سياسة

أميركا وإيران.. حالة لا حرب وتواصل لعبة عض الأصابع– مقالات مختارة-

إلى جنيف أم إلى الحرب؟/ عروة خليفة

لم تترك التحركات الأخيرة في الخليج خيارات كثيرة في جعبة واشنطن وطهران، فالطرفان يتحركان بحذر في الهامش الأخير قبل الحرب، فيما تضيق المنطقة الرمادية الفاصلة بين الحلول الصفرية وطاولة المفاوضات. ويرسم الانتشار العسكري الأميركي الأخير في الخليج حدوداً لا يمكن قطعها بأمان بالنسبة للإيرانيين، بينما قد يضع الصبر الإيراني واشنطن في موقف حرج إذا لم تحرز تقدماً بسرعة. وفي الوقت الذي تتصاعد فيه نبرات التهديد، تحاول بعض التصريحات الدبلوماسية تخفيض التوتر، إلا أنها لن تنجح في ذلك طويلاً ما لم يكن هناك أرضية واضحة للتفاوض.

مع تشديد العقوبات الأميركية على طهران مطلع الشهر الحالي، بات الاقتصاد الإيراني، المتعب أصلاً، في مواجهة انهيار لن ينتظر كثيراً، تحت وطأة الصدمات التي سببتها الإجراءات المتشددة والمتوالية منذ العام الماضي. لكن الآثار السلبية لهذه العقوبات لا تقتصر على الاقتصاد الإيراني وحده، بل تمتد لتشمل الاقتصادات العالمية نتيجة ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات عالية، خاصةً وأن أفق هذا التوتر ليس واضحاً.

أما التحركات العسكرية الأميركية في الخليج، فقد قلصت هامش المناورة إلى حد أن أي خطأ غير محسوب قد يذهب بالمنطقة إلى حرب شاملة لن تتوقف عند الخليج وحده، فيما أدت تهديدات القادة العسكريين الإيرانيين، وبعض التحركات التي رصدتها أجهزة المخابرات في الخليج، مثل تحريك قوارب صغيرة تحمل صواريخ بالستية قادرة على استهداف القوات الأميركية والمواقع الحيوية في الخليج، إلى زيادة التوتر واحتمال المواجهة.

وعلى الرغم من أن الإدارة الأميركية كانت واضحة في عدم نيتها خوض حرب واسعة في المنطقة، إلا أن ضغوط حلفائها، سواء دول الخليج أو إسرائيل، تضعها في موقف يصعب فيه التراجع عن التصعيد دون تحقيق إنجازات ملموسة. وفي سجلّ إدارة ترامب تراجعٌ سابق بعد تصعيد، عندما انتهى الأمر بالتصعيد في الأزمة الكورية إلى عقد لقاءات فارغة من المضمون، ألحقت الأذى بموقف الولايات المتحدة مع حلفائها هناك، كوريا الجنوبية واليابان، بعد أن قدم ترامب تنازلات مجانية لكوريا الشمالية إثر لقائه مع كيم جونغ أون، وهو ما كان تعبيراً عن فشل الولايات المتحدة في إدارة الأزمات العالمية. أما في الحالة الإيرانية، فإن إنهاء التصعيد دون الوصول إلى نتائج ملموسة سيكون أثره مضاعفاً على سمعة واشنطن، التي ستكون قد ارتكبت الخطأ نفسه مرتين بفاصل زمني قصير.

ضمن هذه الأجواء بدأت حدود الحرب والسلام بالارتسام، حدود معقدة ودقيقة حتى أن مجرد صاروخ كاتيوشا سقط يوم أمس على محيط السفارة الأميركية في العاصمة العراقية ولم يخلف أي إصابات او أضرار، دفع ترامب لتوجيه تهديدات لإيران قائلاً عبر توتير «إذا أرادت إيران القتال، فستكون هذه نهايتها الرسمية، لا تهدد الولايات المتحدة أبداً». هذه التحذيرات التي أطلقها الرئيس الأميركي، يبدو أنها ترسم بدورها حدوداً جديدةً لمدى التصعيد العسكري الذي تستطيع إيران الخوض فيه دون الوقوع في حرب، وهو يبدو في هذه اللحظات أصغر من أي وقت مضى.

في الواقع، قد يكون هذا التصعيد حدّاً فاصلاً في بنية النظام الدولي، فإذا لم تستطع واشنطن تحقيق تغييرات حقيقية وواضحة في السلوك الإيراني وتوازن القوى في المنطقة في أقرب فرصة، فإن أي شيء آخر لن يفلح في المستقبل، وحتى توجيه ضربات عسكرية عندئذٍ لن يكون ذا جدوى. وبينما استطاعت حرب الخليج الثانية والعقوبات الأممية إخراج نظام صدام حسين من معادلة الصراع في المنطقة نهائياً حتى قبل غزو العراق عام 2003، فإن احتمال قدرة تصعيد واشنطن على تحصيل نتائج مماثلة إذا ما استمر على هذه الحالة قد تتراجع، إذ تعتمد الآثار الاقتصادية والسياسية للتصعيد العسكري والعقوبات الأخيرة على مبدأ الصدمة الذي يؤدي إلى خسائر موجعة للطرف الإيراني، فيما سيقود استمرارها على الوتيرة نفسها، أو التراجع عنها، إلى نتائج عكسية.

ويبدو واضحاً أن النظام الإيراني يراهن على أن الولايات المتحدة لا تنوي الدخول في حرب جديدة، ما سيجعل سقف التصعيد محدوداً بانتظار تغيير يسمح بشروط أفضل له في أي عملية تفاوض جديدة، لكن طهران تعرف جيداً أنها لن تحتمل مزيداً من التصعيد دون أن تضطر إلى اتخاذ أحد الخيارين الصعبين بالنسبة لها، إشعال حرب في المنطقة، أو التفاوض مع ترامب وهو في موقف متفوق.

أما آثار العقوبات والضغوط الأميركية، فإنها ظهرت في وقت أبكر على حلفاء طهران، إذ يواجه نظام الأسد ومنذ بداية العام الحالي أزمة اقتصادية لا تزال تتفاقم نتيجة توقف الدعم المالي الإيراني الذي كان يوفر القدرة على استيراد مستلزمات مناطق سيطرته من الطاقة؛ بينما تتحدث تقارير إعلامية عن توقف حزب الله عن دعم العديد من القطاعات الإعلامية والخدمية التي وفرت له الولاء داخل لبنان؛ أما الميليشيات المرتبطة بإيران في العراق، فلا يبدو أنها تملك حرية الحركة بعد الضغوط والتحذيرات الأميركية الأخيرة، التي دفعت قوى السياسية ومرجعيات دينية مؤثرة إلى محاولة تحييد العراق عن هذه الأزمة، ما يشي بأن النتائج الأولى لمثل هذا التصعيد ستظهر بسرعة على شبكة الميليشيات والحروب المحلية التي تدعمها إيران في المنطقة. وفي سوريا حيث لا يبدو أن الميليشيات المدعومة من روسيا قادرة على تحقيق انتصارات حاسمة لوحدها، سيكون تراجع قدرة الميليشيات الإيرانية مدمراً على مستقبل التحالف الذي سمح ببقاء بشار الأسد حتى اللحظة.

يعتمد كل ذلك في الحقيقة على مدى إصرار الإدارة الأميركية على إحداث تغيير حقيقي في الوضع القائم الآن، فإذا ما قرر دونالد ترامب الانسحاب من التصعيد في الخليج من دون تحقيق نتائج تذكر لتجنب خوض حرب في المنطقة، فإنه سيكون من السهل جداً تعويض كل خسائر طهران منذ بداية العام، بينما إذا استطاعت الإدارة الأميركية فرض توازن جديد في الخليج، فإن الصدمات المتتالية التي تتلقاها طهران وحلفاؤها في المنطقة، ستتوج بتراجعات عديدة في سوريا ولبنان وحتى اليمن.

موقع الجمهورية

لم تَسْخُن بين واشنطن وطهران إلا لتبترد؟/ صبحي حديدي

يتصفح المرء القسم الدولي في موقع صحيفة “نيويورك تايمز” ليوم أمس، السبت 18/5/2019؛ فيجد خبر الصدارة مخصصاً للانتخابات في أستراليا، ثمّ مادة عن احتمالات الإرهاب داخل مجموعة “المهاجرون” في بريطانيا، وثالثة عن خيبة أمل الصينيين في أمريكا كطرف تجاري، ثمّ انهيار فنزويلا من وجهة نظر أهل الاقتصاد… الخبر الإيراني (أنّ أوروبا تُبلغ واشنطن ألا يُحسب حسابها في أية مواجهة أمريكية مع طهران)، يأتي في الترتيب السابع، وبعد تقرير عن صفقة السلام في كولومبيا، وآخر عن الاقتصاد التركي.

ذلك مؤشر جدير بأن يؤخذ بعين الاعتبار، حتى إذا أصرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على زيف أخبار هذه الصحيفة؛ إذْ كانت، وتبقى في الواقع، حاضنة أبرز التسريبات وأبكرها حول التسخين العسكري الراهن في الخليج العربي، وأسباب انتقال البيت الأبيض إلى مستوى دراماتيكي في حشد الحاملات والفرقاطات والقاذفات الستراتيجية. فهل يعني تراجع أنباء التوتر العسكري بين واشنطن وطهران أنّ السخونة أخذت تبترد تدريجياً، لتبقى في حدود التراشق الكلامي والمناوشات اللفظية، خاصة من جانب ضباط “الحرس الثوري” الإيراني؟

إنه في كلّ حال لا يعني أنّ أيام التوتير، القصيرة نسبياً في الواقع، انقضت من دون أن تسدي خدمات ملموسة لأولئك الذين تقصدوا ضبط إيقاعها على هذا النحو، تحديداً ربما، وفي واشنطن أكثر بكثير من طهران عملياً. ففي المقام الأوّل، ليس مبالغة الافتراض بأنّ أمثال جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي، خرجوا من الاختبار بحصيلة ملموسة حول الحدود القصوى لردود الأفعال الإيرانية، عسكرياً أوّلاً وفي مياه الخليج تحديداً، ثمّ ستراتيجياً على مستوى تصعيد التهديد بالإنابة (عن طريق الميليشيات التابعة) ضدّ القوات الأمريكية في العراق، وضدّ جيش الاحتلال الإسرائيلي في الجولان وجنوب لبنان. وكانت الحصيلة، ببساطة واختصار: جعجعة بلا طحن!

كذلك اختُبرت جيوب إيران المختلفة في المنطقة، وكيف يمكن أن تدخل على خطّ التوتير بين واشنطن وطهران، على نحو غير لفظي، هذه المرّة؛ وما إذا كانت قمينة بتولّي مواجهات عسكرية فعلية بالإنابة، تربك انتشار القطعات العسكرية الأمريكية في المنطقة من دون أن تستدعي تورطاً إيرانياً عسكرياً مباشراً. هنا أيضاً، اقتصر الاختبار على “تخريب” ناقلات النفط الراسية في الفجيرة، واستهداف بعض المنشآت النفطية السعودية بطائرات مسيّرة؛ وتلك حصيلة رمزية، رغم ما انطوت عليه من اختراقات أمنية غير مسبوقة.

وقد يكون الاختبار الأبرز لخيارات الإنابة هو ذاك الذي شهده العراق، ليس بوصفه سلّة النفوذ الإيراني الإقليمية الأولى في المنطقة، فحسب؛ بل كذلك لأنّ الميليشيات التابعة هناك تخضع لإدارة “الحرس الثوري” مباشرة، في نماذج كثيرة؛ ولأنّ بعضها، ثانياً، مندمج قانونياً في تركيب الجيش العراقي النظامي؛ ولأنّ الكثير منها لا يعمل على نطاق العراق وحده، ثالثاً، بل هو منتشر خارجه كذلك. ولقد اتضح، بأسرع مما كان يُظنّ في الواقع، أنّ الاجتماع السياسي العراقي غير مهيأ لفتح البلد ساحة اصطراع إيرانية ــ أمريكية، في ضوء إلى الاشتباك المعقد لتواجد البلدين على أرض العراق؛ وأنّ أحد أبرز عناصر ذلك الاجتماع كان موقف حوزات شيعية كبرى، شاءت النأي بنفسها عن التصعيد العسكري رغم بقائها في حال جلية من التعاطف مع طهران ومناوءة واشنطن.

ويبقى أنّ مبتدأ التسخين كان الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية ضدّ طهران، وأنّ أحد أهدافها غير المعلَنة كان استدراج القيادة الإيرانية إلى فخّ التراجع عن بعض بنود الاتفاق النووي، الأمر الذي يدقّ إسفيناً في علاقات طهران مع رعاة ذلك الاتفاق. من نافل القول، إذن، أنّ تراجع أخبار الاحتقان العسكري إلى مراتب خلفية ليس سوى علامة، بين أخرى مقبلة أغلب الظنّ، على أن جرعات الابتراد أو التبريد باتت سيدة اللعبة.

القدس العربي

حوار مُتخيَّل بين ترامب وروحاني/ عمر قدور

يوم الأربعاء الماضي أبدى ترامب، على حسابه في تويتر، ثقته بأن إيران سترغب قريباً في إجراء محادثات مع إدارته. الثقة تزامنت مع أخبار عن سيناريوهات قدّمها البنتاغون لمواجهة احتمالات التصعيد، إلا أن ترامب الذي اعترف بوجود اختلافات ضمن إدارته أبلغ وزير دفاعه بالوكالة عدم نيته خوض حرب، وأكد على أن القرار يعود إليه وحده. من جهتها، أكدت طهران في الوقت نفسه على اتباع سياسة “لا حرب ولا مفاوضات”، مع استعداد يُراد إبرازه لمواجهة الاحتمال الأول، وعدم توفر معلومات عن استعداد موازٍ للاحتمال الثاني، رغم أن التكهن بوجوده لا يعوزه المنطق.

قبل أيام أيضاً كان قد تسرب خبر إرسال ترامب رقماً ليستخدمه الإيرانيون في الاتصال به عبر الوسيط السويسري، وحركة الوسيط لم تتوقف في الآونة الأخيرة على الجانبين. المعطيات المتوفرة جميعاً تنبئ برغبة ترامب في عقد مفاوضات عاجلة، هاجسه الأقوى في استعجالها هو تسجيل نجاح ضخم لسياسة العقوبات، للقول بأنه نجح في جر الإيرانيين تحت الضغط. وإذا كان مجرد بدء المفاوضات سيُعدّ انتصاراً لترامب فهذا ما لا يود حكام طهران منحه إياه سريعاً، لا بالطريقة التي يشتهيها، ولا بأية طريقة تظهر مباشرة انصياعهم للضغوط الاقتصادية، أو رضوخهم للتهديدات العسكرية الأمريكية التي تهدف إلى الردع أكثر مما تنطوي على نوايا هجومية.

مع ذلك لا بأس إذا أطلقنا العنان لأفكارنا، وتخيلنا نجاحاً سريعاً لترامب في جر الملالي إلى المفاوضات. ما يناسب مزاج ترامب هو عقد لقاءات قمة، لأنه ليس من طينة أوباما الذي كلّف موظفي خارجيته بمفاوضات طويلة وصبورة لإنجاز الاتفاق النووي، ولم يسعَ في النهاية إلى إبرامه مع مصافحة “تاريخية” أمام العدسات. الوسيط السويسري مستعد للتواصل في ما يخص تفاصيل انعقاد القمة، ومن ثم استضافتها، ورغم كونه مكاناً شبه تقليدي لاستضافة المؤتمرات إلا أنه يناسب مزاج ترامب ويرضي بحياديته حكام طهران.

ستظهر أثناء التحضير للقمة تفاصيل تنذر بفشل الفكرة، مثلاً قد يقرر روحاني اصطحاب أحد قادة الحرس الثوري ضمن وفده، رداً على وجود جاريد كوشنر في عداد وفد ترامب، وتسرّب طهران الخبر للإعلام للمتاجرة برفضها حضور الصهر “اليهودي”. لكن من المحتمل جداً التوصل إلى حل يقضي بعدم حضور كوشنر جلسة القمة، لأن ترامب نفسه وجد من الأنسب إبعاد صهره لئلا ينصرف اهتمام الإعلام إلى صلة القرابة بينهما. قد يوعز ترامب إلى منسقي المفاوضات بطرح مسودة بيان ختامي طموح، فيطلب نظراؤهم الإيرانيين مهلة لاستشارة المرشد، وبعد أيام يأتي الرد بالرفض وضرورة ترك مسألة البيان لمجريات القمة نفسها، إلا أن ذلك لن يوهن في عزيمة ترامب إذ سيراهن على ممارسة تأثير شخصي على روحاني يدفع الأخير إلى عدم التقيد التام بتعليمات خامنئي.

مع بدء القمة سيتفحص ترامب روحاني من الأعلى إلى الأسفل، ويستهل حديثه بالإطراء على جوارب روحاني، فيجيب الأخير جاداً بأنها صناعة إيرانية مئة بالمئة مذكِّراً بالتاريخ العريق للحضارة الفارسية، التاريخ الذي لم ينقطع إلا مؤقتاً بسبب سيطرة “البرابرة من شاربي بول البعير”. ولن تسمح له رصانته بشيء من المرح المقابل، فضلاً عن أن تبادل عبارات الإطراء مع الأمريكيين مرفوض من قبل المرشد. هذه البداية غير المتكافئة لن تثني ترامب عن القول أنه يحس بأن العلاقة بينه وبين نظيره ستكون رائعة، رغم الخلاف العميق في العديد من الملفات. المهم برأيه أن “الكيمياء” بينهما ممتازة، وهذا مبشّر للبلدين، بخاصة للقيادة الإيرانية التي سيكون في وسعها نقل اقتصادها إلى أرقى مستوى إذا قبلت بتوقيع الاتفاق المعروض عليها.

بعيداً عن كاميرات الإعلام التي غطت استهلال القمة، سيكون في وسع ترامب تذكير روحاني بالسياسات الأمريكية التي خدمت طهران، فأسلافه الجمهوريون قدموا لها خدمة بالقضاء على العدو اللدود صدام حسين، ومن قبله بإزاحة المنافس السني المتشدد “طالبان”. تلك الخدمات المقدّمة شرقاً وغرباً ليست ما يشغل بال ترامب، بل يريد استمرار التعاون في أفغانستان والعراق. ما يغيظه حقاً هو تساهل أوباما في أماكن أخرى مثل التوسع الإيراني في سوريا واليمن، وبالطبع تساهله في ملف الصواريخ؛ هذه الأثمان ينبغي البحث فيها، ولا ينبغي من ناحية حسابية بحتة دفعها لقاء اتفاق هزيل أراد به أوباما تبرير حصوله على جائزة نوبل للسلام.

في المقابل، سيرد روحاني بأن بلاده ساعدت واشنطن من خلال ميليشياتها الحليفة في أفغانستان، وضمنت انسحاب معظم القوات الأمريكية بسلاسة من العراق، مذكِّراً وهو يبتسم بنوايا صدام حسين امتلاك مدافع عملاقة وأسلحة دمار شامل. وعن تهديد أمن المنطقة سيقول أن بلاده تحارب الإرهاب وتضحي بالمقاتلين الشيعة نيابة عن المجتمع الدولي، والميليشيات الشيعية منضبطة ولا تخرج عن أوامر المرشد، وهناك تجارب على الانضباط العسكري والسياسي يمكن الاستشهاد بها وعلى رأسها تجربة جنوب لبنان. ثم بعملية حسابية بحتة، كل ما يُقال عن تهديد إيراني لأمن المنطقة تستفيد منه واشنطن ببيع مزيد من الأسلحة لبلدانها، وهذا ينبغي أن يسعد المجمّع الصناعي الحربي في أمريكا.

يضحك ترامب مقاطعاً: هذه تحليلات تليق بالفايسبوك، أنصحك بتويتر يا صديقي العزيز. على أية حال، لم نأتِ إلى هنا لنناقش الماضي، جئنا لنصنع المستقبل. الصفقة التي أعرضها عليك، ولن تتكرر في هذا القرن، أن تكون زعيماً عظيماً لبلد مزدهر ولشعب مرفّه. دعني أؤكد لك على أمر، باستثناء فنزويلا لست مع التدخل لتغيير الأنظمة، ما أطلبه بسيط جداً؛ أن تغيروا في سلوك نظامكم ونعقد صفقة رابحة للطرفين. يغالب روحاني قهقهة تكاد تصدر منه ومن وزير خارجيته إلى جانبه: لكن ما تطلبه يا سيد ترامب هو المستحيل، ما الذي يبقى من النظام إذا تغير سلوكه؟! لدينا مثل فارسي قديم يقول: أنت لا تستطيع الطيران بأجنحة غيرك. وبالنسبة لشعبنا وصبره لدينا مثل آخر يقول: على مذبح القرار ينام الناس نوماً عميقاً.

مع انتهاء الوقت، ونظرات وزير الخارجية مايك بومبيو الساخطة، يقول ترامب بنبرة احتفالية: حسناً المهم أننا أصبحنا صديقين عزيزين، ولدينا ما نعلنه للإعلام عن صداقة عظيمة بدأت للتو. لقد فعلنا ذلك من قبل، أنا وصديقي كيم جونغ أون، ولعلنا نجتمع نحن الثلاثة قريباً. لم لا؟

المدن

الحال المرعب للعالم!/ نهلة الشهال

يقول علماء البيئة – وهم من بين من وقّع العام الفائت على عريضة عالمية حملت آلاف الاسماء المحترمة والموثوقة – أن الحياة على الكرة الارضية مهددة بشكل جدي بسبب تصرفات البشر. هناك تسارع مذهل في الانقراض التام للأنواع الحية، الحيوانية والنباتية، مع ما يعنيه ذلك من اختلال عميق في التوازن الايكولوجي لكوكبنا. وهو اختلال مميت، بلغ وتيرة مخيفة في العقود القليلة الماضية. والملوِّثون ليسوا فحسب البشر العاديين وفق النمط السائد في حياتهم اليومية – وهو ليس اجبارياً، بل خيار ناجم عن انفلات الاستهلاك وعن ثقافة الاستهتار – بل هي الصناعات الثقيلة على أشكالها، والحروب. أي هي سياسات القوى المهيمنة في السلطة والاقتصاد.

ولكن علماء البيئة هؤلاء يقولون أيضاً أن الارض ستجدد نفسها وتتعافى خلال بضع سنوات لو غاب الانسان عنها! وهو تقدير قد يدعم التصورات الآخروية أو “الأبوكاليبتية” ومعها المتشائمين والمستسلمين على أنواعهم. لكنه تقدير علمي بحت.. ولا حول ولا قوة إلا بالله!

وفي افتتاح مهرجان “كان” للسينما منذ أيام، حذّر رئيسه لهذا العام، المخرج المكسيكي ألخاندرو إيناريتو، من حرب عالمية جديدة، مشيراً الى اجواء تشبة 1939. وتحدث عن “الحنَق والغضب والأكاذيب والجهل” باعتبارها الصفات التي تميز القادة المتحكمين بالعالم، وبالطبع عن الحائط الذي ينوي ترامب بناؤه بين الولايات المتحدة والمكسيك لمنع الهجرة، ونعت هذا الاجراء وسواه بـ”الحلول الوهمية”.

.. وفي الاثناء، كانت واشنطن ترسل المزيد من القطع العسكرية الى منطقة الخليج، وتحرك طائرات بي 52 من قواعدها هناك، وتجلي رعاياها من العراق، كما أوقفت دول أوروبية برامج التدريب المدني المختلفة فيه ورحّلت مبعوثيها منه. وبدا أن الحرب مع إيران صارت “محتملة” أو أنها لم تعد مستبعدة تماماً. وتميل الاراء الى تحميل مسئولية هذا المنحى الى نصائح جون بولتون، مستشار الرئيس للأمن القومي، وأحد مفبركي الحرب ضد العراق في زمانها. وهو سيقوم خلال أيام بجولة في أوروبا لدعم قوى وأحزاب اليمين المتطرف، الفاشي وشبه الفاشي، فيها. والرجل بذلك يمتلك تصوراً استراتيجياً عن العالم “كما يجب أن يكون”، ويسعى لتطبيقه. وهو يحظى بتأييد وزير الدفاع الجديد باتريك شانَهان، الذي عمل كل حياته في الصناعة الحربية الامريكية العملاقة التي تمتص نصف ميزانية البلاد!

ويضاف الى بولتون وشانهان ونائب الرئيس بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو (الذي يكاد لا يبرح منطقتنا..)، يضاف إليهم تحريض نتنياهو الدائم ضد إيران باعتبارها الخطر رقم واحد. وهذا الاخير يحلم، على طريقة الصبية الصغار في المدارس الابتدائية، بانه يمكن شطب من يضايقه بضربة قدم غاضبة في الجدار، فيختفي الخصم! وهو يتشارك في أحلامه الصبيانية تلك مع قادة الخليج الجدد، بن سلمان وبن زايد، وهم “حربجية” أيضاً، ويبدو أنهم يظنونها من ألعاب “الاتاري” التي أمضوا طفولتهم ومراهقتهم أمام شاشاتها. ولعل الجهل (الصفة الرابعة التي ذكرها المخرج المكسيكي) تجعلهم غير مدركين للأخطار المباشرة التي ستقع حينذاك على بلدانهم، بل وعليهم هم شخصياً.. ولكن لا بأس.

.. في الاثناء، أطلقت القوات الاسرائيلية النار على متظاهري غزة بمناسبة ذكرى النكبة في 15 أيار/ مايو، واسقطت شهداء وعشرات الجرحى. ولكن انتباه العالم كان مشدوداً الى مشاهد وعواطف أخرى. بل لم ينتبه الناس الى تمكّن قراصنة الأنترنت (الـ”هاكرز”) من تخريب بث مسابقة ال”يوروفيجن” الغنائية التي تجري في تل أبيب هذا العام، بارسال صور انفجارات وهمية في شوارع المدينة تخللت المشاهد.

وبالطبع تموه هذه الاجواء ما يجري في اليمن حيث تَفتتح الحرب عليه عامها الخامس، متسببة بالمجاعة والكوليرا. ويعتقد ترامب وربْعه أنها “ضرورية” وستستمر باعتبارها جزء من المنازلة مع طهران.

ومنذ أيام، في ليل الثامن من رمضان، هجم على المعتصمين السلميين أمام مقر رئاسة الجمهورية في السودان، مسلحون “مجهولون” اطلقوا النار عشوائياً، فسقط 6 شبان بينهم ضابط في الجيش كان بقربهم ويؤازرهم، ومئات الجرحى. وتبرأ المجلس العسكري الانتقالي، بلسان رئيسه الجنرال برهان، من الحادث واستنكره ووعد بمحاسبة الفاعلين.. ولكنه يعلم أنها قد تكون خطوة أقدم عليها نائبه، الجنرال “حميدتي” قائد “قوات الدعم السريع” شبه النظامية (التي كان قد أسسها البشير، من بين سواها). وهو بطل فظاعات دارفور، والرجل الذي اختارته السعودية والامارات ليكون بطلها الحالي.. هناك صراع على السلطة في الخرطوم، وقد خُيِّر الجنرال “حميدتي” بين نيابة الرئاسة وبين الاستمرار في قيادة قواته تلك والذهاب بها الى مهام “حماية الحدود”، أي مغادرة العاصمة، فادّعى انه اختار هذا المنصب الأخير.. ولكنه فعلياً يريد الاثنان معاً، بل يريد أن يترقى الى رئاسة المجلس بدلاً من الرهان، مستنداً الى الدعم المالي الخليجي المتدفق عليه والدعم اللوجستي المصري.. بينما تميزت التحركات الشعبية في السودان طوال الاشهر الخمسة الفائتة بقوة سلميتها وجماهيريتها وبمتانة وحصافة ممثليها وسياسييها، وبدت وكانها قادرة – بفضل هذه الصفات جميعها – على موازنة “الوسخ” السلطوي البشع، وعلى تعطيل أذاه باقل الخسائر الممكنة، وعلى قيادة مفاوضات مع المجلس العسكري الانتقالي أعلن عن نجاحها قبل أن يَجدّ هذا الجديد.. وهنا ايضاً، وعلى الرغم من ريادية هذه التجربة الملهمة (ومثيلتها مما يجري في الجزائر وما زال قائماً لم يعطله لا صيام ولا مراوغات)، فهي قد تُنسى أو تفوت على الانتباه بحكم الأشباح المنفلتة المشكِّلة لما هو أعظم.. الله يستر!

السفير العربي

جعجعة حرب/ حسام كنفاني

تعيش منطقة الخليج العربي على وقع حشود عسكرية أميركية، وحديث متصاعد عن إمكان تحول المنطقة إلى كتلة نار بفعل احتمال شن حرب على إيران. الاحتمال يتراجع حيناً ويتقدّم أحياناً أخرى، غير أن فرضية حدوثه حقيقة قد تكون مستبعدةً لأسبابٍ كثيرة، خصوصاً أن من الواضح أن هذه الحرب لا أحد يريدها، لا الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ولا حتى النظام الإيراني، وعلى رأسه المرشد علي خامنئي، ولا حتى الدول الخليجية التي يحرّض بعضها ليلاً نهاراً ضد إيران، سيما أنها تعلم أنها ستكون الخاسر الأكبر في أي حرب تحدث في منطقتها، عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً، فالرئيس الأميركي، وعلى الرغم من الجنون الذي يعتريه، إلا أنه رجل مال وأعمال في الدرجة الأولى، وليس رجل حربٍ على غرار ما كان عليه الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن. حسابات ترامب، في أي خطوة يقوم بها، مالية بالدرجة الأولى، وأساس انخراطه في الدفاع عن السعودية وولي عهدها كان ولا يزال مرتبطاً بالأموال التي يمكن أن يجنيها من المملكة. لا يستحي ترامب من المجاهرة بذلك، وهو يرفع راية الدفاع عن السعودية وحمايتها لافتةً لنيْل ما تيسّر من مليارات الدولارات من الدول الخليجية التي تسعى إلى التقرّب منه. غير أن لافتة الحماية شيء، والانخراط في حربٍ مباشرةٍ مع إيران، إرضاء لهذه الدول، شيء مختلف تماماً، حتى ولو كانت هذه الدول هي من ستموّل الحملة العسكرية الأميركية. تؤكد التسريبات الصحافية في ذروة التوتر في الخليج هذا الأمر، وحتى التصريحات العلنية لترامب، في الأيام الماضية، قال فيها إنه “لا يتمنّى أن تقوم حرب مع إيران”، إضافة إلى سعيه الحثيث إلى تهدئة التوتر عبر قنوات اتصال مع طهران، عبر سويسرا أو غيرها.

الأمر مشابهٌ بالنسبة إلى الإيرانيين الذين لا يوفرون مناسبةً لتأكيد أن لا حرب ستقوم مع الولايات المتحدة، وأن إيران لا تريد حرباً كهذه. والمفارقة أن هذا الكلام جاء على لسان المرشد الإيراني الذي صرح، في سياق خطاب، تضمن ما تيسّر من التهديد المعتاد، أن إيران لا تريد الحرب مع الولايات المتحدة، وهو مخالفٌ أساساً للشعارات الكبيرة التي كانت ترفعها الجمهورية الإسلامية في السنوات السابقة عن تدمير “الشيطان الأكبر”. وحين جاءت الفرصة لذلك، بحسب ما يعتقد غلاة المؤمنين بغطرسة القوة الإيرانية، ها هي تتراجع، وتؤكد أنها لا تريدها، وربما بالأساس غير مستعدة لها.

أما الدول الخليجية، والتي ترى نفسها في صدارة مواجهي إيران في المنطقة، والحديث تحديداً عن السعودية والإمارات، فهي الأخرى لا يمكن أن تكون راغبةً في حرب مدمّرة في المنطقة، إذ ستكون الخاسر الأكبر فيها، وخصوصاً أن أي ضربة أميركية جدّية لإيران لن تمر من دون رد إيراني يطاول هذه الدول، ويؤسّس لانهيارها فعلياً، اقتصادياً واجتماعياً. فإضافة إلى الكلفة العالية للحرب، والتي ستتحملها وحدها، فإن آثارها ستكون مدمرةً للرعائية الاستهلاكية التي تقوم عليها هذه الدول، وبالتحديد الإمارات. جل غاية هذه الدول من الحشود العسكرية هو محاولة لجم إيران، واستخدام الأسطول الأميركي في الخليج فزّاعة في وجه إيران، ومنعها من تكرار استهداف الإمارات والسعودية، كما حصل الأسبوع الماضي ضد سفنٍ في الفجيرة ومحطات نفط في السعودية.

إلى الآن، كل الحشود والأحاديث عن الحرب في المنطقة، وبناء على تصريحات المعنيين فيها والتحليلات لتداعياتها، هي جعجعةٌ، وقرقعة أصوات السلاح، علها تكون رادعاً كافياً لمحاولة ضبط السلوك الإيراني في المنطقة، خصوصاً أن الجميع يعلم أن للحرب قصةً أخرى.

العربي الجديد

عن الحرب التي لم تقع/ ساطع نور الدين

ليس في السياسة حظ . فهي فن وعلم وقوة. لكن إيران تناقض هذه النظرية، إذ تبدو اليوم محظوظة أكثر من اي وقت في تاريخها، سواء بحلفائها أو بأعدائها، الذين يساهمون في وضعها في مرتبة دولة كبرى قادرة على تحدي قوة عظمى، ومواجهتها، وربما على الانتصار عليها، على الرغم من تواضع قدراتها وإمكاناتها و”فنونها” السياسية.

ومثلما يظهر حلفاء إيران حماسة للتضحية بأنفسهم من أجلها، يتخبط أعداؤها المتفوقين قوة ومكراً، ويعتمدون سياسات لا يمكن أن توصف بغير الغباء والجهل، بأبسط قواعد الصراع، ويسيرون نحو نهايات حتمية، صار تكرارها مملاً الى حد السأم، وباتت نتائجها معروفة ولا تحتاج الى تنبؤات ولا تتطلب معجزات.

لكنه يسجل لإيران الآن أنها تقف على الجانب الصح من الصراع، إذ هي أضافت الى رصيد حلفائها الانتحاريين، الجاهزين للموت فداء لها في أي لحظة، حليفاً موضوعياً بالغ القوة، مرشحاً للمساهمة الفعالة في تشكيل النظام العالمي الجديد، هو المارد الصيني، الذي لا تفصله عن حدودها الشرقية سوى القليل من الدول والعوائق، والذي يتقاسم معها خندقاً واحداً في الحرب ، التجارية والسياسية، مع القوة الاميركية الآفلة.

ثمة إجماع على أن تلك الحرب التي تدور رحاها بين الصين وأميركا، تفسر الكثير من وقائع المواجهة الاميركية مع إيران، وتؤسس لدور صيني عالمي، يصب في نهاية المطاف في المصلحة الاستراتيجية الإيرانية، ويمهد لهزيمة سياسية أميركية جديدة، بعد الهزيمتين الاخيرتين في كل من كوريا الجنوبية وفنزويلا، والتي كان لبيجين دور حاسم فيهما، برغم الادعاءات والاستعراضات الروسية الفارغة.

لا شيء يمنع أن تكون نهاية الازمة الايرانية الحالية مع أميركا مطابقة للسيناريو الكوري او الفنزويلي، بل لعل هناك ما يوحي بأن الاميركيين الذين يفقدون في الأصل إهتمامهم الاستراتيجي بالشرق الاوسط، سيسلمون لإيران بالهيمنة على منطقة الخليج العربي، بعدما سلموا لها سابقا بالغلبة في افغانستان، ثم بالنصر في العراق وفي سوريا وفي اليمن طبعاً. والوقائع الاخيرة حاسمة في هذا الاتجاه. فقد إستطاعت إيران أن تعطل بدائل مضيق هرمز، في ميناء الفجيرة وخط أرامكو الافقي السعودي، وأن تفرض تحكمها على ذلك الممر المائي الذي كان حيوياً للنفط الخليجي العربي، لكنه شهد الاسبوع الماضي عبور ناقلة نفط صينية أسمها “باسيفيك برافو”، محملة بمليوني برميل نفط إيراني متجهة الى موانىء الصين.

من دون جهد كبير، تكتفي إيران بإرسال ألغام بحرية نحو الامارات وطائرات درون نحو السعودية، وتعلن الاستنفار في صفوف ما يزيد على مئة ألف مقاتل إنتحاري (عراقي ولبناني ويمني وسوري..) إذا ما فكر الاميركيون وحلفاؤهم في شن الحرب أو في خوض المواجهة العسكرية المباشرة معها. وهي تؤكد بذلك أنها قادرة على إشعال المنطقة برمتها. الأمر الذي لا يعقل ان يكون قد غاب عن بال الرئيس دونالد ترامب، عندما قرر المضي قدماً في الحصار والعقوبات وفي التلويح بتغيير النظام الايراني.

القول ان إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو هو الذي يدير الآن السياسة الخارجية الاميركية، يحتمل الصواب، بدليل ما حققه من مكاسب سياسية مهمة في مساعيه لإشراك أميركا في تصفية القضية الفلسطينية. لكن الاستنتاج بأن واشنطن باتت منقادة كلياً لمشيئة نتنياهو الايرانية ما زال يحتاج الى الكثير من التدقيق، لاسيما وأن الاصوات بدأت ترتفع في كل من واشنطن وتل أبيب محذرة من مغبة التورط الاميركي في الرغبات الاسرائيلية الخطرة او على الاقل المكلفة على المصالح الاميركية.

الغارة الاسرائيلية الاخيرة على مواقع إيرانية محيط العاصمة السورية تعقّب على هذه الاصوات بالتحديد، وجاءت لتثبت ان إسرائيل تتحمل قسطاً من أعباء المواجهة المباشرة مع إيران. الغارة هي أيضاً بهذا المعنى ردٌ  إسرائيلي على الهجومين الايرانيين على ميناء الفجيرة وخط أرامكو في الرياض.. وتلميح الى أن خط الاشتباك الذي أُقفل في مياه الخليج، بعدما تراجع الجانبان الاميركي والايراني وأبعدا قواتهما المقاتلة عن بعضها البعض، عاد مجدداً الى سوريا، التي لا تزال تحتمل الكثير من المناورات العسكرية المتبادلة وغير الخطرة.

ثمة ما يوحي بأن الحوار غير المباشر قد بدأ بين الاميركيين والايرانيين، بعدما بلغ الجانبان الحدود القصوى، وحددا عناصر قوتهما وأدوات إستخدامها، ولم يبق سوى الاتفاق على صيغة الاعلان المتبادل بأن أحدهما قد جلب الآخر الى طلب المفاوضات.. بضربة حظ لا مثيل لها.

المدن

حرب الإرادات” وفقاً لخامنئي/ مهند الحاج علي

خلال الأسابيع الماضية، تطرق مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي في أكثر من مناسبة إلى التوترات مع الولايات المتحدة، وخُططها لـ”تصفير” مبيعات النفط الإيرانية. في طيات الكلام رسائل مفيدة لفهم الاستراتيجية الإيرانية في المرحلة المقبلة.

بداية، وبغض النظر عن التهديدات العسكرية المتبادلة، لدى الإيرانيين يقين بأن واشنطن لا تريد حرباً. والإيرانيون أيضاً لا يُريدونها. بكلام خامنئي، “لا نحن نسعى وراء حرب، ولا هم (الأميركيون) يريدونها لأنها ليست في صالحهم”، و”من يهدد بهذا الصوت المرتفع لا يمتلك القوة لتنفيذ تهديداته”.

هذه القناعة بعدم الرد الأميركي، ناجمة عن تقويم لسياسة الإدارة الحالية، وتحديداً جمعها بين انتهاج سياسة متوترة مع أوروبا والصين، من جهة، وبين الانقسامات الداخلية العميقة حيال السياسة الخارجية. وقد لا تكون اتهامات الرئيس الأميركي دونالد ترامب للديموقراطيين بفتح خط اتصال مع الإيرانيين، بعيدة عن الواقع. ذلك أن الديموقراطيين يتصرفون وفق منطق السيطرة على الحرائق التي تُشعلها الإدارة الأميركية في سياستها الخارجية المتهورة مع الحلفاء قبل الأعداء. وبما أن الديموقراطيين يُمسكون بمجلس النواب، ذكروا الرئيس الأميركي بدور الكونغرس في التصويت على قرار الحرب. يُضاف إلى ذلك أن ترامب نفسه ليس بوارد الدخول في حرب مع الإيرانيين، بل يختلف مع توجهات بعض فريقه وعلى رأسه مستشار الأمن القومي جون بولتون، كما سرّبت صحيفتان أميركيان أخيراً.

من منطلق التردد الأميركي في الحرب، رغم الوتيرة المرتفعة للتهديد، جاء الرد الإيراني المحدود وبالوكالة في الخليج. هذه رسالة وقد تليها خطوات أخرى. وسبق للمرشد أن تحدث عن هذا الرد في كلمة خلال لقاء مع وفد عمالي في 24 الشهر الماضي: “إنّهم يمارسون العداء ضدّنا، وليعلموا أنّ عداءهم هذا لن يبقى من دون ردّ. وسوف يتلقّون الردّ على عدائهم هذا، فالشعب الإيراني ليس بالشعب الذي يجلس ويتفرّج كيف يجري التآمر عليه، والعمل ضده، ويبقى ساكتاً”.

ثانياً، إيران لن تُفاوض على “عمقها الإستراتيجي”، كما يسميه خامنئي، ولا على قدراتها الصاروخية. “التفاوض سمّ، ما دامت أمريكا هي ما عليه الآن”. وفي ظل إدارة ترامب، “التفاوض مع الحكومة الأمريكية الحالية سمّ مضاعف”. بحسب المرشد، أصل التفاوض خطأ إن كان ذلك مع إنسان سوي، “فكيف بهؤلاء الذين هم غير أسوياء ولا يلتزمون بأي شيء؟ طبعاً لا يوجد عاقل بيننا يركض وراء التفاوض”. لهذا حدد الزعيم الإيراني “الخيار الحتمي” وهو “مقاومة أميركا” و”إرغامها على التراجع”.

لكن المقاومة هنا ليست عسكرية بل هي “صراع إرادات”. “هذه المواجهة ليست عسكرية لأنه ليس من المقرّر نشوب أي حرب … هذه المواجهة هي مواجهة الإرادات، وإرادتنا هي الأقوى”.

يستشف القارئ من خطابات خامنئي، توجهين رئيسيين لإيران خلال الفترة المقبلة في “صراع الإرادات”، بعيداً عن الخيارات العسكرية التي تتمثل بتصعيد محدود. أولاً، ستحاول إيران مواصلة تصدير النفط “بمقدار ما نحتاج ونريد، ونحن قادرون على ذلك … إذا شمّر الشعب النشط والمسؤولون اليقظون عن سواعد الهمّة، يمكنهم فتح الكثير من الطرق المسدودة”.

وأخيراً، يُوفر انقطاع النفط فرصة اقتصادية لإيران للتقليل من “إرتهانها لبيع النفط” مقابل تنمية قدرات كامنة. “المهمّ أن نعي في الداخل جواهرنا الداخلية ونتعرّف عليها، ونعلم أنّ الطاقات الإنسانية في بلادنا وفي مجتمعنا ومصادرنا الإنسانية وإمكانياتها وقدراتها أكثر بكثير ممّا يظهر في الوقت الحاضر”.

يرى المرشد الإيراني في تجدد الحصار الأميركي بقيادة ترامب، فُرصة لتجديد ثورية النظام، ذاك أن 4 عقود من السياسات الأميركية المعادية لطهران أنتجت دولة أقوى ذات مناعة اقتصادية ومخالب حربية وإقليمية. بكلام آخر، خامنئي يرى في العقوبات والصراع مع واشنطن، فرصة لنمو الاقتصاد الإيراني باتجاهات مختلفة وكي تصير أقل اعتماداً على النفط.

هذه الخطة الاقتصادية غير واضحة المعالم، سيما أن تنويع الاقتصاد الوطني يحتاج إلى استثمارات لا تقدر عليها الحكومة الإيرانية في ظل تقلص مداخيلها. والواضح أن إيران ترغب في إعادة هيكلة اقتصادها مجدداً باتجاه الإنتاج والتركيز على الاكتفاء الذاتي وتعزيز العلاقة التجارية مع “عمقها الاستراتيجي”. وقد تحتاج في ذلك الى مداخيل النفط، ربما عبر تهريبه.

ربما من هنا بإمكاننا الاستنتاج بأن التصعيد العسكري عبر الوكلاء والأصدقاء، يهدف الى فتح كوة في جدار العقوبات الأميركية، إما عبر تمديد الاعفاءات الاستثنائية أو غض النظر وعدم الملاحقة في حال شراء الصين أو أطراف أخرى النفط الإيراني. ومثل هذا التفاهم يُعد بمثابة هدنة بانتظار حروب بالوكالة في ساحات ثانوية.

المدن

مَن المُستفيد من التصعيد بين واشنطن وطهران؟/ مثنى عبد الله

عَرضَ مقال الأسبوع الماضي سؤالا عن من المستفيد من التصعيد الأخير بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. ثم جاءت عملية تخريب أربع سفن تجارية قبالة سواحل دولة الإمارات، بدون إعلان أي جهة مسؤوليتها عن الحادث. تلاها بعد يومين من ذلك الهجوم طائرات مُسيّرة مسلحة ضربت محطتين لضخ النفط في السعودية، في هجوم أعلن الحوثيون المتحالفون مع إيران المسؤولية عنه. كلها أحداث جاءت لتؤكد السؤال المطروح، من المستفيد؟

يقينا أن التصعيد الأخير لم يكن خالصا بين طرفي المعادلة الرئيسيين وحسب. فهنالك أطراف أخرى لها مصلحة كبرى في أن تقع الحرب بين واشنطن وطهران. ومن هنا يأتي تزامن الهجوم على السفن ومحطتي ضخ النفط، وإذا كان الحادث الأخير قد بانت الجهة المسؤولة عنه، لأن هنالك حربا معلنة بين السعودية والحوثيين، فإن الحادث الأول يختلف تماما، لأنه ذو طبيعة استخباراتية، قد يكون المتضرر فيها هو الفاعل أيضا، بهدف جر الأمور إلى مديات أخرى، تحقق له الفائدة المرجوة مستقبلا. بينما الحادث الثاني عملية عسكرية واضحة المعالم، لولا الجهد الإيراني تدريبا وتسليحا وتمويلا وتخطيطا، لما كانت الجهة المسؤولة قادرة على القيام به. لكن تحليل الظرف المكاني للحادثتين يشير وبوضوح إلى أن الرسالة فيهما كانت واحدة. فتخريب السفن جاء على بعد تسعة أميال بحرية عن ميناء الفجيرة، الذي يُعتبر البديل لتصدير النفط في حالة إغلاق مضيق هرمز كونه لا يقع مباشرة في المضيق. كما أن الضربة على محطات ضخ النفط في السعودية جاءت على الخط البديل لنقل النفط السعودي، في حالة إغلاق المضيق أيضا. بمعنى أن الفاعل كانت رسالته واضحة بالقول إن كل البدائل لا تنفع إن وقعت الحرب في الخليج، وأن لا مهرب لأحد منها، فالجميع سيكون خاسرا.

كما أن العامل المشترك الآخر في العمليتين هو أن التنفيذ جاء بأدنى مستوى من الضرر، كي لا تكون ذات تهديد كبير، ثم مبررا لقيام ضربة انتقامية، أو الذهاب إلى حرب مباشرة. فحتى ترامب لا يستطيع اتخاذهما حجة، أو لافتة كبرى يستطيع تسويق فكرة الحرب على إيران بهما. وفي هذا المجال تصف مجلة «جينز ديفنس» العسكرية الأسبوعية مدبري الهجومين (ليسوا من هؤلاء الذين يسعون لجذب الأضواء، بل هو شخص يريد إبراز شيء ما بدون أن يشير بالضرورة لأي اتجاه معين. إنه لم يتجاوز خط الحرب). هنا يأتي الحديث عن الأطراف المستفيدة من التصعيد الأخير في الخليج العربي وهي أربع قوى.

*المستفيد الأول هو إسرائيل، وأحد أهم مسلماتها الاستراتيجية هو في حالة خوض حرب يجب أن تكون على أرض العدو، ويجب أن لا تكون الحرب طويلة بل خاطفة، وليست حرب استنزاف. وهي اليوم ترى أن التمدد الايراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن يضعها في حالة حرب استنزاف، لأنها مجبرة على خوض حرب جوية مستمرة لتدمير هذا التمدد. لذا هي تعتبر دفع واشنطن لتوجيه ضربة كبرى إلى إيران وإلحاق الهزيمة بها، وتدمير برنامجها النووي والصاروخي، بما يصعب عليها النهوض مرة أخرى أولوية بالنسبة لها. لذلك كانت أكبر معضلة واجهتها، عندما ذهب أوباما إلى توقيع الاتفاق النووي مع إيران، بما لا يلائم النظرية الاسرائيلية، فشعرت بأنها ستخوض الحرب مع طهران بمفردها. لكن في الوقت نفسه ترى إسرائيل أن راديكالية النظام الإيراني الحاكم باتت عامل استقرار مهم لها في المنطقة العربية. فسياساته الخبيثة والرعناء، هي التي أزاحتها من موقع العدو الاستراتيجي في عقل النظام العربي الرسمي، كي تحتل مكانها إيران كعدو أستراتيجي، وبذلك باتت سببا مباشرا في سريان الدفء في العلاقات بين إسرائيل والحكام العرب.

*المستفيد الثاني هو الولايات المتحدة الامريكية، فالرئيس ترامب يريد أن يدخل الحملة الانتخابية الرئاسية الثانية وقد حقق كل ما وعد به قاعدته الشعبية قبل أربع سنوات، حيث وعد بتغير سلوك إيران الإقليمي، وإبرام صفقة معها، وإنهاء الحروب الامريكية في الخارج. كما أنه يريد تطبيق ما تريده إسرائيل، كذلك وهذه هي متطلبات اليمين المتطرف. أذن الحشود العسكرية الامريكية، والطلعات الجوية لطائرات ب52 هي كلها مرتبطة بما يسمى بناء القوة، التي رسائلها للطرف الآخر تشير إلى أننا على استعداد تام. وهنا نرى في الجزء الظاهر من المشهد الرئيس ترامب الذي يضغط على إيران بالوسائل العسكرية والاقتصادية كي يستفيد، لكن أيضا هنالك مستفيد آخر ولاعب مهم في الجزء الخلفي من المشهد، وهم صقور الادارة الامريكية، وأبرزهم مستشار الأمن القومي بولتون، الذي بحسب صحيفة «نيويورك تايمز» هو من طلب من القيادة العسكرية إرسال حاملة الطائرات لنكولن إلى الخليج.

*المستفيد الثالث من الأزمة الحالية في الخليج العربي هي إيران نفسها. فطهران ترى في الضغوط الخارجية السياسية والاقتصادية التي تتعرض لها، نعمة كبيرة لتعزيز الاستقرار الداخلي بعد التظاهرات الشعبية التي هزت صورة النظام. وأن التهديد الخارجي يقضي على مصداقية أي صوت داخلي معارض يخرج في هذا الوقت الحرج. كما أنها فرصة كبيرة لاختبار جاهزية الأذرع الخارجية التي صنعتها في دول المحيط. يضاف إلى ذلك استغلال الأزمة للضغط على الأطراف الموقعة على الاتفاق النووي، روسيا والصين ودول الاتحاد الأوروبي، لإيجاد حل سريع يضمن مصالحها المالية وتصدير نفطها.

*أما المستفيد الأخير من الأزمة الراهنة فهو النظام الرسمي العربي. فقد اتخذ الحاكم العربي من القضية الفلسطينية غطاء غطى به كل عوراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية. وكان يتخذ من مسألة الصراع مع إسرائيل شرعية لوجوده في السلطة، رغم كل إخفاقاته وكوارثه. وبعد مرور عقود من الزمن تكشف هذا الغطاء وبان زيف كل الشعارات في الهزائم المتتالية، وفشل استثماره في القضية الفلسطينية، فوجد في إيران وسياساتها الكارثية في المنطقة خير عدو أستراتيجي جديد يؤمن به استقراره الداخلي ويعلق عليه فشله. لذا هو اليوم يدفع بكل موارده ويضعها في خدمة التصعيد.

هل ستجد الأزمة الراهنة من يُنفّس ضغوطها؟ وهل ستكون مرة أخرى المرونة البطولية للمرشد الاعلى دافعا لمجلس تشخيص مصلحة النظام – للاتصال بصورة مباشرة أو عبر وسيط – بترامب على الهاتف الذي تركه في سويسرا؟ سنحاول الاجابة عن هذا السؤال في مقال مقبل.

كاتب عراقي وأستاذ في العلاقات الدولية

القدس العربي

صقور واشنطن لا تجد مبررا مقنعا للحرب ضد إيران/ حسين مجدوبي

نشرت مجلة «فورين بوليسي» نهاية يونيو/حزيران 2018 تحقيقا حول الانعكاسات السلبية لحرب أمريكية ضد إيران، ومنها احتمال عدم الفوز. واستندت إلى تقرير لوزارة الدفاع (البنتاغون) عندما كان جون ماتيس وزيرا للدفاع قبل تقديم استقالته، ومن أبرز خلاصات التقارير هو الوضع غير المناسب عقائديا وتجهيزا عسكريا للقوات الأمريكية، لكي تخوض حربا مع قوة إقليمية مثل إيران. ومن أبرز العراقيل التي يواجهها الجيش الأمريكي هو غياب التحفيز والمبرر عكس الحروب الأخرى.

والمثير في إدارة الرئيس ترامب هو استقالة أغلب المسؤولين العسكريين، وأبرزهم جون ماتيس وزير الدفاع، الذي تولى مناصب قيادية في قوات المارينز الأمريكي، حيث لم يتقاسموا الكثير من الأفكار، وأهمها طريقة تعاطي ترامب مع حلفاء تاريخيين مثل الأوروبيين، بعدما ضغط عليهم للرفع من المساهمات المالية في الحلف الأطلسي، ثم محاولة المدنيين أمثال صهره كوشنر ومستشار الأمن القومي جون بولتون، التأثير في القرارات العسكرية ومنها حالة إيران.

هذا الوضع الجديد يبرز تغييرا في المعطى العسكري في الولايات المتحدة، فمن جهة، تحول المدنيون الى صقور عسكرية يفكرون بطريقة الحرب الباردة، بينما يرغب العسكريون في تجنب الحرب، والتقليل من لعب الولايات المتحدة دور شرطي العالم في كل الملفات، والاكتفاء بالتدخل وفق معايير دولية، وباتفاق مع الشركاء التاريخيين في أوروبا، أي التحرك كمنظومة غربية موحدة. وفي مقالات سابقة، عالجت مخاطر المواجهة العسكرية وعدم ضمان الولايات المتحدة الانتصار السهل في مواجهة إيران، لاسيما في ظل صعوبة الحسم في سيناريو الحرب، حيث يوجد طرفان، الأول وهو الأقلية في الجيش، ويستهين بقدرات إيران ويتماهى مع صقور البيت الأبيض، وعلى رأسهم مستشار الأمن القومي جون بولتون، حيث يتحدثون عن حرب خاطفة، مبررين ذلك بالتفوق العسكري التكنولوجي. بينما يؤكد الطرف الثاني على مخاطر رئيسية في مواجهة إيران، ويبرز أن ذكاء الإيرانيين بدأ يحد من حرية الأسطول الخامس في الخليج العربي، إذ أن توفر إيران على آلاف الزوارق الحربية الصغيرة، قادرة على خلق مشاكل لم تشهدها البحرية الأمريكية في تاريخها، بسبب صعوبة مواجهة هذه الزوارق، ويكفي أنه في ظل التوتر الحالي، فضلت حاملة الطائرات أبراهام لنكولن البقاء في بحر العرب، وعدم الدخول الى قاعدتها في البحرين. وفي حالة الحرب، يصر هذا الطرف على خوض الحرب من مسافة بعيدة، أي الاكتفاء بالصواريخ والقصف الجوي، بسبب صعوبة غزو إيران بالأشكال التقليدية ومنها، الإنزال البري. في الوقت ذاته، يحذر من أن حربا ضد إيران ستحرك كل الحركات المسلحة الدائرة في فلكها من حوثيين وحزب الله والحشد الشعبي في العراق، بل حتى حماس للمشاركة في الاقتتال، ليصبح الشرق الأوسط ساحة مفتوحة مثل أوروبا خلال الحرب العالمية الأولى والثانية.

لكن الإشكال الكبير هو غياب المبرر العقائدي للجيش الأمريكي لمواجهة إيران. ومن خلال التاريخ العسكري الأمريكي، خاصة الفكري منه، أو العقيدة العسكرية، أي المبررات التي يعتمدها لخوض الحروب، فقد شارك الجيش الأمريكي في الحرب العالمية الأولى للدفاع عن من كان يسميهم «أفراد العائلة»، أي الفرنسيين والبريطانيين. وتكرر المبرر نفسه وبقوة هذه المرة في الحرب العالمية الثانية لمواجهة النازية. وخلال الحرب الباردة، تخصصت طبقة من السياسيين والمفكرين والإعلاميين، في تبرير الإنفاق الكبير لمواجهة المد الشيوعي، حيث حملت الولايات المتحدة قبعة الانتصار للحريات، والنظام الليبرالي أمام مخاطر الشيوعية. وكان المواطن الأمريكي يؤمن إيمانا خالصا بهذه العقيدة الأمريكية. وتكرر السيناريو نفسه في الحرب ضد كوريا في الخمسينيات ثم فيتنام في الستينيات والسبعينيات، لكن في تلك الحقبة ستظهر لأول مرة حركة منظمة معارضة للحرب تجلت اجتماعيا وفكريا في «الهيبي».

خلال الحرب الأمريكية ضد العراق، انخرط الشعب الأمريكي في دعم الحرب بسبب الشعور القومي القوي وقتها بالانتصار على الاتحاد السوفييتي، وهو ما يجرمه فكريا كتاب «نهاية التاريخ» للمفكر فرانسيس فوكوياما. وبالتالي، اقتنع  الجميع بضرورة عدم ترك الرئيس العراقي، وقتها صدام حسين، يعرقل النظام العالمي الجديد، بعدما قام بغزو الكويت وهدد بعودة شريعة الغاب «القوي يأكل الضعيف». وفي الحرب ضد أفغانستان والعراق سنتي 2001 و2003، حركت المشاعر القومية المواطن الأمريكي لتبرير الحرب بعدما رأى كيف استهدف الإرهاب بلاده في عقر دارها، تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية، لكن الحرب ضد العراق تعتبر منعطفا بحكم اكتشاف الرأي العام الأمريكي أنه كان ضحية مخطط المحافظين الجدد الذين أرادوا تشكيل خريطة البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط، بينما ما كان ما يصطلح عليه «أسلحة الدمار الشامل» سوى مبرر غير واقعي. وكانت هذه المبررات كافية لإقناع المواطن الأمريكي بقبول تخصيص الدول ميزانيات ضخمة للحرب، على حساب القطاعات الاجتماعية، ثم كانت كافية لتحميس الشباب الأمريكي للانخراط في الجيش للدفاع عن أمن البلاد.

ولا يوجد الآن مبرر لحرب ضد إيران، فقد تعايشت الولايات المتحدة مع إيران طيلة الأربعين سنة الأخيرة، ووقعت بينهما مواجهات، ولكن بطريقة غير مباشرة، ويوجد تيار وسط الدولة العميقة الأمريكية يدافع عن فرضية التعايش مع إيران نووية، كما يتم التعايش الآن مع باكستان نووية. وعليه، فما هو المبرر العقائدي الآن لخوض الحرب ضد إيران؟ لأول مرة، لا تجد واشنطن مبررا مقنعا من حيث العقيدة العسكرية سوى عبارة فضفاضة وهي: تهديد إيران للمصالح الأمريكية.

كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»

القدس العربي

«الحشد» و«الحزب»: ذَوَبان في المحبوب/ حازم صاغية

في محيط «الحشد الشعبيّ» العراقي و«حزب الله» اللبناني تعالت الأصوات: «إذا نشبت حرب بين إيران والولايات المتّحدة سنكون جزءاً منها إلى جانب إيران». «إنّنا في انتظار هذه الحرب كي نصفّي حسابنا مع أميركا وعملائها».

هذا ما يخالف أبسط البدهيّات في الدول التي تكون ساحة بين طرفين متحاربين. ذاك أنّ الحسّ السليم والمصلحة الوطنيّة معاً يفرضان السعي إلى تحييد البلد المعنيّ عن الحرب، وتجنيبه ويلاتها.

صيحات «الحشد» العراقي و«الحزب» اللبناني كان يمكن تبريرها جزئيّاً لو أنّ خصومهما في البلدين دعوا إلى المشاركة في الحرب نفسها إلى جانب الولايات المتّحدة. بالطبع لم يحصل مثل هذا. خصومهما بدوا مهتمّين بتحييد العراق ولبنان عن الحرب المحتملة وبالتحذير من مغبّة الانجرار إليها.

لغة «الحشد» و«الحزب» تخالف أيضاً أبسط البدهيّات التي تقول إنّ الحرب حدث سيئ وبشع، سيّما وأنّ المنطقة مُخلّعة ومُكسّرة لا تحتمل حرباً، بل قد لا تحتمل سلاماً كذلك! الصورة الاحتفاليّة التي يقدّمانها عن الحرب في المنطقة ربّما استُمدّت من صورة النار المقدّسة التي تندلع في الماس فتطهّره ولا تحرقه. هذا ليس واقع الحال: النار ليست مقدّسة والماس المزعوم حطب مُبتلٌّ بوقود كثير.

مصدر هذه الحماسة لدى الطرفين تغليب الوظيفة الإقليميّة على الوطنيّة. لتبرير ذلك تُستدعى حجج تؤدّي إلى إنقاص الحقيقة وزيادة الموت. يقال مثلاً: «الحرب هي على محور المقاومة ونحن منه، فهل نقف مكتوفي الأيدي؟». هكذا يحلّ «المحور» محلّ البلد، ومصالح الحزب أو الميليشيا محلّ مصالح الشعب والوطن.

يترتّب على ذلك أنّ العراقيين واللبنانيين، كلّهم من غير استثناء، راغبين في ذلك أم مُكرهين، يُحسَبون جزءاً عضويّاً من «المحور»، تربطهم بإيران رابطة عقائديّة أقوى من رابطة الوطن. وعلى خلاف ما يُعرف بـ«القيم الكميّة» التي تقبل القياس، كالحرّيّات المتوافرة ونُسب التعليم والوضع الصحّيّ، تحلّ «القيم النوعيّة» غير القابلة للقياس، كالمصير والمجد والكرامة والتحدّي… ولأنّها، تعريفاً، غير قابلة للقياس، فإنّها تبدو قابلة لتصنيع واستثمار كاذبين ومتواصلين من أصحاب الشأن والمصلحة.

لكنْ يبقى سؤال الأسئلة: ما الذي يجعل هذين الطرفين، «الحشد» و«الحزب»، مستعدّين لزجّ بلديهما وأهلهما في حرب مدمّرة كرمى لإيران؟

لقائلٍ أن يقول: إنّه الدور الإيراني في إنشائهما ورعايتهما، وهما، بالتالي، يسدّدان بعض الدَين. الرأي هذا، على صحّته، لا يقول لنا لماذا استدان «الحزب» و«الحشد» كلّ شيء، بما في ذلك وجودهما وعلّة وجودهما، من إيران.

إنّ جزءاً كبيراً من الجواب يكمن في التاريخ. فالبَلدان في شكلهما الحالي أنشأتهما «السنّيّة السياسيّة» العراقيّة و«المارونيّة السياسيّة» اللبنانيّة. حصل ذلك بُعيد قيام الانتدابين البريطاني والفرنسي إثر انتهاء الحرب العالميّة الأولى. وهناك روايات كثيرة في تأويل «الهيمنتين» بعضها يغلّب التفاوت الموروث تاريخيّاً بين الجماعات، وبعضها يغلّب نوازع السيطرة والتحكّم عند جماعة حيال أخرى. أغلب الظنّ أنّ الحقيقة تقيم في مكان ما بين الروايتين.

لكنْ كائناً ما كان الأمر، أُطيحت «السنّيّة السياسيّة» العراقيّة في 2003، وبوصاية أميركيّة، ثم إيرانيّة، حلّت محلّها «شيعيّة سياسيّة» لا تزال تحكم حتّى اليوم. كذلك أُطيحت «المارونيّة السياسيّة» اللبنانيّة على مراحل كان تتويجها مع «اتفاق الطائف» عام 1989، مذّاك و«الشيعيّة السياسيّة»، وبالتوافق مع الوصاية السورية، هي الطرف الأقوى في صنع القرار اللبنانيّ، لا سيّما ما يتعلّق بسلم البلد وحربه. لكنّ 16 سنة عراقيّة و30 سنة لبنانيّة لم تنجز شيئاً جدّيّاً على مستوى الوطنيّتين. لم تُصلحهما ولم ترممهما ولم ترفع غبن المغبونين في ظلّهما. ما فعلته تلك السنوات هو بالضبط مضاعفة القابليّة لتدمير الوطنيّتين، أو ما تبقّى منهما، في حروب ومواجهات يريدها آخرون.

لقد أُهديت الحصّة التي انتُزعت من «المارونيّة السياسيّة» اللبنانيّة و«السنّيّة السياسيّة» العراقيّة إلى إيران.

هذه تضحية بالذات، أو بشيء من الذات. ومعلومٌ أنّ تقديم القرابين الحميمة ليس بالشيء الجديد: لقد شهد عليه التاريخ وشهدت الأديان والملاحم. لكنْ دائماً، مع النبي إبراهيم وابنه إسحق وزوجته سارة، أو مع الملك أغاميمنون وابنته إيفيغينيا وزوجته كليتمنسترا، ترافق الأمر مع مكابدة ومعاناة، ومع ثمن يُدفَع، وأحياناً مع جهدٍ يُبذَل لتجنّب الكأس. هنا، في سبيل إيران، تترافق التضحية بالذات مع فرح كبير واستعدادات لا تنضب للسخاء بالمزيد منها، فكأنّنا أمام ذوَبان صوفي في المحبوب. و«حقيقة المحبّة أن تهب كُلَّكَ إلى من أحببتَ فلا يبقى لكَ منكَ شيء»، على ما قال أحد كبار الصوفيين.

لقد ظهر مَن ينسب إلى الشيوعيين مثل هذه العلاقة بالاتّحاد السوفياتي السابق، بيد أنّ الشيوعيين كانوا بعيدين عن حروب السوفيات، يمارسون «التضامن الأمميّ» معهم بالمواقف والبيانات، وفي أحسن الأحوال، بالمظاهرات. عندنا، يختلف الأمر، وهذه مشكلة أكبر من السياسة، مشكلة تلحّ على طرح السؤال عن معنى الأوطان والوحدات الوطنيّة وعن إمكانها في يومنا الراهن.

الشرق الأوسط،

لنتعلم من إيران/ علي أنوزلا

تُعلمنا التجربة الإيرانية في مواجهة الغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية وغطرستها، دروساً كثيرة في المقاومة والصمود، على الرغم من كل الضغوط والعقوبات والتهديدات. كما تعلمنا فن الدبلوماسية التي تفاوض بلا تنازل، وبدون مغامرات غير محسوبة العواقب، فكلما بلغ التصعيد أوجه يعود منطق المصالح الاستراتيجية المشتركة، ليهيمن من جديد. وطوال الأربعين سنة الماضية، عرف الإيرانيون كيف يديرون الحرب النفسية التي تمارسها عليهم واشنطن، بحنكة ومهارة كبيرتين، من دون أن يؤدي ذلك إلى انزلاقٍ إلى الحرب التي ما فتئت طبولها تدقّ منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، فتاريخ العلاقات الإيرانية مع الغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، خلال العقود الأربعة الماضية، هو تاريخ من الصدام والتوتر الذي لا يفضي إلى المواجهة، باستثناء التي تتم بالوكالة، فإيران تعلمت من الغرب نفسه كيف تخوض حربها ضده بالوكالة، وعلى أراضٍ غير أرضها منذ الحرب الإيرانية العراقية التي كانت أكبر حرب بالوكالة، قادتها أميركا ضد إيران. وعلى الرغم من تكلفتها الكبيرة، خرجت إيران منتصرة منها، لأن النفوذ الإيراني اليوم تعدّى العراق ليصل إلى سورية ولبنان، مستفيداً من الأخطاء الأميركية في المنطقة التي تنتهي لتصب في مصلحة طهران.

من يتابع بدقة تاريخ التوتر بين إيران وأميركا، منذ أزمة الرهائن في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، سيخرج بخلاصةٍ مفادها بأن إيران هي التي تخرج، في نهاية المطاف، منتصرةً أو على الأقل رابحة من صراعها مع أميركا. حدث ذلك إبّان أزمة الرهائن التي كانت أول اختبار لصراع القوة بين طهران الثورية وواشنطن، واضطرّت أميركا، في النهاية، إلى القبول

بالشروط الإيرانية، وعادت إلى التطبيع مع إيران، من خلف الستار، قبل أن تنكشف فضيحة بيع الأسلحة الأميركية إلى إيران في عهد الرئيس رونالد ريغان، وذلك في عز الحرب العراقية الإيرانية التي لم تكن، في نهاية المطاف، سوى حرب بالوكالة بين طهران وواشنطن. وجاءت حروب أميركا في الشرق الأوسط، خصوصاً غزوها العراق واحتلاله، ليقوى النفوذ الإيراني في المنطقة التي سلمتها واشنطن على طبقٍ من ذهب لإيران، عدوتها الاستراتيجية الكبيرة في منطقة الشرق الأوسط!

منذ أربعين سنة ونيف، تخوض أميركا حرباً نفسية ضد إيران، تضعها تحت ضغط العقوبات الاقتصادية الصارمة، والمراقبة اللصيقة، والمساومة والابتزاز. وفي كل لحظة، ينتظر أن تفقد إيران أعصابها وتنفجر، أو أن تنهار الدولة من الداخل فتستسلم. ولكن لا شيء من هذا يحدث، بل عكس ذلك، تواجه طهران العقوبات بالصمود، والضغوط بالمناورة، والتهديد بالتهديد، لا تتنازل ولا تخاف ولا تتراجع.. وتنتظر أن يعود خصومها، ولو من خلف الكواليس، إلى طاولة المفاوضات نفسها التي هجروها.

قوة إيران تكمن في دبلوماسيتها التي تعرف كيف تساوم، مثل تاجر شاطر في “البازار الإيراني”. وبفضل هذه الدبلوماسية، نجحت طهران في أن تفرض نفسها رقماً صعباً في كل معادلةٍ تخصّ حاضر منطقة الشرق الأوسط ومستقبلها. وقد تابعنا كيف استطاعت إيران أن تفرض نفسها قوة إقليمية كبيرة أمام أميركا والقوى الغربية وروسيا في أثناء مفاوضات البرنامج النووي الإيراني. وتكرر السيناريو نفسه، في أثناء الحرب السورية التي يوجد اليوم في طهران أحد أهم مفاتيح إنهائها.

لقد حوّلت الدبلوماسية الإيرانية بلدها من دولةٍ متوسطة وعادية، إلى “قوة إقليمية” كبرى، تُجبر القوى الدولية العظمى على التفاوض معها، والبحث عن حلول توافقية تراعي مصالحها في المنطقة، وهذا في حد ذاته درسٌ في كيفية إدارة العلاقات الدولية بمهارة، بغضّ النظر عن

الاختلال الموجود في موازين القوى، وهو كيف تستطيع أن تحوّل كل نقطة ضعف عند خصمك إلى نقطة قوة تستعملها ضده، وكيف تنجح، كل مرة، في أن تجرب الوصفة نفسها وتنجح في كسب رهانها.

التجربة الإيرانية في مواجهة الغرب ومفاوضته وتحدّيه، والرد على تهديداته بتهديدات مضادّة، وخوض حروب بالوكالة ضده، وبعد ذلك العودة إلى مساومته وابتزازه، والتفاوض معه قبل التوافق والتوقيع على اتفاقات معه.. كلها دروسٌ مثيرةٌ في فن إدارة الصراعات الدولية، مع الأسف لم يتعلم منها العرب أي شيء.

وما يحدث اليوم من توتر في العلاقات بين طهران وواشنطن، ومن تصعيدٍ في نبرة التهديدات، لن يؤدي إلى حرب بين البلدين، كما تتمنّى بعض دول المنطقة، ففي النهاية ستهدأ العاصفة، وستعود القوتان، الأميركية والإيرانية، إلى لغة التفاهم الموضوعي بينهما، لأنهما تعرفان أن مصالحهما متداخلة، تلتقي عند نقطة واحدة رئيسية، هي ضبط المنطقة، والتحكّم بمصيرها بما يضمن لكل منهما مصالحه الخاصة فيها.

استوعبت إيران الدرس منذ أربعين سنة خلت، ويكفي أن التهديدات والعقوبات الأميركية ضدها منذ 1979 لم تمنعها من أن تستمر في النمو والتطور، ويستمر نفوذها في المنطقة يتمدّد ويقوى، وينجح حضورها الدولي في فرض نفسه لاعباً أساسياً على أرض رقعة لعبة الأمم الكبرى. إنه إرث حضارةٍ تاريخيةٍ عريقةٍ ضاربةٍ أطنابها في التاريخ، وهو ما يجعل من إيران اليوم القوة التي يتوجّس منها الجميع. وفي نهاية المطاف، يعودون إلى التفاوض معها، لأن وجودها ضرورة، وتدميرها سيكون كارثة على أعدائها قبل أصدقائها.

العربي الجديد

فورين أفيرز: التصعيد مع إيران قد يقود لكارثة غير مقصودة

نشر موقع “فورين أفيرز” تحليلا تحت عنوان “الطريق للحرب مع إيران” حذر فيه كاتبه فيليب غوردون من التصعيد الذي قد يقود إلى كارثة غير مقصودة. وناقش غوردون الزميل في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي والمساعد الخاص لللرئيس ومنسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنطقة الخليج في عهد باراك أوباما إن الرئيس ترامب عندما خرج من الإتفاقية النووية في أيار (مايو) قال النقاد إنه وضع الطريق أمام الحرب. ويعلق أن الإتفاقية لم تكن كاملة وهو ما اعترف بها مؤيدو الخطة ولكن لو خرجت الولايات المتحدة بطريقة متهورة من الإتفاقية وانهارت فقد تعود إيران إلى برامجها وتخصيب اليورانيوم، ومن أجل وقفها على الولايات المتحدة أن تستخدم القوة. وهو ما سيؤدي إلى إشعال حرب واسعة. إلا أن المسؤولين في الإدارة والمعارضين الآخرين رفضوا مظاهر القلق هذه، حتى عندما أكدوا أنه في غياب الإتفاق فالطريقة الوحيدة لوقف البرنامج النووي هو استخدام الخيار العسكري. ويبدو أن دورة التصعيد هي في الطريق الآن. فكجزء من “الضغوط القصوى” قامت الإدارة الإمريكية في هذا الشهر وحده بتصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية وألغت الإعفاءات التي منحتها لدول كي تستورد النفط الإيراني وفرضت عقوبات أخري لشل الإقتصاد بل وأرسلت مقاتلات وحاملات طائرات إلى الخليج كي ترسل رسالة لا غموض فيها لإيران حتى لا تفكر بالتعرض للولايات المتحدة. وكما هو متوقع لم ترد إيران من خلال الخنوع للولايات المتحدة ولا الإنهيار بل ردت بحملة ضغط. ففي 8 أيار (مايو) أعلن الرئيس حسن روحاني عن خروج إيران من بعض بنود العقد ومنح الدول الأوروبية 60 يوما التحرك للحفاظ على المعاهدة النووية، وهو أمر يستحيل عمله. وبعد أربعة أيام تم تخريب أربع ناقلات نفط سعودية قرب ساحل الإمارات وتبع بعد يومين ضربات بالطائرات المسيرة على خطوط نفط. ولم يتم إثبات دور إيراني في كل الأحداث، مع أن الحرس الثوري لجأ في الماضي لهجمات منسقة لا يمكن تتبع أثرها. ولهذا السبب حذر الجيش الأمريكي والمخابرات من إمكانية حدوث هجمات انتقامية.

ويقول غوردون إن الولايات المتحدة سربت معلومات أمنية عن قيام إيران بتحضير صواريخ فوق قوارب. وذهبت الحكومة الأمريكية أبعد من هذا عندما قامت بإجلاء موظفين من السفارة في بغداد وسربت الخطط التي قدمتها البنتاغون وتقضي بإرسال 120.000 جندي إلى الخليج. ووصف ترامب الخطط هذه بأنها “أخبار مزيفة” مضيفا إلى أنه “سيرسل قوات أكثر من هذه”. وأشار غوردون إلى تصريحات المسؤولين في الإدارة مثل مايك بومبيو الذي أكد رد أمريكا على أي هجوم ضد المصالح الأمريكية. ودعوات صحف سعودية مقربة من الدولة إلى عملية “جراحية” ضد إيران. في وقت تكهن أنصار ترامب في الكونغرس، مثل السناتور عن أركنساس توم كوتون أن أمريكا ستنتصر بضربتين فقط “الأولى والأخيرة”. ويرى الكاتب أن تجنب تصعيد جديد ليس سهلا خاصة أن أي من الطرفين لا يريد التنازل. والطريقة الوحيدة لتجنب النزاع هي صفقة جديدة كما يريد ترامب. وفي المقابل لن تدخل طهران في محادثات مع إدارة لا تثق بها أو حتى تتوصل إلى اتفاقية أوسع يقول ترامب إنها ضرورية، معاهدة تمنع كل عمليات التخصيب ودائمة وببرنامج تفتيش أكثر صرامة وتشمل على منع الإختبارات الباليستية وتحد من سلوك إيران. وهناك سيناريو الإنتظار على أمل هزيمة ترامب في الإنتخابات الرئاسية عام 2020 ولكن 18 شهرا هي وقت طويل تعاني خلالها من العقوبات المشددة. وعلى أي حال فقد أغلقت إيران هذا الخيار وهددت بخرق الإتفاقية النووية لو لم يتم تحصل على المساعدة الإقتصادية. ولا يمنع هذا من زيادة التصعيد لو قررت إيران استئناف برامجها النووية واستخدام جماعاتها الوكيلة، مما سيضع أمريكا أمام تراجع عن مواقفها وتلجأ للقوة العسكرية. ويعتقد غوردون أن خيار ترامب تجاه إيران ومسيرته نحو نزاع غير مقصود يجب ألا يفاجئ أحد. فمنذ وصوله إلى البيت الأبيض خاف الكثيرون من الرئيس الذي يعتمد على نزواته والمتهور الذي لا يحترم السياسات ولا يفكر بعواقب خطاباته النارية نحو الحرب. وكشف الكاتب في مقالة نشرها عام 2017 عن إمكانية تعثر هذا الرئيس في حرب مع إيران، الصين وكوريا الشمالية. وكتب فيه وإن بطريقة افتراضية ماذا سيحدث لو حاول ترامب الحصول على صفقات أفضل من خلال المواجهة والتصعيد وبدون تقييم لما يمكن تحقيقه أو الطريقة التي سيرد فيها أعداءه.

وبعد عامين لم يتحقق أي من هذه الحروب إلا أن الأخبار السيئة هي أن الرئيس لا يزال على طريقته التي قد تؤدي لحدوثها. ويبدو أكثر استعدادا لخرق الأعراف واستعداء الحلفاء والأعداء على حد سواء. وأكثر من هذا فالمستشارون المحيطون به لا يريدون ضبطه كما فعل المسؤولون قبلهم. وفي الحقيقة ليس لديهم ذلك التصميم لتشجيعه على الإنضباط لأنه لا يخدم أهدافهم. وتعتبر إيران هي الأخطر على المدى القريب ولكنها ليست المكان الذي قد ينجر فيه ترامب لحرب غير مقصودة. ففي الصين وضع ترامب نفسه في الزاوية التي حشر نفسه فيها مع إيران. وذلك من خلال فرض العقوبات من طرف واحد وسوء قراءته لمعارضيه وتضليل الرأي العام الأمريكي حول الكلفة والمخاطر وعواقب نهجه. ففي البداية وضع تعرفة على 50 مليار من الصادرات الصينية على أمل موافقة بيجين على صفقة أفضل، إلا أن الصين ردت بتعرفة جمركية على البضائع الأمريكية وهو الآن مستعد لفرض تعرفة على كل الصادرات الصينية التي تصل إلى 540 مليار دولار. وحتى مع زيادة الكلفة على المزارعين والمستهلكين يعتقد ترامب أنه سيواصل الحملة حتى الإنتخابات الرئاسية عام 2022. ولا أحد يستبعد صفقة جديدة مع الصين كما هو الحال مع إيران وكذا التصعيد. وتخيل الكاتب في مقالته السابقة حربا تجارية تنزلق نحو حرب عسكرية يسبقها تصعيد كلامي، كما يحدث الآن في الصين التي بدأت صحافتها بمواجهة الولايات المتحدة واتهامها بالتنمر ونمر على الورق والإستعمارية. فنهج ترامب نحو كوريا الشمالية بدأ بتبجح وشتائم وتهديدات أدى عام 2018 لتقارب لدرجة تحدث فيها ترامب عن علاقة حب مع كيم جونغ أون. وأدت العلاقة لمنع الحرب النووية، وهذا لا يمنع تحول ترامب حالة شعر أن كوريا الشمالية أدارت ظهرها له. فعودة كوريا الشمالية لفحص أنواع جديدة من الأسلحة التكتيكية الموجهة ومصادرة الولايات المتحدة لسفينة تهريب كورية هي تذكير بإمكانية تدهور العلاقات.

وأشار الكاتب إلى فنزويلا التي دعم فيها ترامب زعيم المعارضة هناك في دعوة واضحة لتغيير النظام. وكان واثقا أنه سيطيح بحكومة نيكولاس مادورو الفاسدة. ولم يفكر ترامب أن مادورو قد يلجأ إلى العنف وبمساعدة من الصين وروسيا وكوبا. ويجد اليوم ترامب نفسه أمام خيار التراجع المهين أو البحث عن تدخل عسكري، وهو خيار لا يستبعده. وفي النهاية يرى غوردون أن ترامب يبحث على ما يبدو عن مخرج مع الصين وكوريا الشمالية رغم عنادهما، ربما لأنه فهم مخاطر التصعيد. ومع إيران قال الأسبوع الماضي إنه ينتظر مكالمة من القادة الإيرانيين. وربما توقع ترامب مستقبلا لا يخلو من نزاع غير مقصود. ولكن المخاطر لا تزال قائمة من الطريقة التي تعاملت فيها الإدارة مع هذه الملفات الثلاثة. فلم تتغير طريقة صنع الصفقات عند الرئيس حيث تنتهي المخاطرة دائما بفشل كارثي. فالنهج صار معروفا ويقوم على التهديد والتلويح بالحرب وإجبار العدو على الخنوع والقبول بالصفقة الأمريكية. وعندما تكتشف الولايات المتحدة أنها لم تأخذ بعين الإعتبار طريقة رد العدو تعود إلى الزواية بدون طريق للخروج. وفي الوقت الذي لا يبحث فيه ترامب عن الحرب إلا أن أصوات العقل التي أحاطت به قد ذهبت، فجيمس ماتيس الذي عرف الحرب وجربها ترك وزارة الدفاع منذ ستة أشهر. وليس لخليفته باتريك شانهان الموقع ولا القدرة على وقف نزعات الرئيس. أما مستشاريه في الشؤون الخارجية، مايك بومبيو، وزير الخارجية فهو متشدد يهمس في أذن ترامب ما يريد سماعه. والثاني جون بولتون، مستشار الأمن القومي الذي قال إن الوسيلة المثلي لمواجهة إيران هي قصفها. ودعا لدعم الأقليات والجماعات المتمردة فيها وخلق ظروف تقود لتغيير النظام. وفي الصين دعا لمراجعة السياسة معها وانتظار الطريقة التي سترد فيها. وطالب في فنزويلا باستخدام القوة.

القدس العربي

الأزمة الإيرانية الأميركية:المخاطر عالية..والاخطاء مستبعدة

قال وزير الدفاع الأميركي باتريك شاناهان إن التهديدات الإيرانية “كانت عبارة عن هجمات وقد أوقفناها”. وأضاف الثلاثاء، أن “مستوى التهديدات الإيرانية لا يزال عالياً ونحرص على ألا تخطئ طهران في الحساب”.

من جهته، وصف الرئيس الإيراني حسن روحاني الإدارة الأميركية بأنها مؤلفة من “سياسيين مبتدئين ذوي أفكار ساذجة”، وقال إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تراجع عن تهديداته لطهران بعد أن حذره مساعدون عسكريون من خوض حرب إيران.

وأضاف في خطاب بثه التلفزيون الرسمي على الهواء مباشرة أن وحدة الأمة الإيرانية غيرت قرار ترامب بشأن الحرب.

ورفض روحاني إجراء أي محادثات مع الولايات المتحدة. وقال: “الوضع اليوم غير موات لإجراء محادثات وخيارنا هو المقاومة فحسب”.

ودعا إلى منح الحكومة المزيد من السلطة لإدارة الاقتصاد الذي يعاني من العقوبات في ظل ما وصفها بأنها “حرب اقتصادية”. وقارن روحاني الوضع الحالي بالحرب التي خاضتها إيران في الثمانينات ضد العراق، وقال إن الحكومة تحتاج إلى سلطات مماثلة لتلك التي أعطيت لها في ذلك الوقت لإدارة الاقتصاد.

وتابع الرئيس الإيراني: “لم نواجه في أي فترة سابقة ما نواجهه اليوم من مشكلات في قطاعي البنوك ومبيعات النفط، لذلك نحتاج من الجميع التركيز والشعور بظروف الحرب الاقتصادية”.

بدوره، أكد وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف الثلاثاء، رفض بلاده التفاوض مع ترامب ما لم تظهر بلاده “الاحترام” لطهران وتلتزم بالاتفاق النووي.

وقال في مقابلة مع شبكة “سي إن إن” إن الولايات المتحدة “تلعب لعبة خطيرة جداً جداً” من خلال تعزيز تواجدها العسكري في المنطقة. وانتقد واشنطن لإرسالها حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” والمجموعة الضاربة المرافقة لها إلى الخليج بدعوى مواجهة “تهديدات محتملة” من إيران.

وقال ظريف إن “امتلاك كل هذه الأصول العسكرية في منطقة صغيرة هو بحد ذاته عرضة للحوادث؛ الحذر الشديد واجب، فالولايات المتحدة تلعب لعبة بالغة الخطورة”. وأضاف أن بلاده “لن تنحني للتهديدات، ولا تتفاوض بالإكراه. لا يمكنكم تهديد أي إيراني”. وقال: “الطريقة الوحيدة للتفاوض تكون عبر الاحترام لا التهديدات”.

وفي السياق، قال رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي الثلاثاء، إن العراق سيرسل وفوداً إلى واشنطن وطهران للمساعدة في تهدئة التوترات وسط مخاوف من مواجهة بين الطرفين.

وأكد عبد المهدي أنه ليس هناك أي طرف عراقي يريد الدفع صوب حرب، وذلك بعد يومين من إطلاق صاروخ في بغداد وسقوطه قرب السفارة الأميركية.

من جهة ثانية، قال وزير المالية الفرنسية برونو لومير الثلاثاء، إن أوروبا التي تواجه ضغوطاً هائلة من الولايات المتحدة بشأن آلية التجارة التي اتفقت عليها مع إيران، لن تخضع لتحذيرات طهران.

وأضاف لومير: “لا أعتقد أن أوروبا ستنجر إلى فكرة التحذيرات هذه”. وقال إن “الأوروبيين يواجهون ضغوطاً هائلة من واشنطن في ما يتعلق بالتجارة مع إيران، والتهديدات الإيرانية بالانسحاب من الاتفاق النووي مع القوى العالمية غير مفيدة”.

وكانت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أعلنت الاثنين زيادة إيران حجم إنتاجها من اليورانيوم منخفض التخصيب إلى 4 أضعاف، عقب وقف طهران بعض التزاماتها بالاتفاق النووي مع الغرب.

ويسمح الاتفاق النووي لإيران بإنتاج 300 كلغ من اليورانيوم منخفض التخصيب، ويمكنها نقل الكميات الزائدة خارج البلاد للتخزين أو البيع.

المدن

ايران والسير على حد السكين/ حسن فحص

ان يخرج الرئيس الروسي فلاديمير بوتن ليعلن موقفا محايدا في الازمة الامريكية الايرانية، وان بلاده لا يمكن ان تلعب دور رجل الاطفاء في الازمات التي تشعلها ايران او امريكا، يعني ان الجانب الايراني خسر الرهان على دور روسي في التوصل الى نقطة وسط بينه وبين الامريكي لايجاد مخارج للتصعيد المسيطر بينهما والذي يهدد بالوصول الى المواجهة العسكرية.

بوتن لم يذهب الى توريط بلاده في موقف مؤيد للقرار الايراني بتخفيض التزاماتها بتعهدات الاتفاق النووي، وفي المقابل لم يحملها وحدها مسؤولية ما وصلت اليه الامور، لكنه اشار الى ان العالم لن يتذكر في النهاية او عند نشوب حرب مواقف واشنطن، بل سيتذكر اخلال ايران بالاتفاق. ما يعني انزعاجه من الاجراء الايراني الذي صدر عن المجلس الاعلى للامن القومي من دون التشاور مع شركاء كان لهم الدور الاكبر والابرز في صياغة هذا الاتفاق واقناع الاطراف الاخرى بالتوقيع عليه.

وبغض النظر عن الجهة التي قصدها بوتن في كلامه: الجانب الامريكي والقرارات التصعيدية التي اتخذها سيد البيت الابيض دونالد ترمب، ام الجانب الاوروبي الذي لم يتحمل مسؤولية الدفاع عن الاتفاق النووي ومحاولة التخفيف من حدة القرارات الامريكية، ام الجانب الايراني الذي فضل الذهاب الى خيارات بناء على قراءة داخلية لم تأخذ بالاعتبار امكانية ان تلعب قوى قريبة او شريكة دوراً في التخفيف من حدة التصعيد ومنعه. فجأة بدا موقف بوتن وكأنه يعلن الحياد في موضوع العقوبات المترافقة مع التهديدات العسكرية  الامريكية، ويوحي بان على جميع الاطراف عدم التوقع بان تقوم بموسكو بدور اطفاء الحرائق التي يشعلها الاخرون، في وقت تقاتل فيه على اكثر من جبهة للمحافظة على ما في يدها من اوراق.

موقف الرئيس الروسي ولد خيبة امل لدى اوساط في القيادة الايرانية، لانها كانت تتوقع موقفاً روسياً اكثر حزما في اللقاء الذي جمع بينه وبين وزير الخارجية الامريكي مايك بومبيو في سوتشي، او على الاقل موقفا يقترب من الموقف الذي صدر عن وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي في بروكسل في لقائهم مع بومبيو قبل وصوله الى موسكو بالتمسك بالاتفاق ورفض العقوبات الامريكية، خصوصا وان طهران تعتبر المصالح والمشتركات التي تجمع بينها وبين موسكو تستدعي ان يسمع الامريكي رسالة واضحة من بوتن برفض العقوبات والتصعيد العسكري والتهديد بضرب ايران.

قد تكون موسكو غير راغبة في ان تصل الامور بين طهران وواشنطن الى هذا المستوى من التصعيد، لكن لا يمكن ايضا عدم النظر الى امكانية ان ترقص مع كل الطرفين كل على حدة على انغام مصالحها التي لا تبدأ في كراكاس الفنزويلية ولا تنتهي على المساحة السورية. انطلاقا من معرفتها بحاجة الطرفين لدورها في لعب دور الاطفائي الذي ترفضه علانية من دون معرفة حجم الارباح والمصالح التي قد تحصل عليها منهما.

ومع تزايد التوتر والاستنفار العسكري، وان كان في اعتقاد موسكو وجميع الاطراف نسبياً انه لن يؤدي الى الانفجار، فان الحاجة لطرف يساعد في نزع الالغام وفتح قنوات حوار او تسهيل نقل الرسائل تزداد يوما بعد يوم، لذلك فان الاجندة الروسية حافلة بالمطالب التي تسعى للحصول عليها من الطرفين. فمن جهة لا يمكن اعتبار الوضع الاقتصادي الروسي افضل حال بكثير من الوضع الايراني لجهة العقوبات الامريكية وحتى الاوروبية ضدها على خلفية ازمة القرم والصراع في اوكرانيا، وتواجه ضغوطا كبيرة في التعامل مع التشدد الامريكي في موضوع فنزويلا التي تعتبر واحدة من اخر قنوات التأثير على خاصرة الولايات المتحدة، مرورا بالازمة الكورية الشمالية.

ولعل الموضوع السوري يعتبر الاكثر الحاحا على اجندة موسكو في التعامل مع واشنطن وطهران. فهي وان كانت لا ترغب بالدخول في مواجهة مباشرة مع طهران على الساحة السورية بهدف تحجيم وتقليص دورها في هذا البلد، الا انها لن تقف حائلا دون الضغوط الامريكية، من دون التخلي عن طهران، في هذا الاطار، اي انها ومن خلال رفض التدخل لصالح طهران بوجه التصعيد الامريكي، لا تعتبر نفسها معنية في الوقوف الى جانب الشريك الايراني في مواجهة المطلب الامريكي بالحد من النفوذ الايراني في الاقليم والشرق الاوسط. ما يعني انها ستقف على الحياد في هذا الاطار، لان اي نتيجة قد تصل لها الضغوط الامريكية في الموضوع الاقليمي والنفوذ ستكون او ستصب لصالحها، فاي تراجع للدور الايراني في سوريا يعني مزيدا من التفرد الروسي بالقرار السوري وتحولها الى الطرف الوحيد في تقرير مصير الاشتباك مع واشنطن على هذه الساحة وفي رسم مستقبل هذا البلد، وتراهن على امكانية ترميم الموقف مع ايران في المستقبل من باب التشارك في المصالح الاستراتيجية الاوسع.

استمرار ايران في رفض التفاوض بالشروط الامريكية، في ظل تأكيدها عدم وقوع الحرب نتيجة رغبة وارادة لدى كل الاطراف المعنية بالتصعيد العسكري، خاصة هي والولايات المتحدة، الا ان المعركة السياسية والاقتصادية ما تزال قائمة وستستمر بشدة اكبر واعنف، وبالتالي فان الحصار الاقتصادي سيزداد تشديدا، ما قد يضع مصير النظام على حافة السقوط من الداخل، وبالتالي تحقيق الهدف الذي تريده واشنطن والكثير من الدول الاخرى المعنية بمحاصرة الدور الايراني الاقليمي او تلك التي تتخوف من تهديد البرنامج الصاروخي الذي تملكه على امنها واستقرارها.

لا شك ان استمرار ايران برفض الجلوس الى طاولة المفاوضات في ظل الشروط الامريكية، قد يعني السير على حافة السكين، والمخاطرة بالوصول الى الانهيار الداخلي الذي لا تمانع واشنطن بحدوثه لانه سيكون بمثابة هدية مجانية قدمها النظام لهذه الادارة من دون ان تتورط بحرب معه. لذا يبدو ان الجدل الداخلي حول التفاوض وعدمه والحركة الدبلوماسية التي يقوم بها وزير الخارجية محمد جواد ظريف، وان كانت في جزء منها بهدف التوصل الى تفاهمات حول التعاون الاقتصادي والالتفاف على العقوبات الامريكية، الا انها تأتي محكومة بهذه المخاوف. هذه المخاوف هي التي جعلت من طهران مقصدا لعدد من الوسطاء القريبين من واشنطن وعلى علاقة مقدمة مع طهران في محاولة لتدوير الزوايا والتوصل الى نقاط تفاهم تساعد الطرفين على التفاوض، خصوصا الجانب الايراني لابعاد شبح الانهيار الاقتصادي.

المدن

مأساة إيران والعرب وملهاة ترمب/ حسان الأسود

يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترمب أكثر رؤساء أميركا إثارة للجدل حتى الآن، فأساليبه في إدارة شؤون الدولة مختلفة كثيراً عمّن سبقوه من رؤساء، وهي تتميّز في كثير من الأحيان بالانفعالية والفردية والفجاجة. لقد ساهم هذا الرئيس بقسم لا بأس به من التعقيدات الراهنة في الشرق الأوسط من خلال مواقفه المنحازة كلّياً لإسرائيل من جهة، ومن خلال قراراته المتناقضة فيما يخصّ المنطقة مثل تلك التي تتعلّق بالانسحاب من شمال شرق سوريا من جهة أخرى.

تبدو منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام وخاصّة منطقة الخليج العربي منها وكأنّها على صفيح ساخن، ويعود السبب في ذلك إلى الوضع الأكثر تأزّماً بين الإدارة الأميركية ونظام الملالي الإيراني، ولا شكّ بأن وصول الرئيس ترمب إلى السلطة قد فاقم كثيراً من حدّة الخلافات بين البلدين.

تتوزّع التحليلات عن مآلات هذه الأزمة بين رغائبيّ يتمنّى وقوع حرب لا تبقي ولا تذر تقتلع نظام الملالي من جذوره، وآخر بنفس الدرجة ولكن في الاتجاه المعاكس ممن ينتمون لمعسكر إيران وأذرعها في المنطقة، وبين تشكيكيّ يرى استحالة وقوع هذه الحرب منطلقاً من اعتبار الطرفين خصوماً في العلن حلفاء في السر، وثالث يحاول التقاط شذرات الحقائق من بين هذا الكم الهائل من الضجيج علّه يصل إلى تحليل موضوعي مقنع.

أغلب الظن أنّ الحرب لن تقع بين الطرفين، ليس لعجز الولايات المتحدة عن شنّها، إطلاقاً، بل لأن مبرراتها بالنسبة إليها غير متوفرة حتى الآن. لقد أعلن الرئيس الأميركي عن غايته من كل هذه العقوبات المفروضة على إيران، وهو إرغامها على الجلوس مجدداً إلى طاولة المفاوضات لتعديل الاتفاق النووي، كما إنّه لم يُخْفِ انتقاده لاتصال الإيرانيين بوزير الخارجيّة الأسبق جون كيري بدلاً من الاتصال به، يضاف إلى ذلك كلّه امتعاضه من التصعيد في حدّة المواقف والتصريحات التي يقوم بها مستشاره للأمن القومي جون بولتون، وقد انتقد موقفه من الأزمة في فنزويلا قبل ذلك.

يضافُ إلى ذلك كلّه الخوف من تأثير أي حرب على نتائج الانتخابات الرئاسيّة القادمة والتي اقتربت مواعيد التحضير لها عند الحزبين المتنافسين. كما أنّ ترمب لا يريد أن يخلّ بوعوده للناخبين قبل هذه الانتخابات، فأهم وعوده كانت تحقيق نموّ اقتصادي أكبر وإعادة الشركات والمصانع للعمل في أميركا وتقليص الحروب الخارجية وضغط الإنفاق على غير أمن أميركا. إنّه رجل أعمال أكثر منه سياسي، ومن صفات رأس المال أنّه جبان يسعى إلى الربح مهما كانت السبل ويبتعد عن الخسارة قدر المستطاع، لذلك سينجز ما يريده دون أن يطلق رصاصة واحدة.

لا شكّ بأن الإدارة الأميركية لا تريد منافسين لها في الخليج العربي وخاصّة بالقرب من مصدر الطاقة الرئيس في العالم، لكنها بالمقابل هي وحلفاؤها الأوربيون من رعوا قدوم نظام الملالي إلى سدّة الحكم في طهران، وهي بالتأكيد رابحة من علاقة المد والجزر بينها وبينه. إنّ العلاقة بين إيران وأميركا كانت على الدوام ملتبسة ومحفوفة بالأسرار والخفايا، وفي هذا السياق يمكننا أن نستذكر حوادث كثيرة متناقضة في خلفياتها لكنها متّحدة في دلالاتها.

لقد كانت أزمة اقتحام السفارة الأميركية واحتجاز الرهائن الأميركيين فيها لفترة طويلة ردّة فعل على قبول أميركا معالجة الشاه الإيراني الهارب في مستشفياتها، حيث قامت وقتها مجموعة من الطلاب الإسلاميين في إيران باحتجاز 52 أميركياً من سكان السفارة كرهائن لمدة 444 يوماً من 4 تشرين الأول 1979 حتى 20 كانون الثاني 1981، وتوصف هذه الأزمة بأنها بداية العلاقة المتوترة بين البلدين والتي على إثرها بدأت أميركا باستخدام سلاح العقوبات على إيران.

رغم ذلك، كانت أميركا تزوّد إيران بالأسلحة أثناء حربها مع العراق فيما عرف آنذاك بفضيحة إيران كونترا أو إيران غيت، وكان من نتائج الصفقة تزويد إيران عبر إسرائيل بكميات كبيرة من الأسلحة النوعية مقابل إفراج الأخيرة عن خمسة رهائن أميركيين في لبنان. تأتي بعد ذلك عمليات التعاون الكبيرة بينهما إثر حربي الخليج الأولى والثانية، ومن تجلياتها فتح المجال الجوي الإيراني للطيران الأميركي أثناء حربها على العراق. كذلك كانت العلاقات على خير ما يرام أثناء حرب أفغانستان، ولا شكّ بأنّ أجهزة المخابرات الأميركية تعلم بأدقّ التفاصيل أماكن إقامة قادة تنظيم القاعدة وتحركاتهم ومعسكرات تدريبهم الموجودة على الأراضي الإيرانية، وهذا مما يزيد من غموض العلاقة بين الطرفين.

من دلالات هذه العلاقة الملتبسة ما يرجّح احتماليات الوصول إلى تفاهمات رغم كل التصعيد الذي نراه الآن على الساحة، فليست الأوضاع الدولية كما كانت عليه عند غزو العراق وليست توازنات القوى كما كانت آنذاك، إضافة إلى أنّ حالة النشوة التي رافقت أميركا والمعسكر الغربي إثر سقوط الاتحاد السوفيتي قد تلاشت تدريجياً خاصّة بعد تعثّر مشاريع احتلال الدول التي قامت بها أميركا ومعها بريطانيا في العراق وأفغانستان، يضاف إلى ذلك أن المنافس الروسي عاد للمزاحمة على الساحة الدولية، وقد كانت سوريا حقل التجارب الذي بدأ فيه باستعراض قواه.

مما يرجح احتماليات التفاوض أيضاً، تعامل النظام الإيراني بطريقة الشد والجذب والتصعيد والمهادنة، فثمة فريقان في إيران يقودان هذا الصراع، فريق الصقور الذين يمثلهم الحرس الثوري الإيراني، وفريق الحمائم الذين يمثلهم رئيس الجمهورية حسن روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف، وكلاهما ينفّذ سياسة واحدة يرسمها المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي.

إنّ الوضع الداخلي في إيران لا يسمح للنظام بالتشدّد أكثر ولا يعطيه هامشاً أكبر من المناورات، لقد بلغ الفقر حدّاً لم يعد بالإمكان إخفاؤه ولا معالجته، كما أن التضخّم يرتفع بمعدّلات جنونية جرّاء العقوبات الأميركية، وهذا سيؤدي إلى حلقة مفرغة من التردّي الاقتصادي، فلن يكون بالإمكان استيراد المواد الأولية اللازمة للصناعة ولا المعدات والأجهزة والآلات بالدولار الأميركي، ولا يمكن أيضاً التعاقد مع شركات النفط أو شركات الصيانة أو غيرها من الأعمال الضرورية لاستمرار حياة الاقتصاد الإيراني.

هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة انعكست على المجتمع الإيراني بشكل كبير، وستزداد آثارها المدمّرة يوماً بعد يوم، ومن المرجّح أن تفاقم هذه الآثار من حالات الاحتجاج الشعبي في المجتمع الإيراني، كما أنها من الممكن أن تزيد من تعميق الهوّة بين النظام والناس، وقد تخرج الأمور عن السيطرة في لحظة ما ولا يعود بالإمكان لملمتها وإعادتها إلى حالة الضبط الأمني الراهنة.

في حديث له مع “العربي الجديد” بتاريخ 21-1-2018 يقول أستاذ العلوم الاجتماعية، الدكتور مجيد أبهري:

“إنّ البطالة سبب ونتيجة لمشاكل ثانية في إيران، واصفاً إياها بالآفة الاجتماعية، التي تؤدي إلى إفرازات أخرى. ويؤكد أنّ الشهادات الأكاديمية لا تتناسب والفرص، ولا حتى مع عددها الحقيقي، بسبب الوضع الاقتصادي بشكل رئيس، وبسبب اكتفاء المؤسسات الحكومية والخاصة بعدد موظفيها في الوقت الراهن وهو ما يرتبط بالركود الاقتصادي. يضيف أبهري أنّ الخريجين هم من يدفعون الثمن الأكبر، وهو ما بدأ بالتأثير سلباً على جيل جديد، بات يعتقد أن لا فائدة من التحصيل الجامعي، طالما أنّه لا ينتهي بفرصة عمل مناسبة وذات مستحقات جيدة”.

لا يمكن أيضاً أن ننسى الجمر الراكد تحت الرماد في مناطق كثيرة من إيران، مثل الأحواز العربية (عربستان) جنوباً وكردستان غرباً وبلوشستان شرقاً. فسكّان هذه المناطق من غير الفُرس يعانون اضطهاداً شديداً وعسفاً كبيراً من السلطات الأمنية، ويقومون بين الفينة والأخرى بانتفاضات متقطعة أو متباعدة للمطالبة بحقوقهم الإنسانية والثقافية والقومية، ولن تطول الفترة الفاصلة بين تأثير العقوبات الشديد وبين انتفاضات متجددة للمظلومين والجياع على حدٍّ سواء.

إذن سيكون على نظام الملالي تجرّع مرارة كأس السمّ ثانية كما تجرّعها عند قبوله وقف الحرب مع النظام العراقي سابقاً، أو سيكون عليه خوض غمار صراع طويل ومرير مع الشعب الإيراني في الداخل ومع الأمريكيين في الخارج.

في كلّ الأحوال سيكون العرب بعد الشعب الإيراني الخاسر الأكبر في هذا الصراع، فأنظمة الخليج ستدفع فاتورة الحرب إن حصلت وفاتورة التصعيد إن لم تحصل، كذلك ستكون أكبر الخاسرين إن توصّل الطرفان إلى اتفاق جديد حول أنشطة إيران النووية، لأنّ تجارب السنوات الماضية أثبتت لنا أنّه لا مانع لدى أميركا من إطلاق يد إيران للعبث في محيطها العربي إن كان لذلك مقتضى، وما سكوتها عن دعم الحوثيين في اليمن والحشد الشيعي في العراق وحزب الله في لبنان وسوريا سوى شكل من أشكال هذا القبول.

إنّ بقاء النظام الإيراني ضعيفاً في مواجهة شعبه قوياً في مواجهة جيرانه أمرٌ يعود على أميركا وإسرائيل بالفائدة القصوى، فتغيير مؤشر البوصلة من التوجّه نحو الكيان الصهيوني كعدوّ تاريخي واعتباره فوق ذلك حليفاً رئيساً في المواجهة مع إيران، حلمٌ كان يراود الأغلبية في إسرائيل وأميركا على الدوام، وها هو يتحقق بسبب تدخّلات النظام الإيراني في شؤون دول الجوار وبسبب دعمها لأنشطة المنظمات الإرهابية فيها وبسبب وقوفها مع نظام الأسد الاستبدادي ضدّ ثورة الشعب السوري. لقد سبب النظام الإيراني لشعوب المنطقة من الجروح ما لا يمكن أن يندمل بعشرات بل بمئات السنين. هذا كلّه سيجعل من إيران في المنطقة سلاح ابتزاز واستفزاز دائمين للمنطقة العربية وشعوبها.

خلاصة القول، لا حربٌ ولا سلم ونحن – شعوب ودول – الخاسرون بكلّ الأحوال.

تلفزيون سوريا

ماذا سيحدث إذا اندلعت الحرب في الخليج؟/ محمد عايش

أجواء الحرب تُخيم على المنطقة أكثر من أي وقت مضى، وعلى الرغم من أن الأرجح ـ حتى الان على الأقل- هو أن التوتر الحالي لن يصل إلى مستوى المواجهة العسكرية المباشرة في الخليج، إلا أنه في حال نشوب الحرب فسوف يعني ذلك أن منطقة الخليج، بل المنطقة العربية برمتها سوف تكون على موعد مع تغييرات استراتيجية كبيرة.

ورغم أن الحرب لا تزال غير مرجحة، لكن ثمة جملة من الدوافع والأسباب التي قد تؤدي لها، وفي مقدمتها أن الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان بيئة حاضنة وملائمة لطرح «صفقة القرن»، وإجبار العرب على القبول بها، تماما كما حدث في بداية تسعينيات القرن الماضي، عندما كانت هزيمة العراق في الحرب مقدمة لتوقيع اتفاقي «أوسلو» في عام 1993 ووادي عربة في 1994.

ثمة مبرر آخر أو دافع آخر للحرب، وهو الرغبة السعودية للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة ورادعة مع إيران، وذلك بعد أكثر من أربع سنوات على الحرب غير المباشرة بين الرياض وطهران في اليمن، التي لم تتمكن السعودية من حسمها، لا بل أصبحت ككرة الثلج المتدحرجة، بسبب أن تهديد الحوثيين للأمن السعودي ازداد عبر السنوات الأربع ولم يتراجع، وبلغ ذروته بهجمات الطائرات المسيرة الأخيرة، التي استهدفت منشآت نفطية في عمق الأراضي السعودية.

ثمة جملة من الدوافع والمبررات التي تجعل من الحرب أمراً محتملاً وخيارا وارداً وإن كان لا يزال حتى الآن غير مرجح، إذ أن أغلب الظن أن واشنطن لا تزال متمسكة بسياسة الانكفاء والانسحاب من الشرق الأوسط، وهذا لمسناه بوضوح في سوريا، كما أن إسرائيل على الأغلب ترى أن أي حرب شاملة في المنطقة ستؤدي إلى تهديد أمنها بشكل مباشر وعميق، وقد تدخل في مواجهة متعددة الجبهات.

لكن السؤال الأهم هو ما الذي يمكن أن يحدث، أو ما الذي سيتغير في المنطقة إذا اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران؟ والجواب هنا كما يلي:

*أولاً: الحرب في منطقة الخليج سوف تؤدي إلى ارتفاع قياسي في أسعار النفط قد يعود بها إلى مستويات فوق الـ100 دولار للبرميل، وقد يتجاوز ذلك إلى مستويات الـ130 و140 دولاراً، خاصة إذا كانت السعودية طرفاً مباشراً فيها، كون المملكة أكبر منتج للخام في العالم ولاعبا مهما في هذا السوق.

*ثانياً: الحرب المباشرة مع إيران سوف تؤدي بالضرورة إلى اتساع رقعة التوتر العسكري والحرب في كل من اليمن وسوريا، وهو ما يعني مزيداً من سفك الدماء والتدهور الأمني في المنطقة العربية برمتها، بما يشتمل على أعداد جديدة من اللاجئين والمشردين والقتلى والجرحى، وتردي المستوى المعيشي للمواطنين في المنطقة العربية برمتها.

*ثالثاً: من المعلوم بالضرورة أن التكاليف الباهظة للحرب الأمريكية المحتملة على إيران ستدفعها دول الخليج، وربما بدأت فعلاً تدفع تكاليف الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة، وهنا نتحدث عن تكاليف بمئات المليارات من الدولارات، وهي تكاليف غير معلنة بشكل رسمي، لكن بالقياس مع حرب العراق، فإن التقارير الأمريكية غير الرسمية كانت تتحدث عن نحو 14 مليار دولار شهرياً كتكلفة لهذا الانتشار البري والبحري في منطقة الخليج، وهذه التكاليف الباهظة إذا أضيفت لتكاليف سنوات من الحرب في اليمن وسوريا وليبيا، وتكاليف دعم النظام في مصر، فهذا سيعني أن الدول العربية الأغنى سوف تدخل في أزمات اقتصادية، فكيف بحال الدول الفقيرة، أو تلك التي كانت تعيش على مساعدات هؤلاء الأغنياء؟

*رابعاً: رد الفعل الإيراني ليس في نطاق التوقعات، إذ لدى إيران صواريخ باليستية بعيدة المدى، ولديها أيضاً وجود في أربع دول عربية، اثنتان منها على الحدود مع اسرائيل.

وخلاصة القول هنا هو أن المنطقة العربية يمكن أن تتغير برمتها إلى الأبد إذا قامت حرب شاملة بين الولايات المتحدة ودول الخليج من جهة وبين إيران من جهة ثانية، لكن حتى الان وضمن المعطيات الراهنة فإن أغلب الظن أن هذه الحرب لن تحدث وستظل محصورة في إطار التصعيد الكلامي وحرب التصريحات بين الجانبين.

كاتب فلسطيني

القدس العربي

ليس حبا بالنظام الإيراني/ هيفاء زنكنة

لا مفر، هذه الأيام، مهما حاولنا، من متابعة أخبار التهيؤ العسكري لإشعال جحيم حرب جديدة بين أمريكا وإيران في العراق، أو استمرارية جحيم حرب دائرة، الآن، في اليمن وليبيا، فضلا عن الاستيطان الصهيوني في فلسطين. أكرر مفردة «جحيم»، فهذا العالم العربي، الذي يتفتت كالخبز البائت أمام أنظارنا، لا يزال متمسكا بإصرار أسطوري على الا تقل الحروب على أرضه عن أربعين بالمائة من حروب العالم. حروب تمطر على أهله قنابل، تزداد وزنا مع كل حرب جديدة وصواريخ غبية، مؤهلة ان تكون ذكية، لفرط استخدامها في دروس القتل.

فمن حقل القتل الأول، بفلسطين، تطايرت بذرة الموت الاستعماري الاستيطاني لتحط في العراق واليمن وسوريا وليبيا، برعاية محلية. قتل الأجنة والأطفال، بغزة، مثلا، تراه الحكومات العربية، خبرا عاديا مألوفا، لا يستحق حتى مقاضاة المجرمين على الرغم من انها، جميعا، تدعي وصولها الحكم عبر انتخابات ديمقراطية تمثل الشعب.

هذه الحكومات العاجزة عن حماية شعوبها، قادرة على تشكيل «تحالف» ضد شعوبها، نتيجته واضحة منذ البداية كما في اليمن: تجويع الناس وسقوط الضحايا من المدنيين أينما كانوا سواء في حفلات الزفاف والجنازات أو المستشفيات والمدارس. أفعال إجرامية متغطرسة، يتماهى خلالها، حاملو السلاح وصانعوه وباعته ومشتروه، وهم يرددون ذات الاعذار التي تجعل، من القتل، الخيار الوحيد، الذي لا حل غيره.

يقول رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، مبررا سقوط الضحايا الفلسطينيين، نتيجة القصف المكثف، بضمنهم الأطفال، انه يستهدف «العناصر الإرهابية في قطاع غزة». ولا يختلف كثيرا عنه، المستشار القانوني لـ«التحالف العربي»، حين يبرر مقتل 22 طفلا في غارة جوية للتحالف على اليمن بأن الغارات تمت استنادا إلى معلومات استخباراتية بأن الحافلة كانت تقل قياديين حوثيين، وهو ما يجعلها «هدفا عسكريا مشروعا». وهما لا يختلفان عن المتحدث باسم القوات الأمريكية حين يبرر مقتل 200 شخص، بمدينة الموصل، جراء غارة لها، في آذار/مارس 2017، قائلا إن ارتفاع أعداد الضحايا متوقع مع دخول الحرب على المتشددين أعنف مراحلها.

وإذا كان حكام المملكة العربية السعودية ودولة الامارات الحاليين يدفعون مليارات الدولارات لشراء الأسلحة الأمريكية، بالإضافة الى «أتاوة» الحماية والرعاية لهذا الجناح من القبيلة دون غيره، فان الإدارة الأمريكية تزود الكيان الصهيوني، بالمقابل، بالمساعدات العسكرية البالغة مليارات الدولارات، والحماية مجانا. مما يوضح بما لا يقبل الشك من هو الحليف الدائم ومن هو المؤقت، وكيف أسقطت هذه التحالفات مفهوم «السياسة فن الممكن»، الذي يلجأ اليه الحكام العرب لتبرير أفعالهم، الى «الاستئثار الممكن بالخنوع».

من الواضح، أيضا، ان الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، مهما كانت الأوصاف الدونية التي تُطلق عليه، لا يختلف عن سلفه باراك أوباما، الذي امطرته البشرية بالمديح والثناء، أو سلفه «الصالح» جورج بوش حين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية وحماية المصالح الأمريكية العسكرية وغيرها في المنطقة. فاذا كان الرئيس ترامب قد طلب، منذ يومين، التحضير الفوري لملفات عديد العسكريين الأمريكيين المتهمين أو المدانين بارتكاب جرائم حرب بما في ذلك العسكري الذي من المقرر محاكمته لقتله مدنيين عزلا أثناء خدمته بالعراق، لأنه يفكر في العفو عن هؤلاء الرجال في «يوم الذكرى» الذي يوافق 27 أيار/مايو والذي تحيي فيه الولايات المتحدة ذكرى جنودها الذين قتلوا في المعارك اذا كان هذا ما سيقوم به ترامب، ليشرعن قتل المدنيين في البلدان المحتلة او يرونها مهددة للمصالح الأمريكية، فان الرئيس أوباما كان قد سبقه الى تشريع برنامجين

للاغتيال بواسطة الطائرات بدون طيار، لصالح وزارة الدفاع والسي آي أي، في باكستان وأفغانستان واليمن والصومال والعراق، تحت ستار الحرب على الإرهاب، وبعد ان تمت تسمية «الاغتيال» بأنه «قتل مستهدف»، حسب وثائق مسربة كشفها جيريمي سكاهل، الصحافي الاستقصائي الأمريكي، في كتابه « الحروب القذرة».

ومن بين التفاصيل التي تم الكشف عنها في الوثائق المسربة أن تسعين بالمائة من الأشخاص الذين قُتلوا في الغارات الجوية بطائرات بدون طيار لم يكونوا هم الأفراد المستهدفين. وكشفت الوثائق، أيضًا، عن الإجراءات التي تم من خلالها تحديد الأفراد للقتل والتحرك من خلال عملية أطلق عليها اسم «سلسلة القتل»، وبترتيب مع الرئيس أوباما نفسه، تم وضع الأفراد في «دورة الاستهداف»، وهي نافذة مدتها شهران يكون للجيش الأمريكي فيها «السلطة» للقيام بعملية الاغتيال. ولن ننسى التشريع الاوبامي الذي منح فيه القوات المسلحة صلاحية توجيه الضربات الجوية ضد أهداف الدولة الإسلامية في العراق وسوريا حتى لو أدت إلى سقوط الضحايا من المدنيين، بمعدل عشر ضحايا لكل غارة، بدون الرجوع إلى القيادة العسكرية المركزية، إذا ما تبين ان هدف الغارة الجوية يستحق ذلك.

ما هو موقف الشعوب العربية إزاء استمرارية العقيدة الأمريكية بأن «العالم ساحة معركة» والاعتماد على الصواريخ وغارات الطائرات بدون طيار، بالإضافة الى العمليات السرية الخاصة المحفزة للاقتتال وإثارة الفتن والضغائن حتى بين أبناء الشعب الواحد، ووجود غربان السلاح والحروب الذين يقتاتون على الموت؟

ان آلية القتل قصفا واستخدام جيل جديد من الطائرات بلا طيار، هي السائدة الآن، وستكون، كما تشير، كل الدلائل، الى انها ستستمر كسلاح مفضل في الحرب / الحروب المقبلة، التي يتم الاستعداد لها، بحماس منقطع النظير، من قبل دعاة الحرب في أمريكا وإيران والسعودية، التي ستكون ساحتها العراق، ولن تكون السعودية او الامارات أو إيران بمنأى عنها. ولن تكفي كل الجدران التي يبنيها ترامب والكيان الصهيوني لحمايتهما.

وإذا كان مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، يعتقد ان الله قد أرسل ترامب لينقذ إسرائيل من إيران والسعودية تعتقد ان أمريكا ستخلصها من إيران أيضا، أليس من الواضح أين ستقع الحرب التالية؟ أليس ما يجري في فلسطين والعراق واليمن كافيا ليدرك غربان الموت من الحكام العرب المستجيرين بأمريكا ان هذه الحرب لو لم تكن ضد إيران لكانت ضد بلد عربي، لأن الإدارة الأمريكية بحاجة ماسة الى عدو يحميها من نفسها ويوفر لمموليها فرصة استثمار ثرواتهم؟

هذه الحرب، إذا حدثت، ستكون المصيبة الأكبر على الشعب العراقي الذي عاش من الحروب ما يجعل ذاكرته مثقوبة بالرصاص، وسينهي أي أمل بالتعاون مع شعب بلد مجاور يعاني هو الآخر من استبداد يماثل ما تعيشه الشعوب العربية. ليس حبا بالنظام الإيراني، فما فعله في العراق وعرضه مساعدة أمريكا على احتلاله وتخريبه، جريمة لا تغتفر، ولكن حرصا على ما تبقى من العراق، علينا الا نتعاون مع أمريكا والكيان الصهيوني، فتاريخهما وحاضرهما أفضل دليل على مخططاتهما مستقبلا.

كاتبة من العراق

القدس العربي

الحرب بدأت وأمر العمليات مؤجل/ عيسى الشعيبي

تغيب عن أذهان أغلب المراقبين المشغولين بالإجابة على سؤال الحرب، المطروح بإلحاح شديد، حقيقة أن الحرب الأميركية على إيران كانت قد بدأت قبل نحو عام، عندما انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وأخذت بفرض عقوباتٍ اقتصاديةٍ وماليةٍ وتجاريةٍ ومصرفيةٍ صارمة، بلغت ذروتها قبل نحو أسبوعين، لدى فرض سلسلة أخرى من القيود على كامل الصادرات النفطية، ثم أتبعتها بحظر المتاجرة بقطاعي المعادن والبتروكيميائيات. هذه ليست كل ما تستخدمه واشنطن من أسلحةٍ فتاكة، ووسائل فعالة، وتكتيكاتٍ ناجعة، وأدواتٍ غير مسبوقة في الحرب الدائرة على قدم وساق ضد الجمهورية الإسلامية؛ إذ إلى جانب استراتيجية الضغوط القصوى، والخنق الاقتصادي الشامل، وقطع الشرايين، وتجفيف الموارد، هناك الحرب النفسية والاستخبارية والسيبرانية والدبلوماسية على مدار الساعة، وسياسة العصا بدون جزرة، فضلاً عن اعتبار إيران الدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم، إلى جانب تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية.

غير أن ما استحوذ على كامل الاهتمامات، واستأثر بمعظم التعليقات، كان رفع أميركا درجة استعدادها لإطلاق عملية عسكرية محتملة، وذلك حين أرسلت حاملة طائرات وقطعاً بحرية وقاذفات قنابل، ونصبت بطاريات الباتريوت والتوماهوك، ثم أعلنت عن زيادة التأهب العسكري في المنطقة، وسحبت بعض دبلوماسييها من العراق، الأمر الذي جعل كثيرين يتناسون حقيقة أن الحرب مشتعلة بضراوة، من دون دماء، ومنذ عام وأزيد، وأن ما تبقى هو أمر عملياتٍ لكتابة المشهد الأخير من حرب الخليج الثالثة.

ومع أن هناك بعض الشكوك إزاء صدور أمر العمليات هذا، في المدى القريب، نظراً لخطر اشتعال النار في أكثر بقاع الأرض قابلية للاحتراق، وجسامة التبعات المترتبة على حريقٍ كهذا، إلا أن هناك شكوكاً مقابلة إزاء قدرة إيران على التعايش مع مضاعفات حربٍ قائمةٍ بالفعل، حتى موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية على الأقل، أي عقد رهان على متغير خارج نطاق السيطرة، تحت ضغوطٍ مؤلمةٍ ومتفاقمة، تهلك الزرع والضرع، وتضرب تحت الخاصرة، وتمنع عوائد الصادرات النفطية وغير النفطية، ناهيك بتقويض سعر العملة الوطنية.

في إطار هذه اللعبة الجارية بانضباطٍ شديد، وتقيّد إيراني تام بقواعد الحذر والتحوط، من المرجح ألا تستعجل أميركا إصدار أمر العمليات العسكرية المؤجل، وليس هناك ما يدعوها إلى الاستعجال، طالما أن حربها القائمة بوتيرةٍ منخفضةٍ تؤتي أكلها، وتفي بالغرض، من دون أن تضطر الدولة العظمى إلى إطلاق رصاصة واحدة، أو القيام بأي مجازفة، إلا أنه من غير المرجح، في المقابل، أن تستكين إيران أمام استمرار حرب شاملة، حتى وإن كانت من غير سفك دماء، وأن تصبر على آلامها المبرحة، حتى لا نقول موتها التدريجي البطيء.

على هذه الخلفية، تدّعي أميركا أنها لا تريد الحرب مع إيران، وأنها تأمل اتصال جواد ظريف، مثلاً، بالبيت الأبيض على رقم هاتفٍ أودعته إدارة ترامب لدى سويسرا، وتتجاهل، في الوقت نفسه، أن سياق الأزمة تصعيدي، وأنه يقترب من نقطة اللاعودة، فوق أن واشنطن لم تعط إيماءة إيجابية صغيرة، أو تقرن عرضها التفاوضي بليونةٍ ما حيال شروطها الاثني عشر التعجيزية، ما يعني، في واقع الأمر، أن صقور الإدارة يدفعون بإيران دفعاً، بل ويستدرجونها، إلى تقديم الذريعة الملائمة لإصدار أمر العمليات.

مثل هذا الاستنتاج القائل إن الحرب بدأت، وإن أمر العمليات العسكرية مؤجل إلى أن تأزف لحظةٌ مؤاتية، وتنضج ذريعة وجيهة وقوية، وغير مختلف عليها في الولايات المتحدة، كاستهداف قطعةٍ بحريةٍ أو قاعدة عسكرية، نقول إن هذا الاستنتاج سيظل خلافياً إلى أن يحقق الخداع الاستراتيجي غايته، ويتم بناء القوة واستكمال المسرح الذي يعد له رئيس أميركي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته. من بين جملة التعريفات المتعلقة بمفهوم الحرب، يتبدى أن أفضل تعريف لهذا المفهوم الملتبس ما لخّصه أبو النظرية الاستراتيجية في العصر الحديث، الجنرال والمؤرخ البروسي كارل فون كلاوسفيتز، حين قال إن “الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى”، وهو قولٌ أحسب أنه ينطبق بدرجة تامة على أداء إدارة ترامب ومعالجتها المديدة لأزمتها الإيرانية المستعصية.

العربي الجديد

الخليج العربي.. هل تعود فوضى التاريخ؟/ مهنا الحبيل

من الموافقات التاريخية أن محطات الانهيار الكبرى، للتاريخ السياسي للخليج العربي، تزامنت مع صعود التدخل الإقليمي/ الغربي، بمعنى الميراث الغربي الذي آل إلى الولايات المتحدة الأميركية. أما الجانب الإقليمي، فقد كانت فارس قائمة في أرضها، أو في نفوذها في سلطنة هرمز. لم يكن هناك صراع بين القوتين في منطقة الخليج العربي، وإنما أبرز مرحلة هي بدء زحف الحملة الصليبية البرتغالية عام 1506، والتي تعاملت معها فارس، في ذلك الحين، بأنها تقاطع ضرورات شمل الدعم، أو الاستثمار لتلك الحملة، وكانت الدولة العربية لما نطلق عليه اليوم الخليج العربي يتجسد في عُمان والبحرين، والبحرين هنا أي كل الساحل الغربي للخليج، ويشمل في مراحل منه البصرة.

مدخلنا هنا أن الكتلة العربية كانت أقل تفتّتاً، وبالفعل شهد اتحاد مقاومة عُمان والإحساء، تحت سلطة الجبريين، قدرات ممانعة جيدة أمام الزحف الغربي، لكن الصراع الداخلي فيهما، والتدخل الذي اخترقت به القوى الأجنبية بعض الجغرافيا العربية، والفوضى العشائرية في المنطقة، وعدم تكريس بنية النظام لدولة أكثر تماساً كمؤسسات حكم، ساهمت في سرعة سقوط المنطقة. وهكذا استمرت الفوضى، حتى في العهد العثماني، الذي سقط في الخليج عملياً في 1909، وتشكلت بعده محمياتٌ، بعد صراع قبلي ومناطقي دموي محموم، ثم تحولت هذه المناطق سواء عبر تأسيس المملكة العربية السعودية، أو بقية دول الخليج العربي، إلى سلطنتين وإمارات، كان للتاج البريطاني دور رئيسي فيها، بحكم احتلاله كانتداب، أو نفوذه على المنطقة.

وعلى الرغم من أن الواقع كان سيئاً، من حيث النفوذ الغربي المطلق، إلا أن ذلك الزمن (1970-1990) لم يشهد قواعد عسكرية ضخمة في المنطقة، وبدأت الثقافة العربية لأهل الخليج تتعامل مع وحدته، ضمن نسيج الوطن العربي، بدءاً بفكرة الوحدة العربية للرئيس جمال عبد الناصر الذي ساهم موقفه في منع غزو العراق الكويت في الستينيات. وهي قضية بحاجة إلى الدراسة، بغض النظر عن تقييم العهد القومي والرئيس عبد الناصر، لكن الحد الأدنى من التفاهمات والقوة العربية لعبا دوراً جيداً في منع تلك الكارثة التي عادت في عهد الرئيس العراقي صدام حسين، وكانت منذ ذلك الحين بيضة القبان للغرب وإيران. ولكن الإرث القومي لم يكن مطمئنا في تلك الحين، لرفض شرعية دول الخليج العربي، في أدبيات القوميين، ودعوات التحول إلى مؤسسات جمهورية، كانت تحمل مجرّد مسمّى لدى القوميين للترويج الشعبي، لكنها لم تقدّم أي متانةٍ حقوقية للشعوب، وإنما وظفت لاستبداد أحزاب الحركة القومية في حينها. هنا بدا أن دول الخليج العربي لم تكن ترغب في بقاء المرجعية العربية التي يُمسك بها القوميون، وخصوصا بعد تطور الصراع بين الرياض ومشروع عبد الناصر.

تم تجاوز هذه المرحلة لدى مثقفي المنطقة، لتراجع المشروع القومي ذاته، بعد نكسة 1967، وانتشار الصراع بين أطرافه الفكرية. وبالتالي لم يعد هناك من مساحة، لتُحول هذه الدول الحديثة إلى ممانعةٍ ممكنة، إلّا من خلال التكتل في إطار الخليج العربي. وصحيح أن واشنطن دعمت فكرة التكتل، إلا أن هذا التجمع أيضاً، على امتداد الزمن، كان يُمكن له أن يُشكل قاعدةً

جيدةً لنموذج كونفدرالي، يُقلل من مخاوف الاستهداف العسكري أو السياسي، وكانت الشعوب، في حينها، تطمح إلى تطوير هذه الدول نحو تماسك قُطري، وتجمّع إقليمي يُحسّن واقعها الاقتصادي، وتكتل دفاعي لأمن قومي مشترك، لا يُعرّضها لسقوطٍ يعيد فوضى التاريخ.

اليوم، يركز المشهد على إمكانية حدوث حربٍ عسكريةٍ أو مفاوضات. والثاني هو الأرجح، غير أن مجرد حصول مفاوضاتٍ بين واشنطن وطهران يُشير إلى أنها مفاوضات تأتي في أسوأ وقت لدول الخليج العربي، إذ هدمت أبو ظبي والرياض أي مُعدل للثقة، وفتحت الباب أمام توسّع منفرد لهذه الدولة وتلك، مع إيران أو القوى الغربية المختلفة. وبات التفكير جدياً في عودةٍ إلى انتداب غربي مقنن، في ظل هذا الصراع والفوضى التي أحدثتها سياسة الرياض الجديدة. وهنا نتنبه إلى مسألة ردة فعل السعودية، في حال وصلت واشنطن إلى اتفاقٍ مع طهران، مهما قيل عنه، أو حاول بعضهم أن يوجد لها أرضية تبريرية، كما فعلت الشخصية المحورية للإعلام السعودي، عبد الرحمن الراشد، في رده على رئيس الوزراء القطري السابق، الشيخ حمد بن جاسم، تحت عنوان “ماذا لو خذلنا ترامب؟”، فالفقرة الأخيرة من مقاله هي المقصد: ماذا ستفعل السعودية لو خذلها ترامب، هذه المرة، وهل سيُغيّر ذلك استضافتها قمتي مايو؟ ولنلاحظ هنا أن موقف أبو ظبي، ظل يخشى من تطورات الحرب عليها، على الرغم من أنها ساهمت في حروب كبرى على ليبيا واليمن، فيما ظلت رسائلها مختلفة عن الرياض، خشيةً من أن تقود الأحداث إلى تفجير اللهب الكبير بعد الفجيرة، فهل نجحت إيران، وفشلت أبو ظبي؟

هذا الفشل المتكرّر، وردة الفعل الغاضبة التي تمارسها الرياض كل مرة، إلى أين يقودان، في

ظل تصعيد مستمر على الداخل السعودي؟ وأين سيكون مستقبل الدولة ذاتها، في ظل تحفيزها على توترات المنطقة التي لم تُوقف اعتداءات إيران على العرب؟ ولم تُغيّر موقف واشنطن من مساحة التفاوض مع طهران، كما هي مساحة الحلب من الثروات السعودية.

يعطينا المؤشّر الكبير في هذه القضية اتجاها متزايدا، في أن الرؤية الغربية القديمة، لتأمين ساحل الخليج العربي لأجل مصالحهم النفطية، طرحتها واشنطن وحلفاؤها الغربيون، في حال سقوط النظام السعودي، لعزل الساحل الشرقي. وفي العام 2004، راسلت واشنطن دول الخليج، عما هي تصورات كل دولة لواقع المنطقة الشرقية (الأحساء)، في حال وقوع اضطرابات كبرى للدولة السعودية، فهل قرّبت الأزمات التي افتعلتها الرياض استعدادات الرؤية، فيبادر النظام، بخطاياه، إلى إسقاط نفسه بيدي، لا بيد عمر؟

العربي الجديد

أبابيل الإيرانية/ مهند الحاج علي

مراكب مائية مُسيّرة استهدفت ناقلات النفط في مرفأ الفجيرة أخيراً. هذه خلاصة تحقيق نروجي مستقل، نشرتها وكالة “رويترز” للأنباء. ولو أضفنا إلى هذا السلاح المائي غير التقليدي الذي بالكاد أحدث فجوة في الناقلات، تلك الطائرات المُسيّرة الرخيصة الثمن، نرى أنفسنا أمام مشهد متكامل للأدوات الإيرانية أمام القوة الأميركية في المنطقة. ورغم عدم التوازن الفاضح في القدرات بين الطرفين، يُسجّل تطور في القدرات الإيرانية.

في 18 شباط (فبراير) من العام الماضي، اعتلى رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو منصة المتحدثين لإلقاء كلمته في مؤتمر ميونيخ للأمن. بعد إشارته الى “عدوان تنفيه إيران على إسرائيل الأسبوع الماضي”، فاجأ جميع الحضور ومن ضمنهم وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، برفعه قطعة حديد محترقة كان يحملها بيده اليمنى، وتعود لجناح طائرة مُسيّرة أسقطتها اسرائيل. “سيد ظريف”، خاطب نتنياهو الوزير الإيراني، سائلاً إياه “هل تعرف ما هذه؟”. “يجب أن تعرف، هي تعود لكم”.

لم تكن حادثة الطائرة الإيرانية في سوريا، المرة الأولى التي تتنبه إسرائيل والولايات المتحدة، إلى هذه القدرة الإيرانية المتنامية في الجو. ذلك أن الإيرانيين لديهم برنامج فاعل لتطوير الطائرات المُسيّرة منذ الحرب العراقية-الإيرانية. واستخدم حزب الله إحدى هذه الطائرات في حرب صيف عام 2006، ما أثار ضجة، ولو أنها فشلت في تحقيق نتائج ميدانية تُذكر. المهم أن الحزب جرّب الطائرة في الميدان، وواصل الإيرانيون تطويرها لزيادة قدرتها على الطيران وعلى حمل أسلحة ذكية تُصيب أهدافها. بعد عشر سنوات، وتحديداً في صيف عام 2016، قصفت طائرة إيرانية مسيّرة من طراز “أبابيل” موقعاً للمعارضة السورية في ريف حلب. “الإعلام الحربي” لـ”حزب الله” نشر حينها فيديو عن القصف، أثار فضولاً كبيراً ونقاشاً بين خبراء الحروب غير التقليدية. أشار الفيديو الى مستقبل الصراعات غير التقليدية. اللافت في الطائرة كان أنها رخيصة جداً، دون الألف دولار، لكنها فاعلة في ضرب أهدافها ولديها مدى أبعد مما لمثيلاتها التجارية المتوافرة في الأسواق.

المشكلة للجانب الأميركي والإسرائيلي، تكمن في الفارق الهائل في التكلفة بين صواريخ أرض-الجو المطلوبة لإسقاط الطائرة المُسيّرة وبين كلفة تصنيعها. هناك فارق مئة ألف دولار بين صواريخ القبة الحديدية، وبين الطائرات نفسها. والمسألة ذاتها مُضاعفة في صواريخ باتريوت التي تتراوح كلفتها بين المليون وبضعة ملايين الدولارات. لكن الإيرانيين ورغم تسليمهم طائرات مُسيّرة لميليشيات موالية أو حليفة لهم في العراق وسوريا واليمن، لم يصنعوا أعداداً هائلة منها (على مستوى صناعي، أي الآلاف). في المُحصلة، لن تكون كلفة إسقاط هذه الطائرات مرتفعة جداً.

إلا أن هذا هدف وضعته إيران نُصُب عينيها، وباتت في موقع متقدم، كما ألمح قائد وحدة الطائرات المسيّرة في القوات البرية الإيرانية شهرام حسن نجاد الشهر الماضي. نجاد تحدث عن دخول إيران نادي الدول الخمس الرائدة في مجال تصنيع الطائرات المُسيّرة. لكنه لم يُحدد مستوى الإنتاج.

من المنطقي توقع رد أميركي “في المنطقة الرمادية”، أي من صنف الهجوم الذي لا يُعرف مصدره بوضوح، وربما باستخدام الطائرات الذكية نفسها، سيما أن الأميركيين والاسرائيليين أكثر تقدماً في هذا المجال من الإيرانيين. سيكون التحدي حينها مرتبطاً بقدرة ايران على استخدام هذا السلاح على مستوى صناعي، بأعداد كبيرة وبشكل فاعل.

حتى ذلك الحين، تبقى هذه المغامرات الإيرانية محدودة الفاعلية ولا ترقى لأن تُشكل تهديداً بعيد المدى.

المدنيون

أميركا والسعودية وإيران و«الانقلاب الكبير»/ غسان شربل

التاريخ ليس سيفاً مسلطاً على الأعناق إلى الأبد. تغلبت فرنسا وألمانيا على بحر من الدم. الأمر نفسه بالنسبة إلى الذاكرة اليابانية – الكورية، والذاكرة الروسية – التركية التي تنام على أكثر من عشر حروب. التاريخ مرض قابل للعلاج، بإعادة قراءته واستيعاب دروسه. يمكن تضميد جروحه وضبط انبعاثاته السامة. يمكن أحياناً التلاعب برواياته والتشاطر عليها. في المقابل، الجغرافيا حكم مبرم. قدر لا يتزحزح. تختار لك جارك من دون استئذانك.

هذا قدر الشرق الأوسط. عرب وفرس وأتراك وأكراد. أديان وطوائف ومذاهب وجروح قديمة وجديدة. ذاكرة قديمة ومناجم من الأحلام والخيبات. مجموعات ضاقت بها مواقعها، فارتكبت أحلاماً إمبراطورية. اندفعت وهاجمت وحاربت وانتصرت وسادت، ثم انحسرت وتقهقرت مع خيباتها إلى خرائط تعتبرها أحياناً أغلالاً وسجوناً ضيقة. وبين فترة وأخرى، تظهر فكرة أو ثورة أو حاكم، فنشهد ما يشبه محاولة الثأر من التاريخ الذي قلّم أظافر الإمبراطوريات ومشاريع شطب الآخرين أو تغيير ألوانهم ومصادرة قراراتهم. وشاء القدر أيضاً أن تكون منطقة الشرق الأوسط مفترق طرق بين قارات، وأن تضم أرضها ثروات تثير الشهيات، وسلعاً يعتبر استقرارها ضرورياً للاقتصاد العالمي.

الأزمة الحالية في الخليج ليست حدثاً عابراً، ولا يمكن اختصارها بمبارزة بين واشنطن وطهران. إنها أيضاً أزمة عميقة بين إيران وجيرانها. وهكذا، يتداخل المحلي والإقليمي مع الدولي. ولا يكفي القول إنه لا أحد يرغب في الانزلاق إلى حرب. ثمة مشكلة صعبة وعميقة ولّادة للأزمات، ويمكن تسميتها صعوبة التفاهم مع إيران الحالية.

تعلن إيران من وقت إلى آخر أنها تريد العيش بسلام مع جيرانها، وأنها مستعدة للتفاهم معهم وضمان مصالح كل الأطراف. لكن هذه الدبلوماسية الممتدة من ابتسامات محمد خاتمي إلى ابتسامات محمد جواد ظريف لم تستطع إقناع دول المنطقة بأنها ليست مجرد غطاء للسياسة الفعلية التي ينفذها «الحرس الثوري»، وهي سياسة الانقلاب الدائم والمتواصل على موازين القوى التقليدية بين مكونات الشرق الأوسط.

منذ انتصارها، أطلقت ثورة الخميني مشروع الانقلاب الكبير الذي يرمي إلى تحويل إيران دولة كبرى في الإقليم تتحكم في مصير استقراره وثرواته. وفي هذا السياق، اعتبرت إيران أنها تواجه ثلاثة عوائق أمام مشروعها: العائق الأول هو الحضور الأميركي في المنطقة؛ اعتبرت طهران أن إحداث ثقوب واسعة في المظلة الأميركية المنصوبة فوق المنطقة لن يبقي لدولها غير تجرع السم وقبول الدور الإيراني المهيمن. العائق الثاني وجود نظام صدام حسين الذي أرغم النظام الإيراني على الانشغال بالدفاع عن أرضه بدلاً من الاندفاع في الإقليم. والعائق الثالث هو الثقل السعودي، خليجياً وعربياً وإسلامياً ودولياً. وبعد سقوط نظام صدام حسين، صعّدت إيران خطوات الانقلاب الكبير لقضم مواقع النفوذ الأميركي في المنطقة، وتطويق السعودية من أكثر من اتجاه.

اعتمد الانقلاب الكبير على مطبخ يزاوج بين الآيديولوجيا والسلاح والمال. وهكذا، تم اختراق خرائط وتهديد أخرى، عبر محاولة إخراج الأقليات الشيعية من نسيجها الوطني، وإدماجها في برنامج الولي الفقيه، وكذلك عبر الميليشيات والجيوش الصغيرة المتحركة والصواريخ والطائرات المسيّرة. رمت هذه الصواريخ إلى تقليل الأهمية الاستراتيجية للدول التي يمكن أن تستهدف بها، وإقناعها أنها تغامر باستقرارها إذا اختارت معارضة الانقلاب الكبير أو عرقلته.

لو كُتب مثل هذا الكلام قبل سنوات لعثرت على من يعتبره ضرباً من المبالغة. لكن لنتعامل مع الوقائع. توقيت العدوان الحوثي الأخير على منشآت سعودية يؤكد ما هو معروف، وهو أن دور الحوثيين مرسوم بدقة في مطبخ «الحرس الثوري». لا تحتاج حلقات الانقلاب إلى أدلة. جنرالات «الحرس» أنفسهم يفاخرون بالعواصم الأربع التي يعتبرون أنها تدور في الفلك الإيراني. والمتابع للأحداث يكتشف بسهولة أنه لا يمكن تشكيل حكومة في العراق من دون موافقة طهران. والأمر نفسه في بيروت. أما في سوريا، فقد فرضت التطورات الميدانية على إيران القبول بالشريك الروسي، أو المنافس الروسي.

ينظر العربي إلى هذا المشهد ويرى نفسه أمام انقلاب واسع. تقضي شروط الاستقرار الحقيقي في المنطقة أن يكون اليمن لليمنيين، وأن يكونوا أصحاب الكلمة الأولى والأخيرة في رسم مستقبلهم؛ اليمن لليمنيين. العراق للعراقيين. سوريا للسوريين. لبنان للبنانيين. ليس طبيعياً على الإطلاق أن يكون السفير الإيراني في هذه الدول أقوى من رئيس الحكومة فيها، وأن يكون الجنرال قاسم سليماني أقوى وبكثير من جنرالاتها.

بخروجه من الاتفاق النووي مع إيران، أعاد دونالد ترمب فتح ملف السلوك الإيراني برمته. مشكلة دول المنطقة مع إيران تتعلق بالانقلاب الكبير قبل أن تتعلق بطموحاتها النووية. أوروبا أيضاً قلقة من البرنامج الإيراني الصاروخي. واشنطن تتحدث عن خيوط تربط طهران بمجموعات إرهابية، بينها «القاعدة». إدراج «الحرس الثوري» على لائحة الإرهاب الأميركية أعاد تسليط الأضواء على سياسة زعزعة الاستقرار التي تنتهجها طهران.

الأزمة الحالية في الخليج هي من ثمار الاعتراض على الانقلاب الكبير، ومحاولة وقفه ومنعه من الانتقال إلى حلقات جديدة. في هذا السياق، يمكن فهم قرار السعودية ودول خليجية بالموافقة على إعادة انتشار القوات الأميركية في مياه الخليج العربي وبعض دوله. وفي ضوء الاعتداءات الحوثية الأخيرة في إطار الانقلاب الكبير، يمكن فهم دعوة السعودية إلى سلسلة قمم خليجية وعربية وإسلامية في مكة المكرمة لبلورة موقف واضح يبعث برسالة صريحة إلى إيران، مفادها أن عليها وقف برنامجها المقلق لدول المنطقة. لا ترمي هذه الخطوات إلى التمهيد لحرب يعرف الجميع أنها ستكون مكلفة؛ ترمي إلى إقناع إيران أن متابعة الهجوم الذي يشكله الانقلاب الكبير ستضعها أمام ضغوط غير مسبوقة تحرم اقتصادها من القدرة على تمويل برنامج واسع لزعزعة الاستقرار.

لا تستطيع المنطقة العيش على حافة الحرب في صورة دائمة. نزع فتيل التوتر يبدأ بعودة إيران عن الانقلاب الكبير الذي أطلقته في المنطقة. لا تستطيع دول المنطقة قبول اختراق خرائطها بالصواريخ أو الميليشيات أو الطائرات المسيّرة. ولا تستطيع أميركا قبول تحول المضائق والممرات رهائن لدى «الحرس الثوري». تعديل التوازنات العسكرية على الأرض في المنطقة يجعل طهران أمام خيار واضح: إما الذهاب بعيداً في المجازفة، وإما فتح قنوات تمهيداً للعودة إلى طاولة التفاوض بأوهام أقل. الإجراءات الحازمة في الخليج هي محاولة انقلاب على الانقلاب الكبير الذي صادر قرار عواصم، واخترق خرائط واستنزف ثروات.

الشرق الاوسط

الأزمة ستغيّر طهران/ عبد الرحمن الراشد

كل يوم يمر إيران تنزف خسائر هائلة، تفقد أكثر من نصف ما كانت تحصل عليه قبل عام بسبب تطبيق العقوبات عليها. ولو استمرت بمثل هذا النزف، فإن النظام مهدد بالسقوط، لهذا نحن فعلاً في وسط حرب دون أن نرى رصاصاً. وكأي حرب موجعة، وفي الوقت نفسه، الوضع الحالي يجعل من في إيران نمراً جريحاً ومستعداً للدخول في أي معركة، على غير عادته، لأن وضعه صار خطيراً.

هذا ما يدفع كل الأطراف المواجهة لإيران للتحسب لما قد ترتكبه إيران، أو ميليشياتها في المنطقة، كما فعلت الأسبوع الماضي عندما نفذت هجومين على الإمارات والسعودية.

هذه المرة، المواجهة ليست حرباً دعائية، بل معركة بقاء حقيقية، بخلاف المرات الماضية التي كانت جزءاً من لعبة المساومات والضغوط والحصول على اتفاقات مناسبة. ردود فعل طهران، قد تكون أكثر شراسة، نتيجة نزفها اليومي. كما أننا لا ننسى أن على السلطة الإيرانية استحقاقات لا تستطيع المفاضلة بينها، كلها مهمة لبقائها، وتمويل نشاطاتها الداخلية، ودفع رواتب موظفيها، ولا ننسى أنها تمول كل السلع الرئيسية بمبالغ طائلة، إضافة إلى مليارات الدولارات تدفعها سنوياً لميليشياتها التي تحارب في سوريا ولبنان واليمن وغيرها. بسبب الحصار الخانق لم يعد ممكناً أن تفي بدفع فواتيرها الأساسية، وفي الوقت نفسه تستمر المظاهرات في أنحاء البلاد، وترافق ظهورها منذ العام الماضي مع بدء العقوبات، احتجاجاً على الأوضاع المعيشية الصعبة.

إيران تعتقد أنها بتهديد ممرات الملاحة، وناقلات النفط، وقصف منشآت الضخ البترولية ستتسبب في رفع أسعار النفط وسينجم عنها أزمة اقتصادية ضد أميركا والعالم، وتهدد موارد دول الخليج، هي الأخرى. بذلك تأمل أن تدفع واشنطن وحليفاتها إلى التراجع عن الحصار، أو التفاوض معها بشروط أفضل. وفي تصوري لا شيء من الاثنين سيتحقق، وسيضطر القادة في طهران إلى الاتصال بالرئيس الأميركي وتقديم تنازلات أساسية. وهم يدركون اليوم أن احتمالات خوض دونالد ترمب انتخابات الرئاسة الأميركية والانتصار فيها وارد جداً، وأن المراهنة على فشله مغامرة ستؤذي أكثر.

نتيجة لذلك الضغط وخشية من انفجاره، تمخر السفن الحربية العملاقة البحار متجهة نحو منطقة التوتر قبالة إيران وميليشياتها، لأنه من الصعب التكهن بما قد تفعله إيران في هذه الظروف غير العادية. خياراتها، أن تتسبب في حرب واسعة، ولو فعلت سيعجل بانهيار النظام، أو أن تعض على أصابعها وتتحمل الخسائر حتى يتم التوصل إلى اتفاق ما مستقبلاً.

لماذا لا تشن الحرب وبالتالي نختصر الوقت ويتم إسقاط النظام الشرير في إيران؟ تبعات الحروب دائماً خطرة، ولا أحد يريد المزيد من الانهيارات والفوضى في المنطقة. فإن كان من الممكن إجبار النظام على تعديل سلوكه، فهو انتصار أقل أذى، وإن رفض سيستمر ينزف وبالتالي مآله للانهيار.

وهذا ما يدفع دول المنطقة، مثل السعودية، وكذلك الولايات المتحدة، إلى تكرار القول، لا نريد الحرب، لأنهم بالفعل يستطيعون تحقيق الأهداف النهائية من دون مواجهة عسكرية.

الشرق الاوسط

هل تستطيع إيران استخدام أذرعها هذه المرّة/ علي حسين باكير

مع ارتفاع منسوب الحرب الكلامية بين الولايات المتّحدة وإيران، والحشود العسكرية الجارية على قدم وساق بين الجانبين، يتصاعد التوتر في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام وفي الخليج بشكل خاص. ووسط هذا الجو المشحون، تنقسم الأطراف بين مؤيّد لمزيد من التصعيد ومحرّض عليه، وبين معارض له وداعٍ للحوار من أجل سحب فتيل الأزمة.

البيانات الرسمية للأطراف المعنيّة مباشرة بالأزمة تشير إلى انّ واشنطن وطهران لا تريدان خوض حرب مباشرة. وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف كان قد صرّح قائلاً انّه “لن تكون هناك حرب لأننا لا نريد الحرب”، ومثله أشار قائد الحرس الثوري إلى أنّ “إيران لا تسعى إلى حرب لكنّها لا تخاف منها.” يؤمن كثيرون أنّ إيران لا تمتلك القدرات اللازمة التي تخوّلها خوض حرب تقليدية مع الولايات المتّحدة، إذ لا تمتلك طهران أي فرص حقيقية لربحها. لكنّ في المقابل، يعتقد بعضهم أنّ أدوات الحرب اللاتناظريّة التي يمتلكها النظام الإيراني تخوّله تحدّي واشنطن إقليمياً ونقل المعركة بعيداً عن أراضيه، وهو ما يخدم الهدف النهائي له أي حماية النظام الإيراني لنفسه.

لطالما اعتمدت إيران على هذه الحجّة لتبرير توسّعها الإقليمي، وغالباً ما يتم تبرير هذا التوسع من قبل مناصري النظام الإيراني في الشرق والغرب بالقول إنّه توسّع دفاعي يهدف إلى حماية النظام الإيراني من أي اعتداء خارجي. وككل مرّة، حينما يتم مناقشة الحرب المحتملة بين الطرفين، يتم إدراج أذرع إيران الإقليمية في لبنان والعراق وسوريا واليمن وفلسطين ضمن مصادر القوّة الإيرانية، كما يتمّ اعتبارها بمثابة خيار مفتوح لطهران للرد على أي ضغط او اعتداء يطولها.

لا يوجد أدنى شك بأنّ هذه الأذرع “لا سيما الميليشيات الشيعية منها”، هي بمثابة جزء عضوي من النظام الإيراني، تأتمر بأوامره، وتدافع عن مصالحه، وتحمي نظامه وإن خالف ذلك مصالح وتوجّهات الدولة التي يوجدون فيها. لكنّ القول بأنّ استخدام هذه الأذرع متاح بشكل مطلق أمر غير دقيق في أحسن الأحوال. وبخلاف المرّات السابقة أعتقد أنّها المرّة الأولى التي سيكون من الصعب جداً على النظام الإيراني استخدام بعض أذرعه هذه.

يعتبر حزب الله في لبنان من أشهر وأقدم أذرع إيران الإقليمية وأكثرها ثروة وعدداً وخبرةً وتسليحاً. أمينه العام حسن نصرالله افتخر ذات يوم بأنّه مجرّد جندي في جيش الولي الفقيه. حزب الله جاهز دوماً للدفاع عن مصالح إيران وعن نظام الولي الفقيه متى ما احتاج الأمر ذلك، لكنّ حزب الله ليس في أفضل حالاته اليوم. الحزب يعاني من أزمة مالية خانقة وغير مسبوقة على الإطلاق. هذه الأزمة أدّت وتؤدي إلى تململ جزء كبير من أنصاره المنتفعين أو حتى من أولئك الذين قاتلوا معه أو من أجله وظلّوا يحصلون على تقديمات مالية واجتماعية لقاء خدماتهم. الدخول في حرب من أجل إيران في ظل هذه الظروف تعني الانتحار حتماً.

إسرائيل على أتمّ الاستعداد لإعادة لبنان إلى العصر الحجري، وبخلاف حرب العام ٢٠٠٦، لن يكون هناك أموال لإعادة إعمار لبنان هذه المرّة، ولن يكون هناك أموال لتعويض الموالين لحزب الله وإسكات قاعدته الشعبية، ولن يكون هناك شعب سوريا لاحتضان أي لاجئين أو نازحين من لبنان باتجاه سوريا، كما أنّ باقي شرائح الشعب اللبناني سيكون الكيل قد طفح بها لا سيما أنّ البلد على شفير الانهيار التام دون الحاجة إلى حرب!

في المقابل، تتمتع الميليشيات العراقية بهامش أكبر من المناورة، لكنّها هي الأخرى تعاني مشكلات حقيقية. الولايات المتّحدة كانت قد وضعت الحكومة العراقية في صورة مسؤولياتها وما سيحصل في حال قامت هذه الميليشيات بمهاجمة أهداف أميركية او مصالح أميركية في العراق. الأهم من ذلك بطبيعة الحال أنّ واشنطن ستحمّل إيران هذه المرّة المسؤولية عن أي هجوم تشنّه أذرعها ضدّها. في سوريا، الميليشيات الشيعية في موقف ضعيف أيضاً، فهي تتعرض لقصف إسرائيلي ممنهج، كما أنّ عدد الاشتباكات بينها وبين القوات الروسية كان قد تزايد مؤخراً، ولذلك فهي ليست في موقع يسمح بتوجيه ضربة كبيرة لأميركا أو حتى لإسرائيل.

تبقى الساحة اليمنيّة هي الساحة الوحيدة المتخلّصة من أي قيود لأنّها عملياً ساحة حرب منذ عدّة سنوات. تكليف إيران للحوثي بعمليات ضد السعودية والإمارات أمر ممكن كما جرى مؤخراً، لكن من الصعب أن يتم تخطي ذلك إلى شنّ هجوم على أهداف أميركية أو على مصالح أميركية، لأنّ مثل هذا الأمر سيحرر واشنطن من الضغوط في الملف اليمني وسيتيح لها تقديم دعم علني أكبر ضد الحوثي الأمر الذي قد ينتهي بخسارته كليّاً.

خيار إيران الوحيد هو القيام بضربات منخفضة المستوى ولا تستجلب ردّ فعل كبير مدمّر، تماماً كما حصل حتى الآن سواء في استهداف الناقلات البحرية أو في استهداف مواقع نفطية سعودية أو حتى في إطلاق صاروخ كاتيوشا بالقرب من مواقع أميركية، لكنّ مثل هذه العمليات لا تعدو كونها رسالة ولا تترك تأثيراً كبيراً على الجانب الأميركي كما أّنها لا توقف الضغط الأميركي المتصاعد على إيران سياسياً واقتصاديا وعسكرياً. وبالتالي فإنّ بقاءها هذه العمليات ضمن الإطار المنخفض لن ينفع النظام الإيراني بالشكل الذي كان عليه الأمر سابقاً.

خلاصة القول إنّ استخدام إيران لأذرعها الإقليميّة هذه المرّة سيكون مقيّداً ومحدوداً للغاية بسبب ظروف هذه الأذرع من جهة، وظروف البلدان التي توجد فيها من جهة أخرى، علاوةً على وجود تهديد أميركي صريح بتحميل إيران المسؤولية عن أي أعمال مباشرة لهذه الأذرع ضد الولايات المتّحدة ومصالحها وهو ما سيفرض معادلة جديدة تتلقى إيران بموجبها الضربات بالنيابة عن أذرعها.

تلفزيون سوريا

إيران بعيونهم/ يحيى العريضي

خلال الأيام المنصرمة، أشاح المحللون السياسيون والإستراتيجيون بنظرهم عن أحداث منطقتنا، وأضحى شغلهم الشاغل البحث عن توقيت الضربة الأميركية لإيران؛ وكيف ستكون، وماذا ستستهدف، وهل ستكون أذرع الأخطبوط الإيراني الهدف أم قلب إيران، وهل ترمب جِديٌ أم بهلوانيٌ، أهو مختلف عن الإدارات الأميركية السابقة؛ أهو مقتنع بأن إيران هي البقرة التي تحلب ذهباً كمصدر للابتزاز الأميركي للمنطقة؟  طبيعي أن يكون هذا هو هاجس منطقتنا الآن وليس فقط المحللين والإستراتيجيين؛ فعلى مدار أربعة عقود استطاعت إيران إلى جانب إسرائيل وبإشراف أميركي ضبط إيقاع هذه المنطقة تحت يافطة العداء العلني والتنسيق الخفي بينهم؛ ولكن أن يتحول العداء العلني المزيّف إلى واقع ظاهر وعلني، فهذا لم يحدث من قبل؛ فرائحة البارود تزكم الأنوف.

الملفت أكثر من أي أمر آخر هو حالة التخبط الإيرانية أكثر من أي وقت مضى؛ فرئيس لجنة الأمن القومي الإيراني يقول: “نتفاوض مع الأميركيين” والخامينائي يقول: “لا للتفاوض”. فريق ثالث يقول: “نتفاوض بشروط”. الغريب أن يخالف أحد رجال الخامينائي رأيه، وهم لا يرونه إلا إلهاً لهم. يعزّي بعض رجالات السلطة أنفسهم بالقول إن ما يحدث يوحّد الإيرانيين- قيادة وشعباً. ومعروف كم تكترث هذه القيادة بشعب إيران!  الأخطر من كل ذلك ما يراه بعض قادة إيران بأنهم يواجهون أزمة غير مسبوقة تشي بنهاية مشروع عمره أربعة عقود

أعاد ما يحدث من توتّر نبش حيثيات الاتفاق النووي. يرى بعضهم بأن الاتفاق النووي لم يحم إيران؛ وفريق آخر يعتبره حاجة أميركية-أوروبية… أيضاً ليعزي نفسه آملاً بأن تعود المياه وتمر في المجرى ذاته. في الاطمئنان أيضاً هناك من يرى التهويش الأميركي ليس إلا وسيلة لمزيد من ابتزاز دول الخليج من قبل “البزنس مان” ترمب؛ ويستدل هؤلاء على ذلك بأن ما تريده أميركا هو حماية أصدقائها. لكن الأطرف في الموضوع عندما يقطع البعض بعدم جدية “ترمب”، وبأنه لن يفعل شيئاً؛ والدليل الذي أوصله إلى هكذا استخلاص حسب قوله إن ترمب ينتقد ويقرّع الإعلام لتضخيمه المسألة، ويضيف عليها بأن ترمب شنّ هجوماً /تويترياً/ على “بولتن”- رئيس مكتب أمنه القومي- لتوريطه والمبالغة بالمسألة؛ وكأنهم بإيراد ذلك يزفون خبر انتصار للجمهورية الإسلامية على “الشيطان الأكبر” الجبان؛ فأميركا كما يرون “لا تريد الحرب؛ ولكن الذي يحرّض عليها ليس إلا طرفاً ثالثاً كُرهاً بإيران ودعماً لـ “صفقة القرن”. ومن جانب آخر يعتبرون

أن كل تلك “الهيصة” الترمبية- وحتى إلغاء الاتفاق النووي- ليس إلا رغبة جامحة لدى ترمب تحولت إلى مرض اسمه “أوباما” لا بد من إلغاء كل ما وقّعه أو عمله.

عندما يتغلّب هاجس الحرب على أفكارهم، يعودون للمزاودة والتذكير بصواريخ إيران وأذرعها القوية؛ وأنها مَن يحدد إيقاع المواجهة؛ ولكنهم في الوقت نفسه يحسبون حساب الرجعة، فيذكرون ما قاله “جون كيري” بإيران بأنها /عقلانية/؛ فيحتّمون وقتئذ بأنها لن تغلق مضيق هرمز.

حال إيران خلال العقود الأربعة التي خلت كحال ضفدع وجد نفسه في بركة ماء، فتصوّر نفسه بأنه يستطيع ابتلاع البركة بكاملها؛ فتمدد وترققت جبهاته؛ ومؤكد أن أميركا- صاحبة هذه البركة نفوذاَ- كانت بانتظار هذا التمدد الإيراني. كانت بداية نهاية طموح إيران التوسعي خنق مشروعها النووي، ثم تبع ترمب ذلك بركل ذلك المشروع جانباَ، عندما تنصّل من ذلك الاتفاق

جاعلاً إياه حملاً ثقيلاً على كاهلها لا قوة بيدها؛ والثالثة تمثّلت بدزينة الشروط الأميركية التي حملها وزير خارجية ترمب؛ والحلقة الأخيرة في السلسلة قد تكون دموية؛ على الأقل على أذرع ذلك الضفدع الأخطبوطبة التي سيتم قصها أو لجمها أو هرسها. وهذا النوع من الأخطبوط يعيش ويتنفس عبر تلك الأذرع؛ فإن انتهت ينتهي.

إننا أمام الضفدع الفارسي الحاقد، والحوت الأميركي الذي يأكل ولا يشبع، وبعض المخاليق التي تراقب وتحف أكفها بحماس وبله.  قد تكون اقتربت نهاية إمبراطورية الكذب. كثرة الرؤوس ممنوعة في منطقتنا. الرأس الأكبر يلعب بكل الرؤوس الصغرى التي لا تقل خطراَ وإجراما. ربما خلاص المنطقة بصدامهم الفعلي؛ وهذا لم يحدث بعد، ولكنه قد يكون أقرب مما نتصور. ها هم ملالي إيران يستشعرون الخطر الحقيقي؛ تجلى ذلك في وقت سابق بنكرانهم استفزاز إسرائيل بصواريخ أُطلقَت من الأرض السورية، ورميهم تلك الفعلة بعنق ذلك الذي يحمون في دمشق في تخلٍ علني عن كل “مقاومة أو ممانعة”، وعبر ترجي بعض الدول التدخل للحؤول دون ضربة أميركية إسرائيلية تنهي تلك الإمبراطورية الكذبة. الآن يتذرعون بـ “طرف ثالث” يرغب برؤية حرب أميركية على إيران. الآن وصلت سفن الموت- لا سفن النفط- إلى غرف النوم؛ ولهذا نسمع صراخ الكذب. لننتظر ونعتبر.

 تلفزيون سوريا

إيران بين التصعيد ورسائل التهدئة/ حسن فحص

في الخامس من أيار/مايو، أعلن مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون عن إرسال حاملة الطائرات ابراهام لينكولن ومعها أربع قاذفات استراتيجية من نوع B52s إلى منطقة الشرق الأوسط بهدف ايصال رسالة واضحة وصريحة للنظام الإيراني من مغبة القيام بأي اعتداء ضد القوات الأمريكية، لان ذلك سيستتبع ردا مدمرا.

اللافت في كلام بولتون حينها ما جاء في خاتمة موقفه بالقول إن أمريكا لا تسعى إلى حرب مع طهران، لكنها على استعداد للرد على أي اعتداء.

الرد الإيراني لم يتأخر كثيرا، وقد جاء بالتزامن مع الإعلان عن عبور الحاملة لينكولن قناة السويس، ومن دون ان تكون في الموقع المباشر عن تحمل أي مسؤولية، فشهدت مياه بحر العرب وقبالة ميناء الفجيرة الإماراتي لتصدير النفط عملية تفجير تحت الماء طالت أربع ناقلات عملاقة حسب البيان الرسمي لأبو ظبي، وأكثر من سبع ناقلات حسب تأكيد طهران.

وبعد أقل من ثماني وأربعين ساعة، كانت منشآت شركة أرامكو السعودية في منطقة ينبع عرضة لهجوم سبع طائرات مسيرة مستهدفة خط نقل النفط (شرق-غرب) الاستراتيجي الذي يربط حقول النفط في شرق السعودية بالسواحل الغربية على البحر الأحمر التي تعلب الدور نفسه الذي يلعبه خط الأنابيب الإماراتي بين أبو ظبي والفجيرة، أي الالتفاف على مضيق هرمز والتخلص من التهديدات الإيرانية المستمرة بإقفاله في حال نشوب أي معركة في مياه الخليج.

الرسالة، إذا ما كانت إيرانية، وقد تكون كذلك، وصلت إلى دوائر القرار في البيت الأبيض وحتى إلى الدول الحليفة لواشنطن في المنطقة، بعدم قدرة طهران على التزام الصمت وعدم التحرك دفاعا عن مصالحها الاقتصادية الاستراتيجية، وان أي اعتداء أو معركة ضدها لن يكون مقتصرا في الرد على الجانب الأمريكي، بل أنها تعتبر كل الدول في المنطقة التي تدفع بالتصعيد ضدها إلى حدوده القصوى، لن تكون بمأمن أو بعيدة عن الرد الإيراني، حتى وان كانت كلفة هذه المعركة قاسية ومدمرة عليها، إذا ما قورنت قوتها الردعية مع قوة واشنطن التدميرية.

وفي موازاة الحراك الدبلوماسي الإيراني الذي يقوده وزير الخارجية محمد جواد ظريف على العواصم المعنية بالنتائج السلبية لأي تصعيد وتصادم عسكري، فإن القيادة الإيرانية في الداخل عمدت إلى اتخاذ إجراءات عسكرية توحي بانها في دخولها حالة من الاستنفار العسكري لمواجهة أي اعتداء محتمل.

الإجراء الذي أعلن عنه مرشد النظام بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الإيرانية بكل صنوفها (جيش وحرس ثورة وتعبئة – بسيج) بتعيين العميد علي فدوي نائبا لقائد قوات حرس الثورة، من دون توضيح مسألة مصير قيادته للقوات البحرية التابعة لهذه القوات، إضافة إلى تعيين العميد في التعبئة محمد رضا نقدي مسؤولا عن دائرة التنسيق في حرس الثورة وهي المهمة التي سبق أن شغلها الجنرال حسين سلامي قبل تعيينه قائدا للحرس. قد يكون هذا الإجراء عاديا في أوضاع طبيعية، إلا أن حركة المناقلات التي تشهدها قيادات هذه القوات وفي هذه المرحلة تدفع إلى الاعتقاد بأن القوات المسلحة الإيرانية بدأت في اتخاذ تدابير حربية استعدادا لأي حرب ممكنة أو محتملة.

فالعميد فدوي هو صاحب المقولة التي تؤكد قدرة القوات البحرية لحرس الثورة على تدمير الأهداف الأمريكية والبوارج والحاملات التي تجوب مياه الخليج وبحر العرب – عمان، وقيادته في هذه القوات هي التي تتولى مهمة أمن وإدارة العبور في مضيق هرمز، وبالتالي فانه يشرف مباشرة على دخول القطاعات البحرية الأمريكية وخروجها من الخليج. وهو أيضا يتحمل مسؤولية اعتقال البحارة الأمريكيين قبل أربع سنوات بعد دخول قواربهم المياه الإقليمية الإيرانية وقلده حينها خامنئي وسام “الفتح” على الانجاز الذي قام به.

فدوي وفي اليوم الأول من توليه منصبه كنائب لقائد الحرس، عاد إلى التأكيد أن صواريخ إيران متوسطة المدى قادرة على دك وتدمير كل القواعد الأمريكية ومنشآت الدولة المتحالفة معها في المنطقة في حال تعرضت إيران للاعتداء. وهذا الكلام يحمل رسالة أيضا للجانب الأمريكي الذي يدفع باتجاه إجبار إيران للجلوس إلى طاولة المفاوضات لبحث برنامجها الصاروخي الباليستي، بان قوة الردع الإيرانية لا تقتصر فقط على الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، بل تشمل أيضا المتوسطة والقصيرة المدى، وأنها غير مستعدة للتفاوض على هذا الأمر والتخلي عما تعتبره درعها الدفاعي الأول في مواجهة أي استهداف لها.

أما العميد نقدي، فان مهمته ذات بعدين، على الصعيد الداخلي، وذلك بناء على الخبرة التي اكستبها في قمع الاحتجاجات التي شهدتها إيران عام 2009 والحركة الاعتراضية على نتائج الانتخابات الرئاسية وعودة أحمدي نجاد على حساب مير حسين موسوي، أو ما عرف بالحركة الخضراء، وقد برهن من خلال قيادته لقوات البسيج على قوة قاسية في قمع المتظاهرين وساعد في فرض الأمن وملاحقة المحتجين والزج بهم في السجون وحتى تصفية بعضهم. وتعيينه في هذه المرحلة يحمل على الاعتقاد بأن النظام يتوقع موجة من الاعتراضات والتظاهرات في الداخل قد يقوم بها المعارضون عند اندلاع أي حرب مع واشنطن، وبالتالي لا بد من اتخاذ إجراءات احترازية لمواجهة عملية اسقاط النظام من الداخل، انطلاقا من اعتقاد النظام بقدرته على استيعاب أي اعتداء حتى ولو كان تدميريا إذا ما استطاع الامساك بالساحة الداخلية.

أما المهمة الثانية التي من المفترض ان يقوم بها نقدي، فهي تتعلق بالحرب الأمريكية، وضرورة رفع مستوى التنسيق بين قيادة الحرس مع قوات التعبئة – البسيج، استكمالا لمهمة سلامي الذي كان يشغل هذا المنصب إلى جانب توليه نائب قائد الحرس قبل ترقيته مع بداية التصعيد مع واشنطن.

القيادة الإيرانية، إلى جانب الاستعدادات والإجراءات التي تقوم بها على المستوى الداخلي، فانها لا شك قد وضعت خططا على المستوى الإقليمي بهدف توسيع دائرة الرد العسكري في حال قامت الولايات المتحدة باعتماد خيار الحرب، وعليه فإن من الطبيعي لدى هذه القيادة ان تعمد إلى توظيف الاستثمارات التي تملكها في المنطقة، خصوصا على الصعيد العسكري من خلال القوى والأحزاب والتنظيمات التي تشكل أذرعها الأمنية والعسكرية. إذ من المحتمل أن تدفع باتجاه تأجيج المواجهة على الجبهة اليمنية مع السعودية، من خلال الزج بقوات النخبة لأنصار الله – الحوثيين التي تم تدريبها للقيام بالمهمات الأصعب والاستراتيجية وهي قوات ذات تدريب متقدم ولم يتم استخدامها حتى الآن الا بشكل محدود في المعارك، وتتوقع طهران أن تلعب هذه القوات دورا رئيسيا في تغيير المعادلة الميدانية وإلحاق أذى كبير بالقوات السعودية.

إلى جانب ذلك فان طهران، تعتقد بأن القوات الأمريكية المنتشرة في بعض القواعد على الأراضي العراقية، هي بمثابة رهائن لديها ولدى حلفائها من الفصائل العراقية في حال اندلاع أي حرب مفتوحة، لذلك فمن المتوقع ان تقوم باستهداف هذه القوات وإلحاق الخسائر بها بحيث تربك المشهد الداخلي أمام الرئيس الأمريكي.

أما الجبهة الأكثر حساسية للجانب الأمريكي فهي الإسرائيلية، وقد سبق لقيادات في حرس الثورة خصوصا القائد الجديد حسين سلامي أن حدد مدة زمنية لا تتعدى الدقائق السبع والنصف لتدمير إسرائيل جراء موجة تتعدى الأحد عشر ألف صاروخ ستنطلق في حال تعرضت طهران لأي اعتداء، وهي صواريخ لا يمكن ان تنطلق جميعها من الأراضي الإيرانية باتجاه إسرائيل التي يرغب المرشد الأعلى بمحوها عن الوجود، لذلك فمن المتوقع في حال الحرب ان تعود الجبهة اللبنانية من خلال حزب الله الحليف والذراع الأساسي لطهران إلى الاشتعال وان تساهم هذه الجبهة في المجهود الصاروخي لايصال العدد في اللحظات الأولى إلى الرقم المطلوب. والجديد على هذه الجبهة أن الرد الإيراني لن يكون مقتصرا على الجبهة الجنوبية في لبنان، بل ستضاف إليها الجبهة الجنوبية في سوريا التي تحولت إلى ساحة نفوذ لقوات حرس الثورة وحزب الله والتي تنتشر فيها الكثير من قواعد الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى ذات قدرات تدميرية عالية.

قد يكون خيار الحرب هو الذي لا ترغب به طهران ولا تريده، وهي تنتظر إشارات أمريكية ودولية جدية لامكانية فتح قنوات حوار جدية لا تحمل لها شروطا اقل ما يقال فيها انها قاسية بناء على ما سبق أن أعلنه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، ما قد يمهد الطريق إلى مرحلة من التنازلات المتبادلة من أجل الوصول إلى تسوية تضمن مصالح الطرفين في واشنطن وطهران. من هنا يمكن فهم الإشارات التي صدرت عن الوزير محمد جواد ظريف للمساعدة في الحفاظ على الاتفاق النووي، الذي كما يبدو انه اختار توجيه رسائل حوارية من عواصم – طوكيو- لم تكن شريكة في صياغة الاتفاق النووي، معرضا هذه المرة عن العواصم الأوروبية بعد ان وجه لها رسالة واضحة في هذا الإطار من خلال تخفيض سقف التزامات بلاده بالاتفاق.

الموقف الأوروبي من التصعيد الأمريكي في الشرق الأوسط/ صادق الطائي

بدا الموقف الأوروبي من الأزمة المتصاعدة بسبب الضغوط الأمريكية على إيران في أضعف حالاته، فالكل يعرف أن أساس الأزمة الحالية هو قرار إدارة الرئيس ترامب القاضي بخروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي المبرم بين إيران ومجموعة دول (5+1) في 8 ايار/مايو 2018 والعمل على تقويض بنوده والضغط على إيران للجلوس مجددا إلى طاولة المفاوضات لفرض شروط أمريكية جديدة، وهذا ما رفضته حكومة الرئيس روحاني، وهددت مؤخرا بالانسحاب من الاتفاق ككل.

بدا واضحا من تصريحات المسؤولين الأوروبيين انهم لا يستطيعون الوقوف بوجه اندفاع ترامب المتزايد يوما بعد آخر، وأنهم يخشون تهديداته بفرض عقوبات على الشركات التي ستتعامل مع طهران بغية تخفيف حدة العقوبات الاقتصادية التي فرضها على إيران، وقد تفاقمت الأزمات وازدادت حدتها بعد تطبيق حزمة عقوبات جديدة غايتها الوصول إلى تصفير صادرات البترول الإيراني مما يعني انهيار النظام. لكن الأوروبيين يطالبون إيران بالبقاء ضمن شروط الاتفاق النووي والتمسك بتعهداتها للسداسية الدولية حتى بعد انسحاب الولايات المتحدة، مع إطلاق بعض الوعود لإيجاد منافذ ملتوية للتعاطي مع الاقتصاد الإيراني لإيقاف تدهوره نتيجة العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب.

وصرحت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل الخميس الماضي تعليقا على الأزمة بالقول: “إن الاتحاد ‏الأوروبي يريد تجنب تصعيد الخلاف مع إيران بشأن برنامجها النووي” وأضافت، “أن على طهران أن ‏تعترف بأن مصالحها مرتبطة بمواصلة الالتزام بالاتفاق النووي”‎.‎ كما صرح وزير الخارجية الألماني هايكو ماس على هامش لقائه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في بروكسل الاثنين الماضي قائلا: “إن برلين لا تزال تنظر للاتفاق النووي كأساس لعدم ‏امتلاك إيران لأسلحة نووية في المستقبل، ونرى في ذلك بعداً وجودياً بالنسبة لأمننا”. وأكد على أن الاتحاد الأوروبي لن يرضخ لضغط الولايات المتحدة في ‏الخلاف حول الاتفاق النووي مع إيران، إلا أنه أضاف أن لا أحد يريد أن تمتلك إيران قنبلة ‏نووية‎. ‎

أما الموقف البريطاني من الأزمة فقد اتضح من تصريحات وزير الخارجية جيريمي هانت الذي دعا في اجتماع بروكسل إلى “فترة هدوء” محذراً بوضوح من خطر دفع ‏إيران من جديد نحو تطوير أسلحة نووية. وقال: “نحن قلقون من خطر نزاع يندلع عن طريق الخطأ ‏بسبب تصعيد غير مقصود من الطرفين”. وتابع أن: “الأهم هو أن نعمل على عدم عودة إيران ‏إلى طريق التسلح النووي‎”.

أما مسؤولة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني فقد شددت على أهمية الحوار لأنه: “الطريق الوحيد والأفضل لمعالجة الخلافات وتجنّب ‏التصعيد” في المنطقة. وأضافت: “نواصل دعمنا الكامل للاتفاق النووي مع إيران، وتطبيقه كاملاً” ‏مشيرة إلى أنه “كان ويبقى بالنسبة لنا عنصراً أساسياً لأسس عدم انتشار الأسلحة على الصعيد الدولي ‏وفي المنطقة”‎.

وحاولت إيران من طرفها الضغط على الأوروبيين للتحرك باتجاه الوقوف معها للخروج من الأزمة مقابل تعهدها الالتزام بالاتفاق النووي، وإلا فإنها سوف تسعى إلى الخروج منه وأعطت مهلة لمدة 60 يوما لذلك، فقد صرح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف: “إن على دول الاتحاد الأوروبي التقيد ‏بالتزاماتها في الاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية وتطبيع العلاقات الاقتصادية على الرغم من ‏العقوبات الأمريكية”. وجاء تعليق ظريف ردا على بيان للاتحاد الأوروبي الذي طالب طهران بمواصلة ‏الالتزام بالاتفاق‎.‎

واتخذ الموقف الروسي من الأزمة جانبا أكثر وضوحا وصلابة، فقد جاء في تصريح للخارجية الروسية إن: “الولايات ‏المتحدة فرضت لتوها حزمة جديدة من العقوبات تستهدف صناعة المعادن في إيران. ونحن ندين بشدة هذه ‏الخطوة”. وأضاف “أهمية التطورات الحالية، تدعو روسيا إيران والدول الأخرى المعنية ‏إلى الاجتماع لتحديد سبل تطبيع الوضع‎”.

وبدا واضحا الموقف الأمريكي المهادن تجاه التصلب الروسي، إذ ارتفعت حدة الخطاب الروسي تجاه التصعيد الأمريكي بعد ما تسرب عبر وسائل إعلام إمريكية، إن وزير الدفاع الأمريكي بالوكالة باتريك شاناهان قدم خطة ‏عسكرية إلى ترامب تتمحور حول إرسال 120 ألف عسكري أمريكي إلى الشرق الأوسط‎ لمواجهة التهديدات التي قد تحصل في أي وقت. وحسب صحيفة “‏‏نيويورك تايمز” أن “المسؤولين قالوا إن ذلك لا يعني غزوا بريا لإيران، إذ ان الأمر يتطلب ‏المزيد من القوات‎”.

وجاء رد الفعل الروسي بتصريح وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي عبر عن أمله في ان لا يكون للشائعات حول إرسال 120 ‏ألف جندي أمريكي إلى الشرق الأوسط أساس من الصحة‎. ‎‏وقال عقب لقائه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في سوتشي الروسية الثلاثاء الماضي: ‏‏”آمل أن ينتصر العقل وأن الشائعات حول إرسال 120 ألف عسكري أمريكي إلى المنطقة تكون لا ‏أساس لها من الصحة، لأن المنطقة متوترة بالفعل نتيجة ما تشهده من بؤر صراع مختلفة”.

أما صرامة الموقف الروسي تجاه الأزمة فقد تجلت في تصريحات الرئيس بوتين يوم الأربعاء الماضي في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره النمساوي ألكسندر فان دير بيلن‏، إذ قال: “إن الأحرى بإيران البقاء في الاتفاق النووي وعدم ‏الخروج منه مهما كانت الظروف، لأن الجميع سينسون لاحقا أن واشنطن هي من انسحبت أولا ‏وسيتهمون طهران” مشيرا إلى “ان روسيا لا تستطيع ان تلعب دائما دور (فرقة إنقاذ) على الساحة ‏العالمية”‎.

المحصلة النهائية هي حالة التوتر التي تسود منطقة الشرق الأوسط نتيجة ارسال القطع العسكرية الأمريكية إلى المنطقة وتصاعد التوتر نتيجة حوادث تخريبية جرت قبالة سواحل الفجيرة مرة وفي الداخل السعودي عندما ضربت محطات ضخ البترول، ليقف العالم كله كاتما أنفاسه متوقعا ان يقود أي حدث عسكري صغير إلى حرب إقليمية لا أحد يعلم مدى سرعة انتشارها وتأثيراتها العالمية، وفي الوقت الذي يشعر الأوروبيون بالضعف وعدم القدرة على مواجهة ضغوط صقور إدارة ترامب إلا انهم يسعون جاهدين للتمسك بحبل السلام الهش القائم على التمسك بالاتفاق النووي لآخر لحظة، فهل سيصمدون تجاه الضغوط الأمريكية، أم سيكون التدخل الروسي – الصيني في الأزمة هو المخرج الحقيقي؟

المواجهة مع إيران: سجل فاشل لترامب ومخاوف الثلاثي المحرض من عواقب حرب مدمرة/ إبراهيم درويش

هل تقف المنطقة على أعتاب حرب جديدة وهي التي عانت خلال الـ 16 عاما الماضية من حروب مدمرة وانتفاضات فشلت حتى الآن بتغيير الوضع القائم وبناء حرية يطمح إليها ملايين العرب وديمقراطية عادة ما تسرق باسم الاستقرار؟ لا جواب في الوقت الحالي للسؤال إلا أن التوتر المستمر في منطقة الخليج ورزم العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على الجمهورية الإسلامية هي بطريقة غير مباشرة إعلان للحرب. ومحاولة تغيير السلوك الإيراني كما يطمح مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، لا يفسر إلا أنه محاولة لتغيير النظام في طهران. وقد كتب عندما كان خارج البيت الأبيض مقالا دعا فيه لتغيير النظام الإيراني. أما رصيفه مايك بومبيو الذي لا يحب كما ورد في صحيفة “نيويورك تايمز” (16/5/2019) أن يقرن بصقوريته فقد كتب استراتيجيته لمواجهة الجمهورية الإسلامية ونشرها العام الماضي بمجلة “فورين أفيرز”.

خلافات

وانشغلت في اليومين الماضيين الصحافة الأمريكية بنقل تصريحات من داخل البيت الأبيض ومسؤولين في الإدارة عما يجري في “غرفة الأزمة” ومزاح الرئيس دونالد ترامب. ونقل موقع “ديلي بيست” (16/5/2019) عن مسؤولين قولهم إن التحركات الإيرانية الأخيرة التي قرئت في السياق الأمريكي على أنها تهديد للمصالح والأرصدة الأمريكية في الشرق الأوسط جاءت كرد فعل على العقوبات الصارمة التي تبنتها الإدارة الأمريكية منذ قرار ترامب الخروج من الاتفاقية النووية التي وقعها سلفه باراك أوباما مع إيران وشاركت فيها قوى دولية أخرى. فقد أعاد فرض العقوبات ومنذ تشرين الثاني (نوفمبر) العام الماضي ومارس سياسة الضغط الأقصى على طهران، عقوبات جديدة وإلغاء الإعفاءات التي منحتها الإدارة لدول كي تستورد النفط الإيراني، في محاولة لوقف حركة الإنتاج تماما ومن ثم جاء تصنيف الحرس الثوري الإسلامي كمنظمة إرهابية، وهذه أول مرة تصنف فيها الخارجية الأمريكية مؤسسة حكومية في قائمة الإرهاب. وكل هذه السياسات هي من صنيع بولتون الذي حشد مجلس الأمن القومي بصقور إيران. ولم تقف التحركات عند هذا الحد بل سافر بومبيو فجأة إلى بغداد بعد تلقي واشنطن معلومات أمنية، على الأرجح من إسرائيل، تقول إن مصالح أمريكا بالمنطقة تتعرض للتهديد الإيراني والجماعات الوكيلة. وكما وصفت صحيفة “نيويورك تايمز” المعلومات الأمنية فهي عبارة عن صور تشير لنقل صواريخ وتحركات غير عسكرية غير عادية وهي التي أدت لنشر تعزيزات جديدة في منطقة الخليج. ولم يقتنع المشرعون في الكونغرس حيث طلب الديمقراطيون توضيحات من الإدارة حول الحشد العسكري. فيما وصفت إيران، على لسان وزير خارجيتها التحركات الأخيرة بغير المقبولة ولا داعي لها.

بانتظار مكالمة

وفي ظل هذا التوتر وترقب الحرب تم التركيز على تصريحات وتغريدات الرئيس ترامب الذي نفى أولا ما يقال عن خلاف في داخل إدارته وقال إنه ينتظر الإيرانيين للاتصال به. وحسبما أوردت شبكة “سي أن أن” فقد مرر ترامب هاتفه للقيادة الإيرانية عبر سويسرا، راعية المصالح الأمريكية في طهران، على أمل القبول والتفاوض معه حول صفقة جديدة غير تلك التي وصفها بالأسوأ في تاريخ أمريكا. فهو يريد صفقة باسمه وتشمل على بنود لم تتطرق إليها معاهدة أوباما مثل الصواريخ الباليستية ودور الميليشيات المدعومة أو الوكيلة في دفع سياسات الهيمنة الإيرانية على المنطقة. وأوردت في هذا السياق صحيفتا “واشنطن بوست” (15/5/2019) و “نيويورك تايمز” (16/5/2019) تذمر الرئيس من مستشاره للأمن القومي الذي طلب من البنتاغون دراسة خيارات الحرب مع إيران وتقييم للكلفة والمخاطر وإمكانية نشر 120.00 جندي، ثم ما أخبر به ترامب وزير الدفاع المعين باتريك شناهان بأنه لا يريد حربا مع إيران. وترى “نيويورك تايمز” أن طلبه يعكس خوفه من المغامرات العسكرية وفريق أمن قومي يسعى للحرب.

تخفيف التوتر!

ومن هنا تفهم التحركات التي قام بها بومبيو من زيارة لبروكسل حيث عرض على نظرائه في الاتحاد الأوروبي التفاصيل حول الخطر الإيراني ودعاهم لإقناع طهران “تخفيف التوتر”. ولم يقتنع قادة أوروبا على ما يبدو بكلام الوزير الأمريكي الذي لم يقدم دليلا على الخطر. وقال جنرال بريطاني معلقا على الوضع الجديد بأن التهديد الإيراني لم يتغير عما كان عليه في السابق. ومن ثم جاء اتصال بومبيو بسلطان عمان قابوس بن سعيد للتباحث معه حول المخاطر الإيرانية. والمكالمة مهمة إن اخذنا بعين الاعتبار القناة السرية التي بدأت من عمان وقادت للمعاهدة النووية عام 2015. وهذا لا يعني مفاوضات مباشرة مع طهران. ولم ترد هذه على محاولات ترامب الحديث معها، مع أنها أبدت ليونة في فكرة التفاوض على معاهدة جديدة إن كان أساسها ما سبق التفاوض عليه. ويجمع المراقبون أن عقوبات ترامب لن تركع إيران.

سوء فهم

وفي هذا السياق ترى نرجس باغولي الأستاذة في جامعة هوبكنز بمقال نشرته مجلة “فورين بوليسي” (15/5/2019) أن نظام العقوبات الأمريكي لا يفهم مكامن القوة الإيرانية، وهي العلاقات الثقافية والروابط التاريخية بين إيران وجوارها. فالمسألة لا علاقة لها بالمال عندما يتعلق الأمر بالجماعات الوكيلة. ولن يتوقف التبادل التجاري أو وصول البضائع إلى إيران لو فرض ترامب عقوبات اقتصادية. وتؤكد أن البعد الشيعي في علاقاتها مع جماعات في فلسطين وكردستان واليمن ليس مركزيا، ملمحة إلى أن المسألة في الثورة الإسلامية عام 1979 هي جزء من مقاومة الإمبريالية. فلو انقطع التمويل عن الجماعات الوكيلة، فهي قادرة على توفيره محليا من خلال نظام الخمس الذي لا يمكن لوزارة الخزانة الأمريكية تتبعه. وتنوه باغولي إلى أنه “منذ بدء حكم ترامب عادت السياسة الخارجية الأمريكية إلى سياسة القوة، وتسعى إلى تخويف أولئك الذين لا يلتزمون بإرادة أمريكا، بالإضافة إلى أن أمريكا لم تلاحق إيران فقط في الشرق الأوسط”. وبضم الجولان، وإعطاء حقوق التنقيب لشركة مرتبطة بديك تشيني، والدعم الواسع للسياسات التوسعية لبنيامين نتنياهو، فإن هذه المجموعات كلها لا تغيب عنها الرغبة الأمريكية والإسرائيلية من السيطرة على المصادر الطبيعية للشرق الأوسط والتربح منها. وتشير إلى أنه “بالنسبة لمؤيدي إيران، فإن مأزق إيران الحالي في وجه الإدارة الأمريكية، التي تطلب خضوع البلد – مع أنها التزمت بجانبها من الاتفاقية – يتناغم تماما مع سوابق تاريخية لا يمكن إهمالها. وما لا تفهمه أمريكا هو قدرة النظام على التعبئة والوحدة، فقد أصبح الرئيس حسن روحاني الذي قاد محادثات المعاهدة النووية متشددا لأن الأمر متعلق بمصير البلد. ولأن الإدارة الأمريكية تفهم أن القوة هي الحل أو مجرد إرسال صواريخ ضد سوريا، كما قال معلق سعودي مرتبط بالنظام، ففي المسألة الإيرانية هناك نوع من الفجوة في فهم ديناميات الثورة الإيرانية الثقافية والاجتماعية. وهي فجوة قد تؤدي في النهاية لسوء تقدير من طرف في معادلة الصراع الحالي وادخال المنطقة في دوامة حرب مدمرة ليس على إيران بل على منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل عام”.

حذر

ولهذا السبب بدا الحذر واضحا فيما صار يطلق عليه الثلاثي المعادي لإيران – إن لم يكن الثلاثي المرح – ويقصد به إسرائيل – الإمارات والسعودية، فقد وضعت هذه الدول نصب عينيها التهديد الإيراني ووقف تأثيرها في المنطقة. وفقط السعودية هي التي أبدت موقفا متشددا ودعت لضرب إيران وإن لم يكن رسميا، فرغم اتهام نائب وزير الدفاع وشقيق ولي العهد، الأمير خالد بن سلمان إيران بتوفير الطائرات المسيرة للحوثيين الذين استهدفوا أنابيب نفط في السعودية إلا أن الرد على إعطاب سفن كان تحريضيا من جانب الإعلام الذي يرتبط بالحكومة. ويرى تقرير في صحيفة “واشنطن بوست” (17/5/2019) أن إحدى الصحف السعودية طالبت بعملية عسكرية جراحية أو محددة لردع إيران عن تصرفاتها. فيما اتخذت الإمارات موقفا حذرا وهي التي طالما دعت سرا واشنطن لمواجهة إيران بالمنطقة. وترى الصحيفة أن ما جمع التحالف الثلاثي هو معارضة اتفاقية أوباما ومقاومة الإسلام السياسي بشكل عام. ولكن التحالف يخاف اليوم من معاهدة جديدة يسعى إليها ترامب وفي الوقت نفسه من مواجهة عسكرية شاملة. ولهذا السبب ترى صحيفة “وول ستريت جورنال” (15/5/2019) أن دول الخليج حاولت الحذر في تصريحاتها ـ فهي قريبة من إيران القادرة على شن حرب منسقة وتفعيل جماعاتها الوكيلة. وفي حال الإمارات هناك مصالح تجارية قوية بين دبي وإيران. واللافت في الأمر هو موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يعيش منذ سنوات “هوس” إيران وفكر مرة بضربها متحديا تحذيرات أوباما أبدى لهجة متحفظة وهذا لا يعني أنه لا يريد حربا بل معاقبة إيران بطريقة تجبر على توقيع معاهدة ببنود قاسية أو خلق الظروف الداخلية يتحرك فيها الشارع ويطيح بحكومته حسبما أوردت صحيفة “نيويورك تايمز” (16/5/2019). ويخشى المحللون الإسرائيليين من حرب قد تجر إسرائيل وحزب الله إلى حريق يدمر الجانبين. وأشارت الصحيفة إلى أن إسرائيل أدت بصمت دورا فعالا في تصعيد التوتر في الشرق الأوسط، وحذرت المخابرات الإسرائيلية، في اجتماع في واشنطن وتل أبيب على مدى الأسابيع القليلة الماضية، أمريكا من أن هناك تخطيطا لمهاجمة أهداف أمريكية في العراق، تقوم به إيران أو وكلائها، حسب مسؤول استخباراتي كبير في الشرق الأوسط، وحذرت إسرائيل أيضا من هجمات إيرانية ضد السعودية والإمارات.

حرب العراق الثالثة

وبعد كل هذا هل نضمن مع رئيس يتخذ قراراته عبر تويتر أن لا يعلن حربا ضد إيران. وتقول هذه إنها لا تضمن تراجع ترامب عن تعهداته لو وافقت على معاهدة جديدة. واللافت في الأمر هي المقارنة بين عملية دق طبول الحرب لغزو العراق عام 2003 والمواجهة الحالية. ففي تلك الحرب وقفت أوروبا ضد الغزو فسارع وزير دفاع جورج دبليو بوش بوصفها أوروبا القديمة. وفي النزاع الحالي تطالب أوروبا “بأقصى حد لضبط النفس” مقابل “أقصى العقوبات”، وكما ورد في مقال بمجلة “ذا أتلانتك” (16/5/2019) فالمقارنة المدهشة بين 2003 واليوم يعني أن هناك إمكانية لتنفيذ الصقور ما يريدون ويتمون ما كان بوش يريد إنجازه تحت تأثير المحافظين الجدد. وكما يرى ميلفين غودمان في “كاونتر بانتش” (17/5/2019) فسجل ترامب الفاشل في الشرق الأوسط يعني أنه سيقودنا إلى حرب جديدة مع إيران. فمن دعمه لليمن ومحمد بن سلمان وعدم اهتمامه بالسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو أول رئيس أمريكي يفعل هذا منذ عام 1967 إلى قراره بشأن القدس ومحاولته تصنيف الإخوان المسلمين. وقبل ذلك قراره لسحب القوات الأمريكية من سوريا بعد مكالمة مع الرئيس التركي. و”بالإضافة لنزوات الرئيس السياسية والشخصية ونقص الخبرة في أمور الشرق الأوسط والخليج الفارسي فنحن نواجه الآن إمكانية مواجهة عسكرية مع إيران”. ويقول إن “تصرفات ترامب خلال العام الماضي تؤشر إلى إمكانية استخدام القوة العسكرية ضد إيران في أعقاب خروج الولايات المتحدة من المعاهدة النووية، والتي نقلت الخليج الفارسي من حالة عنف محتمل إلى ميدان للتسوية السياسية والدبلوماسية”.

استعدادات عراقية لمواجهة تداعيات النزاع الأمريكي الإيراني المقبل/ مصطفى العبيدي

بغداد-“القدس العربي”:لم يكن حدثا عابرا للعراقيين وهم يتابعون قيام الولايات المتحدة وألمانيا ودول أخرى، بسحب أغلب موظفيها من سفاراتها في بغداد ومستشاريها العسكريين، وتوجيه رعاياها بعدم السفر إلى العراق جراء المخاطر والتهديدات المتوقعة ضمن تداعيات تصاعد الصراع الأمريكي الإيراني ووصوله إلى حافة المواجهة الشاملة.

وتعيد هذا الخطوات والإجراءات للدول الغربية، ذكريات أجواء القصف الأمريكي للعراق في مناسبات سابقة وخاصة بعد احتلال الكويت عام 1991 وهو سيناريو مكرر عندما سحبت الولايات المتحدة والدول الغربية رعاياها والمفتشين الدوليين من العراق وحشدت قواتها في المنطقة، تمهيدا لبدء الغزو عام 2003 حيث تتسارع الأحداث الآن في مسار تدهور العلاقات الأمريكية الإيرانية لتقترب من الصدام الفعلي، مع قناعة تامة لدى العراقيين بأن بلدهم سيكون حتما إحدى ساحات المواجهة المتوقعة بين الطرفين.

وأكد مسؤولون أمريكيون أن سحب دبلوماسييهم من العراق سببه معلومات استخبارية جديدة عن “تهديد وشيك وحقيقي” على “صلة مباشرة بإيران” و”تقف وراءه ميليشيات عراقية بقيادة الحرس الثوري الإيراني”. كما أصدرت السفارة الأمريكية في بغداد، بياناً دعت فيه مواطنيها إلى عدم السفر للعراق، بالتزامن مع زيادة حشود السفن الحربية وحاملة الطائرات الأمريكية في المنطقة ووضع القوات الأمريكية في العراق والمنطقة في حالة تأهب قصوى. والإجراء ذاته اتخذته دول أخرى مثل هولندا وألمانيا التي سحبت مستشاريها العسكريين المتواجدين مع الجيش العراقي والبيشمركه.

وزادت مخاوف العراقيين وشعوب المنطقة بعد تصاعد الاعتداءات على السفن التجارية للإمارات والسعودية في الخليج العربي مؤخرا إضافة إلى تعرض منشآت نفطية سعودية إلى هجمات بطائرات دون طيار، في ما يبدو انها “رسائل إيرانية” بأن المواجهة إذا ما وقعت ستكون شاملة في المنطقة.

وفي ظل المخاوف من تداعيات اندلاع النزاع، تصاعدت في العراق دعوات لمواجهة الحالة المتوقعة، ومنها إعلان حال الطوارئ لمواجهة التداعيات والتطورات على الساحة العراقية، فيما دعت اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي، وزارة النقل لاتخاذ إجراءات احترازية سريعة لحماية الموانئ والأسطول البحري العراقي، مشددة على ضرورة البحث عن خطط للطرق البديلة للنقل وحركة التجارة في حال نشوب أي تصادم حربي في المنطقة. وأعلن وزير النفط ثامر الغضبان، اتخاذ وزارته إجراءات احترازية في حال تعرض تصدير النفط عبر موانئ الخليج العربي لمشاكل أو معوقات، موضحا “لدينا خطة لمد أنبوب جديد من كركوك إلى تركيا يوازي القديم، وأن تركيا أبدت رغبة بزيادة الكميات المستوردة من النفط الخام العراقي”. كما برزت دعوات لتهيئة مخيمات نازحين جديدة لاستيعاب الهاربين من المعارك وقصف المدن.

ويسود توجس حقيقي في الشارع العراقي من تداعيات أمنية لأي نزاع أمريكي إيراني على الأوضاع الداخلية في البلد الذي أنهى لتوه حربا مدمرة ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”. وأكدت مصادر عسكرية أن القيادات العسكرية في الجيش وجهت مقاتليها لرفع مستوى الجاهزية وأخذ الحيطة والحذر من استغلال الخلايا النائمة لتنظيم “داعش” اندلاع النزاع لرفع مستوى هجماتها الإرهابية في مختلف أنحاء البلاد.

كما أثار اندلاع اشتباكات في النجف سقط فيها قتلى وجرحى بين أنصار التيار الصدري وبعض قياداته المتهمة بالفساد، مخاوف من استغلال بعض التنظيمات المسلحة أجواء الصراع الأمريكي الإيراني لنشر الفوضى وتصفية الحسابات وإعادة الصراع الطائفي في العراق.

ولم تنجح تحركات الحكومة العراقية وسعيها لحل الأزمة، في تخفيف قلق العراقيين من تورط بلدهم في أي مواجهة أمريكية إيرانية، فرغم إعلان رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي، أنه أجرى ثلاث مكالمات هاتفية مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بحث خلالها دور العراق في درء الخطر الذي يواجه المنطقة، إلا أنه أقر أن “الخلاف الإيراني الأمريكي ملف معقد” كما لم يقتنعوا بنتائج استقبال عبد المهدي، لوزير الخارجية الأمريكي في بغداد واجتماعه مع سفراء بريطانيا وألمانيا وفرنسا وتأكيده على الحوار لنزع فتيل الأزمة، لأنه كرر في تلك اللقاءات “أن العراق ليس ضمن منظومة العقوبات الأمريكية على إيران” وهو ما يعني اصرار حكومة بغداد على استمرار تحالفها مع طهران، حتى لو أثارت غضب واشنطن، ولذا فان نائب رئيس الوزراء السابق بهاء الأعرجي أكد أن “زيارة بومبيو إلى بغداد هي انذار أخير للعراق لوقوفه مع إيران”.

وفي تأكيد لارتباط الميليشيات بتطورات الصراع الأمريكي الإيراني، واصلت العديد من الشيعية المسلحة منها، عقد المهرجانات واللقاءات، للإعلان عن وقوفها مع إيران في أي مواجهة مع أمريكا، مع توجيه التهديدات ضد القوات الأمريكية الموجودة في العراق.

ويدرك المطلعون على أوضاع الإدارة الأمريكية أن هناك استحقاقات انتخابية قريبة في الولايات المتحدة، وان تحريك الحشود العسكرية الأمريكية الكبيرة نحو منطقة الخليج العربي والبحر المتوسط ووضع القوات في المنطقة في حال استعداد قتالي، يكلف الخزانة الأمريكية الكثير من الأموال، وبالتالي سيكون موقف الرئيس ترامب حرجا بمواجهة مبررات هذا التحريك ونفقاته إذا لم تقع المواجهة مع إيران أو حلفاءها ولو بشكل محدود. وهنا يكون الخوف من حتمية المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مشروعا ومبررا، مع بديهية كون العراق ساحة المواجهة الأولى، فهل تكفي الإجراءات الحكومية الاحترازية لمواجهة العاصفة الآتية؟

تحركات سعودية إماراتية لدفع الولايات المتحدة نحو حرب ضد إيران/ سليمان حاج إبراهيم

يسجل منسوب التوتر بين دول الخليج وحلفائها في المنطقة، منحا تصاعدياً بوتيرة متسارعة، تقودها نحو حافة الانفجار في أي لحظة، تزامنا مع تهديدات البيت الأبيض لإيران بضربات تشل قدراتها، بإيعاز من الإمارات والسعودية إذ تدفعان نحو مواجهة مباشرة مع غريمتهما.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دوخ مؤخرا كلا من الرياض وأبو ظبي، بتصريحاته المتناقضة والمتضاربة، حيال تفاصيل خطته تجاه طهران، وللحظة خيب آمالها، بعدما رفع معنوياتها فجأة بجعله مشروع الضربة أمراً وشيكاً، وتحصيل حاصل بين عشية وضحاها.

محاولات محمد بن سلمان وحليفه محمد بن زايد، دفعت ترامب للمضي قدماً في مساعيه التصعيدية، ضد طهران لم تؤت بعد أكلها، بالرغم من كل الإغراءات بسبب تردد عدد من الفاعلين في واشنطن حيال المغامرة.

هذه التصريحات والتحركات دفعت برئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني للقول إن طرفاً ثالثاً يدفع نحو تأزيم الوضع بين بلاده وواشنطن، وهي إشارة ضمنية مباشرة نحو جارته أبو ظبي، وحليفتها الرياض.

الأزمة الأخيرة جعلت الانقسام واضحا وبيّنا، بين دول مجلس التعاون الخليجي، تقف على طرفه الإمارات والسعودية، ومعهما البحرين التي تتناغم سياساتها الخارجية معهما مهما كان الموقف.

على الطرف الثاني تقف الدوحة، ومسقط، والكويت، التي تدعو جميعها إلى ضبط النفس، وتلافي لغة التصعيد، ونبذ الخلاف لإدراكها أن الحرب أو المواجهة، لن تجلب سوى الخراب والدمار، لدول المنطقة جميعها، من دون استثناء.

محددات مواقف هذه الدول تتضح من خلال خطاباتها الرسمية، أو التي تغذيها الشخصيات المحسوبة على صناع القرار لدى هذه العواصم.

ومحور التصعيد الذي تتزعمه خلف المشهد الإمارات، بسياساتها وخططها، التي ترمي جميعاً نحو المواجهة، لكنها في الوقت نفسه تنحو نحو اعتماد نهج مرن وسلس، في الرسائل المعلنة نحو طهران، بعد حادثة ناقلات الفجيرة، حيث تلعب على أكثر من حبل.

وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش، قالها صراحة أن بلاده ملتزمة بخفض التصعيد في منطقة الخليج بعد واقعة تعرض أربع سفن لعمليات تخريبية.

ومن دون لف أعلن قرقاش في لقاء مع صحافيين “نحن ملتزمون بخفض التصعيد، وبالسلام والاستقرار، وعلينا أن نلزم الحذر وألا نطلق الاتهامات”. مضيفا “لقد دعونا دائما لضبط النفس وسنبقى ندعو إلى ذلك”.

وفي المقابل شدد ولي عهد أبو ظبي الحاكم الفعلي في الإمارات محمد بن زايد، على أن التنسيق العربي ضروري لوقف التدخلات التي تزعزع أمن المنطقة.

وجاءت هذه التصريحات تعقيبا على حادثة تعرض سفن إماراتية لانفجارات في عرض مياهها الإقليمية.

تعامل أبو ظبي مع الواقعة اتسم بالغموض، ففي وقت أعلنت فيه وزارة الخارجية في بيان نشرته وكالة أنبائها الرسمية تعرض أربع سفن شحن تجارية مدنية من عدة جنسيات لما وصفته عمليات تخريبية في المياه الإقليمية على بعد حوالي 115 كلم من إيران. جاء مخالفاً لنفي رسمي للمكتب الإعلامي لحكومة إمارة الفجيرة صحة التقارير المنتشرة حول الحادثة.

ونشرت وكالة الأنباء الرسمية للإمارة أن “المكتب الإعلامي لحكومة الفجيرة ينفي صحة التقارير الإعلامية التي تتحدث عن انفجارات قوية هزت ميناء الفجيرة الإماراتي فجر اليوم، ويؤكد أن حركة العمل في الميناء تجري وفق المعتاد، ويدعو وسائل الإعلام إلى تحري الدقة والاعتماد على المصادر الرسمية”.

وخلف التصريحات الرسمية تدفع شخصيات محسوبة على محمد بن زايد نحو المواجهة والتصعيد في الأزمة مع طهران.

الأكاديمي والباحث الإماراتي الدكتور عبد الخالق عبد الله، المقرب من محمد بن زياد كتب مغرداً “دول الخليج العربي مستعدة لكل الاحتمالات بما في ذلك اندلاع مواجهة عسكرية بين إيران وأمريكا”. واستطرد “أن دول الخليج لا تود حربا لكن إن اندلعت فهي محصنة بأفضل درع دفاعي يمكن تخيله وستكون مستفيدة من تحجيم طهران وتقزيمها وتقليع مخالبها وإن حدث انهيار لنظامها الكهنوتي التوسعي فأهلا به من انهيار”.

تصعيد سعودي نحو المواجهة

حمّلت السعودية المسؤولية الكاملة لإيران وجماعة الحوثي في الهجوم الذي استهدف منشآت نفطية قرب عاصمتها الرياض، وصعدت من حدة خطابها تجاه طهران.

وزير الدولة لشؤونها الخارجية، عادل الجبير، اعتبر أن الحوثي جزء لا يتجزأ من قوات الحرس الثوري الإيراني، مشيراً إلى أن هذه “الميليشيات تنفذ الأجندة الإيرانية”.

وأوضح الجبير، في تغريدتين على حسابه الرسمي في تويتر، “الحوثي يؤكد يوماً بعد يوم بأنه ينفذ الأجندة الإيرانية ويبيع مقدرات الشعب اليمني، وقراراته لصالح إيران”.

وتزامنت هذه التصريحات مع تكثيف السعودية لغاراتها في اليمن بزعم استهداف أنصار الله الحوثي وهي رسائل مباشرة توجهها نحو طهران.

سريعاً، دشن مغردون على مواقع التواصل وسم “سلسلة الحرب الأمريكية على إيران” وضمنوه مقطعاً مصورا لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خلال مؤتمر مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نيسان/ابريل من العام الماضي.

وحذر الأمير محمد خلال المؤتمر من تكرار اتفاق تم توقيعه عام 1938 وتسبب الالتزام به بحرب عالمية ثانية، وهو ما وصفه النشطاء بانه أخطر تصريح. وكانت الإشارة في هذا الربط نحو الاتفاق النووي الذي وقعته مجموعة الدول الكبرى مع طهران.

والاتفاق الذي أشار إليه ولي العهد السعودي هو معاهدة ميونيخ، والتي وقعت عليها كل من ألمانيا النازية وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا في 30 أيلول/سبتمبر 1938 وتمت بمقتضاها الموافقة على أطماع أدولف هتلر التوسعية في أوروبا بعد أن تذرع بحماية الألمان في المناطق الحدودية الفاصلة بين تشيكوسلوفاكيا وألمانيا، الأمر الذي سمح له لاحقا باجتياح هذا البلد ودول أوروبية أخرى.

وسابقا، اعتبر الأمير محمد بن سلمان في مقابلة مع مجلة “ذا أتلانتيك” الأمريكية” أن المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي يجعل من “هتلر” يبدو شخصا جيدا، يحاول احتلال العالم.

الدكتور زايد العمري المحسوب على القيادة السعودية الجديدة كتب أن “هذه حاملات الطائرات العملاقة أبراهام لينكولن عليها 90 طائرة مقاتلة وتستطيع أن تطلق 24 صاروخ توما هوك خلال مدة وجيزة، وبها مركز قيادة وسيطرة، وعلى متنها أكثر من 5000 عسكري”.

وأضاف هذه المؤشرات التي بنيت عليها تحليلي أن أمريكا سوف تضرب حكومة الظلام الملالي في طهران وأن لا رجعة عن استهداف طهران.

تركي الحمد المقرب من ولي العهد السعودي أشار بدوره: “أجواء الحرب تخيم على المنطقة، فأمريكا في عز قوتها، وترامب مرشح لفترة ثانية مع تحسن الأحوال الاقتصادية، فيما إيران وأذرعها في أسوأ الحالات. ما لم ترفع إيران الراية البيضاء، فهي الحرب لا محالة، ولا أظن الملالي يرفعونها بانتظار إمام آخر الزمان”.

دول على الحياد

سلطنة عمان، التي رعت الاتفاق النووي الموقع في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وتراجع عنه خلفه ترامب، دعت إلى “تجنب أي مسببات تمس أمن واستقرار المنطقة”.

وأعلنت في بيان صادر عن وزارة الخارجية، متابعتها باهتمام “الحوادث التي تعرضت لها عدد من السفن التجارية قبالة سواحل الإمارات”.

وأعربت الدولة الخليجية ذات العلاقة المحايدة مع إيران عن “أسفها البالغ ورفضها تلك الحوادث غير المسؤولة”.

الدوحة من جانبها كانت أحد الدول التي عبرت طهران عن ترحيبها لأي مفاوضات مع واشنطن لنزع فتيل الأزمة انطلاقا من مواقف قطر الإيجابية نحو حل القضايا الإقليمية العالقة بالحوار وبعيداً عن أي تهور.

وربط الشيخ حمد بن جاسم، رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها الأسبق، التصعيد الأمريكي الإيراني الحالي في المنطقة مع “القلق الإسرائيلي” من الوجود الإيراني في سوريا، معتبرا أن ذلك جزء من السبب.

وجاء ذلك في تغريدة للمسؤول القطري السابق على صفحته في تويتر، حيث قال: “إضافةً لما ذكرته من أيام قليلة أن جزءا من هذا التصعيد يرجع إلى التواجد الإيراني في سوريا لأنه أصبح مقلقاً لإسرائيل، هذا أيضاً سوف يكون حاضراً على طاولة المفاوضات المقبلة بين أمريكا وإيران وسوف يكون من أصعب الملفات”.

وكان الشيخ حمد بن جاسم قال في سلسلة تغريدات سابقة: “التصعيد الراهن في منطقة الخليج، الذي تدعمه بعض دول مجلس التعاون الخليجي، لن يؤدي، كما أرى، إلى نشوب صدام عسكري واسع مع إيران، بل الهدف منه هو إعادة الاتفاق النووي إلى مائدة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في المقام الأول”.

وتابع: “وللأسف فإن بعض دول مجلس التعاون الخليجي تراودها أحلام إلحاق هزيمة عسكرية بإيران، كما كانت تحلم قبل توقيع الاتفاق الذي انسحبت منه الولايات المتحدة، ووجدت هذه الدول نفسها مضطرة للإشادة بالاتفاق عند توقيعه آنذاك”. مضيفا: “فهدم مجلس التعاون الخليجي وتقويضه، كما يحدث اليوم يصب في مصلحة الغير ويدمر مصالح دول المجلس، ولا يخدم إلا مصالح من يريدون إبرام اتفاقيات جديدة مع إيران، أما نحن فسنطبل لتلك الاتفاقات كما فعلنا في المرة الأولى”.

نزع فتيل الأزمة

المفكر والسياسي الكويتي، الدكتور عبد الله النفيسي دعا من جانبه سلطنة عمان إلى التدخل لنزع فتيل التوتر في منطقة الخليج، وقال في تغريدة على حسابه بـ”تويتر”: “هذا وقت سلطنة عُمان للتدخل وذلك لنزع فتيل التوتر في الخليج، فالسلطنة بالذات تحتفظ بعلاقات سالكة مع الجميع وهي كانت مطبخ الاتفاق النووي بين إيران والغرب”.

تردد أمريكي

حتى الآن لا يبدو أن الإدارة الأمريكية متحمسة تجاه عمل متهور ضد طهران، وقرأت المؤسسات المتخصصة التي تملك سلطة تقدير الموقف العمليات التي نفذتها الطائرات الحوثية جيدا وفهمت الرسالة وفحواها أن الأذرع الإيرانية المنتشرة في كل مكان يمكنها قلب المعادلات في أي لحظة.

وستكون الأيام المقبلة حبلى بمزيد من التحركات بين الصقور ومن يقرع طبول الحرب في أمريكا والإمارات والرياض، وأصوات العقل التي تطلقها مؤسسات وشخصيات تدرك جيدا أن ذلك لن يحقق أي حسم لأي طرف وأن الحرب لن تجر سوى الوبال والخيبات، وستكون أي عملية متهورة محكومة بالفشل إذا خضعت لميزان الربح والخسارة

جون بولتون دون كيشوت دي لامنشا في السياسة الأمريكية/ د. حسين مجدوبي

شهد العالم منذ بداية السنة الجارية ثلاث حروب لكنها لم تتعد العالم الافتراضي وتحاليل الصحافة، وهي الحرب الأمريكية ضد كوريا الشمالية، وضد فنزويلا وأخيرا حرب واشنطن ضد إيران. ووسط كل هذه الضجة يبرز اسم مستشار الأمن القومي جون بولتون الذي تحول إلى دون كيشوت دي لامنشا في السياسة الأمريكية لمحاربته طواحين الهواء.

ومن أبرز المفارقات في تاريخ الحروب التي شاركت فيها الولايات المتحدة هو إنتاج الإدارة الحالية تحت رئاسة دونالد ترامب أكبر نسبة من الخطابات حول الحروب التي كانت تعتزم خوضها واستحضار التهديد بشن المعارك لكنها لم تخض أي حرب باستثناء المشاركة في قصف النظام السوري منذ سنتين على خلفية الاتهامات باستعماله الأسلحة الكيميائية ضد المعارضين.

ومن باب المقارنة، يعد ترامب مثلا أقل ميلا للحروب من كل الرؤساء السابقين وعلى رأسهم باراك أوباما صاحب جائزة نوبل للسلام وصاحب أعلى نسب من التصريحات حول السلام لكنه ساهم في هجمات متعددة في العراق وسوريا وأفغانستان، ولا يمكن مقارنة ترامب بالرئيس الجمهوري جورج بوش الابن الذي شن أكبر حرب أمريكية منذ حرب الفيتنام في الستينات والسبعينات.

عمليا، الإدارة الأمريكية الحالية تحت إشراف ترامب تنطلق من أسس قومية راديكالية ترمي إلى جعل أمريكا قوة عظمى وأساسا في الاقتصاد، أي المحافظة على الريادة وتعزيزها. ومن ضمن آليات تطبيق هذا الشعار إعادة النظر في مختلف الاتفاقيات الثنائية والدولية التي وقعها رؤساء أمريكيون سابقون وتعتقد هذه الإدارة أنها ذات انعكاسات سلبية على المصالح الحيوية الأمريكية. وتطبيقا لهذا المفهوم، فقد انسحبت واشنطن من اتفاقية المناخ التي وقعت عليها أغلبية دول العالم، وتعيد النظر في اتفاقية التجارة الحرة ومنها الامتيازات التي كان الرئيس بيل كلينتون قد منحها للصين في التسعينات بل وإعادة النظر في العلاقات التجارية مع أكبر شريكين كندا والمكسيك. وبطبيعة الحال إعادة النظر في الاتفاقية النووية التي وقعها المنتظم الدولي مع إيران لأنها تعتبرها خطيرة على المصالح الأمريكية مستقبلا بحكم أنها ستسمح لإيران إنتاج القنبلة النووية في صمت، ولهذا انسحبت منها واشنطن.

ولم يعهد المنتظم الدولي مواقف متشنجة من واشنطن، حيث يظهر الرئيس الأمريكي ترامب وكأنه يعطي الأوامر متجاوزا اللباقة في العلاقات الدولية غير عابئ بسيادة وصورة الدول الأخرى، ولعل من أبرز الأمثلة تصريحاته المستفزة حول السعودية قائلا “إذا سحبت واشنطن حمايتها ستسقط السعودية في يد غيرنا خلال أسبوعين”.

وفي ظل رفض دول أخرى لمقترحات ترامب تلجأ واشنطن إلى التهديد بالعقوبات التجارية والسياسية بل والتلويح بالحرب ضد الأصدقاء أو الأعداء. ووصلت هذه التهديدات العسكرية والعقوبات الاقتصادية ذروتها في ثلاثة ملفات رئيسية وهي كوريا الشمالية وفنزويلا ثم إيران، حتى يخيل للمتتبع من كثرة تصريحات البيت الأبيض بشأن الحرب أن المعارك على وشك الاندلاع إن لم تكن قد اندلعت.

ويتصدر مستشار الأمن القومي جون بولتون التصريحات الحربية بشكل شبه يومي وفي كل الملفات. ومن ضمن التعاليق الساخرة من بولتون في هذا الشأن ما كتبه أحد المعلقين في شبكات التواصل “لو كان بولتون شرطيا مكلفا بالمرور لهدد المخالفين بضربهم بالقاذفة الاستراتيجية ب 52 أو ف 35”. ويصدر بولتون تصريحات بالحرب، علما أنه لا يملك أي صلاحية إعطاء الأوامر حتى لأصغر جندي في القوات العسكرية الأمريكية، كما لا يمكنه، وفق القانون الأمريكي، الاطلاع الدقيق على المخططات العسكرية العميقة للبنتاغون باستثناء ما هو عمومي.

ويشكل بولتون مدرسة خاصة في الفكر السياسي الأمريكي، فهو من أشد المؤمنين بصراع الحضارات الذي أرسى أسسه المفكر سامويل هانتنغتون، كما يؤمن بخطورة عودة الحضارات الكبرى مثل الصين على مصالح الولايات المتحدة علاوة على موقف متوجس من الإسلام. ويحاول عبر كبريات مراكز التفكير الاستراتيجي التي يعتبر عضوا فيها أو معهد غاتستون الذي يديره نشر هذه الأفكار والنظريات وسط صناع القرار السياسي والعسكري. ومن خلال قراءة كتاب “الاستسلام ليس حلا” الصادر سنة 2007، يقدم بولتون رؤيته للأحداث العالمية وقتها ونظريته إلى المستقبل وتتلخص في “سياسة كوبوي”. ويحاول ترجمة نظرياته عسكريا هذه في الملفات الدولية الكبرى وهي:

كوريا الشمالية:

مباشرة بعد الحديث عن تعيينه مستشارا للأمن القومي الأمريكي، أقدم جون بولتون على كتابة مقال في جريدة “والت ستريت جورنال” عام 2018 يطالب فيه بشن حرب وقائية ضد نظام كوريا الشمالية، وأصر على هذا الموقف بعد تعيينه في المنصب خلال آذار/مارس 2018. ورد عليه كل من سكون ساغان وهو عالم نووي وآلان واينير وهو خبير في القانون الدولي في مقال في “نيويورك تايمز” بتاريخ 6 نيسان/أبريل 2018: “بولتون له فهم خاطئ للحرب الاستباقية وتصور استراتيجي خاطئ، يكفي ما حدث في حرب العراق”. وهناك شبه إجماع وسط الطبقة السياسية الأمريكية من بيت أبيض وكونغرس ومحللين أن مواقف بولتون أفشل القمم التي عقدها ترامب مع الرئيس الكوري الشمالي. ورغم التهديد بالحرب ضد كوريا الشمالية، لم يتجاوز الأمر التصريحات بينما يستمر النظام الشيوعي في سياسته التسليحية.

الأزمة الفنزويلية:

منذ اندلاع الأزمة في فنزويلا، لم يستبعد البيت الأبيض الحل العسكري بما في ذلك تصريحات الرئيس ترامب الذي قال “كل الحلول مطروحة” لكن بولتون تفنن في تهديد فنزويلا مرة بتحويلها إلى ما يشبه “بنما” عندما تدخلت القوات الأمريكية في هذا البلد، وأخرى بجعل الرئيس نيكولا مادورو مثل الرئيس الليبي معمر القذافي، أي الاغتيال. واستعاد بولتون نظرية “مونرو” لسنة 1822 التي تنص على اقتصار معالجة مشاكل القارة الأمريكية على الأمريكيين، لكنه اصطدم بسخرية العالم منه. وبينما ذهبت صحافة العالم لترقب بدء الهجوم الأمريكي على فنزويلا، كانت كل مخططات واشنطن تفشل وآخرها منذ ثلاثة أسابيع، ولم تصل هذه المخططات إلى الرهان العسكري بسبب صعوبة هذا الحل.

إيران:

غادرت حاملات الطائرات أبراهام لنكولن قاعدة نورفولك في فرجينيا الأطلسية في طريقها إلى الخليج العربي ثم لتنهي دورتها حول العالم في قاعدة سان دييغو بكاليفورنيا في الهادي، وهي عملة عادية للغاية، وكان حديث بولتون عن توجيهها ضد إيران كافيا لإشعال فتيل حرب افتراضية تغزو الآن الصحافة الدولية. والتواجد العسكري الأمريكي ليس بالجديد في الخليج العربي، فهناك قواعد ثنائية وقاعدة للأسطول الخامس في البحرين. بل ومن باب المقارنة، التواجد العسكري الحالي أقل مما كان عليه منذ سنة، ويكفي أن حاملة الطائرات ابراهام لنكولن لم تدخل مياه الخليج بعد بينما نظيرتها جون ستنيس كانت هناك خلال آذار/مارس الماضي. وكانت واشنطن قد دفعت بست حاملات طائرات خلال الحرب ضد العراق سنة 2003، الذي كان منهوكا عسكريا، والآن لديها حاملة طائرات واحدة في المنطقة وسفينتان حربيتان ضد قوة إقليمية مثل إيران. وهذا لا يستقيم والمنطق العسكري.

نعم، هناك نية لجون بولتون بإشعال فتيل الحرب في الشرق الأوسط، لكن الواقع العسكري والمنطق الجيوسياسي يجعلان الحرب مستحيلة، دون استبعاد مواجهات محدودة. وتبقى تصريحات بولتون حتى الآن بمثابة محاربة طواحين الهواء، لقد تحول بولتون إلى “دون كيشوت دي لامنشا في السياسة الأمريكية”.

ثقة أمريكية في نصر سريع في الحرب مع إيران/ رائد صالحة

واشنطن-“القدس العربي”:لا شك أن إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، هي المسؤولة عن الارتباك الواسع النطاق بشأن سياستها تجاه إيران، إذ يردد الديمقراطيون والمعلقون تعليقات تشير إلى أن مساعدي ترامب يدفعون رئيسهم المتردد باتجاه حرب متهورة مع طهران قد تشعل المنطقة. في حين يقول العديد من المحللين إن الأمر لا يتجاوز لعبة خطيرة تهدف إلى ممارسة “أقصى قدر من الضغط” لكي تقبل الجمهورية الإسلامية باتفاقية نووية جديدة تتفق مع مصالح أمريكا وإسرائيل.

إدارة ترامب لم توضح المعلومات الاستخبارية التي حصلت عليها، وأسفرت عن هذا التصعيد، بما في ذلك سحب الدبلوماسيين الأمريكيين من بغداد وأربيل ونشر قاذفات “52” وحاملة طائرات، وفشلت إدارة ترامب في توضيح التهديد الإيراني للكونغرس، ما أدى إلى انتقادات واسعة ضد التصعيد الأمريكي مع تحذيرات لترامب بأنه لا يمكن الذهاب لحرب مع إيران دون موافقة “كابيتال هيل”.

جني فوائد من الأزمة

يستمع الكرملين إلى دق طبول الحرب بين الولايات المتحدة وإيران كأنه يصغي لموسيقى جميلة، على حد تعبير العديد من المحللين الأمريكيين، الذين استنتجوا أن روسيا تستعد لجني الفوائد من أزمة طهران وواشنطن، طالما أنها يمكن أن تحد من الأضرار.

وتستفيد موسكو، بالفعل، من استئناف العقوبات الأمريكية الصارمة ضد بيع النفط الإيراني بطريقة لا تقتصر على اكتساب الشركات الروسية لحصة إضافية في السوق، حيث يقلل زبائن مثل اليابان والهند وكوريا وإيطاليا من مشترياتهم من إيران، فقد ظهرت روسيا، أيضا، كمزود للطاقة أكثر موثوقية، ويمكن الاعتماد عليه للأسواق العالمية، ولا يرغب شركاء الولايات المتحدة الذين وافقوا على مضض على قبول القيود الأمريكية على إيران في فرض عقوبات على روسيا.

وقال محللون أمريكيون إن التكرار الأخير للقانون قد جاء بنتائج عكسية للعقوبات، فقد كان الغرب أكثر ميلا للموافقة على فرض عقوبات أكثر صرامة على روسيا بعد تدخلها عام 2014 في أوكرانيا، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن الاتفاق النووي الإيراني وفر فرصا جديدة للحصول على النفط والغاز الطبيعي، والآن، مع وجود إيران في تقاطع العقوبات، وعلى الرغم من الزيادات في الإنتاج الأمريكي، فقد عادت روسيا إلى الظهور كمزود الملاذ الأخير.

ولوح المحللون إلى أن انهيار صادرات النفط الإيراني ستقتل عصفورين بحجر واحد: إذ سيسمح ذلك لموسكو بمواصلة شراكتها مع السعودية بإدارة أسواق النفط العالمية، ولكنه يسمح للمنتجين الروس، الذين يعملون تحت قرار تجميد الإنتاج الذي أمر به الرئيس فلاديمير بوتين شخصيا لزيادة المبيعات دون نسف التفاهم مع الدولة الخليجية.

الأمر سيستغرق غارتين

عبر مشرعون جمهوريون عن ثقة تامة في فوز الولايات المتحدة بالحرب مع إيران إلى حد قول السيناتور توم كوتن إن الأمر سيستغرق “غارتين” مؤكدا في حديث مع مارغريت هوفر في برنامج “فايرنغ لاين” أن الحرب ستكون ضربة أولى وضربة ثانية أخيرة.

وأكد أنه لن يدافع عن شن حرب مع إيران ولكنه حذر من أنه سيكون هناك “رد غاضب” على أي استفزاز ضد المصالح الأمريكية في المنطقة، وقال “أنا لا أدافع عن العمل العسكري ضد إيران، أنا ببساطة أوصل رسالة مفادها أنه إذا كانت إيران ستهاجم الولايات المتحدة، فسيكون ذلك خطأ كبيرا من جانبها، وسيكون هناك رد فعل غاضب”.

وأشار كوتن إلى مخاوف مماثلة لتلك التي رددها ترامب عند مناقشة التحركات التي يمكن لإيران اتخاذها لتخفيف التوترات، رغم أنه لم يكن متفائلاً، وقال إنه يريد أن يغير النظام الإيراني سلوكه و”ينضم إلى العالم المتحضر”.

ودعا أعضاء مجلس الشيوخ من كلا الحزبين في لجنة العلاقات الخارجية، الأربعاء، إلى تقديم إحاطة فورية حول سياسات وخطط إدارة ترامب في إيران بعد أن أعلنت وزارة الخارجية أنها ستسحب موظفيها الدبلوماسيين من العراق وسط توترات.

وقال السيناتور بوب مينيديز:”إن هناك سببين فقط لطلب رحيلهما، لديهم معلومات استخبارية موثوقة بأن شعبا في خطر، أو في الاستعداد للعمل العسكري في إيران” وأضاف مينيديز(ديمقراطي من نيوجرسي) في جلسة استماع حول اتفاقيات الحد من الأسلحة أن إدارة ترامب لم تقدم أي معلومات إلى هذه اللجنة حول المعلومات الاستخبارية وراء قراراتهم أو ما يعتزمون القيام به في العراق أو إيران، وقد ذكرت الإدارة مرارا بمسؤوليتها تجاه هذه اللجنة.

وطلب السيناتور الديمقراطي من رئيس اللجنة، جيم ريش (جمهوري من إيداهو) الإدارة بتزويد اللجنة فورا بمعلومات موجزة عن قرار الأمر بمغادرة موظفي السفارة، وما تعرفه الاستخبارات عن خطط إيران وأي خطط للذهاب إلى الحرب مع إيران.

وفي وقت لاحق خلال الجلسة، أيد السيناتور ميت رامني (جمهوري من ولاية يوتا) دعوة مينيديز، وقال: “أتفق مع عضو الكونغرس رفيع المستوى حول الحاجة إلى إحاطة سرية حول الأمور في العراق وآمل أن تتمكن اللجنة بأكملها، أو ربما الرئيس وعضو الترتيب، من الحصول على هذا النوع من الإحاطة”.

ورد ريش على رامني بأنه حصل على إحاطة وأنه يعمل على ترتيب جلسة لمجلس الشيوخ، وقال “هذه قضية بالغة الأهمية، ولا شك في ذلك”.

وكانت وزارة الخارجية الأمريكية أعلنت، صباح الأربعاء، أنها تأمر برحيل أفراد من غير الطوارئ في السفارة الأمريكية في بغداد والقنصلية الأمريكية في أربيل.

مضيق هرمز

وطالب خبراء أمريكيون من إدارة الرئيس دونالد ترامب التحضير جيدا للرد على التهديد الذي تشكله قدرات إيران الإلكترونية المتنامية على الولايات المتحدة والحلفاء في المنطقة، وقالوا إن التوترات مع طهران وصلت إلى مرحلة حرجة مع نشر حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لنكولن” ومجموعة من قاذفات بي 52 في الشرق الأوسط والتهديدات الإيرانية لإمدادات النفط في العالم.

وقال جميل جعفر، نائب رئيس الاستراتيجية والشراكات في “إيرون نيت سيكيورتي” ومؤسس معهد الأمن القومي في جامعة جورج ماسون، إن إيران تعرض مصالح الولايات للخطر، وأضاف أنه مع ممارسة الولايات المتحدة أقصى قدر من الضغط من خلال إنهاء الإعفاءات من العقوبات ووقف صادرات النفط الإيرانية، فليس من المستغرب ان تهدد إيران بدورها ما يقرب من ثلث إمدادات العالم من النفط التي يتم شحنها عبر المحيط، والتي تمر عبر مضيق هرمز.

وأوضح جعفر، الذي شارك سابقا في إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش، أن الولايات المتحدة يجب أن تكون مستعدة للتعامل مع اثنين من السيناريوهات المحتملة للغاية، وقال إنه بدلا من مهاجمة السفن التجارية في الخليج – التي تعرف إيران أنها ستؤدي إلى رد فعل سريع وحاد من الولايات المتحدة – من المرجح أن تعود إلى الحرب غير المتماثلة، باستخدام التكتيكات الإرهابية (بما في ذلك التخريب) والهجمات الإلكترونية.

وشدد محللون على القدرات الفائقة لإيران في مجال الإنترنت، وقالوا إن إيران ضربت الولايات المتحدة مرارا في العقد الماضي مع إفلات نسبي من العقاب، كما تمكنت من شن هجمات فيروسية مدمرة على صناعة النفط في السعودية في عام 2012 وعام 2018 واخترقت البنوك الأمريكية بين عامي 2012 و2013 وهاجمت شركة “لاس فيغاس ساندرز” في عام 2014 واستهدفت شركات أمريكية، وأضاف خبراء أن أنشطة إيران أصبحت أكثر عدوانية، مع استجابة قليلة من الولايات المتحدة.

واستغلت الولايات المتحدة هذه الأنشطة عبر فرض المزيد من العقوبات ضد الإيرانيين بسبب قيامهم باختراقات إلكترونية، ومع ذلك، لم تستسلم إيران ولا تزال هجماتها ناجحة نسبيا، وبالنظر إلى التوترات الحالية، وفقا لعدد من المحللين الأمريكيين، ستشن إيران حربا منخفضة المستوى ضد أمريكا وحلفائها مرة أخرى في الفضاء الإلكتروني، ومن المحتمل جدا أن تكون هذه الهجمات خطيرة.

ما هي الخيارات المتاحة للولايات المتحدة للرد على هذه الهجمات المحتملة؟ يجيب العديد من الخبراء على ذلك بالقول إن الحكومة الأمريكية يجب أن تساعد القطاع الخاص على تعزيز دفاعاته، وقالوا إنه لا يمكن يكون هناك أي عذر لحكومة الولايات المتحدة لعدم مشاركة ما تعرفه – وبشكل عملي – مع القطاع الخاص.

وطالب المحللون، أيضا، بالتعاون بشكل أكثر مع دول الخليج العربي وتوسيع نطاق تبادل التهديدات السيبرانية المحتملة والعمل مع هذه الدول على جمع معلومات حول أنشطة إيران، وقالوا إن الولايات المتحدة يمكن أن تساعد بشكل أفضل على حماية الحلفاء وتزويد الحكومة والصناعة بالانذار المبكر بالهجمات المحتملة.

وخلص المحللون إلى ضرورة البدء في التحرك لوقف التهديد الإيراني في الفضاء الإلكتروني، ولاحظوا أن الكونغرس زود مؤخرا ترامب ووزارة الدفاع بسلطة واضحة لاتخاذ إجراءات لتعطيل وهزيمة وردع حملات الهجوم السيبراني، الذي تقوم به روسيا وكوريا الشمالية وإيران.

السعودية تدق طبول الحرب ومنطقة الخليج على حافة الانفجار/ علي ال غراش

الأوضاع في منطقة الخليج غير مطمئنة، ولا أحد يعلم ماذا سيحدث وإلى أين تتجه الأمور وهل ستبقى أطراف النزاع متحكمة بضبط النفس أم لا. التوتر يتصاعد في الخليج بين أمريكا وحلفائها وبالخصوص السعودية وبعض الدول الخليجية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، نتيجة تفاقم ضغوط واشنطن عبر إدارة ترامب على إيران منذ إلغاء الاتفاقية النووية معها وفرض حصار وعقوبات اقتصادية خانقة ضد طهران للوصول إلى تصفير تصدير النفط الإيراني، ما يعتبر حربا اقتصادية تهدد كيان الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فيما السعودية والكيان الإسرائيلي والدول التي تسعى لتطبيق خطة صفقة القرن حسب المصالح الإسرائيلية يحرضون ويطالبون أمريكا بالقيام بعمل عسكري ضد إيران ومن يدور في فلكها.

وبلغ التصعيد إلى حد الانفجار مؤخرا، حيث وقع حادثان ملفتان؛ الأول الهجوم على عدة سفن نفطية في ميناء الفجيرة بالإمارات، لم يعرف لغاية اليوم من يقف وراءه، والثاني شن ضربات على مضخات وأنابيب للنفط في العمق السعودي، عبر الطيران المسير من قبل القوات اليمنية لحركة أنصار الله التي أعلنت قيامها بذلك.

حادثة تفجير عدد من السفن في ميناء الفجيرة في المياه الإقليمية لدولة الإمارات، ضربة مفاجئة لمعسكر أمريكا والدول الحليفة مثل الإمارات والسعودية وكشف حالة الضعف لدى تلك الدولتين، والغريب في الأمر تعامل أبو ظبي مع الحادث عبر وصف ما حدث بالتخريبي فقط وعدم نشر تفاصيل للاعتداء أو التعليق عليه وعدم نشر أي صور إلا بعد نحو 48 ساعة في يوم الأربعاء، ولم تتهم أي جهة.

وأكد أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية في دولة الإمارات، أن التحقيقات لمعرفة الجهة المسؤولة عن استهداف السفن الـ 4 في ميناء الفجيرة لا تزال جارية مع فرنسا وأمريكا، مضيفا بانه سيتم الكشف عن نتائج التحقيقات خلال أيام.

أما السعودية أكثر الدول حماسة لمواجهة وتوجيه ضربة لطهران فوصفت عملية الاستهداف على السفن بانه تخريبي، وإجرامي ويشكل تهديدا خطيرا.

السعودية اتهمت إيران بالمسؤولة عن العملية رغم ان جماعة أنصار الله الحوثيين هم من نفذوا العملية كرد على ما تقوم به السعودية من اعتداء وقصف وتدمير وقتل للشعب اليمني، وقال الأمير خالد بن سلمان، نائب وزير الدفاع السعودي: “ما قامت به الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران من هجوم ارهابي على محطتي الضخ التابعتين لشركة أرامكو السعودية، يؤكد على انها ليست سوى أداة لتنفيذ أجندة إيران وخدمه مشروعها التوسعي في المنطقة”.

هذه العملية أحرجت الرياض وكشفت سهولة استهدافها وضعفها من خلال عدم اكتشافها لـ 7 طائرات بلا طيار دخلت أراضيها من الحدود اليمنية وسارت في الأجواء لمدة ساعات. فأين القبة السعودية وصواريخ الباتريوت؟

لم تجد الرياض طريقة للانتقام واظهار عضلاتها وقوتها إلا من خلال قصف صنعاء، حيث قامت طائراتها يوم الخميس بضرب حي سكني داخل صنعاء سقط خلاله عشرات الضحايا قتلى وجرحى، وتضرر العديد من المباني منها السفارة القطرية.

موقف إيران مما حدث خلال العمليتين في الإمارات والسعودية، تمثل في التنديد والاستنكار وعبرت عن قلقها حيث قال وزير الخارجية جواد ظريف: “العمليات المشبوهة والتخريبية في المنطقة من شأنها أن تخلق المزيد من التوترات”. وطالب بإجراء تحقيق.

ورغم أن الدول المسؤولة الرئيسية عن الأزمة وهي أمريكا وإيران، أعلنا أكثر من مرة عن عدم رغبتهما في خوض حرب إلا أن السعودية تدق طبول الحرب.

ما حدث من استهداف لميناء الفجيرة في الإمارات ولمضخات وأنابيب النفط في السعودية، هي مجرد رسائل بان صناعة النفط في خطر، وهي كذلك جس نبض لمعرفة حقيقة الاندفاع الخليجي للحرب، كما انها رسالة ابتزاز للدول الخليجية بانها ضعيفة وفي حاجة للحماية أي دفع المزيد من المال. فالرئيس الأمريكي ترامب يتعامل بطريقة التاجر وتحقيق النجاح في إبرام الصفقات عبر الوسائل المتاحة بدون خسائر، فهو يسعى للضغط على إيران لتحقيق هدفه وهو التفاوض بدون الدخول في حرب فالحرب بالنسبة له خسارة وتضحيات وهو غير مستعد الدخول في حروب ومغامرات. كما أن أمريكا تمر بظروف مادية صعبة، وترامب جاء للرئاسة بخطاب جلب المال للشعب الأمريكي وعدم خوض حروب، فالحرب خسائر مادية وضحايا، واشتعال نار الحرب في الخليج سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط الذي يعني أزمة اقتصادية عالمية. فهل أمريكا جادة في مواصلة الطريق للحرب؟

ذا غارديان”: إيران طلبت من مليشياتها الاستعداد “لحرب بالوكالة

كشفت صحيفة “ذا غارديان” البريطانية، في تقرير حصري، اليوم الجمعة، أنّ قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني، طلب من مليشيات في العراق، خلال اجتماع قبل ثلاثة أسابيع، “الاستعداد لحرب بالوكالة”، وسط التوتر مع الولايات المتحدة.

وقال مصدران استخباراتيان رفيعا المستوى، للصحيفة، إنّ سليماني، استدعى المليشيات إلى اجتماع في العاصمة العراقية بغداد، قبل ثلاثة أسابيع، وسط حالة التوتر المتصاعدة في المنطقة.

وذكّرت الصحيفة بأنّ سليماني كان يلتقي بانتظام مع زعماء مليشيات عراقية، على مدى السنوات الخمس الماضية، مشيرة في الوقت عينه إلى أنّ طبيعة ونبرة هذا الاجتماع “كانت مختلفة”.

وقال أحد المصادر: “لم يكن (الاجتماع) دعوة للتسلّح، لكنّه لم يكن بعيداً عن ذلك”.

وقالت الصحيفة إنّ الاجتماع أدى إلى موجة من النشاط الدبلوماسي بين المسؤولين الأميركيين والبريطانيين والعراقيين الذين يحاولون إبعاد شبح المواجهات بين طهران وواشنطن، والذين يخشون من أن يصبح العراق ساحة للصراع.

ولفتت إلى أنّ الاجتماع كان مطلعاً بشكل جزئي على القرار الأميركي بإجلاء الموظفين الدبلوماسيين غير الضروريين من السفارة الأميركية في بغداد وإربيل، ورفع درجة الحذر في القواعد الأميركية في العراق.

وأوضح المصدران الاستخباراتيان، للصحيفة، أنّ جميع قادة المليشيات التي تندرج تحت مظلة “الحشد الشعبي” في العراق، حضروا الاجتماع الذي دعا إليه سليماني.

ومنذ ذلك الحين التقى أحد كبار الشخصيات الذين علموا بالاجتماع، مع مسؤولين غربيين للتعبير عن مخاوفهم، بحسب الصحيفة.

ونقلت “ذا غارديان”، عن دبلوماسيين إقليميين، قولهم إنّ قافلة صواريخ إيرانية تم نقلها “بنجاح”، الأسبوع الماضي، عبر محافظة الأنبار العراقية إلى سورية، حيث تم نقلها بأمان إلى دمشق.

وباتت العلاقات بين واشنطن وطهران أكثر توتراً في أعقاب قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هذا الشهر، محاولة وقف صادرات إيران النفطية تماماً، وتعزيز الوجود الأميركي في الخليج رداً على ما قال إنّها تهديدات إيرانية.

وكانت واشنطن سحبت، هذا الأسبوع، بعض موظفيها الدبلوماسيين من سفارتها ببغداد في أعقاب هجمات، في مطلع الأسبوع، على أربع ناقلات نفطية في الخليج.

وأمس الخميس، عبّر ترامب عن أمله في ألا تتجه الولايات المتحدة صوب حرب مع إيران.

وقال ترامب، قبل لقائه مع الرئيس السويسري أولي ماورر الذي تلعب بلاده دور الوسيط الدبلوماسي بين البلدين، إنّه يأمل ألا تكون الولايات المتحدة في طريقها لخوض حرب مع إيران.

وعندما سُئل إن كانت واشنطن ستخوض حرباً مع إيران، قال ترامب، للصحافيين لدى استقباله ماورر في البيت الأبيض، “آمل ألا يحدث ذلك”.

تراجع مخاطر الضربة العسكرية لإيران: ترامب يتمسك بمقاربة دبلوماسية

بعد أيام من التصعيد العسكري في الشرق الأوسط والخليج، ووصول التوتر الأميركي الإيراني إلى حافة المواجهة العسكرية، مع نشر واشنطن حاملة طائرات ومقاتلات وصواريخ “باتريوت” في المنطقة، ثم إعلانها سحب دبلوماسييها غير الأساسيين من العراق، فإن الأجواء أمس الخميس كانت مغايرة، ودلّت على تراجع مخاطر ضربة عسكرية لإيران، في ظل تعويل الرئيس الأميركي دونالد ترامب على النهج الدبلوماسي ورهانه على توجّه الإيرانيين في النهاية للتفاوض معه، على الرغم من إصرارهم على رفض أي مفاوضات مع إدارته. مقابل ذلك، بقيت بعض الأطراف الإقليمية تصعّد ضد طهران، ولا سيما السعودية التي اتهمت الأخيرة بإصدار الأوامر للحوثيين لشنّ هجماتهم الثلاثاء على منشآت نقل نفط في السعودية.

وفي أبرز المؤشرات على سعي واشنطن لحل سياسي للأزمة، التقى ترامب أمس الخميس رئيس الاتحاد السويسري أولي ماورر في البيت الأبيض، “من أجل محاولة إنشاء قناة يمكنه من خلالها التحدث مع الإيرانيين”، كما نقلت شبكة “سي إن إن” عن مصدر مطلع على المناقشات، فيما قال البيت الأبيض في بيان إن ترامب سيناقش مع ماورر العلاقات ودور سويسرا في تسهيل العلاقات الدبلوماسية والقضايا الدولية الاخرى، قبل أن يعلن ترامب للصحافيين مساء أمس، أنه يأمل ألا تكون الولايات المتحدة في طريقها إلى خوض حرب مع إيران.

وكان ترامب قد أعرب الأربعاء عن “ثقته بأن إيران سترغب قريباً في إجراء محادثات” مع بلاده، وقال المصدر لشبكة “سي إن إن” إن هذا الاجتماع مع السويسريين يهدف إلى محاولة تحريك ذلك. ويمثّل السويسريون مصالح الولايات المتحدة في إيران، وكانت “سي إن إن” ذكرت قبل أيام أن البيت الأبيض اتصل بالسويسريين لتمرير رقم هاتف يمكن للإيرانيين الاتصال به مع ترامب.

ويتوافق ذلك مع ما كشفته صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية في تقرير لها أمس نقلاً عن مصادر أميركية ذكرت أن ترامب كان محبطاً من بعض مستشاريه الذين يعتقد أنهم يدفعون الولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية مع إيران، ويدفعونه نحو خرق تعهده القديم بالانسحاب من الحروب الخارجية المكلفة. وفي الوقت الذي بقيت فيه الإدارة الأميركية في حالة تأهب قصوى، في ظل ما اعتبره مسؤولو الجيش والمخابرات تهديدات محددة وحقيقية من إيران، فإن ترامب، على عكس اللغة العدائية التي يتحدث بها علناً ضد إيران، يفضل مقاربة دبلوماسية لحل الخلافات، ويريد التحدث بشكل مباشر مع المسؤولين الإيرانيين، وفق الصحيفة.

وما يعزز التوجّه الدبلوماسي، تأكيد رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي أمس، أن ترامب لا يملك تفويضاً من الكونغرس بشن حرب على إيران. كما قال السيناتور في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بوب مينينديز إن “الكونغرس لم يأذن بحرب مع إيران… وإذا كانت (الإدارة) تفكر في تحرك عسكري مع إيران، يجب أن تأتي إلى الكونغرس لأخذ الموافقة”.

في المقابل، بقيت طهران على موقفها برفض أي تفاوض مع الأميركيين. وقال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، أمس، إنه “ليست هناك أي إمكانية” لإجراء حوار مع الولايات المتحدة، وفق ما نقلت عنه وكالة “كيودو” اليابانية للأنباء، خلال زيارته إلى طوكيو أمس. كما نقلت شبكة “إن. إتش. كي” العامة عن ظريف وصفه الضغوط الأميركية على بلاده بأنها “عمل انتحاري”. ورفض ما أكده الرئيس الأميركي بأن إيران ستسعى قريباً لإجراء مفاوضات، قائلاً “لا أعلم سبب ثقة الرئيس ترامب، لكن ذلك غير صحيح كلياً”. وكان ظريف الذي التقى رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في وقت سابق الخميس، قد اتهم واشنطن بتصعيد “غير مقبول” للتوترات، وقال إن طهران تتصرف “بأقصى درجات ضبط النفس”، وإنها لا تزال ملتزمة بالاتفاق النووي. ويزور الوزير الايراني الصين اليوم الجمعة لبحث “مسائل إقليمية ودولية” مع كبار المسؤولين، كما أفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية.

وفي السياق، قال السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة ماجد تاخت رافانشي، إن بلاده لا ترغب في تصعيد التوترات الإقليمية، لكن “من حقنا الدفاع عن أنفسنا”. وأضاف في مقابلة تلفزيونية “لسنا راغبين في تصعيد التوترات بمنطقتنا. إذا حدث خطأ ما، سيخسر الجميع”.

ولكن على الرغم من أجواء التهدئة هذه، يبقى الحذر قائماً من أي انزلاق للأوضاع. وفي هذا السياق، قالت شبكة “سكاي نيوز” إن بريطانيا رفعت مستوى التهديد لقواتها ودبلوماسييها في العراق نظراً لمخاطر أمنية كبيرة من إيران. وأضافت أن بريطانيا رفعت أيضاً مستوى التأهب بين قواتها وموظفيها وأسرهم في السعودية والكويت وقطر. من جهته، قال وزير الخارجية البريطاني جيريمي هنت أمس، إن بلاده تتفق مع تقييم الولايات المتحدة بشأن التهديد الخطير الذي تمثله إيران.

في السياق، قال رئيس مجلس الأمة (البرلمان) الكويتي مرزوق الغانم، إن الأوضاع في المنطقة “خطيرة وليست مطمئنة”، مشيراً إلى أن وزراء الحكومة شرحوا للنواب أمس الخميس في جلسة سرية استعدادهم لمواجهة أي حالة حرب في المنطقة. وأضاف الغانم للصحافيين عقب الجلسة، أنه تبين من العرض الذي قدمته الحكومة حول الأوضاع في المنطقة “مدى دقة وحساسية وخطورة المرحلة المقبلة ووجوب الاستعداد واتخاذ كافة الإجراءات استعداداً لكل الاحتمالات الواردة”. ورداً على سؤال حول ما إذا كانت هناك فرص للحرب في المنطقة، قال الغانم “بناء على المعلومات الموجودة التي ذكرت من إجابات المعنيين في الحكومة، نعم هناك فرص للأسف (للحرب)… هذه الاحتمالات نسبتها عالية جداً وكبيرة والأمور ليست ماشية في المسار أو الاتجاه الذي نتمناه”.

وفي تعزيز للتصعيد ضد طهران، اتهم نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، إيران بإصدار الأوامر بشن الهجوم بطائرات مسيرة على محطتين لضخ النفط في المملكة يوم الثلاثاء. وقال على “تويتر” إن الجماعة “ليست سوى أداة لتنفيذ أجندة إيران وخدمة مشروعها التوسعي في المنطقة”. كما كتب وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير في تغريدة إن “الحوثي جزء لا يتجزأ من قوات الحرس الثوري الإيراني ويأتمرون بأوامره وأكد ذلك استهدافه منشآت في المملكة”.

لكن رئيس اللجنة الثورية العليا التابعة للحوثيين، محمد علي الحوثي، قال إن إيران لم تأمر بتوجيه الضربة وإن الحركة تصنع طائراتها المسيرة “محلياً”. وأضاف الحوثي في حديث لهيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي) “لسنا عملاء لإيران… اتخذنا هذا القرار بنفسنا”.

وكان التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، نفذ أمس عدة ضربات جوية على العاصمة صنعاء، قائلاً إنها استهدفت مواقع عسكرية للحوثيين. لكن قناة “المسيرة” التابعة للحوثيين نقلت عن وزارة الصحة التابعة للجماعة أن ستة مدنيين بينهم أربعة أطفال قُتلوا وأُصيب 52 آخرون منهم روسيتان تعملان في قطاع الصحة.

الخيار العسكري الأميركي ضد إيران: هل تحبطه الاعتراضات والتحذيرات؟/ فكتور شلهوب

حتى اللحظة، لا يزال فريق الحرب في واشنطن يواصل، وبثبات، دق طبول المواجهة العسكرية مع إيران. المؤشرات واضحة ومتوالية. آخرها كان طلب وزارة الخارجية من المدنيين الأميركيين مغادرة العراق، فوراً، ووقف إصدار التأشيرات من القنصلية الأميركية في بغداد وإربيل.

وأخذ هذا التصعيد جرعة تأييد من أعضاء محافظين في مجلس الشيوخ، من بينهم رئيس لجنة العلاقات الخارجية السناتور جيم ريش، والسناتور توم كوتن الذي دعا صراحة إلى حرب “بإمكاننا الانتصار فيها وبسرعة” كما قال.

مثل هذه النغمة برزت بعدما تسرّبت معلومات عن خطة للبنتاغون، بناء على طلب البيت الأبيض، وبالتحديد مستشار الأمن القومي جون بولتون، لإرسال قوة من 120 ألف جندي إلى الشرق الأوسط، “في حال اقتضت الظروف ذلك”.

الرئيس دونالد ترامب كذّب الخبر، لكنّه لم يستبعد هذا الاحتمال، وربما أرسل “عدداً أكبر إذا لزم الأمر”، كما قال. نفيه بهذا الشكل عزّز الشكوك في نوايا الحرب، ولو أنّه ترك خط الرجعة مفتوحاً.

وثمة علامات بدأت تتبلور باتجاه مثل هذه الرجعة، إلا إذا كان قد سبق السيف العذل، كأن يثبت تورّط إيران في ضرب البواخر الأربع قرب الإمارات. عندئذ تكون خطة استدراج إيران قد نجحت ووضعت الرئيس ترامب أمام الخيار العسكري الذي يسعى إليه صقور الإدارة. تماماً كما أدى ضرب فيتنام الشمالية بارجةً أميركيةً في مياه خليج تونكين في صيف 1964، إلى تصعيد واشنطن لحربها ضد هانوي، بعد تكبير الحادثة لتبرير توسيع العمليات الحربية وتعنيفها. والباقي تاريخ.

حتى الآن، المبادرة لا تزال بيد فريق الحرب الواضع إصبعه على الزناد. أما الكونغرس المفترض أن يشكّل الكابح الفعّال بصفته صاحب الصلاحية في إعلان الحروب، فلم يتحرك باتجاه وقف الاندفاع في هذا الاتجاه. لكن التململ في صفوفه بدأ يتبلور.

عدد متزايد من مجلسي الشيوخ والنواب، رفع صوت الاعتراض والتحذير، خصوصاً الديمقراطيين الذين التحقت بهم قلة من الجمهوريين، ومنهم من هو محسوب على الرئيس، مثل السناتور لينزي غراهام.

مطالبة هؤلاء بوضعهم في صورة المعلومات التي تتذرّع بها الإدارة، زادت الضغوط على البيت الأبيض الذي وجد نفسه بدون حلفاء في هذه الأزمة، لا سيما الأوروبيين. وبالأخص بريطانيا.

وكان من المحرج للإدارة، وللصقور بشكل خاص، أن يصدر عن الجنرال البريطاني كريس غيكا نائب قائد قوات التحالف الدولي في العراق، نفي لوجود أي تزايد للتهديد الإيراني كما تدعي واشنطن. الأمر الذي اضطر البنتاغون للردّ، بزعم أنّ معلومات الجنرال لا تتفق مع تلك التي بحوزة الإدارة.

والمعروف تاريخياً أنّ واشنطن عادة ما تشارك بريطانيا في ما لديها من معلومات من هذا النوع باعتبارها الحليف الأقرب لها.

التضارب، وعلى هذا المستوى، أثار علامات استفهام كبيرة في واشنطن، وعزّز الاعتقاد السائد بأنّ إدارة ترامب “تعمل على إثارة إيران لجرّها إلى مواجهة”، بحسب ريتشارد كلارك المستشار الأسبق في البيت الأبيض.

وقد ردّدت تعبيرات كثيرة من هذا النوع، في اليومين الأخيرين. معظمها جاء بصورة تسريبات إلى الصحف من مصادر رسمية واستخباراتية، تلفت إلى “المبالغة” في حيثيات التصعيد، وبما يشير إلى وجود اعتراضات كبيرة داخل الإدارة. وصلت إلى حدّ شعور الرئيس ترامب “بالإحباط” من تسرّع بعض مستشاريه المستعجلين على ضرب إيران، بحسب صحيفة “واشنطن بوست” التي نسبت هذا الكلام إلى مسؤولين كبار.

ويبدو أنّ تسليط الأضواء على أجواء البيت الأبيض هذه، جاء من باب التمهيد لقبول الرئيس بمخرج يحفظ ماء الوجه للطرفين. قد يكون عن طريق وساطة دولية تقودها موسكو، وقد لمّح إليها، الثلاثاء، وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بعد لقائه في سوتشي، نظيرَه الأميركي مايك بومبيو، عندما قال إنّ بلاده “ستحاول عن طريق الدبلوماسية، تسهيل ما يمكن أن يؤدي إلى تحاشي السيناريو العسكري”.

عبارة “تسهيل” بدت وكأنّ هناك استعداداً للقبول بمخرج مطروح أو بالبحث عنه. إذا سارت الأمور في هذا الاتجاه الذي قد يرى ترامب أنّه يخدم حساباته، عندئذ لا يستبعد في ضوء السوابق، أن يكون جون بولتون الضحية بالإقالة أو الاستقالة. فالانقلاب والتقلّب من طبيعة زمن ترامب.

طبول الحرب تقرع وأجراس السلام تصمت/ سيّار الجميل

ليس الصراع حرباً مع إيران كالذي كان في حرب العراق، إذ سيكون الأسوأ والأخطر والأشنع. ولا يصدر هذا الكلام من فراغ، بل انطلاقاً من المظاهر المفضوحة والتصريحات الغبيّة لكلّ من الطرفين، مع ازدياد التوتر بقرع طبول الحرب وصمت أجراس السلام، ذلك أن الولايات المتحدة وإيران تقتربان من المواجهة بشكل مثير للقلق، فالجدال لم يعد عقيماً أو تسويقياً أو دعائياً بشأن إدارة أميركية يقودها رئيس جمهوري متعجرف وسيئ الكلام، وكأنه متعطش لتحقيق أغراضه، في تركيزه على نيل مقاصده من الشرق الأوسط لصالح إسرائيل، مع انقسام عربي يتمثّل بين مصفقين لأميركا وآخرين يسكنهم الهلع والخوف من مصير مجهول للمنطقة عموماً. ويؤدي جون بولتون مستشار الأمن القومي للرئيس ترامب، دوراً رئيسياً في تعزيز حال الترقب الماثل، وأجواء العسكرة، وهو ما فعله إبان الرئيس جورج بوش في غضون غزو العراق، ما أكسبه سمعة متهورة ورديئة. وقد قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قبل أيام، إن “الأفراد المتطرفين في الإدارة الأميركية” كانوا يحاولون كذباً إلقاء اللوم على إيران في حوادث الخليج.

وعلى الرغم من التشابه الموضوعي في التعامل وتسلسل الإجراءات السياسية والاقتصادية ، فإن الصراع مع إيران لن يكون مثالاً نموذجياً معاداً لحرب 2003 ضدّ العراق، فالحرب اليوم ستكون مختلفة تماماً في الطرق والأساليب والخطط والأسلحة والتدابير، وهو بالتأكيد أسوأ بكثير ممّا حدث للعراق وتداعياته على المنطقة. إن وقعت الحرب اليوم، فستكون أكثر بشاعة وتشظياً، ذلك أن النار لن تطاول إيران فقط كما حدث للعراق، بل ستحرق كلّ جيوبها. ومع الاعتبار للفارق الزمني بين الحربين، يزيد عن 15 عاماً، أي بين 2003 و2019. وسيشهد الشرق الأوسط تمزّقات واسعة ودماراً كبيراً، وخصوصاً إذا استخدمت أسلحة نووية، سواء دامت الحرب ساعات أو أياماً، فهي مختلفة جداً عما كان يحدث في الماضي.

لإيران ثقل استراتيجي في غربي آسيا، وهي ليست مغلقة وصغيرة كالعراق، وفيما سكان

العراق عام 2003 كانوا 25 مليون نسمة، فإن سكان إيران اليوم 85 مليون نسمة. ورقعة إيران 591 ألف كيلومتر مربع، مقارنة مع 168 ألف كيلومتر مربع للعراق. لديها 523 ألف مقاتل في الخدمة من العسكريين الفعالين، فضلاً عن 250 ألف من الاحتياطي المدربين. وإيران قوة بحرية في بحر قزوين شمالاً والخليج العربي وخليج عُمان جنوباً. وتشترك في حدود برية مع حلفاء الولايات المتحدة المضطربين، بما في ذلك أفغانستان وباكستان وتركيا والعراق، ناهيكم عن حدود بحرية مع دول الخليج العربي التي تواجه إيران غرباً. وتوصف الترسانة الصاروخية الإيرانية بأنها “الأكبر والأكثر تنوعاً في الشرق الأوسط”. والسؤال هنا: ما الذي يريده الرئيس ترامب من إيران، بحيث يُحدث منعطفاً حاسماً نحو الأسوأ، بعد تاريخ من العلاقات المضطربة؟ وقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز قبل أيام، أن وزير الدفاع الأميركي بالوكالة باتريك شاناهان، وضع خططاً لنشر 120 ألف جندي أميركي في المنطقة، إذا هاجمت إيران القوات الأميركية أو أعادت تشغيل برنامجها النووي. وكان هذا قائماً على سيناريو لا يشتمل على غزو، وهو ما يتطلب مزيداً من القوات. وهنا سيناريو يختلف تماماً عن الذي جرى ضد العراق في العام 2003، فقد شارك في غزو العراق 150 ألف جندي أميركي، إلى جانب الدول المتحالفة معها. وتم ربط التكلفة المالية لحرب العراق بأكثر من تريليوني دولار عام 2013، مع ما يقدر بنحو أربعمائة ألف شخص قتلوا بين 2003 و2011. أما إيران، فقد أكسبها موقعها في وسط أوراسيا أهمية استراتيجية خاصة للتجارة، فنحو ثلث حركة ناقلات النفط في العالم يمر عبر مضيق هرمز، وهو الطريق الاستراتيجي للشحن، ويقدر اتساعه بأقل من ميلين، وأيّ حجب للمرور من خلاله قد يؤدي إلى كارثة في نقل شحنات صادرات النفط اليومية إلى العالم لينخفض بنسبة 30%.

من حيث القوة العسكرية التقليدية، إيران أضعف بكثير من الولايات المتحدة التي انتهجت استراتيجيات غير متماثلة، يمكن أن تلحق بها أضراراً جسيمة وبمصالحها في المنطقة، وخصوصاً أن الحرس الثوري الإيراني تشكيل هائل من القوات الموالية للمرشد علي خامنئي، وهو يعدّ منفصلاً عن الجيش النظامي، ويختصّ التشكيل بالعمليات الخاصة الخارجية، وله

جيوب متوزعة في أماكن حيوية في الشرق الأوسط، وذراعه التي عرفت باسم جيش القدس قد نشرت نفسها سراً وعلناً بأسأليب غير شرعية، في أماكن مثل العراق ولبنان وسورية.

وفي الوقت نفسه، عناد إيران وتصلّبها قد يعرّضانها لأخطارٍ جسيمة، ثمناً لزوال النظام السياسي فيها، الذي تغلغل في كلّ مفاصل المجال الحيوي للشرق الأوسط. وكانت إيران مصدراً أساسياً للأزمات والمشكلات المعقّدة في أكثر من مكان عربي فيه، ولم يكن ذلك ليشكّل سبباً جوهرياً في حسابات الأميركيين، بل كان ارتخاء قوتهم إزاء تغلغل النفوذ الإيراني في العراق وسورية ولبنان واليمن سبباً في ذلك. وهنا سؤال: لماذا تصدّعت العلاقات الإيرانية الأميركية فجأة؟ هل اكتشف البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) الآن مقتل 608 أميركيين في العراق بين 2003 و2011، على أيدي الإيرانيين، وأن وكلاءهما وعملاءهما سبب الفوضى في العراق وأفغانستان مرة أخرى بعد سنوات من الفجائع؟

يعرف المخططون العسكريون الأميركيون ذلك كله، وربما ستكون هناك مفاجآت صاعقة لما قد خطط له تحت الطاولة، وستنقلب الموازين رأساً على عقب. إنها استراتيجية محفوفة بالمخاطر، تثير قلق بعض أقرب حلفاء أميركا. جنون العظمة الإيراني من طرف آخر لم يحسب أي حساب لمصير إيران والمنطقة كلها، إذا استخدمت الأسلحة النووية، وليس ترامب عاجزاً عن استخدامها إن أراد، وخصوصاً أن أميركا قد استخدمتها قبله ضد اليابان، فهل في استطاعة 14 مليون طالب إيراني أن يوقفوا الجحيم، يا وزير التربية والتعليم الايراني؟

العربي الجديد

هل تضرب أميركا إيران؟/ رافد جبوري

تتصاعد التصريحات الإيرانية المتحدية للولايات المتحدة وإدارة الرئيس دونالد ترامب، في مقابل الإجراءات التي اتخذتها هذه الإدارة في تصعيد لسياستها في الضغط على إيران، من أجل الرضوخ لمطالب أميركية. وقال ترامب، إن الضغط الذي تتعرّض له إيران بات الأكبر على الإطلاق. صنفت الولايات المتحدة أخيراً، الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، في إجراء هو الأول من نوعه، في تصنيف جزءٍ من القوات المسلحة لدولة ما مجموعة إرهابية. كذلك قررت واشنطن إلغاء الاستثناءات المعطاة للدول لشراء النفط الإيراني، بغرض منع إيران من تصدير النفط تماماً. كما أضيفت عقوبات أخرى على قطاع التعدين، وهو الثاني في الاقتصاد الإيراني بعد النفط. وأصبح الوضع صعباً على النظام الإيراني الذي يواجه مصاعب اقتصادية واستياءً شعبياً.

اتبعت إيران سياسة متحدّية، وأعطت مهلة للدول الأوروبية من أجل التعامل معها، وإلا انسحبت من الاتفاق النووي الذي انسحب منه ترامب، بينما بقيت أوروبا ملتزمة به. تم رفض المهلة الإيرانية مباشرة، لكن الولايات المتحدة أعلنت قلقها من إجراء آخر، تقول إن إيران اتخذته، وهو أنها أعطت الضوء الأخضر للجماعات المرتبطة بها في الشرق الأوسط لأن تهاجم المصالح الأميركية. دخلت أميركا إثر ذلك في حالة إنذار عسكري وسياسي. وأعلن الأسطول الخامس الأميركي المتمركز في الخليج العربي حالة التأهب القصوى، وصدر تحذير لكل السفن الأميركية المدنية أيضاً باحتمالية استهدافها من إيران وتم إرسال تعزيزات عسكرية إلى المنطقة، أهمها حاملة الطائرات العملاقة إس إس أبراهام لنكولن. لكن كل تلك الإجراءات هي إجراءات حماية وتأهب للرد على أي هجوم، وليست استعدادات بدء حرب أو ضربة واسعة لإيران حتى الآن، فأميركا لا تهدف إلى بدء حرب مع إيران، والأهم أن إدارة ترامب، وعلى الرغم من تصعيدها الهائل الضغوط على إيران، فإنها لا تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني، بل إلى تقييده. حتى إن ترامب قال في عز الأزمة قبل أيام، إنه يريد أن يتصل به القادة الإيرانيون من أجل التفاوض، وذلك هو السبيل الوحيد لإنقاذ إيران من مصاعبها الاقتصادية الكبيرة. لكنه أضاف، ويا للغرابة، أنه يريد أن تكون إيران قوية وعظيمة! كانت الردود الإيرانية المعلنة واضحةً في رفض عرض ترامب التفاوض، ولكن في السياسة كل شيء وارد وممكن، وقد تكون هناك اتصالات سرية موجودة الآن مع كل هذا التصعيد. في الحقيقة، كانت هناك قناة هاجمها ترامب، هي وزير الخارجية السابق جون كيري، الذي التقى الوزير الإيراني جواد ظريف مراتٍ منذ بدء إدارة ترامب. ولكن ما تسرب من تلك اللقاءات، أن كيري طالب ظريف بعدم الانسحاب من الاتفاق النووي، والصبر حتى عام 2020، حيث يعتقد الحزب الديمقراطي أنه سيهزم ترامب في الانتخابات الرئاسية، ثم العودة إلى الاتفاق النووي. هاجم ترامب كيري بشدة، واتهمه بالخيانة، ودعا الإيرانيين إلى الاتصال به مباشرة.

الساحة العراقية مهمة جداً في المواجهة الإيرانية الأميركية، وقد ألغى وزير الخارجية بومبيو زيارة لألمانيا، وتوجه إلى بغداد. وما صدر عن مباحثاته فيها طلبات دفاعية الطابع، تتلخص في الحصول على تعهد عراقي بحماية القوات الأميركية في العراق من أي هجوم للجماعات العراقية المرتبطة بإيران. وقد استخدم هو مصطلح الحماية. ولذلك ليس الحديث هنا عن ضغط أميركي على العراق، لأن يتخذ جانب أميركا في أي مواجهة عسكرية قد تحصل. وأطلع بومبيو المسؤولين العراقيين على أدلة توجيهات إيران للمرتبطين بها لمهاجمة المصالح الأميركية، ثم عاد الى بلاده مارّاً ببريطانيا، حليف الولايات المتحدة الأقرب، وشريكتها في أي حرب.

الوضع ملتهب في المنطقة. ولكن ليس هناك تحشيد إعلامي في واشنطن لحرب مع إيران، فالاستراتيجية الأميركية هي تصعيد الضغط الاقتصادي حتى ترضخ طهران لترامب، وتوقع اتفاقاً وفق شروطه هو، قد يختلف كثيراً أو قليلاً عن الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة سلفه أوباما وانسحب هو منه، لكن أميركا لن تبدأ بالضربة العسكرية، هي فقط تزيد استعدادها للرد.

أما خيارات إيران فمحدودة جداً، وخصوصاً مع التحذير الأميركي الذي اعتبر أي هجومٍ من

أيّ قوة مرتبطة بإيران هجوماً إيرانياً مباشراً. أصبحت الحرب بالنيابة صعبةً، لكنها تبقى خياراً أمام النظام الإيراني المحرج اقتصادياً، والقلق من التحركات الشعبية الداخلية التي تراهن عليها الإدارة الأميركية في التغيير. على الأرجح، ستلجأ طهران لاستمرار التصعيد اللفظي والسياسي من غير أي عمل عسكري مباشر، قد يستدعي رداً أميركياً مؤلماً. قد يوافقون على دعوة ترامب إلى التفاوض، وخصوصاً إذا خفف من شروطه وعقوباته. بمفاوضات مع الرئيس الأميركي أو بدونها، قد يصبر الإيرانيون، وهم المعروفون بالصبر، عاماً ونصف العام، إلى أن يخسر ترامب الانتخابات العام المقبل، ليصعد الحزب الديمقراطي إلى الحكم في أميركا، وخصوصاً أن المرشح الأبرز هو نائب أوباما، جو بايدن، من أجل العودة إلى اتفاق شبيه بالذي مزّقه ترامب.

لو كان الأمر متعلقاً ببولتون..لكانت الحرب قد اندلعت/ منال نحاس

“لو كان الأمر يعود إلى جون بولتون، لكنا اليوم نخوض 4 حروب”، نقل مسؤول أميركي بارز عن الرئيس الأميركي قوله هذا ممازحاً مستشاره للأمن القومي ونازعه الكبير إلى الحرب.

صحيفة نيويورك تايمز سلطت الضوء في الأيام الاخيرة على الخلافات الداخلية في إدارة ترامب. وعلى رغم نفيه تقارير هذه الصحيفة ووصفه إياها في “تويتر” بأنها “أخبار كاذبة”، بدا ما نُقل عنه، ومفاده أنه لا يرغب في تصادم حربي ولا في انزلاق الحملة الكبيرة على إيران إلى حرب، وكأنه يؤكد الخلاف بينه وبين مساعديه الصقور. فالرئيس الاميركي يتحفظ عن المغامرات العسكرية في وقت يبدو أن كبار مستشاريه، على رأسهم جون بولتون، يشتهون مواجهة عسكرية مع إيران.

ويرى فيبين نارانغ، وهو أستاذ مساعد في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، في هذا النفي تفريطاً بالردع المترتب على تلويح ترامب بشنّ ضربة عسكرية أميركية أو اسرائيلية إذا أوشكت على تصنيع قنبلة نووية. ويخشى مراسل الشؤون العسكرية في نيويورك تايمز ديفيد سانجر، أن يسلك ترامب على ما فعل في أزمة كوريا الشمالية. فهو توعدها بـ”النيران والغضب” في 2017 إثر إجراء اختبارات صاروخية ونووية، ثم حين التقى بالديكتاتور الكوري الشمالي أعلن أن الخطر النووي انقضى، في وقت كان نظام بيونغ يونغ يواصل أنشطته النووية.

ويرى مسؤولون في البنتاغون أن الخطوات التي طالب بومبيو طهران بالتزامها؛ ومنها وقف التجارب الصاروخية الباليستية ووقف دعم ميليشيات في سوريا واليمن، غير واقعية، وتُحكم الطوق على إيران و”تحشرها في الزاوية”. وسبق لبومبيو أن قال ان السياسة الاميركية ترمي إلى النفخ في الاضطراب الداخلي الإيراني. ولكن على رغم خطابه المتشدد إزاء إيران، بومبيو، على خلاف بولتون، ينحني أمام ما يريده ترامب، وتتوقع “نيويورك تايمز، أن يُقبل على الديبلوماسية مع طهران على ما فعل في قضية كوريا الشمالية. وما تقدم يسلط الضوء على غياب الإجماع الأميركي حول سبل التعامل مع طهران، في حين يرى خبراء في الشؤون الدفاعية مثل الفرنسي برونو ترترييه أن بعض الغموض مفيد في الردع، إذا ترافق مع استراتيجيا واضحة.

وربما هو مؤشر يعتد به إلى بدء التراجع عن حافة الحرب، اتصال وزير الخارجية الاميركية بسلطان عمان للتداول في مسألة الخطر الإيراني. وكانت سلطنة عمان لعبت دوراً في المفاوضات بين إيران وإدارة سلف ترامب، باراك أوباما، على الملف النووي.

وترى نيويورك تايمز أن وراء عدول دونالد ترامب عن التصعيد مع إيران اعتباره، من جهة، أن الشرق الأوسط مستنقع يجب تفادي التورط فيه، ومن جهة ثانية، ما جرى في الأمس القريب في فنزويلا.  فالحملة الاميركية “البولتونية” (نسبة إلى جون بولتون) الرامية إلى إطاحة نيكولا مادورو، عززت قبضة الأخير إثر فشل المعارضة في استمالة حلفاء الرئيس الفنزويلي وإخفاقها في حمل الجيش الفنزويلي على الانقلاب عليه. وبدأ في استشارة من هم خارج فريقه، ومنهم جاك كين، نائب قائد الاركان الاميركية السابقة ومهندس عملية رفع عدد الجنود الاميركيين في العراق. وهو أكد أن بلاده لا تتجه إلى حرب مع إيران، وأن ردها على أي استفزاز إيراني سيكون حذراً ومحسوباً وحازماً.

بُعد إقليمي

يبدو أن العراق مسرح بارز في شد الحبال الإيراني–الأميركي. فصحيفة الغارديان البريطانية، أشارت إلى أن قرار سحب الولايات المتحدة عدد كبير من موظفيها من أراضيه يعود إلى اجتماع عقده قاسم سليماني مع قيادات الحشد الشعبي وطلبه منها إعداد العدة لحرب بالوكالة. وعلى خلاف لقاءاته السابقة في السنوات الأخيرة مع “الحشد” في بغداد، بدا أن سليماني يرص صفوف القوات التابعة لفيلق القدس الايراني في هذا الاجتماع، فهو “لم يعلن الحرب ولكنه كان على وشك ذلك”، وهو لم ينأَ عنها، على قول مصدر مطلع للغارديان.

ويبدو أن النظام الإيراني يرمي الى تذكير الإدارة الأميركية بالبُعد الإقليمي الوثيق الصلة بالملف النووي الايراني، وكانت إدارة باراك أوباما أرادت فصل البُعد هذا عن البعد التقني النووي من جهة، والحؤول دون سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط، من جهة أخرى. فكأنها ارتضت نفوذاً إيرانياً “تقليدياً” على رغم أنه يُحصَّل من طريق وكلاء ووسائط هجينة غير تقليدية أو غير متكافئة، على حيازة الايرانيين قدرات نووية.

وبعد أيام على استهداف ناقلات النفط الإماراتية والسعودية وناقلة ترفع علم النرويج على بُعد نحو 164 كلم من مضيق هرمز والهجوم بطائرات درون على الخط النفطي السعودي البديل عن هرمز والمفضي الى البحر الأحمر، صادقت دول مجلس التعاون الخليجي على طلب الولايات المتحدة إعادة انتشار قواتها العسكرية في مياه الخليج وعلى أراضي دول خليجية. وإثر الهجمات في الفجيرة، سارع خبراء أوروبيون وأميركيون في الاستراتيجيا إلى التذكير بأبرز معركة بحرية خاضتها القوات الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية، وهي معركة بحرية ايرانية-أميركية دارت بين هرمز والساحل الشرقي لشبه جزيرة العرب في نيسان (أبريل) 1988. ودمرت حينها البحرية الأميركية منصتين للحرس الثوري الايراني، كانت أشبه بمدن عائمة على قول مسؤولين أميركيين عسكريين شاركوا في العملية، وفرقاطة إيرانية ومركباً لاطلاق الصواريخ و3 مراكب سريعة وقتلت 57 بحاراً إيرانية و20 عنصراً من عناصر الحرس الثوري.

وحين يشير ديموقراطيون من أمثال آرون ديفيد ميلر الى هذه المعركة وإلى نجاح بحرية بلادهم في تدمير سلاح البحرية الايرانية، ينبهون الى أن إيران استخلصت درساً بارزاً من هذه الحرب، وأنها ستخوض المعركة في الجولة المقبلة بوسائط غير تقليدية، مثل الألغام والصواريخ المضادة للسفن والزوارق السريعة والغواصات الصغيرة.

وكانت شركة التأمين النروجية Mutual War Risks Insurance Association،  في تقرير نشرته وكالة رويترز، رجحت أن الهجوم نفذه مركب توجهه درون تحت المياه كانت تحمل 30 إلى 50 كلغ من المتفجرات تنفجر حين تصطدم بالهدف، وخلصت إلى أن أوجه الشبه بين الشظايا على الناقلة النرويجية وشظايا زوارق درون سبق أن استخدمها الحوثيون في اليمن، كبيرة، على رغم أن الدرون المستخدمة في هجوم الفجيرة كانت مسيرة تحت المياه في وقت أن زوارق الحوثيين كانت “فوق المياه”.

حلفاء إيران “الدوليون”… قربٌ وبُعد

في وقت تنصلت موسكو من قرار طهران الخروج عن بعض بنود الاتفاق النووي، وإعلان الرئيس الروسي، فلادمير بوتين، أن بلاده “لن تكون قادرة على لعب دور فريق إطفاء في كل شي”، كانت ناقلة النفط الصينية، “باسيفيك برافو، تتجه إلى الشرق بعد تزودها بمليوني برميل نفط إيراني، على ما نقل موقع “بورس وبازار” الايراني. وقال الموقع الاخباري إن الناقلة تقول أن وجهتها هي إندونيسيا، ولكن وجهتها الأخيرة والفعلية هي الصين، أكبر شركاء إيران التجاريين، بحسب موقع TankerTrackers.com.

ويملك بنك كونلون الصيني، وهذه المؤسسة المالية هي من أبرز أركان التجارة الصينية–الايرانية، ناقلة النفط هذه. وهو أوقف شراء النفط من إيران في مطلع أيار حين ألغت واشنطن الاعفاءات من العقوبات. وإذا تبين أن هذه الصفقة أُبرمت بعد إلغاء الاعفاءات، قد تشير إلى تعديل في سياسة بكين أو إلى مناورة صينية أثناء المفاوضات التجارية مع واشنطن. ورُصدت هذه الحمولة النفطية في وقت كان جواد ظريف، وزير الخارجية الايرانية، يتجه الى بكين حيث دعا الجهات الموقعة على الاتفاق النووي الى “خطوات عملية” لانقاذه.

ولاحظ يين غانغ، الخبير في شؤون الشرق الأوسط في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية في حديث مع “وول ستريت جورنل”، أن الحال الايرانية شائكة في موازين بكين. فالنزاع الدائر معها لا يقتصر على الولايات المتحدة بل هو نزاع بينها وبين الدول العربية، في وقت تنتهج الصين ديبلوماسية متوازنة في الشرق الأوسط وتأمل في التعامل تجارياً… مع الجميع”. وترى بكين أنها لن تتضرر من وقف الصادرات النفطية الايرانية إليها، وترجح أن دول الخليج ستعوض هذا النقص النفطي وتلبي حركة الطلب الصينية على النفط، بحيث يصعب على طهران استعادة مكانتها “النفطية” في الصين حين تُرفع العقوبات.

المدن

واشنطن – طهران : الاحتقان الذي يسبق التفاوض/ بادية فحص

هل تذهب الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى الحرب أم التفاوض؟ لا يمكن التنبؤ بما ستؤول إليه الأوضاع، لكن في الوقت نفسه، يمكننا احتساب العلامات التي تجعل أحد الاحتمالين يتفوق على الآخر.

من خلال جردة قام بها “درج” حول آراء عدد من الصحافيين والمحللين السياسيين داخل إيران، يتبين أن الرأي العام الإيراني، يعتقد أن التوتر الديبلوماسي، الذي حكم العلاقة بين البلدين طيلة 40 سنة، أي منذ تاريخ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، لم يصل إلى أقصى مستوياته كما هو حاصل الآن، ولعل التوتر الحاصل حاليا، هو أحد المؤشرات الدالة على أن البلدين ذاهبان إلى مفاوضات قد تكون سرية أو علنية وليس إلى الحرب.

فمن يظن أن الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة، سوف تتواجهان في حرب ضارية، ولن تجتمعا على طاولة المفاوضات، هو مخطئ في حساباته، فلا إيران مستعدة أن تفرط بمكتسباتها في المنطقة، أو تعرض نظامها للاهتزاز، ولا الولايات المتحدة في وارد تكرار تجربتي أفغانستان والعراق، فما يهمها ليس “إزالة إيران من الوجود”، إنما ضمان عدم امتلاكها سلاحاً نووياً فقط. 

فمن جهة إيران، أعلن مرشد الجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي، خلال جلسة مشاورات مع شخصيات سياسية وعسكرية حول المستجدات، أن إيران لن تتفاوض مع الولايات المتحدة حول برنامجها النووي، وشبّه التفاوض ب”السم القاتل”، لكنه في الوقت نفسه، أكد أنه لن يكون هناك مواجهة عسكرية مع الأميركيين، لأن إيران لا تسعى إلى الحرب، ولا حتى الأميركيين أنفسهم، لأنهم يدركون أنها لن تكون في صالحهم، وخيار الشعب الإيراني هو “المقاومة”، وهذا ما سيجبر أميركا على التراجع بحسب خامنئي.

من جهة الولايات المتحدة، فقد يطيح شنّ حرب على إيران، بأحلام دونالد ترامب بفترة رئاسية ثانية، حيث ستزخم في حال حصولها، موقف خصومه، كما حصل مع جورج بوش الأب بعد حرب الخليج الأولى. الحالة الوحيدة التي ستدفع ترامب إلى مواجهة إيران، أن تكون إيران هي البادية، أي أن تستدرجه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلى المعركة.

وعليه، فإن كل ما تشهده المنطقة من عراضات عسكرية وتهديدات وتصريحات عالية النبرة بين الجهتين، لن يؤدي قطعاً، إلى حرب طوعية- إلا في حال حصول حادث عرضي- بل إلى طاولة التفاوض!

فهناك مؤشرات، تستدعي التوقف، كونها تظهر أن لدى الطرفين رغبة في التفاوض وليس في الحرب.

أولا: خلال زيارته الأخيرة لنيويورك أعلن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أن لديه مطلق الصلاحية للتفاوض في ملف المعتقلين بين البلدين، وهذا الإعلان بحد ذاته، مؤشر على إعطاء ظريف صلاحيات إضافية لتوسيع دائرة التفاوض مع إدارة ترامب.

ثانيا: تعيين الديبلوماسي مجید تخت‌ روانچی سفيراً لإيران في نيويورك، خطوة ذكية من ظريف، فهو أحد الشخصيات الأربعة التي قادت مفاوضات جنيف، إلى جانب ظريف ومساعده عباس عراقچی، وبعيدي نجاد، وهذا الأخير هو سفير إيران في لندن، ويشكل روانچی وبعيدي نجاد فريق عمل متجانساً ومتكاملاً، من حيث إلمامهما بتفاصيل الملف النووي وأسراره، وانطلاقا من هذه الخصوصية، بمقدروهما أن يمهدا طريق التفاوض السري غير الرسمي وغير المباشر مع الأميركيين.

ثالثا: قبل الزحف العسكري الأميركي صوب مياه الخليج، كان ترامب قد أعلن أنه ينتظر مكالمة هاتفية من الإيرانيين، وأودع رغبته السفارة السويسرية في طهران، المكلفة بإدارة المصالح الأميركية، في المقابل، لم يصدر عن الجانب الإيراني أي استنكار أو اعتراض على كلام ترامب، اللهم إلا من قبل قائد مغمور في الحرس الثوري هو يد الله جواني، وهذا يدل على أن مسؤولي الصف الأول في إيران، ليسوا بوارد أن يخيبوا أمل ترامب، بل يريدون ترك باب التفاوض مواربا، لعلهم يحسنون شروطهم قليلا.

رابعا: حتى الآن، أعلنت سلطنة عمان والصين استعدادهما للعب دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة، في الوقت ذاته، تترك إيران باب الواسطة مفتوحا أمام دولة ثالثة، مما يثبت أن إيران تفكر بالتفاوض مع الولايات المتحدة.

خامسا: يفخر روحاني في جلساته العلنية والبعيدة عن الأضواء أيضا، أنه خلال مشاركته في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، طلبت منه إدارة البيت الأبيض (ترامب) ثماني مرات، ترتيب لقاء أو إجراء محادثات جانبية، وليس بعيدا أن يستجيب روحاني لهذا الطلب في أيلول/سبتمبر المقبل في حال طرحته الإدارة الأميركية ثانية.

سادسا: تصريحات الإدارة الأميركية بشأن التفاوض غير موحدة، فكيف بشأن قرار استراتيجي كالحرب، فساعة يطرح وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، على الجانب الإيراني، 12 شرطا لبدء المفاوضات، وساعة يبدي ترامب استعداده للبدء بمفاوضات غير مشروطة، هذا التخبط، يعطي انطباعا أن نوايا الحرب “الأميركية” غير جدية.  

استنادا إلى هذه المؤشرات، يبدو احتمال وقوع حرب يريدها الطرفان، مازال مستبعداً، لكن من الممكن أن يكون هناك مصلحة لطرف ثالث أو أطراف لإشعال حرب في المنطقة، لتأديب إيران وقصقصة أجنحتها ووضع حد لهيمنتها، لذلك فإن إيران لن تبخل، بل ستبالغ في إرسال الإشارات “الضوئية الخضراء” للولايات المتحدة، من أجل الشروع في مفاوضات على وقع طبول الحرب.

درج

الشجاعة قبل الدهاء في إيران/ خيرالله خيرالله

حرب أم لا حرب مع إيران، ليست تلك هي المسألة ما دامت الحرب قائمة. يدل على أنّ هذه الحرب قائمة الاعتداءات الإيرانية على سفن تجارية قبالة ميناء الفجيرة وهجمات عبر طائرات من دون طيّار على منشآت نفطية سعودية. وراء هذه الهجمات التي نفّذها الحوثيون، تقف إيران التي تريد القول إنّ لديها أوراقها في المنطقة وأن لا حاجة لديها إلى إغلاق مضيق هرمز، الذي لا تستطيع عمليا إغلاقه لأسباب كثيرة. من بين هذه الأسباب أنّها ليست قوة عظمى تستطيع أن تفعل ما تشاء في مناطق معيّنة من العالم، كما كان يفعل الاتحاد السوفياتي، حتّى آخر ثمانينات القرن الماضي. مضيق هرمز ممرّ مائي ليس مسموحا لأحد بإغلاقه أمام الملاحة الدولية. لا إيران ولا غير إيران. في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة ما يكفي من نفوذ دولي كي تعمل بطريقة جدّية على خفض صادرات النفط الإيرانية، إلى حدّ كبير، من دون اللجوء إلى إغلاق هذا الميناء أو ذاك.

لن تفيد العمليات الإرهابية التي تلجأ إليها، أو يمكن أن تلجأ إليها، إيران مستقبلا في شيء باستثناء تسميم الأجواء، أكانت هذه العمليات مباشرة أو عبر أدوات إيرانية في المنطقة. لن تقدّم المفاوضات التي تجريها إيران مع الإدارة الأميركية، عبر سلطنة عُمان أو قطر أو العراق أو ربّما سويسرا أو تؤخر. ما يفيد في شيء هو الرغبة الإيرانية في الاعتراف بالواقع والتعاطي معه من منطلق أنّ هناك وضعا لا يمكن أن يستمرّ. هذا الوضع هو السلوك الإيراني الحالي الذي يشكّل امتدادا لوهم عمره 40 عاما.

من الواضح، أنّ هناك من يعتقد في الجانب العربي بوجود تطابق كامل في وجهات النظر مع إدارة دونالد ترامب في ما يخص إيران. هذا التطابق موجود بالفعل ويتعلّق بالخطوط العريضة التي باتت قاسما مشتركا بين الجانبين. كان الخلاف العربي – الأميركي في الماضي على الموقف من المشروع التوسّعي الإيراني الذي وضعت إدارة باراك أوباما نفسها في خدمته.

هناك الآن رؤية مشتركة عربية – أميركية للخطر الذي يمثله هذا المشروع التوسّعي القائم على التمدد في كلّ الاتجاهات عن طريق خلق ميليشيات مذهبية تابعة لإيران في هذا البلد العربي أو ذاك. الأمثلة على ذلك كثيرة، أكان في لبنان أو العراق أو سوريا أو اليمن، من دون تجاهل أن إيران سعت إلى اختراقات في البحرين والكويت وحتّى في المملكة العربية السعودية.

لم تخف السعودية ولا دولة الإمارات العربية المتحدة، عندما أعلنتا عن الاستعداد لتعويض كميات النفط الإيراني، الرغبة في المشاركة في التصدي للمشروع الإيراني الذي يشكل خطرا على كلّ دولة في الخليج العربي وفي المشرق. وهذا يعني في طبيعة الحال الاستعداد لرد فعل إيراني يستهدف تخويف البلدين، علما أنّ هناك وعيا لديهما، في شكل عام، لطبيعة النظام الإيراني والوسائل التي يستخدمها من أجل تخويف الآخر وإرهابه. تريد إيران بكلّ بساطة لعب دور القوّة الإقليمية المهيمنة. لذلك نراها تبحث عن دور شرطيّ الخليج من جهة، وتأكيد أنّها دولة متوسطية موجودة بقوّة على الساحلين السوري واللبناني من جهة أخرى.

ليس صدفة، بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء في الواحد والعشرين من أيلول – سبتمبر 2014، صدور تصريحات عن غير مسؤول إيراني عن أربع عواصم عربية باتت تُدار من طهران. هذه العواصم هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. كان المقصود بالإشارة إلى بيروت أن إيران تمتلك إطلالة على البحر المتوسط، وأن “الجمهورية الإسلامية” ليست مجرّد دولة عادية، بل تحوّلت إلى إمبراطورية.

تلعب إيران على كلّ التناقضات. التناقضات العربية – العربية، والتناقضات بين الولايات المتحدة والصين، وتلك التي بين واشنطن وموسكو، وحتّى على الاختلاف في وجهات النظر من ملفّها النووي بين واشنطن والعواصم الأوروبية المهمّة. لا يساهم هذا اللعب على التناقضات سوى في إطالة الحرب القائمة، وهي حرب في أساسها الاقتصاد، إلى إشعار آخر. لا شيء يوقف هذه الحرب إلّا حصول وعي إيراني بنهاية مرحلة معيّنة. تقوم هذه المرحلة على وجود إدارة أميركية تعرف تماما ما هي “الجمهورية الإسلامية” وما الخطر الذي تشكّله أدواتها من ميليشيات مذهبية مختلفة. من المفيد ملاحظة أن التحذيرات الأميركية لطهران لم تقتصر على “الحرس الثوري”. ربطت واشنطن بين إيران وميليشياتها بصفة كون الكلّ كيانا واحدا. يعتبر مثل هذا التطوّر أمرا في غاية الأهمّية في الحرب القائمة. لم تعد أميركا تفرّق بين الميليشيا الأمّ التي تحكم في طهران والتي تسمّى “الحرس الثوري” وتوابعها في العراق وسوريا ولبنان واليمن. يميّز هذا التطوّر المرحلة الراهنة التي تسعى إيران إلى تجاوزها من منطلق أنّ شيئا لم يتغيّر، لا عربيا ولا أميركيا.

لا شكّ أن هناك حسابات تبقى خاصة بالإدارة الأميركية. لكنّ مما لا شكّ فيه أيضا أن إيران لا تستطيع الخروج من المأزق الذي وجدت نفسها فيه من دون مقدار كبير من الشجاعة. لم يعد الدهاء وحده يكفي بعدما أدركت واشنطن أخيرا أن المشكلة مع إيران ليست في ملفّها النووي. المشكلة في سلوكها خارج حدودها. هذا كلّ ما في الأمر. الأسوأ من ذلك كلّه أن ليس لدى إيران ما تصدّره إلى خارج حدودها غير البؤس والتخلّف على كلّ صعيد.

تستطيع إيران أن تهدم مؤسسات الدولة في هذا البلد العربي أو ذاك. ولكن ما نتيجة ذلك في المدى الطويل. يظلّ لبنان الشهيد مثلا حيّا على السلوك الإيراني المطلوب تغييره. ماذا فعلت إيران بلبنان؟ ما نتيجة استثمارها الطويل المدى في “حزب الله” الذي تسعى إلى تعميم تجربته في المنطقة كلّها؟

كلّ ما يمكن قوله إنّ النتيجة خراب بخراب لحق بلبنان عموما وإحدى أكبر الطوائف فيه. استطاعت إيران تغيير طبيعة المجتمع الشيعي في لبنان، وتسعى الآن إلى تغيير طبيعة المجتمع اللبناني كلّه بعدما تمكنت من فرض رئيس للجمهورية من اختيارها على البلد.

تظلّ العبرة في نهاية المطاف في النتائج التي تتحقّق. كلّ ما تحقّق هو سلسلة من الخدمات استفادت منها إسرائيل للأسف الشديد. يكفي للتأكد من ذلك أن إيران لعبت الدور الأساسي في تفتيت سوريا عبر دعمها بشّار الأسد ونظامه في الحرب التي يتعرّض لها الشعب السوري. إذا كانت من حاجة إلى التأكد أكثر من ذلك، يكفي النظر إلى مصير القدس التي تاجرت بها طهران منذ قيام “الجمهورية الإسلامية”. أين القدس الآن بعد سنة كاملة من نقل السفارة الأميركية في إسرائيل إليها؟

هناك حرب مستمرّة. لا يوقف تلك الحرب سوى تغيير كامل في السلوك الإيراني لا أكثر ولا أقلّ. مطلوب استبدال الدهاء بالشجاعة. كل ما تبقى تفاصيل. هل في طهران من يجرؤ على اتخاذ مثل هذا القرار الشجاع؟

إعلامي لبناني

العرب

مقاربات مزدوجة: حسابات التدافع الأميركي-الإيراني

بين السادس والتاسع من شهر مايو/ أيار 2019، أعلنت الولايات المتحدة، وبصورة مفاجئة، توجُّه حاملة الطائرات لنكولن إلى منطقة الخليج. كما أعلنت إضافة عدد من القاذفات الاستراتيجية، بي 52، وبطاريات صواريخ باتريوت، للحشد العسكري بحريًّا وجويًّا في الخليج. المبرِّر الذي قدَّمه كبار إدارة الرئيس ترامب لهذا التصعيد العسكري، في منطقة بالغة التوتر أصلًا، هو وجود معلومات تشير إلى عزم إيران، بصورة مباشرة أو عبر أدواتها في المنطقة، تهديد أهداف أميركية أو أهداف حلفائها. وحسب مسؤولين أميركيين، يأتي إرسال قوة أميركية ضاربة إلى الخليج لإتاحة خيارات للرئيس، دونالد ترامب، في حال قامت إيران بعمل عدائي.

بصورة متزامنة، في 7 مايو/ أيار، أُعْلِن عن إلغاء زيارة مقررة لوزير الخارجية الأميركية إلى ألمانيا، وسرعان ما اتضح أن الوزير مايك بومبيو وصل إلى بغداد في زيارة استغرقت أربع ساعات فقط، التقى خلالها برئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، ورئيس الجمهورية، برهم صالح.

لم يكد بومبيو ينهي زيارته السريعة للعراق حتى قام الرئيس الأميركي ترامب، في 8 مايو/ أيار، بتوقيع قرار رئاسي جديد يوسع من نطاق العقوبات على إيران، ثقيلة الوطأة أصلًا، لتطال الصناعات المعدنية الإيرانية. وكما في حزمة العقوبات السابقة، التي شملت صناعة النفط الإيراني وتصديره، يقضي القرار الجديد بفرض عقوبات ثانوية على الشركات والمؤسسات غير الإيرانية إِنْ تعاونت مع إيران في حقل الإنتاج المعدني.

كلا الطرفين، الولايات المتحدة وإيران، يؤكد على أنه لا يرغب في دفع الأمور إلى المواجهة العسكرية. ولكن التصعيد الأميركي بطبيعته يستدعي ردًّا إيرانيًّا، لاسيما أن طهران لا ترى أنها في مواجهة مع الولايات المتحدة وحسب، بل ومع حلفائها الخلص في الإقليم كذلك: السعودية والإمارات. وقد وصل التوتر حدًّا دفع ممثلين ديمقراطيين وجمهوريين في الكونغرس إلى التحذير من تدهور الوضع، بغير تخطيط مسبق من أي من الطرفين، إلى حرب لا تحمد عواقبها، مذكِّرين بأن ترامب انتخب على وعد بوضع نهاية لتورط الولايات المتحدة في حروب الشرق الأوسط.

فعلى أي أسس يبني أطراف هذه الأزمة المتفاقمة حساباتهم؟ وأي خيارات يملكها كل من أطراف الأزمة؟ وهل توحي مؤشرات التصعيد بين الطرفين بحقيقة ما يجري بالفعل من اتصالات بينهما؟

الحسابات الأميركية

عقب كل إجراء تتخذه إدارة ترامب ضد إيران، يكرِّر الرئيس الأميركي ومسؤولو الإدارة الرئيسيون أن واشنطن لا تريد حربًا مع إيران، بل التفاوض للتوصل إلى اتفاق جديد حول المشروع الإيراني النووي. بل إن ترامب دعا لعقد لقاء مع المرشد الإيراني، علي خامنئي، على غرار لقائه بالرئيس الكوري الشمالي، كيم جونغ أون. ترامب، بالطبع، لم يُخْف معارضته الاتفاق الذي توصلت إليه الدول الست (الولايات المتحدة والأعضاء الدائمون في مجلس الأمن، إضافة لألمانيا) بخصوص المشروع النووي الإيراني، في يوليو/ تموز 2015. وكان أعلن خلال حملته الانتخابية عزمه انسحاب أميركا من الاتفاق، ضاربًا عرض الحائط بالطبيعة الدولية للاتفاق. ولذا، فليس من الغريب أن يربط المسؤولون الأميركيون بصورة تلقائية بين العقوبات المتلاحقة والدعوة للتفاوض على اتفاق نووي جديد.

ولكن المؤكد، أيضًا، أن الدعوة الأميركية للتفاوض لا تنتهي هنا. فالتفاوض الذي يريده الأميركيون، كما صرح بوضوح مبعوت إدارة ترامب لشؤون إيران، مساء 8 مايو/ أيار، مشروط بأن تُنْهِي إيران دعمها للإرهاب، وأن يقوم النظام في طهران بتغيير إيجابي في طرق تعامله مع الشعب الإيراني. بمعنى، أن إدارة ترامب تتبع سياسة مختلفة كلية تجاه ملف إيران النووي عن تلك التي اتبعتها إدارة أوباما. ففي حين فَصَل الرئيس السابق، باراك أوباما، كلية بين الملف النووى وسائر ملفات الخلاف الأخرى مع إيران، تنتهج إدارة ترامب سياسة الحزمة الكاملة: الملف النووي، النفوذ الإيراني الإقليمي، والسياسات الإيرانية المناهضة للمصالح الأميركية في الإقليم وأمن إسرائيل.

حققت إيران في قفزات ثلاث خلال العقدين الماضيين ما يضعها على حافة الموقع المهيمن في الشرق الأوسط. فقد أحدث غزو العراق في 2003 فراغًا مباشرًا في جوار إيران العراقي اللصيق. وقد أفسح الانسحاب الأميركي من العراق بعد ذلك المجال لتعزيز هذا النفوذ، وبناء تحالف وثيق مع سوريا، كما وفَّر دعمًا هائلًا لحزب الله في لبنان. وعندما قررت إدارة أوباما العودة إلى المنطقة لمواجهة تهديد تنظيم الدولة، اضطرت لغض النظر عن النفوذ الإيراني المباشر في الساحتين العراقية والسورية، نظرًا للدور الذي لعبته إيران في محاربة التنظيم. وخلال السنوات القليلة الماضية، أصبحت إيران، بصورة عسكرية مباشرة، أو عبر حلفائها، لاعبًا رئيسًا في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

ما يشير إليه التصعيد الأميركي ضد إيران، باختصار، أن أهداف إدارة ترامب تتجاوز الملف النووي. فمستوى العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على إيران لم تصل إليه أية إدارة سابقة، ولا حتى عقب احتجاز الرهائن الأميركيين في سنوات الجمهورية الإسلامية الأولى، ومؤشرات استعداد واشنطن للتعامل بالمثل مع أي استفزاز إيراني عسكري لم يعد ثمة مجال لتجاهله. وبالرغم من انتقادات الكونغرس والمنظمات الحقوقية الدولية، تستمر واشنطن في توفير الدعم اللوجستي والاستخباراتي للسعودية والإمارات في حرب اليمن. وإلى جانب استمرار الوجود العسكري الأميركي في العراق، أرسلت واشنطن رسالة واضحة للنظام السوري وحلفائه الروس بأن عملية إعادة إعمار سوريا لن تبدأ قبل أن تنسحب منها إيران والميليشيات التابعة لها.

ما تراه إدارة ترامب أن الضغوط الاقتصادية على إيران ستصل في النهاية مستوى يدفع طهران إلى التفاوض حول الملف النووي ومسائل الخلاف الإقليمية على السواء. وحتى الوصول إلى تلك المحطة ستنشر واشنطن في جوار إيران الخليجي قوة ردع كافية لدفع القادة الإيرانيين للتفكير مليًّا قبل تعهد أي تحرك يهدد مصالح أميركية أو مصالح حلفاء الولايات المتحدة. في النهاية، تعمل إدارة ترامب على أن تجبر النظام الإيراني على توقيع اتفاق حول الملف النووي أكثر تشددًا، وعلى تراجع ملموس في الإقليم، لاسيما في سوريا. ويعتقد البعض في إدارة ترامب أن إيقاع هزيمة مزدوجة بنظام الجمهورية الإسلامية، مقرونة بمصاعب اقتصادية متعاظمة، سيدفع قطاعات واسعة من الشعب الإيراني إلى التحرك ضد النظام وقادته.

حسابات إيران

لم تكن إيران تسعى إلى هذه المواجهة، ولم تكن تريدها. نظرت حكومة روحاني إلى الاتفاق حول الملف النووي مع الدول الست، الذي هو في جوهره اتفاق إيراني-أميركي، باعتباره انتصارًا للإرادة الإيرانية. ولم يكن خافيًا أن إيران حققت مكاسب كبرى في العام أو العامين الأخيرين من إدارة أوباما. فقد بدأ جدار العقوبات الأميركية والدولية في التشقق، كما استعادت إيران مئات الملايين من الدولارات المحتجزة في بنوك أجنبية، في حين غضت إدارة أوباما النظر عن انتشار قوات الحرس والميلشيات الطائفية في سوريا، وعن تحول الميليشيات الموالية لإيران في العراق إلى قوات حشد رسمية قانونية، تمولها وتسلحها الدولة العراقية. وسرعان ما تحقق توافق لبناني على رئاسة الدولة وتشكيل الحكومة، ارتكز إلى توازن قوى مائل لصالح حلفاء طهران. ولم يكن مستغربًا في ظل هذا المناخ الإقليمي أن يندفع حلفاء إيران في اليمن لتحقيق سيطرة كاملة على البلاد.

لاحظت إيران بالتأكيد أن الرئيس ترامب يحمل توجهات مناهضة للاتفاق النووي والنفوذ الإيراني في الإقليم. ولكن القيادة الإيرانية حسبت أن الطابع الدولي للاتفاق، والصعوبات التي واجهتها رئاسة ترامب، منذ دخوله البيت الأبيض، توفر حماية كافية للاتفاق. وربما يمكن القول: إن طهران فوجئت بالفعل عندما اتخذ الرئيس ترامب قراره بالانسحاب من الاتفاق في مايو/ أيار 2018، وإعلان عزمه فرض عقوبات جديدة على إيران. ولكن، حتى تلك اللحظة، اعتقد القادة الإيرانيون أن رفض أوروبا وروسيا والصين القرار الأميركي سيوفر وسائل كافية لمواجهة نظام العقوبات الأميركي.

بيد أن إيران فوجئت من جديد بحجم العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب، والتي تصاعدت حزمة بعد الأخرى. كما أن الآمال الإيرانية التي عُلِّقت على الأوروبيين وقدرتهم على تأسيس نظام مستقل للتجارة مع إيران، يوفر مناعة وإن جزئية من العقوبات الأميركية، كان مبالغًا فيها. وطبقًا للمصادر الإيرانية، لم تكن المجموعة الأوروبية، حتى منتصف مايو/ أيار 2019 قد قامت بأية خطوة ذات معنى في تسهيل حركة مصادر الطاقة والمعاملات المالية الإيرانية.

على العكس، تراجع التبادل التجاري الإيراني مع ألمانيا، شريك إيران التجاري الأوروبي الرئيس، بصورة ملموسة. أما في آسيا، فقد بدأت الهند، أحد المستوردين الكبار للنفط الإيراني، في البحث عن مصادر نفط بديلة. وبالرغم من عدم توفر إحصائيات دقيقة لمستويات الصارات الإيرانية النفطية لتركيا والصين، وطبيعة التبادل الاقتصادي بين إيران وهاتين الدولتين، اللتين عارضتا العقوبات الأميركية، فليس من المتوقع أن تستطيع الشركات الصينية والتركية مقاومة نظام العقوبات طويلًا.

المشكلة التي تواجه إيران أن صادرتها من النفط والغاز للدول الأوروبية، ولتركيا والهند، وتجارتها مع هذه الدول، تتم في أغلبها مع القطاع الخاص وليس مع شركات تملكها الدولة. وحدها الصين تدير فيها الدولة قطاعًا هامًّا من صناعة الطاقة. ولذا، فحتى إن أعلنت ألمانيا، مثلًا، معارضة العقوبات على إيران، سيصعب على الدولة حماية شركات القطاع الخاص من العقوبات الثانوية التي تهدد بها واشنطن كل من يتعامل مع إيران. وحدها الشركات والبنوك التي لا تنشط، ولا تخطط للنشاط، في السوق الأميركية يمكنها مقاومة العقوبات والاستمرار في التعامل مع إيران. ولكن طبيعة السوق العالمي، والموقع الذي تحتلُّه الولايات المتحدة في هذه السوق، تجعل عدد هذه الشركات والبنوك قليلًا بالفعل، ووزنها غير ذي جدوى لمساعدة إيران على اختراق جدار الحصار الأميركي.

فماذا تبقى لإيران إذن في مواجهة ضعف موقف المجموعة الأوروبية والشكوك المحيطة بقدرة الدول الأخرى على مقاومة التهديدات الأميركية. لم يتبق في يد إيران سوى اتفاق 2015 ذاته، أو استخدام العنف، أو محاولات اختراق نظام العقوبات المتفرقة عبر أسواق بديلة مجاورة، أو اللجوء إلى كل هذه الوسائل معًا.

المؤكد، طبقًا لتقارير منظمة الطاقة النووية، أن إيران، حتى بعد انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق، حافظت على التعهدات التي فرضها الاتفاق عليها. ولكن إعلان ترامب، في 22 أبريل/نيسان 2019، انتهاء مهلة إعفاء بعض الدول من العقوبات، وعزمه اتخاذ سلسلة من الإجراءات التصعيدية، دفع طهران في 8 مايو/أيار إلى توجيه إنذار للدول الخمس الأخرى الموقعة على الاتفاق بأنها ستعلق التزامها ببعض شروط الاتفاق إنْ لم تقم هذه الدول، خلال ستين يومًا، باتخاذ إجراءات ملموسة لمساعدة إيران على مواجهة نظام العقوبات الأميركي. وطبقًا للخارجية الإيرانية، يتعلق الإنذار بصورة خاصة بعودة إيران إلى تخصيب اليورانيوم بمستوى 20 بالمئة، وإعادة تشغيل معمل آراك الخاص بالماء الثقيل. وتشير مصادر إسرائيلية إلى أن قرار تعليق التعهدات الخاصة بتخصيب اليورانيوم والماء الثقيل يعني أن إيران سيكون بإمكانها إنتاج سلاح نووي خلال عامين، وهو الهدف الذي تنكر طهران كلية السعي إلى تحقيقه.

الإنذار الإيراني بتعليق الالتزام بتعهدات الاتفاق كان واضحًا وصريحًا. وكذلك كان رد الفعل الأوروبي. وقعت الدول الأوروبية الرئيسة، بما في ذلك بريطانيا وألمانيا وفرنسا، بيانًا مشتركًا حذرت فيه طهران من الإخلال بالتزاماتها تجاه اتفاق 2015. ولكن تعليقًا لم يصدر من الصين وروسيا، الدولتين الأخريين المعنيتين بالإنذار الإيراني.

الوسيلة الثانية التي يمكن أن تلجأ إليها إيران هي التبادلات الخفية عبر الأسواق المجاورة، مثل العراق وتركيا والإمارات، التي استخدمتها إيران من قبل للإفلات من العقوبات التي فرضتها إدارة أوباما في المرحلة السابقة على توقيع اتفاق 2015. المشكلة أن الصفقات التي يمكن عقدها في هذه الأسواق لا تكون كبيرة عادة، وأنها تتم بشروط مجحفة للجانب الإيراني، سواء في مجال بيع النفط أو الغاز، أو شراء السلع والمواد الضرورية، وأنها تتطلب غض نظر متعمدًا من حكومات هذه الدول.

أما الوسيلة الثالثة فهي الأكثر خطرًا، والتي يصعب حساب عواقبها. فقد يصل الإيرانيون في لحظة ما إلى قناعة بأن حصارًا بهذه الوطأة، تفرضه الولايات المتحدة وتتعاون السعودية (التي تعهدت بضخ ما يقارب 2 مليون برميل نفط إضافي لتعويض الحظر على صادرات النفط الإيراني) في فرضه، يتطلب ردًّا من النوع ذاته. قد لا يصل هذا الرد إلى استهداف الأميركيين أنفسهم في المنطقة، ولكنه قد يستهدف الأمن السعودي، أو البحريني، سواء باستخدام خلايا نائمة أو الحلفاء الحوثيين، أو حتى الملاحة في الخليج، إن لم يكن كليًّا فجزئيًّا. وقد سبق لرئيس الحكومة العراقية، عادل عبد المهدي، أن حذَّر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال زيارته باريس مؤخرًا، من أن طهران يكفيها أن تلجأ لإغراق ثلاث سفن إيرانية في مضيق هرمز، ليكون ذلك كافيًا لتعطيل الملاحة عبر المضيق ورفع سعر النفط إلى ما يزيد عن 120 دولارًا للبرميل.

مقاربات مزدوجة

طبقًا لوسائل إعلام أميركية، أعرب الوزير الأميركي، مايك بومبيو، خلال زيارته للعراق عن القلق من احتمال استخدام إيران ميليشيات عراقية موالية لها لاستهداف العسكريين الأميركيين في العراق، ودعا الحكومة العراقية لإحكام سيطرتها على قوات الحشد الشعبي. كما طرح بومبيو، لمساعدة العراق على التخلص من اعتماده على إيران في تلبية احتياجاته من مشتقات النفط، مشاريع أميركية لتطوير صناعة النفط العراقية. ولكن مصادر موثوقة أكدت أن اللغة التي استخدمها بومبيو في لقائه مع رئيس الحكومة العراقية كانت أبعد ما تكون عن التهديد، بل أقرب للغة التهدئة والاستعداد للمساومة.

أوضح بومبيو لعبد المهدي أن الرئيس لا يريد حربًا مع إيران بأي صورة من الصور، ولكنه في الوقت ذاته يريد اتفاقًا جديدًا وانسحابًا إيرانيًّا من سوريا. وعندما أشار عبد المهدي إلى أن كرامة الإيرانيين لا تسمح لهم بفتح اتفاق 2015 للتفاوض من جديد، وافق بومبيو على مقترح أن يجري التفاوض على ملحق للاتفاق ليس إلا، مشيرًا إلى أن نجاح المفاوضات سيؤسس لعلاقات جديدة بين إيران والولايات المتحدة، وأن الأخيرة على استعداد للمساهمة في نهضة اقتصادية إيرانية.

في اليوم التالي لزيارة بومبيو، أرسل عبد المهدي مبعوثًا عراقيًّا لاطلاع الإيرانيين على محادثاته مع بومبيو. فوافق الإيرانيون، من حيث المبدأ، على فكرة التفاوض على ملحق إضافي لاتفاق 2015، ولكنهم اشترطوا أن تقوم واشنطن بإلغاء، أو على الأقل تجميد، سلسلة العقوبات التي فرضتها على إيران منذ أعلن الرئيس ترامب انسحابه من الاتفاق.

ما تكشفه هذه التطورات في سياق الأزمة أن كلا الطرفين يُظهر خلف الأبواب المغلقة مرونة لا تتفق كلية مع التشدد وخطوات التصعيد المعلنة. ولكن هذا لا يعني أن التصعيد وهمي. ثمة قدر من عدم الثقة المتبادل بين الطرفين يجعل من المبرر الاحتياط لنوايا الطرف الآخر. فحجم العقوبات الذي فرضته الولايات المتحدة يمكن أن يكسر ظهر الاقتصاد الإيراني، في الوقت الذي لا تبدو أوروبا ولا الصين وروسيا قادرة على توفير منافذ كافية للالتفاف على هذه العقوبات. من جهة أخرى، يمكن لقدرات إيران الذاتية، وأدواتها الأخرى المنتشرة في المنطقة، أن تشكل تهديدًا جديًّا للمصالح الأميركية ولمصالح حلفاء أميركا في السعودية والخليج عامة.

أزمة على مفترق الطرق

تعتقد إدارة ترامب أن منظومة العقوبات التي فرضتها على إيران ستكون كافية لتركيع القيادة الإيرانية، لاسيما أن إيران ستجد نفسها بمرور الوقت في صحبة عدد أقل من الأصدقاء، القادرين على مساعدتها. ولكن الواضح أن الولايات المتحدة لا تملك خطة بديلة في حال قررت القيادة الإيرانية الصمود في مواجهة العقوبات، وتمضية الوقت بمحاولة تدبير حاجات البلاد الضرورية بهذه الوسيلة أو تلك. هناك في واشنطن بالتأكيد شخصيات فاعلة، مثل سكرتير مجلس الأمن القومي، جون بولتون، تنتمي إلى دائرة حروب الشرق الأوسط التي تبنتها إدارة بوش الابن، وتعتقد أن حسابات تلك الحروب لم تقفل بعد، لأن ضربة موجعة كان لابد أن توجه لإيران.

وثمة مؤشرات على أن السعودية، حليف الولايات المتحدة الرئيس في المنطقة وخصم إيران اللدود، وإسرائيل، التي لم تزل قلقة من القدرات النووية الإيرانية، تأملان أيضًا أن تتطور الأزمة إلى مواجهة مسلحة بين الطرفين. ولكن أغلبية قادة الإدارة الأميركية، بما في ذلك الرئيس، لا تريد حربًا مع إيران. فإلى جانب أن ترامب وعد بخروج أميركي كامل من ساحات الحرب الشرق أوسطية، التي وصفها بباهظة التكاليف وغير مجدية، فإن حربًا مع إيران قد لا تكون قصيرة ولا دون خسائر مؤلمة، وقد توجه ضربة قاضية لاحتمالات إعادة انتخاب ترامب رئيسًا.

في الجانب الإيراني، ثمة متشددون كذلك، لاسيما في دوائر المحافظين التقليديين والحرس. وقد عارض هؤلاء اتفاق 2015 أصلًا، ويرون أن تفاوضًا جديدًا مع الأميركيين لن يؤدي إلا إلى مزيد من القيود والإهانات لإيران. ولكن روحاني وحكومته، وربما عددًا من المحيطين بمرشد الجمهورية، يدركون حجم الخراب الذي يمكن أن توقعه العقوبات بالاقتصاد الإيراني، ويعرفون أن الحرب إذا اندلعت قد لا تكون محمودة العواقب، حتى إنْ استطاعت إيران إيقاع بعض الأذى بالأميركيين وحلفائهم في الإقليم. وعندما تؤخذ الهوة المتسعة بين نظام الجمهورية الإسلامية وشعبه في الاعتبار، فلابد أن تكون مخاوف قادة النظام في طهران أكبر مما هو باد للعيان. ولا شك أن قيادات النظام لم تزل تذكر كيف احتفل الإيرانيون في الشوراع بتوقيع اتفاق 2015، والآمال التي حملها الاتفاق بخروج بلادهم من العزلة وعنق الزجاجة الاقتصادية.

وربما تبدو الأزمة اليوم أقرب إلى المسألة الكورية الشمالية قبل أن تنجح الوساطات في ترتيب لقاء الرئيس الأميركي بالرئيس الكوري الشمالي. ففي لحظة من التوتر البالغ، مضت الولايات المتحدة في حشد قطعها البحرية الضاربة ليس بعيدًا عن سواحل شبه الجزيرة الكورية، بينما أظهرت بيونغيانغ عزمًا بدا غير قابل للمساومة لتجربة مقدراتها النووية والصاروخية واستعراضها.

يمكن بالفعل للولايات المتحدة وإيران الذهاب نحو جولة جديدة من المفاوضات للتوصل إلى ملحق إضافي لاتفاق 2015، وبالنظر إلى أن إيران تواجه موقفًا حرجًا في سوريا، حيث تتواصل الضربات الإسرائيلية لقواعدها وعناصرها بدون أن تحرك الدفاعات الجوية الروسية ساكنًا، وحيث تعمل موسكو بصورة لم تعد خفية على خروج إيران وميليشياتها، فليس من المستبعد أن تقبل طهران بالانسحاب العسكري من سوريا. ولكن من المستبعد أن تحاول واشنطن إخراج إيران من لبنان والعراق واليمن. فالنفوذ الإيراني في هذه الدول يستند إلى قاعدة شعبية وسياسية ذات طابع طائفي، ومن المستحيل اقتلاعه بضغوط خارجية. هذا، علاوة على كون سياسة إدارة ترامب تقوم على دفع الحلفاء الإقليميين لتحمل مسؤولياتهم في التعامل مع التحديات الإقليمية، على أن تقوم الولايات المتحدة بتقديم ما تراه مناسبًا، وبأثمان مدفوعة مسبقًا، للجهود الحليفة. بمعنى آخر، تعتقد واشنطن ترامب أن لبنان في النهاية يمكن أن يتكفل به الإسرائيليون، كما أن إعادة التوازن إلى اليمن والعراق لابد أن يُترك للجهود العربية والسعودية.

هذا مسار ممكن بالتأكيد، ولكن من المحتمل أيضًا أن تشتعل شرارات عديدة تؤدي، سواء بقصد وتخطيط من أحد الأطراف، أو نتيجة لحسابات خاطئة، وبغير قصد، لاندلاع الحرب. عندها، لن تنتهي الأمور بطرف رابح، لا الأميركيين أو الإيرانيين، ولا السعوديين والإماراتيين والإسرائيليين.

الولايات المتحدة وإيران: ضغوط متصاعدة وحرب مستبعدة

صعَّدت الولايات المتحدة ضغوطاتها على إيران، فوضعت الحرس الثوري الإيراني على قائمة التنظيمات الإرهابية، ثم ألغت الإعفاءات التي كانت منحتها للدول المستوردة للنفط الإيراني، وفرضت عقوبات على قطاعات الحديد والصلب والألمنيوم والنحاس الإيرانية، وأرسلت حاملة الطائرات لنكولن على وجه السرعة لردع إيران، كما يقول البنتاغون، عن القيام بأعمال تستهدف القوات الأميركية.

من جهتها، أوقفت إيران بيع الفائض من المواد المخصبة والماء الثقيل لرفع مخزونها من هاتين المادتين، وحذَّرت، يوم 8 مايو/أيار 2019، من احتمال رفع نسبة تخصيب اليورانيوم وتحديث مفاعل آراك للماء الثقيل، إذا فشلت بقية الدول الملتزمة بالاتفاق النووي، خلال 60 يومًا، في الوفاء بالتزاماتها في القطاعين النفطي والمصرفي. وتعد هذه الإجراءات تخليًا جزئيًّا عن الاتفاق النووي وإن كانت إيران لا تعتبرها تخليًا عن الاتفاق بل تنفيذًا لمادتيه 26 و36 اللتين تجيزان لها التحلل من بعض الالتزامات إذا لم تَفِ بقية القوى بتعهداتها الواردة في الاتفاق.

ما دواعي هذه الإجراءات المتبادلة؟ وما احتمالات انهيار الاتفاق النووي؟ وهل ستدفع نحو مواجهة مسلحة بين البلدين؟ وإلى أين تتجه المواجهة بين البلدين؟

قعقعة السلاح

صعّدت الولايات المتحدة ضغوطها على إيران بالتدرج في ثلاثة مجالات هامة: عسكري، واقتصادي، وسياسي لحرمان إيران من الحصول على موارد مالية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي ومن إمكانية الرد العسكري حتى لو كان محدودًا وبالوكالة.

التصعيد العسكري: نقلت عدة تقارير عن البنتاغون اعتزامه إرسال أربع قاذفات استراتيجية، بي 52، إلى منطقة الخليج لردع أي خطط إيرانية لاستهداف القوات الأميركية بالمنطقة. وسبق ذلك، الإسراع في إرسال حاملة الطائرات الأميركية، إبراهام لنكولن، إلى منطقة الخليج استجابة لطلب القيادة المركزية الأميركية. أما عن دواعي هذه التحركات، فقد ذكر تقرير نشرته وول ستريت جورنال أن الاستخبارات الأميركية حصلت على معلومات عن خطط إيرانية لاستعمال التفجيرات والاغتيالات والطائرات المسيَّرة لضرب القوات الأميركية في اليمن والعراق والخليج والكويت وسوريا. وذكر وزير الدفاع الأميركي بالوكالة، بات شانهان، أن تكثيف الوجود العسكري الأميركي بمقربة من إيران يقصد إلى ردعها عن تنفيذ مخططاتها وليس إلى مواجهة عسكرية بين البلدين.

التصعيد الاقتصادي: فرضت الولايات المتحدة، في الأسبوع الأول من مايو/أيار 2019، عقوبات على قطاعات معدنية إيرانية تشمل الحديد والصلب والألمنيوم والنحاس، وهددت بمعاقبة من لا يلتزم بها. ورفضت من قبل، في منتصف شهر أبريل/نيسان 2019، تجديد الإعفاءات التي منحتها لبعض الدول التي تستورد النفط الإيراني، وهددت بأنها ستشرع في معاقبة كل من يستمر في استيراده بعد 1 مايو/أيار. وذكر وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، أن هدف إدارته خفض الصادرات الإيرانية من النفط إلى الصفر. وتعد مداخيل النفط الإيرانية المصدر الرئيسي للعملة الصعبة بنسبة 80 بالمئة التي تحتاجها إيران لاستيراد احتياجاتها من الأسواق الخارجية. وتعاني هذه النسبة من انخفاض مستمر نتيجة عاملين رئيسيين: انخفاض الصادرات الإيرانية من النفط، فمثلًا بلغت في 2017 نحو 2.1 مليون برميل يوميًّا، بدخل 40.4 مليار دولار سنويًّا، لكن حجم الصادرات انخفض في 2018 إلى 1.7 مليون برميل يوميًّا. العامل الثاني، هو التذبذب في أسعار البترول واتجاهها نحو الانخفاض، حيث ظلت تتأرجح بين 50 و70 دولارًا للبرميل، وهو سعر منخفض بمقاييس توازنات الميزانية الإيرانية حتى في الفترة السابقة على العقوبات.

التصعيد السياسي: اعتبرت الولايات المتحدة في بداية شهر أبريل/نيسان الفائت (2019) الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، تعد التعاملات معه تعاملات مع تنظيم إرهابي. وهي المرة الأولى التي تصنف فيها هيئة عسكرية رسمية تابعة لدولة تنظيمًا إرهابيًّا. تتفرع عن ذلك تداعيات معقدة: هل تشمل صفة الإرهاب في المنظور الأميركي الدولة الإيرانية التي تعتبر الحرس الثوري الجزء الرئيسي من قواتها المسلحة، وتتكفل بتمويله وتسليحه وتدريبه؟ وهل ستشترط الولايات المتحدة مستقبلًا على بقية الدول خاصة الدول الموقِّعة على الاتفاق النووي وقف اتصالاتها مع إيران لأنها دولة راعية للإرهاب؟ وهل تنسحب صفة التعاون مع الإرهاب على الدول التي تتعاون مع الحرس الثوري مثل دولة العراق وروسيا في سوريا؟ هل ستشترط الولايات المتحدة على إيران مستقبلًا التخلي عن الحرس الثوري كشرط لأية مفاوضات بين البلدين؟

نضوب الموارد

تحرص الولايات المتحدة على خفض مداخيل الدولة الإيرانية، خاصة من العملات الصعبة، حتى تحقق هدفين رئيسيين: دفع السكان إلى التذمر من الأوضاع والانتفاض على النظام الحاكم وإسقاطه، وإرغام النظام الحاكم على توجيه موارده المتناقصة للمصروفات الداخلية بدلًا من تمويل وكلائه بالخارج.

وقد احترزت إيران لهذه الخطة بصياغة ميزانية وفق احتمالين، آخذة بعين الاعتبار تأثير العقوبات على مداخيل البلاد: ميزانية تستند على إمكانية تصدير مليون ونصف مليون برميل من النفط يوميًّا، وأخرى تأخذ في الاعتبار تشديد العقوبات وتقوم على إمكانية تصدير بواقع مليون برميل يوميًّا، مع اللجوء إلى التقشف بالحد من المصاريف الحكومية ورفع الدعم عن السلع التي تستورد بالدولار، وجرى الإبقاء على دعم اللحوم فقط من أصل 25 سلعة أساسية، وكذلك رفع الدعم عن البنزين وتغيير سعره وإلزام الشركات الخاصة بضخ مداخيلها من العملة الصعبة في السوق. وإذا فشلت هذه الإجراءات، فإن العجز الشديد في الميزانية سيُلزم الحكومة بطرح ميزانية تكميلية تمول بالاقتراض الداخلي أو باللجوء إلى صندوق الادخار الوطني. وبلغت صادرات النفط الإيرانية في أبريل/نيسان 2018، قبل شهر من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، 2.5 مليون برميل يوميًّا.

ورغم تضارب التقديرات إلا من المتوقع أن تنخفض الصادرات النفطية الإيرانية في هذا الشهر (مايو/أيار 2019) إلى مستوى 500-700 ألف برميل يوميًّا، فيما تشير توقعات منظمة الدول المصدِّرة للنفط “أوبك”، أن تشكِّل هذه الصادرات 400-600 ألف برميل يوميًّا. ويتوقع خبراء من شركة “Energy Aspects” تراجع الصادرات النفطية الإيرانية، حتى نحو 600 ألف برميل يوميًّا.

وينذر تراجع تصدير النفط الإيراني بأزمة اقتصادية يقول صندوق النقد الدولي إنها ستؤدي إلى ارتفاع معدل التضخم إلى ما يقرب من 40% وانكماش الناتج المحلي الإيراني بنسبة 3.9 في المئة في عام 2018، حسب تقديرات الصندوق الذي توقع أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 6 في المئة في عام 2019. ويأتي هذا التراجع بعد أن نجحت حكومة الرئيس الإيراني، حسن روحاني، في خفض معدل التضخم وتحقيق نسبة نمو وصلت إلى 12.3% في العام التالي لتوقيع الاتفاق النووي وفق تقديرات البنك المركزي الإيراني، لكنه عاد إلى الانخفاض في 2017 ليصل إلى 3.7%. وفقدت العملة الإيرانية أكثر من 60 بالمئة من قيمتها العام الماضي (2018) ما أضرَّ بالتجارة الخارجية ورفع معدل التضخم السنوي.

يعتبر النظام الإيراني الخفض المتزايد لصادراته النفطية تهديدًا جديًّا يهز استقرار البلد داخليًّا، ويهدد بقاء النظام، ويضر بنفوذها الخارجي الذي يعد شبكة أمن رادعة للقوى المناوئة لها. ويراهن على ثلاث استراتيجيات لمواجهة ذلك: نجاح القوى المتبقية في الاتفاق النووي في الوفاء بالتزاماتها في المجالين النفطي والمصرفي، ويعد الموقف الأوربي في هذا الشأن هاما، وقد أبدى امتعاضا من تخلي إيران عن بعض الالتزامات التي تقول إن الاتفاق النووي يسمح لها بالتنصل منها إذا لم تف بقية الأطراف بتعهداتها، لكن يظل الموقف الأوربي رغم ذلك ملتزما بالاتفاق النووي ويسعى للحفاظ عليه ويحذر من انهياره.

• والاستئناف المتدرج للأنشطة النووية.

• وضرب المصالح الأميركية بدول الجوار.

ليست هذه الخيارات متضادة بل قد يكمل بعضها بعضًا حتى تجعل الحفاظ على الاتفاق النووي الحالي أقل الخيارات تكلفة للجميع.

رفع التكاليف

الحرب واردة لكنها مستبعدة: ليس من مصلحة الولايات المتحدة وإيران في الوقت الراهن خوض حرب مباشرة لعدد من الاعتبارات تخص البلدين. بنى ترامب شعبيته الانتخابية -ضمن ما بنى- على إعادة الجنود الأميركيين إلى وطنهم، ولن يكون من مصلحته خوض حرب ستضطره من جهة إلى تعريض الجنود الأميركيين في الدول المجاورة لإيران إلى خطر القتل، ومن جهة أخرى إلى إرسال قوات أخرى إلى ساحات القتال لمنع إيران من الانتصار. ولن تتوانى إيران عن عرقلة تصدير الطاقة من مضيق هرمز لدفع أسعارها إلى الأعلى فيتضرر المستهلك الأميركي وقد يعاقب ترامب في الانتخابات الرئاسية العام القادم.

تعتمد إيران في صراعاتها المسلحة على الحرب غير المباشرة بالاعتماد على الوكلاء، وقد أثبتت هذه الاستراتيجية جدواها لأنها خارج إقليمها، وتكلفتها البشرية منخفضة، وفاعليتها العسكرية والسياسية كبيرة. وقد تختار إيران ساحات تشل حركة أميركا سياسيًّا وعسكريًّا مثل الساحة العراقية واليمنية والأفغانية. وقد تدل زيارة بومبيو إلى العراق دون غيره، عقب إلغاء إعفاءات استيراد النفط الإيراني، على تخوف إدارة ترامب من أن إيران قد تعطي الأولوية لهذه الساحة في المواجهة مع الولايات المتحدة لأنها تمتلك فيها الأفضلية السياسية والعسكرية. وقد يستأنف الحوثيون استهداف ناقلات النفط السعودية مثلًا فترتفع أسعار النفط فيتضرر المستهلك الأميركي، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تنخرط في الحرب لأن الكونغرس يعترض على ذلك. وقد تنخرط إيران بشكل أكبر إلى جانب طالبان في أفغانستان فيسقط عدد متزايد من الجنود الأميركيين وتتزايد احتمالات سقوط الحكومة الأفغانية، فتتضاءل جدوى مفاوضات الولايات المتحدة مع طالبان.

ليس من المستبعد كليًّا أن تحدث “معركة عشوائية” من خلال حادثة صدام في البحر، ترفع من احتمال وقوع مواجهات عسكرية محتملة، وإذا حدث ذلك، فسيتم العمل على تطويق آثاره العسكرية.

هناك أيضًا سيناريو محتمل تقوم فيه الولايات المتحدة بتشجيع ودعم عمل مسلح مشترك تشنُّه المملكة العربية السعودية وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة على إيران في عام 2019. وقد أرسلت إيران رسائل تحذيرية إلى هذه الأطراف مجتمعة من تبعات حدوث ذلك على الجميع خاصة في منطقة الخليج. وتعد تكاليف هذه المواجهة مكلفة جدًّا للسعودية والإمارات لأنها تعرض منشآتهما ومدنهما للقصف الإيراني وتُوقِع خسائر كبيرة بصادراتهما النفطية. لذلك، فإن احتمالات تحقق هذا السيناريو ضئيلة.

العودة المتدرجة إلى النووي: تحرص إيران على الحفاظ على الاتفاق النووي لأنه عزَّز موقفها بشركاء دوليين كبار، هم الأوروبيون وروسيا والصين، كانوا من قبل يدعمون العقوبات الأميركية، لكن لا تستطيع إيران في نفس الوقت الحفاظ على اتفاق تتحمل تبعاته ولا تحصل على مكافآته الاقتصادية الضرورية لتعافي اقتصادها. وستحاول أن تضغط باستئناف مشروعها النووي لكن دون دفع الدول المتبقية فيه إلى الخروج النهائي منه.

إذا فشلت الدول الأوروبية في الوفاء بالتزاماتها في القطاعين النفطي والمصرفي المنصوص عليها في الاتفاق النووي خلال 60 يومًا، قد تشرع طهران -كما توعدت- بتفعيل المواد 24و 26 و36 من الاتفاق النووي والتي تقضي بتخفيف مدى التزامها بالاتفاق عند عدم الوفاء ببنوده من قبل أحد الأطراف، ومن هذه الإجراءات:

• عودة التخصيب بمنشأة “نطنز” النووية بنسبة تخصيب تصل إلى 4%.

• تركيب أجهزة الطرد المركزي من الجيل الثاني (آي آر 2) والرابع (آي آر 4) في منشأة نطنز النووية.

• إنتاج وتخزين الماء الثقيل بأكثر من 130 طنًّا.

• وقف العمل بالملحق الإضافي الخاص بمعاهدة الانتشار النووي والذي سيحد من أعمال المراقبة بالنسبة لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

• وقد تشمل الإجراءات أيضًا فض الشمع الأحمر عن أجزاء من مفاعل آراك.

وقد أعلنت إيران يوم الأربعاء، 8 مايو/أيار 2019، أنها أوقفت بيع اليورانيوم المخصب والماء الثقيل.

مزيج محسوب من التصعيد: قد تجمع إيران بين التخلي عن بعض الالتزامات الواردة في الاتفاق النووي -لكن دون دفع بقية الدول إلى التخلي عنه فتضغط بذلك على شركائها الأوروبيين كي ينفذوا تعهداتهم وأن لا يرضخوا للتهديدات الأميركية، وتبعث برسالة للأميركيين بأن التهديدات لن تدفعهم إلى التنازل بل إلى مزيد من التشدد- والدفع ببعض وكلائها إلى تعطيل أو ضرب المصالح النفطية للدول التي تراهن عليها الولايات المتحدة لتعويض حصة إيران النفطية في السوق العالمية. وقد تدفع وكلاءها أيضًا إلى التضييق على القوات الأميركية من المنطقة. وتعد الساحة العراقية الأكثر احتمالًا في هذا الشأن.

قد يتجه الموقف الإيراني إلى مزيد من التشدد إذا أسفرت الانتخابات التشريعية هذا العام عن هزيمة الإصلاحيين بعد فشلهم في التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة يحسِّن الأوضاع الاقتصادية، وفوز القوى المناوئة للتفاهم مع الغرب التي قد تتخذ مزيدًا من الإجراءات في تطوير المشروع النووي لأنها الوسيلة التي أرغمت الغربيين على التفاوض وتقديم التنازلات، وتدفع الفصائل المسلحة المرتبطة بها في الخارج إلى المواجهة مع القوات الأميركية وحلفائها بالمنطقة.

سيناريو عودة إيران للتفاوض: هذا هو السيناريو المفضل للإدارة الأميركية، وهو أن تقبل إيران بإعادة التفاوض على الاتفاق النووي ليتضمن قيودًا على مشروعها الصاروخي، وإلغاء الحدود الزمنية للالتزام بالاتفاق النووي، وإلزام إيران بالامتناع عن توظيف وكلاء لبسط نفوذها الخارجي. وقد تضمنت وثيقة بومبيو، المكونة من 12 نقطة، هذه الشروط الأميركية لرفع العقوبات عن إيران. لكن من المستبعد قبول القيادة الإيرانية بها لأنها تقضي على مصداقيتها السياسية، وتجعل إيران دولة مكشوفة أمام التهديدات الأميركية والإسرائيلية.

لماذا لا نتعاطف مع إيران في خلافها مع أمريكا؟/ ماجد عزام

تشهد منطقة الخليج العربي منذ أيام أجواء حرب بين أمريكا وإيران؛ يتعلق الأمر بإرسال أمريكا تعزيزات عسكرية ضخمة بينها حاملة طائرات، بينما لا تتوقف إيران عن التهديدات الكلامية ورفع سقف الخطاب مع عمليات تفجير لسفن ومنشآت نفطية في الإمارات والسعودية غالباً تقف خلفها ميليشيا الحرس الثوري – كما قال صحفيون إيرانيون مقربون منه – دون أن تجرؤ  طبعاً على استهداف أمريكا مباشرة لا في العراق ولا في سوريا..

لا مجال أبداً للتعاطف مع إيران في هذه الأزمة، كما في أي حرب محتملة قادمة كونها قدمت دعما مباشرا لأمريكا في غزوها واحتلالها وتدميرها لأفغانستان والعراق، وتلقت المقابل عبر الدعم الأمريكي المباشر والضمني للتوسع والهيمنة واحتلال أربع عواصم عربية كما يتبجح قادتها الآن، ويبدو من العدل أن تشرب من نفس الكأس بعدما أوقعته من تدمير متعمد في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن ولبنان، من أجل أوهام السيطرة والهيمنة، وثارات التاريخ كما لا يخفي القادة الإيرانيون أنفسهم مع إبداء الاحترام الواجب واللازم تجاه الشعب الإيراني المغلوب على أمره، الذي يستحق بالتأكيد نظاماً أفضل وحياة أفضل من تلك البائسة التي يعيشها الآن تحت حكم المستبدين المهووسين بالسيطرة والهيمنة الذهنية الاستعمارية، المتجهين شيئاً فشيئاً نحو نموذج كوريا الشمالية حيث ترسانة الأسلحة لكن دون توفير القمح والخبز والحياة الكريمة للناس.

قدمت إيران مساعدة مباشرة لأمريكا قبل غزو واحتلال وتدمير أفغانستان، قدّم رسل قاسم سليماني نفسه خرائط ومعلومات مهمة جداً للأمريكان في لقاءات سرية جرت في جنيف قبل الغزو من أجل تسهيل الأمر عليهم وإجهاض أي مقاومة أفغانية محتملة.

في العراق حرضت طهران عبر عملائها تحديداً كبيرهم أحمد الجلبي أمريكا على غزو العراق، ثم ساعدت الاحتلال مباشرة عبر الميليشيات والأدوات الخاضعة لأمرتها، وهي كانت شريك مركزي في تدمير العراق ونهب ثرواته وتحديداً النفطية منها، ثم قامت عبر أحد أدواتها نوري المالكي بتسليم داعش جهاراً نهاراً لمدينة الموصل كعقاب لها ولأهلها بعدما عجزت عن إخضاعها كونها مثلت بؤرة للمقاومة ضد إيران وأزلامها هناك.

تلقت طهران المقابل المباشر فى أفغانستان عبر إزاحة خصمها الإقليمي القوي-حركة طالبان- حتى بثمن تدمير البلد كله، وفى العراق تحولت إلى الشريك الأصغر للاحتلال الأمريكي، هى التي خلقت الطبقة السياسية الفاسدة التى ساعدت الاحتلالين الأمريكي والإيراني على نهب البلد وتدمير مقدراته، و منعت أي نهوض أو تطور عراقي جدي تحديداً فى مجالي الصناعة والبنى التحتية، أغرقت البلد ببضائعها دون أي محاذير أو عوائق، ومنعت عبر أدواتها تطوير قطاع الكهرباء العراقي، حتى تظل متحكمة فيه وتستفيد من تصدير كهربائها إلى البلد الغني بثرواته تحديداً في قطاع النفط والطاقة .

تلقت طهران الثمن والمقابل فى سوريا أيضاً ، فقد دعمت نظام بشار الأسد على كل المستويات من رفده بالميليشيات الأجنبية إلى الأسلحة والدعم الاقتصادي على مرأى من أمريكا حتى مع تعرضها لعقوبات أممية تمنعها من تصدير الأسلحة، كانت طائرات السلاح  والميليشيات تمر من سماء العراق أمام أعين الاحتلال الأمريكي دون أى ممانعة، كانت شريكا في كل جرائم النظام ضد الثورة، تلقت ضوءا أخضر أمريكيا فى الاتفاق الكيمائي-2013- ثم فى الاتفاق النووي-2015- الذي أطلق يديها فى سوريا والعراق والمنطقة ودائماً ضمن القواعد والمحددات الأمريكية .

في سوريا أيضاً عندما فشلت رغم الدعم والتغاضي الأمريكي عن حماية النظام، توسلت الاحتلال الروسي الذى ارتكب جرائم حرب موصوفة ثم نهب قدرات البلد واستولى على خيراته، وقبلت  طهران تحت وطأة حقدها التاريخي، التحول لشريك صغير للاحتلال الروسي كما هو الحال فى العراق مع الاحتلال الأمريكي .

لا بأس من التذكير بما فعلته في لبنان عندما كسرت التوازنات الدستورية والطائفية عبر اغتيال رئيس الوزراء المنتخب رفيق الحريري، ثم عسكرت المقاومة محولة حزب الله إلى جيش، هيمن على البلد ومفاصل السلطة والقرار فيه، ما أوصله إلى حافة الهاوية على كل المستويات، حصل هذا بغرض استخدام الحزب كذراع إقليمي مركزي، للأطماع الاستعمارية الإيرانية كما ظهر عبر دوره المشين والإجرامي ضد الثورة والثوار في سوريا .

فى اليمن رغم الأخطاء الكارثية لتحالف السعودية والإمارات عبر دعم انقلاب الحشد الحوثي وفلول نظام  الشاويش علي صالح ضد الثورة، بغرض إجهاضها والقضاء على الإسلاميين وإقصائهم من المشهد السياسى اليمني، إلا أن إيران استغلت ذلك لنشر الفوضى وتسليح الحوثيين لتمكينهم من السيطرة على البلد والتحكم بمقدراته، هذا حصل أيضا تحت أعين إدارة أوباما-رغم خضوع إيران للعقوبات- التى لم تفعل ولم تمانع حصول ذلك كله طالما أنه لا يكسر القواعد والسياسات العامة لها في المنطقة، المتمثلة بحرية الملاحة وتدفق النفط وحماية حدود سايكس بيكو وأمن ومصالح إسرائيل.

كل المعطيات السابقة تجلت في الاتفاق النووي سيء الصيت بين طهران وواشنطن، الذى تمثل جوهره بعدم ممانعة أوباما احتلال إيران العواصم العربية مقابل التأخير في مشروعها النووي وإعادتها إلى عجلة الاقتصاد العالمي، إلا أن أوباما المنكفىء عن المنطقة، تصور أن إعادة إدماجها في المنظومة العالمية سيغيرها ويكبح جماح ممارسات العصابة والميليشيا لديها، هو ما لم يحدث طبعاً ويمثل الآن جوهر الأزمة الحالية وسبب تخلي الإدارة الجديدة عن الاتفاق النووي.

ترامب يريد إعادة طهران ضعيفة إلى التفاوض، إعادتها إلى حجمها الطبيعي وكسر هيمنتها وتسليحها وإدارتها لميليشيات غير شرعية في المنطقة بعدما أدت المهمة التدميرية المنوطة بها، يريد إعادتها إلى المنظومة العالمية لكن كدولة، ليست إمبراطورية كما يتخيل ويريد متطرفوها.

لا بأس من التذكير أن إيران رغم صوتها العالي، لكنها دائماً ما تراجعت تحت ضغط القوة والعين الحمراء حصل هذا عند غزو العراق وإيقاف البعد العسكري لمشروعها النووي، حصل هذا مع القبول بدور الشريك الصغير للاحتلال الأمريكي-في العراق- وحتى للاحتلال الروسي-فى سوريا- حصل هذا عندما قبلت الابتعاد رغم كل الضجيج لآلتها الإعلامية-الحشد الشعبي الإعلامي-عن الحدود السورية مع فلسطين المحتلة، ضمن تفاهم روسي إسرائيلي مفروض عليها، هي توقفت كما تقول تقارير إسرائيلية حتى عن حلم-وهم-التموضع الاستراتيجي فى سوريا بعد تلقي الضربات والإهانات الإسرائيلية تحت أعين الاحتلالين الروسي والأمريكي.

لا تستحق إيران بالتأكيد أي تعاطف منا بعد تدميرها واحتلالها لحواضرنا الكبرى، و طلبها التعاطف من الشعوب العربية الإسلامية وقاحة ما بعدها وقاحة، يشبه طلب من قتل والديه التعاطف والتعامل معه كيتيم، طبعاً هذا لا يعني أي تعاطف مع أمريكا-الشيطان الأكبر-كون تحجيمها و إضعافها لإيران لا يهدف إلى صنع تسويات عادلة تبدأ حتما بإسقاط نظام الأسد-صاغوا قوانين وفرضوا عقوبات تمنع تعويمه لكن لا بوادر للسعي الفعلي لإسقاطه-بل على العكس تستغل واشنطن إيران وغطرستها وذهنيتها الاستعمارية، للتقارب و التطبيع العربى الاسرائيلي، وحتى طرح صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية، مواجهة الصفقة لإسقاطها لا تعني أبدا التقارب مع إيران أو الدفاع عنها، ولا تنفي حقيقة أن معركة أمريكا ضد إيران هى حق حتى لو أريد بها باطل.

تلفزيون سوريا

أميركا – إيران: حرب من أجل التفاوض/ عبدالوهاب بدرخان

في النزاع الأميركي – الإيراني تضاعف واشنطن الضغط على نظام الملالي “كي يغيّر سلوكه” ولتصبح إيران دولة طبيعية، أما طهران فتمضي إلى مواجهة أميركا للحفاظ على ماء الوجه وعلى نظامها وسلوكه، أي لتبقى كما يراها العالم دولة غير طبيعية. تعرف الإدارة الأميركية أن كل القوى الدولية، من روسيا والصين إلى الاتحاد الأوروبي ومعظم أميركا اللاتينية وأفريقيا، لا تحبذ سياسات دونالد ترامب بل تمقتها وترفضها عموماً. في المقابل يعرف نظام الملالي أن رفض النهج الأميركي لا يعني إعجاباً بسياسات إيران وممارساتها، لكنه يتوهّم أنه يستطيع تجيير هذا الموقف لمصلحته، مثلما يتوهّم أنه يمكن أن يخرج قوياً ومنتصراً من مواجهة عسكرية، إذا حصلت، فيما يفيد حسن روحاني بأن قسوة العقوبات فرضت على إيران وضعاً أسوأ مما عرفته في الثمانينات خلال حربها مع العراق.

فجر الأحد الماضي، شهدت مياه الخليج ما يمكن أن يشكّل واقعة أولى في المواجهة، إذ جاءت بعد أسبوع من اعلان واشنطن (الأحد 5/05/2019) إرسال حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” وقطع بحرية إلى المنطقة كخطوة تحذيرية بعد تزايد مؤشّرات إلى أن إيران تستعد لاستهداف القوات والمصالح الأميركية في الشرق الأوسط والخليج. وبعد يومين هوجمت محطتا ضخ بترولي في منطقة الرياض بطائرات “درون” أطلقها الحوثيون من اليمن، وأحدثت أضراراً محدودة. لكن عملية التخريب التي تعرّضت لها أربع سفن في “المنطقة الاقتصادية الإماراتية” في المياه الدولية تدخل في سياق التوتر الإقليمي، إذ لا يمكن أن تُنسب إلى جماعات إرهابية بل إلى قوات خاصة تنتمي إلى دولة، وقد أرادتها طهران رسالة تحدٍّ أولى من دون أن تتمكّن واشنطن من الردّ عليها. لماذا؟ أولاً: لأنها غير مباشرة ولم تتعرّض لهدف أميركي. ثانياً: لأنها ملتبسة وقد لا يوفّر التحقيق فيها أدلّةً تمكّن الدول المعنيّة من الإعلان رسمياً عن الجهة المعتدية. ثالثاً: لأنها محدودة الأضرار وإن كانت تنذر بمخاطر لا يمكن السكوت عليها.

لا يترك موقع الاعتداء وطبيعته مجالاً للشك في هوية الفاعل، ولم تتحفّظ إيران في ترك العملية بلا توقيع، كما ظهر في بعض الوقائع وكذلك في التحليلات الأوليّة:

1- حرصت طهران على أن يُعلن النبأ أولاً عبر أداة إعلامية تابعة لها ثم أوعزت إلى أدواتها الأخرى بفتح تغطية خاصة للحدث.

2- على رغم أن الهدف كان سفناً تجارية في موقع يُفترض أنه آمن “دولياً” إلا أن التعليق الايراني الأول حدّد الرسالة من الاعتداء وهي أن “أمن جنوب الخليج أشبه بالزجاج” وقد تبرّع به رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان حشمت الله فلاحت بيشة.

3- أما الرسالة الثانية فهي أن إغلاق مضيق هرمز ممكنٌ لكن ثمة بدائل موقتة منه لتهديد سلامة الملاحة الدولية.

4- أن عنصر المفاجأة في عملية التخريب هذه يرمي إلى تدشين نمط مواجهة مرشح لأن يتكرّر في منطقة حسّاسة كهذه.

5- أن إيران لن تبادر إلى استفزاز أميركا أو مهاجمة أسطولها الضخم مباشرة، بل بأسلوب القرصنة وحرب العصابات ولن تلجأ إلى الميليشيات التابعة لها إلا في مرحلة تالية.

6- يمكن اعتبار عملية التخريب هذه ايذاناً بأن المواجهة بدأت (بالنسبة إلى إيران) واختباراً أولاً لجعل منطقة الخليج مسرحاً لهذه المواجهة.

على رغم أن الهجمات بالطائرات المسيّرة تعتبر ضمن الردود الحوثية – الإيرانية اليائسة على حرب اليمن، إلا أنها تأتي مع الاعتداءات على السفن في إطار سعي طهران إلى بناء واقع مواجهة طويلة المدى يمكن أن تبقى سجالاً ولا تفضي إلى أي حسم، لكنها لا تغيّر شيئاً في واقع العقوبات، ولا تحقق الهدف الرئيس لإيران. فالمعادلة الصعبة هي كالآتي: عقوبات أميركية مقابل عمليات تخريب وتفجير إيرانية تديم العقوبات أو تؤدّي إلى مزيد منها. الولايات المتحدة غير متضرّرة من العقوبات التي تحقق لها أهدافاً من دون أن تقتل أو تدمّر، وستبذل إيران جهداً خاصاً لتجنب المسّ بقوات أو بمصالح أميركية لئلا تتلقّى رداً مباشراً في أراضيها. لم تأتِ العقوبات من فراغ أو من دون سبب، فالعقل السياسي للنظام الإيراني انقاد إلى عقيدة “العداء لأميركا” وعمل كل ما في وسعه لاستدراجها فلم يرحم شعبه ولا احترم أسس التعايش مع جيرانه. لا شك أن دول الإقليم ستتحمّل تبعات المواجهة غير المباشرة مهما بلغت خطورتها لتبقي الوضع أمام عتبة الحرب من دون أن يتخطّاها، وقد تضطر لتحمّل خسائر لكن التعرّض لاقتصادها واستقرارها يجب أن يكون خطّاً أحمر أميركياً لأن أي تمادٍ إيراني لن يفاقم الخطر على الحلفاء فحسب، بل سيشكّل إخفاقاً للولايات المتحدة على المستوى الدولي.

لكن يبقى القلق والخوف قائمين من انزلاق إلى حرب، وإذا حصلت فستكون خياراً إيرانياً لأكثر من سبب. الولايات المتحدة ليست مضطرة لخوض حرب لأن العقوبات تحقق لها أهدافها، ثم أن الحضور العسكري الردعي يكفي واشنطن لأمرين: حماية الجنود والمصالح، ورسم خط أحمر لإيران. أما بالنسبة إلى طهران فإن هذا الوجود الردعي، مضافاً إلى العقوبات القاتلة، وإلى تصنيف “الحرس” إرهابياً، وإلى نقمة شعوب إيران على النظام، وإلى غموض مصير “نفوذها” في العراق وسورية واليمن ولبنان، تستدعي منها التحرّك للمواجهة وإلا فإن استراتيجيتها الأساسية ستواصل التآكل والانكماش. فماذا يفيد قادة “الحرس” أن أكثِروا من المزايدات الكلامية طالما أن كلمة السرّ المتداولة بينهم أن التعرّض للأميركيين “ممنوع”، وطالما أنهم اضطرّوا للعضّ على الجرح والتكتّم على أسوأ الضربات الإسرائيلية لهم في سورية. كل ذلك يكشف تاريخاً من أكاذيب الشحن العقائدي لأتباعهم وقد بنوها على “الموت لأميركا والموت لإسرائيل”.

لا أحد يتصوّر أن تعمد طهران طوعاً إلى تغيير سلوك ذهبت فيه إلى الحدّ الأقصى من العدوانية، فلا وازع دينياً أو أخلاقياً يردعها، والفتاوى الخرقاء جاهزة دائماً لتبرير جرائمها. كثيرون انتهوا، بعد محاورتها ونصحها والتوسّط معها، إلى أنها لا تريد أن تفهم إلا ما زرعته في رأسها من أساطير وأوهام، وأنه لا مجال لإخراجها من عنادها المتغطرس إلا بضربة موجعة تعيدها إلى الواقع. عدا ذلك، يبقى عبثاً البحث عن تفاهم معها أو محاولة اقناعها بالكفّ عن اللعب على حافة الهاوية. لا شك أن القوة العسكرية التي راكمتها إيران هي التي تشعرها اليوم بشيء من التوازن إزاء عزلتها الدولية وتهاوي اقتصادها وعملتها، لكن عدم تعرّضها لأي تهديد جدّي سيشجعها على مواصلة إدارة لعبة الإرهاب وتهديد جيرانها.

إذا كان الهدف من التصعيد الحالي جلب إيران إلى التفاوض فإنها لن تأتي بالسهولة التي يتخيّلها ترامب، بل بالإخراج الذي تعدّه والشروط التي تحدّدها، خصوصاً أنها راقبت التجربة الأميركية مع كوريا الشمالية واستوعبت دروسها، فلا تنازل إلا مقابل تنازل، وهذه مساومة يمكن أن تطول أكثر مما يتصوّر الأميركيون، والإيرانيون يجيدون المماطلة. في الإخراج تحتاج إيران إلى حافز، إلى حرب “متكافئة” كالتي تحاول أن تخوضها بعمليات إرهابية وتخريبية ويمكن استخدامها كمبرر للبدء بالتفاوض، أو إلى “نصرٍ” ما على “الشيطان الأكبر” يصلح كمدخل إلى التفاوض. أما في الشروط فلن تكون أقلّ من رفع القيود عن تصدير النفط وعن القطاعين المالي والمصرفي. لكن أي تراجع أميركي في الشكل أو في المضمون للحصول على التفاوض لن يشكّل خذلاناً للحلفاء العرب فحسب بل سيكرّر الأخطاء التي ارتكبت في إعداد الاتفاق النووي.

الحياة

صراع الإرادات بين واشنطن وطهران/ بكر صدقي

يترقب العالم، هذه الأيام، ما يمكن أن يشعل فتيل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. ذلك أن العقوبات القاسية التي طبقتها واشنطن على طهران هي، بذاتها، نوع من إعلان الحرب. فإذا أضفنا التحشيد العسكري الذي قامت به الأولى حول الثانية، كنا إزاء مشهد يكرر ما حدث، في العام 2003، بالنسبة للعراق.

لكن الفوارق بين الحالتين هي أهم، ربما، من التشابهات. فمن ناحية إيران نرى أنها اليوم ليست بالضعف الذي كان عليه نظام صدام حسين في العراق. ومهما كثر الحديث عن وضعها المنهك، أصلاً، من العقوبات السابقة، زائد الكلفة الباهظة لحروب الوكالة التي قادتها في سوريا واليمن والعراق وعبء حزب الله في لبنان، فهي، بالمقابل، تمتلك أدوات إقليمية قوية على شكل ميليشيات واختراقات لمجتمعات البلدان العربية، يمكنها أن تسبب أذى كبيراً للقوات والمصالح الأمريكية أو مصالح حلفائها الإقليميين، في حال اندفعت الولايات المتحدة إلى حرب عسكرية صريحة ضدها.

ومن ناحية الولايات المتحدة، هي أيضاً أقل قوة مما كانت عليه في العام 2003، ليس بمعنى الإمكانات العسكرية المتفوقة بلا شك، ولكن بمعنى القدرة على اتخاذ قرار الحرب. ليس فقط لأن الرئيس ترامب كان قد وعد، في حملته الانتخابية، بسحب القوات الأمريكية من المنطقة، وما يعنيه ذلك من عدم استعداد الرأي العام الأمريكي لخوض مغامرة عسكرية جديدة بعيداً عن الحدود الوطنية، ولكن أيضاً بسبب وضع ترامب المهزوز في المؤسسة الحاكمة بسبب «فضيحته الروسية»، واقتراب موعد الانتخابات الرئاسية التي من شأنها أن تقيد أكثر قدرته على اتخاذ قرار، ووجود معارضة قوية له في الكونغرس.

ومن أهم الفوارق بين الأمس اليوم، غياب أي غطاء سياسي من الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، الدول الأوروبية الرئيسية بصورة خاصة، ناهيكم عن الغطاء الأممي الغائب. ليس هناك، عموماً، متحمسون للحرب المتوقعة غير الثنائي بولتون ـ بومبيو، وفي الخارج بنيامين نتنياهو. حتى دول الخليج العربية التي حرضت ضد إيران، طوال السنوات السابقة، لا تبدو متحمسة لنشوب الحرب، وهي أكثر تفضيلاً لتحقيق نتائج مرغوبة بواسطة التهديد بالحرب، لا بالحرب ذاتها.

الواقع أنه حتى الإدارة الأمريكية، وترامب بخاصة، يبدو أكثر تفضيلاً لإرضاخ إيران بالتهديدات الجدية المعززة بالعقوبات القاسية، أكثر من رغبته في خوض الحرب فعلاً. وهذه ليست، على أي حال، شيئاً فريداً يخص الحالة الراهنة، بل ربما هي القاعدة العامة بالنسبة للنزاعات بين الدول. لا أحد يفضل خوض الحرب إذا كان التهديد بها يحقق النتائج المرجوة بكلفة أقل. فالحرب، في نهاية المطاف، هي صراع إرادات. إذا استطاع القوي كسر إرادة الأضعف منه وإخضاعه، يكون قد حقق أكثر مما يمكن لأي نصر عسكري أن يحققه.

النزاع الأمريكي ـ الإيراني مرده أصلاً هو رغبة حكام إيران في التصرف كقوة اقليمية عظمى قادرة على إملاء شروطها على جيرانها الإقليميين والحصول على رضوخهم لابتزازها. وإذا كانت الولايات المتحدة قد تصرفت معها بتسامح، في المراحل السابقة، سواء أثناء الحربين الأمريكيتين على أفغانستان والعراق، أو بعد ذلك أثناء ولايتي أوباما، فقد آن الآوان لانتهاء فترة السماح، بسبب تعاظم الدور الإيراني في الإقليم بما تجاوز الحدود المسموح بها أمريكياً ودولياً.

الحل «المنطقي» وفقاً لهذا المخطط هو أن تتصرف طهران بعقلانية وتنكفئ إلى داخل حدودها، ما دامت القوة التي سمحت لها سابقاً بالتمدد، لفترة مؤقتة، اتخذت الآن قرارها المعاكس بإنهاء فترة التفويض أو السماح، بخاصة وأن القيادة الإيرانية ليست في وضع مريح، داخلياً، لتعاند الإرادة الأقوى منها. غير أن نشوة القوة «الإمبراطورية» لها مفعول مسكر، يبدو أن حكام إيران لا يستطيعون التخلي عنه، مهما بدا هذا التخلي هو عين العقل. أضف إلى ذلك أن رضوخهم، بدون حرب، بعد طول معاندة، سيكلفهم ثمناً غالياً، فتصبح إيران عرضة لابتزازات متتالية في مقبل الأيام، لن تملك إزائها إلا الاستمرار في الخضوع المرة بعد المرة، كحال المقامر الذي يعلن استسلامه قبل أن يخسر فعلياً.

المرجح، وفقا لهذا المنظور، أن تواصل إيران المعاندة مع الاستعداد لدفع الثمن مهما كان باهظاً. ربما يساعدها على ذلك خبرتها السابقة في الحرب مع العراق التي خسرت فيها الكثير، لكنها تمكنت من تجاوز الحالة الصعبة لتنتقل، بعد ذلك، إلى الهجوم، أي التمدد الإقليمي. كما أنها تراهن على صعوبة اتخاذ القرار بالحرب بالنسبة للرئيس ترامب، فإذا حدثت كانت كلفتها على الولايات المتحدة أعلى ـ نسبياً ـ من كلفتها على إيران. سواء تعلق الأمر بالعجز عن تحقيق أهداف الحرب (أي الإرضاخ) بصرف النظر عن الدمار الذي يمكن للأمريكيين أن يلحقوه بقدرات إيران العسكرية والاقتصادية والبشرية، أو بأي خسائر بشرية أميركية مهما كان حجمها صغيراً.

هو، إذن، حساب الذي ليس لديه ما يخسره أمام الذي تعز عليه أقل خسارة. بهذا الرائز يمكن للقيادة الإيرانية أن ترفض الرضوخ للشروط الأمريكية وتذهب إلى النهاية في المواجهة. فهي ستكون مواجهة رابحة لها مهما كانت نتيجتها قاسية عليها، على نفس منوال «النصر الإلهي» لحسن نصر الله في العام 2006. وبخاصة إذا استطاعت تحييد أوروبا عن الصراع أو ربما كسب تعاطفها.

صحيح أن إيران ستخرج من أي حرب مع الولايات المتحدة مثخنة بالجراح، لكنها لن تصل حد التراجع عن طموحاتها الإقليمية، إلا إذا أصبح النظام مهدداً بالسقوط. فقط في هذه الحالة يمكن له أن يراجع سياساته الخارجية. أما ما دون ذلك، فمن شأنه، بالعكس، أن يدفع النظام إلى مزيد من الانخراط في شؤون الإقليم تعويضاً عن خسائره، حاشداً خلفه وحدة وطنية صلبة ضد «الخارج الشرير» ومزوداً برواية عن مظلومية وطنية متأججة.

كاتب سوري

القدس العربي

أوهام الحرب المرتقبة بين أميركا وإيران/ عوني القلمجي

لا سبب مقنعا يدعو كاتب هذه السطور إلى تصديق ما يجري تداوله بين عموم الناس، عن توجه الولايات المتحدة، ورئيسها دونالد ترامب، إلى شن حرب شاملة أو محدودة ضد إيران، بهدف إنهاء نفوذها السياسي، وحل المليشيات العراقية التابعة لها، وتشكيل حكومة جديدة تأخذ على عاتقها بناء العراق وعودته دولة مستقلة وموحدة. ويبدو أن كل هذا الخيال الواسع تولد هذه المرة جرّاء تحريك حاملة طائرات وسفن حربية وقاذفات في مياه الخليج العربي، في حين أن تحريك مثل هذه القطع العسكرية الأميركية إلى أية منطقة، على الرغم من أهميته البالغة، لا يعني في كل الأحوال إعلانا للحرب، أو تعبيراً عن وجود نياتٍ حقيقية لخوض معركة وشيكة. كما أن واشنطن وطهران لم تتحدثا عن حربٍ مرتقبة، بل قال الرئيس دونالد ترامب غير مرة إنه لا يريد إيذاء إيران ولا إسقاط نظامها. وقال وزيرا الدفاع باتريك شاناهان والخارجية مايك بومبيو ورئيس هيئة الأركان المشتركة جوزيف دنفورد، في “جلسة إحاطة مغلقة لأعضاء الكونغرس”، إن الولايات المتحدة ليست ذاهبة إلى حرب. وفي المقابل، وصف وزير خارجية إيران، جواد ظريف، الرئيس ترامب، بأنه مختلف عن الفريق المحيط به، الذي تبدأ أسماؤه بحرف الباء، وحدّدها ببولتون مستشار الأمن القومي وبومبيو وزير خارجيته وبن زايد ولي عهد أبوظبي، وبن سلمان ولي العهد السعودي. واستبعد المرشد الأعلى في إيران، علي خامنئي، نشوب الحرب.

لا يدخل ما سبق في باب الأحكام القطعية، ولا الاستخفاف بالتحرّك العسكري في مياه الخليج العربي، ولا حتى اعتباره استعراضا للقوة الأميركية، وإنما يعد بمثابة رسالة ذات طابع

عسكري، غرضها، كما نعتقد، وقف تمادي حكام إيران وتمددهم في المنطقة العربية، وتشكيلهم خطرا على حلفائها من دول الخليج العربي من جهة، والتعدّي على نفوذهم في العراق تحديدا من جهة أخرى، وذلك بإجبارهم على تنفيذ شروط أميركية تؤمن للولايات المتحدة تلك الأهداف، منها تقييد البرنامج النووي الإيراني، والحد من مليشيات إيران المسلحة في العراق وسورية واليمن. بل قلل مسؤول القيادة المركزية للجيش الأميركي، كينث ماكنزي، من أهمية هذه الحشود، وقال “إرسال واشنطن حاملة طائرات أبراهام لينكولن وقاذفات إلى الشرق الأوسط، رسالة واضحة إلى النظام الإيراني، فأي هجوم سيستهدف المصالح الأميركية سيقابل بقوة صارمة”. بمعنى آخر أكثر وضوحا، تسعى أميركا من هذه الحملة العسكرية إلى تقليم أظافر إيران، وليس قلعها، لتعود حليفا ملتزما، أو على الأقل غير مشاكس.

تُرى، هل ستقبل إيران بتقديم التنازلات المطلوبة مقابل الحفاظ على نظامها، ورفع الحصار الاقتصادي عنها، أم ستمتنع عن ذلك، وتدخل في مواجهة مع الولايات المتحدة ذات القوة العسكرية المتوحشة؟ استلم حكام طهران الرسالة، ومحوا من ذاكرتهم كل ما وسوست لهم شياطينهم من أوهام وأحلام فارسية توسعية، يمكن لأميركا غض النظر عنها، كما غضت النظر عن وجودها في العراق. وإنهم، في نهاية المطاف، سينفذون ما طلبته أميركا منهم، سواء في ما يخص تحجيم مشروعهم النووي وصواريخهم الباليستية، أو الحد من توسع نفوذهم في العراق والمنطقة، خصوصا أن مثل هذه التنازلات لن تضعف إيران إلى درجة تفقدها القوة التي تحتاجها أميركا على الدوام، لتهديد دول المنطقة، وخاصة السعودية، فبهذه الذريعة استطاع ترامب الاستحواذ على نصف ترليون من الدولارات في مقابل تأمين استمرار العائلة المالكة في السلطة، ناهيك عن إدراك حكام طهران الأهداف الأخرى لهذه الحشود التي لا تضرّها، وهي سعي ترامب إلى إعادة انتشار قوات بلاده بكثافة في عموم منطقة الخليج العربي، لتمرير “صفقة القرن” التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع العربي الصهيوني، لتمهيد الطريق أمام الكيان الصهيوني ليصبح الوكيل المفوّض في المنطقة ككل، وهو ما سيجعل الأوضاع أكثر استتبابا للأميركيين الذين يهمهم تأمين المنطقة، ليخوضوا صراعهم الاقتصادي شرقاً، مع القوى الصاعدة في الصين والهند.

أما الحديث عن إمكانية تعنت إيران ورفضها الشروط الأميركية واستعدادها للمواجهة فلا يستند إلى أدلة واقعية، لأسباب عدة، منها أن حكام طهران يعلمون علم اليقين بعدم قدرتهم على

الوقوف بوجه القوة العسكرية الأميركية المتوحشة، لا هم ولا جيشهم ولا صواريخهم ولا مليشياتهم المسلحة خارج حدودها، سواء في العراق أو لبنان أو سورية أو اليمن، بسبب اختلال موازين القوة العسكرية لصالح أميركا بالتمام والكمال، مثلما تعلم أنه لا الاتحاد الأوروبي ولا الصين ولا روسيا على استعداد لدعمها في مواجهة واشنطن، فروسيا على سبيل المثال، وهي أقرب حليف لها، قال رئيسها بوتين يوم الاربعاء الماضي: “أخبرت شركاءنا الإيرانيين بأن الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي لا تستطيع فعل أي شيء لإنقاذ ايران، والقيام بأي عمل فعلي للتعويض عن خسائرها في القطاع الاقتصادي”. وأوضح أن بلاده ليس بإمكانها لعب دور “فرقة إنقاذ” أو “فرقة إطفاء” و”نحن غير قادرين على إنقاذ كل شيء”.

وهناك وضع إيران الداخلي غير المؤهل لخوض معركة من هذا الوزن، فهو، كما تؤكد الوقائع، سيئ للغاية، فبالإضافة إلى تدهور الوضع الاقتصادي الذي ولد استياء عاما من فئات واسعة من الشعب، فإن التيار الإصلاحي الذي يرفض سياسة الولي الفقيه التوسعية، ويسعى إلى بناء علاقات مع الغرب عموما، ومع الولايات المتحدة خصوصا، بات قويا ومؤثرا في الحياة السياسية الإيرانية، إضافة إلى وجود معارضة سياسية قوية من خارج النظام، ممثلة بأحزاب وقوى ديمقراطية ويسارية، ناهيك عن احتمال قيام انتفاضات شعبية من القوميات المضطهدة، مثل عرب الأحواز والكرد والقوميات الأخرى العديدة، ولم يخف حكام طهران هذه المخاوف، في حال خوض مواجهة مع الولايات المتحدة، حيث جرى تحديدها باندلاع احتجاجات واسعة ضد الحكومة، أو تمرّد شعبي ضد فشل الحكومة الاقتصادي والاجتماعي، جرّاء تكثيف الضغوط الأميركية على الصادرات النفطية والمبادلات المصرفية، وكذلك الخوف من وضعية ثبات الجمهورية الإيرانية، بعد وفاة علي خامنئي (80 عامًا)، وهذا ما يفسر التغيرات التي حدثت في قيادات الحرس الثوري، استعدادا لقمع أي انتفاضة أو ثورة شعبية ضد النظام، وذلك بتعيين الضباط الأكثر تشددا وبطشا، مثل اللواء حسين سلامي الذي يعين قائدا للحرس الثوري، والأميرال علي فدوي نائبا له، ومعلوم أن الحرس الثوري يعتبر أقوى مؤسسة في الجمهورية الإيرانية، بعد مؤسسة القيادة، وأكثر المؤسسات نفوذًا.

ليس هذا كل شيء، فأميركا وإيران لم يزل كل منهما بحاجة إلى الآخر، والتعاون بينهما في العراق، خصوصا، استند إلى أسس متينة، وليس من السهل التفريط به، والخلافات بينهما، على الرغم من كل هذه المظاهر العسكرية والتهديدات المتبادلة، سيجري حلها على طاولة المفاوضات وليس في ساحات الوغى. وقد أكدت وقائع وأحداث على متانة هذا التعاون الذي يصل أحيانا إلى حد الشراكة، وقد أكدته شخصيات عديدة ذات صلة بمثل هذا الموضوع، مثل إدوارد دجيرجيان، مساعد وزير الخارجية الأميركية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى وأفريقيا، ومن الباحثين السياسيين، جون سبوزتو وستيفن زوترو، ومن الكتاب ذوي الصلة الوثيقة بالأميركيين الكاتب اللبناني فؤاد عجمي، ومن العراقيين أحمد الجلبي وكنعان مكية وليث كبة ورند الرحيم، وغيرهم. وقد وصفوه بأنه تعاون متين، وضعت أسسه بشأن العراق منذ سنة 1991. وتعزّز ذلك التفاهم طوال فترة الحصار، وبعد أحداث “11 سبتمبر” في العام 2001 أصبح شبه مكتوب. وما دامت مصالح أميركا وإيران متفقة على تدمير العراق، دولة ومجتمعا حتى النهاية، فإن هذا التعاون سيبقى مستمرا، مهما تخاصما. هذه حقيقة، وإذا كان هناك من لم يدركها بعد، فإن الوقائع العنيدة ستُجبره على قبولها، عاجلا أم آجلا.

على ضوء ذلك، عموم العراقيين والأحزاب والقوى الوطنية المعادية للاحتلال الأميركي، وتابعه الإيراني، مدعوون إلى نزع كل هذه الأوهام من العقول، ومواصلة طريق الانتفاضات الشعبية، والعمل على تطويرها إلى ثورة شعبية ذات طابع سياسي وطني شامل، تتعدى المطالب الحياتية والخدمية، وصولا إلى المطالبة برحيل الاحتلال، وإسقاط العملية السياسية الطائفية، لتتمكن الحكومة الوطنية المقبلة من رحم الانتفاضة من استعادة استقلال العراق وسيادته الوطنية ووحدته كاملة غير منقوصة.

العربي الجديد

أي حرب للخليج تريدها روسيا/ بسام مقداد

لايزال حدث الخليج يتوالى فصولاً ، ويمسك بانفاس العالم رهينة توقع ما سيحدث في اللحظة التالية. وتعكس خلفية الصورة الآتية من هناك جميع صراعات المنطقة وحروبها المتفجرة ، بما فيها المقتلة السورية، وأخذت ملامح هذه الصراعات والحروب وتعقيداتها تبرز في ثنايا عمامة خامنئي ، أو في تموجات تسريحة دونالد ترامب . الكل مشدود إلى الحدث ، ولاعبون كثر ينخرطون فيه ، وكل منهم يرى الصورة بمنظاره ، ويحاول إمالة العمامة نحوه ، أو تسوية التسريحة لتنسجم مع ملامحه.  

قد تكون الملامح الروسية ، هي الأكثر بروزاً في خلفية الصورة ، والكل يجمع بأن الحدث الخليجي مفيد لموسكو. تنقل إذاعة “الحرة” الناطقة بالروسية عن المستشرق والخبير العسكري السياسي ميخائيل مجيد قوله بأن الحدث الخليجي مفيد جداً للكرملين، إذ سيتسبب بارتفاع اسعار النفط ، مما يعني المليارات ، بل وعشرات المليارات الإضافية للخزينة الروسية. ويقول بأن إيران سوف تخرج من سوق النفط ، وتتقاسم مكانها كل من روسيا والسعودية ، اللتين تمران راهناً في مرحلة من التعاون ، يتيح لهما تقاسم الأسواق والمستهلكين الذين لم يعد باستطاعهم شراء النفط من إيران. ويقول بأن الأزمة الراهنة تساعد على احتفاظ روسيا بتبعية أوروبا لها في مجال النفط، الذي تستورد منه 30 % من روسيا ، ولم يعد بوسعها استبداله بالإيراني بعد “صفقة النووي”. لكن الجانب الأهم من أزمة الخليج، الذي تفيد منه روسيا، يراه المستشرق في تورط الولايات المتحدة الجديد في الشرق الأوسط ، مما يتيح لروسيا إطلاق يدها في الإتجاهات الأخرى في المنطقة .

لا يخفي المسؤولون الروس انحيازهم العلني إلى جانب إيران في هذا الصراع ، لكن هذا لا يعني أنهم سيسارعون إلى الوقوف إلى جانبها في حال تطوره إلى نزاع مسلح . يقول المستشرق هذا ، أن الكرملين سوف يكثر من التصريحات الغاضبة ، وسوف يتحدث باستمرار عن مسؤولية الولايات المتحدة في إسقاط الإتفاقية مع إيران ، لكن الأمر لن يتعدى التصريحات، ولن تبادر روسيا إلى التدخل في هذا الصراع .

تشير تطورات الأيام الأخيرة إلى أن طرفي النزاع المباشرين ليسا بوارد الإصطدام المسلح ، بل يقتصر الأمر على مشهد من عض الأصابع، أو ما تسميه صحيفة “هآرتس”الاسرائيلية “من ترمش عينه أولاً”. لكن يبدو مما يعكسه الإعلام الروسي، الذي يدور في فلك الكرملين، أن مثل هذا السيناريو لتطور الصراع لا يتوافق مع ما تأمله من كستناء من اللهيب الخليجي، في حال اندلاعه. وهي ، وإن كانت قليلة الحيلة في ما يتعلق بالجانب الأميركي، إلا أنها لن توفر وقوداً، كما يبدو، لتضعها في الموقد الإيراني، كي لا يخمد لهيب هذا الصراع. فقد أعلنت صحيفة القوميين الروس “SP”، شديدي الحماس للموقف الإيراني ، أن سفينة الشحن العسكرية الروسية “إسبارطة 2” قد وصلت إلى إيران في 21 من الشهر الجاري ، وهي محملة بعتاد عسكري مجهول . وتستدرك الصحيفة بالقول، أن السفينة المذكورة قد اعتادت في السنوات الأخيرة على نقل العتاد من الموانئ الروسية إلى سوريا، إلا أنها قد تكون نقلت هذه المرة أنظمة دفاع جوية وصواريخ مجنحة مضادة للسفن.

وكانت الصحيفة عينها قد رأت في مقالة سابقة ، أن الشرق الأوسط ينزلق مسرعاً نحو حرب عالمية ثالثة، وليس أقل، وأن الولايات المتحدة وإيران تهددان بإغراق المنطقة في فوضى دموية ، تبدو معها الحرب السورية بالنسبة للبشرية “صراعاً مسلحاً متواضعاً”. ونقلت عمن تسميه خبيراً في شؤون الشرق الأوسط ، وكبير الباحثين في معهد الإستشراق الروسي ميخائيل روشين ، قوله بأن ما يجري الآن في الخليج  يقتصر على التهديدات المتبادلة، ولا يشير إلى أن الأميركيين مستعدون للحرب الآن. ويقول أنه إذا ما قرر الأميركيون دخول إيران برياً، فلن يكون الأمر نزهة، كما كان الأمر عليه في غزو العراق، حيث تمكن الأميركيون من “شراء” الجنرالات العراقيين، بمن فيهم آمر حامية بغداد .

ويبدو روشين واثقاً من أن هذا لن يحدث في إيران، وأن القصف الجوي لإيران، أو الحرب في البحر  سوف تؤدي إلى الإجتياح المباشر للأراضي الإسرائيلية من قبل القوات الإيرانية وحزب الله . ويرى أن إيران قد بينت ما يمكن أن تسفر عنه الحرب البحرية في الخليج، وهو ما جعل الرؤوس “الحامية” في واشنطن تهدأ إثر ذلك. ويؤكد أن ترامب، وبعد أن تخلص من هجمات الديموقراطيين الأميركيين عليه، ليس من صالحه الدخول في مغامرة يائسة في إيران، إذ ستصبح بمثابة انتحار سياسي له، ولذلك  يكتفي باستخدام تكتيكه الكلاسيكي في الخداع والتهديد حيال إيران .

من جهتها ، ترى صحيفة “NG” ، التي تصف نفسها بالمستقلة ، بأن واشنطن أعلنت الحرب الشاملة على إيران، أو ما يسمى “الحرب الهجينة”، وأن الأسطول الأميركي في الخليج باشر باعتماد “دبلوماسية البوارج”. وهي، إذ تشير إلى إعلان ترامب، بأن واشنطن لا تريد الحرب مع طهران، تقول بأن ثمة جملة دلائل تؤكد أن الأمور تسير نحو الحرب، وأن خطر اندلاع حرب حقيقية في الشرق الأوسط ، هو خطر “أكثر من حقيقي”. وتقول الصحيفة بانه ليس من المفهوم لماذا اقتربت السفن الأميركية من الأراضي الإيرانية، في حين كان بوسعها إصابتها بالأسلحة التكتيكية العملانية، وترى أن حشد البنتاغون للقوات، يهدف إلى عرض العضلات واستفزاز إيران ودفعها إلى الرد بعمليات عسكرية. وتقول بأن واشنطن عاجزة عن تشكيل ائتلاف مماثل كما ذاك الذي شكلته في الحرب العراقية العام 2003 ، ولذلك تعتمد “الحرب الهجينة”، التي تركز فيها على الإجراءات الإقتصادية ، وعلى الضربات المتفرقة للتشكيلات الإيرانية في سوريا واليمن والعراق جزئياً .

من جانب آخر، ترى صحيفة الكرملين “VZ”، أن ما يجري في الخليج هو “تمرين على الكارثة”، وأن الشرق الأوسط يخيم عليه ظل حرب كبرى جديدة تعد لها الولايات المتحدة ضد إيران “هذه المرة”. وبعد أن تتحدث عن صراعات داخل الإدارة الأميركية، تؤكد أن دونالد ترامب ليس بحاجة إلى حرب مع إيران ، قد تكلفه إعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية، وتلقي بكل اللوم في الأزمة الخليجية الراهنة على مستشار الأمن القومي جون بولتون. لكنها تؤكد أن العامل الأكثر جدية في الدفع إلى الكارثة المحدقة بالخليج يتمثل بالعائلة المالكة السعودية، التي “بدأ صبرها ينفد”، ودعت إلى عقد قمة عربية طارئة لبحث الإعتداءات الإيرانية على ناقلات النفط ومحطات أنابيبه .

وإذ تذكر الصحيفة بسعي إسرائيل المزمن لحصار إيران، تقول بأن واشنطن خرجت من صفقة النووي مع طهران، نزولاً عند رغبة الرياض وتل أبيب، لكن ليس للحؤول دون حصول الجمهورية الإسلامية على الحصول على سلاح القتل الجماعي، بل لإجبارها على التخلي عن توسيع نفوذها في المنطقة ، من خلال العقوبات. وهذا كل ما تستطيعه واشنطن ، “على الأقل في اللحظة الراهنة” ، أما الحرب فسوف تكون انتحاراً للإدارة الحالية ، وقد تصبح حرباً متعددة الأطراف، خاصة بعد أن أعلنت بكين وقوفها الحاسم مع طهران ، حسب الصحيفة .

وتخلص الصحيفة إلى القول بأن “التمرين على الكارثة” قد حصل، وتأمل بألا يتم العرض الأول لها. لكن هل هذا فعلاً ما تأمله روسيا في كارثة الخليج، ومعظم ما ينشره إعلامها يتحدث عن “حرب عالمية ثالثة” و”حرب هجينة” شاملة، في حين يلتقط العالم أنفاسه وهو يتابع أنباء تراجع الأطراف المعنية مباشرة بهذا الصراع عن الحديث عن الحرب ، وترتفع لغة الصفقات حول طاولة المفاوضات. 

المدن

هل تنجو إيران من القبضة الأميركية هذه المرة؟/ منير شحود

كأنظمة لا ديمقراطية، من مصلحة بلدان الخليج العربي وإيران رفع مستوى النزاعات السياسية بينها، إلى الدرجة التي تثبط فيها حركات الداخل الديمقراطية، وهي الهاجس الدائم لأنظمة كهذه، بينما يعمل ضابط الإيقاع الأميركي على إبقاء النزاعات تحت السيطرة، وذلك ضمانًا للاستقرار الذي يعني هنا استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز، كواحدة من أهم دعامات الاقتصاد العالمي المترابط في عصر العولمة. ويحضر الخيار العسكري كحالة استثنائية، حين يحاول نظام مستبد ما العبثَ في استقرار المنظومة الخليجية وتقويضها، كما فعل عراق صدام حسين باحتلاله للكويت، وما أعقب ذلك من حشد أميركي لتحالف دولي واسع في حرب الخليج الأولى عام 1991. مثل هذا الخطأ قد ترتكبه إيران حاليًا، بعد تضييق الخناق عليها جراء العقوبات الاقتصادية الأميركية.

كانت إيران، بعد ثورة 1979، قد صعّدت من تدخلها في شؤون المنطقة تحت يافطة تصدير الثورة، فتجاوزت بذلك الطموحات الفارسية التقليدية في عهد الشاه، وأنشأت نقاط ارتكاز سياسية – عسكرية خارج حدودها، مستغلةً حالة التشتت العربية والعجز عن تحقيق أي تقدم يُذكر في حالة الصراع العربي – الإسرائيلي، إلى جانب إذكائها لنار المظلوميات، الحقيقية والمتخيّلة، ما أضاف عامل انقسامٍ جديدًا إلى عوامل التشرذم الحاضرة في معظم البلدان العربية التي لم تستكمل بناء الدولة الوطنية بعدُ. عززت الطموحات الإيرانية من مخاوف دول الخليج، واستدعت تمتين التحالف مع الولايات المتحدة، بما في ذلك صرف الأموال الطائلة لشراء الأسلحة من دول الغرب.

ثم استغلت إيران فوضى الحروب في بعض بلدان “الربيع العربي” لتتدخل فيها، على نحو مباشر أو غير مباشر، مثلما فعلت دول إقليمية أخرى، ما لفت الانتباه إلى خطورة الدور الإيراني المدعوم بمشروع نووي إشكالي، ورفع النزاع مع دول الخليج إلى مستوى الصراع الوجودي، بخاصةٍ بعد أن ضرب الإيرانيون في الخاصرة السعودية الرخوة: اليمن.

كما أن المعلومات التي تسربت مؤخرًا، حول نية حلفاء إيران مهاجمة القوات الأميركية في العراق وغيرها، رفعت من مستوى الدور الحمائي الأميركي لدول الخليج، فضلًا عن ضمان أمن “إسرائيل”، وتمثل ذلك بتفعيل اتفاقيات السماح بانتشار القوات الأميركية في أراضي دول الخليج ومياهها الإقليمية. وبالفعل، وجّهت إيران في الآونة الأخيرة أربع رسائل عنيفة: أولها التصعيد الذي أقدمت عليه حركتا حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة، وثانيها قيام الحوثيين بضرب المنشآت النفطية في قلب السعودية بطائرات مسيرة، تلت ذلك عملية نوعية تم فيها تخريب بعض السفن الراسية في ميناء الفجيرة الإماراتي، ولعل أكثر هذه الرسائل الموجهة ضد الولايات المتحدة هو إطلاق صاروخ كاتيوشا على المنطقة الخضراء وسط بغداد، حيث مقر السفارة الأميركية.

مع ذلك، فإن فرصة تحول النزاع الحالي إلى حرب شاملة تقودها الولايات المتحدة ضد إيران تبقى محدودة، إن لم ترتكب إيران خطأً كبيرًا، وهذا الأمر غير مرجَّح، نظرًا لتعدد مستويات السلطة في إيران وبراعتها في التعامل مع التوتر السياسي في اللحظات الأخيرة. في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن إيران لم تستخدم في تحرشاتها هذه ورقة “حزب الله” في لبنان؛ على الأغلب بسبب خطورة استخدام هذه الرسالة في الوقت الحالي، وصعوبة تقدير حجم الردّ الإسرائيلي المتوقّع في حالة تحويل الرسالة الإيرانية إلى “إسرائيل” مباشرةً، وربما تؤجل إيران استخدام هذه الورقة إلى وقت لاحق، يضيق فيه الخناق الاقتصادي عليها أكثر فأكثر، وتكون مقدمةً للقبول بالمفاوضات.

في أضعف الإيمان، يهدف الحشد العسكري الأميركي الجديد في الخليج إلى ضمان تطبيق العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة على إيران، واستمرار إنهاكها بحيث تضطر إلى التفاوض وفقًا للشروط التي تفرضها واشنطن، وقد أودعت لهذه الغاية خطًّا هاتفيًا لدى الحكومة السويسرية. أما القول بأن الضغط الخارجي سيفضي إلى زعزعة الوضع الداخلي في إيران، فلم تثبت نجاعته في تجارب مماثلة مع أنظمةٍ مستبدةٍ أخرى في المنطقة أو في العالم، لكن المؤكد هو تسببه بالكثير من المصاعب الحياتية للإيرانيين، ما يعزز وجهات النظر القائلة بضرورة انكفاء السلطة الإيرانية الحالية عن التدخل في شؤون الغير.

وفي كل الأحوال، ما زال يعمل التدخل الإيراني على تسعير أزمات منطقتنا، ولا بد من استبعاده حتى تتم إعادة ترتيب الأولويات في بلداننا، ومنها التفات شعوب المنطقة نحو قضاياها الحياتية، بعيدًا من الدوران في دوامة الصراعات المذهبية والقومية، عندها ستتقلص مساحة المناورة أمام النخب المتحكمة، وسيبتلعها التاريخ بلا أسف، لتحلّ مكانها قيادات أكثر تمثيليةً ورشدًا.

من جهة ثانية، تعدُّ الحماية الأميركية للأنظمة الخليجية العربية نعمة لها، ونقمة على شعوبها، في آنٍ معًا، فنعمة الحماية المدفوعة الأجر بالتمام والكمال في هذه الحقبة الترامبية لا تحول دون ممارسة هذه الأنظمة لاستبدادها، إذ تقتصر ردة الفعل الغربية ذات الصلة على بعض الانتقادات عند وصول ممارسات هذه الأنظمة إلى حدّ يصعب السكوت عنها. أما التحديث الذي تعيشه مجتمعات الأنظمة الخليجية فما زال في الحيّز التقني على العموم، وإن بدأنا نلحظ بعض الإصلاحات الهادفة للحدّ من التطرف الديني، في حين يبقي الاحتكار السياسي للسلطة خارج إطار محاولات الإصلاح المحدودة هذه.

لكنّ المجتمعات الخليجية، بما في ذلك المجتمع الإيراني، لن تتوقف عند هذا النقطة التاريخية، ولا بد من أن يُنتج اختمار المعارضة السياسية والمدنية تحولًا نوعيًا، ما إن تتوقف النزاعات البينية عن كبحها، إلى درجةٍ يمكن فيها القول بوجود سباقٍ بين التفاعلات الداخلية ديمقراطية الطابع على نحوٍ عام، والنزاعات البينية لدول المنطقة، في الحدود التي لا تتحوّل فيها إلى حروب كبيرة يصعب التنبؤ بنتائجها.

مهما يكن، في نظامٍ دولي فقد صلاحياته منذ نهاية الحرب الباردة، فإن الدول العظمى تعمل على حسابها الخاص، بما في ذلك اختيار طريقة الهيمنة والاكراه التي تمارسها ضد الدول الأقل شأنًا. وإن كان ذلك يصح في بعض الحالات، فإنه يخطئ في معظم الأحيان، ولا بدّ في نهاية المطاف من تحديث النظام الأممي، ليلائم التغيرات الدولية العميقة، ولئلا يعود العالم إلى شريعة الغاب بصورة مستحدثة وملتبسة.

استراتيجية أميركية جديدة في سوريا لـ«الضغط» على روسيا و «مواجهة» إيران/ إبراهيم حميدي

أظهرت وثيقة أميركية لـ«استراتيجية جديدة» تحول سوريا إلى ساحة للصراع الإقليمي والدولي خصوصاً ما يتعلق بـ«تقليص» نفوذ إيران والتجاذب الأميركي – الروسي، مع تراجع البحث الجدي عن حل سياسي وفق صيغته السابقة القائمة على «الانتقال السياسي» أو «تلبية تطلعات الشعب السوري».

وإذ يواصل المبعوث الدولي غير بيدرسن مساعيه لإبقاء عجلة البحث عن تسوية سياسية من بوابة مسار جنيف عبر تشكيل لجنة دستورية والاتفاق على قواعد العمل وتقديم مقاربة شاملة لتنفيذ القرار 2254، فما زال اعتقاد اللاعبين الدوليين والإقليميين بضرورة ترك المسار السياسي حياً إلى حين نضوج المحاصصة الخارجية في المسرح السوري المرتبط أصلاً بعلاقات استراتيجية أكبر بين اللاعبين. وحاول بيدرسن البناء على ذلك عبر اقتراح تشكيل منصة جديدة تجمع «ضامني آستانة» (روسيا وإيران وتركيا) مع «المجموعة الصغيرة» التي تضم أميركا وبريطانيا وفرنسا ودولا عربية بعد إضافة الصين، لكنه صدم بالتوتر بين أميركا وإيران.

كان لافتاً أن رسالة رفعها 400 عضو (من أصل 535 عضوا) من مجلس النواب والشيوخ «الديمقراطيين» و«الجمهوريين» إلى الرئيس دونالد ترمب لإقرار «استراتيجية جديدة» حول سوريا تبين مدى تراجع الاهتمام بالشأن الداخلي السوري، بل إن الرسالة التي تقع في ثلاث صفحات خلت من أي إشارة إلى القرار 2254 أو الحل السياسي. وجاء في الرسالة: «يتسم الصراع السوري بدرجة كبيرة من التعقيد، كما أن الحلول المحتملة المطروحة لا تتسم بالمثالية، ما يبقي خيارنا الوحيد هو تعزيز السياسات التي من شأنها الحد من التهديدات المتصاعدة ضد مصالح الولايات المتحدة، وإسرائيل، والأمن والاستقرار على الصعيد الإقليمي في المنطقة، وتتطلب هذه الاستراتيجية توافر القيادة الأميركية الحازمة… مع التهديدات التي يجابهها بعض من أوثق حلفائنا في المنطقة».

أربعة تهديدات

ما التهديدات الآتية من سوريا بحسب رسالة غالبية أعضاء الكونغرس؟

أولا، الإرهاب، جاء في الرسالة أن «جيوب المساحات غير الخاضعة لحكومة من الحكومات سمحت لكثير من الجماعات الإرهابية، مثل (داعش) و(القاعدة) وما يتفرع عنهما من جماعات أخرى، بالاحتفاظ بأجزاء من الأراضي السورية تحت سيطرتهم». ورغم أن الهدف المعلن الرئيسي لعناصر هذه التنظيمات هو القتال داخل سوريا، فإنهم «يحافظون على قدراتهم وإرادتهم للتخطيط وتنفيذ الهجمات الإرهابية المروعة ضد الأهداف الغربية، وضد حلفائنا وشركائنا، وضد الولايات المتحدة الأميركية نفسها».

ثانياً؛ إيران، إذ أشار المشرعون إلى أن منطقة الشرق الأوسط «تشهد زعزعة لاستقرارها وأمنها بسبب تصرفات النظام الإيراني الباعثة على التهديد. حيث تعمل إيران في سوريا جاهدة على إقامة وجود عسكري دائم من شأنه أن يهدد حلفاءنا في المنطقة»، إضافة إلى «استمرار إيران في برنامجها الهادف إلى إقامة طريق سريعة مباشرة من إيران (عبر سوريا والعراق) حتى لبنان. ومن شأن تلك الطريق أن تسهل على إيران إمداد (حزب الله) اللبناني، وغيره من الميليشيات الموالية لإيران، بالأسلحة والذخائر الفتاكة». كما أشارت إلى أن «النظام الحاكم في طهران يواصل توسيع نفوذه محاولا زعزعة استقرار وأمن دول الجوار لخدمة أغراضه ومصالحه الخاصة».

ثالثاً؛ روسيا، إذ نصت الرسالة على أنها على غرار إيران «تواصل العمل كذلك على تأمين وجودها الدائم في سوريا، لما وراء القاعدة البحرية التي تسيطر عليها في طرطوس. وتمكنت روسيا من تغيير قوس الحرب الأهلية في سوريا على حساب الشعب السوري صاحب الأرض مستعينة في ذلك بالقوات والطائرات الروسية، وبالحماية الدبلوماسية الرامية إلى ضمان بقاء نظام الأسد على رأس السلطة». واعتبرت أن تزويد دمشق بالأسلحة المتطورة مثل منظومة «إس – 300» «يعقد القدرات الإسرائيلية للدفاع عن نفسها ضد الأعمال العدائية المنطلقة من الأراضي السورية، وإن الدور الروسي المزعزع للاستقرار يكمل نظيره الإيراني سواء بسواء – حيث إنه لا يبدو لدى روسيا أي استعداد يذكر لاستبعاد القوات الإيرانية خارج سوريا».

رابعاً؛ «حزب الله»، إذ إنه يشكل، بحسب الرسالة «أبلغ التهديدات على أمن إسرائيل. ووجه (حزب الله)، انطلاقا من لبنان، أكثر من 100 ألف صاروخ وقذيفة ضد إسرائيل من الأنواع التي تتميز بالدقة الفائقة والمدى الطويل، الأمر الذي يمنح الحزب القدرة على توجيه الضربات في أي مكان داخل إسرائيل»، إضافة إلى أنه «متهم بقتل خمسة جنود أميركيين في العراق، ويعمل الآن على إنشاء شبكة على الحدود بين إسرائيل وسوريا».

ثلاث خطوات

وبعد تحديدها لـ«التهديدات» الآتية من سوريا، فإن الرسالة «حثت» الرئيس ترمب على تبني «استراتيجية» تتضمن ثلاثة عناصر، هي:

أولا: «حق إسرائيل في الدفاع عن النفس»، إذ أشارت إلى أنه «نظرا للأوضاع شديدة التقلب في الشرق الأوسط، فلا يزال من الأهمية بمكان التأكيد للصديق والعدو في المنطقة أننا لا نزال ندعم حق إسرائيل في الدفاع عن النفس»، إضافة إلى تنفيذ «مذكرة التفاهم ذات العشر سنوات بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والرامية إلى ضمان وصول إسرائيل إلى الموارد والمواد التي تحتاج إليها للدفاع عن نفسها في وجه التهديدات التي تجابهها على طول حدودها الشمالية».

ثانياً: الضغط على إيران وروسيا في سوريا، واقترحت «الخطة» الأولية على إدارة ترمب «العمل مع حلفائنا وشركائنا لزيادة الضغوط على إيران وروسيا بغية تقييد أنشطتهما المزعزعة لأمن واستقرار المنطقة» وبين ذلك مواصلة الجهود الاقتصادية والدبلوماسية لـ«مواجهة الدعم الإيراني لـ(حزب الله)، والجماعات الإرهابية الأخرى، فضلا عن الدعم الروسي المباشر لنظام (الرئيس) بشار الأسد الاستبدادي». وتابعت أن التصرفات الأميركية الواضحة والمستدامة «جنبا إلى جنب مع التنسيق المكثف مع الحلفاء والشركاء، من شأنه أن يبعث برسالة قوية ومهمة حول العزم الأميركي ضد الجهات المستفيدة من ضرب الأمن والاستقرار في المنطقة».

ثالثاً: زيادة الضغط على «حزب الله»، عبر التنفيذ الكامل والقوي لقانون منع التمويل الدولي للحزب الصادر عام 2015، ومذكرته التعديلية الصادرة عام 2018، بحسب الرسالة، التي أضافت أن «العقوبات التي تستهدف (حزب الله) ومن يشرفون على تمويله تمكن (واشنطن) من الإقلال من قدراته على تهديد وتحدي إسرائيل والضغط على (قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان) (يونيفيل) لتنفيذ تفويض مجلس الأمن الدولي بالتحقيق في والإبلاغ عن الأسلحة والأنفاق التي يُعثر عليها عبر الحدود اللبنانية مع إسرائيل».

عشرة إجراءات

بحسب مصادر دبلوماسية غربية، فإن الخطة التي تتبناها الإدارة الأميركية التنفيذية حالياً، تتضمن عشر خطوات تنفيذية بهدف الوصول إلى «حكم جديد في سوريا بسياسة جديدة مع شعبه ومع جواره»، وتتضمن: أولا، البقاء في شمال شرقي سوريا عبر التنسيق مع دول أوروبية بحيث يكون الانسحاب الأميركي وتقليص عدد الألفي جندي متزامنا مع نشر قوات أوروبية تعوض النقص. ثانيا، منع إيران من ملء الفراغ في شرق نهر الفرات حيث تقيم «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية – العربية التي تضم 60 ألف مقاتل بغطاء من التحالف الدولي الذي يضم 79 دولة. ثالثاً، تمديد اتفاق مذكرة «منع الصدام» بين الجيشين الأميركي والروسي في أجواء سوريا. رابعا، دعم الحملة الإسرائيلية في ضرب «مواقع إيران» و«حزب الله» لالتزام «الخطوط الحمر» في سوريا، خامساً، التنسيق الأميركي – الأوروبي في فرض عقوبات اقتصادية على الحكومة السورية ومؤسساتها وشخصيات مقربة منها. سادساً، الضغط على الدول العربية لمنع التطبيع الثنائي (بين الدول) والجماعي (عبر الجامعة العربية) مع دمشق. سابعاً، تجميد المساهمة في تمويل إعمار سوريا قبل تحقيق المعايير السابقة (المبادئ ومعالجة التهديدات) وفرض عقوبات على رجال أعمال سوريين منخرطين في مشاريع الأعمار (كما حصل في القائمة الأوروبية الأخيرة، حيث ستصدر قائمة جديدة قريبا). سابعاً، منع إعطاء شرعية إلى الحكومة السورية في المؤسسات الدولية والدول الغربية والعربية. ثامناً، الضغط على الدول المجاورة لسوريا لعدم التعاون مع خطة روسيا لإعادة اللاجئين قبل توفر ظروف عودتهم. تاسعاً، توجيه ضربات مركزة على مواقع حكومية سورية في حال استعمال السلاح الكيماوي، واعتبار الكلور سلاحاً كيماوياً.

الشرق الأوسط

إيران ـ أميركا: روحية كيسنجر/ بيار عقيقي

بعد أسبوعين تقريباً من التحشيد والتصعيد، بدا أن الإيرانيين والأميركيين باتوا أكثر ميلاً إلى التهدئة. الطرفان يدركان قواعد اللعبة: “القوة في إظهار القوة”. ومع أنه واقعٌ اعتادته الولايات المتحدة، إلا أن إيران تخوضه، ربما، للمرة الأولى مع الأميركيين بشكل مباشر. الحديث الإيراني عن “القدرة على سحق القوات الأميركية في الخليج والقواعد المحيطة بإيران” ليس سوى واحدةٍ من محطات الضغط الكلامي. طهران مدركة تماماً أنه لا قدرة لها على ضرب واشنطن. إيران ليست فييتنام وأميركا حالياً ليست أميركا الستينات والسبعينات. في المقابل، ليس الحديث الأميركي عن “سهولة القضاء على النظام الإيراني” في محله. الإيراني هو فارسي أولاً، قبل أن ينتمي إلى عقيدة دينية.

عليه، بدأت ترتسم بنود المرحلة المقبلة. سيعمد البلدان إلى توسيع رقعة التفاوض غير المباشر. عادة في الشارع، يدفع تأخر الطرفين المتقابلين عن التواجه المباشر الأطراف المحتفظة بعلاقة ودّية بينهما إلى التدخّل لتلافي الصدام. وعادةً، كلما ازدادت مساحة تدخّل هذه الأطراف ضاقت مساحة الخلاف بين الفريقين الكبيرين. ومع الوقت، وفي حال استمرّ التفاوض غير المباشر، يكبر طرح التفاوض المباشر. بالتالي، يمكن توقع أنه في حال لم تقع الحرب، لا مباشرة ولا غير مباشرة، بين إيران والولايات المتحدة، فإن البلدين سيتحوّلان إلى التفاوض المباشر، ومن ثم تطبيع العلاقات، وصولاً إلى إعادة فتح السفارات. في النهاية، تريد إيران أن تأكل، وتريد أميركا الانخراط في طريق الحرير الجديد.

طبعاً، قبل الوصول إلى هذا المسار، هناك ملفات عدة، كالحوثيين والحشد الشعبي وحزب الله. وهي ملفاتٌ يريد الأميركيون من إيران التخلّي عنها، بادرة “حسن نية”. الإيراني لن ينفّذ هذا الأمر، أقلّه على المدى القريب. ويمكن لكلام رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحت بيشه، أن يُشكّل معياراً، قال إن “إيران لن تخوض تحت أي ظرف حرباً مع الولايات المتحدة، لا مباشرة ولا بالوكالة”، مضيفاً أنه “لا يمكن لأي جماعة أن تعلن أنها تدخل في حرب بالوكالة عن إيران”. يكفي كلامه لإطفاء “حماسة” من أراد الحرب ضد الأميركيين، خصوصاً من يعتبر نفسه حليفاً لإيران، و”واثقاً” من قدرته على إشعال الشرق الأوسط من دون خسائر هائلة.

يريد الأميركيون بدورهم أمراً واحداً: طريق الحرير، وإيران الجزء الأهم فيه. بالنسبة للولايات المتحدة، الصراع على المسار البحري من هذا الطريق، في بحر الصين الجنوبي، ثم في سريلانكا، على خلفية وجود المخابرات الأميركية لـ”المساهمة في التحقيقات بتفجيرات عيد الفصح” في 21 إبريل /نيسان الماضي”، أساسي، خصوصاً أن المسار يمتد بحراً وصولاً إلى أفريقيا، حيث الصراع على أشدّه هناك، سواء في السواحل الغربية من القارّة، أو في وسطها. الأميركيون مدركون أهمية طريق الحرير البرّي، وأهمية وجود إيران فيه. حسابات واشنطن، مرتبطة بكيفية تطبيق بعض أفكار وزير الخارجية الأسبق، هنري كيسنجر، لناحية كسب إيران “شريكاً أساسياً”. والمعروف أن أميركا حين تريد أمراً ما تحققه. مثلاً، إذا خرج الإيرانيون اليوم معلنين اتفاقهم مع الأميركيين على فتح السوق الإيرانية للشركات الأميركية، ستزول كل الخلافات، أما باقي المسائل، مثل “تحرير فلسطين” و”القضاء على إسرائيل”، فليست سوى شعارات فقط في هذه المرحلة، ومن غير الوارد تطبيقها.

السؤال الأهم: هل يحصل هذا كله؟ قد يكون الجواب مرتبطاً بعوامل عدة. أولاً، العامل الأبرز الذي يحكم كل الخلاف الإيراني ـ الأميركي هو الاقتصادي. ثانياً، وجود محمد جواد ظريف على رأس الدبلوماسية الإيرانية كفيل بإفساح المجال للتقارب الأميركي ـ الإيراني. ثالثاً، لا إيران تريد أن تكون عراقاً ثانياً ولا أميركا تريد تكرار المرحلة العراقية. الآن الدولتان في الوسط، وروحية كيسنجر هي التي تحكم المرحلة الحالية.

العربي الجديد

أمريكا وإيران: وسابقة سعودية في إشعال الحروب!/ محمد عبد الحكم دياب

صدى تكثيف التحركات السياسية والعسكرية والإعلامية والعامة ضد إيران؛ صدى تجاوز أوروبا وأمريكا، وتخطى “القارة العربية” والعالم الإسلامي، فملأ الدنيا وشغل الناس، وهذا التوتر ليس جديدا، وهو ممتد منذ احتجاز الرهائن داخل السفارة الأمريكية بطهران في بداية الثورة عام 1979 ولمدة 444 يوما، وانتهت بخسارة جيمي كارتر لانتخابات التمديد، ولم يتمكن من البقاء في منصبه لأربع سنوات إضافية، ومن وقتها والتوتر لا يتوقف.

وقد تجدد مؤخرا بسبب النشاط النووي الإيراني، وكان ضمن الأوراق الانتخابية في حملة دونالد ترامب في انتخابات 2016، ونفذ وعده الانتخابي، وانسحب من الاتفاق النووي؛ المُوَقَّع مع الدول الخمس الكبرى؛ ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن؛ الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وبريطانيا، وفرنسا، ولكل منها حق النقض (الفيتو)، بالإضافة إلى ألمانيا، وعُرِف باتفاق 5+1، وأبرم في 2015، لتخفيف العقوبات عن طهران، مقابل وقف التخصيب. وانسحب ترامب من الاتفاق في أيار/مايو 2018، وردت إيران بعزمها على مواصلة نشاطها النووي.

وبالعودة إلى ما قبل الثورة الإيرانية في 1979؛ كانت طهران أكبر حليف للرياض وواشنطن، وكانت ثاني دولة إسلامية تعترف بالدولة الصهيونية بعد تركيا عام 1950، وأي تقارب إيراني مع أمريكا يعني «طلاقا كاثوليكيا» مستحيلا، وتقلق السياسة السعودية من احتمال تحسن العلاقات الأمريكية الإيرانية، ومع زيادة القلق يزداد الاغداق على واشنطن؛ لضمان استمرار الضغط على إيران وحصارها وفرض العقوبات عليها.. وتحول الاغداق لابتزاز دائم و«جزية» مقررة؛ وصارت مصحوبة بإهانات وتهديد مباشر؛ من الرئيس ترامب للملك سلمان، و قال عنه: «لن يظل في الحكم أسبوعين من دون دعم الجيش الأمريكي». وإن «الجزية» التي تُدفع هي ثمن حماية الحكم السعودي!!

والابتزاز مهنة برع فيها الصهاينة، وتفوق فيها كل من ترامب ونتنياهو، وتماهى معهما ولي العهد محمد بن سلمان، الذي وقف في صدارة قوى التحريض على إشعال الحرب، ويعاضده وزير الخارجية الأمريكي «مايك بومبيو»، ويسانده مستشار الأمن القومي «جون بولتون»، ولأن ترامب صهيوني بالفطرة؛ لا يستطيع رفض طلب لنتنياهو، فنقل السفارة الأمريكية للقدس.. واعترف بسيادة مزيفة للدولة الصهيونية على الجولان السوري المحتل!!.

وما بين أمريكا وإيران هو في حقيقته تجاذب قد لا يؤدي للحرب إلا في حالات محدودة للغاية؛ إذا ما أتيحت فرصة لتوسع جديد للدولة الصهيونية، أو لاستكمال احتلال بلد عربي آخر، أو للعودة إلى ما كانت عليه الأوضاع قبل نشأة الدولة السعودية الأخيرة بنسختها الوهابية المذهبية المتشددة عام 1932.. أو إلى أيام «المحميات البريطانية» في الخليج، قبل 1971؛ عام جلاء القوات البريطانية؛ بنفوذ وفدائية قوى التحرر العربي، وذروتها في الفترة التي أعقبت العدوان الثلاثي على مصر في 1956.

والسؤال هو أين ذهبت أوراق القوة العربية؟.. وسقوطها ورقة ورقة، وكثير منها أضيف إلى رصيد الثورة الإيرانية، وغيرهم؛ بمواقفهم الإيجابية من القضايا العربية وخصوصا قضية فلسطين، وكانت وما زالت القضية الأهم، التي دفعت رئيسا أمريكيا بقامة جون كيندي ليراسل عبد الناصر لفهمها والاطلاع على خباياها.. وأشارت تقارير إلى أن ذلك تسبب في اغتياله، واستئصال أسرته بالكامل من الحكم؛ اغتِيل كيندي وأخوه وراح الباقي ضحايا حوادث غامضة واحدة تلو الأخرى..

وجاء سقوط الورقة الفلسطينية في الحِجْر الإيراني فوجدت رعاية واحتضانا، وكان من الأوجب أن يكون ذلك مدعاة للتقارب والتعاون العربي الإيراني.. وقد كانت إيران الشاه أكبر داعم للدولة الصهيونية، وكانت السياسة السعودية تعمل لحسابها، وحرضت على تدمير الجيوش العربية في 1967، وهو ما كشفته الوثائق.. وكانت التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية قد شقت طريقها في مصر وسوريا والجزائر والعراق. بجانب ما قامت به مصر من واجب في مساندة حركات التحرر العربية والافريقية واللاتينية والعالمية.

وبعيدا عن التفاصيل الأيديولوجية والعقائدية في زمن الفتن والتكفير وإهدار الدماء، والتمسك بما يفرق لا ما يوحد.. فالحكم الإيراني، مثله مثل أي حكم آخر، ليس مقدسا وغير معصوم، وعليه أن يبادر بما يلبي مطالب دولة الإمارات المشروعة في جزر طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى، وإذا كان خضوعها للإدارة الإيرانية لم يشعل حربا، وهي أوجب لتحرير الأرض، فلماذا يُحَرض خليجيون ضد إيران؛ لخلافات يمكن حلها بالحوار والتفاوض، ومراعاة المصالح المشتركة وحسن الجوار؛ أم إنها الانحيازات المذهبية والتعصب الطائفي!!.

وأجدها فرصة لعرض وثيقة تحريض سعودية ضد مصر قبل 1967؛ نُشِرت في كتاب «عقود من الخيبات» لحمدان حمدان تنسب للملك فيصل بن عبد العزيز، وموجهة إلى الرئيس الأمريكي ليندون جونسون؛ عام 1966م، وتحمل رقم 342 «وثائق مجلس الوزراء السعودي»؛ جاء فيها: «من كل ما تقدم يا فخامة الرئيس، ومما عرضناه بإيجاز يتبين لكم أن مصر هي العدو الأكبر لنا جميعا، وأن هذا العدو إن ترك يحرض ويدعم الأعداء عسكريا وإعلاميا، فلن يأتي عام 1970»، كما قال الخبير فى إدارتكم السيد كيرميت روزفلت ـ وعرشنا ومصالحنا في الوجود.. لذلك فأنني أبارك، ما سبق للخبراء الأمريكان في مملكتنا، أن اقترحوه، لأتقدم بالاقتراحات التالية:

ـ أن تقوم أمريكا بدعم (إسرائيل) بهجوم خاطف على مصر تستولى به على أهم الأماكن حيوية في مصر، لتضطرها بذلك، لا إلى سحب جيشها صاغرة من اليمن فقط، بل لإشغال مصر (بإسرائيل) عنا مدة طويلة لن يرفع بعدها أي مصري رأسه خلف القناة، ليحاول إعادة مطامع محمد على وعبد الناصر في وحدة عربية، بذلك نعطى لأنفسنا مهلة طويلة لتصفية أجساد المبادئ الهدامة، لا في مملكتنا فحسب، بل وفى البلاد العربية ومن ثم بعدها، لا مانع لدينا من إعطاء المعونات لمصر وشبيهاتها من الدول العربية اقتداء بالقول (أرحموا شرير قوم ذل)، وكذلك لاتقاء أصواتهم الكريهة في الإعلام.

سوريا هي الثانية التي لا يجب ألا تسلم من هذا الهجوم، مع اقتطاع جزء من أراضيها، كي لا تتفرغ هي الأخرى فتندفع لسد الفراغ بعد سقوط مصر.

لا بد أيضا من الاستيلاء على الضفة الغربية وقطاع غزة، كي لا يبقى للفلسطينيين أي مجال للتحرك، وحتى لا تستغلهم أية دولة عربية بحجة تحرير فلسطين، وحينها ينقطع أمل الخارجين منهم بالعودة، كما يسهل توطين الباقي في الدول العربية.

ـ نرى ضرورة تقوية الملا مصطفى البارزاني شمال العراق، بغرض إقامة حكومة كردية مهمتها إشغال أي حكم في بغداد يريد أن ينادى بالوحدة العربية شمال مملكتنا في أرض العراق سواء في الحاضر أو المستقبل، علما بأننا بدأنا منذ العام الماضي (1965) بإمداد البارزاني بالمال والسلاح من داخل العراق، أو عن طريق تركيا وإيران.

يا فخامة الرئيس: إنكم ونحن متضامنين جميعا سنضمن لمصالحنا المشتركة ولمصيرنا المعلق، بتنفيذ هذه المقترحات أو عدم تنفيذها، دوام البقاء أو عدمه»، انتهت الرسالة، وهل يود الحكم السعودي أن يكرر ذلك الدور العدائي.. ألا له من توبة توقفه عند حده!!.

كاتب من مصر

القدس العربي

التصعيد الأمريكي-الإيراني: مواجهة عسكرية في العراق؟

سلطت التهديدات بنشوب حرب بين الولايات المتحدة وإيران الضوء على الأماكن التي قد تشتبك فيها قواتهما ووكلاؤهما وحلفاؤهما وعلى طرق الاشتباك.

فإيران تساند فصائل مسلحة في العراق وسوريا وأفغانستان، حيث تتمركز قوات أمريكية أيضا، وكذلك في لبنان واليمن الواقعين قرب إسرائيل والسعودية، أوثق حليفتين لواشنطن في المنطقة.

وتقع الجمهورية الإسلامية في الجهة المقابلة من السعودية على الخليج وعلى امتداد مضيق هرمز، وهو مجرى ملاحي يمر منه قرابة خمس استهلاك العالم اليومي من النفط الخام. وأرسلت واشنطن هذا الشهر تعزيزات عسكرية إلى المنطقة خشية التعرض لهجوم إيراني.

وكان مهاجمون مجهولون استهدفوا الأسبوع الماضي أصولا نفطية سعودية وأطلق آخرون يوم الأحد صاروخا على ”المنطقة الخضراء“ الشديدة التحصين في بغداد انفجر قرب السفارة الأمريكية. ونفت إيران أي دور لها في كلا الحادثين.

وحذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الأسبوع من أن إيران ستواجه “قوة هائلة” إذا هاجمت المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. وقال على تويتر في مطلع الأسبوع “إذا أرادت إيران القتال فستكون تلك نهايتها الرسمية”.

حرب كلامية بين إيران وإدارة ترمب

ونددت الحكومة الإيرانية بتصريحات ترامب ونشر الولايات المتحدة عتادا عسكريا ووصفت ذلك بأنه استفزاز ودعت إلى الاحترام وإلى وقف واشنطن ضغوطها على صادرات النفط الإيرانية التي تستهدف حملها على التفاوض.

بيد أن قائدا في الحرس الثوري الإيراني قال هذا الشهر إن الأصول الأمريكية في الخليج باتت أهدافا الآن. وأضاف أمير علي حاجي زاده، رئيس سلاح الجو بالحرس الثوري ”إذا أقدم (الأمريكان) على خطوة فسنضربهم في الرأس“.

وفيما يلي توضيح للطرق التي يمكن أن تضرب بها إيران الولايات المتحدة التي تفوقها عدة وعتادا وحلفاءها الإقليميين ومصالحها إذا تصاعد نزاعهما.

العراق: قوي ومليشيات موالية للنظام الإيراني

اكتسبت الجماعات الشيعية التي تساندها إيران قوة في الفوضى التي أعقبت الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، وجرى دمجها العام الماضي في قوات الأمن مما يبرز دورها الواسع النطاق رغم الوجود الأمريكي.

وأقوى تلك الجماعات، التي دربتها طهران وجهزتها ومولتها، هي عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وحركة حزب الله النجباء ومنظمة بدر.

وتقول الولايات المتحدة إن إيران وراء مقتل ما لا يقل عن 603 من أفراد القوات المسلحة الأمريكية منذ 2003.

ولا يزال نحو 5200 جندي أمريكي في العراق، ويتمركزون في أربع قواعد رئيسية وكذلك في مطار بغداد ومقر التحالف في المنطقة الخضراء. وكانت واشنطن أمرت الأسبوع الماضي بإخلاء جزئي لسفارتها.

ولدى الجماعات المسلحة مواقع قريبة للغاية من مناطق تمركز القوات الأمريكية ولديها قدرات هائلة في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة.

حضور إيراني في الخليج العربي … العراق الحلقة الأصعب في خيارات ترامب في مواجهة إيران!

يهدد قادة الحرس الثوري الإيراني منذ فترة طويلة بمنع تدفق إمدادات نفط الخليج عبر مضيق هرمز في المحيط الهندي في حال نشوب أي حرب. وتسيطر إيران على أحد جانبي المضيق مما يضع حركة الملاحة البحرية في مرمى قواتها من البحر أو البر ويتيح لها زرع ألغام.

وأنحى مسؤول أمريكي باللائمة على إيران في الهجمات التي استهدفت الأسبوع الماضي أربع سفن بينها ناقلتا نفط سعوديتان في الخليج لكن طهران تنفي أي مسؤولية.  ويمكن لإيران أيضا استهداف القوات الأمريكية مباشرة في الخليج بالصواريخ.

ويوجد مركز العمليات الجوية المشتركة للقيادة الأمريكية في قاعدة العديد بقطر في حين يتمركز الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية في البحرين. وتستخدم القوات الجوية الأمريكية أيضا قاعدة الظفرة الجوية في أبوظبي وقاعدة علي السالم الجوية في الكويت.

وتقول حكومتا البحرين والسعودية إن إيران خططت لهجمات على قوات الأمن في البحرين في السنوات القليلة الماضية. ونفت إيران والبحرينيون المتهمون بذلك أي مسؤولية.

ويمكن للصواريخ استهداف البنية التحتية في دول الخليج  العربية بما في ذلك محطات المياه والطاقة ومصافي النفط ومرافئ التصدير ومصانع البتروكيماويات.

واستهدف هجوم إلكتروني عام 2012 شركة النفط السعودية العملاقة أرامكو، وقبل ذلك بعامين تعرض برنامج إيران النووي لهجوم إلكتروني أيضا مما يشير إلى إمكانية استخدام وسائل جديدة في أي صراع.

دعم إيراني للحوثيين في اليمن 

يطلق الحوثيون في اليمن شعار “الموت لأمريكا والموت لإسرائيل” ويكتبون الشعار بالطلاء على الجدران ويلصقوه على أسلحتهم. وتدعم الولايات المتحدة تحالفا تقوده السعودية لقتال الحوثيين منذ 2015.

وترتبط إيران والحوثيون بصلات منذ وقت طويل لكن الجانبين ينفيان مزاعم التحالف بأن طهران توفر التدريب والأسلحة. وتقول الأمم المتحدة إن الصواريخ التي أطلقت على السعودية لها نفس خصائص تصميم الصواريخ الإيرانية الصنع.

وكثيرا ما استخدم الحوثيون الصواريخ والطائرات المسيرة لمهاجمة السعودية منذ بدء الحرب. وسقط أحد الصواريخ بالقرب من مطار الرياض في عام 2017.

ويقول خبراء بالأمم المتحدة إن الحوثيين يمتلكون طائرات مسيرة يمكنها إسقاط قنابل أكبر لمسافات أبعد وأكثر دقة عن ذي قبل. وفي الأسبوع الماضي أصابت طائرتان مسيرتان محطتين لضخ النفط تقعان على مسافة مئات الكيلومترات داخل الأراضي السعودية.

ويسيطر الحوثيون على سلاح البحرية في اليمن ويشمل ذلك الزوارق السريعة والألغام البحرية مما يعني أنهم قد يحاولون تعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر.

أقامت إيران شبكة من الجماعات المسلحة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية خلال دعمها للرئيس بشار الأسد في الحرب المستمرة منذ ثمانية أعوام.

ويشمل ذلك جماعة حزب الله اللبنانية وحركة النجباء العراقية ولواء فاطميون وأغلبه من الأفغان.

وشاركت هذه الجماعات في قتال بالقرب من الحدود السورية العراقية وبالقرب من القاعدة العسكرية الأمريكية في التنف وأيضا بالقرب من هضبة الجولان التي تحتلها إسرائيل.

وقال مسؤول أمريكي كبير في فبراير & شباط إن واشنطن قد تحتفظ بنحو 400 جندي في سوريا بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية انخفاضا من نحو 2000 من قبل. وتتمركز في المنطقة الشمالية الشرقية الخاضعة لسيطرة قوات يقودها الأكراد وفي التنف قرب الحدود مع كل من الأردن والعراق.

وشنت إسرائيل هجمات استهدفت إيران وحلفاءها في سوريا في محاولة لإبعادهم عن حدودها. وفي يناير & كانون الثاني اتهمت إسرائيل قوات إيرانية بإطلاق صاروخ على منتجع للتزلج في مرتفعات الجولان.

حزب الله هو ذراع إيران في لبنان

تتهم الولايات المتحدة حزب الله اللبناني بالمسؤولية عن أدمى فترة شهدها جيشها منذ حرب فيتنام: تفجير شاحنة في ثكنات لمشاة البحرية في لبنان عام 1983 مما أسفر عن مقتل 241 جنديا أمريكيا. كما تتهمه باحتجاز رهائن أمريكيين في لبنان في الثمانينات.

والجماعة، التي أنشأتها إيران لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، هي اليوم أقوى جماعة في البلاد.

وتعتبر إسرائيل حزب الله أكبر تهديد على حدودها وتوغلت قواتها داخل لبنان عام 2006 في محاولة فاشلة لتدميره.

واليوم، يقول حزب الله إن لديه ترسانة كبيرة من الصواريخ “الدقيقة”، التي يمكنها أن تضرب جميع أنحاء إسرائيل، بما في ذلك مفاعلها النووي. وهدد، في حالة الحرب، بتسلل مقاتليه عبر الحدود.

وكتب الصحفي المؤيد لحزب الله، إبراهيم الأمين، الأسبوع الماضي في جريدة الأخبار اللبنانية إنه إذا تورطت إسرائيل في أي حرب بين الولايات المتحدة وإيران وضربت حلفاء طهران، فإنها “ستكون هدفا حقيقيا لحلفاء إيران”.

يقول مسؤولون ومحللون غربيون إنهم يعتقدون أن إيران تقدم بعض المساعدة لحركة طالبان، إما بالأسلحة أو بالتمويل واللوجستيات، وهي مساعدة قابلة للزيادة.

وتسيطر طالبان أو تملك نفوذا حاليا على مساحات من الأراضي بشكل أكبر مقارنة بأي وقت مضى منذ الإطاحة بها على أيدي القوات التي تقودها الولايات المتحدة في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر أيلول 2001 على الولايات المتحدة، والقتال العنيف مستمر.

وقال تقرير للمعهد الأمريكي للسلام في مارس آذار إن ما يصل إلى 50 ألف أفغاني قاتلوا في سوريا كجزء من جماعة (لواء فاطميون) المدعومة من طهران.

وتعهدت هذه الجماعة، في بيان أصدرته قبل عامين ونشرته وسائل إعلام إيرانية، بالقتال أينما طلب منها المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي.

ولا يزال حوالي 14000 جندي أمريكي في أفغانستان وفرضت واشنطن عقوبات على لواء فاطميون في يناير كانون الثاني.

وقال مسؤول إيراني إن الولايات المتحدة استخدمت وجودها في أفغانستان “لتهديدنا من هذه القواعد”.

 *المصدر: رويترز

مواجهة عسكرية من الجحيم بين واشنطن وطهران

إيران وأمريكا: حرب كلامية أم مواجهة شبه حتمية؟

ذات يوم، وصفت سفيرة الولايات المتحدة السابقة إلى الأمم المتحدة سامانثا باور حروب الإبادة الجماعية بأنها ” مشكلة من الجحيم “. ومع تصعيد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للتوترات مع إيران، بات لزاما على العالم الآن أن يتعامل مع احتمال حدوث “مواجهة من الجحيم” بين البلدين.

في الوقت الحالي، تقول كل من الولايات المتحدة وإيران إنها لا تريد حربا في منطقة الخليج. مع ذلك، خطوة بخطوة، وبشكل عنيد، يتحرك الاثنان على مسار تصادمي. فقد كثفت الولايات المتحدة انتشارها العسكري بشكل كبير في جوار إيران، فأرسلت مجموعة حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” الضاربة فضلا عن وحدة حربية من قاذفات القنابل لتحذير النظام الإيراني من اتخاذ أي تدابير تهديدية.

وفي الوقت ذاته، استنكر قادة إيران هذا التحرك بوصفه حربا نفسية واعتبروه استفزازا يهدف إلى جر بلادهم إلى صراع عسكري.

منذ تولى منصبه، كان ترمب حريصا على وصف إيران بأنها مصدر كل الشرور ــ بما في ذلك الإرهاب الدولي ــ في المنطقة وخارجها. وقد قلب رأسا على عقب سياسة سلفه باراك أوباما، التي كانت ترتكز على إشراك النظام الإيراني، وهو يمارس أقصى قدر من الضغط عليه بغية تحقيق ثلاثة أهداف.

أولا وقبل كل شيء، تريد إدارة ترمب تغيير النظام، أو على الأقل تغيير سلوك النظام. وهي تسعى أيضا إلى إضعاف اقتصاد إيران بحيث تصبح البلاد عاجزة عن مواصلة دورها كقوة إقليمية كبيرة النفوذ.

كما تريد الإدارة تعزيز وضع إسرائيل بوصفها الحليف الأكثر ولاء وقوة في الشرق الأوسط، وإقامة علاقة استراتيجية وثيقة بين الدولة اليهودية والدول العربية المعارضة لإيران، بما في ذلك دول الخليج ــ بقيادة المملكة العربية السعودية ــ ومِصر.

إذا كانت طبول الحرب تقرع بين الولايات المتحدة وإيران، فإن من يقف وراء هذا التوتر بشكل مباشر هو جون بولتون رجل الحرب في إدارة دونالد ترامب

رجل الحرب في إدارة دونالد ترامب: يصف بعض المراقبين مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون بأنه أخطر رجل في العالم. ومن المعروف أن بولتون يريد إسقاط نظام الملالي في طهران وهو من يقف خلف التصعيد الحالي بين إيران وواشنطن.

لتحقيق هذه الأهداف، سحب ترمب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران الذي أبرم في عام 2015، والمعروف رسميا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة. وفرضت إدارته عقوبات قاسية على إيران والتي تؤثر على كل قطاعات الاقتصاد الإيراني، الأمر الذي يدفع بعض الشركات الأجنبية إلى التوقف عن مزاولة الأعمال مع إيران.

“في تحرك غير مسبوق في الشهر الفائت، أشار ترمب إلى الفرع الرئيسي في القوات العسكرية الإيرانية، فيلق الحرس الثوري الإسلامي، بوصفه منظمة إرهابية.”

ومؤخرا قال جون بولتون، مستشار الأمن القومي المتشدد في إدارة ترمب، بدعم من وزير الخارجية مايك بومبيو، إن “الولايات المتحدة لا تسعى إلى الدخول في حرب من النظام الإيراني، لكننا على أتم استعداد للرد على أي هجوم، سواء بالوكالة، أو من جانب الحرس الثوري الإسلامي، والقوات الإيرانية النظامية”. وهذا يدفع الولايات المتحدة وإيران خطوة أخرى أقرب إلى المواجهة العسكرية التي قد تندلع إما عن قصد أو عن طريق خطأ في الحسابات.

في حالة نشوب حرب، لا تملك إيران القدرة العسكرية الكافية لتمكينها من تحمل قوة النيران الأميركية. وقد تسارع الولايات المتحدة إلى تدمير المنشآت العسكرية الإيرانية، والمواقع النووية، ومرافق البنية الأساسية الرئيسية. فضلا عن ذلك، تستطيع أن تمنع إيران من أغلاق مضيق هرمز، الذي يُشحَن عبره نحو 30% من إمدادات النفط العالمية.

غير أن إيران قادرة رغم ذلك على جعل أي هجوم عسكري أميركي باهظ التكلفة لأميركا والمنطقة. وربما يتمكن النظام الإيراني من إغراق بعض السفن عند أضيق نقطة من مضيق هرمز ــ حيث لا يتجاوز عرض خطوط الملاحة في كلا الاتجاهين 3.2 كيلومترا ــ في محاولة لخنق الملاحة عبره.

لكن الأمر الأكثر أهمية هو أن إيران عملت على فرض استراتيجية حربية غير متكافئة تقوم على القوتين الصارمة والناعمة.

الحرس الثوري الإيراني خلال عرض عسكري في طهران. الصورة غيتي ، ا.ف.ب

أدرجت الولايات المتحدة الأميركية رسمياً الحرس الثوري الإيراني على لائحة المنظمات الإرهابية الأجنبية، وهذه هي المرة الأولى التي تصنف فيها واشنطن رسميا قوة عسكرية في بلد آخر جماعة إرهابية. يذكر أن الاتهام الرئيسي الذي توجهه الولايات المتحدة لإيران هو أنها تهدد أمن المنطقة، أمن إسرائيل والدول العربية على حد سواء. وهناك إجماع قوي بين هذه الأطراف الثلاث على أن إيران تمثل “العدو الأكبر”.

ورغم أن إيران تفتقر إلى السلاح الجوي على خط المواجهة، على سبيل المثال، فإنها أحرزت تقدما كبيرا في تطوير وإنتاج الصواريخ القصيرة والمتوسطة والطويلة المدى، والتي تملك القدرة على ضرب أهداف بعيدة كبعد إسرائيل.

علاوة على ذلك، ربما يستهدف النظام الإيراني معالم مثل برج خليفة في دبي ــ أطول بناية في العالم ــ من أجل إحداث انهيار مالي في مختلف أنحاء المنطقة.

وحتى لو لم تكن دقة الصواريخ الإيرانية مضمونة، فإن إطلاق عدد كبير منها ربما يكون كافيا لمراوغة الأنظمة الدفاعية. على سبيل المثال، كان نظام الدفاع الصاروخي المتقدم المسمى القبة الحديدية في إسرائيل غير قادر حتى على تحييد كل الصواريخ البدائية التي تُطلَق من غزة.

علاوة على ذلك، قام النظام الإيراني بتشكيل شبكة من القوات المقاتلة بالوكالة عبر مختلف أنحاء المنطقة. وأصبحت سوريا والعراق من الحلقات المهمة في القوس الاستراتيجي الشيعي بقيادة إيران والذي يمتد من أفغانستان إلى لبنان.

وتشمل القوات المقاتلة بالوكالة لصالح النظام الإيراني شرائح من السكان الشيعة في أفغانستان، والميليشيات الشيعية العراقية، وحزب الله، الذي يسيطر على جنوب لبنان ويملك الآلاف من الصواريخ الجاهزة لاستهداف إسرائيل. والواقع أن حزب الله خرج من حربه في عام 2006 مع إسرائيل أكثر قوة من ذي قبل.

بالإضافة إلى هذا، تستطيع إيران أن تحشد الآلاف من المفجرين الانتحاريين المؤمنين بالتضحية بالنفس من أجل قضية الإسلام الشيعي والقومية التي روج لها النظام بنجاح. وهؤلاء المفجرون الانتحاريون مزروعون في القوات الأمنية الإيرانية ومختلف أنحاء المنطقة.

لقد بذل النظام الإيراني قصارى جهده لتعزيز أمنه الوطني ضمن إطار إقليمي داعم. وعلى هذا فإن إخضاع إيران لن يكون بالمهمة السهلة. بل على العكس من ذلك، ربما يؤدي أي هجوم عسكري كبير إلى إشعال جحيم إقليمي لا يمكن السيطرة عليه. وكل من الجانبين لديه سبب وجيه يمنعه من بدء مثل هذه الحرب.

أمين سيكل

أمين سيكل خبير في الشؤون الإيرانية ومدير مركز الدراسات الإسلامية في الشرق الأوسط وآسيا.

ترجمة: إبراهيم محمد علي

حقوق النشر: بروجيكت سينديكيت 2019

إيران والعرب… المعادلة الصفرية تنذر بتدمير المنطقة

ليس من السهل بناء أسس لحوار عربي- إيراني، فهناك أكثر من وجهة نظر عربية في 22 دولة عربية، وهناك نظام إيراني وحيد. وجهات النظر العربية تتقاطع، لكنها لا تتطابق، وهي في حالات عدة تتناقض وتتصارع.

أما الرأي الإيراني فهو الآخر قد يختلف بين النظام ومعارضيه في الداخل والخارج، لكنه يميل للتجانس في عدد من القضايا، التي تجمع معظم الإيرانيين.

الحوار العربي- الإيراني، رغم كل الأبعاد والخلافات، حوار ضروري وهام في زمن تفاقمت عبره النزاعات، خاصة في سوريا والعراق واليمن. فبالرغم من الدور الإيراني، في لبنان واليمن، إلا أن مربط القوة والتأثير الإيراني يقع في كل من العراق وسوريا.

وعلى سبيل المثال من الصعب أن يقع في العراق تشكيل حكومي وسياسة لا تحظى بقبول إيران. فقد أدى تهميش السنة في العراق في السنوات الماضية إلى بروز داعش، وتحول الأمر لحرب ضروس تدخل فيها الإقليم، بالإضافة للولايات المتحدة، وأدت سياسة إيران بنفس الوقت لتهميش قوى شيعية عديدة في العراق لصالح مدرسة أقرب لرؤية الجمهورية الإسلامية.

إن الصراع حول العراق فتت العراق وفجر مكوناته وساهم في حربه الأهلية كما وفي تحويله للتبعية والضعف. السعي الإيراني للسيطرة وصل لمداه في جنوب العراق وبغداد، وذلك من خلال الحشد الشعبي الذي استخدم بالأساس لمواجهة قوات داعش.

العراق بحاجة إلى إستقلالية

قد يصح القول إن رئيس الوزراء الحالي في العراق يبحث عن معادلة شراكة واستقلالية عن إيران. فالتحدي أمام العراق ليس بين العداء لإيران أو التبعية لها، بل في السعي لبناء حالة من الاستقلالية في ظل حسن الجوار والعلاقة بين متساويين. العراق التابع لإيران ضعيف مفكك وعبء عليها على المدى الاستراتيجي.

إيران والسعودية…توترات وحروب باردة بالوكالة

حرب باردة على جانبي الخليج بدا معها الأمل بالتفاهم بين الطرفين اللدودين في الشرق الأوسط إيران والسعودية معدوما. فالشجار بين الجمهورية الإسلامية الشيعية في إيران والمملكة العربية السعودية السنية وصل إلى التشكيك العلني بمن يوصف منهما بالمسلم.

المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي شن هجوما لاذعا على السعودية ووصف أفراد الأسرة الحاكمة هناك بأنهم “ضالون مخزيون يعتبرون بقاءهم على عرش السلطة الظالمة رهنا بالدفاع عن مستكبري العالم”، متهما إياها بالخيانة. ودعا خامنئي العالم الإسلامي إلى ما وصفه بـ “التفكير الجاد في حل لإدارة الحرمين الشريفين وقضية الحج”، بعد وقوع ضحايا بين صفوف الحجاج خلال حادث تدافع في منى. ولم ينتظر مفتي السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ طويلا للرد على تصريحات خامنئي، فقال في تصريح صحفي إن “الإيرانيين ليسوا مسلمين”.

وينطبق ذات الأمر على سوريا. في سوريا لم تفهم إيران طبيعة الثورة. ففي الشهور الأولى الستة للثورة لم يكن هناك متطرفون في سوريا، بل سعت الثورة السورية لتحقيق مطالب مبسطة حول الإصلاح ورغبات الشعب في الكرامة والحرية.

إن ما وقع في سوريا يشبه ما وقع في بداية الثورات في تونس ومصر واليمن وليبيا وحتى البحرين. لكن إيران فشلت في قراءة اللحظة، مما جعلها عرضة للتداخل مع دموية النظام. الموقف الإيراني في سوريا أدى لتورطها في نزاع مفتوح.

لقد انحازت إيران للنظام ولدعايته دون دراية منها بوضع سوريا الحقيقي والقادم. ربما توقعت إيران أن يكون الصراع في سوريا قصيرا، فهي لم تقدر مدى عمق الغضب الذي ساد عموم الشعب السوري.

إيران اليوم لا تسيطر على كل سوريا، والحرب لم تنته، كما أن الدور الروسي والأميركي والتركي ودور قوى المعارضة والنظام، تتفاعل ضمن سلسلة حروب ومواجهات.

إيران وقفت مع دموية نظام الأسد

وتلام إيران، أكبر اللوم، على أنها لم تحاور أيا من قوى المعارضة السورية، ولم تسع للتعامل مع القوى المسلحة المعتدلة بما فيها الجيش الحر الذي انشق عن جيش النظام. ربما لو حاورت إيران هذه القوى الوسطية لكان الوضع الإيراني- السوري أقل اختناقا وتوترا.

وتؤكد كل المؤشرات بأن إيران ابتلعت أكثر مما تستطيع، وهذا يجعلها في بداية عد عكسي لا يمكن لها منع حصوله. لكن من جهة أخرى إن قيام بعد الدول العربية بالتمهيد للاستعانة بإسرائيل لضرب إيران، سيعطي إيران قارب النجاة الذي تحتاجه في العلاقة مع الشعوب العربية.

ولا شك أن الدعوة لفرض عقوبات جديدة على إيران ولإلغاء الاتفاق النووي، ثم الدعوة لتوجيه ضربة أميركية لإيران، تعبير عن قصر النظر السائد في عدد من الأوساط السياسية العربية. إن السعي للتحالف مع إسرائيل والولايات المتحدة بهدف تقليم قوة إيران سوف يدفع الإقليم لحالة دمار بل وانهيار. ويؤكد لنا التاريخ بأن هذه الوسائل تأتي بنتائج عكسية، وتفرز على الأرض قوى لا يستطيع أحد من الدول التي قد تبدأ الحرب التنبؤ بها.

الحوار العربي- الإيراني، رغم كل الأبعاد والخلافات، حوار ضروري

نحن وإيران نشترك سويا في مواجهة سياسة الاحتلال الإسرائيلي التي تتعارض مع الشرعية الدولية وتريد الإستيلاء على مزيد من الأرض العربية، ونشترك سويا مع إيران في رفض تحويل القدس لعاصمة إسرائيل، ونشترك سويا في ضرورة إعلاء روح الاستقلال والاعتماد على الذات.

لكننا لا نشترك مع إيران في سياساتها في كل من العراق وسوريا واليمن ولبنان. هذا لا يعني عدم المقدرة على التوصل لحلول تفاوضية تجعل إيران أكثر استعدادا للانسحاب من العمق العربي.

إن حل الإشكال الإيراني- العربي يتطلب الكثير من الدبلوماسية، كما ويتطلب إعادة النظر بالأولويات الإقليمية.

شفيق ناظم الغبرا

حقوق النشر: شفيق ناظم الغبرا

إيران – أميركا وسؤال الحرب/ حيّان جابر

أعلنت الإدارة الأميركية عزمها تصفير صادرات إيران النفطية، ومن ثم المعدنية مبدئيا، متوعدةً إيران بمزيد من العقوبات والحصار الاقتصادي، حتى امتثالها للشروط الأميركية، أو غالبيتها، بالحد الأدنى. ومن أجل ذلك، رفعت الولايات المتحدة من جاهزية قواتها العسكرية وعدّتها في المنطقة، استعدادا لأي طارئ، خصوصا إن أقدمت إيران على أي حماقة عسكرية أو اقتصادية، مثل إغلاق مضيق هرمز، وقصف سفن تجارية وناقلات نفط تابعة للولايات المتحدة أو لأصدقائها الإقليميين والدوليين. وهو ما ساهم في تصاعد الحديث عن قرب اندلاع الحرب في أعقاب ورود أنباء عن قصف الحوثيين، المعروفين بتبعيتهم لإيران، منشآت نفطية سعودية، وإلقاء مسؤولية تفجيرات الفجيرة على إيران بداية، ومن ثم على موالين أو متعاطفين معها، في استهداف ناقلات نفط وسفن تجارية إماراتية وسعودية، وكأننا أمام مشهد حربي، اكتملت أركانه. كما توالت التصريحات والتسريبات الإعلامية الأميركية والإيرانية، النارية منها والهادئة، كي تؤكد حساسية المرحلة، وربما خطورتها.

وفي موازاة ذلك كله، لا يمكن تجاهل حقائق واضحة قد تمكّن من استيعاب حقيقة الوضع، وأهمها مصالح أميركا وعلاقاتها مع دول المنطقة، وفي مقدمتها الكيان الصهيوني، والمخططات المزمع تنفيذها في القريب العاجل. حيث لا يخفى على أحد إصرار الرئيس الأميركي، ترامب، على فرض إسرائيل قوة إقليمية أمنية واقتصادية، استنادا إلى ترويج مفاهيم وأفكار تقوم على تصوير إيران مصدر الخطر الأكبر والوحيد على استقرار المنطقة وسلامتها عوضا عن الكيان الصهيوني، وهو ما يهدف إلى تبرير حملات التطبيع الرسمي العربي معه، من أجل تشكيل تحالف إقليمي في مواجهة الخطر الإيراني تحديداً. وهي مبالغاتٌ واعيةٌ وموجهة، تنطلق من جملة السياسات والتدخلات الإيرانية الإجرامية والطائفية في عدة دول عربية، وتتحاشى ذكر مئات الأدلة عن الدور الصهيوني تجاه المنطقة، وكأننا مجبرون على أن نستجير من الرمضاء بالنار!

لا تدخل هذه المقالة في شرح الدور الإيراني أو الصهيوني، ولا تنساق خلف تصنيفات نظرية، بغرض إثبات أيهما الأخطر الآن، ومن مواجهته أهم وتحظى بالأولوية اليوم، لأن متابعة

الأحداث العربية بدقة وموضوعية تؤكد على تكامل الأدوار بينهما بصورةٍ تفرض علينا مواجهتهما شعبيا معا وفي وقتٍ واحد، عبر استنهاض الوعي والدور الشعبي، بعيداً عن التعلق بأوهام النظام الرسمي العربي والعالمي. لذا لا بد من العودة إلى الموضوع الرئيس، كي نجد أن الدور الإيراني الطائفي يشكل أحد أهم حوامل مسار التطبيع مع إسرائيل، والإقرار بقيادتها المنطقة أمنيا واقتصاديا، ما يفرض علينا التساؤل عن مصلحة الولايات المتحدة في تحجيم الدور الإيراني، وربما تغييره، قبل إنجاز ذلك؟!

كما يوضح التقرير الصادر عن معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام ارتفاع المساهمة الأميركية في تجارة الأسلحة عالميا من 30% بين 2009 و2013، إلى 36% بين 2014 و 2018، مع الإشارة إلى ارتفاع مجمل صادرات الأسلحة العالمية بنسبة 8% خلال الفترة نفسها. أي ارتفعت مبيعات الأسلحة عالميا، على التوازي مع ارتفاع حصة الولايات المتحدة الأميركية فيها. كما يشير التقرير إلى تضاعف صادرات الأسلحة إلى منطقتنا في المقارنة بين الفترتين المشار إليهما، وخصوصا إلى العربية السعودية والإمارات ومصر والعراق، حيث تعبر لغة الأرقام بشكل غير مباشر عن توجهين أميركيين، يتمثل الأول في الحفاظ على وضع إقليمي وعالمي، ينعش عائدات قطاع الصناعة الحربية، بينما يعبر ترامب عن الثاني صراحة، بمطالبته حلفاءه في المنطقة والعالم بأخذ مزيد من زمام المبادرة، ودفع المستحقات المالية الناجمة عن الحماية الأميركية لهم سياسيا وعسكريا. بمعنى أن ترامب يطالب حلفاءه العرب، وأحيانا الأوروبيين، برفع مساهماتهم في المسائل العسكرية والحربية المباشرة عبر الجنود والمعدات، وغير المباشرة عبر تحويل الأموال إلى الولايات المتحدة من خلال إبرام عقود تجارية متعدّدة واستثمارات داخلية وغيرها من الوسائل. وهو ما يؤدي إلى زيادة الطلب العالمي على الأسلحة، وخصوصا في منطقة ملتهبة ومشتعلة كمنطقتنا. ويفرض الحفاظ على النظام والدور الإيرانيين، كما هما، من أجل الحفاظ على التوتر والصراع بين شعوب المنطقة ودولها من ناحية، وبغرض اجتذاب التوتر العسكري والسياسي نحو إيران، بدلا من تمركزه في مواجهة قوى الاحتلال إجمالا، ومنها الكيان الصهيوني وأنظمة الاستبداد والتخلف العربية من ناحية أخرى.

وأخيرا، تلعب إيران دورا محوريا في مواجهة الثورات الشعبية العربية، عبر التصدّي المباشر لها عسكريا، كما يحدث في سورية والعراق، أو عبر تمكين مجموعات فئوية تسعى إلى

السيطرة على السلطة بأي ثمن؛ ممن تتناقض توجهاتهم كلياً مع قيم الثورة الشعبية وأهدافها، ولذلك يعتبرون من أهم قوى الثورة المضادة، كما يحدث في اليمن تحديدا؛ إذ لا يخفى على أحد القلق والذعر الأميركيان والعالميان من احتمال نجاح الثورات العربية في بناء دولة مواطنة حديثة، تعبر عن مواطنيها ومصالحهم الآنية والبعيدة، ما يدفعهم نحو تبنّي سياسة تطييف الصراعات السياسية من أجل تحويل الحركة الثورية من صراع شعب – نظام إلى سني – شيعي، أو أي صراع ديني وطائفي آخر، وهو ما يؤدي إلى حرف الثورات وضربها في مقتل. ولكن هذا النهج يتطلب وجود قطبين طائفيين إقليميين بارزين، تلعب إيران فيهما دور القطب الشيعي الوحيد والأوحد، في حين تتعدّد الدول القادرة على لعب دور القطب السني. وهو ما يزيد من أهمية إيران ومركزية دورها في الحفاظ على المصالح الأميركية، ونسبيا العالمية.

في النهاية، تقود العوامل السابقة إلى التقليل من احتمالية مواجهة إيران عسكريا لتقليم أظافرها، وربما إسقاط النظام الحاكم فيها في المدى القصير، وربما المتوسط، وهو ما يدفع أسئلةً عديدة إلى الواجهة، من قبيل ما يتعلق بحدود المواجهة الأميركية الإيرانية الراهنة، وتأثيراتها العالمية والمحلية، والأهداف الأميركية المرجوة منها في المدى القريب؟ كما يفرض علينا هذا التحليل التعمق في فهم ظروفنا الموضوعية والذاتية، والكفّ عن التعلق بأوهام المدد الخارجي المباشر وغير المباشر، كانتظار توجيه ضربة أميركية قاصمة للنظام الإيراني، لصالح البحث عن وسائل استنهاض الوعي الشعبي والإرادة والفعل الشعبي الوطني والإنساني المنظم، من دون الانجرار خلف صراعات إثنية وعرقية وطائفية ثانوية، يروّجها النظامان، الإقليمي والعالمي، من أجل إعادة أسر الشعوب العربية الثائرة في زنازين الأنظمة الاستبدادية والرجعية، بل والطائفية.

العربي الجديد