الناس

عن اللاجئين السوريين مشاكل وتحليلات -مقالات مختارة-

اللاجئون السوريون العابرون قسراً.. الأصول الثمينة زمن الاستقرار/ مرشد النايف

المرجّح ألا تتوقف سيول اللاجئين عن التدفق نحو ملاذاتها الآمنة، في الغرب أو دول الجوار، ما دامت فوهات البنادق ساخنة. الحرب المفتوحة وانعدام أفق الحل السياسي يغذّيان حركة التشريد الدولية.

انقضى العام الماضي (2018) بحدث بارز يمكن التأسيس عليه لقراءة مستقبل اللجوء: مؤتمر مراكش، في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وانتهى بتبنٍّ غير ملزم من ممثلي 150 دولة “ميثاق الأمم المتحدة للهجرة”، وهو نص من 34 صفحة، يحدد أُطُر التعاون بما يجعل “الهجرة الدولية أكثر أمانًا وكرامة لملايين المهاجرين حول العالم، وأكثر نفعًا لكل البلدان”، وفق البيان الختامي. وبذلك تذهب الإرادة الدولية باتجاه لملمة تداعيات النتيجة، لا إطفاء أسبابها؛ الحروب. وهذا هو العامل الأول لمغادرة نحو 24.5 مليون شخص بلدانهم من المجموع الكلي للاجئين، والذي بلغ في نهاية 2017 قرابة 68.5 مليون لاجئ. تتكفل بلدان النزاعات المتواصلة (سورية، أفغانستان، جنوب السودان، ميانمار، الصومال) بإمدادات كثيفة ومستدامة لحركة النزوح القسري. أحصت مفوضية اللاجئين في عام 2017 فرار 16.2 مليون شخص من تلك البلدان، وبذلك زاد عدد اللاجئين 2.9 ملايين مقارنة بالعام الذي سبقه.

سياسات التكيّف والتغذية الراجعة

سيبقى مؤشر تدفق اللاجئين صاعدًا ما دامت الدول المصنّعة لموجات اللجوء بعيدة عن السلام الحقيقي. الاستعصاء السياسي وأجواء عدم اليقين يزيدان وتائر اللجوء؛ ويزيدها أيضًا الشتات، الخاص بكل دولة، وهو تجمع ينمو ويتسع على “لمّ الشمل” والواصلين الجدد، وبات عنصرًا إضافيًا جديدًا، يحرّض من بقي على عبور الحدود. وانطلاقًا من التكيّف مع النتائج؛ أقرت وكالات الأمم المتحدة الإقليمية، في شهر انعقاد مؤتمر مراكش خطة لـ”دعم اللاجئين السوريين وتعزيز قدراتهم على التكيف خلال عامي 2019 و2020″. وسورية التي فرّ منها 6.3 ملايين شخص لا تزال بلدًا طاردًا لأبنائه جرّاء الحرب وانعدام الأمن، وكذا حال: جنوب السودان، أفغانستان، الصومال، ميانمار. وبالتأكيد، يوجد ضمن تلك الملايين المغادرة عناصر ثمينة بما تحمله من تحصيل علمي أو مهني، مؤهلة لاكتساب موارد علمية جديدة في الدول المضيفة. كما أن بين تلك المجاميع من سيواصل تحصيله العلمي؛ باختصار: بعد فترةٍ، سيطرأ تغير على البنية النفسية والعقلية لتلك الجموع، بما يزيد نسبة العناصر الثمينة بينها. هل يعني ذلك أن الأم الطاردة خسرت أبناءها إلى الأبد؟

هل يمكن إنتاج رأس مال بشري جديد يعوّض الفاقد في الدول النازفة؟ ألا يمكن توقع ارتدادات مستقبلية إيجابية، قد تتلقاها البلدان المصدّرة لتلك “الرساميل”؛ بعد أن تتوقف فيها العوامل المسبّبة للجوء القسري، ولا سيما من الفئات التي استقرّت في البلدان الصناعية المتقدّمة.

ويتوقف حصول البلدان الأم على تغذيةٍ راجعةٍ يولّدها اللاجئون بعد جفاف الدم في موطنهم، على طبيعة الحل السياسي؛ إن كان “حقيقيًا ومستدامًا”، تغدو الفرصة أكبر بتلقي إمدادات متنوعة: نقل الأفكار والخبرات الفنية والتقنية وتوطينها. ويكتمل التنوع بإضافة الحوالات المالية، الرافد التقليدي الذي لا يُنكر تأثيره.

منذ ثماني سنوات، ورأس المال البشري السوري يتسلل عبر الحدود، هربًا من مقتلة نظام الأسد، وكان بين المتسللين ثلث الأطباء، و20%من أطباء الأسنان و15% من المهندسين. تقدّر الحكومة الألمانية أن 40% من السوريين اللاجئين في ألمانيا (عددهم نحو 700 ألف) يحملون الشهادة الثانوية فما فوق! و”قد” ينسحب الأمر على معظم الدول التي كانت مقصدًا للاجئين السوريين، في دول الجوار وأوروبا.

لجأ السوريون، غادروا البلاد مضطرين، لانعدام الأمن واتساع الفقر والبطالة. كان الهروب خيارًا وحيدًا ومكلفًا، وفوق ذلك مأسويًا وقاتلًا خلال رحلة الوصول إلى المقصد النهائي. كثافة اللجوء فرضتها ظروف الحرب؛ لم تأتِ بحثًا عن فرص اقتصادية أفضل، وهي عملية كانت سائدة قبل الثورة، أو للدراسة، أو متابعتها في جامعات الغرب.

وقبل أن يستخدم بشار الأسد فائض قوته العسكرية ضد السوريين، لم يكن هناك شتات سوري، على غرار الشتات الآسيوي الواسع في دول الخليج. الجاليات الكبيرة، وفروق الدخل بين البلدين، الأصلي والمضيف، يولّدان موجات هجرة دائمة. لم تكن هناك مجاميع بشرية كبيرة في دول اللجوء الحالية تحث على مغادرة البلد. وكانت الهجرة السورية في أغلبها، قبل العام 2011، مدفوعة في أغلبها بفجوة الدخل، العميقة جدًا بين سورية وبلدان المقصد، خصوصا الخليجية منها، من دون إغفال من هربوا من بطش الأسدين.

يمكن القول بالعموم إن من شأن تلاشي عوامل الدفع تلك إحداث حركة معاكسة، تتوقف شدتها على مجموعة من عوامل الاستقرار. هل يمثّل، أو يكون الشتات السوري أصولًا ثمينة تغذّي عمليات الإعمار بعد الأسد؟ أم أن على البلاد إنتاج رأس مال بشري جديد؟ مع ملاحظة أن ما ينطبق على السوريين ينطبق على غيرهم ممن يشتركون معهم في أسباب اللجوء وطبيعة النظام السياسي.

وترتبط عودة اللاجئين السوريين، أو بعضهم، على الحل السياسي، ومدى قدرته على توليد حكومة تتسم بالقوة والشفافية والعدل. ولا يمكن توفير الأمن في ظل وجود مصفوفة كاملة من المليشيات ذات المرجعيات العسكرية – الاستخبارية الإيرانية الداعمة لطرف سوري واحد هو النظام. وعليه، سيبقى البلد مكانًا طاردًا للكفاءات.

الحرية والقيم.. والتعليم الجيد

سيناريو “سورية حرة” يعني تحوّلها إلى ورشات عمل مفتوحة تنتج طلبًا قويًا جدًا على

الخبرات والكفاءات العلمية والمهنية وعلى اليد العاملة؛ من شأنه أن يرفع الرواتب والأجور إلى مستوياتٍ قد تكون قريبةً من التي يتقاضاها اللاجئون في الدول المضيفة. تَعادُل الأجور يمثل إغراء يعيد اللاجئين.

وتفيد بياناتٌ تنشرها الأمم المتحدة بأن نسبة اللاجئين الذين يتوجهون إلى أوروبا، من كل مكان في العالم، لا تتجاوز 6%، في حين يتوجه 39% إلى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و29% إلى مناطق أخرى في أفريقيا. اللافت أن الفئة “الطموحة والقادرة ماليًا” على الوصول إلى أوروبا تُضيف قيمًا مضافة إلى اقتصاديات المجتمعات المضيفة؛ فهي، وفق دراسة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) “توسّع السوق المحلي وتخلق فرص عمل جديدة في كل بلد تدخل إليه. وفي بعض الدول، ساهم اللاجئون بالنمو الاقتصادي بنسبة الثلث بين 2007 – 2013”.

ويعني الانخراط في سوق العمل القدرة على التحدث بلغة السوق، أي التمتع بالمهارات المطلوبة لإنجاز عمل محدد. ببساطةٍ، من يعمل في المصانع الألمانية مثلًا يعني أنه سيضيف خبرات فنية وتقنية، تجعله ضمن دائرة العمالة المدرّبة، وهو أمر لم تعرفه سورةا طيلة حكم البعث، ويعني تاليًا، اكتساب القدرة على نقل الخبرة وتوطين التقانة – المعرفة لإنتاج معرفة جديدة، وهو أمر يتقاطع عند هذه النقطة تحديدًا (التوطين) مع التجربة الماليزية التي نقلت البلاد، في ظل حكومة نظيفة، من المطاط إلى صناعة الرقائق.

وتدعم مكونات اللاجئين السوريين العمرية انخراط أعداد كبيرة منهم في أسواق العمل الأوروبية. وبلغت نسبة من يعملون بدوام جزئي، أو كلي، بين السوريين في ألمانيا 31.6%، وهو رقم مرشح للزيادة مع ارتفاع أعداد من يتقنون اللغة وخريجي الجامعات الألمانية الذين صار لهم في 2017 (الجمعية السورية لخريجي الجامعات الألمانية). وقد تصلح أوضاع السوريين في ألمانيا لمقاربة أوضاعهم في باقي الدول الأوروبية. وقد يكون السوريون في الشتات الأوروبي “أصولًا كامنة” تكون روافع للنمو السياسي والاقتصادي معًا، ولجلب ممارسات ديمقراطية واستزراعها؛ أهم وسيلة يمتلكها أولئك لإحداث تغييرات جوهرية في بيئاتهم الأم هو “نقل النموذج” الذي يعتبره عالم الاقتصاد السويسري، بول كوليير، الأداة الأكثر فاعليةً في نشر قيم البلدان المضيفة داخل تلك المجتمعات، بما يضمن تحقيق الازدهار الاقتصادي. يسوُق كوليير أمثلة بلدان قامت بحملات استدعاء الأبناء من الخارج: الرئيس غوندي، أول رئيس منتخب في غينيا، والحسن واتارا رئيس ساحل العاج، ورئيسة ليبيريا سير ليف، الحائزة على جائزة نوبل السلام، إضافة إلى مجموعة كبيرة من التكنوقراط، ساهمت عودتهم في بناء شبكات لتحسين جودة الخدمات، ورفع الإنتاجية، وأضفت حيوية وتنوعًا وحداثة على مجتمعاتها الأصلية.

في الهند، وهو هنا استطراد في غير محله، تنتشر في أوساط الطبقة الوسطى مقولة مفادها أن “التعليم الجيد هو الطريق إلى الثراء”. ولذلك يرسلون أبناءهم إلى جامعات الغرب، وهناك يتميّزون فيصبحون بعد التخرج “صفّاً أوّل” في كبرى شركات التقانة في العالم. سقف المثال هنا المدير التنفيذي لعملاق التقانة غوغل، ساندر بيشاي، أو يخترعون ويَجنُون أموالًا طائلة، يستثمرون بعضها في العقل الهندي، فيموّلون عشرات مدارس ومعاهد التقانة كما فعل صابر باتيا، مخترع إيميل “هوت ميل”. أو يعودون من بلدان الهجرة أو اللجوء كالفاتحين الكبار جدًا ليغيروا وجه الدولة إلى الأبد، كما فعل رئيس الوزراء الأسبق، مانموهان سينغ، عرّاب تحرير الاقتصاد الهندي بعد تخرجه من جامعة أكسفورد.

يؤثر التعليم، يؤكد كوليير، في كتابه “الهجرة كيف تؤثر في عالمنا”، على الأداء القيادي، وتثبته دراسة عن “الطلبة الذين يدرسون في الخارج، أنجزتها “يونسكو”، وحلّلت فيها الروابط بين الخبرات التي اكتسبوها عن الأنظمة السياسية في فترة الدراسة، والتطورات السياسية اللاحقة في بلدانهم. النتيجة أن لتلقي التعليم في بلد أجنبي “تأثيرات طويلة الأمد ومتفاوتة على من شملهم البحث.. من الواضح أن الطلاب الذين تعلّموا في الخارج كانوا في حياتهم اللاحقة أكثر تأثيرًا عندما يعودون إلى الوطن”.

قد يكون السوريون، وتحديدًا في ألمانيا، عينة تنطبق عليها مخرجات دراسة “يونسكو”. في عام 2015 افتتحت جامعة كيرون في برلين رحلة تأهيل اللاجئين علميًا، عبر الإنترنت، وفي اختصاصات متنوعة. وفي ذلك العام، كان السوريون يشكلون 80% من إجمالي طلابها، وعددهم 1100 طالب. تتعاون “كيرون” مع 120 جامعة عالمية، بينها 70 داخل ألمانيا وتتيح للطالب الدراسة باللغتين الألمانية والإنكليزية. وفي جامعات ولاية شمالي الراين، يدرس 1500 سوري من أصل 300 ألف سوري لاجئ فيها. تؤكد حصيلة العام الماضي الرسمية أن إجمالي السوريين الملتحقين بجامعات ألمانية يبلغ نحو25 ألف طالب، منذ أطلقت برلين برنامج المنح الدراسية في عام 2015.

الكمّ يولّد الكيف. أفرز الحراك الأكاديمي السوري في ألمانيا هيكلًا تنظيميًا؛ الشبكة السورية لخريجي الجامعات الألمانية، من أجل “لمّ الأكاديميين السوريين المتخرجين من الجامعات الألمانية في فضاء ملائم قصد توظيفهم عاجلًا في برنامج البناء في الوطن مباشرة أو عن بعد من ألمانيا”. بحسب الجمعية.

تحويلات “البخلاء”

في الدول التي تشهد نزاعات، ومنها سورية، لا يمكن الحديث عن “هجرة العقول” باعتبارها فاقدا اجتماعيا يشلّ البلد، فهو ميت سريريًا، وبقاؤهم داخل ذلك التابوت يعني أنهم في حكم

الموات. لا تجد معظم الكفاءات العلمية الباقية في الداخل ما تعمله. فقد 2.7 مليون شخص وظائفهم في القطاعين العام والخاص بين 2011 – 2018، وضمن حالة التهتك الاقتصادي وانخفاض الدخل وارتفاع الأسعار إلى مستوياتٍ غير مسبوقة، بات الحديث أوسع من هجرة الكفاءات؛ هناك قوافل غادرت غصبًا، فيها خصوبة طمي الأنهار؛ الحوامل والأطفال، الكفاءات العلمية والمهنية، الطلبة، قامات ثقافية.

لا يمكن مقارنة نتائج حركة التشريد السوري الكثيفة التي بدأت مع انطلاق الثورة السورية بالهجرة الاقتصادية التي كانت سائدة قبلها. بنية النظام الأحادية والاقتصاد الموجّه، المخنوق بقبضة الفساد والمخابرات، دفع الآلاف إلى إبقاء ثرواتهم تحت البلاطة. السوق السورية برمتها برًا وبحرًا وجوًا مملوكة لأقرباء رأس النظام. ضيّق ذلك كله أوعية الاستثمار أمام تحويلات المغتربين السوريين؛ ولذلك بقيت متواضعة جدًا، قياسًا بتحويلات اللبنانيين. قدّرها في 2010 التقرير الاقتصادي العربي الموحد بنحو 949 مليون دولار. وفي 2011 تراجعت إلى 837 مليون دولار “جرّاء هجرة الكثير من العائلات السورية”، في حين بلغت في لبنان نحو سبعة مليارات دولار و6.8 مليارات دولار على التوالي خلال تلك الفترة. وفي 2017 تلقت سورية 1.6 مليار (يرجع بعضهم ارتفاع الرقم إلى تحويلات السوريين في أوروبا)، في حين تلقى لبنان 7.3 مليارات مع أن الشتات السوري أكبر من نظيره اللبناني.

القطع المعرفي

يتمثل الفاقد الحقيقي في إبعاد الكفاءات العلمية المتخرجة من جامعات الغرب ونبذها. هي تتعرّض لمضايقات متواصلة تحول دون قدرتها على العطاء. تاريخ نظام الأسد معروف في إذلال الكفاءات الدولية التي استدعاها حينما كان يبيع وهم الإصلاح للسوريين في مطلع الألفية الجديدة. مات وزير الصناعة، عصام الزعيم، قهرًا لاتهامه بالفساد وهو “نقي كثلج لم تطأه قدم”، وتم “تطفيش” وزير الاقتصاد، غسان الرفاعي، ومن بعده محمد نضال الشعار، وكل هؤلاء كانوا يشغلون مناصب رفيعة في منظمات دولية.

ثمة، في الأدبيات الأممية، تقاطع في تعريفي المهاجر واللاجئ. الأول “شخص أقام في دولة أجنبية أكثر من سنة، بغض النظر عن الأسباب، طوعية كانت أو كرهية. وبغض النظر عن الوسيلة المستخدمة للهجرة، نظامية كانت أو غير نظامية”. في حين أن اللاجئ شخص “يوجد خارج دولة جنسيته بسبب تخوف مبرّر من التعرّض للاضطهاد، لأسبابٍ ترجع إلى عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه لعضوية فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية. وأصبح، بسبب ذلك التخوف، يفتقر إلى القدرة على أن يستظل بحماية دولته، أو لم تعد لديه الرغبة في ذلك”.

بات اللاجئون، المهاجرون السوريون أصولا ثمينة في الخارج، يمكن السحب منها حين تبدأ عمليات إعادة الإعمار، وسيصبحون، في القريب العاجل، بنك سورية المركزي الحقيقي باحتياطيات هائلة من القطع المعرفي.

العربي الجديد

أمّهات قبل الأوان”: دعاوى وتحقيقات تلاحق زيجات القاصرات السوريّات في تركيا/ علا الحريري

في الجناح المخصص للولادات، داخل مستشفى “دوغم” الحكومي في ولاية غازي عنتاب التركية، تتمدد اللاجئة السورية نور ش. (17 سنة) على سرير مخصص للنساء الحوامل، استعداداً لوضع مولودها الجديد.

يغمر الأبوين فرح بقدوم المولود المنتظر، لعلّه ينسيهما مرارة النزوح وتعب الترحال والتنقل بعيداً من بلدهما سوريا، مذ استقرا في ولاية غازي عنتاب التركية قبل ثلاث سنوات هرباً من جحيم الحرب السورية.

انتهت إجراءات الولادة، وسارت الأمور بشكل طبيعي، إلى أن حدث ما لم يتوقعا حدوثه عندما رفضت إدارة المستشفى تسليم الطفل الرضيع للأبوين بحجة استخدام الأم بطاقة لجوء “هوية كمليك” مزورة لإخفاء عمرها الحقيقي، لكونها متزوجة تحت السن القانونية، أي 18 سنة، فقررت إدارة المستشفى الاحتفاظ بالرضيع، وإحالة الأم إلى المحكمة على الفور.

عندما وضعت نور حملها، كانت في السابعة عشرة، وعندما تزوجت كانت في السادسة عشرة، كما تقول، وفي الحالتين هي تخالف قانون العائلة الخاص بالزواج، الذي يمنع تزويج الفتيات تحت الـ18 سنة، ومخالفة ذلك تعتبر جريمة يسميها القانون “جريمة الاستثمار الجنسي”، وحكمها عقوبة السجن من 8 حتى 15 عاماً، بحسب المواد 103 و104 و105 من قانون العقوبات التركي.

وعلى رغم أن القانون المانع لزواج القاصرات في البلاد يسري أيضاً على الأجانب المقيمين على الأراضي التركية ومنهم اللاجئون السوريون، لكن نقص المعرفة، وعدم الوعي بتبعات هذه الزيجات قانونياً، فضلاً عن قصور دور منظمات المجتمع المدني وغياب الرقابة الاجتماعية من منظمات وجمعيات أهلية في التوعية، عوامل أدت إلى انتشار هذه الزيجات بين السوريين.

تقدر “منظمة الصحة العالمية”، أن حوالى 16 مليون فتاة حول العالم تتراوح أعمارهن بين 15 و19 سنة، ومليون فتاة دون الـ15 سنة يلدن سنوياً.

وبحسب إحصاءات للبنك الدولي عام 2017، فإن معدل حمل الفتيات بين الـ15 والـ19 سنة في سوريا، هو 39 حالة زواج لكل ألف فتاة.

السورية نور، واحدة من لاجئات سوريات كثيرات يعشن في تركيا، وكنّ تزوّجن وهن دون الثامنة عشرة، على الأراضي التركية أو في البلد الأم سوريا، لكن دخولهن الأراضي التركية كلاجئات بعد الزواج ووضعهن مواليد وهن تحت السن القانونية في المستشفيات، وعدم معرفتهن الكاملة بتبعات هذا الزواج، يجعل والد الفتاة المتزوجة وزوجها إن كان بالغاً (فوق الـ18 عاماً) عرضة للمساءلة القانونية بعد ضبط هذه الزيجة، وفق ما يقوله المحامي المتخصص، حيدر هوري، والمتابع لهذه القضية عن كثب في تركيا.

ويعتبر القاصر قانوناً هو كل إنسان لم يتم الثامنة عشرة، هكذا يقول رئيس تجمع المحامين السوريين في تركيا (تجمع من محامين سوريين يتولى متابعة قضايا اللاجئين في القضاء والمحاكم) غزوان قرنفل، ويضيف أنه بموجب قانون الأحوال الشخصية السوري، المادة 85، فإنه لا تتم أهلية القاصر إلا بإتمامه الثامنة عشرة، بمعنى أنه قبل ذلك يكون ناقص الأهلية.

“وبالنسبة إلى قانون حماية الطفل في تركيا، رقم 5395، فقد عرف القاصر بأنه كل شخص دون الثامنة عشرة”، يضيف قرنفل.

في حين يعرّف الزواج المبكر بأنه زواج الشخص الذي يقل عمره عن الثامنة عشرة، “ومن وجهة نظر القانون التركي لا يعتبر زواجاً، ويصنف على أنه جريمة اعتداء جنسي على قاصر”، يردف قرنفل.

وتبعات هذا “الاعتداء” تكون “إحالة مثل هذه الحالات التي يتم ضبطها عادة في المستشفيات أثناء الولادة أو أثناء اكتشاف الحمل، عندها يتضح بأن سن الفتاة دون الـ18، إلى النيابة العامة التركية، والتي تقوم بدورها بتحريك الدعوى ومن ثم توقيف الزوج وولي أمر الفتاة، وأحياناً يتم توقيف الفتاة ومن ثم إحالتهم إلى القضاء جميعاً” على حد قوله.

تحليل DNA للطفل

قررت إدارة المستشفى في غازي عنتاب إخراج نور منها، بعد التأكد من تعافيها من آثار الولادة، وبقي الطفل في المستشفى الذي طلبت إدارته منها لاحقاً إجراء تحليل “دي إن إي” (DNA) لإثبات هويته ومعرفة أنه فعلاً ابنها، فوقعت الأم في مأزق آخر.

تقول نور التي اعترفت بدورها لمعدة التحقيق بتزويرها بيانات عمرها واسمها الحقيقيين: “وكّلتُ لأجل ذلك محامياً سورياً لكي يسير في إجراءات الفحص، ولأخذ عينة من دم الطفل لإجراء التحليل، لكن المحامي لم يستطع، فاضطررتُ لتوكيل محام آخر تركي الجنسية، وأنا الآن أنتظر نتيجة التحليل، حتى يسمحوا لي بأخذ طفلي من المستشفى، على رغم أنهم يسمحون لي برؤيته، فأذهب لزيارته كل 3 أيام، لأن المستشفى بعيدة من منزلي، وهناك مسافة طويلة لذا تتعذر علي زيارته يومياً”.

لقد مضى على ولادة نور نحو شهرين و5 أيام لغاية مقابلة معدة التحقيق مع الأم في 25 كانون الثاني/ يناير 2019 ولم يتغير شيء، لا تزال تنتظر نتيجة التحليل وعودة مولودها إليها، بالكثير من التفاؤل.

وفي حال لم يعد، أشارت إلى أن المحامي أخبرها بأنه سيقوم برفع دعوى ضد المستشفى، وهذا ما بث الطمأنينة والحياة مجدداً في عروقها.

تقول “أعرف فتاة لديها القصة ذاتها، ولدت طفلاً منذ 7 أشهر وظهرت نتيجة التحليل منذ أيام، وباستطاعتها الآن أخذ ابنها من المستشفى”.

التحليل الذي تتحمل الدولة ممثلة بوزارة الصحة نفقته أراح الأم، لكن أتعاب المحامي الذي يسير في إجراءات نسب الطفل وتحليل الـ DNA، والتي بلغت نحو 7 آلاف ليرة تركية (1200 دولار)، أوقع أفراد العائلة في ورطة الاستدانة لكونهم لا يملكون من المبلغ ليرة واحدة، وفق نور.

قصة حب

تشعر نور الآن بالندم لأنها زوّرت اسمها وعمرها، لكن ما دفعها إلى ذلك هو خوفها الشديد من اكتشاف عمرها الحقيقي، وهي التي تزوجت ابن عمها (20 سنة)، بعد قصة حب كما تقول، وتقيم في منزل مع أهل زوجها الآن، في حين يسكن أهلها في ولاية أضنة جنوب تركيا.

تقول: “أنا حزينة لأن طفلي ليس في حضني لكن ما باليد حيلة، إن شاء الله بعد يومين، يكون في حضني، في المستشفى هناك عناية بالأطفال، وكل مرة أذهب فيها لزيارة طفلي يكون نظيفاً وغير جائع، ولم أستطيع إرضاعه بشكل طبيعي، لأنني اضطررت في الفترة الأولى إلى الذهاب إلى المحكمة يومياً، ولم أكن أستطيع الذهاب إلى المستشفى لإرضاعه”.

تضيف: “في المستشفى قالوا لي إن ابني يشبهني، لكنهم بحاجة إلى إثبات قانوني، أشعر بحزن كبير لأنني لم أستطع إرضاعه، لقد توسلتهم مراراً وكانوا يرفضون في كل مرة السماح لي”.

في قاعة المحكمة    

للفتاة مروة اليوسف (اسم مستعار) وهي في السابعة عشرة، والمتزوجة من ابن خالتها الذي يعمل خياطاً قبل عامين عندما كانت في الخامسة عشرة، قصة أخرى تتشابه في نهاياتها مع قصة نور، لكن تضم في فصولها أنواعاً أخرى من المعاناة والتي انعكست بشكل مباشر على حياتها في تركيا التي لجأت إليها بعد خروجها من سوريا.

الفتاة الدمشقية التي تنحدر من حي الميدان الشهير، لم توثّق زواجها الذي عُقد في سوريا، أمام الجهات المعنية التركية، وبالتالي لا يوجد أي مستندات يمكن الركون إليها لمعرفة وضعها الاجتماعي في السجلات الرسمية التركية، وقد أنجبت طفلة من زواجها هذا، وهي الآن في عمر السنة.

تقول: “ولدت طفلتي في مستشفى (باغجلر) الحكومي في اسطنبول، لم يتم استجوابي أو توجيه أي سؤال لي خلال عملية الولادة داخل المستشفى، لكن بعد سنة من الواقعة، تواصل معي قسم الشرطة (الأمنيات) وطلبوني للمراجعة، فذهبت إليهم حيث تم التحقيق معي. لقد راجعوا ملفاتي، وأعطوني موعداً لمراجعة المحكمة بعد 4 أشهر”.

عندما دخلت مروة إلى قاعة محكمة بكركوي في مدينة اسطنبول بعد تحويلها من قسم الشرطة، وجدت أمامها في القاعة مترجماً، وطبيبة نفسية، وقاضياً، وكاتبة، تقول: “لقد وجهوا إلي الكثير من الأسئلة عن حياتي الشخصية، مثل هل أنت نادمة على زواجك، هل تحبين زوجك، هل هناك أحد أجبرك على الزواج، هل تعملين الآن؟ وكان هذا السؤال مهماً بالنسبة إليهم لأنهم لا يسمحون للمرأة المتزوجة في سني بالعمل خارج المنزل، كما أنهم منعوني من الحمل لمدة 3 سنوات أخرى”.

حتى الآن لا تعرف مروة ما الخطأ الذي ارتكبته “فالزواج بهذا العمر، منتشر في جميع أرجاء سوريا، وليس في عائلتي فقط، حيث أنني تزوجت قبل أن آتي إلى تركيا، ولدي أوراق تثبت ذلك، ولا يوجد خطأ أو عيب في زواجي” تقول لمعدة التحقيق.

وعلى حد قولها هي “تعرف الكثير من الزيجات التي تمت بعمر الـ12 والـ13 سنة، أي بمجرد بلوغ الفتاة الحيض، يكون باستطاعتها الزواج ولا مانع من ذلك”.

تضيف: “كثر من أصدقائي هنا لديهم الحالة نفسها، لم يتعرضوا للسجن، لكن حددوا لهم مواعيد كثيرة في المحكمة قبل أن يصدروا بحقهم حكماً بالبراءة، كما أنهم دفعوا مبالغ كبيرة وصلت إلى 20 ألف ليرة تركية، كحد أعلى (3660 دولاراً)  و5 آلاف ليرة تركية (915 دولاراً) بالحد الأدنى، لقاء نفقات وأتعاب محامين وتنقلات ورسوم وغيرها”.

في الوقت نفسه، تخاف كثيراً على زوجها من تبعات اكتشاف السلطات زواجهما المبكر وإنجابهما طفلاً، وهما تحت السن القانونية للزواج، وهي في انتظار موعد آخر للمحاكمة.

تقول: “أنا حالياً أشعر بالخوف من أن يأخذوا زوجي لأنني أحبه كثيراً، وفي حال صدور قرار بسجنه، قد نعود إلى سوريا، على رغم أنه مطلوب لتأدية خدمة الاحتياط العسكري في الجيش السوري”.

حجم الظاهرة

أصبحت ظاهرة الزواج المبكر بين الفتيات السوريات تحت السن القانونية في تركيا وفي بلدان اللجوء الأوروبية، بمثابة كرة ثلج تتدحرج وتكبر، وسط نقص التوعية بمخاطر هذا الزواج وطبيعة المشكلات النفسية التي قد تتركها النتائج على الزوجين وعلى الأطفال، وقد خرجت للعلن مع تركيز وسائل الإعلام عليها، للمساهمة في نشر الوعي واستنباط حلول قد تساهم في الحد من هذه الظاهرة.

في تقرير نشره موقع “العربي الجديد”،  تحت عنوان “أمهات قاصرات في تركيا¨ بتاريخ 15  آذار/ مارس 2018، تبين استقبال أحد المستشفيات في الأشهر الخمسة الأولى فقط من العام الماضي، 115 حاملاً قاصراً، ولم يتم إبلاغ الشرطة عنهن، من بينهن 39 سورية، والأخريات من تركيا، ومن ضمن العدد الكامل 38 قاصراً دون الخامسة عشرة.

وهذا ما دفع بالسلطات التركية إلى فتح تحقيقين منفصلين، الأول خاص بموظفين عموميين متهمين بالإهمال في أداء العمل، والثاني خاص باستغلال الأطفال.

وتمكن الادعاء العام من إجراء تحقيقات مع 20 متهماً، ومع 50 من القاصرات بحضور مختص نفسي. أظهرت التحقيقات أنّ جميع القاصرات الحوامل يسكنّ في أحياء مدينة إسطنبول التي تشهد كثافة سكانية من النازحين من شرق تركيا وجنوب شرقها.

في هذا الإطار، في السويد البلد الذي يستقبل حوالى 110 آلاف لاجئ سوري يشكلون ثاني أكبر جالية في البلاد، وفقاً لأرقام مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة لغاية عام 2016، تم الكشف عن زواج 132 طفلة من اللاجئات القاصرات بأشخاص بالغين، مندون تحديد جنسية هؤلاء اللاجئات، وهو ما دفع مصلحة الضرائب إلى تشديد قواعد تقييم حالات زواج الأطفال وتسجيلها، وحتى إن كانت هناك سلطات أخرى وافقت على هذا النوع من الزواج.

أما في ألمانيا، والتي تستوعب 699 ألف سوري، يشكلون ثالث أكبر جالية في البلاد، وفق مركز الإحصاء الاتحادي لعام 2018، وبحسب وزارة الداخلية الاتحادية، وصل عدد القاصرات اللواتي تم تسجيل زواجهن إلى 1475 فتاة، من بينهن 361 تحت الرابعة عشرة من العمر، الأمر الذي دفع وزارة العدل إلى تقديم مشروع قانون بعدم الاعتراف في ألمانيا بعقد زواج أجنبي، في حال كان أحد الشريكين تحت الـ18.

ولادة لكن بشروط!

حين قررت إسراء محمد (اسم مستعار) وعمرها 15 سنة، الذهاب إلى المستشفى الحكومي في ولاية كلس التركية لوضع طفلها الأول، رفض المستشفى استقبالها، فقررت الذهاب إلى مستشفى خاص، لكنها لم تدخله أيضاً.

تقول: “صرخت الطبيبة في وجهي وقالت لي أنت صغيرة، والطفل صغير، ولا أستطيع تحمل المسؤولية لأن احتمال وفاة أحدكما أثناء الولادة وارد جداً”.

تضيف شارحة حالها وقتذاك “أنا كنت في ذروة آلام المخاض، والطفل كاد يخرج من بطني، ولم نعلم إلى أين نذهب إلى أن وضع الله في طريقنا قابلة قانونية، وافقت على مساعدتنا، لكنها اشترطت علينا إخلاء نفسها من المسؤولية في حال حدث لي أو للطفل أي شيء، وما كان لنا إلا أن نقبل لأننا لا نملك خياراً آخر”.

يقول رئيس قسم الأمراض النسائية في مستشفى (ميديكال بارك) في اسطنبول، الدكتور سوات إرشاهين، “إن الزواج بعمر مبكر له تأثير سلبي في صحة المرأة والطفل، إذ تبدأ هذه الأعراض بالظهور منذ أيام الحمل الأولى بالقيء المستمر وفقر الدم وارتفاع نسبة حدوث الإجهاض والولادات المبكرة، ويعود ذلك لاحتمال حدوث خلل في الهرمونات الأنثوية أو عدم تأقلم الرحم مع الحمل، وهو ما يؤدي إلى حدوث انقباضات رحمية متكررة تؤدي إلى نزيف، وبالتالي تحدث ولادات مبكرة، كما يمكن أن تعاني الفتاة صغيرة السن من ارتفاع حاد في ضغط الدم، قد يؤدي إلى فشل كلوي ونزيف وحدوث تشنجات وزيادة احتمال العمليات القيصرية”.

ويؤكد الطبيب أن الحمل في سن مبكرة “يرفع نسبة احتمال حدوث تشوهات عظمية في الحوض والعمود الفقري، كما يمكن أن يؤثر في صحة الجنين واختناقه في بطن الأم نتيجة القصور الحاد في الدورة الدموية التي تغذيه”.

وتتسبب الولادة المبكرة بقصور في جهاز الجنين التنفسي، لعدم اكتمال نمو الرئتين وحدوث اعتلالات في الجهاز الهضمي وتأخر النمو الجسدي والعقلي، وزيادة الإصابة بالشلل الدماغي والإعاقات السمعية، بحسب إرشاهين.

تكرار التجربة

ما مرت به إسراء من آلام وأوجاع لإنجاب المولود الأول، لم يثيها عن تكرار التجربة بالحمل والإنجاب مرة أخرى، غير آخذة بالحسبان أن زواجها المبكر سوف يكتشف لدى دخولها المستشفى ووضع طفلها الثاني، وكانت تبلغ من العمر حينها 16 سنة.

تقول: “حين كنت حاملاً بالولد الثاني، قصدت مستشفى الشهيد كامل الحكومي، فاضطروا لاستقبالي لأن الطفل كاد يخرج من بطني.. أدخلوني غرفة المخاض بسرعة، وبعدما وضعت طفلي أخذوا بياناتي الشخصية، سرعان ما جاءت الشرطة لإجراء تحقيق معي، فأجبروني على البقاء في المستشفى 12 يوماً”.

خلال هذه الفترة بقيت الطفلة في الحضانة داخل المستشفى، فيما كانت الأم تخضع لتحقيق واستجواب، وتم أخذ بصمات أصابعها، وفي النهاية سمح لها بالخروج من المستشفى برفقة ابنتها الرضيعة.

تقول: “شعرت حينها بأنني سجينة وتم الإفراج عني، وعهدت إلى نفسي ألا أحمل مرة أخرى قبل أن أكمل الـ20 سنة”.

تشكل بعض المجموعات الخاصة، والصفحات المختصة بشؤون الفتيات والنساء على مواقع التواصل الاجتماعي، منصةً للنقاش حول زواج القاصرات وأمور اللاجئين في مجتمعاتهم عموماً. وتشكل هذه الصفحات ما يعرف بأماكن يتم فيها تدبير زيجات، إذ تستطيع إحداهن طرح حاجتها لزوجة (عروس) لابنها أو قريبها بمواصفات ما، كتحديد العمر والطول ومكان السكن، فتنهال العروض. معدة التحقيق رصدت الكثير من الحالات، وتواصلت مع فتيات، لكن كان صعباً الكشف عن أسمائهن الحقيقية بسبب حساسية الموضوع. تقول سمر (اسم مستعار) إنها تزوجت بعمر الـ14 سنة، ووضعت طفلها في الـ15 سنة، في مستشفى خاص في اسطنبول، ولم تلد في مستشفى حكومي، خوفاً من الإجراءات إلى أن اضطرت إلى زيارة مركز خاص لتلقيح ابنها.

هناك فتح القائمون على المركز تحقيقاً معها عن تفاصيل زواجها وتوقيته، لتسارع الشرطة بدورها في اليوم التالي، إلى استجوابها ومن ثم سجن والدها والبحث عن زوجها الذي ما زال هارباً حتى الآن، كما كتبت حين سردت قصتها.

الخبير الاجتماعي، عادل حنيف أوغلو، الذي عمل عامي 2012 و2013 على توثيق 11 حالة زواج فتاة قاصر منها 9 حالات تكللت بالفشل، يقول “إن العائلات السورية تتستر على هذه الحالات بشدة… حتى المجنسون يزوجون بناتهم القاصرات، على رغم علمهم بأنها (جريمة) بحسب القانون التركي”.

إحصاءات وأرقام رسمية

*405 آلاف و521 طفلاً سورياً ولدوا في تركيا حتى تشرين الثاني/ نوفمبر 2018.

المصدر: وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، 22 شباط/ فبراير 2019

*ولاية أورفة جنوب تركيا من بين الولايات الأبرز من حيث عدد مواليد السوريين.

*400 طفل سوري يولدون في تركيا يومياً.

*نصيب ولاية أورفة من 50 إلى 55 طفلاً في اليوم.

المصدر: رئيس مركز أبحاث الهجرة، محمد مراد أردوغان 25، تشرين الأول/ أكتوبر 2018

* أكثر من نصف مليون طفل سوري ولدوا في تركيا دون الأربع سنوات، لا يملكون أي جنسية.

*يقدّر العدد الحالي للمسجلين تحت الحماية الموقتة بحوالى 3 ملايين و500 ألف.

*المصنفون من دون جنسية من الأطفال والرضع تحت سن الأربع سنوات ولدوا في تركيا، عددهم 535 ألفاً و826 طفلاً.

المصدر: إدارة الهجرة واللجوء التركية، ومؤسسة الرقابة العامة، 25 آب/ أغسطس 2018

اضطرابات نفسية لا تنتهي

الزواج المبكر لا يترك أثراً صحياً سالباً على حياة الفتاة فحسب، بل يتعداه إلى أزمات نفسية عميقة يصبح من الصعب تجاوزها والتغلب عليها مع مرور الوقت، بالنسبة إلى الفتاة، وأطفالها. ترى المختصة النفسية، أمنية ترك، أن الزواج المبكر “يحرم الفتاة من حنان أبويها ومن حقها في اختيار الزوج المناسب، ويسرق منها طفولتها”. وتوضح أن “عدم تفهم الفتاة للحياة الزوجية والمسؤولية الملقاة على عاتقها، ينتج في بعض الحالات ضغوطاً كبيرة، كما أن الاضطرابات في العلاقات الجنسية بين الزوجين ناتج عن عدم إدراك الطفلة لطبيعة العلاقة، ما يؤدي إلى عدم نجاحها، وعدم التكيف معها نتيجة للمشكلات الزوجية”.

جانب آخر يؤثر في الأطفال الذين تكون أمهم قاصراً، هو “اتخاذها قرارات غير سليمة لأنها غير مهتمة وغير قادرة على تعليم أبنائها، لأنها لم تكتسب ثقافة تربية الطفل فضلاً عن حرمانها من حق التعليم الذي له أثر سلبي عليها وعلى أطفالها”.

تضيف: “عندما تكبر الفتاة تكتشف أنها تزوجت الشخص غير المناسب، أي ليس الزوج الذي كانت ترغب بالحياة معه، وأنها استخدمت كسلعة فقط”.

رأي الدين

أصل الزواج لا يكون إلا بالكفاءة بين الزوج والزوجة، والكفاءة في عقد الزواج مطلب شرعي، ويؤكد الدكتور محمد نادر، المدرّس في جامعة كرابوك التركية أنه “إذا زوُجّت الفتاة من غير رضاها فلا خيار غير فسخ عقد النكاح عند أكثر الفقهاء”.

وبحسب الدكتور نادر، فإن “القاصر ربما لا تقدّر الكفؤ المناسب لها، لذلك نصّ الفقهاء على أن الكفاءة حق أصيل للمرأة فلا يجوز حملها على إسقاط هذا الحق، ولا إكراهها على التنازل عنه، وجعله بعض الفقهاء شرطاً في الزواج، والزواج من القاصر منعدم الكفاءة وقد جعل الشرع للقاصر ذمة مالية مستقلة وجعل تصرف الولي في مال القاصر منوطاً بالمصلحة، بحيث لا يجوز التصرّف بمالها إلا بما فيه منفعة ومصلحة لها، واعتبار المصلحة في الزواج أشد تأثيراً وأوجب شأناً من المال، لأن العرض أكرم وأعز من المال”.

حلول لمعالجة الظاهرة

أمام هذا الواقع وانعدام الحلول الناجزة لتخفيف تبعات استمرار حالات الزواج المبكر في تركيا بين السوريين، أو التقليل منها، سواء تم هذا الزواج على الأراضي التركية أم في سوريا، يبدو مستقبل هذه الزيجات غامضاً وأمام واقع مواجهة القانون التركي الصارم، وستبقى نور ومروة بانتظار ما ستؤول إليه نتائج المحاكمات وسط شعورهما بخوف من أي نتائج قد تؤثر في حياتهما، وهنا ينصح المحامي السوري حيدر هوري، بتجنب الزواج قبل الـ18، لما لهذا الزواج من تداعيات سلبية، “هناك الكثير من الحالات، التي تحركت بحقها دعاوى في تركيا” على حد قوله.

فالقاصر التي يُكتشف زواجها، تكون أمام مصيرين: إما يتم تحويلها إلى دار للرعاية الخاصة بالقاصرين، أو تُعاد إلى بيت العائلة مع تعهد الأهل بعدم إرسالها إلى بيت زوجها مرة أخرى.

هوري من جهة أخرى، ينصح كل شخص تزوج من فتاة قاصر في تركيا، بمحاولة تثبيت زواجه بطريقة أو أخرى في سوريا لتجنب العقوبة، لأن الزواج إن كان مثبتاً رسمياً في المحاكم الشرعية السورية، فإن ذلك من أسباب رد الدعوى وعدم معاقبة الزواج لأن الفعل لا يشكل جرماً في بلده.

أنجز هذا التحقيق بدعم من الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج، وبإشراف الزميل محمد بسيكي، ضمن مشروع سوريا في العمق (Syria In Depth) بالتعاون بين مؤسسة الغارديان البريطانية ومنظمة دعم الإعلام العالمي IMS.

 درج

أمهات قاصرات في تركيا/ باسم دباغ

أثار الكشف عن تغاضي موظفي واحد من أكبر المستشفيات الحكومية في مدينة إسطنبول التركية عن التبليغ عن الحوامل القاصرات (لا يبلغن الثامنة عشرة) اللواتي جئن إلى المستشفى للوضع، فضيحة على جميع الصعد في تركيا، لما يعنيه ذلك من مخالفة للقانون التركي، الذي يشدد على حماية القصّر من الاستغلال الجنسي.

استقبل المستشفى في الأشهر الخمسة الأولى فقط من العام الماضي، 115 حاملاً قاصراً، ولم يجر إبلاغ الشرطة عنهن، من بينهن 39 سورية، والبقية تركيات. ومن ضمن العدد الكامل 38 قاصراً ما دون الخامسة عشرة.

ما إن كشفت الصحافة عن الخبر، حتى فتحت السلطات القضائية التركية تحقيقين منفصلين، الأول خاص بموظفين عموميين من المتهمين بالإهمال في أداء العمل، والثاني خاص باستغلال الأطفال. وتمكن الادعاء العام من إجراء تحقيقات مع 20 متهماً، ومع 50 من القاصرات بحضور اختصاصي نفسي. تبين من التحقيقات أنّ جميع القاصرات الحوامل يسكنّ في أحياء وبلديات مدينة إسطنبول التي تشهد كثافة سكانية من النازحين من شرق وجنوب شرق تركيا.

ولم توجه أيّ واحدة منهن شكوى بتعرضها للاغتصاب أو الاستغلال الجنسي. ولم تكن أيّ منهن متزوجة بعقد رسمي، سواء السوريات أو التركيات اللواتي يمنعهن القانون من الزواج ما دون الثامنة عشرة، ويسمح لمن هن في سن السابعة عشرة بالزواج لكن بإذن من القضاء.

كشفت الاختصاصية الاجتماعية العاملة في المستشفى، إجلال ن، عن هويتها، بعدما سربت القائمة، وقالت: “لقد كان تعداد الحوامل القاصرات اللواتي أتين إلى المستشفى خلال خمسة أشهر وتسعة أيام 250 قاصراً، من بينهن 115 لم يجر إبلاغ الشرطة عنهن”. طلبت إجلال مساعدة رئيس الأطباء الذي أبلغته بالأمر، لكن لم يفعل أيّ شيء حتى بعدما تقدمت ببلاغ رسمي لإدارة المستشفى، ثم عادت إليه لتسأله مرة أخرى في سبتمبر/ أيلول الماضي، لكن تفاجأت بقرار نقلها من إلى مركز الصحة النفسية في منطقة شفاكوي، وبعدها تقدمت ببلاغ رسمي بعد التشاور مع المحامي. تضيف: “يستقبل هذا المستشفى بشكل وسطي ما بين 450 و500 من القاصرات الحوامل سنوياً. مهمتنا إبلاغ الشرطة، وفي حال كانت هناك حالة طارئة نضع القاصر تحت حماية المستشفى، ونبلغ الشرطة التي تتحرك بشكل فوري”.

عن معاناة هؤلاء الحوامل، قالت إجلال: “هناك طفلة لن أنساها في حياتي، كانت في السادسة عشرة، وتعرضت للاغتصاب، وبعدما حاولت العائلة إسقاط الجنين ولم ينجح الأمر كون الحمل متأخراً، أتمت حملها وجاءت إلى المستشفى، فأخذت إلى قسم المخاض، حيث كانت هناك أيضاً ست نساء أخريات، وعندما ذهبت لأراها، أنا التي أبلغ من العمر 32 عاماً خفت من صياح النساء، ورأيت تلك الطفلة في حالة فزع كبيرة وكانت تبكي، فطلبت نقلها إلى غرفة وحدها، ومن يومها لم أوفر جهداً لحماية هؤلاء القاصرات”.

أما في ما يخص القاصرات السوريات، فقالت إجلال: “هؤلاء البشر هربوا من الحرب وجاؤوا إلينا، لا أعرف لغتهم، ومعظمهم فقراء لم يذهبوا إلى المدرسة. جاءت في إحدى المرات فتاة تركمانية سورية عمرها ستة عشر عاماً، وأمضيت معها وقتاً طويلاً. حملت من فتى في الثامنة عشرة، وجرى تزويجهما بعقد ديني. لا أنسى كيف عانقتني أمها قبل أن تخرج بسبب اهتمامي بها”.

لا إحصائيات حكومة تركية دورية أو إحصائيات لمنظمات المجتمع المدني حول الأمهات القاصرات. لكن، بحسب الإحصاء العام الذي أجرته الحكومة التركية عام 2013، فإنّه من بين كلّ 100 امرأة هناك سبع نساء تزوجن بين سن 15 عاماً و19، منهن خمس نساء من كلّ 100 أنجبن في هذا السنّ. ومن بين كلّ 100 قاصر متزوجة، هناك 60 قاصراً يتزوجن برجال يكبرونهن بما بين خمسة أعوام وعشرة. كذلك، فإنّ جميع زيجات القاصرات تجري بعقد ديني من دون تسجيلها في دوائر الدولة، ويسمح القانون التركي لغير المتزوجات بتسجيل أبنائهن.

من جهتها، أكدت وزارة الصحة التركية، نهاية العام الماضي، خلال ردها على استجواب في البرلمان حول الأمهات القاصرات، أنّه بحسب برنامج مراقبة وفيات الأطفال، فقد مات، خلال الأعوام الأحد عشر الماضية، 2404 أطفال ممن لم يكملوا اليوم الأول من عمرهم بعد ولادتهم لأمهات ما دون السابعة عشرة، كذلك، ماتت 17 أماً قاصراً ما بين عامي 2007 و2016 خلال الوضع.

يعتبر رئيس المجلس المركزي لاتحاد الأطباء الأتراك (نقابة معارضة) رشيد تُوكِل، أنّ السبب ليس قصور القوانين، بل قصور التطبيق: “عرّف القانون الجزائي التركي استغلال الأطفال الجنسي بوضوح، لكن ليس هناك تطبيق كاف لهذا القانون، وجميع هؤلاء الأمهات القاصرات يدخلن في إطار الاستغلال الجنسي. كان هناك مكتب في وزارة العائلة والشؤون الاجتماعية يعنى بالقاصرات الحوامل والأمهات والأطفال، لكن جرى إغلاقه عام 2015” داعياً إلى إنشاء وحدة في كلّ مستشفى تكون قادرة على تقييم حالات استغلال الأطفال بكلّ دقة، كما يجب نشر الوعي ضد زواج القاصرات، بدءاً من الكتب المدرسية التي لا بدّ من أن تعالج قضايا الاستغلال الجنسي للقاصرات والزواج المبكر، وصولاً إلى حملات التوعية عبر وسائل الإعلام التي لا يجب أن تتوقف. كذلك، يدعو توكل إلى تحريم الزواج الديني للأطفال.

تدعو فعاليات المجتمع المدني إلى إعاقة الزواج المبكر من خلال فتح باب التعليم أمام الفتيات. تقول أستاذة الطب النفسي، يلدز أكفاردير: “هؤلاء يعشن الكثير من المشاكل المتعلقة بالصدمات التي تلي الزواج المبكر، وهذا أمر لا يؤثر فقط على الفتاة، بل على طفلها أيضاً، ولا بد من وضع عوائق أمام الزواج المبكر وبالذات عبر فتح أبواب التعليم أمام الفتيات”.

العربي الجديد

السودان: ملاذ غير متوقع للاجئين السوريين/ جيني غوستافسون

الهجرة: أفق يتوارى كالسراب · لقد أدت الحرب في سوريا الى تدفق غير مسبوق من اللاجئين. كما أَقفلت في وجههم غالبية الدول أبوابها، ما عدى لبنان وتركيا والأردن. إلا أن عدداً منهم إلتجؤوا الى السودان، رغم كونه بلد فقير وممزق. وقد تنقلب أوضاعهم بعد سقوط الرئيس عمر البشير .

أُغلقت الأبواب في وجه السوريين. كانت البداية مع وضع عقبات في مصر عام 2013، ثم تبعتها الأردن ولبنان في 2014 ومطلع عام 2015، وأخيرًا تركيا في العام التالي. حتى الجزائر، التي حرصت على الترحيب بالفارّين من الحرب، أغلقت أبوابها في وجه السوريين. أغلقت دولة بعد أخرى حدودها وفرضت قيودًا ضد حصول السوريين على تأشيرة دخولها. وفي عدة سنوات فقط، منعت كل دول الجوار تقريبًا دخول اللاجئين السوريين إلى أراضيها.

الاستثناء الوحيد هو دولة السودان، التي تُعد معبرًا ثقافيًا واجتماعيًا بين دول شمال أفريقيا المتحدثة باللغة العربية ودول جنوبي الصحراء الكبرى مُتعددة اللغات. لقد اتخذ السودان قرارًا بعدم فرض قيود على دخول السوريين إلى الأراضي السودانية، وأن تظل الحدود مفتوحة أمام اللاجئين السوريين، وأن يُسمح لهم بالبقاء داخل أراضيها. واستمر هذا الوضع حتى اليوم، ما جعل السودان من الدول القليلة التي تسمح بدخول من يحملون جواز سفر سوري دون عقبات.

«أُغلقت جميع الأبواب الأخرى في وجوهنا. وهناك نكتة تقول إنك لا تستطيع استخدام الجواز السوري إلا في الصعود إلى السماء» تقول روان ، سورية في العقد الثالث من العمر، من دمشق، لا تريد الإفصاح عن هويتها.

ألوان الشام في شوارع الخرطوم

كانت تجلس بالقرب من نافذة في مكتب إحدى وكالات السفر في حي الرياض في العاصمة السودانية الخرطوم، وهو أحد أحياء الطبقة المتوسطة حيث العديد من المحال التجارية والمطاعم. تعمل في المكتب منذ أربعة شهور، أي منذ إقامتها في الخرطوم. عثرت على الوظيفة من خلال موقع للتوظيف على الإنترنت، ووقع عليها اختيار الشركة قبل أن تغادر دمشق.

تقول روان «أُصيب أغلب الناس بالصدمة عندما أخبرتهم بأنني سأنتقل للإقامة في السودان، ولكنني من النوع الذي يرغب في الحصول على أي فرصة تُتيحها الحياة». تقيم روان في شقة بالقرب من المكتب، في أحد المباني السكنية التي يقطنها عدد من جيرانها السوريين. لقد تحول حي الرياض إلى منطقة جذب للسوريين في السنوات القليلة المنصرمة، ويلاحظ أي شخص وجودهم على الفور في شوارع الحي. وتحمل المطاعم التي افتُتحت حديثًا أسماءً مثل البوابة السورية أو حلويات حلب؛ وهناك متجر صغير لبيع الهدايا يحمل اسم المطربة اللبنانية الشهيرة فيروز، ومحل حلاقة يحمل اسم تدمُر؛ المدينة السورية القديمة. وتبيع محال البقالة زيت الزيتون ومشروب المتة السوري، الذي يعود أصله إلى أمريكا اللاتينية ويُستهلك كثيرًا في أغلب المنازل السورية.

وأثناء سنوات الحرب الأهلية التي اندلعت في سوريا منذ 2011، تزايد عدد الجالية السورية في السودان بسرعة. فلقد وفد أكثر من 100 ألف سوري إلى السودان، واستقر أغلبهم في العاصمة الخرطوم.

«ربما يكون العدد أكبر من ذلك، ربما تجاوز 250 ألف شخص» يقول محمد الجركس، مؤسس مجلة ديار الإلكترونية، وهي منصة تزود السوريين بالنصائح حول الإقامة في السودان. أسس الجركس المجلة عقب وصوله إلى السودان للدراسة منذ سبع سنوات، لإدراكه أن السوريين القادمين إلى السودان يفتقرون إلى مصادر معلومات كافية. «تحتاج إلى الكثير من المعلومات عندما تصل إلى دولة جديدة، ولم يكن هناك ما يوفر تلك المعلومات. لذلك بدأتُ بصفحة على فيسبوك، لمُشاركة الروابط المتعلقة بسوريا والسودان، ثم أطلقت موقعًا إلكترونيًا بعد ذلك» يقول الجركس.

الاستفادة مجاناً من خدمات الصحة والتعليم

عندما درس الجركس في إحدى جامعات الخرطوم، تمتع بنفس مميزات الطلاب السودانيين. ويحصل السوريون في السودان على التعليم والرعاية الصحية وكأنهم مواطنين سودانيين، ولهم الحق كذلك في العمل وافتتاح مشروعات تجارية خاصة، ولا تُفرض أية قيود على حركتهم. ويرجع هذا إلى عدم اعتبار السوريين لاجئين، ولا يُمنحون وضع اللاجئين رسميًا، بل يُطلق عليهم اسم الزوار أو الضيوف.

«كرم الضيافة واضح هنا، ونشعر بأننا موضع ترحيب. يختلف الأمر هنا عن أي دولة أخرى، حيث لا نشعر بأننا عبء بوصفنا لاجئين» يقول وسام الناصر، صاحب وكالة السفر التي تعمل فيها روان.

«المشكلة الوحيدة هنا هي أننا لا نحصل على أي دعم من مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة. في لبنان والأردن، كانت العائلات السورية تحصل على إعانات. نحاول هنا جمع تبرعات للمحتاجين، ولكنه أمر صعب» يقول وسام.

بلد يعاني من الأزمة والتخبط

وسواءً أتعلق الأمر بالسودانيين أم بالسوريين فالأوضاع الاقتصادية كانت عسيرة للغاية لفترة طويلة. ولقد كانت المحرك الرئيسي للحركة الثورية التي أدت في نهاية الأمر الى الإطاحة بالرئيس عمر البشير في 11 من أبريل نيسان الماضي.

وفي العام الماضي تحديدًا، تدهور الوضع الاقتصادي في السودان. بدأت بوادر الأزمة منذ زمن طويل، جزئيًا بسبب العقوبات الاقتصادية الأمريكية ضد السودان، والمفروضة منذ تسعينيات القرن العشرين، إضافة إلى تبعات استقلال جنوب السودان عام 2011، وأبرزها فقدان السودان ثلاثة أرباع موارده من النفط.

وفي عام 2018، وصلت الأزمة إلى حد تراجع قيمة الجنيه السوداني بنسبة 85% في مواجهة الدولار الأمريكي، وأصبح معدل التضخم في السودان الأعلى عالميًا. وعلى الرغم من ذلك، واصل النظام السوداني تخصيص أكثر من 70% من الميزانية لنفقات الدفاع والأمن، وإنفاق أقل من 10% على الصحة والتعليم.

وبعد أربعة أشهر من الاحتجاجات المستمرة بدأت في ديسمبر 2018 بارتفاع مفاجيء لأسعار الخبز، أدى الحراك الجماهيري الذي شمل البلاد بأسرها الى إجبار الرئيس على التنحي.

«هذا النظام أثبت سوء إدارته للبلاد . إنهم مجموعة من العجائز والجهلة، لأنهم أحاطوا أنفسهم بمجموعة من غير المُتعلمين وغير القادرين على تحدي سلطتهم» يقول مُزن النيل، مهندس منخرط في الحركة الاحتجاجية. الأوضاع السياسية محفوفة بالمجهول، والاقتصاد في حالة يرثى لها. حتى وإن ظلت الأسعار منخفضة بالنسبة لمن لديهم عملات أجنبية، فإن من يحصلون على أجورهم بالجنيه السوداني يعانون أشد المُعاناة.

«أصبحت الأموال بلا قيمة على نحو مفاجئ، ربما تربح ما يُعادل 200 دولار شهريًا، وهو مبلغ ضئيل خارج السودان» يقول لنا شاب لم يشأ كشف هويته، فرّ إلى السودان هربًا من التجنيد، على غرار عدد كبير من الشباب السوري.

الحصول على الجنسية

ويقول أحد مواطنيه، هاي، رجل في العقد الخامس من العمر، يدير مطعمًا شهيرًا في وسط الخرطوم، إن دخله الشهري تراجع من 12 ألف إلى ثلاثة آلاف دولار شهريًا منذ اندلاع الأزمة. ويُضيف: «لم يعد الربح كما كان من قبل. أنتظر حتى أرى ما الذي سيحدث. وإن لم تتحسن الأحوال، فسوف أحاول الانتقال إلى الإمارات العربية المتحدة».

وسبب قدرته على التفكير في السفر إلى دولة خليجية هو حصوله وأفراد عائلته على الجنسية السودانية منذ عامين. كانت الحكومة السابقة قد سمحت للسوريين بالتقدم للحصول على الجنسية السودانية بعد ستة أشهر من وصولهم للبلاد. ووفقًا لمقال في سي إن إن العربية ، فإن أربعة آلاف سوري حصلوا على الجنسية السودانية في عام 2016، ما يعني أن العدد ربما تزايد في الوقت الراهن. “لقد حصل صديقي على جوازه عام 2018. وكان يحمل رقم 10.000 أو شيء من هذا القبيل. وهذا معناه أن 10.000 شخص على الأقل حصلوا على الجنسية السودانية” يقول الشاب الوافد من سوريا.

وهناك سبب وحيد للحصول على الجنسية السودانية؛ هو فتح مزيد من الأبواب أمام السوريين، فمن السهل على المواطن السوداني الإقامة والعمل في دولة خليجية، وهو أمر أصبح شبه مستحيل بالنسبة للسوريين منذ اندلاع الحرب. «لكي أكون صريحة، جئتُ إلى هنا من أجل تحقيق هدف واحد، هو الحصول على جواز سفر سوداني. إنها فرصة ولا أريد الندم مستقبلًا على عدم استغلالها» تقول روان. عندما وصلت إلى السودان، حضرت أمها للإقامة معها, لقد عاشا معًا في سوريا ولا ترغب الأم في البقاء وحيدة. ولكنها عادت إلى دمشق مُؤخرًا، لأنها تفتقد الحياة في سوريا كثيرًا، بحسب روان.

وتضيف: «أعيش حياة طيبة حتى الآن. أذهب إلى صالة ألعاب رياضية وأرتاد المقاهي في شارع النيل في المساء. ولكنني كنت أمارس العديد من الأنشطة في سوريا. كنتُ عضوًا في فريق الجوالة، وكنا نذهب كثيرًا للتخييم والتزلج».

عائلات مشتتة في العالم بأسره

هي الصغرى بين إخوتها، الذين تفرقوا في أماكن مختلفة، مثل الكثير من العائلات السورية. تعيش شقيقتها الكبرى مع أولادها في الجزائر منذ الأيام الأولى لاندلاع الحرب، قبل أن يتحتم على السوريين الحصول على تأشيرة دخول للجزائر.

«لم أرها منذ ذلك الحين. لا يمكن لأختي أن تغادر الجزائر أو تزور أي دولة أخرى، لأنها إن غادرت لن تستطيع العودة. وأصبح من غير الممكن أن نلتقي» تقول روان. يواجه عدد كبير من العائلات السورية نفس الموقف في أنحاء العالم حاليًا؛ بعد أن تفرق الأشقاء في دول مختلفة ويصعب عليهم، إن لم يكن مُستحيلًا، أن يلتقوا. وأصبح السودان مقصدهم ليقابلوا بعضهم البعض.

«أن نلتقي هنا أقل تكلفة مادية من اللقاء في لبنان مثلًا، لأن تأشيرتها باهظة الثمن وأسعار الطعام والإيجار مرتفعة. ربما تضطر لدفع مئة دولار لتبيت ليلة واحدة في أحد الفنادق، بينما يمكنك استئجار شقة كاملة لمدة شهر بنحو 300 دولار في السودان» يقول الشاب ذو الأصل .الساحلي لا تزال أسرته تعيش في سوريا، حيث يمكنه زيارتها لمدة لا تتجاوز 90 يومًا حال تقديم ما يُثبت أنه حصل على إقامة في دولة أخرى. هذا هو المُستند المطلوب من أي شخص لا يرغب في تجنيده في الجيش السوري.

إتجار غير مشروع بالجوازات

منذ عام تحديدًا، سافر محمد العردطوق إلى الخرطوم، قادمًا من إسطنبول، حيث يعيش منذ 2014. قابلته والدته ووالده وبقية أفراد أسرته في المطار، لأن قيود التأشيرة منعتهم من زيارته في تركيا ومنعته من زيارتهم في المملكة العربية السعودية، حيث كانوا يقيمون حتى انهارت أعمال والده التجارية عقب تغيير القوانين المنظمة للأعمال التجارية الصغيرة في السعودية، فانتقلوا للإقامة في السودان.

يقول محمد: «حين حضرتُ إلى هنا، رأيت عائلتي للمرة الأولى منذ خمس سنوات. أحاول الآن الحصول على الجنسية التركية، ولكنه أمر صعب. ويحاول أخي هنا الحصول على الجنسية السودانية». ولقد وثّق الصحفي السوداني عبد المنعم سليمان كيف يحاول المهربون وغيرهم الحصول على ربح غير قانوني من اللاجئين الذين يعيشون في السودان. فحسب ما يقول، كان هناك إتجار غير مشروع ومتعاظم بجوازات السفر يستهدف السوريين تحديدًا، بالتعاون مع أرفع المسؤولين الحكوميين. وكانت الجوازات تباع بأسعار أكثر ارتفاعاً بكثير من الكلفة العادية أي 200 دولار، لمن يتبع المعاملات الشرعية. «إنها تجارة، يُقبلون عليها من أجل الربح. يمكن أن يحصلوا على مبالغ تتراوح من عشرة إلى 15 ألف دولار أمريكي مقابل جواز السفر الواحد، لأنه مطلوب. إنها تجارة كبيرة».

ويقول سليمان إن أحد أسباب فتح الحصول على الجنسية للسوريين في السودان هو تخفيف الضغط عن السعودية ودول الخليج الأخرى، التي تعرضت للنقد نتيجة عدم استقبال لاجئين سوريين في بلادهم. ويُرجع عبد الوهاب الأفندي، المحلل السياسي السوداني المقيم في قطر، قرار الحكومة السودانية إلى علاقة الخرطوم بدول الخليج.

«يتعلق القرار بالسوريين العاملين في دول خليجية، الذين انتهت صلاحية جوازات سفرهم، ما يستوجب طردهم خارج البلاد. لذلك جرت ترتيبات مع الحكومة السودانية بشأن حصول السوريين على الجنسية السودانية» يقول الأفندي. ويضيف: «يلعب السودان دورًا مهمًا في الوقت الراهن. من المثير أن يكون البشير أول رئيس يلتقي بالرئيس السوري بشار الأسد، وأنا على ثقة من أن الزيارة بتشجيع من السعودية والإمارات. وفور الزيارة، أعادت الإمارات فتح سفارتها في دمشق».

ويرى الأفندي أن السودان أظهر حسن الضيافة للاجئين من دول الجوار عمومًا، بمعنى أنه لم يغلق الحدود في وجه لاجئي تشاد وأثيوبيا وإريتريا. وهناك نحو سبعة آلاف يمني فرّوا من الصراع في بلادهم إلى السودان. وإجمالًا، يستضيف السودان نحو مليوني لاجئ.

وفي عام 2016، وردت تصريحات على لسان مسؤولين سودانيين بشأن عدم فرض قيود على السوريين «ما دام النيل يجري»، مؤكدين على سياسة الباب المفتوح التي تنتهجها الدولة. ولكن مع سقوط النظام البائد فالكثير من الأمور قد تتغير. وسياسة تجنيس السوريين ستكون“من ضمنها على الأرجح” يقول سليمان. “كل هذه الأمور ستتوقف الآن. لن يمكنهم الاستمرار على هذا النحو”.

تاريخيًا، كانت العلاقات بين السودان وسوريا طيبة، وانتهجتا سياسات متساهلة بشأن الحدود والتأشيرات. ويعود تاريخ أول جالية سورية في السودان إلى أكثر من مئة عام، في أعقاب الفتح الانجليزي المصري للسودان عام 1898، عندما وفد بعض سكان ما يُعرف حاليًا بسوريا ولبنان إلى السودان مع قوات القائد الانجليزي هربرت كيتشنر الاستعمارية. وكان أول من وضع كتابًا عن تاريخ وجغرافية السودان هو رجل يُدعى نعوم شقير، من مواليد الشويفات في لبنان، وشغل منصب أول رئيس للنادي السوري في الخرطوم، الذي ظل نقطة التقاء للسوريين في المدينة حتى اليوم. وكتب المرحوم إدوار سعيد في مذكراته «خارج المكان» عن عمه الذي كان يعيش في الخرطوم قبل اندلاع الحرب العالمية.

الطريق الى الجنة

أقام نحو سبعة آلاف سوري في السودان قبل اندلاع الأزمة السورية، اشتغل أغلبهم بالتجارة والتصدير والاستيراد. ولقد افتتح أغلب الوافدين بعد الحرب السورية مشروعات جديدة، من بينها المطاعم ومحال الوجبات السريعة ومتاجر الأثاث.

ولقد نشرت مجلة ديار الإلكترونية عدة مقالات عن مشروعات سورية، من بينها أحد مصانع المناديل الورقية الذي أصبح الأكبر في السودان في الوقت الراهن، إضافة إلى إنتاج فيلم سينمائي بعنوان الطريق إلى الجنة، والذي شارك فيه طاقم عمل سوداني سوري لبناني مُشترك (من بينهم الجركس بصفته المنتج في السودان).

يوضح الجركس: «يشير عنوان الفيلم إلى مدى تعاطف السودان مع السوريين، لدرجة أنها أصبحت جنة بالنسبة لهم». ويخطط الجركس للإقامة في الخرطوم مُستقبلًا. لقد نجح في عقد صداقات وإقامة شبكة عمل جعلته يشعر أنه مرتبط بالسودان. ويضيف: «بالطبع سوف أظل أحب سوريا، وطني. ولكن من المستحيل أن أرتبط بأكثر من مكان».

لدى العديد من السوريين أفكار مختلفة، فبعضهم غادر الخرطوم بالفعل بسبب وطأة الأزمة الاقتصادية. ويفكر آخرون في العودة إلى سوريا بمجرد ظهور بوادر على تحسن الأوضاع الأمنية. «يتجاوز عدد المسافرين من الخرطوم إلى دمشق عدد القادمين من دمشق إلى الخرطوم» يقول الناصر.

وتقول روان، بعد أن عادت إلى مقعدها خلف المكتب، إن هدفها الأول هو أن تبقى في الخرطوم حتى تحصل على الجنسية حتى لو أصبح الأمر عسيراً في الظروف الحالية ، ثم تعيد التفكير وتقارن بين الخيارات المُتاحة. وتضيف: «لا استطيع تحديد الخطوة التالية، ولكنني لستُ شجرة. إن لم أتحرك، سأشعر أنني سجينة، وأنا أريد أن أعيش وأشعر بحريتي».

https://orientxxi.info/magazine/article3060

الطلاب السوريون في دهاليز الجامعات الألمانية/ ياسين سويحة

الهجرة: أفق يتوارى كالسراب

يُحاول الناجون السوريون في بلدان اللجوء امتلاك زمام حياتهم، والإمساك بعناصرها العمل والدراسة وغيرها ضمن الظروف المتاحة. في كثيرٍ من الأحيان، لا يتعلّق الأمر فقط بتدبّر الأمور من أجل المستقبل، بل يخصّ أيضاً طريقة مواجهة ما جرى، وفهمه واستيعابه والتغلّب عليه. في ألمانيا وحدها أكثر من 700 ألف لاجئ سوري، أكثر من نصفهم، حسب مركز التبادل الأكاديمي الألماني، أعمارهم أقل من 25 سنة. يبحث هذا النص في سؤال التعليم الجامعي للاجئين السوريين في ألمانيا عبر تتبع قصص سوريات وسوريين توقف تعليمهم في سوريا بسبب ظروف الثورة والحرب، ويحاولون الآن استئناف حياتهم الأكاديمية حيث توقفت، أو إعادة بنائها من جديد.

كيف يدخل اللاجئ السوري إلى جامعة ألمانية؟

يحتاج أي أجنبي يرغب بمتابعة دراسته الجامعية في ألمانيا لتحقيق شرطين أساسيين: مؤهل الالتحاق بالجامعات الألمانية (HZB)؛ وشهادة مستوى باللغة الألمانية مُعتمدة لدى الجامعات. ويُعترف بشهادات الثانوية العامة للعديد من الدول بحدّ ذاتها كمؤهِلة للدخول في نظام التعليم الجامعي الألماني (بعد تعديل الدرجات إلى النظام الألماني) دون الحاجة لاختبارات إضافية، في حين يحتاج حاملو شهادات الثانوية العامة لدول أخرى لاجتياز مرحلة تحضيرية (Studienkolleg)، تقدّمها مراكز ضمن الجامعات والكلّيات. أما فيما يخص شهادات مستوى اللغة الألمانية، فتعترف الجامعات عموماً بأنظمة عامة مثل (DSH- TestDaF- Goethe Institut- DSD) ويمكن تعريفها كمرادف في اللغة الألمانية لبرامج IELTS و TOEFL للغة الإنكليزية. كما تقدّم بعض الجامعات برامج لغة ألمانية خاصّة بها، أو تعترف بشهادات مستوى C1 من المعاهد المتخصصة. كما تقبل بعض الجامعات المتخصصة بالفنون مستويات أدنى في اللغة الألمانية. بعدها، تتم المفاضلة على الفروع والكلّيات المرغوبة عن طريق نظام Uni-assist، ضمن المقاعد المخصصة للطلاب من خارج الاتحاد الأوروبي، بعد تعديل الشهادة الثانوية، وتعديل المواد الجامعية المدروسة قبلاً في حالات إكمال الدراسة.

التعليم الجامعي في الجامعات الحكومية الألمانية مجاني للألمان والأجانب، يحتاج فقط لتجديد رسوم التسجيل، وتتراوح ما بين 100 يورو و350 يورو لكلّ فصل. ويتم استرداد القسم الأكبر من هذه الرسوم فعلياً عن طريق الخدمات والتخفيضات (على أسعار المواصلات، مثلاً) التي توّفرها بطاقة الطالب الجامعي. ضمن هذا النظام العام للدخول في الجامعات الألمانية، يحوز السوريون -من حيث المبدأ- على موقع جيد مقارنةً بغيرهم من الدول، إذ أن الشهادة الثانوية العامة السورية مقبولة للتعديل المباشر في حال كان الطالب قد حاز على مجموع أعلى من 70%، وتحتاج للمرور في المرحلة التحضيرية فقط في حال كان المجموع ما بين 60-70%. أي، بقولٍ آخر، ليس الوصول إلى الجامعة الألمانية بالأمر الصعب على سوري مقتدر ماديّاً، وحائز على درجات جيّدة في الثانوية العامة، وقادر على توفير شروط الفيزا الدراسية الألمانية وتدبّر تكاليف المعيشة وتعلّم اللغة. لكن ليست هذه الحالة العامّة للسوريّين الموجودين في ألمانيا اليوم، فالغالبية الساحقة منهم، من المقيمين في ألمانيا اليوم هم لاجئون، مُستنزفون ماديّاً ومعنويّاً، مفتقدون لشبكات دعم ومساعدة قائمة على العائلة والأصدقاء بعد أن تم استنزافها هي الأخرى خلال السنوات الأخيرة، ومن الطبيعي أن يكونوا مثقلين بالديون، ويعتمدون على المعونات التي تقدّمها بُنى الدعم الاجتماعي الحكومي الألماني. عدا ذلك، من الرائج أن يكون الشباب والشابات في سنّ الجامعة قد تعرّضوا لظروف قصوى من الاعتقال والتهجير وفترات انعدام استقرار مديدة، هي بدورها انقطاع عن حياة الدراسة والتحصيل العلمي، أي أنهم يصلون إلى ألمانيا وهم في وضع استنزاف مادّي ومعنوي يُصعّب قدراتهم على تخطّي متطلبات ومستحقات سهلة ومُمكنة لغيرهم، وقد تصل هذه الصعوبة لدرجة تجعل من المستحيل عليهم إكمال حياتهم الدراسية.

سلاسل الانتظار والانقطاعات والعثرات

درس أيهم (اسم مستعار) الطب البشري في جامعة دمشق حتى السنة الخامسة، وانقطع عن الدراسة إثر اعتقاله بسبب نشاطه المُعارض لنظام بشار الأسد، وخرج من الاعتقال لينتقل للعيش في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، ثم في تركيا. وصل أيهم إلى ألمانيا أوائل عام 2015 ضمن زمالة بحثية في مؤسسة ألمانية، وبعد انقضاء مدّة الزمالة قدّم طلب الحصول على اللجوء في ألمانيا. اضطر أيهم لانتظار تجاوز السنة والنصف قبل الحصول على وثيقة اللجوء التي تؤهله للتسجيل في مكتب العمل (Jobcenter) والحصول على تعويض مالي لتمويل دروس اللغة الألمانية ضمن برامج إدماج اللاجئين، بالإضافة لتوفير مكتب العمل لكلفة السكن ومبلغ شهري للمعيشة، يمكن استكماله عن طريق العمل الجزئي بعدد ساعات لا يتجاوز دخلها 450 يورو شهرياً. خلال فترة انتظار وثيقة اللجوء. درس أيهم اللغة الألمانية في معهد خاص، تبلغ متوسّط تكاليفه حوالي 250 يورو، ما شكّل ضغطاً مادياً على دخله المحدود والمتقطّع أصلاً. يقول أيهم: «بشكل عام، يحرص مكتب العمل على دفعك نحو تعلّم اللغة في برامج إدماج اللاجئين، أي أن تصل حتى مستوى B1، وأن تدخل سوق العمل بأسرع ما يمكن، أو أن تدخل في برامج التأهيل المهني (Ausbildung)، وهي عبارة عن عقود تدريبية مدفوعة الأجر في مؤسسات وشركات متعاونة. لا يمنعك موظف مكتب العمل المسؤول عنك، بشكل صريح من السعي لاستكمال تعلم اللغة حتى المستوى المطلوب للجامعة، وهناك مجال للمفاوضة والإقناع كي يستمرّ المكتب بدفع المعونة خلال فترة التحضير لامتحان المستوى اللغوي، لكنه -من حيث المبدأ- يفضّل أن تدخل سوق العمل سريعاً».

تدرس شام العلي (اسم مستعار) الإعلام في إحدى جامعات شمال ألمانيا، بعد أن كانت قد درست الشريعة في جامعة دمشق. تقول شام عن هذا الموضوع: «لقد تم تشجيعي في البداية على أن أحاول دخول سوق العمل عبر التأهيل المهني، أو عبر الحصول على عقد تدريبي في وسيلة إعلامية، لكن تقدّمي السريع في اللغة أقنع الموظف المسؤول عنّي في مكتب العمل، ودعم استمراري حتى مستوى اللغة المطلوب للجامعة».

تمكّن أيهم من الوصول للمستوى اللغوي المؤهِل للجامعة عن طريق الالتحاق بدورة اللغة الألمانية التي نظّمتها جامعة همبلدوت في برلين للاجئين ضمن برنامجي (Integra) و(Welcome)، وتتيح دورات اللغة هذه، والتي بدأت غالبية الجامعات الألمانية بتقديمها منذ عام 2015، للمنضوين فيها الوصول إلى مستوى تقديم امتحان الـ DSH أو ما يُعادله مجاناً. يشير أيهم إلى أهمية الدور الذي تلعبه دورات اللغة المُقدّمة من قِبل الجامعات، فالمستوى فيها عالٍ، وجودة التعليم أفضل بكثير للراغبين باستكمال دراستهم الجامعية من دورات الاندماج المتاحة لعموم اللاجئين. يوافق همام على هذا الرأي. خرج هُمام من سوريا نهاية عام 2013، وكان قد بدأ دراسة الهندسة المدنية في جامعة تشرين-اللاذقية قبلها، ليصل إلى ألمانيا في نهاية عام 2015 بعد مرورٍ سريع بلبنان، تلاه عامان من الإقامة في تركيا للسعي للحصول على فيزا للدراسة في ألمانيا. التحق همام بدورة اللغة التي تقدّمها جامعة برلين التقنية، حيث يسعى الآن لإكمال دراسته في الهندسة.

حول تجربته، يقول همام: «لعل الانتظار هو أصعب إجراء يجب أن تقوم به. فأمامك استحقاقات مادية ومعنوية وقرارات يجب أن تتخذها، ويحصل أن يضطر المرء لتجميد كل شيء بانتظار صدور موافقات وثبوتيات ومُهّل تقديم». ومن المعتاد أن تعني فترات الانتظار هذه انقطاعاً في المعونات بانتظار التسجيل الجامعي المؤهِل لقروض أو منح جامعية. أمّا إيّاس عدي، الذّي درس الطب في سوريا حتى السنة السادسة، وبعد انقطاع طويل عن الدراسة بسبب الظروف في البلد، فقد قرر خوض رحلة اللجوء ووصل إلى ألمانيا، حيث يسعى الآن للتسجيل في الجامعة بعد إنهاء دراسة اللغة. يتفق إياس مع همام في رأيه حول معضلة الانتظار، ويضيف: «قد يكون الانتظار ممكناً لمن لديه أقرباء مقتدرون قادرون لدعمه لمدّة أشهر، أو إن كان يعيش مع أسرته، حتى لو كانت لاجئة بدورها، فمعونة ثلاثة تكفي إقامة ومعيشة الرابع أو حتى الخامس بشكل مؤقت، أما لمن يعيش وحده، ودون عون من هذا النوع، فقد يؤدي الاستنزاف الناتج عن الانتظار إلى تأجيل مخططات الدراسة إلى أجل غير مسمّى، أو إلغائها تماماً سعياً للحصول على أيّ عمل».

يشير عَدي أيضاً لصعوبات أخرى، قد تتحوّل إلى ما يشبه المستحيل، في وضع الاستنزاف الشديد الذي يعيشه شطر واسع من الشباب السوري اللاجئ: «الحصول على قبول في جامعة تقع في مدينة مختلفة يعني كلفة انتقال واستئجار بيت جديد ودفع مبلغ التأمين، قد لا يتاح تأمينها لأغلبية الشباب السوريين، فحتى لو كانوا قد قدّموا على منح أو قروض جامعية، فهذه المنح أو القروض لا تُدفع مباشرة عند الحصول على القبول الجامعي، بل قد تتأخر لأسابيع أو أكثر».

ثمة إمكانية، في حال تأكيد الحصول على قرض جامعي، للمفاوضة بين مكتب العمل ونظام الدعم للدراسة الجامعية (BAföG) لضمان عدم انقطاع الدخل أثناء فترات الانتظار، كما أن هناك هيئات ومؤسسات عديدة تقدّم منح ومساعدات لتخطّي امتحانات اللغة وتجاوز الحواجز البيروقراطية والمتطلبات الإدارية. لكن الوصول إلى هذه المساعدات يقتضي قدرة على التواصل، كما يحتاج لقدرة على الوصول إلى المعلومات، وليس هذا بالأمر السهل كما سنرى لاحقاً.

لكن، يُحسب للنظام الألماني، رغم بيروقراطيته المعروفة، أنه حاول التأقلم مع الأوضاع الاستثنائية للسوريين بما يخص إمكانية حصولهم على أوراق وثبوتيّات. تأقلمٌ كان بطيئاً لدرجة أنه منع البعض من الوصول إلى أهدافهم، لكن آخرين استفادوا من استشعار النظام التعليمي لتراكم حالات متشابهة في استثنائيتها، وإصدار الإيعازات اللازمة لمعالجتها.

نظام التعليم الجامعي الألماني واللاجئين

مع تضاعف عدد اللاجئين الوافدين إلى ألمانيا ابتداء من عام 2015، خصصت الوزارة الفدرالية للتعليم والبحث العلمي مبلغ 100 مليون يورو لإنشاء برامج لاستيعاب ودمج اللاجئين الراغبين بالدراسة الجامعية في ألمانيا، وتشير ورقة أصدرتها هيئة التبادل الأكاديمي الألماني (DAAD) في خريف عام 2017 إلى أن هذه المخصصات قد وُزّعت بشكل أساسي على برامج مثل (Welcome) و(Integra) تعمل مع الجامعات على إنشاء دورات لغة ألمانية تؤهل المنضوين فيها للتقدم لامتحانات المستوى اللازم للدراسة الجامعية، بالإضافة لحصص تعليميّة تحضيرية للاجئين المحتاجين لها، حسب نوع شهادتهم الثانوية ودرجاتهم فيها. كما تم الاتفاق مع المؤسسة المشرفة على برنامج Uni-assist الخاصّ بإدارة تعديل الشهادات الثانوية وتنظيم التقديم للجامعات الألمانية، على منح اللاجئين حقّ المفاضلة على ثلاثة فروع لكل فصل بالمجّان.

وقد أشار التقرير إلى أن عدد المستفيدين من برامج الاستيعاب هذه قد بلغ أكثر من 6800 طالب خلال عام 2016، متوقّعة أن يتجاوز العدد السنوي الـ 10000 اعتباراً من 2017. وحول توزيع جنسيات المستفيدين من هذه البرامج، يقول التقرير إن حوالي 75% من الطلاب هم سوريون، مقابل 6% من الأفغان ومثلهم من الإيرانيين، و3% من العراقيين. أما حول التوزيع بين الذكور والإناث، فيشير التقرير إلى أن نسبة الذكور هي 81% من مجمل المستفيدين في البرنامج، وبين السوريين ترتفع نسبة الذكور إلى 83%.

كما تقدّم الكثير من الجامعات فرصة «الطالب الزائر»، التي تتيح للطالب اللاجئ حضور صفوف في فرعٍ يختاره كمُستمع -بالإضافة لحضوره كورس اللغة الألمانية- ومن الممكن أن يتقدّم لامتحانات هذه الصفوف وتُحفظ درجاته لتدخل في سجلّه الأكاديمي في حال وُفّق في الحصول على مقعد في هذا الفرع بعد إنهائه إجراءات الدخول في الجامعة. وقد حرص أيهم على حضور صفوف في فرع التاريخ في جامعة همبلدوت، تلبية لرغبةٍ في تعلّم التاريخ، لكنه فضّل بعدها الاستمرار في الدراسة في المجال الطبي الذي كان قد بدأه في سوريا.

عدا برامج استيعاب اللاجئين وتأهيلهم للحياة الجامعية الألمانية، بات من المتاح لهم أيضاً الحصول على المعونة الفدرالية الألمانية للتعليم والتدريب (BAföG)، وهو نظام قديم (تأسس عام 1971) قائم على دعم الطلاب الذين لا دخل لديهم، والذين يقل دخل ذويهم عن حدّ معيّن، بمبلغ مالي شهري (حدّه الأقصى الحالي 735 يورو)، نصفه منحة حكومية ونصفه الآخر قرض بدون فوائد، ويتم استرداد مبلغ أقصاه 10000 يورو بشروط ميسّرة، وعلى مدى زمني طويل، بعد انتهاء الدراسة الجامعية. هذا ويحقّ لمن هم دون عمر الثلاثين التقدّم للحصول على المعونة لدراسة المرحلة الجامعية الأولى، ومن هم دون الخامسة والثلاثين لدراسة الماجستير، لكن بالإمكان تجاوز موضوع العمر استثنائياً في حال توثيق بدء الدراسة قبل سنّ الثلاثين وانقطاعها لأسباب قاهرة، وهو إجراءٌ يضاف في كثير من الأحيان لسلسلة العقبات والانتظارات التي سبق ذكرها.

بالإضافة إلى ما سلف ذكره، يمكن للحائزين على المعونة العمل بدوام جزئي بعدد ساعات لا يتجاوز دخلها الـ 450 يورو شهرياً ، وهذا أمر جوهري في المناطق ذات مستوى المعيشة الأعلى، مثل بافاريا، حيث تصل كلفة استئجار غرفة في بيت مشترك وحدها إلى ثلثي المعونة.

عدا معونة (BAföG)، تقدّم مؤسسات عديدة وأحزاب سياسية وهيئات أكاديمية منحها الخاصة، كما تموّل بعض الجامعات الخاصة دراسة بعض اللاجئين من صندوق مانحيها. فرصة عايناها لدى وفاء مصطفى التّي درست ثلاث سنوات في كلّية الإعلام في جامعة دمشق، قبل أن تترك الجامعة بعد تعرّضها للاعتقال، لتصل إلى ألمانيا كلاجئة بعد أن كانت قد بدأت بمراسلة الجامعات، وحصلت على قبول في الفرع الأوروبي لـ Bard College في برلين، ومنحة تصدرها الجامعة تُغطي كلفة الدراسة والمعيشة، حيث تدرس الآن الإنسانيات هناك.

المعلومات والنصائح والخبرات

«حين تصل إلى هنا، تجد نفسك أمام خيارات كثيرة، تحتاج جهداً كبيراً لفهمها، خصوصاً مع وجود حاجز اللغة»، يشير همام، الذّي يشاطره الرأي إياس عدي ليضيف هذا الأخير: «هناك مكاتب استعلامات ضمن الجامعات، وهناك متطوعون وبرامج معلومات أُنشئت ضمن برامج استيعاب اللاجئين، لكنها ما زالت عاجزة عن استيعاب تعقيدات أوضاعنا كسوريّين. ربما هي قادرة على شرح النص القانوني وتفسيره، لكن المعلومات الموجودة في هكذا مبادرات هي معلومات عامّة، قد لا تكفي لفهم تفاصيل أوضاعنا المختلفة».

في نفس السياق، تقول شام العلي: «لقد استفدت بشكل كبير من خبرات الشباب والشابات السوريين الذين سبقوني، سواءً أولئك الذين أعرفهم شخصياً، أو من صفحات ومجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي تقدّم معلومات تمسّ بشكل مباشر أوضاعنا كلاجئين سوريين».

يتّفق أغلب الذين تم لقاؤهم مع رأي شام، إذ يؤكّد همام إلى أن «بنك المعلومات الأساسي هو من يشبه حالتك وأتى قبلك بأشهر أو بعام، فهو قادر على نصحك بشكل مباشر». ويشير إياس عدي إلى مجموعة «الحياة والدراسة في ألمانيا» على فيسبوك كمصدر مهم ومتكامل للمعلومات بما يخص خطوات الدخول في الجامعات، وقاعدة بيانات جيّدة للمنح والمعونات المتوفّرة وفترات التقديم عليها. يُتابع هذه المجموعة أكثر من 125000 شخص على فيسبوك، وتُنشر فيها بشكل يومي معلومات وقوائم معلومات تهمّ الباحثين عن إكمال تعليمهم الجامعي في ألمانيا في مختلف المستويات.

لم يكمل أيهم محاولة الدخول إلى الجامعة في ألمانيا، فبعد حصوله على إقامة اللجوء وجد فرصة لإكمال دراسته في الطب البشري خارج الاتحاد الأوروبي في السنة الرابعة، وهي فرصة أفضل مما كان سيتوفر له في ألمانيا، مُقاوما رغبته في دراسة التاريخ، ولو إلى حين. إياس عدي يعمل الآن على دخول الجامعة، ولو أنه يفضّل التوجّه نحو علم النفس أو علوم الكمبيوتر بدل إكمال الطب البشري. همام نال القبول الجامعي في الهندسة، ويعمل على إيجاد منحة، ولو جزئية، تتيح له إكمال دراسته مع عقد عمل جزئي يسمح له بالدراسة. أمّا شام، فتُكمل دراستها في الإعلام، وهو الفرع الذي يستهويها، وكانت قد بدأت بممارسته فعلياً عبر مشاركتها في زمالة الجمهورية للكتّاب الشباب عندما كانت ما تزال مقيمة في سوريا، والتّي تمّ قبولها في الزمالة على أنها مرحلة تدريبية أثناء تعديل وثائقها، وهو ما سهّل عليها دخول الجامعة. بدورها، تكمل وفا دراسة الإنسانيات وتبدأ بالتفكير في التخصص الذي ترغب في خوضه. تتمركز المعضلة الآن حول استكمال التعليم وتحصيل الشهادة الجامعية، لكن يظهر من المقابلات التي أٌجريت خلال التحضير لهذا النص، ومقابلات ونقاشات أخرى جرت في سياقات مختلفة، أن الاهتمامات والأهواء المتجرّدة والمتحرّرة من «التفكير الواقعي» المتمركز حول دراسة الشهادات المرغوبة تاريخياً من الأهالي في سوريا، أي الطب والعلوم الهندسيّة والصيدلة، باتت تنزاح باتجاه التفكير في مجال الإنسانيات والعلوم الاجتماعية والتاريخ، وربما يكون هذا ناتجاً عن الرغبة في فهم الذات وما جرى لها، واستيعاب الفظيع السوري الذي ألمّ بالناس خلال السنوات الأخيرة. لكن هذا بحثٌ آخر، لا يخص السوريين اللاجئين في ألمانيا وحدهم، وربما لا يخص السوريين فقط من بين شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

https://orientxxi.info/magazine/article3063

 هجرة اللاجئين السوريين داخل وجوار البلاد: وراثة الخسارات الكبرى/ كمال شاهين

لم يكن انفجار 2011 وليد غياب المشاركة السياسية للسوريين في تقرير شؤونهم فحسب، بقدر ما جاء تعبيراً عن خيبات أمل متراكمة لعقود سابقة تجاه حصيلة وطنية سيئة خضعت لمنظومات فساد وإفساد وقمع أنتجت كوارث متتالية في بلد يتمتع بخيرات كافية ليعيش أبناؤه بكرامة.

خلال السنوات الثمانية الماضية، اضطر 11 مليون سوري – هم أكثر من نصف اهل البلاد – الى ترك أماكن سكنهم وبيوتهم نتيجة الحرب المندلعة والعنف المصاحب لها والخوف… لجأ نصفهم الى أماكن أخرى داخل البلاد، وأما نصفهم الاخر فالى دول الجوار. ينطلق النص من هذه المأساة الكبرى ساعياً الى تتبع اتجاهات النزوح، وتعيين ما تحكم بها من اعتبارات مختلفة، جغرافية واقتصادية وسياسية ومذهبية..

http://assafirarabi.com/wp-content/uploads/2019/04/MIGR-Kamal-Shahine.jpg

في آذار/مارس 2019 تكمل الحرب السورية عامها الثامن. وحتى نهاية العام 2017 كان 6.2 مليون سوري (1) قد عاشوا انتقالاً إجبارياً إلى مناطق جديدة داخل البلاد، عاد جزء منهم إلى مناطقهم، فيما لا يزال 5 مليون آخرين عالقين في دول الجوار (2). وهذا من أصل 18 مليون ونصف مليون إجمالي عدد السكان.

يتساءل هذا البحث عن أسباب وعوامل تحرّك السوريين وانتقالهم في تهجيرهم القسري إلى هذه الجهة أو تلك، ويتقصى مسارات نزوحهم، وتأثير العوامل المحلية في اتجاهات الهجرة داخل وجوار البلاد، إضافةً لتناول أحجام هذه الهجرات وشرائحها الاجتماعية.

الأوضاع السورية حتى انفجار 2011

لم يكن انفجار 2011 وليد غياب المشاركة السياسية للسوريين في تقرير شؤونهم فقط، بقدر ما جاء تعبيراً عن خيبات أمل متراكمة لعقود سابقة تجاه حصيلة وطنية سيئة خضعت لمنظومات فساد وإفساد وقمع أنتجت كوارث متتالية في بلد يتمتع بخيرات اقتصادية واجتماعية كافية ليعيش أبناؤه بكرامة.

جسدت الهجرة الداخلية المستمرة منذ ثمانينات القرن الماضي إحدى ظواهر فشل تنموي واجتماعي واضح. إلا أن السلطات القائمة على مقادير البلد تعاملت معها كمؤشر إحصائي بحت دون بناء استراتيجية كفيلة بمواجهة نتائجها. فقد أدى الاستخدام غير الكفء للموارد المختلفة إلى نزيف متواصل للسكان والبيئة والقدرات، ونتيجة للتغييرات المناخية وموجات الجفاف التي تضرب الكرة الارضية -بما يتجاوز تصرفات البشر المحليين –تملحت الأراضي في منطقة الجزيرة التي هي خزّان النفط والقمح و”كاليفورنيا” سوريا الخمسينيات كما كانت تسمى، وبسبب استنزاف موارد المياه بحكم الاستخدام الخاطئ وغير المخطط له وبحكم السدود التركية (3) المنشأة على مسار نهر الفرات، هاجر 300 ألف نسمة منها إلى محيط دمشق وحلب والداخل منذ الثمانينيات (4)، فيما تسبب فساد إدارة المشاريع في مناطق أخرى بانخفاض مشاركة الزراعة ـ أساس الاقتصاد السوري ـ في الناتج المحلي من 36 في المئة إلى 21 في المئة في عقد التسعينيات الفائت، لحقتها الصناعة والخدمات بنسب متقاربة (5).

وبعد بداية القرن الحالي، زادت التوجهات النيوليبرالية للاقتصاد، مؤديةً إلى إلغاء الدعم التمويني الأساسي، وطالت الخصخصة بالتدريج نظم التعليم والصحة والصناعة، وسط تخبط إداري وحكومي واضح، بنسبة نمو ضئيلة 4 في المئة. أغلقت مئات المعامل والورش الصغيرة في المدن وزادت البطالة إلى 39 في المئة عام 2012 (6)، خاصة لدى الشريحة السكانية الأكبر، الشباب الذين يشكلون 36في المئة من السكان (تحت الأربعين)، وتطلب الأمر تأمين آلاف فرص العمل دون القدرة على تحقيقها (7)، مما تسبب بمغادرة ربع السكان إلى الحواضر الكبرى التي تزنرت بحزام عشوائيات مع تضخم سكاني بلغ في العاصمة لوحدها 5-6 مليون أي قرابة ثلث سكان سوريا (8)، وهكذا اختزنت سوريا عوامل انفجار متعددة، وهو ما تُرجم واقعياً بحراك آذار/مارس2011.

ومع اعتماد التعامل مع الاحتجاجات بالحلول العنفية، حَوّل النظام البلاد بوقت قصير إلى ساحة مواجهة حدية بينه وبين السوريين، وفَتح باب التهجير على مصراعيه مبكراً منذ أول أيام الأزمة آذار/ مارس، لاستخدامها كأوراق ضغط لاحقة على دول الجوار، حين سمح بنزوح حوالي خمسة آلاف سوري من دمشق وحمص إلى لبنان، تبعها في أيار/مايو افتتاح أول مخيم للاجئين في تركيا أنطاليا (9)، وفي تموز / يوليو بدأ التوجه إلى الأردن، وفي كانون الأول 2012 كان هناك نصف مليون سوري خارج البلاد، وبدأ مسلسل نزوح وتهجير لما يتوقف إلى الآن (10). لاحقاً ساهم دخول تنظيم داعش إلى المشهد في تسريع زيادة عدد النازحين بشكل كبير.

بركان النزوح السوري داخل البلاد

أخذ نزوح السوريين شكل موجات بشرية مفاجئة ومتتالية، تبعاً لتطور مفاصل الأزمة والحرب نفسها، اتبعت في حركتها “قرار اللحظة الأخيرة”، والخيار الأخير لمجموعات بشرية تعيش اللحظة المفارقة نفسها. فتحولت المدن أولاً والقرى لاحقاً إلى بركان دافق ينفث سكانه موجات بالآلاف، ولم يتوقف النزوح عند نقطة واحدة، بل تكرر عشرات المرات وعَلِق كثير من النازحين في مناطق يصعب الوصول إليها.

● موجات التهجير الأولى

في الشهور الأولى من الانفجار ذاك، أدت سياسات حصار المدن وخنقها وتجويعها وانتشار الشائعات بقرب اقتحامها إلى بدء موجات تهجير استهدفت الوصول إلى المناطق القريبة الهادئة نسبياً، كما حدث في جسر الشغور ودرعا وحمص نهاية العام 2012 (11). وهؤلاء امتلكوا ترف اختيار وجهتم إلى مدن أخرى لم تطلها يد التدمير بعد، فكانت موجات التهجير الأولى، في حين كان المقتدرون أوائل الخارجين من البلاد. وقد قدّر العدد يومذاك، وفق الأمم المتحدة، بحوالي 3 مليون مهجر داخلي (12). في العام 2013 كان هناك على الأقل 36 مدينة أو بلدة محاصرة كلياً أو جزئياً، تنتظر فرصة سانحة ليغادرها سكانها (13).

http://assafirarabi.com/wp-content/uploads/2019/04/%D8%AE%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%B7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%B5%D8%B1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-2013-2016.jpg

المصدر: OCHA (The United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs) وراديو روزانا للأعوام 2013-2017

يتحدث أستاذ الفيزياء “ياسر. ج” 46عاماً المقيم حالياً في مخيم “أنطاليا” بتركيا، وهو من أوائل الخارجين من مدينة جسر الشغور 45 كم عن إدلب يقول: “توقعنا اقتحام المدينة بعد تعرض عدد من العناصر الأمنية –من قوات النظام -للقتل على يد مسلحين نهاية 2012، وانتشرت شائعات عن قوات عسكرية سورية ضخمة قادمة باتجاه المدينة، فدب الخوف وبدأ عدد من الأهالي يشقون طريقهم باتجاه إدلب القريبة”.

بين عامي 2012-2013، سيطرت المعارضة على مناطق واسعة، وأخذت الأزمةُ منحاً جديداً بدخول الطيران والبراميل المتفجرة التي يلقيها الى ساحة المعركة شتاء 2013، فبدأ قصف متكرر للمدن لم يفرِّق بين بشر وحجر، وطال خاصةً الأحياء العشوائية التي كانت قد استقطبت كتلة النازحين المبكرة، فخرج الالاف من مناطق المدن ومحيطها ومعاركها، متجهين حيث سمحت لهم حالة الأمان في الطرقات وأيضاً إمكاناتهم، ليسقط مئات المدنيين ضحايا أثناء الفرار. يذكر تقرير لـ”الشبكة السورية لحقوق الإنسان” أن قرابة 5000 مدني لقوا مصرعهم أثناء محاولتهم الخروج من معارك محيط العاصمة أحياء القابون وبرزة وجوبر وغيرها (14).

في مناطق أخرى كالرقة، يقول “محمود سليمان” 56عاماً من أهاليها اللاجئين إلى اللاذقية: “بدأت حلقة التهجير الأولى مع سقوط الرقة بيد “الجيش الحر” وتعرضها لقصف بالصواريخ والقذائف من قبل (الحكومة) لاحقاً، ثم تلتها موجة أخرى من القصف صيف 2013 على يد “جبهة النصرة” بالتزامن مع سقوط إدلب. فخرج قسمٌ من الناس جنوباً عبر السخنة وتدمر إلى دمشق، والقسم الأكبر خرج مع دخول داعش إلى المدينة وريفها. ومع دخول “قوات التحالف الدولية” (تضم الولايات المتحدة ودول أوروبية وعربية) 2014 ثم “قوات سوريا الديمقراطية” لضرب داعش 2015، لم يبقَ مكان صالح للعيش في المدينة، فخرج عشرات آلاف البشر بالتدريج منها”. سجلت الإحصاءات تناقص عدد السكان من 1 مليون عام 2011 إلى 150 ألفاً مع دخول “قوات التحالف” ميدان المعارك. مدمرةً أكثر من 80 في المئة من بنية المدينة التحتية (15).

● موجة التهجير الثانية

تسببت العمليات والمعارك العسكرية حتى نهاية العام 2014 بمصرع قرابة نصف مليون إنسان(16)، لذلك، ومع افتتاح معابر مؤقتة للمدن المقصوفة والمحاصرة، بفضل ضغوط دولية، خرج ما تبقى داخل هذه المدن من المدنيين. فانطلقت موجة التهجير الكبرى الثانية بين عامي 2014-2015، وهؤلاء خرج كثير منهم على عجل بملابسهم فحسب كمتاع وحيد، وأحياناً بلا وثائق شخصية. وتوضح صور التقطت أن موائد طعام تركت كما هي.

في حلب، سيطرت المعارضة المسلحة نهاية 2012 على نحو 70 في المئة من المدينة، إضافة إلى سيطرتها شبه الكاملة على ريف حلب. ومنذ تشرين الأول/ أكتوبر 2013 وحتى العام 2016، عاشت المدينة قصفاً جوياً وبراميلاً تُلقى عليها ومعاركاً أدت إلى إفراغ أحياء كثيرة ذات كثافة سكانية عالية مساكن هنانو والصاخور والشعار والحيدرية وغيرها، من سكانها، الأصليين واللاجئين على السواء. فيما شهدت أحياءٌ أخرى كرم الجبل وصلاح الدين وسيف الدولة والعامرية وبستان القصر وغيرها نزوحاً فرّغها من سكانها كلياً بعد دمارها إثر تحولها مناطق تماس لسنوات فيما عرف باسم معابر حلب الشرقية والغربية، فاتجه سكانها إلى مناطق سيطرة النظام في الساحل ودمشق حوالي 2 مليون، فيما اختار آخرون التوجه مع معظم سكان الريف النازحين 1.5 مليون إلى تركيا القريبة (17).

• موجة التهجير الثالثة

موجة تهجير سورية ثالثة حدثت بعد التدخل الروسي في البلاد في آب/ أغسطس 2015. فمع قصف الطيران الروسي المستمر لعشرات المناطق (18)، قادت روسيا عمليات تهجير ممنهج بثوب مصالحات مع المناطق المحاصرة التي دخلتها قوات النظام. ووفقاً لبيانات وحدة تنسيق الدعم (في الشمال السوري)، فإنّ أكثر من 70 ألفاً نُقلوا من الغوطة الشرقيّة والقلمون وحي اليرموك في ريف دمشق بالباصات الخضراء التابعة للحكومة السورية التي أصبحت علامة فارقة في مسار التهجير السوري، بتنظيم مشترك مع الأمم المتحدة والمجتمع المدني، مروا بنقاط عبور قلعة المضيق ومدينة الباب (19). جزء كبير منهم نُقل إلى مدينة عفرين، فيما أُسكن آخرون في مخيم “دير البلوط” تحت إشراف منظمة “آفاد” التركية (20).

تكرر المشهد في مناطق ريف حمص ودرعا، فنُقل أكثر من 40 ألف شخص بين مسلحين وعائلاتهم إلى مناطق الشمال بموافقة تركية، توزعوا بعد وصولهم على عشرات الأماكن منها مخيمات “زوغرة” لنازحي حمص القدامى وحوالي 20 تجمعاً عشوائياً مثل الميادين وعين السعدة لنازحين من دير الزور وحماة وحلب، ويبلغ عدد قاطنيها أكثر من 200 ألفاً (21).

وبالمقابل، تسببت هجمات المعارضة المسلحة على مناطق ريف اللاذقية بموجات تهجير جماعية باتجاه مدن الساحل (22)، وأدّت صراعات الفصائل نفسها في مناطق سيطرتها إلى انطلاق تهجير جديد بين المدن والقرى في الشمال، فوصل إلى بلدات معرة النعمان والدانا حوالي 50 ألف نازح هاربين من الاقتتال في مدن الشمال وأقاموا في مخيم جسر الشغور (23).

النزوح خارج البلاد

اتضح منذ الأيام الأولى للأزمة أن المعاناة ستستمر طويلاً، فكان التفكير بالخروج من البلاد بأي شكل منتشراً لدى غالبية السوريين وخصوصاً مع تردي الوضع الاقتصادي والخدمي والأمني والتجاهل الرسمي للمآسي الحاصلة وانحصار الرعاية بالمجتمع الأهلي الذي قدّم أقصى طاقاته لنجدة النازحين.

في كانون الثاني/يناير 2012، تهجّر ما يقرب من نصف مليون إنسان من مناطق مختلفة أهمها حمص وإدلب وريف دمشق، وغالبية هذه المناطق جوار الحدود الدولية. استخدموا طرقاً مختلفة لدخول تلك البلدان بعضها قانوني، وأغلبها استخدم منظومات التهريب القديمة المتوافرة بين هذه البلدان وسوريا. قطع بعضهم عشرات الكيلومترات سيراً على الاقدام هرباً من القصف والموت والطيران. يقول الشاب “أحمد قصير” من سكان القصير ويعيش حالياً في لبنان أنه “بعد سقوط القصير وبدء عمليات الاعتقال مشيت إلى النبك، ومنها إلى يبرود، ومن هناك عبر الجبال إلى لبنان في رحلة استمرت أسبوعاً تقريباً”.

في مطلع عام 2014، كان نصف أحياء حمص (وتلقب دريسدن سوريا) قد ترمّد، وفرّ جزء كبير من الأهالي من مناطق المعارك المحتدمة في أحياء بابا عمرو والخالدية والقصور وجورة الشياح وغيرها، التي تحولت ركاماً هائلاً، إلى ريف حمص الذي شهد هو الآخر معاركاً لم تتوقف لشهور. فكان الاندفاع الجماعي عبر وادي خالد القريب إلى مناطق الشمال والبقاع، حيث ظهرت أكبر تجمعات اللاجئين السوريين هناك بحوالي 250 ألف. في الوقت نفسه، اتجه عشرات الآلاف من مناطق القلمون إلى لبنان ـ خيارهم الوحيد ـ ليعيش جزء منهم لليوم في مخيمات جبلية مجاورة للحدود عرسال منها، وسط ظروف كارثية. وحتى 2019 كان هناك قرابة مليون سوري في لبنان أكثر من نصفهم من اللاجئين حديثاً إليه (24).

لم يكن ساكنو المناطق القريبة من الحدود، ممن تربطهم علاقات عشائرية أو قرابات مع الجيران، وحدهم من اجتازها، فقد اتجه باكراً قسم كبير من سكان دوما وداريا ودرعا المدينة، المغضوب عليهم كثيراً، بسبب المعارك المحتدمة أو الاعتقالات الممكنة على الحواجز المنتشرة على الطرقات 9 حواجز بين السويداء ودمشق، إلى داخل الأردن، وبلغ عددهم عام 2012 حوالي 320 ألفاً. أما من مُنع من دخول الأردن بعد 2013 فعلق في مخيم الزعتري الذي يضم الأن فوق 150 ألفاً (25)، ليكون الإجمالي اليوم 625 ألف انسان يعيش جزء منهم في عدة مخيمات هناك(26)، إضافة إلى آلاف يعيشون في مخيم الركبان الحدودي الذي يتعرض اليوم للمناكفات السياسية بين حصار ومنع دخول المواد الغذائية إليه من قبل النظام، والأردن وروسيا والولايات المتحدة، لقربه من منطقة التنف (جنوب شرق البلاد) حيث تتموضع قوات عسكرية أميركية (27).

يذكر الإعلامي “عهد مراد” أن جزءاً قليلاً من أهالي منطقته، السويداء، تهجّر إثر الأزمة، و”بسبب استدعاء الشباب إلى الجيش والخدمة الاحتياطية، فقد زاد معدل انتقالهم إلى أربيل ولبنان وأمريكا، في حين أن تهجير أهالي درعا وجّههم إلى الأردن بحكم عوامل القرب الجغرافي والقرابات العشائرية”، مضيفاً: “لجزء من الواصلين إلى الأردن، خاصة سكان المدن، علاقات عمل، أما سكان الريف فبسبب ضيق سوق العمل الأردني بالأصل وقوانينه التي تمنع عمل السوريين، فإن جزءاُ بقي في المخيمات يحيا على المساعدات، وجزء آخر سكن المناطق العشوائية في المدن الأردنية، وأكثرية الشباب اعتبر الأردن ـ كما لبنان ـ محطة عبور باتجاه تركيا ثم أوروبا”.

شمالاً، استقبلت تركيا عدداً كبيراً من اللاجئين القادمين من مناطق الحدود القريبة منها هرباً من المعارك المحتدمة هناك بين قوات النظام وتنظيم داعش من جهة، ومن ثم صراعات فصائل المعارضة مع بعضها بعضاً. وحتى عام 2018 وصل عدد هؤلاء إلى 3.2 مليون انسان توزعوا على عدد من المخيمات أطمه، أنطاليا، أضنة وغازي عينتاب، ونسبة قاطني المخيمات 10 في المئة من إجمالي السوريين (28). وهناك انتشار كبير في مختلف المناطق التركية الأخرى. وهناك تقديرات تشير إلى وجود نصف مليون سوري في مصر، هم من طبقات ميسورة تركوا أثراً كبيراً على دعم الاقتصاد المصري أقاموا معاملاً للنسيج والأغذية وصناعات خدمية أخرى في عدة مناطق.

مسارات التهجير إجبارية

لم تكن خيارات النازحين بعد خروجهم من مدنهم كثيرةً، فتوجههم نحو مناطق النظام يواجهه الاعتقال أو التجنيد للشريحة الأكبر الشباب في ظل رفض قسم كبير من جميع المناطق المشاركة في الحرب. لذلك كان خيارهم مناطق المعارضة شمالاً وجنوباً، ومن ثم التفكير بالخروج من البلاد. في حالات كثيرة، خاصةً بعد التدخل الإيراني في المقتلة السورية، تم توجيه اللاجئين لمناطق محددة أو منع دخولهم هذه المنطقة أو تلك، ويرتبط ذلك بالموقف السياسي للنظام من سكان هذه المدن والبلدات. فمدن التظاهرات دُفع نازحوها أو اختاروا ما أمكن الى مناطق المعارضة شمالاً أو اتجهوا خارج البلاد.

http://assafirarabi.com/wp-content/uploads/2019/04/ararhebert2018-AsA-AR.jpg

المصدر: السفير العربي ـ مخطط تقريبي لمسارات التهجير مع المخيمات

ففي دمشق وريفها، عانى نازحو مناطق داريا ودوما والنشابية ومسرابا والزبداني وغيرها من دخول العاصمة باعتبار نظرة النظام إليهم هي أنهم ضد “الدولة”، فكان خيارهم التوجه جماعياً جنوباً إلى درعا أو إلى لبنان، أو العيش ضمن مخيمات مؤقتة أو مراكز إيواء تحت رقابة النظام المشددة (29). يذكر السيد أبو عدنان، من سكان مسرابا أنه حاول الدخول مع عائلته إلى مدينة دمشق بعد بدء المعارك مع المعارضة المسلحة عام 2014 إلا أن رغبته ووجهت بالرفض من قبل القوات الحكومية المحاصِرة للبلدة، فما كان منه إلا أن خرج إلى اللاذقية بعد وساطات(30).

وعلى خلافهم، كما يشير الباحث راتب شعبو في حديث مع السفير العربي، فإن “الحلبيين كان مرحباً بهم في مناطق الساحل الموالية باعتبارهم مع الدولة. فقد بقيت المدينة أكثر من عامين بعد اشتعال المظاهرات في البلاد هادئة نسبياً، خلافاً لإدلب”. وقد وجه النظام الأهالي الموالين إلى حماة غداة سقوط إدلب صيف 2013، ومنعوا من دخول أي منطقة ساحلية (31).

وفي حركة نزوح جماعية، خرج سكان الرقة شمالاً باعتباره الطريق الوحيد الآمن والمتاح. يشير الصحافي السوري خليل هملو من الرقة، إلى “أن الأهالي اتخذوا طريقهم إلى منبج عن طريق مسكنة التي تبعد 100 كم عن الرقة ثم جرابلس فإعزاز في ريف حلب المجاور، ومنها إلى عفرين شمالاً، التي تضخم عدد سكانها في تلك الآونة قرابة نصف مليون إنسان (32)، متحولةً إلى محطة انطلاق نحو مناطق حلب الأمنة ودمشق والساحل لمن يرغب بالذهاب إلى مناطق الحكومة، أما من رغب بالتوجه إلى تركيا فقد كان عليه تجاوز الحدود فقط”.

لعبت الجغرافيا دوراً في توجيه سكان الرقة شمالاً، بغياب قوات النظام عن مخارجها الرئيسية. فالطريق الغربي حتى سلَمية قرب حماة ـ ومعظم سكان قراه من البدو ممن انضموا إلى القوى الإسلامية المسلحة ـ كان خطراً جداً ومعرضاً لقصف جوي دائم، إضافة إلى تربص حاجز سلمية -الذي أقامته ميلشيا “الدفاع الوطني” التابعة للنظام -بالنازحين حيث تعرض مئات منهم لخطف وضرب مقابل فديات مالية، أو للموت، أما الاتجاه شرقاً فقد كان صعباً بعد ظهور تنظيم داعش على الخارطة السورية.

السلطات العراقية منعت اللاجئين السوريين من الدخول إليها، فكان اتجاه نازحي دير الزور الأساسي إلى الرقة وحلب، بعد أن مُنعوا أيضاً من دخول الحسكة من قبل قوات سوريا الديمقراطية إلا بموجب كفيل “كُردي”. جزء منهم يقدر بحوالي 200 ألفاً ما يزال عالقاً في تسع مخيمات تشرف عليها “قسد” نفسها (33)، ويمنع فيها خروج النازحين إلى أي منطقة بعد مصادرة أوراقهم الشخصية (34).

شرائح المهجّرين: تركيا نموذجاً

تم اختيار تركيا نظراً لعدد اللاجئين الكبير الواصلين إليها حيث وصل 3.2 مليون إنسان نهاية 2018 ولكونها دولة غير غربية في نموذجها الاجتماعي وهي من العوامل الهامة في استقطاب اللاجئين، كما باتت محطة للراغبين بالهجرة إلى أوروبا من السوريين وعدد هؤلاء المسجلين لدى الأمم المتحدة 1.5 مليون إنسان تقريباً (35).

توزعت نسب الواصلين إلى تركيا وفق الشكل التالي: 93 في المئة منهم من مناطق حلب وريفها، ثم إدلب والرقة واللاذقية وحمص. وتكاد تنعدم نسبة الواصلين من دمشق وريفها ومناطق الجنوب عموماً أقل من 3 في المئة.

http://assafirarabi.com/wp-content/uploads/2019/04/%D9%85%D9%86%D8%B4%D8%A3-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%A6%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7.jpg

المصدر: https://www.researchgate.net/publication/311924314

وتشير نسب التعليم أن 48.2 في المئة من الشباب المهاجرين حاصلين على الشهادة الثانوية فما فوق ذكوراً وإناثاً، وإجمالاً فإن نسبة الحاصلين على شهادة التعليم الأساسي قرابة 80 في المئة (الجدول رقم 1).

http://assafirarabi.com/wp-content/uploads/2019/04/T1-1.jpg

المصدر: The Migration of Fear An Analysis of Migration Choices of Syrian Refugees

• توجهات اللاجئين

يوضح الجدول التالي ترتيب عوامل الهجرة إلى تركيا، وهو مأخوذ من استبيان أجرته AFAD (The Disaster and Emergency Management Presidency of Turkey) على مدى سنوات للواصلين إلى تركيا.

http://assafirarabi.com/wp-content/uploads/2019/04/T1.jpg

• العوامل السياسية

يوضح الجدول السابق أسباب الهجرة السورية خارج البلاد، فالشباب كانوا أكثر عرضة للموت أو الملاحقة أو المضايقات أو قضوا بعشرات الآلاف على جبهات المعارك، 30 في المئة من شباب طرطوس وقعوا ضحايا الحرب حتى عام 2018 (36)، ولم يكن أمامهم إلا الخروج من البلاد متى سنحت الفرصة.

ضمت الشريحة العمرية الأكبر من الواصلين إلى تركيا، من هم دون سن الأربعين، من ذكور جامعيين مطلوبين للاحتياط أو الجيش أو ناشطين معارضين، أو من مستغلي فرصة اللجوء، ومن إناث جزء منهن من الجامعيات أيضاً بنسبة إجمالية 67.7 في المئة وفق الجدول السابق، مفضلين البقاء في تركيا لحين اتضاح الوضع النهائي في البلاد أو لتوفير فرص أكبر للوصول إلى أوروبا.

يقول الشاب “عبد الله الأحمد” من إذاعة الرقة FM، 25 عاماً ومقيم حالياً في عينتاب: “لم يتركوا لنا أي خيار إلا الخروج من البلد، فأي ناشط معارض مصيره الموت في سجون النظام، سواء حمل السلاح أم لم يفعل، استشهد أخي تحت التعذيب في أحد الفروع الأمنية في الرقة بدايات الثورة، ارتبط مصيري الشخصي به بشكل كبير، ولم يجد أهلي ولا أنا سبيلاً سوى الخروج من الرقة إلى تركيا، حيث استمريت بعملي هنا”.

يلاحظ في الجدول السابق انخفاض نسبة العوامل السياسية بين الموجتين بنسبة ضئيلة مقابل ارتفاع في نسبة العوامل الاقتصادية والأمان والصحة، وهذا مرتبط بمجريات الحرب وتصاعدها، فقد شهد العام 2014 شمولاً كبيراً للمعارك لمختلف أنحاء سوريا.

• الأمان

ارتفعت نسبة الباحثين عن الأمان في ظل الوضع المرعب لمجريات الحرب أسلحة فتاكة وكيمياوي وبراميل وقذائف. وفي حين أن كبار السن الذين قضوا حياتهم في ظل النظام، فضلوا البقاء في البلاد لحماية بقية عوائلهم من نساء وأطفال، فقد دفعوا أولادهم الشاب ذكوراً وإناثاً للخروج من البلاد فباعوا ما أمكنهم من عقارات وأملاك لتأمين خروجهم.

فمثلاً، اتجه جزء كبير من أهالي الرقة العاملين بالزراعة وتربية الأغنام أو في وظائف الدولة والخدمات، أو من كبار السن، خاصة المستفيدين من الإصلاح الزراعي ممن ينظرون إلى “الدولة” على أن لها “فضلاً” عليهم، إلى مناطق سيطرة النظام في اللاذقية التي تحوي اليوم حياً اسمه حي “الرقّاوية” نسبة الى الرقة، يقول موظف من مديرية تربية الرقة مقيم فيه: “قضيت خمساً وعشرين عاماً تقريباً في الوظيفة، لا يمكنني تركها، مصدر رزقي الوحيد راتب الدولة”، جزء آخر اتجه إلى الداخل حيث يتوفر عدد من الأقرباء من أبناء العشيرة نفسها.

• العوامل الاقتصادية

هجرات أخرى تجاوزت دول الجوار وصولاً إلى مصر جزئها الأكبر من الموجات الأولى بتعداد يقترب من نصف مليون إنسان، وغالباً هم من أصحاب رأس المال، أقاموا مشاريعهم هناك خاصة في قطاع النسيج، وافتتح بعضهم الآخر مطاعماً ساهمت كلها في إنعاش جزئي للاقتصاد المصري. وبالمثل في لبنان، أدى هرب جزء من الرأسمال الوطني السوري إلى مساهمة مقبولة في الاقتصاد اللبناني كبديل عن المستثمر الخليجي (37)، كذلك ساهمت الهجرات الكُردية من شمال سوريا إلى إقليم كُردستان العراق حيث يعيش هناك 225 ألف سوري أكثر من 90 في المئة منهم كُرد في العجلة الاقتصادية للإقليم (38).

إلى أين المصير؟

في سياق تموضعات الهجرة السورية لعبت عوامل كثيرة دورها في اتخاذ قرار التحرك، ولا شك أن العامل الطائفي يحضر بدرجات كبيرة فأكثر من 95 % من نازحي سورية هم سنة، ومع وجود عوامل سياسية وعسكرية وإعلامية (خاصة بعد ظهور تنظيم داعش) تشجعوا على الهجرة من “دار الكفر” إلى دار “الإسلام” كما في تركيا الإخوانية دون تجاهل عوامل الحرب نفسها من قصف وتدمير وبراميل وغيرها.

يلي المسيحيون السنةً في الهجرة إلى درجة انخفضت نسبتهم أقل من 4 في المئة من نسبة إجمالي السكان بعد أن كانت 12 في المئة (39)، فهناك اليوم قرى مسيحية كاملة في ريف حمص (وادي النصارى) لا يوجد فيها سوى العجائز رغم عدم تعرضها لأعمال حربية. فيما كانت هجرات العلويين والإسماعيليين والدروز بدرجة أقل نظراً لارتباط هذه الأقليات القسري والطوعي بمنظومة النظام الأمنية والحربية أو عدم تعرض مناطقهم لعمليات عسكرية واسعة بسبب رعاية النظام والروس والإيرانيين لها كمناطق حماية، إضافة إلى عوامل أخرى.

إلى اليوم قد يستمر مسلسل التهجير في حال لم تدخل مناطق إدلب وشرق الفرات في عملية حل سلمية، فعدد السكان المقدر في المنطقتين من سكان ونازحين يزيد على 6 ملايين، دون نسيان عشرات آلاف الناس ممن يقطنون مخيمات اللجوء في دول الجوار والداخل، وبالتالي ستبقى قضية النازحين محلاً للاستثمار السياسي والاقتصادي من قبل الجميع وسيبقى جانبها الإنساني غائباً ومغيباً وعرضة لمآسي إضافية في غياب عقد وطني سوري جامع ينهي هذه المأساة بكامل أركانها.

____________

هوامش ومراجع

____________

1. http://www.3rpsyriacrisis.org و https://www.unhcr.org/ar/news/latest/2015/7/559e1dde6.html

2. https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2015/09/syrias-refugee-crisis-in-numbers

3. انظر صفاء خلف “العراق موسم الهجرة الى الكارثة” – أربع نصوص في دفتر “بلا مياه، العراق يموت” – السفير العربي

4. التكوين التاريخي والاقتصادي لمنطقة الجزيرة، محمد جمال باروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2014، ط2، ص 357

5. المكتب المركزي للإحصاء. المسح السكاني للعام 2014 آخر عام تم فيه إجراء إحصاء سكاني واجتماعي في سوريا.

6. المكتب المركزي للإحصاء نشرة سورية والمحافظات في أرقام 2012.

7. المصدر السابق نفسه.

8. المكتب المركزي للإحصاء، 2014.

9. عن مجموعة الاستجابة الدولية الثلاثية، طبعة، 2016

10. المصدر السابق.

11. المصدر السابق.

12. مجموعة الاستجابة الدولية، إصدار 2014.

13. خريطة المناطق المحاصرة في سوريا

14. الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تقرير صادر عام 2014

15. http://www.bbc.com/arabic/media-46193065

16. تقرير مجموعة الاستجابة الدولية لعام 2016. وتقرير المركز السوري لأبحاث السياسات. وتختلف التقديرات بين هذه الجهة أو تلك.

17. https://www.alaraby.co.uk/politics/2015/10/29

18. قدرت روسيا عدد الطلعات الجوية بين آب 2015 ونهاية العام 2017 بأكثر من بـ 30650 طلعة جوية لقواتها عدا طلعات القوات الحكومية. فيما قدرت قوات التحالف الدولي عدد طلعاتها بقرابة 32500 طلعة قصفت الرقة ودير الزور والحسكة والبادية. ينظر https://arabic.rt.com/middle_east/901758

19. https://www.acu-sy.org/wp-content/uploads/2018/05/Forced-Displacement-from-the-Eastern-Ghota-Ar.pdf

20. https://www.stj-sy.com/uploads/pdf_files/8A_0.pdf

21. https://www.hrw.org/ar/news/2018/08/01/320921

22. https://www.hrw.org/world-report/2014/country-chapters/syria

23. https://www.acu-sy.org/wp-content/uploads/2018/01….A_080117.pdf

24. https://al-akhbar.com/Politics/255028

25. مخيم الزعتري

26. https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2019/01/05/syrian-refugees-jordan-return

27. مخيم الركبان يعاني من كارثة إنسانية https://www.youm7.com/story/2018/10/17

28. https://www.researchgate.net/publication/311924314

29. جريدة الأيام الدمشقية العدد 68.

30. شهادة مسجلة في السفير العربي

31. شهادة محلية.

32. https://www.enabbaladi.net/archives/200860

33. https://www.stj-sy.com/ar/view/362

34. https://www.hrw.org/ar/news/2018/08/01/320921

35. الأمم المتحدة

36. http://www.syriainside.com/articles/146

37. انظر تقرير قناة الجزيرة: كيف ساهم السوريون في دفع اقتصاديات دول الجوار؟ ميدان الجزيرة 16/2/2019

38. نشرة الهجرة القسرية، العدد 57، شباط 2018.

39. تاريخ سوريا المعاصر حتى صيف 2011، كمال أبو ديب، دار النهار، صفحات متعددة.

_____________

“شبكة المواقع الإعلامية المستقلة ” هي إطار تعاون إقليمي تشارك فيه “السفير العربي”، “الجمهورية”، “مدى مصر”، “مغرب امريجان”، “ماشا الله نيوز”، “نواة”، “حبر” و”أوريان XXI”.

السفير العربي

المنفى الأكبر/ مصعب النميري

تعاني سارة.ز في كافة تفاصيل حياتها اليومية في تركيا. أصيبت حياتها بالشلل فعلياً بعد أن قررت موظفة دائرة الهجرة تمزيق بطاقة الحماية المؤقتة (الكيملك) التي تحملها، بحجة أنها ذهبت إلى سوريا في 2015، وذلك رغم ذهابها وعودتها بإذن من الوالي حينها. منذ ذلك الحين تمشي سارة بقلق في الشارع وهي تمسك يد ابنتها البالغة من العمر 5 سنوات، خوفاً من تدقيق الشرطة. لا تستطيع تعديل وضعها القانوني بسبب انغلاق كافة الأبواب في وجهها. أدى فقدانها الكيملك إلى خسارتها عملَها ودراستَها، وجعْل المستقبل أمام عينيها في غاية الغموض.

أما علي دياب فيتحاشى المرور قرب حواجز الشرطة، ذلك أنه يحمل بطاقة كيملك من عنتاب، ويقيم في اسطنبول بموجب عمله كطبيب أسنان. لم يستطع نقل قيوده إلى حيث يقيم، فبعد أن كان الموضوع روتينياً في السابق أصبح أصعب بعد ذلك. الآن يتطلب اجراء أية معاملة الذهاب إلى عنتاب التي تقع على بعد 1500 كم، دون أن يتمكن من العودة إلى حيث يقيم، بسبب صعوبة الحصول على إذن سفر، فضلاً عن أن إذن السفر هذا مؤقت ويدوم 15 يوماً على أبعد تقدير.

من جهته، جرّب نور كافة الوسائل لاستصدار كيملك من اسطنبول دون جدوى. واضطر في بعض الأحيان إلى اللجوء للسماسرة الذين أشاروا إلى إمكانية استخراج كيملك من بورصة مقابل دفع مبلغ مالي لا يستطيع تأمينه، قائلين إنه مضطر للقدوم كل أسبوع لتوقيعه من بورصة وإثبات وجوده، رغم أنه بورصة تبعد عشرات الكيلومترات من حيث يقيم، وستكلّفه هذه الرحلة الدورية وقتاً طويلاً يمنعه من الحصول على عمل، ذلك أنه يعمل لحوالي 12 ساعة يومياً، ويتقاضى ما لا يستطيع إنفاق جزء كبير منه على 4 رحلات في الشهر إلى بورصة.

هذه نماذج مختلفة لسوريين، من بين مئات الآلاف، يعيشون في ظروف مقلقة في تركيا، بسبب صعوبة الحصول على وثائق قانونية تُشَرعِن إقاماتهم. وهذه مادة تحاول الإحاطة بأشكال الإقامات القانونية التي يستطيع بموجبها السوري البقاء في تركيا، وتسلّط – قدر المستطاع – الضوء على إيجابيات وسلبيات كل منها.

لمحة عامة

اضطر ملايين السوريين إلى الخروج من سوريا خلال الأعوام الماضية واختيار بلدان بديلة للعيش فيها وبناء حياتهم من جديد. كثيرون عبروا البحار واجتازوا الأسلاك الشائكة، ومشَوا طويلاً في الغابات للوصول إلى وِجهتهم الأوروبية الأخيرة. كثيرون أيضاً قضَوا على الطرقات، برصاص القناصة أو غرقاً في البحار، أملاً بالعيش في مكان لا يهدّد حياتهم بشكل مباشر، ويؤمّن لأطفالهم مستقبلاً خالياً من المعسكرات والبراميل والقتل تحت التعذيب والاختفاء القسري.

العدد الأكبر من السوريين، أي ما يقارب 3.5 مليون سوري، انتهى بهم المطاف في تركيا، حيث يعيشون اليوم، بعد أن أُغلقت الحدود في وجه القادمين والخارجين، وأُقفلت منافذ التهريب، إثر زخم في الحركة شهدته هذه المنافذ في حتى عام 2015.

إغلاق الحدود والتشديد على منافذ التهريب جاء بموجب اتفاق أوروبي-تركي عام 2015، يقضي بوقف عبور اللاجئين من تركيا إلى دول الاتحاد الأوروبي، واستقبال تركيا كل لاجئ وصل منذ 20 آذار 2016 إلى اليونان، مقابل التزام الاتحاد الأروربي باستقبال لاجئ سوري شرعي بدلاً عن كل لاجئ يتم إعادته إلى تركيا وتمويل مساعدات للاجئين الذين يعيشون في تركيا.

وكان هذا الاتفاق إشارة للسوريين في تركيا، عَزَف معظمهم بعدها عن التفكير في السفر إلى أوروبا، حيث أصبحت المسألة معقدة، وازداد التشديد على الطرقات، وبدأت البلدان الأوروبية تواجه أزمات سياسية واضحة مِحوَرُها ملفُّ اللاجئين، الذين أصبحوا ورقة ضغط تستخدمها التيارات المتفرقة، ما ضيّق الهامش الذي تناور فيه التيارات المرحّبة باستقبالهم.

في تركيا، قد لا يكون الوضع مثالياً لملايين السوريين، حيث يخاف معظمهم من غموض المستقبل، وعدم وجود قوانين واضحة ومُلزِمة بشأن استقرارهم وحصولهم على الجنسية، كتلك التي تقدمها البلدان الأوروبية. وتهدد تركيا بين الحين والآخر بإلغاء اتفاقية وقف عبور اللاجئين، ودفع «آلاف اللاجئين إلى أوروبا» بعد كل خلاف مع دول الاتحاد، فيما تستخدم الأحزاب التركية المعارضة أيضاً هؤلاء اللاجئين، وتَزُجّهم في المعارك السياسية، داعيةً إلى إعادتهم لبلادهم، ما انعكس بشكل واضح على الشارع التركي، الذي بدأت أصوات المتذمرين فيه تعلو، دافعة السوريين للسعي حثيثاً لإيجاد صيغ قانونية لإقامتهم تُبعد عنهم كوابيس العودة إلى «حضن الوطن» الذي تسوده الفوضى وتحكمه الميليشيات، وتتقاسم خريطته الدول، ويسير بأهله إلى المجهول.

الكيملك.. خدمات مجانية وحركة محدود

تحمل الغالبية العظمى من السوريين الموجودين في تركيا بطاقة الحماية المؤقتة (الكيملك) التي تقدمها الدولة التركية، وتضمن من خلالها تقديم خدمات معينة، كالطبابة المجانية والتعليم وتسيير الأمور الإدارية. لكن حاملي هذه البطاقة لا يضمنون الحصول على الجنسية التركية مع الأيام، مهما طالت المدة التي قضَوها، ولا يستطيعون التنقل بموجبها بين المدن التركية إلا بموجب إذن سفر من دائرة الهجرة في المدينة التي يعيشون فيها، وذلك شرط تقديم أسباب مقنعة لذلك. كما لا يستطيعون تبديلها إلى إقامات من نوع آخر إلا بعد مغادرة البلد والعودة إليه، وهذه العودة ليست مضمونة بسبب حاجتهم لتأشيرة لا تمنحها بسهولة السفارات التركية. أي إن هذه البطاقة تقدّم بعض الخدمات، ولكن حامليها مقيّدو الحركة داخل تركيا، ويعيشون تحت رحمة تغيّر القوانين والأمزجة.

بدأت تركيا بإصدار الكيملك من مراكز الشرطة، ثم اقتصر إصدارُها بعد ذلك على مديريات الهجرة في المدن التي يتواجد فيها السوريون. ولكن بعد الاتفاق التركي-الأوروبي وتعقّد المشهد السياسي والعسكري في الشمال، بدأت السلطات التركية بوقف إصدار هذه البطاقة في عدة مدن، أهمها اسطنبول وعنتاب ومدن أخرى يتواجد فيها السوريون بكثرة، ما أغلق الباب في وجه مئات الآلاف ممن لم يستصدروا هذه البطاقة في السابق، وأزال الغطاء القانوني عن وجودهم في تركيا، ووضعهم أمام شبح الترحيل القسري إلى سوريا، وعزّز مخاوفهم من الحواجز ودوريات الشرطة، التي تدقّق على الوثائق بكثافة خلال الفترة الأخيرة.

تزامناً مع ذلك، فرضت دوائر الهجرة على جميع السوريين حاملي هذه البطاقة تحديثَ بياناتهم في دوائر الهجرة في المدن التي يعيشون فيها. هذا التحديث يتضمن ذكر عنوان السكن والمهنة وتفاصيل أخرى، وقد يُسأل اللاجئ عن رأيه في التيارات السياسية في بلده، والمناطق التي يراها آمنة في سوريا.

وأفادت شناي أوزدن، الناشطة في مجال حقوق اللاجئين، بأن السوريين المقيمين في الولايات التي توقفت عن عن إعطائهم الكيملك «يشعرون أن الأبواب تُغلق في وجوههم، وبعضهم يلجأ إلى مدن أخرى لاستصدار كيملك، ويعود إلى المدينة التي يقيم فيها، وفي هذه الحال فإن الشرطة إذا أوقفته تُعيده إلى المدينة التي صدر منها الكيملك، ما يعني أن حياته تتعطل كلياً نتيجة ذلك». وأضافت أن هذه الإجراءات الضاغطة، والتي تحرم الآلاف من الحلول القانونية لأوضاعهم، تشجع البعض إلى اللجوء للسوق السوداء بهدف إيجاد بدائل عن طريق دفع الأموال والرشاوي.

إذن السفر.. طوابير في الانتظار

يحتاج أي سوري يحمل بطاقة الحماية المؤقتة في تركيا إلى مراجعة دائرة الهجرة في مدينته للحصول على إذن سفر لوجهته المطلوبة. ويطلب موظفو الهجرة إثباتاً من السوريين يبرّر حاجتهم للسفر، كإجراء مقابلات في السفارات، أو حضور مؤتمرات، أو العمل أو العلاج. أي إن الإذن يُعطى لمن يحتاج، ولمن يقدم دليلاً على حاجته للسفر، ويزداد التدقيق على القادمين من مدن الجنوب التركي إلى اسطنبول. قد لا تكون الرغبة في السياحة سبباً كافياً للحصول على إذن السفر مثلاً، ولكن ليس هناك قاعدة ثابتة وعلى المرء أن يجرّب.

إذْن السفر هذا يصلُح لمدة 15 يوماً، ولا يستطيع السوري الحصول على أكثر من إذن سفر في الشهر الواحد، لذلك على الراغبين بالسفر مراجعة دوائر الهجرة للحصول على إذن قبل موعد السفر بيوم أو يومين لا أكثر، لعدم إضاعة أيام الإذن بطلبه قبل عدة أيام من موعد السفر.

الإقامة السياحية.. حركة أسهل في الداخل والخارج

تُعطى الإقامة السياحية في تركيا للأجانب القادمين إليها، شريطةَ أن يتقدموا للحصول عليها خلال فترة 3 أشهر من دخولهم إلى الأراضي التركية. إذا اجتاز الأجنبي هذه الفترة فعليه الخروج والدخول مرة أخرى للتقديم عليها. وحصل آلاف السوريين على هذه الإقامة فور وصولهم إلى تركيا. وكان بإمكان السوري إذا تجاوز فترة 3 شهور دون استصدار هذه الإقامة الخروج والعودة مجدداً إلى تركيا، وذلك قبل إغلاق الحدود وفرض تأشيرة على السوريين.

أغلب السوريين الحاصلين على الإقامة السياحية في تركيا خلال الأعوام الماضية كانوا من الطبقة المتوسطة، حيث يتطلب الحصول عليها وجود حساب بنك وعنوان سكن وتأمين صحي، وبتكلفة تصل إلى حوالي 200 دولار، وهو مبلغ قد لا يكون متوافراً لدى محدودي الدخل.

ورغم ازدياد صعوبة الحصول عليها، يحاول كثيرون ممن يحملون بطاقة الحماية المؤقتة (الكيملك) الآن إلغاءها والحصول على إقامة سياحية، لكي يتمكنوا من التحرك أكثر داخل وخارج تركيا.

ولكن رغم مزايا هذه الإقامة، هناك مشكلة قد يواجهها السوري الذي يحملها، قد تؤدي إلى فقدانها وبقائه دون إقامة إطلاقاً. المشكلة هذه واجهها عدة أشخاص، وهي أن الإقامة السياحية تُعطى للشخص بحسب مدة صلاحية جواز سفره. فإذا كان جواز السفر صالحاً لشهرين تُعطى الإقامة لشهرين. وبالتالي يجب على حامل هذه الإقامة أن يحرص بشدة على أن يكون جوازه سارياً، وأن ينتهي من تجديده قبل موعد تجديد الإقامة. فإذا تأخر تجديد الجواز في القنصلية السورية وانتهت الإقامة قبل إتمام إجراءات تجديده، فإن حامل الإقامة قد يفقدها ببساطة، وقد يبقى دون صيغة قانونية. لذلك يتوجب على حامل هذه الإقامة البدء بإجراءات تجديد الجواز دائماً في وقت مبكر، ربما قبل 6 أشهر من انتهائه، حرصاً على تلافي الوقوع في هذه المشكلة.

تحويل الكيملك إلى إقامة سياحية.. ضربة حظ

وفقاً للقانون التركي، لا يستطيع حاملو الكيملك (الذين تجاوز معظمهم مدة 3 شهور منذ دخولهم إلى تركيا) استصدار إقامة سياحية إلا بعد الخروج من تركيا والدخول مجدداً، وتقديم طلب الإقامة خلال 3 أشهر من دخولهم. الخروج من تركيا قد يكون سهلاً بعد إبطال الكيملك، لكن العودة قد لا تكون مضمونة، لأنها مشروطة بالحصول على تأشيرة زيارة من سفارات تركيا في الخارج، وهذه التأشيرة لا تُعطى بسهولة في غالب الأحيان.

وأفاد حسام أورفلي، مؤسس شركة أورفلي للاستشارات القانونية، في حديث للجمهورية، أن السائد هو عدم استطاعة حاملي بطاقة الكيملك على تحويلها إلى إقامة سياحية. ولكنه قال إن هناك عدة حالات حصلت مؤخراً تمكن فيها حاملو بطاقة الحماية المؤقتة من تبديلها إلى إقامة سياحية. ليس هناك قانون واضح وحاسم بخصوص ذلك، يضيف أورفلي.

إقامة العمل.. إذن العمل

أوضح أورفلي أن إقامة العمل تعطى للأجنبي المقيم على الأراضي التركية، شريطةَ أن يكون حاملاً للإقامة السياحية. يجب على طالب هذه الإقامة العمل في شركة مرخصة في تركيا، ودفع ضرائب شهرية، مقابل مزايا يحصل عليها، كالتأمين الصحي وإمكانية التنقل بحرية، إضافة إلى إمكانية الحصول على الجنسية التركية بعد مرور خمس سنوات من استصدارها، في حال استطاع اجتياز المراحل السبع في إجراءات الحصول على الجنسية.

«إذن العمل لا يختلف كثيراً عن إقامة العمل»، بحسب أورفلي، إذ إنه يُعطى للسوريين حاملي بطاقة الحماية المؤقتة والذين يعملون في شركات مرخصة في تركيا. يمكن لحامل إذن العمل التنقل داخل الأراضي التركية فقط (دون الخروج من تركيا والعودة إليها)، وقد يرشح حامله السوري للحصول على الجنسية، بعد مرور 5 سنوات على استصداره.

إقامة الطالب

عدا عن إقامة العمل والإقامة السياحية، يفضّل كثيرون الحصول على إقامة الطالب، بعد التسجيل بإحدى الجامعات التركية، وهذه الإقامة تزيد من فرص الترشح للجنسية.

وقال أورفلي إن إقامة الطالب أصبحت اليوم بيد الجامعات، وهي المخولة بالتواصل مع إدارة الهجرة للموافقة على استصدار الإقامة. ويجب على الطالب أن يدرس بشكل رسمي في الجامعة حتى يتمكن من الحصول على الإقامة، وألا يكون ذلك إجراءً شكلياً فقط، حيث يظن كثيرون أن التسجيل الوهمي في أي جامعة يمكّن صاحبه من الحصول على إقامة الطالب، إلا أن ذلك ليس صحيحاً.

الجنسية الاستثنائية

الجنسية التركية في الأحوال العادية تُعطى ضمن شروط معينة، كوجود إقامة عمل سارية لمدة 5 سنوات، أو الزواج من مواطن/ة تركي/ة، أو للمستثمرين. هناك الجنسية الاستثنائية التي لها شروطها الخاصة أيضاً، والتي مُنحت لآلاف السوريين في الفترة الأخيرة.

بدأت تركيا بتقديم الجنسية الاستثنائية لآلاف السوريين، من خلال التركيز على أصحاب الشهادات ورجال الأعمال أو الطلاب. هذه العملية تبدأ عند تحديث بيانات الكيملك، فمن يقدم شهادته الجامعية أو إقامته الدراسية تزداد فرصته للترشح للجنسية.

ويتزاحم مئات السوريين على أبواب دوائر الهجرة يومياً للسؤال عمّا إذا كانت أسماؤهم مرشحة للجنسية. حيث تم ترشيح كثيرين رغم عدم وجود شهادة جامعية أو إقامة طالب. وتشير المصادر إلى أن أكثر من 60 ألف سوري حصلوا على الجنسية التركية، من أصل 3.5 مليون، فيما تستمر عملية الترشيح وتسعى الحكومة التركية لتجنيس ما يقارب 300 ألف، بحسب مسؤولين.

وتشمل إجراءات الحصول على الجنسية التركية المرور بسبع مراحل، تبدأ بتقديم الأوراق؛ مررواً بمرحلة التحرّي الأمني، وهي الأصعب، إذ ما زال الآلاف عالقين فيها، خصوصاً العاملين في المنظمات الأجنبية؛ وانتهاءً بالمراحل الروتينية اللاحقة.

تأشيرة الزيارة.. آمال السوريين برؤية ذويهم

بعد فرض التأشيرة على السوريين الراغبين في دخول الأراضي التركية من بلدان أخرى مطلع عام 2016، بدأت الأمور تصعُب وتتعقّد على السوريين المقيمين في تركيا وخارجها.

وتُعطى تأشيرة الزيارة من السفارات التركية في الخارج، في البلد التي يُقيم فيها صاحب الطلب. وأصبحت هذه التأشيرة بعد فرضها جداراً يحول بين أفراد العائلات السورية المقيمين في الخارج، الراغبين بزيارة أهلهم في تركيا، حيث رُفضت طلبات كثيرين ما زالوا يكررون محاولاتهم بهدف الحصول على تأشيرة.

وصعّبت هذه التأشيرة على السوريين المخالفين استصدار الإقامة السياحية بعد الخروج لبلد آخر والعودة إلى تركيا، حيث يفضّلون البقاء دون إقامة قانونية على المغامرة بالخروج والعودة غير المضمونة في الغالب. يضاف أن السوري يحتار فعلاً حتى لو كان بإمكانه الخروج والعودة دون تأشيرة، لأن البلدان التي كان يستطيع الدخول إليها قبل الآن لإجراء هذه الخطوة، كلبنان والسودان ومصر، أغلقت الأبواب في وجهه وفرضت هي الأخرى تأشيرات دخول.

السماسرة.. مئات الدولارات تختفي بلمح البصر

مع ازدياد تعقيد المعاملات التي يحتاج السوريون لإجرائها، يلجأ كثير منهم إلى الاستعانة بالسماسرة للحصول على استثناءات وتيسير المعاملات الصعبة، مقابل دفع مبالغ مالية طائلة قد تصل لآلاف الدولارات.

يخرج هؤلاء السماسرة حين يحتار السوري في أمر ما. يضع اسم المعاملة التي يريد على محرك البحث فيجد مئات الأسماء والأرقام، لأشخاص يدّعون القدرة على حل المشاكل: استصدار إقامات، حجز مواعيد، نقل بعربات خاصة بين المدن والولايات، تأمين الوثائق وتصديقها… قد تصل المبالغ التي يطلبها هؤلاء السماسرة أحياناً إلى ما قد يعادل متوسط دخل اللاجئ السوري لمدة عام كامل، كما أنهم يطلبون المبالغ بالدولار.

من يريد تجديد الجواز مثلاً، عليه أن يدفع مبلغ 300 دولار لأحد السماسرة حتى يتمكن حجز موعد فقط في السفارة، التي سيدفع فيها حوالي 300 إلى 500 دولار إضافية كرسوم لتجديد الجواز.

ورغم هذه المبالغ الكبيرة التي يحصّلها النظام السوري من تجديد الجوازات، والتي تعتبر مصدر دخل وتمويل لا يُستهان به بالنسبة له، إلا أن قليلاً من السوريين المعارضين يختارون الإحجام عن تجديد هذه الوثيقة والبقاء دونها، لأنها قد تكون ضرورية ومصيرية في حال قرّروا السفر إلى مكان ما.

ولم تقدم هيئات المعارضة السياسية بديلاً معترفاً به لهذا الجواز، بل على العكس، عوملت الجوازات التي جددها أصحابها عن طريق الائتلاف في السابق على أنها وثائق مزورة، الأمر الذي ضيّق الخناق على حامليها بدل المساهمة في حل مشاكلهم. معظم دول العالم تعترف بالجوازات الصادرة عن النظام ولا تعترف بتلك التي تصدرها المعارضة. السوري المعارض يجد نفسه في ورطة حقيقة هنا، وهو مضطر لمقايضة مصيره بمبادئه.

جواز السفر السوري فعلياً هو الأغلى في العالم من حيث رسوم التجديد، ورابع أسوأ جواز من حيث الدول التي يُسمح لحامله بالدخول إليها. يجدد السوريون – الذين يعمل معظمهم لساعات طويلة مقابل أجور منخفضة – جوازات سفرهم، خشية حصول طارئ في يوم ما واحتياجهم هذا الجواز. وهم يدفعون ما قد يساوي رواتبهم الصافية لشهور عدة، كل عامين، أملاً بالحصول على تأشيرة ما في يوم من الأيام إلى أي مكان. هي عملية شراء أمل قد تحمله الأيام بين طياتها، كـ«شراء السمك في الماء».

التشديد الأمني وشبح الترحيل

بدأت السلطات التركية بنشر حواجزها ودورياتها بشكل مكثف في شوارع المدن التركية، وخاصة في المناطق التي يتواجد فيها السوريون بكثرة، سائلةً المارّة والعابرين عن وثائقهم، ومتخذةً إجراءات بحق من لا يملك إقامة قانونية في تركيا.

ورصدت وسائل إعلامية حدوث عدة حالات ترحيل إلى الداخل السوري بحق عشرات السوريين الذين لا يملكون الكيملك أو أي إقامة أخرى في تركيا، مقابل احتجاز من يملك كيملك صادرة من مدينة غير التي يتواجد فيها ما لم يمتلك إذن سفر، وإعادته لاحقاً إلى المدينة التي صدرت منها الكيملك.

آلاف السوريين الذين لم يتمكنوا من استصدار الكيملك والداخلين عن طريق التهريب إلى تركيا يعيشون حالة من الخوف والقلق من احتمال ترحيلهم إذا أوقفتهم دوريات الشرطة.

إضافة إلى ذلك، حصلت عدة حوادث أمنية في المناطق التي يتواجد فيها السوريون، كمنطقة أسنيورت في اسطنبول ومناطق أخرى في أورفة وعنتاب، دارت فيها مواجهات بين سوريين وأتراك وانتهت بترحيل عشرات السوريين واعتقال مواطنين أتراك بتهمة «التحريض»، فيما قالت مصادر إن عدداً من السوريين تم ترحيلهم «بسبب ارتكاب مخالفات بسيطة».

وقالت شناي أوزدن إنه لا قرار رسمياً بترحيل السوريين، لكن تم رصد عدة حالات فردية من الترحيل لأشخاص لا يحملون وثائق ثبوتية، وهناك دائماً الحديث عن ما يسمى بـ«العودة الطوعية»، التي من الصعب تحديد مدى طوعيتها في جميع الحالات. ولا تتوقع أوزدن حدوث حالات ترحيل جماعية في المدى المنظور.

وتضيف أن حالات الترحيل عموماً مرتبطة بشكل وثيق بالسياسة الدولية والأوروبية حيال المهاجرين واللاجئين السوريين. لقد دعم الاتحاد الأوروبي المديرية العامة لإدارة الهجرة في تركيا في رفع معدلات إعادة اللاجئين أو المهاجرين «غير الشرعيين» بشكل «طوعي» إلى بلادهم ليصل إلى 3,500، وهذا الرقم لا ينحصر بالسوريين فقط، وإنما يشمل المهاجرين من كافة الجنسيات. لافتة إلى أن الترحيل هو عمل غير قانوني، وما لم يكن ثمة «سلام» في سوريا، لا أحد يستطيع ترحيل السوريين بشكل جماعي.

أعتقد أن تركيا تزيد من الضغوط على السوريين الموجودين على أراضيها حتى يقرروا هم بأنفسهم اتخاذ قرار العودة، تقول شناي، مضيفة أن تركيا «لا تزال تستلم مبالغ مالية من الاتحاد الأوروبي لدعم اللاجئين بحسب الاتفاق المبرم بين الطرفين، وهذا يعني أنها لن تتخذ إجراءات ترحيل جماعية في المدى القصير طالما أن هذه النقود تتدفق إليها. ما أتوقعه شخصياً على المدى الطويل أن السوريين في تركيا لن يظلوا على الحال ذاته مستقبلاً، أي ضمن نطاق الحماية المؤقتة، فهذا سيتغير لاحقاً. أظن أن مزيداً من السوريين سيحصلون على الجنسية، لكن لن يكون ذلك لأربعة ملايين سوري بطبيعة الحال».

تعقيب

لم يخرج ملايين السوريين من بلادهم للسياحة والاستمتاع بالمناظر الخلابة في البلدان التي وصلوا إليها مكدّمين. لقد تركوا خلفهم مدناً محطمة، وطائرات متعددة الجنسيات تهوي على حاراتهم بالقنابل الثقيلة، وشباناً يذهبون إلى المحرقة، وأطفالاً يهذون في المنامات، وأمهات ترفع رايات الحداد والدمع المُرّ، ومستقبلاً مرفوعاً على فوهات البنادق، وخرائط تتقاسمها الدول بالمدافع والميليشات بالسكاكين.

كل ما يفعله السوري اليوم في بلاد المهجر والمنفى يهدف إلى عدم العودة إلى بلاده. يحاول تأمين الأرض التي بإمكانه الوقوف عليها برسوخ. يسعى لتعليم أولاده وتأمين مستقبلهم. لقد رأى كثيراً من الأهوال ولا يريد لقمةً من فم أحد. خرج عُنوةً من حارته ومدينته باتفاقات دولية. ومن حقه أن يكون مواطناً حيث حلّ بماله وعياله مجبراً. لا يمكن لأحد أن يمُنّ عليه بما يعطيه، وهو على أية حال ليس جحوداً حتى لو كان يحصل على حقه.

تندرج هذه المادة ضمن الجمهورية الثالثة، ويتضمن العدد:

أوراق وامتحانات وانتظار لياسين السويحة؛ أنتَ طالق لسمر عبدالله؛ أوروبا القلقة لفلوريان بيبر (ترجمة يامن صابور)؛  أحلام منقلبة لضحى الشيخ حسن.

موقع الجمهورية

أحلام منقلبة/ ضحى الشيخ حسن

في جميع مراحل طفولتي، وإلى وقت قريب قبل الثورة، كانت تربطني علاقة استثنائية مع السماء والبحر والمطر، ولم يكن يخطر ببالي قط أن تتغير هذه العلاقة بعد إعلان الحرب على السوريين الذين انتفضوا لكرامتهم في آذار 2011.

في سنوات طفولتي الأولى، لطالما كان الطيران أحد أقرب أحلام اليقظة إلى قلبي، كنت أحلم أن ينبت لي جناحان قويان لأحلق بهما في السماء العالية، بحيث تلوح لي الأرض من بعيد كحبة بندق صغيرة. تخطيت الطفولة بسنوات وبقي حلم ركوب الطائرة يلازمني كتعويض واعٍ وممكن عن فكرة الطيران المستحيلة.

في طفولتي أيضاً، لم أرَ البحر إلا في الصور أو على شاشة التلفزيون. كنا في فترة السبعينات، ستة أولاد في مراحل دراسية مختلفة، والأم ربة المنزل، ورب الأسرة الموظف في دائرة حكومية ودخله بالكاد يغطي حاجاتها الأساسية من إيجار السكن والطعام والملابس واحتياجات الأولاد والتعليم. في تلك الفترة وما بعدها، أصبحت السياحة الداخلية رفاهية مفرطة وترفاً غير متاح لذوي الدخل المحدود، الذين كان عليهم أن يعتادوا أن يقيسوا إنفاقهم بالمسطرة ليتجنبوا تجاوز الدخل الضعيف ويتفادوا الغرق في الديون. فلم يتسنّ لنا، نحن العائلة الكبيرة نسبياً في ذلك الوقت، أن نستمتع برحلة قصيرة إلى البحر ولو لمرة واحدة في السنة، رغم أن البحر على مسافة لا تتجاوز 50 كيلومتراً من بلدتنا مصياف. كنت أتخيل أحياناً لمسة قدميّ على الرمل وأنا أتجه صوب البحر وصوت الموج يعلو ويعلو وهو يتقدم باتجاهي ليقذفني بعيداً على الشاطئ. ومرة حدث أن سخر مني أحد أقاربي – وكان في مثل سني تقريباً – عندما ذكرت عَرَضاً أمامه أنني لا أعرف البحر، فاتّسع البحر في مخيلتي وأغرق كل أحلامي الأخرى.

أما في مراهقتي، وإلى وقت قريب مضى، فكان للمطر وقع خاص في نفسي. وبحكم الطبيعة الجبلية للبلدة، فقد أفقت على الشتاءات الطويلة الباردة المصحوبة بالمطر الغزير؛ وفي الخريف بشكل خاص، كانت رائحة التراب وهو يستقبل زخّات الهطل الأول في حديقة البيت وفي حارات البلدة القديمة تملأ المكان وتفتح شهيتي على الحياة. ولم تكن الرائحة فقط هي ما يشدني للمطر؛ كان تخيّل عاشقين يمشيان تحت المطر لوحةً شاعرية عذبة لا يضاهيها أي عمل فني في إبداعها وكمالها. كنت أراقب هطول المطر على الأسطح والشجر، فتقع حبات المطر في قلبي قبل أن يرشفها الزرع وتبتلعها الأرض. ولم يحدث أنني اقتنيت مظلة خلال كل مراحل حياتي.

كيف تتحول المشاعر إلى أضدادها؟ كيف تنقلب أحلام اليقظة العذبة إلى كوابيس؟

في سنوات الثورة الأولى، كنت أقطن في جرمانا بريف دمشق، وكانت طائرات الهليكوبتر تمشّط السماء نهاراً في رحلتها إلى المناطق القريبة الثائرة. كانت الطائرات تحلق على ارتفاعات قريبة وفي وضَح النهار، مما مكنني من رؤيتها لحظة قذف حمولتها على رؤوس السكان في جوبر أكثر من مرة. لم أكن أصدق ما أرى؛ كان المشهد أشبه ما يكون بلقطة مسروقة من أحد أفلام التشويق والإثارة السينمائية، إذ لا يعقل أن يكون ذلك حقيقياً. في تلك الفترة، كان القصف بالطيران متعذراً في الليل على الأرجح لأنه كان يتوقف يومياً مع اقتراب المساء؛ ولحسن الحظ أن الليل كان يهبط على رؤوسنا بشكل دوري منتظم ليترك لآلاف العائلات المستهدفة بالقصف فسحة صغيرة مؤقتة للملمة الجراح التي خلفها النهار.

إلا أن الأوضاع لم تستمر على هذا النحو طويلاً. قبل خروجي من سوريا بوقت قصير، انتقلت للإقامة في صحنايا في منتصف 2015، وكان الطيران الحربي الوحشي يمر في سمائها على ارتفاعات عالية ليلاً ونهاراً بشكل متواصل ليقذف حمولته الحاقدة على داريا الجارة القريبة. صوت الطائرات كان مدوياً ومتواصلاً. لم يعد هناك فسحة للحياة في المناطق المنكوبة بالقصف؛ صار الموت متاحاً على مدار الساعة. ولطالما رغبت بالصراخ بأعلى صوتي «كفى» وانكمشت على نفسي في السرير تحت الغطاء لأنخرط بعدها في بكاء هستيري طويل. في هذا الوقت ربما بدأت الصورة الجمالية للطيران التي تغذّت عليها طفولتي تتغير في شعوري اللاواعي. لم تعد السماء فضاءً للحرية، حريتي؛ لم تعد فسحة أتحرر فيها من التصاقي بالأرض وأتخفف من وزني؛ كانت الطائرات القاتلة تشل رغبتي بالحركة والتنقل والعلوّ مع كل سقوط لأحمالها على رؤوس العائلات والأطفال.

وفي تلك الأثناء أيضاً وقبلها، كانت قوافل الفارّين من الجحيم السوري تتسابق إلى البحر أملاً بالنجاة. عائلات بأكملها، أطفال ونساء ورجال، ابتلعهم البحر ولفظ أجساد بعضهم إلى الشواطئ؛ آلاف البشر هربوا من الموت فاستقبلهم موت آخر. أذكر أنني رأيت مرة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي صورة لسترات نجاة مكوّمة على أحد الشواطئ. لم أعد أذكر اسم الشاطئ، ولم أحتفظ بالصورة، لكنها كانت الصورة الأسوأ وقعاً على نفسي، حتى أنها كانت أشد تأثيراً من عشرات الصور الأخرى التي تزاحمت على فيسبوك للغرقى أنفسهم. لا تزال هذه الصورة تدق في رأسي مساميرَ كلما قال أحدهم بحر. الموج الذي كان يداعب أقدامي ويرميني على الشاطئ في أحلامي الطفولية هو ذاته الذي يبتلع اليوم قوارب الموت ويُنهي آلاف الحيوات لبشر من لحم ودم وحكايات وضحكات. العائلات التي حَلَمَت بالخلاص وأَمَلَت بعبور البحر لينعم أطفالها على الشاطئ الآخر بالأمان والدفء والتعليم الجيد؛ لم ينجُ منها سوى صور لأشخاص مبتسمين وسترات نجاة. كيف للبحر أن يكون عذباً في قصائد الشعر ومخيلات العشاق وهو بهذه القسوة؟ هذا السؤال بالتحديد هو ما تبقى لي من البحر.

كان خروجي من سوريا أول آذار 2016 إلى لبنان، حيث أمضيت سنتين كاملتين في بيروت قبل وصولي إلى شاطئي الأخير.

بعض المدن أقرب ما تكون إلى الصورة النمطية لزوجة الأب التي طالما كرهناها في قصص الأطفال؛ امرأة مكتنزة وقاسية وبشعة رغم كل مساحيق التجميل التي يختبئ وجهها خلفها؛ هكذا وجدت بيروت. أما بيروت الشابة الجميلة والمثقفة التي يتغزل بها المثقفون فلم ألتقِ بها إلا لماماً. والآن، من هذه المسافة البعيدة، أستطيع أن أفكك مشاعري هذه وأفهمها بشكل أفضل.

لا تحتمل بيروت وجوه السوريين؛ تتذمر من وجودهم باستمرار، في التكاسي ومحلات التسوق ومكاتب العقارات. أذكر أنني نزلت من التكسي عدة مرات قبل وصولي إلى وجهتي بسبب صدامي مع السائقين الذين كانوا يتعمدون الإساءة إليّ لمجرد اكتشافهم من لهجتي أنني سوريّة. ولم أتمكن من تجديد إقامتي رغم زياراتي المتكررة لمديرية الأمن العام، كحال غالبية السوريين، وكان هذا سبباً كافياً لفقدان الشعور بالأمان.

وليس هذا فحسب؛ فعندما خرجت من سوريا كنت أشعر أنني لن أعود إليها ثانية، ولأن بيروت كانت المدينة التي أقمت فيها مباشرة بعد خروجي هذا، صرت أراها المنفى ومكان الإقامة البديل الذي يصعب عليّ تقبله. فيما بعد، لن تكون مشاعري على هذه الصورة في كندا، ربما لأن وصولي إليها كان من لبنان وليس من سوريا مباشرةً.

لفت انتباهي أثناء عبوري بالسيارة في شوارع بيروت للمرة الأولى باتجاه مكان إقامتي العدد الكبير للبنوك ومكاتب تحويل الأموال ومحلات الصرافة مقارنة بمساحة المدينة، ودُهشت بالفوضى العمرانية ورائحة النفايات الواخزة. لا تزال آثار الدمار على بعض المباني هنا وهناك تذكّر المارّين بالحرب القريبة. سأكتشف لاحقاً أن الحرب لم تنتهِ بعد، إذ تركت شروخاً عميقة في النفوس وفي جغرافيا البلد. حركة المطار أيضاً كثيفة؛ يبدو لبنان محطة ترانزيت للعابرين بين الشرق والغرب.

من مكان إقامتي في الأشرفية، كنت أشاهد الطائرات على ارتفاعات منخفضة عند الإقلاع أو الهبوط. صوت الطائرات كان مألوفاً هناك. الطائرات مدنية، لا داعي للقلق! أعي ذلك بالطبع، ولكنني أنتفض لحظةَ سماع صوتها.

بحر بيروت أيضاً كان قريباً، أستطيع أن أذهب إليه سيراً على الأقدام، لكنه هو ذاته بحر سوريا وبحر اليونان وبحر تركيا؛ البحر الذي سرق أعمار السوريين وحكاياتهم وضحكاتهم ورمى في وجوهنا صورهم التذكارية وسترات النجاة. في المرات القليلة التي جلست فيها على البحر، كان عليّ أن أَجهَد في طرد هذه الفكرة من رأسي.

وأما المطر، فكانت لي معه قصة أخرى. كان لي شرفُ العمل مع اللاجئين السوريين في المخيمات بالبقاع. تختلف المخيمات في الصور والفيديوهات التي تصلنا يومياً عنها في الواقع. أن تدوس بحذائك على الحصى القاسية وتغوص أقدامك في الوحل؛ أن تختبر الاحساس بقسوة الطقس بينما تحتمي بقطعة قماش ليس إلا؛ أن تنتفي الخصوصية لك ولعائلتك؛ وأن تأخذ الخيمة، مسكنك، رقماً؛ ويصبح طفلك مقصداً للباحثين عن فرصة للاستعراض الزائف لالتقاط الصور والتعاطف الكاذب الرخيص… هل يمكن لصورة مهما بلغت حرفيتها أن تنقل هذه الأحاسيس كما هي بكل ما فيها من بشاعة وقسوة؟

في الماضي القريب، كان لكل فرد من هؤلاء البشر بيت وجيران، اسم ولون عيون وطريقة تفكير، وأحلام. كانوا يتمايزون في أشياء ويتشابهون في أشياء أخرى… كيف اختزلهم العالم في صورة واحدة وتحت مسمى واحد، «لاجئين»!

لا تزال الزيارة الأولى للمخيمات في ذاكرتي بكل تفاصيلها؛ بداية آذار والطقس ماطر والوجهة أحد المخيمات. سيكون علينا أن نقطع بالسيارة مسافة طويلة على طريق غير معبّدة ومفروشة بالحصى لنصل إلى البيوت، أقصد الخيام. تمكّن المطر من تشكيل مستنقعات موحلة هنا وهناك. طفلان يحاولان فتح مجرى لتصريف مياه بحيرة أغلقت مدخل الخيمة، البيت. تجولنا بين الخيام ترقُبُنا عيون الأطفال بلا مبالاة؛ يُلقون علينا نظرة ثم يَحيدون بعيونهم التي اعتادت زياراتِ غرباءَ بملابسَ نظيفة وابتسامات زائفة. لم أستطع أن أبتسم، ولم أنظر مباشرةً في عيون الأطفال؛ لم أنطق بكلمة واحدة منذ بدأت الخيام تلوح من بعيد ونحن ما نزال على الطريق العام؛ بكيت بصمت وهدوء كأنني أؤدّي صلاة. كان المشهد قاسياً والمشاعر مختلطة: مزيج معقد من مشاعر الغضب والحقد والعجز والخيبة والذهول والذنب والحزن. كان الحزن طاغياً، لم أستطع احتمال هذا الاحساس الصادم بالفجيعة، لم أنزل من السيارة. قطعت زيارتي وعدت إلى بيروت.

فيما بعد سأزور المخيم بشكل متكرر. وستربطني علاقة استثنائية مع ياسمين، الطفلة ذات العشر سنوات، وسأحتفظ بصورتي معها إلى الآن؛ الصورة الوحيدة التي التقطتها في المخيمات بناءً على إلحاحها. ياسمين لا تشبه صورة طفل المخيم التي تُشهرها التلفزيونات ووسائل التواصل الاجتماعي في وجوهنا. طفلة مفعمة بالطاقة والحيوية، تحب الأغاني والحكايات، وتحب حصة الرياضيات وتحلم أن تصير مدرّسةَ رياضيات عندما تكبر لتعلّم الأطفال الحساب. عيناها خضراوان وملابسها نظيفة وشَعرها مرتب. جريئة وتتحدث مع الغرباء بطلاقة وثقة محببتَين.

دُهشت عندما علمت للمرة الأولى أن سكان المخيم يدفعون إيجاراً مقابل سكنهم، إذ كيف يمكن لإنسان أن يدفع ثمن إقامته في العراء!

هذا العراء عادةً ما يتحول إلى بحيرة كبيرة عندما تشتد غزارة المطر ويستمر لفترات طويلة. تفيض المياه في الممرات بين الخيام وتدخل إلى البيوت وتغمر كل شيء، الأرضيات والفرش البسيط والملابس وأطباق الطعام، فيضطر السكان إلى النزوح المؤقت، حاملين ما استطاعوا من حاجياتهم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وبعد انتهاء العاصفة يواجه المخيم مشكلة جديدة لإعادة ترميم الأرضيات ورصف الممرات وتعويض الخسائر. في نهاية 2018، أتت عاصفة مطرية أغرقت بعض المخيمات بالمياه مما اضطر السكان إلى النجاة بحياتهم، فلجأ بعضهم إلى معارفهم وأقاربهم في مخيمات أخرى، بينما لم يجد آخرون سوى حظيرة للحيوانات يحتمون فيها من العاصفة والبرد الشديد. كنت حينها في كندا.

في الأول من آذار 2018، غادرت لبنان إلى كندا. لحظةَ اقلاع الطائرة، أغمضتُ عينيّ وأنا أنصت لصوتها. كنت أبكي وعشراتُ الصور تتزاحم في رأسي؛ تذكرة الـ«ذهاب فقط»، صوت الطائرة الحادّ، أهلي وأصدقائي، بيتنا وحارتنا، بلدتي والشام وهذا الخراب الذي تركته خلفي ونجَوت. شعرت بأنني نجَوت فعلاً عندما استقبلني موظف المطار بابتسامة ودودة وترحيب دافئ: «أهلاً بك في بلدك كندا» بينما يسلّمني وثيقة الإقامة الدائمة. تمنيت لو أعانقه وأخبره أنني ممتنّة له لأنه يقدّم لي ببساطة – حتى قبل أن تطأ قدماي أرضَ كندا – ما كنت أفتقده في وطني.

أنا الآن على مسافة عشرة آلاف كيلومتر من سوريا. الحياة هنا لا تشبه حياتنا في سوريا. ثقافة مختلفة في كل شيء، إيقاع الحياة وعلاقات العمل والمدرسة والعلاقات الاجتماعية والعلاقة مع الطبيعة والحريات والقانون، انتظام الناس في طوابير في المتاجر، ووقوفهم على إشارات المرور، ولباقة الموظفين الحكوميين مع المراجِعين، الحدائق وأرصفة المشاة. كندا بلد المهاجرين؛ يكفي أن تقف في أحد المتاجر الكبيرة ليمر على مسامعك كل لغات العالم؛ مجموعات بشرية من قوميات وأعراق وأديان مختلفة، يتمايزون في اللغة ولون البشرة وشكل العيون والأزياء وأطباق الطعام، ويتماثلون في الحقوق والواجبات، ويحتكمون لنفس القانون وينعمَون بنفس الحريات. الحريات… الكلمة التي كلفت السوريين بحراً من الدماء وكلَّ هذا الخراب. أحب هذا التنوع وأشعر بالاطمئنان.

يستخدم الكنديون مصطلح «القادم الجديد» للتخفيف من وقع كلمة «لاجئ». يُرهقون هذا القادمَ الجديد بدروس اللغة الجديدة، وورشات التدريب والتعريف بالثقافة الكندية؛ يلقّنونه كيف يستعد لمقابلات العمل، ويدرّبونه على عدم تخطي المسافة المثلى مع الأشخاص الذين يلتقيهم في الأماكن العامة. مئات المراكز الحكومية والمنظمات غير الربحية تتسابق على تقديم خدمات التوطين للقادمين الجدد وإكسابهم الخبرة الكندية، ليجد القادم الجديد نفسه في نهاية المطاف عاملاً في مطعم أو مغسل سيارات – مهما بلغ مستواه التعليمي وخبرته العملية التي حملها من بلاده البعيدة. يقسم القادم الجديد يومه بين عمل فيزيائي طويل بأجر منخفض، وفرصة دراسية لتحصيل شهادة علمية كندية تسمح له مستقبلاً بالحصول على عمل أقرب ما يمكن إلى تاريخه المهني. ويزيد في متاعبه التنازع الدائم بين محاولات الاندماج والقلق على الهوية. السنوات الثلاث الأولى على الأقل هي أشبه ما تكون بالخدمة العسكرية؛ وقت ضائع أو ممر إجباري لإيجاد موطئ قدم ثابت ومريح والوصول إلى نوع من الاستقرار.

إيقاع الحياة صاخب وسريع، والفرص لا تنتظر المتقاعسين. يمر الوقت سريعاً فأنشغل عن التفكير بالسماء والبحر والمطر. ويحدث أحياناً أن أغرق في الذكريات، فأنتفض فجأة لتخيل صوت الطائرة وأتخيل البحر غولاً بفم كبير شَرِه، والمطر ثقيلاً كالكابوس. وفي كل مرة ألقي القبض على نفسي محاصرةً بالذكريات، أدرك أنني لم أنجُ كما اعتقدت في المطار، وأن الحرب التي تركتها ورائي هناك أغرقَتْنا جميعاً، نحن السوريين، في الألم.

موقع الجمهورية

الأعدقاء”: تفكك السوريين في بلاد اللجوء/ وليد بركسية

لا يمكن سوى الشعور بشيء من الحزن عند متابعة الحلقات الأولى من سلسلة “الأعدقاء” التي يقدمها الممثل السوري محمد أوسو عبر “يوتيوب” بعد انقطاعه سنوات عن العمل الفني. ولا يعود ذلك لجرعة مفترضة من الكوميديا السوداء التي تحاكي حياة السوريين في بلاد اللجوء، بل للظروف التي أدت لصناعة سلسلة مخيبة للآمال نسبياً، من طرف ممثل موهوب يحظى بشعبية واسعة رغم قلة أعماله الفنية.

تبدأ السلسلة التي ألّفها وأخرجها وأنتجها أوسو نفسه، بوصول شخصيتها الأساسية “نور عتمة” (أوسو) إلى الولايات المتحدة، مع قصة موازية تربط الشخصية بسوريا عبر علاقة غريبة وغير مفهومة مع الآنسة “شام سي” التي تتواصل مع البطل الساذج عبر الإنترنت. ومنذ اللحظة الأولى يدرك المشاهد أن البطل يعتبر لجوءه مرحلة مؤقتة، حيث تتمحور حياته بالكامل في اللجوء حول حياته القديمة وكل ما تركه خلفه من أصدقاء وأفراد عائلة وأحلام، في بلده الأصلي. وفيما لا يحاول العمل تقديم شخصياته كضحايا، إلا أنهم يظهرون أقرب لشخصيات مهزومة ومرهقة.

وتعطي السلسلة، حتى الآن، شعوراً فورياً بتعلّق نمطي بالماضي، على مستويات عديدة. فمن جهة، تظهر شخصيات السلسلة مشتتة بين واقعها في الولايات المتحدة وبين ماضيها في سوريا، في امتداد للتورط العاطفي بفكرة “الوطن” والانتماء لبقعة جغرافية ما، وعدم القدرة الفردية على تجاوز ظروف الحرب واللجوء في المجتمعات الجديدة الأكثر تطوراً وانفتاحاً. ومن جهة أخرى، يستجر أوسو نمطه الدرامي الذي صنع شهرته بين العامين 2005 و2007، عندما قدم شخصيات بسيطة ومضحكة ومهمشة وتتميز بشيء من السذاجة المحلية التي عكست في ذلك الوقت الانغلاق العام في دولة شمولية ومعزولة عن الكوكب، مثل سوريا الأسد.

هذا التعلق بالماضي، يحيل إلى تساؤل إن كان أوسو فقد القدرة على التطور كفنان بعد سنوات الاعتقال إثر الثورة السورية، ثم اللجوء والابتعاد عن الأضواء، أم أنه يحاول محاكاة ما يمثل له الأمان الشخصي بالعودة فنياً إلى نمط حقق له الشهرة والنجاح، ما يعكس بدوره صعوبات مفهومة تفرضها الحياة في بلاد غريبة بالنسبة للاجئين الذين يرتبط عملهم بالفن ومحاكاة المجتمع واللغة بشكل أساسي، كالممثلين والصحافيين والفنانين. علماً أن التساؤل الموازي حول هوية أوسو الفنية، في حال سارت الثورة السورية بشكل مختلف عن مسارها الحالي، أو في حال بقيت الأمور “مستقرة”، لن يوصل إلى جواب أبداً.

وهكذا، يعمد أوسو في عمله الجديد لاستجرار شخصيات قدمها سابقاً مثل “كسمو” في مسلسل “بكرا أحلى” و”سلطة” في “كسر الخواطر”، ويقدم بذلك مجدداً نمط المهرج المراقب الذي يعطي معنى للحياة من حوله عبر الكوميديا التي تصل حد الاستهزاء المؤلم. وقد لا يكون ذلك مشكلة بحد ذاته، في حال كانت السلسلة تحتوي زخماً في النص وشخصيات إضافية تحقق التوازن وتعطي معنى أكبر لسياق الأحداث، التي تبدو حتى الآن مفككة وغير منطقية أحياناً، وإن كان ذلك مفهوماً بالنظر للميزانية المحدودة التي صنع العمل بها كجهد فردي.

والحال أن تفكك القصة وعدم وجود إطار زمني محدد لأحداثها وحركة الكاميرا المضطربة، قد تكون تفاصيل مبررة وعبقرية ربما، في حال كان الفضاء الذي تحصل فيه الأحداث مجرد أفكار عامة تجول في رأس بطلها “نور عتمة”، حول تفاصيل حياته ومخططاته للحياة قبيل وصوله للمطار في الولايات المتحدة، أو حتى مجرد هواجس، تنتاب أي شخص يفكر باللجوء أو يجد نفسه جزءاً من تلك التجربة، حول معنى حياته التي تشهد تقلبات كبيرة. وبالتالي، فإن التفكك يوازي اللااستقرار الذي يغمر حياة كثير من السوريين، ما يحيل تلقائياً للشعور بالحزن. علماً أن ذلك، ليس واضحاً خلال الحلقتين اللتين عرضتا حتى الآن، وقد يمثل مجرد خلفية نظرية للعمل، وسيتحدد ذلك بلا شك مع نهاية الأحداث.

هذا النمط يشكل أساس أعمال فنية وأدبية شهيرة مثل رواية “آيات شيطانية” لسلمان رشدي، والتي كانت شديدة العمق في تناولها للتروما الناتجة عن الهجرة وتبدل الثقافات. وإن كانت سلسلة أوسو لا تبدو عميقة إلى ذلك الحد المبهر الذي يشرّح التبدلات الدينية والثقافية واللغوية، إلا أنها تعطي بعضاً من ذلك الشعور العام بتفكك الهوية. وتذكّر بالتالي بنوعية الحياة التي عاشها كثير من السوريين البسطاء في ظل حكم عائلة الأسد لسوريا، والتي عزلت سوريا ثقافياً عن بقية الكوكب.

ويجب القول أن الشخصيات التي قدمها أوسو في مسلسلاته القديمة كانت شديدة الصدق والبساطة والالتصاق بالواقع السوري وانحيازه للبسطاء، لدرجة تشبيهه بالممثل الشهير دريد لحام، بغض النظر عن انحياز الأخير للسلطة كما تجلى بوضوح بعد الثورة السورية. لكنه في السلسلة الجديدة يبدو ظلاً لذلك التاريخ فقط. وهو ما يمكن لوم نظام الأسد عليه بشكل أو بآخر، باعتباره الجهة التي اعتقلت أوسو إثر مشاركته في المظاهرات الشعبية ضده العام 2011 ومنعته من العمل، بسبب وقوفه مع الشعب السوري، إلى جانب أنه الجهة التي سيّست الفن ومنعت التفكير الحر والمستقل في البلاد طوال عقود.

في ضوء ذلك، قد يكون معنى “الأعدقاء”، ليس السوريين الذين يعادون ويساندون بعضهم ضمن علاقات معقدة في بلاد اللجوء، بقدر ما يشير ذلك إلى العلاقة الذاتية بين الفرد ونفسه، وتقبله للتبدلات في حياته وتشتته بين الحاضر والماضي، وبحثه عن هوية جديدة مع الحفاظ على كيانه في الوقت نفسه.

المدن

مأساة إبن/ أحمد عمر

ليس ما يشجيه كل هذا الخسران..

ليس أصغر الخسارات تحوّل بيته إلى وشم في أخبار التلفزيون، وليس أكبرها دمار مدينته، التي قال فيها المعري:

واخلع إذا حاذيتها ورعاً / كفعل موسى كليم الله في القدس

كأنما حجارتها من الجبنة البيضاء، يمكن أن تؤكل بعد نقعها بالماء.

ليس ما يجتوي فؤاده الذكريات التي تتضور شوقا وهي كثيرة، وصاخبة، فيها شوارع وأزقة، وعمارات، ومآذن، وأمكنة، وناس، وأصحاب، وأصوات، وبنات، وجيران، وروائح، وصابون، وزعتر، وكبب، وحلويات، وحمامات، وكتب، وأطعمة..

ليس ما يؤسيه الرحلة الطويلة التي تشبه الأوديسة، قطعها من حلب عبر طرطوس وكسب وتركيا، ونجا فيها من محاولات قتل ونصب، وعمل شهراً في معمل شوكولا، الشوكولا فيه لا تؤكل، الطين المحلّى بالسكر أطيب منها، والأجر في المعمل زهيد، أعمال شاقة على قدم وساق، حتى في أيام العطل، ولا المحاولات المحبطة التي حاول فيها اجتياز الحدود الزلقة إلى أوربا برّاً مثل سمكة سلمون عنيدة، إلى أن وُفّق في المحاولة الرابعة عشرة.

ليس ما يغمّه توقيفه أياماً في اليونان، ولا إذلاله بسبب عنصره، ولا بصمته في بلغاريا وكأنها بصمة على تسليم الأندلس، أو إقرار بخيانة.

ليس ما يحزنه أنه يعمل في ألمانيا مثل رجل آلي كما في فيلم “الأزمنة الحديثة”، في فرز البريد الألماني وطروده وتصنيفه على رفوف حسب المناطق بأرقامها، ثماني ساعات يومياً، حرقاً للعمر، حتى إنه يأكل رماد الأيام، وهذا ليس عمله، لقد كان يعمل في إحدى محلات والده، يبيع ويشتري، ويربح، ويتودد الناس، وهو سيد العمل، ويسعى للبحث عن عروس. الألمان يقدرون أتعاب العمل، ويحفظون حقوق العمال، وهو يعمل مضطراً إلى حين، فليس هذا ما يغمّه، بل إنه يعمل لكي ينسى.

ليس ما يلوعه أنه لمَّ شمل الأسرة بعد ثلاث سنوات من العمل في الأوراق والترجمة وادّخار المال كأنه بسمارك سوري صغير، وليس سوى بنك وحيد في المانيا يقبل الإيداع هو بنك مدينة آخن، فهذا أمر يسرّي عنه، حتى استطاع إحضار ابيه وأمه من تركيا، لكن أي شمل هذا؟ فقد كان يعيش في بيت كبير، من ثلاثة طوابق له حديقة، يجتمع فيها الآباء والأجداد والأبناء والأحفاد، في الأعياد والمناسبات، فيذبح أبوه كبشاً أقرن أملح، ويأكل منه الأهل والجيران والأصحاب.

ليس ما يحزنه أن أباه قد صار عنده في بيته الصغير، فهذا ما يسعده، وإن كان لا يزيد عن غرفتين،بيت يشبه علبة كبريت، صندوق وغلافه، الحيطان خشبية يحرص فيها عود الثقاب البشري على المشي على أطراف أصابعه ليلاً، كاللص حتى لا يشتعل من الضيق، ويتكلم همساً حتى لأن الجدران لها ألسن.

ليس ما يدمع عينيه ويدمي قلبه أن أباه شبه محبوس، أسير في غرفته من غير قيود أو حديد مع أمه صامتين، وقد تفرق أولاده وبناته في المانيا، البنتان في عاصمتي المانيا الغربية والشرقية، والأبناء الثلاثة في ثلاث بلدات متجاورة تبعد عن بعضها كبعد حي السكري عن صلاح الدين وحي الأنصاري، وهو أفضل مصيراً من آباء تفرقت أبناؤهم في قارات الأرض، فوق خط الاستواء الذي انحنى ظهره تحت ثقل الفراق.

ليس في هذا ما يوحشه بل فيه الكثير من النعمة التي يحمد ربه عليها بكرة وأصيلاً، فلا ضحايا من الأسرة، ولا معتقلين، ولا مقتولين تحت التعذيب، الخسائر المالية كبيرة، لا تقدر بثمن، بيت كبير ومحلات فيها تحف شرقية، وأنتيكات وآثار وذكريات ووثائق، والحي فيه مساجد أقدم من كاتدرائية نوتردام بثلاثة قرون، لكنه المال، إنَّ المالَ غَـادٍ ورائِـحٌ.

ليس ما يجعل فؤاده ينوح مثل حمامة على غصنها المياد، سقوط عروش، كان أبوه يحكم مثل ملك حقيقي، من غير تاج ولا إيوان، لا يقترب كثيراً من رعيته فيحترق، ولا يبتعد كثيراً فيفترق، يحرص على تربية أولاده تربية صالحة ويسعى لهم في حياة سعيدة.

ليس ما يهمه أن أباه كان من أبرِّ الأبناء بين إخوته بأبيه، بل إن هذا ما يفخر به، وكان الجد قد خرف وشاخ، فنسي، وضاع عقله، فهو لا ينام ولا يستيقظ، ويخلط، ويهذي، وأبوه يحسن صحابته، فيقول له أبناؤه وقد طال السهر به: اذهب إلى فراشك ونحن نرعى جدّنا.

فيقول: ناموا أنتم.. هذا أبي وأنا أحق منكم برعايته.

فلم يكن مثل أعمامه الذين يهملون الجدّ في دورهم في الرعاية الأسبوعية.

ليس ما يشجنه ذكريات المضافة، يجتمع فيها الأصدقاء والجيران، فيدور الأبناء الثلاثة بالشاي والقهوة والتمر شتاء، والعرق سوس والتمر هندي والشاي والقهوة صيفاً.

ليس ما يؤلمه أن أباه شديد الوحدة، لا يعرف مكاناً يذهب إليه في المانيا، سوى الحديقة الخالية الكبيرة، التي تغرد فيها طيور بلغات الله، وفيها أشجار كثيرة طويلة وعملاقة تبدو كأنها صناعية.

ليس هذا ما يشجيه، ويبكيه، ويبكته، ليس ما يشجيه أنَّ والده يبدو مثل ملك مخلوع فقد عرشه ولا يستطيع أن يبكي، يقضي وقته بزيارة ابنيه ولا يفعل شيئاً سوى النظر إلى الأفق البعيد.

ليس هذا ما يشجيه، ما يؤلمه أن أباه تغير كثيراً، وهو ما يزال يستيقظ باكراً، ومع غزو السنين يقل النوم، فيعد له فطوره بنفسه كأنما يتودد إلى ابنه، فيحس بالخجل من أبيه الذي لم يدخل المطبخ في حياته.

ما يفجعه أنه يشعر بالألم عندما يرى أباه يسأله أن يشتري له تذكرة سفر، فهو يجهل كيف يستعمل الآلة المعقدة وقد أخطأ مرات، فيسمع في طبقات صوته ذلك الحزن الكسير الذي يشبه التوسل.

ما يجرحه أن أباه يلغو ويستعطي، والملك لم يكن يحب اللغو، كأن يسأله عما إذا كان يسأاله عن عد ملاعق السكر في الشاي، فلم يكن أبوه قط يسأل أبناءه عن هذه الأشياء الصغيرة التافهة.

ما يشجيه أن أباه أمسى يثني عليه، ويقرّظه، ويشيد بنجاحه وأحياناً يذّكره بفضله عليهم، التعليم والتربية، ويسكت إذا ما تحدث توقيراً للابن كما كان ابنه يفعل تماماً في الوطن، فيحس أن أباه يرشوه كما يرشو موظفاً، أو أن يمدحه فيقول أمام أمه: عبد السلام أحسن أولادي، وكأنه يخشى أن يعقّه أو أن يطرده من البيت.

تقول الأمثال موصية الأب: إن كبر أبنك “خاويه”، وتقول دراسات أن الابن يتحول إلى أب جديد لأبيه عندما يكبر. لكن ما جرى لأبيه أن المنفى جعل أبوه يصير مسكينا ويتيما وأسيرا.

أسوأ الأخبار التي سمعها عن السجون هي قصص آباء حبسوا مع أبنائهم. همّ مرات أن يقتحم الحصون العالية، وأن يقول لأبيه وهو يقبّل يده: أبي العزيز، على رسلك، حنانيك، فضلك علينا لا ينسى، لن أنسى ما حييت حبك لنا وعطفك علينا ورعايتك لنا، وإذا كنت قد خسرت المُلك فأنت لا تزال الأب، فلا تخش العقوق، فأنا ابنك وبعض منك، وصنيعة يدك، فلا تذلنَّ بنفسك بالتودد إلى ابنك، ارفع جناحك، فأنا لا أستطيع أن أتحمل جلاميد الحجارة وهي تتساقط من المئذنة فوق رأسي، أنت ما تزال جلالة الملك.

لكنه يخاف من أن يحطم كبرياءه.

هذا ما يشجيه.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.