مقالات

نابوكوف… أو قصة المرشح الدائم لجائزة نوبل للآداب/ فالح الحمراني

■ يقول فلاديمير نابوكوف عن نفسه إنه كاتب أمريكي ولد في روسيا وتلقى تحصيله الأكاديمي في إنكلترا، حيث درس الأدب الفرنسي، وأقام في ألمانيا على مدى خمسة عشر عاما. ويضيف «إن لساني يتحدث الإنكليزية وقلبي في الروسية، وأذني تسمع الفرنسية». إن مراجعة أعمال نابوكوف تؤكد تعددية مصادر إبداعاته، وتنوع عوالم ورواياته الغزيرة، بهذه الكلمات المأثورة، يبدأ الناقد والمترجم الروسي بوريس نوسيك كتابه «عالم فلاديمير نابوكوف، وموهبته» الصادر عن دار (بيناتي)، ونال شهرة واسعة، لكونه أول سيرة لحياة الروائي والشاعر، تصدر في بلاده في روسيا. وظلت أعماله منذ أن غادر بلاده يافعا بعد اندلاع الثورة البلشفية، مجهولة للقارئ الروسي، ولم يُبدِ حماسا لها، وبدت له فنا غريبا، رغم تقدير النقاد البالغ لها. وتعرف القارئ العربي في السنوات الأخيرة على أدب نابوكوف من خلال ترجمة العديد من أعماله.

ويجمع النقاد الأمريكيون، على أن أعماله جزء من الأدب الأمريكي، في ما يتلمس فيه الروس جذور عظمائهم من بوشكين إلى غوغول وتولستوي، ويعكف دارسوه طيلة عقود على حل عقدة رموز وأفكار أعماله. وقد احتفلت الأوساط الثقافية في روسيا والعالم الغربي مؤخرا بمرور 120 عاما على ميلاده. مارس نابوكوف منذ ظهور أول مجموعة شعرية له عام 1916، وعلى مدى ربع قرن كتابة القصة والشعر، والمسرحية والمقالة والنقد الأدبي، باللغتين الروسية والإنكليزية وكتب بالفرنسية، وأغنى الثقافة الروسية في المهجر وترك بصمات واضحة على الثقافة العالمية، في القرن العشرين. وخلف نابوكوف ثماني روايات باللغة الروسية، والعديد باللغة الإنكليزية، حملت كل مجموعة خصائصها، وربطتها وشائج خفية، هي رؤية الكاتب وفلسفته في الأدب والحياة، ولف نابوكوف أدبه بغموض، هو جزء من مفهومه للعملية الإبداعية، وظلت معظم شخوص رواياته وأعماله المسرحية بدون هويات، وعوالمه بدون تاريخ أو نسيج قومي محدد. ويحيلنا أدب نابوكوف إلى موضوع، خطل محاولة تأويل المؤلف الأدبي وسبر غور بعده الاجتماعي، والأحرى معايشته، فإن خضوع العمل الأدبي لعملية تأويل قسرية والإضفاء عليه أكثر مما يتحمل، وتلخيصه بموضوعات خارجة عنه تُعد جناية على فنيته. وبلغت شهرة نابوكوف ذروتها في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، في العالم الغربي، واعتبره نقاده، سليلا مباشرا للكبار: جيمس جويس وجوزيف كافكا وتوماس إليوت، ولم يكن أقل شأنا منهم بقدراته التعبيرية والتشخيصية وقوة الخيال. وفي محاولة لفك (أسرار نابوكوف) للقراء العاديين، قالت الأكاديمية الأدبية الأمريكية عنه، أنه كان يعمل على بلوغ الكمال المطلق، وإطلاق مكامن الشعور، وإعادة خلق الطرائق والأساليب اللفظية، في المضامين الفكرية للعمل الفني.

ولد فلاديمير نابوكوف في مدينة بطرسبورغ في 23 إبريل/نيسان1899 وكان والده سيرجي نابوكوف محاميا وشخصية اجتماعية مرموقة، وباعتراف الكاتب نفسه، فإن عائلته كانت تحتفل بعيد ميلاده وفقا للتقويم الروسي القديم أي في العاشر من إبريل، وهو التاريخ الذي ربطه بعيد ميلاد وليم شكسبير. ينحدر والد الكاتب من عائلة نبلاء عريقة الأصول، وكانت أمه ابنة لأحد تجار صناعة الذهب، وتلقى الأديب في طفولته التي رافقته سعادتها طيلة عمره، تربية منزلية رفيعة، وتعلم اللغة الإنكليزية قبل أن يتحدث الروسية، وحصل على تعليم ممتاز. ونشر أول مجموعة شعرية عام 1916 قبل أن يتم تعليمه الثانوي. رغم أن الكاتب لم يسبغ أهمية على تلك المجموعة. وانتقل نابوكوف وعائلته بعد اندلاع الثورة البلشفية والحرب الأهلية إلى شبه جزيرة القرم على البحر الأسود، حيث درس الأدبين الفرنسي والروسي. وهناك عكف على كتابة الشعر والقصص القصيرة، والمقالات، بما في ذلك «علم الفرشات»، وكان مولعا بلعبة الشطرنج التي بنى العديد من رواياته على قواعدها، وهاويا لكرة التنس والقدم.

و وفي الوقت نفسه نشر في صحيفة «المقود» باسم (فلاديمير سيرين) المستعار. وفي نهاية مارس/آذار عام 1922 وقع الحدث الذي هز أعماق الكاتب الشاب، وانعكس على مجمل حياته اللاحقة، حين اغتال إرهابي من أنصار القيصرية، والده في برلين. وأحيا نابوكوف صورة والده وموضوع الخسارة على صفحات روايته «الموهبة» . وعاد نابوكوف إلى ألمانيا ليقطن فيها. وكتب كثيرا لا الشعر وحده، بل النثر والمسرحية، والمقالات النقدية وترجمة مشاهير أدباء الإنكليزية والألمانية والفرنسية، وتعود له ترجمات غوته ورولان رولان ورامبو وبودلير وبايرون وكيتس وفاليري وغيرهم. وامتهن التدريس. وفي عام 1925 تزوج، وكتب أول رواية كبيرة له (ماشنكا). وتلقى النقاد الرواية بتقدير عال وتكهنت أوساط المهاجرين الروس الأدبية، بدخول أديب واعد في الأدب الروسي، يمكن انتظار الكثير منه، وقال عنه الأديب الروسي الحائز جائزة نوبل إيفان بونين، لقد اكتشف نابوكوف كوكبا جديدا (في الأدب). وأخذت شهرته بالاتساع وسط الشتات الروسي في أوروبا، بعد نشره رواية «دفاع لوجين»، وإثر صعود النازية إلى سدة الحكم في ألمانيا في بداية الثلاثينيات غادر نابوكوف إلى الولايات المتحدة ليقطن هناك زهاء 15 عاما، ويبدأ مرحلة جديدة. وخلف بعده تراثا أدبيا غزيرا، وأسئلة مازالت دائرة بصدد أدبه ومصادره وانتماء أدبه.

تتوزع روايات نابوكوف التي كتبها بالروسية بين مجموعتين مختلفتين في المحتوي والجغرافية. الأولى استلهمت موضوعاتها من حياة المهجر والغربة، والثانية والثالثة تناغمت مع الواقع والتقاليد الأوروبية في المنحي النفسي والحياتي اليومي، والبعد الجمالي والفني.

بدأت المرحلة الأولى برواية «ماشينكا» وانتهت بـ«الموهبة». فالشخصيات الروسية القادمة من روسيا القيصرية ومن طرق تعاملها، وثقافتها الروحية، رأت مهمتها العليا المحافظة على الحقبة الروسية، وانعكست من السيرة الشخصية للكاتب نفسه. ولم تكن الطموحات بتحسين الوضع الاجتماعي والمعيشي، والأهواء الجنسية والرغبة بامتلاك السلطة غريبة عن شخوص نابوكوف، ولكنها كانت مشوبة، وعلى الطريقة الروسية بمناحي ذات أبعاد كونية وفلسفية. فشخوص رواية ماشينكا، مجموعة من الروس كانوا نزلاء بنسيون في برلين، تجمعهم محنة الغربة، وضبابية أفق المستقبل، والحنين للوطن الأم والانتظار، والوقوف عند مفترق الطريق. وتبلغ ذروة الحدث حينما يتراجع المهاجر عن استقبال خطيبته المنتظرة ماشينكا، المرأة التي استحوذت على كينونته، وتعذب شوقا لها، فلم يعد ثمة سبب للالتقاء بها.

وإذا كان دارسو أدب نابوكوف الروسي، يرصدون في أدب هذه المرحلة مؤثرات وظلال بوشكين ونيكولاي غوغول وأنطون تشيخوف، على أسلوبية «ماشينكا» والروايات الأخرى فبطل رواية» دعوة للشنق» على غرار (كاف) بطل أغلبية روايات كافكا، لا تفهم حيثيات حكم الشنق، ولا سبب الحكم الصادر بحقه، وهو وحيد في سجن في قلعة نائية، وتتطور الأحداث والأجواء وتنتقل بين الواقع، الذي اعتدنا عليه، وعالم الأسطورة، وللشخوص التي تسوغ حكم الشنق؟

الرواية التي دفعت به إلى قمة المجد، وصدمته باحتجاجات الذوق العام، تتسربل بحدث يوحي بالخلاعة، وقد نشرها في دار نشر غير معروفة في باريس، ولم ينتبه لها النقد إلا بعد دخول نسخ منها لبريطانيا بيد السياح، الذين تعاملوا معها كقصة خفيفة لإمضاء الوقت. وجاءت المقالات النقدية عنها لتحدث عاصفة في الأجواء الأدبية، لقد كتبت منذ ذلك الحين أطنان من الورق عن لوليتا، التي تألقت بفعلها أيضا نجومية الكاتب، ووضعته في مصاف كبار أدباء القرن العشرين، وبأثرها التفت إليه النقاد ودارسو الأدب ليستعيدوا قراءة ما كان قد نشر قبل لوليتا، وتلقفتها دور النشر الأجنبية. وترجمت إلى كافة اللغات الحية، بما في ذلك العربية. ومثلما عرف تولستوي بـ«الحرب والسلام» وفيكتور هيجو بـ«البوساء» وديستويفسكي بـ«الجريمة والعقاب»، فإن نابوكوف عرف بـ«لوليتا»، وحولتها هوليوود إلى فيلم سينمائي، وخاض النقاد في تفسيرات لوليتا، وموقعها في الثقافة العالمية وتداعيتها الأخلاقية والدينية، وأضفي ذلك الكم النقدي على الرواية مسحة من الغموض والسرية، وأوحى بأنها رواية مبهمة. وككل رواية رفيعة المستوى، فإن كل قارئ يجد ضالته فيها، تبعا لمستوى حصيلته الثقافية، وشفافية ذوقه، وخبرته الحياتية، وحتى مدى فساده الأخلاقي، والرواية حقا مشحونة بالإحالة للاستعارات المجازية والتلميح الفلسفي، وفي الإمكان قراءة «لوليتا» على مستوى مسطح. فموضوع الحب فيها يشغل فضاءً أكثر مما شغله في روايات نابوكوف الأخرى. إنها رواية عن الانحطاط الأخلاقي، في حضارة مادية، إنها حقا إيروتيكا، ولكنها مع ذلك تخيب أمل عشاق الروايات الفاضحة، لأنها تظل عملا أدبيا محتشما، ويستطيع القارئ اللبيب أن يقبض فيها على العديد من المواقع مرهفة الجمال.. ولا يستبعد دارسو سيرة نابوكوف، أن تكون «لوليتا» وملابساتها الأخلاقية قد وقفت وراء امتناع الأكاديمية السويدية عن منحه جائزة نوبل التي رشحه لها الأديب الروسي ألكسندر سولجينيتسين، فظل اسمه إلى الأبد في قائمة المرشحين لها.

٭ كاتب ومترجم من العراق يقيم في موسكو

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى