نصوص

طبّق الشريعة من فضلك/ أحمد عمر

أضف جديداً

وصلت إلى مدينة المدائن إسطنبول العظيمة، عاصمة بيزنطة سابقاً، وسكنت في حي عثمان باشا مع شاب كردي ظريف، يشبه الممثل الهندي أكشاي خان، اسمه نوري، كان خياطاً، ويوالي اليسار الكردي ويعادي أردوغان، وهذا شائع لدى الأكراد في أواخر القرن العشرين وأوائل الحادي والعشرين، لأسباب كثيرة، قومية وإعلامية عالمية، لكن الغريب أنه كان يحافظ على الصلاة والصلاة الوسطى! كان يعود مساء مجهداً من العمل الشاق، ويصلي الصلوات الخمس مرة واحدة، بسرعةٍ وجمعاً، كل سجدتين كان يدغمهما بسجدة واحدة من شدة السرعة، ثم يمدُّ الفراش، ويطلب مني إنشاء حساب سكايب جديد له، لأنه نسي كلمة سرِّ الحساب السابق، حتى اضطررت إلى تسجيل كلمات سرِّ حسابه على دفتري، وهو حتى الآن يتصل بي عبر القارات طالباً، على الفيس بوك إنشاء حساب جديد له.

عاد مرة ومعه امرأتان، وأعدَّ لنفسه مائدة اللذة، وطعام ما تحت الزنار، ودعاني إلى المشاركة في “الوليمة” فاعتذرت، فأحسَّ بالحرج من اضطراراه إلى بنات الهوى، وتعلل بالحاجة، وقال:

لم أعد أتحمل يا خال، الجوع جوعان؛ جوع ما فوق الزنار، وجوع ما تحته، وهو أشدُّ وأنكى..  النضال يحتاج إلى قوة وإلى الحب كما قال صحابي كاسترو غيفارا.

فعرفت أنه يحتسب نفسه من المناضلين، أما مقولة غيفارا فكنت سمعتها للمرة الثانية، لكن لم تكن بهذه الصيغة، وقالها نوري كفتوى.

أخليت له الغريفة، من أجل الخلوة غير الشرعية، مع عاهرتين في وقت واحد! خرجت مع الحاسوب إلى المطبخ الصغير في العشة الصغيرة فوق السطح، والتي كنا نقيم بها.

انهمك في التهام الوجبتين التركيتين، بينما تابعت عملي بوضع قلوب “اللايكات” الحمراء لأصدقائي على بطولاتهم الكاذبة في زواجل الفيسبوك. دخلت بعد نصف ساعة إحداهن، وهي “لابسة من غير هدوم”، كانت تلبس غلالة شفافة مثل شبكة العنكبوت، من المعلوم أنّ العناكب تأكل ذكورها أكلاً لمـاً، وتفترسهم بعد ليلة الدخلة.

أعدّتْ الشاي أمامي، ومع سقوط بصري على العنكبوت الأسود، الذي برز لي من وراء الغلالة، رحت أخلط، وأضع اللايكات الحمراء للمؤمنين والكفار، الأخيار منهم والأشرار إنك سميع مجيب يا غفار! قالت شيئاً بالتركية لم أفهمه، ولو قالته بالعربية لما فهمت، فالفهم صار له أجنحة وطار، ثم عرفتني على نفسها، وقالت ” أكجا”.. قلت: أهلاً يا سيدة أكجا.

مضت تحمل الشاي، وقتها تعطلت شبكة الفيسبوك في عدة دول ربما بسبب “لايكاتي” الكافرة، بعدها دخلت زميلتها، كانت ترتدي غلالة مثل شبكة بيت العنكبوت، شفافة، لو ارتدتها حكوماتنا الغامضة لكنّا بألف خير، الحكومة ترتكب الفواحش في الأمّة وتستر نفسها، والعاهرات صريحات.

عرفتني بنفسها، وقالت إنّ اسمها “فيجان”.. تشرفنا يا سيدة فيجان.. كانت أكثر حشمة من زميلتها، لأنها كانت ترتدي البكيني المحدث، وكان عبارةّ عن خيطين توسطهما كفة مقلاع تحت الغلالة..  انتهت ساعات العسل في الغرفة المجاورة برنين الهاتف، فاتخذتها ذريعةً، وأفسدتُ ساعات العسل حسداً من عند نفسي، فقرعت الباب، وأبلغت “نوري” أنّ الحجي سيزورنا بعد صلاة العشاء، وقلت له: سيسرُّه أن يطردك إلى كانتون الإدارة الذاتية.. فارتعد نوري فهو يخاف من الحجي صاحب الدار خوفاً شديداً. نوري لا يحب الإدارة الذاتية، على موالاته لها، وخلال نصف ساعة، كان يقبّل المرأتين قبلات مثل قبلات فريد شوقي لناهد شريف في فلم “وتمضي الأيام”، ودّعهما على الباب، وعاد وتمدَّد، بينما هرعت إلى الشرفة أودع المرأتين بناظري، تحدوني مشاعر غامضة، عدتُ إليه، كان منهكاً، وكأنهّ عبر “المانش” سباحةً، ثم طلب مني طلباً غريباً، وقال: خال أقم عليّ الحد!

قلت: أي حدّ يا ثمالة روحي؟

قال: حد الزنا يا خال.. عجل أريد أن أغتسل وأصلي وأنام..

أحضرت حزامي بحزم، متشوقاً للانتقام، تمدّد على بطنه، لاحظ شيئاً قبل أن ينقلب، وقال: خال هذا حزام داعشي! هذا سيقتلني…! خذ اجلدني بهذا الحزام. وسلَّ حزامه الحريري الفخري الرقيق من وسطه.

قلت: ألن تخلع كنزتك الشتوية يا ثمالة روحي؟

قال: لا.. خال … سيوجعني الجلد إذا خلعت الكنزة.

بدأتُ نكال العقاب بجلدة قوية، فصاح: خفف خال.. أوجعتني.. أنت صاير داعشي.

صار يعدّ وأنا أجلد، لم يكن جلداً، كان ما يشبه كشاً للذباب، عدّ حوالي عشر جلدات ثم نام مثل طفل صغيرة هدهدته أمه، لسعته لسعة قوية، فقام وهو يقول: ثمانين.. ثمانين.. سلمت يداك خال.

قلت: لم نعد سوى عشر جلدات يا ثمالة روحي.

قال: الله غفور رحيم خال..

ونام من غير صلاة أو غُسل. وإن كان صدق في شيء، ففي قوله: إنّ الله غفور رحيم.

حورية أحمد عمر العثمانية

أصدر أحمد عمر كتابه العاشر “الحورية العثمانية” عن دار “انتر اسيست” الألمانية، وهو ذكريات المهجر التركي والألماني، أطلق عليها وصف “يوميات وأيام”، صاغها على شكل قصص قصيرة، ظريفة الطول والمتن، هي مغامرات قسرية عاشها وصاحبه نوري في إسطنبول وفرانكفورت، وعانيا من جوع الخبز والوطن.

جاء في كلمة الناشر:

يدوّن الكاتب السوري أحمد عمر، وقائع يومياته وأيامه في تركيا وألمانيا، بصحبة ظله العنيد نوري، في الإقامة والظّعن والمغرم والمغنم، ويطرزها على شكل نصوص قصصية مشمولة برعاية الأجناس الأدبية من قول وقص وشعر، ويحفها برشقات من النقد السياسي والاجتماعي. كأنهما دون كيشوت وسانشو، أحدهما يمثل صوت العقل والحكمة والفطرة، والثاني صوت الجسد والطيش والغريزة… نصوص ساخرة ومرحة، ترش على الأحزان السوداء السكر الأبيض.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق