سياسة

سوريا المرميّة كعظمة كلب/ عمر قدور

فقط في سوريا تستطيع الزمرة الحاكمة نفي أي علم لها بإعادة رفات جندي إسرائيلي إلى حكومته، ثم بعد النفي تعود لتتبنى صفقة يُعاد فيها أسيران مقابل الرفات، بينما تشيع صحيفة إسرائيلية أن الأسيرين طالبا ببقائهما في إسرائيل بعد الإفراج عنهما. في المرة الأولى حمّل شبيحة الأسد موسكو مسؤولية التسليم، وفي المرة الثانية استعادوا المسؤولية على نحو هزلي بصفقة قيل إنها أُبرمت على عجل لحفظ ماء وجه بشار. وبصرف النظر عن انعدام ذلك الماء، على الأقل جراء الإهانات المتوالية من الحلفاء، فإن مجرد انعقاد الصفقة البائسة بعد الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان هو توقيت لا يخلو من إهانة أخرى تجعل كل كلام عن رفض القرار الأمريكي تمثيلية سخيفة.

فقط في سوريا يمكن لثلاثي أستانة إصدار بيان بعد الجولة الثانية عشر، يتم التأكيد فيه على وحدة وسلامة أراضيها من قبل ثلاث دول تتقاسم النفوذ والاحتلال، وتجد متسعاً للتنديد باحتلال إسرائيل الجولان وبالوجود الأمريكي في قسم من الأراضي السورية. ولا يتوانى الثلاثي عن دعوة دولتين أخريين، هما العراق ولبنان، للمشاركة في المسار عطفاً على موقفيهما، لا لشيء سوى لاستغلال المسار الذي يُفترض أنه معني بالقضية السورية من أجل محاولة بناء تحالف، آخر همه البحث عن حل جدي للقضية السورية، بينما الغاية منه تعزيز وضع موسكو وطهران في خريطة المنطقة.

فجأة كنا قد شهدنا، لمناسبة الأزمة المعيشية الحادة في سوريا، كيف جرى التصويب على العقوبات الدولية التي تتسبب بها. العقوبات كما نعلم ليست بجديدة، ولطالما استهتر بها شبيحة الأسد في الوقت الذي كانوا يحمّلون فيه مسؤولية الضائقة المعيشية لما يسمّونه “العصابات الإرهابية المسلحة”. هكذا، ببساطة، يمكن سحب المسؤولية المزعومة عن عاتق تلك “العصابات” وتحميلها للغرب. بالبساطة ذاتها لن يظهر رد فعل مناسب من قوتي الاحتلال اللتين يُفترض بهما تحمل مسؤولية مستعمرتهما وسكانها، إلا أنهما لا تريدان تحملها أو غير قادرتين على ذلك. الأهم أن وضعية تقاسم الاحتلال بين القوتين الخارجيتين وقوة الاحتلال الداخلي تتيح لكل منهما التنصل من المسؤولية، وهكذا يصبح سبب أزمة الوقود “على سبيل المثال” العقوبات التي تمنع طهران من إيصاله إلى سوريا، من دون التوقف عند واقع رهن الاقتصاد السوري للإيراني، وبالطبع من دون التوقف عند المسؤول الأول عن إيصال سوريا إلى ما وصلت إليه.

لتكتمل اللوحة كانت منظمة العفو الدولية قد قدّرت في آخر تقاريرها عدد القتلى المدنيين في الرقة وحدها بما لا يقل عن 1600 قتيل، أثناء الحرب على داعش، لتدحض الرواية الأمريكية التي قدّرت العدد سابقاً بـ318 قتيلاً. المنظمة أيضاً تقدّر أن العدد الكلي للقتلى المدنيين في أماكن تواجد داعش يفوق التقديرات الأمريكية بعشرة أضعاف، أي أنه يصل إلى حدود الـ13000 ضمن ما هو متاح من معلومات حتى الآن. لم يتبرع أحد من قوات التحالف بتقديم أية إيضاحات في ما يخص تقرير المنظمة، وكان ترامب قد استبق التقارير بإلغائه الأمر التنفيذي الذي ينص على الكشف عن الضحايا المدنيين أثناء الغارات الجوية، ما يعني التنصل من المسؤولية المباشرة، والتنصل الذي يتبعه من تعويض ذوي الضحايا، دون أن نأخذ في الحسبان التعويض عن الدمار الهائل الذي أوقعته غارات التحالف، ولا يُنتظر من إدارة ترامب المبادرة إلى ترميمه ولو جزئياً. في سياق متصل، لا يعرف الأهالي أي مصير ينتظرهم، وما إذا كانت القوات الأمريكية ستبقى أم ستغادر، وهل سيبقون تحت الاحتلال الأمريكي أم سينتقل جزء منهم إلى نظيره التركي، أو حتى إلى سلطة الأسد التي تمثل الاحتلالين الروسي والإيراني؟

لقد تكرر من قبل وصف سوريا بأنها أرض الإفلات من العقاب، لكننا فوق ذلك إزاء وضع مركّب ومعقد يُراد منه الإفلات تماماً من تحمل أية مسؤولية، ولو في حدها المعنوي الذي لا يرتّب آثاراً قانونية. تجاهل المجتمع الدولي ما يُرتكب من جرائم في سوريا ليس مطمئناً لوحده، بقدر الاطمئنان الآتي من اللوحة المركبة والمعقدة لتواجد قوى عديدة تتكفل ببعثرة المسؤوليات.

في المثال الأخير لن يعزّ على أي مسؤول في إدارة ترامب إلقاء عبء الدمار والقتل على تنظيم داعش، مثلما لن يعزّ على موسكو التي نفّذت أيضاً سياسة الأرض المحروقة إلقاء مسؤولية الدمار والقتل على ما تسميها الجماعات الإرهابية. وفي مستوى أدنى، رأينا من قبل كيف بررت قوات التحالف قصفها المدنيين بإحداثيات خاطئة حصلت عليها من وحدات الحماية الكردية على الأرض، وكيف لم تتدخل الإدارة الأمريكية للحد من “أو التحقيق” فيما يُنسب إلى تلك الوحدات من انتهاكات في حق سكان المناطق ذات الأغلبية العربية. سنرى شيئاً مماثلاً أو أسوأ، فأنقرة التي احتلت عفرين لم تتدخل لوقف انتهاكات الفصائل التابعة لها، وتستطيع في أي وقت رمي عبء الانتهاكات كلها على تلك الفصائل بما أنها لم تعترف ولم تعلن أية جهة دولية كونها دولة احتلال بما ترتبه الكلمة من مسؤوليات وفق القانون الدولي.

ربما تكون الحالة السورية غير مسبوقة بوجود أربع قوى احتلال معاً، فضلاً عن الاحتلال الأسدي الذي يشرْعنُها على نحو مباشر أو غير مباشر، والقوى الأربع لا تتوقف عن إعلان تمسكها بوحدة وسلامة الأراضي السورية، لا لإيمانها بما تقول وإنما للتهرب من مسؤولياتها كقوات احتلال. هذه الصيغة من التواطؤ الجماعي تتيح لكل طرف إلقاء “آثامه” على الآخرين، وفي المحصلة هي لا تضير أحداً من أطرافها بما أن الثمن يُدفع من حساب السوريين فحسب. الكارثة الحقيقية هي أن الصيغة الحالية مرشّحة للاستمرار، ولو تخللتها تعديلات طفيفة، لأنها صيغة مريحة لأطرافها، ولأن سوريا بأكملها مرمية أمام أنيابهم كأنها عظمة كلب “وفق مثل سوري شائع”، إذ بوجود هذه القوى مجتمعة لن تكون هناك قوة أخرى مهتمة وقادرة على أي فعل.

الحساب الاقتصادي للإمعان في استباحة سوريا والسوريين يمكن تبسيطه بأن كل يوم يستمر فيه تآكل الحياة الطبيعية مع قليل من العنف والتدمير، إذا لم يشهد منسوباً مرتفعاً منهما، فإن هذا اليوم يستهلك أياماً في المستقبل من أجل إعادة الوضع السابق. إذا كان الحديث يدور مثلاً عن تأجيل الحسم حتى تنتهي ولاية بشار الأسد الحالية، فإن استمرار هذه الصيغة ما يقارب سنتين أخريين قد يطيل العمر المفترض لتعويضهما إلى عشر سنوات فوق عشرات السنين اللازمة لتعويض وحشيته منذ انطلاق الثورة، هذا في حال رحيله واستتباب الأمن نهائياً. نحن بالأحرى نتحدث عن خراب مستمر لقرن كامل من حيوات أجيال، نصفه أثناء حكم الأسدية، ونصفه للتداوي من آثارها إن لم يكن بقاؤها مطلوباً من أجل خراب أعمّ وأطول.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.