ثقافة وفكر

سؤال القرن أم حلم طوباوي: هل تعود الاشتراكية حقاً؟/ صبحي حديدي

في كتابه الجديد «هل خسر الغرب»، الذي يضيف مفردة «استفزاز» كعنوان فرعي للكتاب، يساجل السنغافوري كيشور محبوباني، الأكاديمي والدبلوماسي السابق، بأنّ الرهانات التي خسرها الغرب منذ مطلع القرن الحادي والعشرين ليست كثيرة ومتعددة فقط؛ بل هي حمّالة تبعات جسيمة عابرة للعقود، وعابرة للمفاهيم والتصورات التي يصنفها الغرب اليوم في باب المسلّمات والبديهيات. المتغيّر الأكبر في تباشير القرن الراهن كان التالي، من وجهة نظره: منذ السنة 1 وحتى 1820 ميلادية، كانت الأمّتان الأبرز على صعيد الاقتصاد العالمي هما الصين والهند. بعد ذلك فقط تمكنت أوروبا، لتلتحق بها أمريكا بعدئذ، من الهيمنة؛ إلا أنّ تفوّق هذين القطبين في الأداء أمام الحضارات الأخرى ظلّ نسبياً، وهو اليوم يشهد تراجعاً أقرب إلى النكوص، ومقادير متفاوتة من الركود كذلك.

والكاتب الألماني يوخن بيتنر، المحرر السياسي لصحيفة «دي تسايت»، يقتبس محبوباني في التعليق على ظاهرة الحنين إلى الاشتراكية، التي أخذت تزحف بتؤدة منهجية إلى قلب الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني، وخاصة منظمات الشبيبة فيه. وقبل أيام استضافته صفحة الرأي في «نيويورك تايمز» حول هذا الموضوع، فكتب مقالة بعنوان «لماذا تعود الاشتراكية إلى ألمانيا؟»؛ تناول فيه بصفة خاصة تصريحات كيفن كوهنيرت زعيم منظمة الشباب في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني حول طراز «النيو ــ اشتراكية» كما يرى الأخير أنها باتت ضرورة تاريخية في ألمانيا المعاصرة. فلننسَ الاشتراكيات الأمريكية كما يدعو إليها أمثال بيرني ساندرز أو ألكساندرا أوكازيو كورتيز، ينصحنا بيتنر، فاشتراكية كوهنيرت، ابن الـ29 سنة، تذهب نحو الصميم: السيطرة الديمقراطية على الاقتصاد، واستبدال النظام الرأسمالي وليس إعادة ضبطه أو تعديل معاييره.

ولا يتردد كوهنيرت في الحديث عن إجراءات أقرب إلى التأميم بخصوص شركات مثل BMW، حيث يتوجب على العمال أن يمتلكوا فيها حصصاً حقيقية وفعلية وفاعلة، فمن دون حلول مثل هذه «لا يمكن التغلب على الرأسمالية»، يقول الرجل. وأمّا بخصوص الأنظمة العقارية، فإنّ كوهنيرت لا يستوعب شرعية «نموذج في البزنس ينطوي على كسب العيش عن طريق مساحة معيش أناس آخرين. لكلّ امرئ الحقّ في امتلاك مساحة معيش خاصة به يسكن فيها». لا شرعية، كذلك، لفحوى نظام رأسمالي قائم على المعادلة التالية: «سباق يشرع فيه ملايين الناس، فلا يصل إلى خطّ النهاية سوى قلائل، يصرخون على اللاهثين في الخلف أنه كان في وسعهم بلوغ نهاية السباق!».

أسباب المعلّق السياسي الألماني في تفسير هذا التطلّع إلى الاشتراكية، داخل الشرائح الشبابية في بلده ألمانيا، تبدأ من حيث يشاء إفراغ الظاهرة من مضامينها الاجتماعية، رغم أنّ هذه المضامين تحديداً هي جوهر أيّ تجسيدات فعلية على الأرض لما يحلم به القيادي الشابّ في الحزب الاشتراكي الديمقراطي. بيتنر يتحدث، مثلاً، عن إغواء مواجهة ردّ فعل ما، على شاكلة الزعم بانتصار الرأسمالية ونهاية التاريخ وسيادة السوق؛ بردّ فعل معاكس، هو الحنين إلى اشتراكية ديمقراطية مختلفة عن أنظمة المعسكر الاشتراكي البائد، واستعادة نبض التاريخ. بل هو يعود إلى الآباء المؤسسين للنظام الاقتصادي في ألمانيا الغربية، في الحزب الديمقراطي المسيحي سنة 1947 مثلاً، ممّن اعتبروا أنّ «النظام الاقتصادي الرأسمالي لا يخدم مصالح الشعب الألماني». لهذا فقد بُنيت ألمانيا الغربية على فكرة اقتصاد السوق الاجتماعي، حيث يجري تثمين التنافس الفردي، وفي الآن ذاته يُجبر الأثرياء على معاضدة الأقلّ حظاً.

واليوم، في عيد العمّال العالمي، وفي قلب اعتمالات اجتماعية ــ سياسية صاخبة ليس عسيراً أن نشهد استقطابات عميقة تتحرّك في السطوح الأعمق من السياسة اليومية، الميدان المعلن الذي يتبدّى فيه عجز الاقتصاد الرأسمالي عن تطويع الحياة اليومية

بمعزل عن هذا، وسواء اتخذت حكاية عودة الاشتراكية إلى ألمانيا صفة الحلم الطوباوي (نقيض «الحلم الأمريكي» البغيض، كما يساجل كوهنيرت)، أو باتت سؤال القرن بامتياز؛ فإنّ ظواهر الخلل في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة لا تخفي على ذي بصيرة، ولا ينكرها أو يتنكّر لمفاعيلها كبار أساطين التفكير الرأسمالي الاقتصادي والاجتماعي الراهن. وفي الوسع العودة إلى عقدين سابقين في عمر الرأسمالية المعاصرة، ثمّ ضرب المثال من اقتصاديات الشطر الآسيوي في النظام الرأسمالي، وليس الغربي وحده (الذي سوف تكفيه الأزمة الكبرى لأصول المصارف والرهون العقارية لسنة 2007).

ففي عام 1997 كانت شركة «يامايشي» للسندات والأسهم والمضاربات قد أعلنت إفلاسها (وعلى نحو دراماتيكي جدير بأكثر تراجيديات وليام شكسبير توتراً ومأساة، إذْ ظهر المدير التنفيذي للشركة في نقل حيّ على الهواء، وانخرط في بكاء مرير، معلناً الإفلاس). تلك كانت الشركة التي احتلّت المرتبة الرابعة في لائحة كبرى بيوتات السندات المالية الخاصة في اليابان، وعراقتها تعود إلى عام 1897، ولها فروع في 31 عاصمة رأسمالية، بكادر من المستخدمين يتجاوز 7000 موظف. ذلك كله لم يحصّنها ضدّ سلسلة من الفضائح المالية، وسلسلة ثانية من تقلبات أسعار الأسهم، وسلسلة ثالثة من صعوبات تأمين التمويل؛ الأمر الذي أفضى إلى خسارة صافية مقدارها 25 مليار دولار أمريكي، وإلى إعلان الإفلاس والإغلاق.

وفي معظم أطراف المعسكر الرأسمالي المعاصر (إذْ لا يزال يستحقّ صفة «المعسكر»، حتى مع غياب المعسكر الاشتراكي النقيض)، في فرنسا كما في الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا واليابان؛ تتابع أخلاقيات السوق العيش وفق قواعد «ثقافة الرضى» حسب تعبير المفكر الاقتصادي الكبير جون كينيث غالبرايث. إنها جسم إيديولوجي اجتماعي ـ اقتصادي يلبس لبوس الديمقراطية (حين لا تكون هذه خيار مجموع المواطنين، بل أداة أولئك الذين يقصدون صناديق الاقتراع دفاعاً عن امتيازاتهم الاجتماعية والاقتصادية)؛ وتفرز أجهزة حكم لا تنطلق في تطبيقاتها السياسية من مبدأ التلاؤم مع الواقع والحاجة العامة، بل من طمأنة الخلايا الدقيقة المنعمة والراضية، التي تصنع الأغلبية الناخبة. والفكر الاجتماعي الرسمي من حول هذه الثقافة لا يلحّ على قضية أخرى قدر إلحاحه على الطبقة، أو بالأحرى على غياب مفهوم الطبقات. وبدلاً من هذا التوصيف الكابوسي الذي يرجّع أصداء الماضي، يلجأ ذلك الفكر إلى البلاغة؛ فيتحدث في أمريكا عن «الطبقة السفلى» Underclass، وفي فرنسا عن الذين «بلا عنوان دائم» SDF، وفي بريطانيا عن «المشردين» Homeles. لكنّ المحتوى في جميع الأحوال يصف ملايين الفقراء والعاطلين عن العمل، ويصف طبقات جديدة، وأخرى عتيقة.

لكنّ الموقف من الزمن التاريخي (أي ذاك الذي يرتد إلى الماضي من المستقبل، مروراً بالحاضر) هو إحدى السمات المكوّنة في لاهوت ثقافة الرضى التي تحدث عنها غالبرايث. إنها لا تنكر التأزّم (حيث يتعذر الإنكار)، لكنها تسعى إلى تأجيل الفعل اللازم لحلّه، وتنحّي جانباً كلّ ما يثير الاضطراب: مظاهرات، إضرابات، نتائج انتخابية تقلب المعادلات الراسخة رأساً على عقب… واليوم، في عيد العمّال العالمي، وفي قلب اعتمالات اجتماعية ــ سياسية صاخبة مثل «السترات الصفراء» في فرنسا، وبعد مرور أكثر من عقد ونصف على النظريات التي تبشّر ببزوغ فجر الرأسمالية واقتصاد السوق مرّة وإلى الأبد؛ ليس عسيراً أن نشهد استقطابات عميقة تتحرّك في السطوح الأعمق من السياسة اليومية، الميدان المعلن الذي يتبدّى فيه عجز الاقتصاد الرأسمالي عن تطويع الحياة اليومية. ويكفي أن يتابع المرء ما يجري في أيّ من البلدان الرأسمالية الأساسية، في أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، بصدد السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الثقافة أو الحرب أو السلام… لكي تبدو المساحة الدلالية بين الحلم الطوباوي وسؤال القرن وكأنها تعيد إحياء، أو لعلها تعيد التحريض على التفكير في، نبوءة ماركس الرهيبة: حول برجوازية لا تملك سوى أن تخلق حفّاري قبورها!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.