشهر مايو ويوليو ونوفمبر)، وأنه خلال ذلك تم التوافق على أربع مناطق “خفض تصعيد”، في الجنوب والوسط وفي حلب وإدلب (في الجولة الرابعة مايو 2017)، كما تم عقد مؤتمر سوتشي للحوار السوري بغرض تشكيل لجنة دستورية (يناير 2018).

لذا، فبالنسبة لمناطق “خفض التصعيد “فهي لم تكن كذلك حقاً، لأن النظام وحليفيه الروسي والإيراني اشتغلوا على الضغط بكل الوسائل وضمنها القصف، لإنهاء فصائل المعارضة المسلحة، وهو ما حصل. أما في شأن تشكيل اللجنة الدستورية فهذا لم يحصل، بسبب عدم توافق الأطراف الثلاثة، وبسبب رفض النظام، وأيضا لأن هذا التشكيل لم يحظ بقوة الدفع الدولية اللازمة لإنضاجه. إذن إلى الجولة الـ13 لمسار أستانة التفاوضي في العاصمة الكازاخية، التي بات اسمها “نور سلطان”، في يوليو القادم.

كاتب سياسي فلسطيني

العرب

لماذا تسعى روسيا إلى تحجيم الدور الإيراني في سوريا؟/ مصطفى النعيمي

شهدت سوريا صراعات على النفوذ وتصدر مشهد تلك الخلافات في إدارة مناطق النفوذ، وساهم في إتساع تلك الهوة الاتفاقيات المبرمة حديثا ما بين قوات الاحتلال الروسية والصهيونية، بشكل مباشر في تحجيم الدور الإيراني في سوريا وفي المنطقة الجنوبية بشكل خاص، حيث تم إستهداف القوات الإيرانية عدة مرات من قبل قوات التحالف الدولي على الإرهاب وكذلك القوات الإسرائيلية، وفي سابقة من نوعها أقدمت القوات الإسرائيلية على ضرب الميلشيات الإيرانية في العمق السوري وذلك عبر البوارج البحرية بصواريخ كروز.

المنطقة الجنوبية

على الرغم من تراجع حدّة الصراع في محافظة درعا واستتباب الأمن في الجنوب السوري بعد سيطرة نظام الأسد على المنطقة، في شهر يوليو 2018، فإن صراعاً خفياً برز في تلك المنطقة بين الروس من جهة، والإيرانيين ومليشيات حزب الله والقوات السورية التي تتبع للمشروع الإيرني من جهة أخرى، بسبب توسع مناطق نفوذهما. وتمثل هذا الصراع الذي لم يشهد أي مواجهة عسكرية مسلحة كبيرة، بل اقتصر على خلافات تكتيكية في إدارة المنطقة وتقاسم النفوذ مما أدى إلى مصرع العديد من القيادات السورية الفاعلة في المنطقة واتساع نفوذ السلطة الإيرانية، وذلك من خلال بناء قواعد عسكرية في المنطقة.

روسيا تخدم مصالحها الاقتصادية وذلك عبر إيجاد ممر آمن لصادراتها النفطية من الغاز المسال عبر الموانئ السورية في البحر المتوسط، وبذات الوقت تبعد الخطر الاقتصادي عنها والمتمثل بوصول الغاز القطري

وفي تصريح للعقيد الركن عبد الله الأسعد المنشق عن نظام الأسد: “روسيا ونظام الأسد وإسرائيل تريد أن تستفيد من وجود بقايا الفصائل التي كانت تعمل في الجبهة الجنوبية كفصائل ثورية تريد أن تستغلها من أجل القضاء على الميليشيات الإيرانية المتواجدة في الجنوب ولتجعلها حديقة آمنة لإسرائيل، لأن روسيا وإسرائيل ونظام الأسد يعلمون بوجود قاعدة إيرانية أصبحت الآن بالإضافة إلى القواعد الأخرى المنتشرة في التلال والجبال والسهول والقطاعات العسكرية في المنطقة الجنوبية، هنالك قاعدة عسكرية كبيرة جدا أصبحت الآن في اللجاة تريد الآن قبل أن ينتهي عمل هذه الفصائل في الجنوب السوري أن تقضي على القوى الإيرانية بالدرجة الأولى ومن ثم التخلص من الفصائل بالاقتتال الداخلي، وهذا الإقتتال لمصلحة إسرائيل بالدرجة الأولى تستفيد منه روسيا والنظام ولأن الأسد لم يبق لديه القدرة العسكرية في كل سوريا ويعتمد على الميليشيات الإيرانية وبعد أن ينتهي التخلص من هذه الميليشيات الإيرانية وستقوم إسرائيل بالتخلص من هذه الأسلحة في وقت لاحق والتي ستمثل حديقة آمنة لإسرائيل، بالإضافة إلى الفصائل التي كانت تعمل في المناطق المحررة من الجيش الحر، وتريد أن تسخر الفصائل التي تنتمي بالولاء إلى روسيا من أجل الضغط على إيران وحلفائها من قوات الأسد وتشكيل قوى عسكرية ضمن قوات الأسد تتبع لروسيا بشكل كبير جداً، وساهم التناحر على بسط السيطرة وتوزيع القوة في الجنوب حيث قام النظام إستدراج القيادي السابق في الجيش الحر المدعو “عماد أبو زريق” وطلبت منه أنه يشكل الفيلق السادس وتريد أن يكون ند للفيلق الخامس الذي يقوده أحمد العودة وتبعية الفيلق السادس ستكون لإيران والنظام”.

المنطقة الوسطى

محافظة حمص تمثل عقدة خطوط مواصلات اقتصادية وفكرية وتمثل الرئة الوحيد البرية تجاه إيران عبر المنفذ السوري والتي تساهم من خلاله في إنشاء قواعد عسكرية وتجري تدريبات عسكرية للمرتزقة من شتى أصقاع العالم ممن يحسبون على نظام الأسد بالشعب المتجانس حد وصف رأس هرم السلطة. تصريح خاص للقائد العام لحركة تحرير الوطن العقيد الركن فاتح حسون ” يعود الصراع بين الطرفين لعدة اعتبارات يمكن اجمالها فيما يلي:

1- مع طفو الحديث عن الحل السياسي وتجفيف العمل العسكري وأدواته والتضييق على إيران من قبل الإدارة الأمريكية لوضع حد لتمددها وهو ما تتوافق روسيا مع أمريكا حرصا منهما على أمن اسرائيل.

2- تسعى روسيا لضبط وحدات جيش النظام استعدادا للمرحلة المقبلة وسحب العناصر السورية من الميليشيات الايرانية ممن طلبوا للخدمة الالزامية.

3- تحتل المنطقة الوسطى أهمية كبيرة لمخططي المشروع الإيراني حيث تعتبر صلة الوصل من إيران إلى العراق فالمنطقة الوسطى وصولا إلى الحدود اللبنانية حيث حاضنة حزب الله ذراع إيران وهذا ما يفسر التدخل المبكر للحزب في سورية تنفيذا لأوامر إيران. وقد بدأت تتجلى مظاهر الصراع الروسي الإيراني في المنطقة الوسطى منذ إعتقال الخائن القائد السابق لما يسمى لواء التوحيد والذي سلم الريف الشمالي في حمص لقوات الاحتلال الروسي وانضم للفيلق الخامس المدعوم روسيا.

وبالعودة إلى الشأن الميداني قامت دورية مدعومة من مليشيات حزب الله وتعرضت للمدعو “صلوح” بالإهانة والضرب علما بأنه محسوب على روسيا في المنطقة الوسطى. ونظرا لأهمية المنطقة الوسطى وخاصة مدينة حمص كصلة وصل بين المحافظات السورية كافة، والتوتر الكبير الحاصل بين المليشيات الروسية والإيرانية الذي اندلع مؤخرا في عدة مناطق مثل ريف حماه الشمالي وحلب ودير الزور، فمن المتوقع جدا حدوث اشتباكات مسلحة بين الطرفين في المنطقة الوسطى، وما هي إلا شرارة واحدة ستكون كفيلة بإشعال هذا الاشبتاك العنيف الذي سيودي بحياة المئات من تلك المليشيات.

المنطقة الشمالية

روسيا وإيران يشتد عليهما الخناق يوما بعد يوم وإفلاس النظام السوري اقتصاديا دفعه إلى تأجير ميناء اللاذقية لروسيا وبعقد لقرابة الخمسون سنة وتأجير ميناء طرطوس للجانب الإيراني دون تحديد الفترة

تشهد المنطقة الشمالية خلافات توصف بالحادة مع الميليشيات الإيرانية وساهمت في إحراج قوات الإحتلال الروسية، مما أسهم في سرعة إعطاء الضوء الأخضر بفتح المجال الجوي داخل سوريا لقوات الإحتلال الإسرائيلي لتنفيذ غارات تستـهدف تموضع الميليشيات الإيرانية وحزب الله اللبناني المصنفين إرهابياً وفقا للتصريحات الأمريكية. وفي تصريح خاص للعميد الركن أحمد رحال المنشق عن نظام الأسد: “اليوم أصبحنا على طاولة الحل النهائي وهذه الطاولة لا تتحمل لكثير من الشركاء أي أن اللاعبين محدودين، والطاولة السابقة كانوا بالعشرات بينما في الطاولة النهائية لن يقبل سوى بثلاث، بينما الإيراني لن يكون له دور في الجلوس على طاولة الحل النهائي بينما هو على الأرض هو فاعل وهو قادر على التخريب، ولكنه غير شريك في الحل بإنتاج حل وبالتالي يجب إخراجه من اللعبة ولكن كيف سيتم إخراجه من تلك اللعبة، لا بد من إيجاد تحالفات بين الأطراف المتضادة والمتعاكسة، واليوم هنالك طاولة يجلس عليها الأميركي والروسي والإسرائيلي، ومهمة غرفة العمليات إخراج الإيراني من سوريا، واليوم الإيراني سيخرج ودلالة ذلك عدم تغطية الطيران الروسي للإشتباكات في حلب وكذلك منطقة السخنة في حمص وكلها جزء من اللعبة، وبنك الأهداف أصبح على طاولة غرف العمليات لقوات التحالف الدولي على الإرهاب، وقد تكون هنالك عملية لضربات تتجاوز العشرة آلاف في اليوم الواحد عبر وذلك بمشاركة الطائرات الحربية والدرون، والتعهد الروسي لأميركا بإنهاء الصراع والمتمثل بإيقاف الدعم عن الفصائل وروسيا ستتكفل بالميليشيات الإيرانية وحلفاء النظام، وأميركا وفت بتعهداتها ويبقى التعهد الروسي والمتمثل بإنهاء حلف النظام..”.

المنطقة الشرقية

المعلومات الأولية تشير إلى أنه حصل هنالك اتفاق روسي إيراني في سوريا علما بأن روسيا ترفض انتشار إيران دون المرجعية الروسية، حيث تمركز إنتشار الميليشيات الإيرانية في محافظة دير الزور وفي ظل الضغوط الدولية وما رافقها من توافقات أدت إلى تحجيم الدور الإيراني في سوريا بشكل عام وفي الدير بشكل خاص، حيث بدأت تلك التفاهمات بالظهور من خلال انسحاب الميليشيات الإيرانية من ريف المحافظة، والظهور العسكري الروسي البارز في إدارة البلدة وانكفاء الدور الإيراني مما دفعهم على التمرد ورفض تلك التوافقات، وبالأخذ بعين الإعتبار بأن القوات الإيرانية تشارك بشكل ميليشيات غير منضبطة حيث أسهم في ضعف الموقف الروسي تجاه حليفهم.

مآلات الصراع

روسيا تخدم مصالحها الاقتصادية وذلك عبر إيجاد ممر آمن لصادراتها النفطية من الغاز المسال عبر الموانئ السورية في البحر المتوسط، وبذات الوقت تبعد الخطر الاقتصادي عنها والمتمثل بوصول الغاز القطري، علما بأن مشروع خط أنابيب الغاز القطري وصل قبالة الحدود الأردنية السورية منذ سنة 2008، والذي قد يسهم في إيصاله إلى دول الإتحاد الأوروبي والاستغناء الكامل عن الغاز الروسي، وبالعودة إلى الدور الإيراني فتسعى من خلال التلاعب بالعواطف الدينية تارة وبمصالح الدفاع المشترك تارة أخرى وذلك عبر تعزيز الحقد بين المكونات السورية لتمرير كافة مشاريعها وبدهاء مطلق، بينما روسيا وإيران يشتد عليهما الخناق يوما بعد يوم وإفلاس النظام السوري اقتصاديا دفعه إلى تأجير ميناء اللاذقية لروسيا وبعقد لقرابة الخمسون سنة وتأجير ميناء طرطوس للجانب الإيراني دون تحديد الفترة الزمنية، والذي يؤكد بأن انهيار النظام السوري اقتصاديا بات وشيكا ويبحث داعميه عن تأمين المستحقات من الصفقات المبرمة مع النظام وبالأخذ بعين الاعتبار بأن خزينة الدولة منهارة بشكل شبه تام وتقتات على المساعدات الدولية من الداعمين وكذلك المساعدات التي تمنح للشعب السوري وليس بمقدورها الإيفاء بتعهداتها مما أجبرهم على تأجير الموانئ البحرية

بعد “النصر”… بوتين يدخل حقل الألغام السوريّ

يستطيع الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين بالفعل أن ينسب لنفسه إنجازاً عسكريّاً مهمّاً بعد نقل السيطرة على معظم الأراضي السوريّة إلى نظام الرئيس السوريّ بشّار الأسد؛ ولكن يبدو أنّ حقل الألغام الدبلوماسيّ هذا يمثّل تحدّياتٍ جديدة وغير متوقّعة لديه، بإمكانها أن تؤدّي إلى تآكُل الإنجازات العسكريّة.

تبدو الخطّة الدبلوماسيّة التي رسمتها روسيا، للوهلة الأولى، منهجيّة ومنطقيّة. فبحسب الخطّة، كان مخطّطاً بالفعل أن تسحب روسيا بعضَ قوّاتها من سوريا؛ وأن تحلّ معضلة تفكيك قوّات المتمرّدين في محافظة إدلب عبر الوسائل الدبلوماسيّة، بواسطة تركيا بصورة أساسيّة؛ وأن تعقد لجنةً لصياغة دستور كُتبَت بالفعل مبادؤه مِن قِبَل مستشارين روس؛ وأن تحدِّد موعداً لعقد انتخابات والبدء في إعادة ترميم وتأهيل البلاد للعودة إلى طبيعتها. وقد توافقت بالفعل على عناصر تلك المسوّدة كلٌّ من إيران وتركيا وروسيا أثناء قمّة عُقِدت في سبتمبر/أيلول الماضي، ووافق عليها الأسد وبعض من الجماعات المتمرّدة.

إلّا أنّ الأمور بدأت تنحرف عن مسارها حين أعلن الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب في ديسمبر/كانون الأول الماضي أنّه عازم على سحب قوّاته من سوريا، ولكنه لم ينفّذ ذلك القرار فيما بعد. ظهرت فجوة عميقة بين ترامب وتركيا حول حماية القوّات الكرديّة المدعومة من الولايات المتّحدة. رغم أنّ ترامب وافق على إنشاء منطقة أمنيّة في النطاق الكرديّ شمال سوريا، بعمق 32 كيلومتراً على ما يبدو، إلّا أنّه طلب أن تقوم قوّات أوروبيّة بالإشراف على المنطقة وحراستها، فيما أصرّت تركيا على أنّ تقوم قوّاتها بتلك المهمّة. لحين حلّ تلك الإشكاليّة، فإنّ انسحابَ القوّات الأمريكيّة مؤجّل. ما زال الطرفان يحاولان الوصول إلى تسوية يقبلها الأكراد.

تعترض كلٌّ من روسيا وسوريا على إعطاء تركيا فرصة التحكم في شمال سورية، ولكن في نفس الوقت يطالبون أن تنفّذ تركيا الاتفاقَ حول نزع سلاح الميليشيات المسلّحة في محافظة إدلب، وتحديداً سلاح قوّات جبهة النصرة (التي تسمّى الآن هيئة تحرير الشام). كان يُفترَض أن يمنع هذا الاتفاق هجوماً روسيّاً-سوريّاً على المحافظة، بما يتماشى مع المطالِب التركية. غير أنّ تركيا لم تلتزم بتعهّدها بتفكيك الميليشيات، فيما حذّرت روسيا من أنّ صبرها قد بدأ ينفد.

أي معركة حول محافظة إدلب، وهي موطن 3 ملايين من المدنيّين وحوالي 50 ألفاً من المسلّحين، قد تعني موجة جديدة من اللاجئين الفارّين إلى تركيا التي تستضيف بالفعل أكثر من 3 ملايين ونصف المليون من اللاجئين. بدون حلّ لقضيّة إدلب، فإنّ نظام الأسد لن يكون بمقدوره استعادة سيطرته على كامل التراب السوريّ، وسيجري أيضاً تأجيل جميع خطوات روسيا الدبلوماسيّة المخطّط لها.

هناك معضلة أخرى هي عدم وجود اتّفاق حول تشكيل لجنة دستوريّة يُفترَض أن تعمل تحت إشراف هيئة الأمم المتّحدة. مطلع الشهر انتهت الجولة الثانية عشرة من المحادثات في العاصمة الكازاخيّة آستانا (التي تُعرَف الآن باسم نور-سلطان) دون أيّ نتائج. نقطة الخلاف المحوريّة هي كيفية تشكيل الفِرَق التي ستتولّى صياغة الدستور؛ إذ إنّ روسيا مهتمّة بأكبر تمثيل ممكن للمعارَضة إلى جانب ممثّلين عن نظام الأسد، فيما تُعارِض تركيا المشارَكة الكرديّة، ويرفض الأسد بعض جماعات المعارضة.

تسعى إيران، من جانبها، إلى الحفاظ على تأثيرها في الساحة السوريّة بعد أن أحكمَت روسيا الآن سيطرتها اقتصاديّاً على موارد البلاد، مثل حقول النفط والغاز التي بِيعت حقوق تطويرها لشركات روسيّة، فيما تم تأجير ميناء طرطوس لروسيا لمدّة 49 عاماً. ازدادت حدّة هذا الصراع الاقتصاديّ نظراً لما تسمّيه إيران بالخطّة الروسيّة-الإسرائيليّة لطرد إيران من سورية. يشير المحلّلون الإيرانيّون إلى إعطاء روسيا إسرائيلَ الضوءَ الأخضر لمهاجمة أهداف إيرانيّة وإلى الصمت الروسيّ بعد اعتراف ترامب بمرتفعات الجولان جزءاً من إسرائيل، وإطلاق سراح سجينَين سوريَّين مؤخّراً في مقابل جثّة الرقيب الإسرائيليّ زخاري باوميل كدليل على التحالف الإسرائيليّ-الروسيّ الذي يستهدف إيران.

إنّ هذا التفسير الإيرانيّ للأحداث (الذي يحظى بتأييد البعض في النظام التركيّ أيضاً) يصبّ -رغماً عن إيران- في صالح إسرائيل، التي تبدو كما لو أنّها تستطيع التأثير في السياسات الروسيّة تجاه الشرق الأوسط، لا في السياسات الأمريكيّة وحدها تجاه المنطقة. إلّا أنّه من غير الواضح أنّ موسكو راضية عن هذا الانطباع، خاصّة حين يأتي أثناء تحرّكات دبلوماسيّة في سوريا حيث لا يُحبَّذ أن تبدو روسيا وكأنّها تتبع أجندة إسرائيليّة.

تبدو روسيا ظاهريّاً وكأنها تحتكر إدارة العمليّة الدبلوماسيّة، لكنّه احتكارٌ بحاجة إلى الحفاظِ عليه وإلى مرونةٍ تجاه اللاعبين الآخرين حتى يتحقّق. في الوقت الراهن يبدو أنّ ملايين النازحين واللاجئين السوريّين سيتوجّب عليهم الانتظار، تماماً مثل خطط إعادة إعمار سوريا. حتى يكون هناك نظام ثابت ومتوافق عليه في دمشق، فلن تكون هناك دولة بارزة من الدول المانحة على استعداد لضخّ رأس المال الضخم اللازم لإعادة تأهيل سوريا.

هذا المقال مترجم عن Haaretz.com ولقراءة الموضوع الاصلي زوروا الرابط التالي.

https://www.haaretz.com/middle-east-news/.premium-after-syria-victory-putin-steps-into-trump-israel-turkey-iran-minefield-1.7183888

درج

التخبط الدولي إزاء المسألة السورية/ د. خطار أبودياب

انتهت الجولة الثانية عشرة من محادثات أستانة، الجمعة 26 أبريل 2019، دون تحقيق تقدم بشأن تشكيل اللجنة الدستورية، ووقف التصعيد العسكري للنظام السوري وروسيا على محافظة إدلب رابعة مناطق خفض التصعيد.

ويتزامن فشل هذا الرهان الروسي على الحل في سوريا طبقاً لمسار أستانة، مع عدم وجود خط واضح أو إستراتيجية أميركية حيال الوضع السوري نتيجة المواقف المتأرجحة التي تعتمدها إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه مجمل النزاعات في المنطقة. يدلل ذلك، بالإضافة إلى عجز منظمة الأمم المتحدة وكسوف الأدوار الأوروبية، على تخبط دولي حيال مجريات ومخرجات المسألة السورية.

زيادة على الوظيفة الجيوسياسية للنزاعات والحروب السورية في إعادة تركيب الإقليم وتغيير وجهه يتبين التخبط والانقسام الدولي على الصعيد الاقتصادي. وبرز التنافس في الفترة الأخيرة ليس فقط في السيطرة على المرافئ والمرافق الحيوية بين قوى الأمر الواقع الخارجية والداخلية بين روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة الداعمة لقوات سوريا الديمقراطية، بل كذلك في الوجود المستقبلي خلال عملية إعادة الإعمار وما بعدها ويشمل ذلك الصين وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا ضمن القوى المتصارعة.

في الأشهر الأخيرة ساد انطباع أن “الحروب السورية” أسفرت عن انتظار النظام ومحوره اقتراب التطبيع العربي معه، خاصة إثر زيارة الرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير إلى دمشق في ديسمبر الماضي، لكن التطورات الأخيرة برهنت على صعوبة تحويل روسيا الانتصارات الميدانية إلى حل سياسي يسمح بإعادة الإعمار والاستقرار.

وسلط تفاقم الأزمة الاقتصادية داخل سوريا الضوء على تأثير سلاح العقوبات الأميركي وبين أنه لا أفق لحل واقعي في سوريا من دون الحد الأدنى للوفاق الدولي وعنوانه القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي وفق مسار جنيف.

يتأكد المأزق مع تفاقم المشهد الميداني السوري الذي يبقى معقدا بصورة لم يتوقعها أي طرف عندما بدأ الحراك الشعبي في مارس عام 2011.

تتقاسم الأجواء السورية وتحلق فيها طائرات أجنبية روسية وإسرائيلية وأميركية وتركية، وتواصل واشنطن وحلفاؤها دعم وجود “قوات سوريا الديمقراطية” بعد إنهاء تمركز عناصر “تنظيم الدولة الإسلامية”، فيما يواصل جيش النظام السوري مدعوما من حلفائه الروس قصف محافظة إدلب خاصة منطقة اتفاق الهدنة بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان في 17 سبتمبر الماضي، بينما يواصل الجيش التركي تدعيم وجوده في الأراضي السورية التي دخلها بين 2016 و2018، ويفاوض واشنطن على “المنطقة الآمنة” شرق نهر الفرات.

وأتى قرار الرئيس الأميركي حول الجولان وردة الفعل الروسية الخافتة تجاهه (في موازاة وساطة تبادل الرفات والأسرى بين الجانبين السوري والإسرائيلي) ليبينا أن التقاطعات الدولية، كما الصراع الأهلي والحروب بالوكالة، دارت على حساب كل مكونات الشعب السوري، بما فيها من يتوهم انتصاراً فوق الركام أو انتصاراً مدعوماً بزند الأجنبي.

والأدهى من ذلك صعوبة سلوك درب التسوية العملية، لأن الانتقال من مسار أستانة إلى مسار جنيف كما ترغب واشنطن غير مضمون النتائج لأن اللعب على تضارب المسارات والمصالح يمكن أن يكون وسيلة للوصول إلى تقاسم مناطق النفوذ الاستراتيجي والاقتصادي وربما الوصول إلى تغيير الخرائط وتكريس التقسيم الواقعي الذي يتمظهر على الشكل الآتي:

الجولان المحتل من إسرائيل وجواره منطقة آمنة لإسرائيل، منطقة آمنة لتركيا ووجود عسكري لها في بعض شمال وشرق سوريا، وجود عسكري روسي وحماية لدمشق والساحل مع استثمار مرفأ طرطوس ومسعى لعرقلة التمركز الإيراني في اللاذقية، وجود عسكري وإشراف أميركي – غربي على المناطق التي تسيطر عليها “قسد”، وكذلك وجود إيراني من جنوب دمشق إلى حلب وتغلغل في مفاصل النظام، حيث يصف مراقب غربي أن وضع نظام الأسد مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية يشبه وضع “التوأم السيامي” وأن الرهان على الفصل بينهما غير واقعي.

لا يمكن تفسير الوصول إلى هذا الواقع من دون تحديد مسؤولية اللاعبين الأساسيين وفي المقام الأول واشنطن وموسكو. تراكم فشل الولايات المتحدة في أدائها السوري منذ 2011 إذ لم يكن الملف السوري يوماً أولوية على أجندة واشنطن (باستثناء صلته بأمن إسرائيل) وراهنت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما عبثاً على أن روسيا ستواجه في سوريا أفغانستان أخرى، وكانت تهادن في سوريا نظراً إلى تركيزها على “صفقة عصر أوباما” مع إيران.

من جهته عزز التدخل العسكري الروسي ميدانيّا وضعَ نظام الأسد، وجعل روسيا الطرف الدولي الرئيسي هناك سياسيا وميدانيا. وبينما كانت المحاولات الدبلوماسية لحل الحرب في سوريا خلال عهد الرئيس أوباما تتركز على “عملية جنيف”، نجحت روسيا في جعل سوتشي وأستانة بديلا عن جنيف.

برهن هذا التحول على عدم وجود سياسة أميركية واضحة تجاه النزاعات في سوريا خلال عهد باراك أوباما، ولا تبدو القراءة أيسر مع المواقف المتناقضة التي يتخذها الرئيس دونالد ترامب، والتي تحاول المؤسسات الأميركية تقنينها أو إعادة صياغتها لأنها ستنعكس على النزاعات الأخرى في المنطقة.

وهذا التخبط الأميركي يفسر إلى حد كبير المعضلة التي تواجهها واشنطن في سوريا، لأن هذا النزاع هو الذي سيقرر كيفية تعامل إدارة ترامب في الشهور المقبلة ليس فقط مع سوريا، بل أيضا مع تركيا وإيران وروسيا والأكراد. ولذا وبالرغم من قرار البيت الأبيض الانسحاب من سوريا، توصل المعنيون في واشنطن إلى بلورة توافق يقضي بأن الإخلاء الكامل للقوات من سوريا يعني أن الولايات المتحدة قد خسرت كل شيء في سوريا، وأن روسيا وإيران وتركيا سوف تقرر مستقبل سوريا.

يبرز هذا التوجه المرحلي الأميركي في التصريحات الأخيرة للسفير جيمس جيفري، ممثل وزير الخارجية الأميركي الخاص إلى سوريا، عن مسار أستانة الذي “لم يحقق أي نتيجة خلال عام ونصف العام من انطلاق أولى جلساته”، ولفت جيفري إلى أن “مجموعة أستانة لم تستطع إقناع ‘النظام السوري الشيطاني’ بالتقيد بالقرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن عام 2015″. وأوضح أن الحل في سوريا يتمثل في “تخفيض حدة التدخل العسكري”، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة نجحت في تحقيق ذلك وفي ما يشبه خارطة طريق مبدئية، حدد المسؤول الأميركي أنه بعد تحقيق تقدم في الهزيمة النهائية لتنظيم داعش، يتطلب الأمر الآن تنشيط العملية السياسية وفق مسار جنيف بعد فشل المسار الآخر.

لا يمكن فصل هذا السياق عن جهود واشنطن في التفاوض مع أنقرة حول “تفاصيل المنطقة الآمنة” مع إعطاء وعد للجانب الكردي السوري يتمثل في اعتبار “قوات سوريا الديمقراطية” جيشاً ممثلاً للشعب السوري، واشنطن كما دول أوروبية وروسيا تريد إعادة بناء الجيش السوري وضم الأكراد إليه.

وفي مرحلة ما بعد هزيمة داعش في الباغوز تتفاوض واشنطن مع حلفاء أوروبيين على نشر قوة دائمة للتحالف الدولي في التنف وشرق سوريا. من خلال هذا الوجود العسكري المباشر والحليف ستستخدم واشنطن هذه الورقة بالإضافة إلى سلاح العقوبات وإعادة الإعمار للتأثير على موسكو ولعب دور أساسي في صياغة المستقبل السوري على المدى القصير والمتوسط.

ومن دون شك ستكون مسألة الوجود العسكري والأمني الإيراني محور مناورات وتجاذبات الشهور القادمة وليس من المستبعد أن تعمل إسرائيل على تسهيل تفاهم أميركي – روسي في سوريا على حساب طهران. ويمكن لهذا السيناريو أن يؤجج مواجهات ويخلط بعض الأوراق. من جهة أخرى يخفي اختبار القوة حول إدلب صراعا أميركيا – روسيا حول تموضع تركيا حيال مجمل المسألة السورية والإقليم.

تشهد تصفيات “الحروب السورية” على تعقيدات إضافية للعبة الأمم (اللعبة الكبرى الجديدة للقرن الحادي والعشرين انطلاقاً من المشرق) ولم يسبق وصول التخبط الدولي إلى هذا المستوى من الاحتدام والعجز في سياق الاضطراب على عدة مسارح دولية أخرى من إيران وليبيا إلى أوكرانيا وسريلانكا وفنزويلا.

العرب

غضب عابر من أجل إدلب/ عمر قدور

تنتشر مشاعر الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل سوريي الثورة، الغضب الذي ينبغي أن يشعر به أي إنسان يرى تلك المشاهد الفظيعة لأناس ناجين من القصف الوحشي أو مقتولين به. وكما نعلم لا يحظى القصف الحالي على ريفي حماة وإدلب بتغطية إعلامية، ولا باهتمام دولي، وكأن هناك اتفاقاً على تمرير المقتلة الجديدة كتفصيل لا قيمة له في مقتلة أكبر مرّت بتسامح قلّ نظيره.

لا جديد أو غير متوقع في ما يحصل، وحتى هذا القول لا جديد فيه، بحيث يبدو الصمت مغرياً ومشرّفاً أكثر من فائض المرارة والثرثرة اللتين لا تقدّمان ولو عزاء بسيطاً لأحد. الغضب الذي نراه اليوم سبق أن عشناه من قبل عندما مارست قوات الأسد وحلفاؤها من إيرانيين وروس أقصى درجات الوحشية، في حلب وفي الغوطة وقبلهما في حمص والقصير ويبرود… إلخ. كان الغضب في كل مرة يخمد في انتظار مناسبة مشابهة، ليتجدد وكأنه يشتعل لأول مرة، وكأننا لأول مرة أمام خذلان المجتمع الدولي أو خذلان داعم أو ضامن.

من فائض الثرثرة أيضاً القولُ اليوم أن الغضب من أجل إدلب عابر، إذ نعلم بحكم التجربة أننا اعتدنا على تقبّل الهزائم كقدر. سوف يؤجج غضبنا، ويساعد على إخماده لاحقاً، ما في جعبتنا من أسباب الهزيمة، فنحن شبه عزّل في مواجهة عدو متوحش امتلك لعقود مقدرات البلد، وأتته نجدة الخارج بعد الثورة كلما لاح ضعفه أو لوّح به. عندما يجتمع الغضب واليأس معاً فهذه وصفة شافية للعجز، ولإعلان الإفلاس التام وتبرئة النفس من المسؤولية سابقاً ولاحقاً. ثمة بيننا من يرمي المسؤولية كاملة على الظروف الخارجية التي كانت ضدنا، وثمة من يرمي المسؤولية على سوريين وقفوا ضد الثورة، وثمة أيضاً من يرميها على معارضة كانت أشد بؤساً من المقتلة.

من بين شقوق مجمل الظروف، ثمة مساحات كافية ليلقي كل طرف مسؤولية الهزيمة عنه، ولم نشهد حتى الآن شخصاً واحداً يستقيل معترفاً بمسؤوليته ولو بنسبة ضئيلة من الخطأ البشري المعتاد. لم تصل الواقعية بأحد إلى إعلان انسحابه بداعي التقاعد كما يحدث في كل التجارب المحترمة، وخلال ثماني سنوات من التقلبات والتغيرات لم يعلن مسؤول أو هيئة انقضاء مرحلة بما لها وعليها واستهلال أخرى بسياسات واستراتيجيات ملائمة لها.

إذا كانت المظلومية وصفة سحرية للتقاعس فهي بلا شك ناجعة تماماً لدينا، وهي ما يجعل من كل غضب رافداً جديداً لها، لتتضخم على حساب الإحساس بالمسؤولية. الآلاف، على سبيل المثال، يكررون منذ سنوات القول بأن هذه المعارضة غير جديرة بتمثيل الثورة، وخلال تلك السنوات لم يفعل أولئك الآلاف شيئاً سوى تكرار أقوالهم، وكأنهم ينتظرون معجزة من السماء تُسقط هيئات معارضة ومعارضين أفضل مما هو موجود. خيار حرب المدن ظهرت كلفته الباهظة منذ رفض الخارج، بما فيها دول ممولة له، منح الفصائل وسائط دفاع جوي. مع ذلك لم تحدث مراجعة له لاختيار سبل مواجهة أنجع، بما فيها المواجهة العسكرية، واقتصر السجال على فولكلور رافضي العسكرة الذين ليس لديهم بديل واقعي لحماية الثورة ومؤيديها غير المؤثرين فيها أو في مساراتها.

أحياناً كان الصمت والسلبية بذريعة الحفاظ على وحدة صفٍّ لم يكن موحداً أصلاً، فلا الفصائل العسكرية موحدة بهياكلها أو مشاربها، ولا هيئات المعارضة موحدة خلف رؤية سياسية. تلك الحقائق، بل أكثر منها كان معروفاً بدقة أشد مما نعرفه لدى الخارج الذي لا يُراد إضعاف المعارضة أمامه، وكأنما لم يكن له يد في تشكيلها على هذا النحو، وفي إضعافها على نحو متواصل.

إذا كان واحداً من أهم أهداف الثورة امتلاك السياسة التي حُرم منها السوريون طوال حكم البعث والأسدية فإن السياسة لم تُمارس قطعاً بالمعنى المطلوب بعد القضاء على طور المظاهرات، إلا إذا اعتبرنا خروج ما كان يُقال في الغرف المغلقة إلى العلن على وسائل التواصل الاجتماعي نوعاً من السياسة. لا شك في أننا تعرضنا إلى عملية تحطيم فظيعة جداً بالمعنى المكاني والاجتماعي، الأمر الذي يغفر للشرائح الأضعف والأكثر تضرراً، لكنه لا يعفي شرائح أخرى من المسؤولية الفردية والجماعية، ولا يعفي خاصة أحداً من الذين يرون مشروع إسقاط الأسدية مستمراً رغم تراكم الهزائم.

نعم، لقد تعرضنا لأسوأ ما يمكن تخيله في القرن الحادي والعشرين، من صدمة بالإنسانية جمعاء، ومن صدمات بسوريين شاركوا وحرضوا على الإبادة، ومن تحويل سوريا بأكملها إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية. لقد أُصبنا بكل ما كنا نتوقع أن البشرية تجاوزته، وظننا باستحالة تكراره، إلا أن توقعاتنا لا يجوز أن تخيب الآن “في إدلب مثلاً” بعدما خابت مرات ومرات. لا ينبغي على الأقل أن نكون مغفّلين مراراً وتكراراً، القليل من الإحساس بالمسؤولية مشرّف أكثر من غفلة الذين انتظروا حدوث معجزة لم تحدث من قبل.

من حق الضحايا الذين لا قوة لهم على الإطلاق أن يغضبوا ذلك الغضب المجرد الذي لا ينتقص من كراماتهم، وأن يصبوه على العالم أجمع. أما الغضب الأوسع بمعناه النبيل فيقتضي إحساساً عالياً بالمسؤولية، إحساساً فردياً وجماعياً، يستطيع فيه الغاضب أن يحدق بعينين لا بعين واحدة، وإذا قال بالأولى: يا لعار البشرية. أن ينظر بالثانية إلى المرآة ويقول: يا لعارنا نحن؛ نحن الذين لم نفعل أفضل ما في وسعنا. ربما أيضاً نحتاج عيناً ثالثة بصيرة تقول: يا لعارنا جميعاً وأفراداً، ويا لغضبنا الكاذب والمنافق، إذا لم نفعل.

المدن

إدلب في جحيم الصراعات الدولية/ عروة خليفة

تواصل قوات النظام السوري مدعومة بالطيران الحربي الروسي تصعيدها العسكري بالغ العنف على ريفي حماة الشمالي والغربي وريفي إدلب الجنوبي والغربي، حيث شملت أعمال القصف المدفعي والغارات الجوية، المستمرة لليوم الثامن على التوالي، أكثر من تسعين نقطة في هذه المناطق. وتتحدث جميع الشهادات الواردة من مناطق التصعيد عن كثافة غير مسبوقة في أعمال القصف، حتى أن سكاناً تحدثوا عن قيام سبع مروحيات تابعة للنظام بالتناوب على قصف بلدة واحدة في أكثر من حالة.

وتستخدم قوات النظام وسلاح الجو الروسي مختلف صنوف الذخائر في قصفها، بما يشمل البراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية، وهو ما أدى إلى تهجير آلاف السكان من قرى وبلدات المناطق المستهدفة نحو المزارع والبساتين المحيطة بالقرى أو شمالاً نحو مناطق أكثر أمناً. وقد قالت مصادر محلية للجمهورية إن عدداً من البلدات الواقعة على خطوط التماس، من بينها قلعة المضيق بريف حماة الغربي، فرغت تقريباً من سكانها.

وقال فريق منسقو الاستجابة في بيان له صباح اليوم إن أعداد النازحين، نتيجة الهجمات التي شنتها قوات النظام خلال الأيام الماضية، قد بلغت أكثر من 100 ألف نازح حتى الآن، يضافون إلى أكثر من 200 ألف نازح لم يعودوا إلى بلداتهم حتى اللحظة منذ حملة القصف السابقة في شهر شباط/فبراير الماضي، فيما وصلت أعداد الشهداء في أرياف إدلب وحماة وحلب منذ شباط الماضي 364 مدنياً، منهم أكثر من 50 مدنياً استشهدوا في حملة التصعيد الراهنة. وتتركز معظم عمليات القصف الحالية على بلدات لم تشهد نزوحاً في الحملة الماضية، ويُظهرُ رصد مواقع القصف أن النسبة العظمى منه استهدفت مناطق إلى الغرب من طريق حلب دمشق الدولي «M5»، وإلى الجنوب من طريق حلب اللاذقية الذي يمر وسط مناطق سيطرة فصائل المعارضة بمحافظة إدلب.

وبالإضافة إلى الأبنية في القرى والبلدات، استهدف القصف أيضاً سبع منشآت طبية، ونقطتين للدفاع المدني، وخمس مدارس، ومخيمين للنازحين في المنطقة. فيما قال منسق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية للأزمة السورية بانوس مومسيس لوكالة رويترز: «لدينا معلومات بأن منشآت تعليمية ومنشآت صحية ومناطق سكنية تتعرض للقصف من طائرات هليكوبتر ومقاتلات… القصف بالبراميل هو أسوأ ما شهدناه منذ 15 شهرا على الأقل».

وقد ترافق تصعيد القصف مع محاولة تقدم بري لقوات النظام على جبهة قلعة المضيق يوم السبت الفائت، وقال ناجي مصطفى الناطق باسم الجبهة الوطنية للتحرير لوكالة رويترز إن مقاتلي الجبهة تصدوا لمحاولة التقدم تلك، فيما ذكرت مصادر محلية أن الجبهة استطاعت أيضاً صد محاولة اقتحام من محور قرية المغير باتجاه قرية كفرنبودة بريف حماة الشمالي. كذلك ردت فصائل معارضة عدة على هجمات النظام بقذائف مدفعية وصاروخية على مواقعه القريبة، فيما أعلنت هيئة تحرير الشام (تحالف يضم جبهة النصرة) قصف قاعدة حميميم في اللاذقية بصواريخ الغراد يوم الخميس الفائت، رداً على القصف الذي يستهدف أرياف إدلب وحماة.

وجاء هذا التصعيد بالتزامن مع عملية عسكرية بريف حلب الشمالي، قامت بها قوات «الجيش الوطني» المدعومة من تركيا، وسيطرت خلالها على قرى مرعناز والمالكية وشوارغة بالقرب من مدينة تل رفعت التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية منذ عام 2016، وهو ما أوحى بارتباط بين المعركتين، إلا أن قوات «الجيش الوطني» عادت وانسحبت لاحقاً من تلك المواقع، ما يشير إلى أن العملية كانت لتأمين طريق إعزاز فقط، بعد أن تعرضت قوات تركية تمر عبره للاستهداف من قوات سوريا الديمقراطية أكثر من مرة خلال الأيام الماضية.

تتزاحم العديد من العوامل الإقليمية والدولية لتشكل مشهد الدمار الرهيب في إدلب وحماة، وفي القلب منها ما يبدو أنه وصول مسار أستانا إلى طريق مسدود، ذلك أن فشله المستمر بالوصول إلى اتفاق حول اللجنة الدستورية يعكس الاستعصاء الذي وصلت إليه العلاقة بين رعاة هذا المؤتمر في الشأن السوري. وعلى عكس ما قد يبدو من أن التصعيد العسكري جاء نتيجة لفشل أستانا، فإن الأرجح أن فشل أستانا والتصعيد العسكري معاً، هما نتيجة لتحولات أخرى في العلاقات بين الأطراف الفاعلة في الشأن السوري، وتحديداً تركيا وروسيا.

وفي هذا السياق تأتي تصريحات المبعوث الأمريكي إلى سوريا جيمس جيفري غير الحذرة، على عكس المألوف من الرجل، فقد قال في لقاء مع قناة الحرة إن مسار أستانا قد فشل، وإن على الضامنين الذهاب إلى جنيف للتحدث مع الأمم المتحدة بدلاً من عقد اللقاءات في وسط آسيا. وتؤكد هذه التصريحات على أمرين؛ الأول هو أن واشنطن لم تعد تريد إعطاء مزيد من الفرص لأستانا، لا في ملف اللجنة الدستورية ولا في غيره؛ أما الأمر الثاني فهو أن التجاهل التركي لهذه التصريحات، وعدم الرد عليها، قد يكون أحد بوادر تخلي تركيا عن مسار أستانا، خاصةً إذا ما قارنا هذا الموقف بانتقادات سابقة وجهها جيفري لمسار أستانا، استدعت احتجاجاً تركياً دفعه للتراجع عنها، ليبدو التجاهل التركي الأخير موافقةً ضمنيةً على كلام جيفري القاسي تجاه أستانا.

وتشكّل هذه التطورات جزءاً من التقارب التركي-الأميركي، الذي بدا أنه قد قطع أشواط كبيرة، خاصةً وأن الطرفين يبعثان برسائل إيجابية حول الاتفاق على ملف شرق الفرات، الذي أصبحت ترتيباته شبه مكتملة، سواء من حيث الاتفاق على تولي قوات عربية بقيادة أحمد الجربا أمن المناطق الحدودية مع تركيا، أو من حيث الاتفاق على بقاء القوات الأمريكية في المنطقة، وحتى الحديث عن قبول واشنطن دخول قوات تركية إلى شرق الفرات، الأمر الذي سيعزز عودة العلاقات بين واشنطن وأنقرة.

وبناء على ما تقدم، فإن من المرجّح أن يكون هذا التصعيد ضغطاً روسياً على تركيا بهدف قطع الطريق على تقاربها مع واشنطن، ورغبةً منها في حماية مواقعها في ريف حماة وقاعدة حميميم، بعد أن كان التوافق مع أنقرة منذ اتفاق سوتشي في شهر أيلول/سبتمبر الفائت قد أمّن هذه الحماية دون أن تحتاج موسكو لعمل عسكري. أما اليوم، وأمام احتمالات التراجع في توافقاتها مع تركيا، يبدو أن موسكو تمهد الأوضاع الميدانية اللازمة للتقدم البري بما يؤمن حماية تلك المواقع بصرف النظر عن أي تحولات سياسية قادمة. ومما يرّجح هذا الاحتمال، قصف قوات النظام لنقطة مراقبة تركية بالمدفعية الثقيلة أول أمس السبت في بلدة شير مغار بريف حماة الشمالي الغربي، ما تسبب بسقوط جرحى من عناصر نقطة المراقبة الأتراك، وهو ما يمكن تفسيره بأنه ضغط على النقطة التركية بهدف إجبار أنقرة على سحبها تمهيداً لأي تقدم بري محتمل في المنطقة.

تخلق بوادر التقارب الأمريكي-التركي أوضاعاً حرجة جديدة في التوازنات التي حكمت الملف السوري خلال السنتين الماضيتين، وبما أن منطق التحولات الراهنة يقود إلى احتمال عودة أنقرة إلى تحالفاتها الاستراتيجية القديمة مع واشنطن، فإن التطورات المرتقبة واحتمال انهيار مسار أستانا نهائياً سيزعزع الاستقرار الذي سمح بإظهار نظام بشار الأسد طوال الفترة الماضية كمنتصر، بعد أن ساعدته موسكو على إعادة احتلال معظم أنحاء البلاد. وتعني خسارة هذا الاستقرار عودة الحديث الدولي مجدداً عن النظام ومستقبله، إلا أن الذي يدفع الفاتورة الحقيقية لهذه التحولات، سواء أسفرت عن نتائج سياسية أم لا، وسواء نتجت عنها عمليات عسكرية برية فعلاً أم لا، هم أهل إدلب وحماة، الذين يتعرضون اليوم لواحدة من أقسى حملات القصف الجوي والبري في تاريخ سوريا، تسببت خلال أيام قصيرة بدمار هائل لا يمكن حصره في قراهم في وبلداتهم.

موقع الجمهورية

إدلب.. تصعيد سياسي أيضاً/ حسين عبد العزيز

ما الذي دفع الروس إلى رفع وتيرة التصعيد العسكري في منطقة إدلب في شمال سورية بطريقةٍ لم تشهدها الأشهر السابقة منذ توقيع اتفاق سوتشي بين موسكو وأنقرة؟ لا يتعلق الأمر بالساحة الداخلية لإدلب بالتأكيد، حيث لم تحدُث أية تطورات عسكرية أو إدارية ـ تنظيمية، تبرّر هذا التصعيد، في وقت ظل الخطاب السياسي الروسي على حاله، في ما يتعلق بتطبيق تركيا بنود الاتفاق.

يجب ربط فهم ما يجري في إدلب بالضرورة بالتطورات السياسية التي حصلت خلال الأسبوعين الماضيين:

ـ فشل اجتماع أستانة فشلاً ذريعاً، خصوصاً في ما يتعلق باللجنة الدستورية. وقد جعل هذا الفشل الروس مستائين من الأتراك، لعدم ممارستهم الضغوط الكافية على المعارضة السورية، في ما تبدو موسكو حريصةً على إحداث اختراق في جدار هذا الملف، مع قرب ترتيب المبعوث الأممي إلى سورية، غير بيدرسون، أوراقه التفاوضية لبدء جولة جديدة في جنيف، بعدما تبين له عجز الروس في الإمساك بهذا الملف.

ـ التصريحات التركية ـ الأميركية المشتركة التي أكدت على اقتراب الطرفين من الاتفاق على شكل المنطقة الأمنية في شمال شرقي سورية، بعد محادثاتٍ أجراها المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، جيمس جيفري، مع الأتراك والأكراد.

ومن شأن أي تفاهم تركي ـ أميركي في شرق سورية أن ينعكس سلباً على الدور الروسي الذي يعمل جاهدا من أجل أن يكون له دور في هذه المنطقة، فضلا عن أن حصول تركيا على بقعة جغرافية جديدة في سورية من خارج البوابة الروسية يسمح لأنقرة بدور أكبر في عموم المنطقة الشمالية، الأمر الذي يمنحها قدرةً أكبر على الموازنة بين القوتين الروسية والأميركية.

ـ إعلان قيادي في قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أنها تجري مفاوضات غير مباشرة مع تركيا، مع إبداء الاستعداد لحل كل المشكلات العالقة بين الطرفين. وتشكل هذه المفاوضات التي تجري بوساطة أميركية تطوراً مهماً جداً، يشكل قطيعة سياسية مع المرحلة السابقة.

ومع أن الشروط التركية والشروط الكردية المضادة تجعل من الصعب توصل الطرفين إلى

تفاهم بشكل سريع، إلا أن لهذه المفاوضات أبعاداً استراتيجية على الصعيدين، المحلي والإقليمي، فبالنسبة لـ “قسد”، سيعني ذلك أنها تمتلك خيارات عدة لترتيب أوراقها، وليس خياراً واحداً هو النظام السوري. وبالنسبة لتركيا، ستعني هذه المفاوضات، إذا ما نجحت، تغيير الترتيبات والتحالفات في الشمال السوري، سيكون بالضرورة على حساب موسكو ودمشق.

تلعب تركيا في هذه التطورات الثلاثة السابقة دوراً رئيسياً، ما يعني أن كلاً من موسكو وواشنطن بحاجة إليها بشدة لتمتين حضورهما وأوراقهما في هذه المنطقة الواسعة. ومن هنا، يمكن فهم التصعيد العسكري الروسي على إدلب، والحديث عن احتمالين لا ثالث لهما:

أولاً، يندرج التصعيد العسكري الروسي ضمن عملية ابتزاز وضغط سياسي على أنقرة، لمنعها من إجراء أية تفاهمات سياسية أو عسكرية مع واشنطن، لا تأخذ المصالح الروسية بالاعتبار. وما يدعم هذا الخيار أن تصريحات الكرملين والخارجية الروسية، وحتى وزارة الدفاع، لم تشر إلى وجود عملية عسكرية في إدلب، باستثناء تصريحاتٍ عامة قديمة بشأن محاربة الإرهاب، ولعل تصريح الرئيس بوتين يحمل دلالة، حين أكد أخيرا أن الوقت غير ملائم لعملية عسكرية واسعة في إدلب.

ثانياً، شن النظام السوري، مدعوماً من روسيا، عمليات عسكرية محدودة في ريفي حماة اللاذقية الشماليين، وربما في ريف إدلب الجنوبي، من أجل إبعاد الفصائل العسكرية عن مناطق التماس الحالية، أو لإجبارها على القبول بتسيير دوريات روسية ـ تركية مشتركة، اتفق عليها في اجتماع أستانا أخيراً.

من غير المعروف المدى الذي يمكن أن تذهب إليه روسيا عسكريا في هذه المرحلة، خصوصا مع وجود تفاهمات أميركية ـ تركية، ذلك أن أي ضغط عسكري لتغيير الخريطة الجغرافية العسكرية في منطقة إدلب، قد يدفع تركيا أكثر نحو الولايات المتحدة، وهذا ما لا ترغب به روسيا. كما أن هذه العملية العسكرية البرية، إن جرت، ستضعف من قدرة أنقرة على ضبط الفصائل العسكرية وتوجيهها. والنتيجة، وضع اتفاق سوتشي أمام حافة الهاوية، وهذا ما لا يقبل به راعيا هذا الاتفاق.

ستبقى الاحتمالات في منطقة إدلب مفتوحة، طالما بقيت المباحثات التركية ـ الأميركية ـ الكردية، هي الأخرى، مفتوحة على الاحتمالات كافة.

العربي الجديد

من يشعل برميل البارود الموقوت في إدلب؟

لليوم الثامن على التوالي تواصل روسيا والنظام السوري شن غارات وحشية ضد مناطق واسعة في المحيط الجنوبي لمحافظة إدلب، استهدفت مدناً وبلدات عديدة كثيفة السكان مثل خان شیخون ومعرة النعمان وسراقب، إلى جانب مناطق أخرى في سهل الغاب شمال غرب محافظة حماة. ويستخدم الطيران الحربي الروسي قذائف عالية التدمير وخارقة للتحصينات، كما تعمد الحوامات التابعة للنظام السوري إلى إلقاء البراميل المتفجرة والألغام البحرية، مما تسبب في استشهاد عشرات المدنيين بينهم نساء وأطفال، كما أخرج القصف من الخدمة عدداً من النقاط الطبية.

وإذا كان هذا السلوك غير مستغرب من النظام السوري الذي عاث تخريباً في طول البلاد وعرضها ولم يراع حرمة نفس بشرية أو مشفى أو مخبز أو دار عبادة، فإن انخراط موسكو في حملة القصف بهذه الشراسة يثير عدداً من الأسئلة رغم أنه لا يخالف كثيراً السلوك الإجمالي للقوات الروسية في سوريا منذ تدخلها المباشر والواسع في أيلول/ سبتمبر 2015. فمن حيث المبدأ تبدو المشاركة الروسية وكأنها تدق مسماراً إضافياً في نعش اتفاقيات أستانة وسوتشي، التي احتضنتها موسكو وأبرمتها مع أنقرة وطهران بصدد منطقة خفض التصعيد في إدلب تحديداً.

صحيح أن عمليات القصف الراهنة تخدم موسكو على أكثر من صعيد تكتيكي، كأنْ تتيح لما يسمى «قوات النمر»، التي ترعاها موسكو وتزرعها في قلب ما تبقى من قوام عسكري للنظام السوري، أن تقضم مساحة إضافية في ريف حماة ومحيط إدلب، أو أن تقضي على مزيد من مقاتلي القوقاز الجهاديين وعناصر الحزب الإسلامي التركستاني، أو أن تمارس المزيد من الضغوط على أنقرة بهدف دفعها إلى تقديم تنازلات جديدة في المفاوضات المفتوحة حول الشمال السوري عموماً. ولكن من الصحيح في المقابل أن موسكو تجازف بخسران ما كسبته من زخم دولي في أعقاب قمة اسطنبول الرباعية التي جمعت تركيا وروسيا وألمانيا وفرنسا، والتي بدا أنها خطوة أولى على طريق مباركة الاستثمار الروسي لمشاريع الإعمار المستقبلية في سوريا، ولكنها أيضاً قمة شددت على «وقف إطلاق نار طويل الأمد» في إدلب.

وصحيح أيضاً أن تفاهمات أستانة وسوتشي أوكلت إلى أنقرة مهمة نزع الأسلحة الثقيلة من أيدي الجهاديين في مناطق واسعة جنوب محافظة إدلب، وكذلك ضبط حركة فصائل «تحرير الشام» عبر تسيير دوريات تركية، وتمكين التحالف المدعوم من تركيا المعروف باسم «الجبهة الوطنية للتحرير» والذي يشمل معظم فصائل المعارضة غير الجهادية. ولكن التقاعس التركي عن الوفاء بهذه الالتزامات لا يبرر نقض موسكو لسلسلة التوافقات التي توصلت إليها مع أنقرة، سواء بخصوص الملف السوري من جانب أول، أو لجهة حرص الكرملين على تغذية التناقضات بين تركيا والولايات المتحدة وتعميقها من جانب ثان.

وهكذا فإن المنطق السياسي والعسكري السليم يشير إلى أن عملية إدلب الكبرى لن تُفتح على وسعها في هذه الجولة، فالمحافظة التي يقطنها ثلاثة ملايين نسمة نصفهم من غير سكانها، وتمّ ترحيل آلاف الجهاديين إليها، ليست آخر حصون معارضة النظام السوري فقط، بل إن النيران التي يمكن أن تضرم فيها سوف تعبر الحدود بالضرورة، وتنسف التوافقات، وتشعل برميل البارود الموقوت.

القدس العربي

إدلب: متى تبدأ المعركة البرية؟/ خالد الخطيب

واصلت الطائرات الروسية شن غاراتها الجوية، ليل الأحد/الاثنين، مستهدفة ريفي حماة وإدلب، وسط استقدام مليشيات النظام لمزيد من التعزيزات العسكرية إلى الجبهات مع مناطق المعارضة المسلحة. ويبدو أن التمهيد الناري للمعركة المفترضة بات في مراحله الأخيرة، بعدما هُجّرَ السكان، ودُمّرت غالبية المرافق الخدمية، وأهمها المشافي والنقاط الطبية.

التطورات الميدانية

المقاتلات الحربية الروسية تناوبت على قصف بلدات جبل الزاوية، وتعرضت بلدة شنان لغارات جوية بالصواريخ الفراغية. وفي ريف ادلب الجنوبي طال القصف الجوي أكثر من 20 قرية وبلدة، ما تسبب بمقتل 5 مدنيين بينهم طفلة من عائلة واحدة في قرية ربع الجوز أثناء سحور اليوم الأول من رمضان.

وقتل 25 مدنياً، خلال الساعات الـ24 الماضية، في أعلى حصيلة قتلى منذ بدء العدوان الروسي. إذ قتل مدني في جسر الشغور، وامرأة في قرية سطوح الدوير، وامرأة في قرية دير سنبل، وثلاثة أشخاص بينهم مسعف في مدينة كفرنبل، و3 في ترملا، و4 في أرينبة و3 في الهبيط، وامرأة في حاس، وطفلة في أرنبة، وطفلة في بسقلا.

وكانت مقاتلات الاحتلال الروسي قد استهدفت، الأحد، بالصواريخ الفراغية مشفى كفرنبل ما أدى لتدميره، وهو النقطة الطبية الرابعة التي تتعرض للقصف الروسي. وسبق ذلك قصف استهدف مشفى ترملا للنساء والأطفال، ومشفى نبض الحياة قرب بلدة حاس، ومشفى المغارة بكفرزيتا شمالي حماة.

مليشيات النظام تعزز مواقعها

يستمر إرسال تعزيزات مليشيات النظام إلى الجبهات. ونفذت أفواج “الشواهين” و”الهواشم” و”الحوارث” ومجموعات “وعد مخلوف” التابعة لـ”مليشيا النمر”، عمليات إعادة انتشار على خطوط التماس مع المعارضة. وتركز انتشارها إلى جانب “الفيلق الخامس” في تل الزعتر في ريف حماة الشمالي الشرقي، باتجاه الغرب في معان والكبارية وصولاً إلى القطاع الأعلى من سهل الغاب في ريف حماة الشمالي الغربي.

ولا تشمل التعزيزات أسلحة ثقيلة، وهي في الغالب من قوات المشاة. وتتولى قواعد الصواريخ والمدفعية داخل نقاط المراقبة والمعسكرات الروسية عمليات القصف البري المركز. ومعظم الطلعات الجوية التي نفذها مروحي البراميل خلال الأيام القليلة الماضية، كانت من مهبط المروحيات في جب رملة شمال غربي حماة. ويحوي المهبط على مستودعات براميل متفجرة. وقد استهدفته “تحرير الشام”، الأحد، بصواريخ غراد، وقالت إنها أوقعت إصابات فيه وتسببت بتعطيل العمل فيه لساعات.

التعزيزات وصلت أيضاً الى الجبهات الشرقية في حماة وادلب، رغم أنها جبهات هادئة نسبياً. فريف المعرة الشرقي وشرقي الطريق الدولي دمشق-حلب، كانت قد تعرضت للقصف قبل 8 نيسان/أبريل ما تسبب بإخلائها من السكان. وعدم تعرضها حالياً للقصف لا يعني أنها خارجة من حسابات المعركة. وقد انتشرت فيها مليشيا “لواء القدس” التي قدمت من حلب خلال اليومين الماضيين. وعلى الأغلب، فالقوات المنتشرة هي من الدورات المتخرجة حديثاً من معسكر حندرات شمالي حلب. وانتشرت تعزيزات “لواء القدس” في البلدات والقرى غربي مطار أبو ضهور العسكري.

ولم يسجل مشاركة كبيرة للمليشيات المدعومة من إيران في عمليات القصف، خلال اليومين الماضيين. لكن المليشيات الإيرانية نفّذت عمليات إعادة انتشار ودعم لمواقعها، الأحد، في جبهات ريف حلب الجنوبي ومنطقة الضواحي الغربية لحلب، تحسباً لأي هجوم للمعارضة بهدف الإشغال والتخفيف من الضغط جنوبي ادلب وريف حماة.

توسع القصف على مراحل

تطور القصف الجوي والبري على مراحل، واستهدف في المرحلة الأولى قرى وبلدات ريف حماة الشمالي وسهل الغاب القريبة من خطوط التماس، ما تسبب بنزوح أكثر من 70% من سكانها. وفي المرحلة الثانية توسع القصف ليشمل مناطق ريف ادلب الجنوبي؛ ريفي كفرنبل وخان شيخون وريف المعرة الغربي، وهي مناطق ذات كثافة سكانية متوسطة. وفي المرحلة الثالثة امتد القصف إلى جبل الزاوية ومحيط أريحا، وهي أكثر المناطق المكتظة بالسكان. ولم يتوسع القصف حتى الآن ليشمل كامل قرى وبلدات جبل الزاوية، لذا لم ينزح الأهالي بالكامل عن منازلهم.

وجميع الأهداف التي تم استهدافها في المراحل الثلاث، هي أهداف مدنية، من منازل ومرافق حيوية، ومشافٍ ومدارس ومباني المجالس المحلية، وأهداف في المحيط القريب للقرى والبلدات المستهدفة بهدف منع الأهالي من البقاء في البساتين المجاورة وإجبارهم على النزوح شمالاً. وفي حال أرادت مليشيات النظام فتح معركة بالفعل فلا بد أن تواصل قصفها.

والمرحلة الرابعة المفترضة من القصف، قبل الاجتياح البري، قد تستهدف قدرات المعارضة العسكرية، ومواقعها المتقدمة وأرتالها العسكرية، ومستودعات أسلحتها، والأسلحة الثقيلة وقواعد الصواريخ التي يتم رصدها عن طريق طيران الاستطلاع.

المحاور المتوقع إشغالها

القائد العسكري في “جيش العزة” العقيد مصطفى بكور، أكد لـ”المدن”، أن مليشيات النظام باتت جاهزة بالفعل لشن معركة، ومستعدة لها من حيث الإمكانات النارية والمدرعات ومجموعات المشاة التي تم حشدها خلال الأسبوع الماضي.

وتُرجّح المعارضة المسلحة أن يتم إشغال محورين رئيسيين من قبل مليشيات النظام في حال قررت الهجوم البري؛ المحور الأول يبدأ من ريف حماة الشمالي الغربي، انطلاقاً من كرناز مروراً بكفر نبودة والهبيط وكفرعين وتل عاس وخان شيخون، والمحور الثاني انطلاقاً من أبو دالي في ريف ادلب الشرقي باتجاه الخوين الكبير والتمانعة، وصولاً إلى خان شيخون، حيث يُفترض أن يلتقي المحوران.

وتحقق مليشيات النظام من خلال تقدمها على هذين المحورين، فصل ريف حماة الشمالي بالكامل عن إدلب الجنوبي، ومحاصرة اللطامنة ومورك وكفر زيتا والزكاة والصياد وسكيك والأربعين، أي سقوط مناطق سيطرة “جيش العزة” بالكامل، وإجباره على الانسحاب نحو الشمال.

كما يمكن لمليشيات النظام التقدم في سهل الغاب وجسر الشغور، في المراحل اللاحقة عبر فتح جبهات عريضة مع المعارضة وقضم مناطقها تباعاً. وبدأت المواقع الإعلامية الموالية تتحدث عن تحضيرات وحشود عسكرية للمعارضة في سهل الغاب وجسر الشغور وريف حماة، وتعتبرها مقدمة لعمل عسكري عدائي تحضر له المعارضة ضدها في المنطقة، وعليه لا بد من اتخاذ إجراءات رادعة، ويبدو أن هذه الاتهامات تأتي في إطار التبرير للمعركة المفترضة التي ستشنها المليشيات.

معركة ريف حماة/ ميشيل كيلو

بدأت روسيا ما تعتقد أنه آخر معاركها السورية التي نجمت عن تعقيداتٍ وأوضاع كانت تعتقد أنها لم تعد عقبة في طريق الحل، بعد عودة الأسدية إلى ثلاث من مناطق خفض التصعيد، وتسليم موسكو وطهران بأولوية الدور والحضور التركي في المنطقة الرابعة، منطقة حماة التي تدور الحرب في أطرافها اليوم.

من الصعب اعتبار ما يجري حلقةً أخيرةً في الحرب التي سيمهد انتهاؤها لـ”جنيف”، ولتطبيق القرارات الدولية، وصولا إلى الحل الدولي الذي ينتظره السوريون منذ ثمانية أعوام. والمرجّح أن تهدد الحرب الروسية الراهنة، في حال كان هدفها إعادة إدلب ومنطقتها إلى النظام، بقلب العلاقات والتحالفات القائمة بين تركيا وروسيا، وتبدّل علاقات بدت تحالفيةً، وتستعيد تحالفاتٍ بدت منتهية، ولا يستبعد اصطدام موسكو بأنقرة، إن نقض عمل روسيا العسكري اتفاق سوتشي حول أولوية حضورها في المنطقة، لأن ذلك سيعني تقليص دور أنقرة في سورية تمهيدا لتقليص حصتها من الحل أو حذفها، بينما كان يبدو أن إيران، وليس تركيا، هي التي يُراد لها أن تخرج صفر اليدين من الصراع. ولأن تركيا لن تقبل أن تتعرض لهزيمة بهذا الحجم، وهي مكتوفة اليدين، فالمرجح أن يكون هناك اتفاق بين الدولتين بشأن دخول روسي محدود أرضيا إلى ريف حماة الشمالي، لأهميته بالنسبة لدور قوات موسكو في سورية، ولهز إصبعها في وجه جبهة النصرة التي لم تشارك في القتال أو تتعرض للضرب. لم تدخل موسكو لتقوّض نفوذ تركيا في المنطقة، أو حصتها من الحل الدولي، أو لتغيير وضع أطراف تفاهمات سوتشي وعلاقاتهم، أو مصير منطقة إدلب، ولو كان هدف موسكو تقويض حضور تركيا ودورها، لشاركت هيئة تحرير الشام في القتال، ولصدرت عن قواتها تحذيراتٌ عسكرية ما، في عموم منطقة إدلب، وليس فقط على خط المواجهة، ولتعرّضت قاعدة حميميم لعمليات قصفٍ بمئات الصواريخ يوميا. لم يحدث هذا، لأن موسكو تريد تحاشي وقوع أية متاعب جدية في علاقاتها مع أنقرة التي يرجّح أن تقوم، في حال شعرت بالاستهداف، بما يشكل خطورة بالنسبة لموسكو: عبر عودتها إلى حليفها الأميركي، وفق صيغة تعاونٍ جديدة على الأرجح، قد تكون محل بحثٍ في أيامنا، تعزّز التزام حلف شمال الأطلسي بالدفاع عنها، وحمايتها من جلافة الرئيس الروسي بوتين وعدوانيته. وهناك إشارات إلى تقارب أميركي/ تركي في الآونة الأخيرة، كالتفاهم على المنطقة الأمنية شرق الفرات، وصفقة طائرات إف 35، وصواريخ الباتريوت، وإس 400، وما يعنيه ذلك من تخلٍّ تركي عن المقترح الروسي بشأن منطقةٍ آمنة تنجز بالتفاهم مع الأسد، ووفق صيغة أضنة الأمنية، فضلا عن إمكانية وضع منطقة إدلب تحت حماية أميركية، أسوة بشرق الفرات، في حال ساء الوضع مع روسيا وعادت مياه الأطلسي الأميركية إلى الجريان في أنهار السياسة التركية.

ستواجه موسكو مشكلات صعبة مع أنقرة، إذا لم تكن حربها الراهنة محدودة في المكان والزمان، وكان هدفها المس بإشراف تركيا على منطقة إدلب، وعائدها دفع إسطنبول إلى أحضان واشنطن، في ظل احتمالاتٍ مقلقةٍ تلوح في أفق السياسة الدولية والمحلية، منها الهجمة الأميركية على إيران التي تضفي الجدية علي احتمال إخراجها من سورية، وانهيار النظام الأسدي الذي إن حدث أو خرجت طهران من المشرق، رفع الغطاء الإقليمي والمحلي عن موسكو، في لحظةٍ مفصليةٍ تتسم بالتوتر الشديد في علاقات العملاقين، الروسي والأميركي، قد يجد بوتين نفسه، في حال أغضب تركيا، وعجز عن دعم إيران، وإنقاذ الأسد، مكشوفا، وفي حالة دفاع عن دورٍ لن يجلب له غير المصاعب التي تتحدّى قدراته.

العربي الجديد

الحرب في وقتها تماماً/  عمر قدور

بينما تحشد الإدارة الأمريكية مزيداً من قواتها وأسلحتها في المنطقة، تحسباً لتهديدات إيرانية، تهاجم قوات الأسد التي تطغى عليها القيادة الروسية ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي. كنا شهدنا في التوقيت ذاته تصعيداً في غزة أيضاً، وهو ما لا ينبغي فصله عن التفاصيل الأخرى للوحة وإن توقف التصعيد بفضل وساطات متعددة. ما لا تُعرف حدودها بعد هي الحرب الدائرة الآن في سوريا، وهل هي “معركة الحسم” كما يروّج إعلام الأسد، علماً بأن الأسد نفسه ليس صاحب قرار فيها؟ أم أنها ستتوقف عند ابتلاع مساحة كافية ضمن الحسابات الروسية الحالية؟

قبل أسابيع كان كل الاهتمام مركزاً على موضوع تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، وقد ترافق معه ظهور أزمة معيشية غير مسبوقة في مناطق سيطرة الأسد، بل بدا كأن تلك الأزمة سيكون لها ارتدادات غير محسوبة جراء عجز وفشل الأسد في معالجتها. التصعيد الحالي أتى في توقيت مناسب جداً لطي الحديث عن الأزمة، وبدل الحديث عن الفشل هناك اليوم حديث آخر عن الانتصار، خاصة عندما يُفهم الانتصار كأنه تغلب على “العدو” التركي وعلى أردوغان شخصياً. الأهم ربما كون الحرب وسيلة تقليدية للهروب إلى الأمام، ولطالما كانت أداة للتخلص من الأسئلة الملحة داخلياً وصرف الانتباه نحو الخارج.

وجود قوتين عظميين في المنطقة أمر لا يستدعي الترقب، فهما موجودتان لسنوات خلت في مساحة ضيقة من سوريا ضمن قواعد مُتفق عليها بصرامة. على هذا الصعيد يمكن القول بوجود تكامل أو تنسيق بين الطرفين، قد يأتي على انفراد أو عبر تنسيق كل منهما مع تل أبيب. أكثر من ذلك، نستطيع القول بتوازي الضغط الأمريكي على إيران مع الضغط الروسي على أنقرة من البوابة السورية، من دون رصد رد فعل أمريكي يوحي بعدم الرضا عن السلوك الروسي الحالي.

وجود تفاهم أمريكي-روسي ضمني لا يعفي حكم أردوغان من المسؤولية التامة عن سياساته، وعن الانقلاب الذي نراه اليوم إذ يتعرض للضغط من الحليف القديم والجديد معاً. هذا الموقع يخالف التوقعات القديمة حول قدرة أنقرة على اللعب بين واشنطن وموسكو، بموجب موقعها الجيوسياسي، فتركيا لم تحقق استفادة معتبرة بقدر ما تصاغرت الفائدة إلى مستوى الحساسية المعتادة إزاء الملف الكردي. لنا أن نقارن مثلاً بين الطموحات الإيرانية أو الإسرائيلية بالمقارنة مع نظيرتها التركية، وأن نهمل في المقابل اللغو الدارج عن طموحات سلطانية لأردوغان ليس هناك في الواقع ما يؤشر إليها سوى خطاب شعبوي بائس، وفي كل الأحوال المسألة تتعلق بحسابات وصراعات النفوذ لا بالمؤامرة على إسلامية أردوغان وحزبه كما يواظب الإسلاميون على الإيحاء بذلك.

مع الهجوم الحالي “الروسي في المقام الأول” على ريفي حماة وإدلب، أعلنت أنقرة عن تقدم في المفاوضات حول “المنطقة الآمنة” التي يُفترض إقامتها على أراض تسيطر عليها الميليشيات الكردية، بينما لم يصدر أي تأكيد رسمي أمريكي ما يترك الإعلان التركي موجهاً للاستهلاك المحلي. أيضاً، وزيادة في توضيح المغزى، كانت قوات ما يُسمى “الجيش الوطني” التابعة لأنقرة قد هاجمت الميليشيات الكردية في “تل رفعت”، قبل عودتها بتعليمات تركية مفادها خضوع المنطقة لتفاهمات ما تزال سارية مع موسكو. بعبارة أوضح، لن تحصل أنقرة على ثمن لقاء المناطق التي ستذهب إلى سيطرة الأسد وحلفائه، أو بالأحرى لقاء تمريغ صورتها كضامن لأمن تلك المناطق المكتظة بسكانها وبالنازحين إليها.

نضيف إلى ما سبق أزمة أردوغان الداخلية المتمثلة بخسارة الانتخابات البلدية، وصولاً إلى قرار إعادة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول وانعكاساته، مع ما يعنيه كل هذا من زيادة ارتهانه للتحالف مع التيار القومي المتشدد. أي أن حكم أردوغان هو في أضعف حالاته منذ فشل محاولة الانقلاب، أو منذ تبديد الرصيد الذي ناله بسبب تلك المحاولة. الهجوم على ريفي حماة وإدلب في هذا التوقيت يستبطن عجز أردوغان عن إبداء أي رد فعل، وعجزه عن التلويح بالانعطاف نحو واشنطن التي تدرك مأزقه أيضاً، وليست في وارد مدّ يد العون بخاصة بعد أزمة صفقة صواريخ S400 العالقة بين الطرفين حتى الآن.

ربما تتحفظ واشنطن على هجوم شامل يخلق أزمة إنسانية فاضحة، ويتطلب إجابة سريعة عن مصير الجهاديين المصنفين على لائحة الإرهاب الدولية. هذا قد يتقاطع أيضاً مع رغبة موسكو التي لا تستعجل حسماً نهائياً يختتم ما تسوّقه كانتصارات عظمى، وربما ترجّح عليه التقدم بإيقاع تُقبل وحشيته من الغرب، ولا يتسبب سريعاً بانهيار مسار أستانة، فضلاً عن أن الاحتفاظ بورقة يمكن التهديد والتكسب بها قد يكون خياراً مجزياً أكثر من اجتياح بري واسع لا بأس بتأجيله. وكما نعلم فإن حصر المعركة الأخيرة بما سيتبقى من إدلب تكتيك تكاد تكون نتائجه مضمونة، فإذا كان من السهل القضاء على التنظيمات التي طالما صُنٍّفت معتدلة فإن الهجوم على تنظيمات مصنفة إرهابية لن يلقى معارضة أو استنكاراً دوليين، وما يُحكى عن الكلفة البشرية لهكذا معركة لم تثبت صحته سوى في ما يخص الضحايا المدنيين، وتجربة المقاومة الهزيلة لداعش مع تبخر كوادره فيها ما فيها من دروس.

أن نشير إلى هول المذبحة الحالية والمؤجلة فهذا لن يستثير ضمائر المعنيين باستمرارها، وإذا كان لنا تقسيم مراحل الصراع فقد نكون اليوم أمام معارك الإقصاء الأخيرة التي لن تقل شراسة عن سابقاتها. لقد عشنا من قبل إقصاء القضية السورية بفتح الساحة أمام الميليشيات الشيعية ونظيراتها السنية، بهدف إنهاك الطرفين، ثم عشنا مرحلة ضبط فوضى السلاح بطرد اللاعبين الصغار خارج الحلبة، بما في ذلك طرد داعميهم العرب. الآن ربما حان دور القوتين الإقليميتين المتبقيتين “إيران وتركيا”، ولعل إبرام صفقة روسية-أمريكية تخص سوريا متوقف على الانتهاء من هذه المهمة وقدرة الروسي على تأدية القسط الأكبر منها.

المدن

سوريا: جولة جديدة من حرب السيطرة على الشمال/ سلام السعدي

بلغت الحملة العسكرية التي أطلقها النظام السوري وحلفاؤه في ريف مدينتي حماة وإدلب ذروتها خلال الأسبوع المنقضي. فالحملة التي بدأت منذ 26 أبريل الماضي بقصف مكثف بكافة أنواع الأسلحة تطورت خلال الأسبوع الماضي إلى هجوم عسكري لا يزال مستمرا، وقد نجح في انتزاع السيطرة على بلدات رئيسية تقع ضمن ما يعرف بمنطقتي “خفض التصعيد” و”المنطقة منزوعة السلاح”.

يعتبر الهجوم البري أحد مؤشرات اندفاع النظام السوري وحلفائه لتضييق الخناق على مدينة إدلب، وصولاً إلى استرجاعها بعمل عسكري ستكون له تبعات إنسانية مرعبة. ويضاف إلى ذلك مؤشران آخران، أولهما مشاركة القوات الروسية بشكل مباشر وفعال، سواء في عمليات القصف الجوي أو بالهجوم البري، وهو ما لم يحدث منذ توقيع اتفاقيات التهدئة في شهر سبتمبر الماضي. والثاني هو اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف في موسكو في سياق توسيع الحملة العسكرية ومواجهة الضغوط الدولية المتوقعة جراء تزايد أعداد النازحين وارتفاع الخسائر في صفوف المدنيين في الأسابيع القادمة.

اللافت أن ما يحدث يأتي بعد أسابيع قليلة على إعلان وزير الخارجية الروسي أن الهجوم العسكري على مدينة إدلب ومحيطها غير ممكن في الوقت الحالي، مشدداً على الاتفاقات مع الجانب التركي. ورغم أن ما يحدث هو خرق واضح لتلك الاتفاقات، بقيت أنقرة صامتة في ما بدا أنه موافقة على الهجوم الحاصل.

أطلق الصمت التركي تكهنات بشأن “صفقة” مع روسيا تسمح بموجبها الأخيرة لأنقرة بالتوغل في مدينة تل رفعت التي تسيطر عليها القوات الكردية مقابل تغاضي أنقرة على التحركات الروسية في ريفي حماة وإدلب. ولكن الأرجح أن موسكو متحررة من أي تعهدات تركية، وهي تتحرك بفعل فشل تركيا في إنهاء سيطرة جبهة النصرة على مدينة إدلب ومناطق واسعة من شمال سوريا حسب ما جرى الاتفاق عليه في سوتشي بين الجانبين.

النظام وحلفاؤه سيعملون كل ما بوسعهم لمنع تثبيت الوضع القائمالنظام وحلفاؤه سيعملون كل ما بوسعهم لمنع تثبيت الوضع القائم

الأرجح أيضا أن تركيا غير متمسكة بتلك المناطق وقد وافقت بأنها على المدى البعيد، ستؤول لحليف روسيا، أي للنظام السوري. هكذا يمكن تفسير الصمت التركي رغم تكثيف قوات النظام السوري هجماتها الجوية والصاروخية حتى على محيط نقاط المراقبة التركية، وهو ما أدى لوقوع عدد من الإصابات بين الجنود الأتراك الأسبوع الماضي.

لكن القرار بإطلاق الحملة العسكرية يرتبط أيضاً بالتطورات السياسية والعسكرية للمشروع الكردي- الأميركي في مناطق شمال وشرق البلاد خلال الأشهر الماضية. إذ أعاد تراجع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن سحب قواته من سوريا الحياة لذلك المشروع، وقرع أجراس الإنذار لدى موسكو وطهران وأنقرة. فبعد إعلان ترامب عن “انسحاب سريع″ للقوات الأميركية من سوريا مطلع العام الحالي، فضّل حلفاء النظام السوري انتظار تحقق ذلك، وبالتالي تجنب التصعيد العسكري خشية أن يؤخر ذلك عملية الانسحاب.

ولكن خلال الأشهر الماضية، قررت الإدارة الأميركية الإبقاء على جزء من قواتها دون تحديد مدة زمنية لذلك، كما طلبت من حلفائها الأوروبيين مشاركتها في حماية المنطقة على المدى الطويل. وفضلاً عن ذلك أبدت الإدارة الأميركية رغبة في توسيع الدور العربي في تلك المناطق. ويشمل ذلك دعم المكونات العربية المحلية لتحقيق الاستقرار وتخفيف الآثار السلبية للحكم السلطوي الذي تفرضه القوات الكردية.

كما شجعت واشنطن مشاركة دول عربية، وخصوصا كل من السعودية والإمارات، في عمليات تثبيت استقرار طويل الأمد في مناطق شرق الفرات حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية. الأخيرة بدورها تعرضت لضغوط أميركية لتوسيع المشاركة السياسية وتجنب كل ما يمكن أن يؤدي لانفجار أمني في المنطقة. وفي هذا السياق، جاء “ملتقى العشائر السورية” الذي نظمته قوات قسد في مدنية عين عيسى شمالي الرقة قبل نحو أسبوعين.

أثار المؤتمر غضب النظام السوري الذي وصفه بـ”الخيانة الوطنية”. وإذا كان موقف النظام السوري مفهوماً ومتوقعاً، فقد جاء الموقف الروسي حاداً بشكل غير مألوف. إذ خصصت وزارة الخارجية الروسية بياناً للحديث عن الملتقى، معتبرة أنه يهدف إلى تقويض جهود التسوية ومسار أستانة من جهة، وإلى إتاحة المجال للولايات المتحدة لكي تحافظ على “وجود طويل الأمد” في سوريا من جهة أخرى. كما اتهمت موسكو واشنطن بتقديم “الرشوة” لمن حضروا وتجنيد مشاركين لا يتمتعون بحيثية اجتماعية أو قبلية، ما يوضح حجم التوتر الروسي الذي كان قد بدأ يتصاعد مع الحديث عن اتفاق أميركي- تركي حول منطقة عازلة في شمال البلاد محاذية للحدود التركية.

ولم يكد الحاضرون يختتمون أعمال الملتقى حتى أعطت روسيا كل من النظام السوري والميليشيات الطائفية المساندة له الضوء الأخضر لتكثيف الحملة العسكرية وتوسيعها لهجوم بري، موفرة التغطية الجوية الضرورية لنجاحها. سوف يعمل النظام وحلفاؤه كل ما بوسعهم لمنع تثبيت الوضع القائم باعتباره “حلاً فعلياً” طويل الأمد. ويبدو أن السيطرة على “مناطق خفض التصعيد” من المعارضة السورية تقع في صلب ذلك في الفترة القادمة.

كاتب فلسطيني سوري

العرب

قطع المساعدات عن إدلب قد يكون الاختيار السهل للمانحين الغربيين، لكنه ليس الاختيار الصحيح/ حايد حايد

إن الهيمنة المتزايدة لهيئة تحرير الشام على آخر جيوب المتمردين في شمال غرب سوريا يعيق بشدة الحكم الرشيد. كما أن المخاوف من أن يتم تحويل أموال المساعدات إلى هيئة تحرير الشام، والتي يصنفها معظم دول العالم كجماعة إرهابية، دفعت المانحين الغربيين إلى قطع التمويل عن جميع المشاريع غير الإنسانية المتعلقة بأعمال الاستقرار في المنطقة، بما في ذلك مشاريع التعليم والصحة.

كما لو أن الأشخاص الذين يعيشون في إدلب، والذين يقترب عددهم حاليًا من “4” ملايين نسمة، لم يعانوا بما فيه الكفاية. والأسوأ من ذلك، أن هذا التحول السياسي لن يفشل فقط في الحد من سيطرة هيئة تحرير الشام على ما تسميه الهيئة أعمال الإغاثة “المسموح بها”، بل إنه يساعد الهيئة فعليًا على تشديد قبضتها على جميع المهام المدنية، وبالتالي تعزيز مطلب الهيئة المتعلق بشرعيتها.

ولما كانت هيئة تحرير الشام ناجحة على المستوى العسكري، وذلك من خلال سيطرتها على مساحات شاسعة في إدلب الكبرى منذ بداية العام، إلا أن محاولات هيئة تحرير الشام للتفوق في إدارة الشؤون المدنية أثبتت أنها الأمر أكثر صعوبة، فالعديد من المجالس والمجتمعات المحلية لا تثق في الهيئة.

ومنذ عدة أشهر، قامت هيئة تحرير الشام بتنفيذ ما يمكن أن يُعتبر هجومًا ساحرًا من خلال إدراج نفسها ضمن الهياكل المحلية، ومغازلة مجموعات المتمردين الأخرى بهدف – ظاهريًا – تقاسم السلطة في الإدارة المدنية الجديدة، وتحمل مسؤولية استعادة الخدمات العامة. وهذا ما يفسر ولو جزئيًا السبب الذي بدت فيه هيئة تحرير الشام مرحبة بالمنظمات الإنسانية التي تقدم المساعدات في المناطق التي تسيطر عليها.

بيد أن الأمر لن ينطلي إلا على القليل – ولسبب وجيه. ففي الانتخابات الأخيرة المقامة لتشكيل مجلس شورى جديد، كان لهيئة تحرير الشام تأثيرًا كبيرًا على كلٍ من اختيار المرشحين ونتيجة الانتخابات، فضلاً عن التأثير على تقديم الخدمات، والتي لم تكن أمرًا قابلاً للتنفيذ قبل ذلك. وببساطة، لا تمتلك هيئة تحرير الشام الموارد اللازمة، على الرغم من أن ذلك لم يمنعها من إعلان مسؤوليتها عن تنظيم عملية توزيع المساعدات الدولية.

وبالنسبة للمنظمات المدنية المعنية بالأنشطة غير الإنسانية، فإن أسوأ ما يمكنها فعله في الوقت الحالي هو تعليق أنشطتها.وتتضمن الجهود الدولية في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في سوريا أكثر بكثير من مجرد توزيع الغذاء والدواء، حيث تركز المجموعات العاملة هناك أيضًا تركيزًا كبيرًا على بناء مؤسسات مدنية شرعية، وتعزيز الحكم الرشيد. وعلى سبيل المثال، هناك برامج سرية للتشجيع على المساواة بين الجنسين، والنشاط المجتمعي، وحقوق الإنسان. (تلجأ هذه المجموعات إلى العمل بطريقة غير ملحوظة لحماية موظفيها والأشخاص المستفيدين من الخدمات.)وفي ظل غياب الخيار العسكري المناسب ضد هيئة تحرير الشام، يبدو أن المقاومة المدنية هي الخيار الأفضل المتاح. وتمارس جماعات المجتمع المدني حتى الآن دورًا حاسمًا في منع هيئة تحرير الشام من السيطرة على مقاليد الأمور، ذلك أن المساعدات الموجهة إلى مجموعات المجتمع المدني قد مكنتها من احتواء هيئة تحرير الشام، وإضعاف شرعيتها وتقويض قاعدة الداعمين لها. وبينما لا ترضى هيئة تحرير الشام عن كل ما تفعله منظمات المجتمع المدني، الا انها لم تحظر نشاطاتهم بشكل جاد.ولكن بدون دعم الوكالات الدولية، ستضطر الجماعات المدنية وأجهزة الحكم المحلي إلى تعليق أنشطتها، وبالتالي خلق فراغ يمكن لهيئة تحرير الشام أن تملئه، ولا يمكن السماح بحدوث هذا الفراغ.إن ديناميات الوضع في إدلب معقدة بشكل لا يمكن إنكاره. فهناك مناطق بأكملها خاضعة لإدارة هيئة تحرير الشام والشركات التابعة لها؛ وفي مناطق أخرى، حققت هيئة تحرير الشام تقدما بسيطًا، بفضل المقاومة المحلية. ولكن بدون دعم المانحين، لا يمكن لهذه المقاومة أن تصمد.لذا، وبدلاً من الانسحاب، وترك المجال سهلاً أمام هيئة تحرير الشام، يجب على منظمات المجتمع المدني، المحلية منها أو الدولية، والجهات المانحة الغربية العمل معًا لتفويت هذه الفرصة على هيئة تحرير الشام، ويجب أن يحدث التعاون في الوقت الراهن، ذلك أن هيئة تحرير الشام لم تتمكن حتى الآن من تعزيز قوتها في إدلب بشكل كامل.ويجب على منظمات المجتمع المدني والجهات الغربية المناحة اختراق مناطق هيئة تحرير الشام لتحديد نقاط المقاومة المحتملة. هذا وقد عرفت بعض من تلك المجموعات بنفسها من خلال البيانات المنشورة على الإنترنت والتي ترفض خلالها سيطرة هيئة تحرير الشام، ولهذا يجب تشجيع تلك المجموعات ودعمها. ويجب أن تتضمن الإرشادات التشغيلية معايير واضحة لتنظيم عمل تلك المجموعات، فضلاً عن وجود آليات قائمة لضمان الامتثال لتلك المعايير، وأيضًا مراقبة المقاومة وإعداد تقرير عنها.ويجب أن تضمن تلك الإرشادات أيضًا عدم وصول، صدفة أو عمدًا، أي أموال إلى أيدي أي مجموعة محظورة. ومن المجموعات التي عرفت بنفسها، المنظمات الإنسانية التي ترفض دفع الضريبة (الاتاوة) التي تحاول هيئة تحرير الشام فرضها على جميع وكالات الإغاثة العاملة داخل المناطق التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام أو تمر خلالها، حتى لو أدى هذا الرفض إلى اضطرار تلك المجموعات إلى تعليق نشاطها. إن الحالة التي عليها هيئة تحرير الشام لا تسمح لها بسد الفجوة، وسيصل الضغط المجتمعي إلى مستوى يجعل مجموعات الإغاثة قادرة إلى على استئناف عملها دون أي التزام بدفع الضريبة.وهناك ما يكفي من الأمثلة في إدلب الكبرى للإشارة إلى جدوى تلك الخطط. وهنا نشير إلى إحدى هذه الأمثلة: فقد تعرضت إحدى المنظمات غير الحكومية العاملة في أحد مشروعات الإغاثة في شمال سوريا إلى ضغوط من أجل إيقاف تعاونها مع المجلس المحلي، والتعاون مع جمعية خيرية تابعة لهيئة تحرير الشام، غير أن المنظمة غير الحكومية رفضت هذا الأمر، وتعرضت للتهديد بإنهاء مشروع الإغاثة، وإغلاق مكتبها في مدينة إدلب. وعندما انتشر هذا الخبر، نظمت جماعات مدنية محلية ونشطاء مظاهرات احتجاج أدت إلى تراجع هيئة تحرير الشام عن قرارها. وبالتالي، تمكنت المنظمة غير الحكومية من مواصلة أعمال الإغاثة دون عوائق.إن تطوير البروتوكولات الجديدة للحكم الرشيد وتنفيذها لن تكون بالأمر السهل. غير أن قرار الغرب بإنهاء جميع أشكال المساعدات باستثناء المساعدة الإنسانية لن يؤدي إلى تقويض سلطة هيئة تحرير الشام أو كبح نفوذها. وفي الواقع، سيؤدي هذا القرار إلى نتائج معاكسة تمامًا، وستكون عواقبه وخيمة بالفعل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.