سياسة

ثلاثة مقالات تناولت جماعة الأخوان المسلمين في سورية

معضلة جماعة الإخوان السوريين/ موفق نيربية

-1-

في الأول من أيار الحالي، أصدرت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا بياناً بخصوص الأخبار المتواترة حول نية الإدارة الأميركية تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية. أكدوا في ذلك البيان على وسطية فكرهم واعتدالهم، وعلى أنهم طالما عانوا هم أنفسهم من الإرهاب الذي ينبذونه ويؤكدون على مواجهته واجتثاث مسبباته، وكذلك على معاناة سوريا من إرهاب نظام الأسد والإيرانيين والروس والجماعات المتطرفة مثل داعش وغيرها. وفي الختام تنبأوا بفشل المحاولة الحالية لتصنيف الجماعة، وأكدوا على  وجوب استبدال هذه الإجراءات بالحوار والتفاهم.

وبدايةً، لا بدّ من تسجيل استنكار واستغراب أن يصدر مثل هذا القرار، لو صدر! وهو ما يستدعي مباشرة من ذاكرتنا السورية القانون رقم 49، الذي أصدره الأسد الأب في ربيع عام 1980، والقاضي بإعدام كلّ من يثبت انتماءه لجماعة الإخوان المسلمين. آنذاك، كان ذلك القانون نذيراً بالإعدام على الرأي، وبالأهوال اللاحقة التي عرفتها سورية خلال العامين التاليين بعد صدوره، اللذين شهدا مقتل أضعاف أعداد كل تنظيم الإخوان، الذين فرّ معظمهم خارج البلاد أساساً.

أللهم لا اعتراض، إلا على تأكيدهم على مواجهة الإرهاب، و”اجتثاث مسبباته”. هنا قد يختلف كثيرون، ويحتجون بأن الإخوان المسلمين أنفسهم بطروحاتهم وممارساتهم من مسببات الإرهاب، على الأقل. وذلك حديث آخر، أودّ هنا ألا أعالجه مباشرة، بمقدار ما أحاول تفهّم ممارساتهم التي لا أعرف كلمة أخفّ من المراوغة والعمل بغير القول، لوصفها، وإن كانت هنالك كلمات كثيرة يمكن أن تفي بالغرض، ليس هنا مجالها.

كانت الخبرة الأولى في أواخر السبعينات من القرن الماضي، حيث واجهنا شرائح وأنواعاً ثلاثة من “الإخوان”: أولاها المنظمة الأم بقيادتها ومراقبها العام وانضباطها وارتباطاتها. وكانت “وسطاً” بالفعل، أسيرة لخلافات تنظيمي دمشق وحلب المختلفين بالعقلية والتاريخ، وتعتمد السياسات الأقرب إلى الحائط وأمانه. ولكن هذه النواة الرسمية كانت تتعرض منذ سنوات للنهش من قبل عصبة شابة متشددة وميالة للعنف، أصبح اسمها يومئذٍ “الطليعة المقاتلة”: كانت ابنة للإخوان بينهما وشائج وحوارات وخلافات، وزاد التقارب بعد القانون 49 وبعد بدء النظام بالضرب خبط عشواء بالجميع. البؤرة الثالثة كانت في النقابات المهنية، التي كانت الأكثر حداثة وتقبلاً لمفاهيم المواطنة وسيادة القانون، وقد تشاركت مع قوى “التجمع الوطني الديموقراطي” في انتفاضة سلمية رائعة خلال عام على الأقل، انتهت باعتقالات واسعة للتجمع وللنقابات المهنية، مع حل الأخيرة وإلغاء قوانينها المنظمة ثم استبدالها بأخرى على النمط الشمولي، السوفييتي أو الكوري أو ما شئت.. ولم يقبل الإخوان بالحوار مع المعارضة المختلفة عنهم إلا بعد تشردهم في الأرض، واستقرارهم خصوصاً في بغداد. آنذاك، بعد مجزرة حماة، واستمرار رفض استخدام السلاح من قبل من بقي في الداخل من المعارضة. قامت الجماعة بالحوار- تمركز في بغداد صدام – مع بعض الشخصيات المعارضة في الخارج متوازياً مع وجود مكتب عسكري لديهم، ومعسكرات تدريب لمئات من المقاتلين الجاهزين للقتال أو الجهاد. اقتضى اجتثاث الطليعة المقاتلة سفك دماء الآلاف ممن أصبحوا بعد ذلك بكثير يُسمّون بالحاضنة الشعبية لهم، ومعناها هو طائفتهم بالذات، المصلون والمتدينون منها خصوصاً.

لم يقرّ الإخوان رسمياً بأية علاقة مع الطليعة المقاتلة، ولا بأية مسؤولية عما جرى خصوصاً في حماة ومجزرتها الكبرى، وضاعت الناس في الحدود الغائمة بين الصحيح والخاطئ. كانوا يريدون مجد العنف والجهاد من جهة، ومجد السلم والحوار من جهة أخرى، مع تقديم كل الإيديولوجيا اللازمة للجهاد خصوصاً.

في العقدين التاليين، عاشت الجماعة أغلب وقتها بانتظار نوبات الرضا والتفاوض مع النظام، ولم يكونوا يطلبون من جانبهم شيئاً يخص البلاد عموماً، مع إقرارنا بتركيزهم على الإفراج عن المعتقلين. وكانت نوبات الحوار السري تلك بتوسط من إخوان الأردن وحضور ضباط أمن كبار، حلّ مكانهم في التسعينات مدير إدارة الأمن العسكري اللواء على دوبا شخصياً، الذي كان يصرّ ساخراً على شرط المسامحة الخاص بتبرئة النظام من جريمة مجزرة حماة. بعد ذلك صارت محاولة أبعد حين جاء المراقب العام السابق عبد الفتاح أبو غدة إلى سوريا وعاد بخفيّ حنين، ثم جاء القيادي الشيخ محمد أمين يكن، الذي قيل إنه لم يكن عضواً في صفوف الجماعة وهو مجرّد وسيط بينها وبين النظام.

مع ربيع دمشق الذي ابتدأ بعد وفاة الأسد الكبير، عادت الجماعة للتجاوب مع متطلبات المعارضة ووحدتها، وكان “ميثاق الشرف الوطني” الذي أصدرت مشروعه في لندن عام 2001، ثم أعلنته نهائياً مع توقيع عدد محدود من الشخصيات السورية في مؤتمر في سبتمبر 2002. تم “تفسير” ذلك الميثاق في “المشروع السياسي لسورية المستقبل” في كانون الأول عام 2004. وقد وصفوا ذلك المشروع بأنه “يدعو إلى قيام دولة ذات مرجعية تنبثق من هوية الأمة العربية الإسلامية وثوابتها”. فهم المعارضون الآخرون من المشروع السياسي  أنه إعادة إقحام إيديولوجية للميثاق في المشروع الإسلامي- الأصل.

بعد ذلك، شاركت الجماعة جانبياً وسراً بتأسيس التحالف الكبير الذي حمل اسم “إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي” في خريف 2005، ثم قامت بتأييده وإعلان الالتزام به علناً في وقت لاحق. وكانت تلك أكبر وأعمق خطوة في ما يخصهم ومشاركتهم الآخرين، وفي ما يخص سوريا وتاريخها الحديث أيضاً. ولكن شهر العسل ذاك لم يطل، إذ فاجأت الجماعة في عام 2006 شركاءها بتأسيس تحالف جديد مع نائب الأسد المنشق عبد الحليم خدام، من دون أي تنسيق ولا توافق مع أطراف المعارضة الأخرى، التي كانت تتحفظ بقوة على خدام، رغم تسامح بعضهم ضمناً، واعتقاده أن تلك الخطوة قد تضيف ثقلاً إلى جهود المعارضين للأسد وتساعد على تعجيل التغيير السياسي. رغم ذلك، كانت تلك الخطوة ضربة جديدة لمصداقية الجماعة وإخلاصها في ما تقول وتعمل.

ولكن الضربة الأكبر كانت في ما تلا ذلك التاريخ، حين قامت الجماعة في أوائل عام 2009 بتجميد معارضتها للنظام، من أجل ما كان يحدث في غزة من اجتياح إسرائيلي ومحاولة لاقتلاع حركة “حماس” وإنهاء وجودها، كما عبر أحد قادة الاخوان. ولم يُخفِ مراقبون آخرون أن تلك الخطوة كانت” حتى تسمع الجارة” في النظام السوري، وتستحسن وتهلّل وتبدي الرضا والقبول.

كان ذلك في المرحلة التي سبقت مباشرة انطلاقة ثورة السوريين في آذار 2011، حيث تروّى الإخوان قليلاً، ثم حسموا الأمر وألغوا تجميد معارضتهم عملياً.

ما بين اتجاه التلاؤم مع “الطليعة المقاتلة” واعتماد نضال النقابات المهنية في نهاية السبعينات، ثم ما بين لعق الجراح والمفاوضات مع النظام في العقدين التاليين، وما بين الاندماج في أجواء ربيع دمشق ثم تجميد المعارضة من أجل غزة، احتار المعارضون الديموقراطيون بين نفورهم من ذلك التردد بين التطرف والمهادنة، ورغبتهم الكبيرة في توسيع دائرة التحالفات ضد النظام، التي كان للجماعة فيها أن تسدّ ثغرة من الضروري سدّها.

كان ذلك التردد والمراوحة شبيهاً بما هو عند النظام نفسه، بين ميله الطبيعي للعنف والتسلّط، ومحاولته إغواء المعارضة بإجراءات متفرقة ومعزولة، كما حدث أيام ربيع دمشق.. واحتارت المعارضة الديموقراطية يومها بالحيرة نفسها التي داخلتها مع الجماعة.

-2-

تدور في أروقة السوريين أحاديث طريفة حول الثورة السودانية، وكيف أنه ربما من أهم أسرار نجاحها غياب الإخوان المسلمين عنها، وتوزعهم ما بين نظام البشير وحزب الترابي الذي يتردد موقفه بين المجلس العسكري الانتقالي، وقوى إعلان الحرية والتغيير. وهم بالطبع يسردون طرائفهم هذه الأيام على نمط الكوميديا السوداء التي تدور في سوريا وعلى خريطتها الممزقة، وشعبها الممزق.

حين اندلعت الثورة السورية في النصف الثاني من آذار 2011، كان الإخوان المسلمون لا يزالون أسرى تعهدهم بتجميد معارضتهم للنظام، ولا أظن أن هنالك تفسيراً لما يُسمّى ترددهم المؤقت آنذاك في الوقوف مع الثوار إلا بذلك الإسار، ولم يتأخروا طويلاً حتى باشروا مباشرة باللعب أمام الهدف، بناءاً على”تمهيدات” كان بعض الشباب القريب منهم أو المرتبط بهم قد شرعوا بها قبيل الثورة على ساحة التواصل الاجتماعي، وبزخم قوي، ثم دخلوا من الخارج القريب، وأسهموا خصوصاً بتنظيم مؤتمر أنطاليا في تركيا- حزيران 2011- الذي كان له دور مهم في الدفع لاحقاً نحو تأسيس مؤسسات سياسية رسمية تستوعب المعارضة والثوار.. ورغم ذهول المعارضة السورية أمام تجميد معارضة الإخوان ذاك، إلا أنهم، على عادة السوريين، كانوا جاهزين لاستقبال العائدين بالترحيب اللازم.

قبل البحث في الخيارات السياسية الملتبسة للجماعة، ينبغي الإشارة إلى دورها في “تسليح” الثورة، لهدفين متناقضين: حمايتها ودفعها باتجاه العنف وبالطبع تحت ضغط قوى إقليمية ذات مصلحة بذلك، أيضاً. وربما كان لطبيعة ذلك الجسم المرن العريض- الدعوي، الإنساني، السياسي- دور في تمكن الإخوان من إنكار علاقتهم بذلك التحول نحو العسكرة والتسلح  أحياناً، وتأكيده والافتخار به في أحيان أخرى. فهنالك خلايا التنظيم العالمي السورية في أكثر من موقع في الخارج، وهنالك السلفيون الجهاديون النشطون في هذا الميدان الذين يحظون بمركز قوي لدى حكومات إقليمية أو مجتمعاتها، وهنالك شتاتهم وشتات أبنائهم الذي لا يمكن التحكم بدقة في خياراته. ولعلّ من الضروري- في مجالٍ آخر- محاولة تفسير ظواهر التقية والتعارض والإنكار، التي لا يمكن التعمق فيها من دون لحظ دورٍ للإيديولوجيا بمعناها السلبي، وللمشيخة، والبيعة، وكذلك للانقسامات وعمليات التجميع المتواترة.

بعد مرحلة ليست قصيرة من تبني عمليات الانشقاق في الجيش الرسمي، وتمرير السلاح المتفرق هنا وهناك إلى أصدقاء لهم كانوا يتعطشون لحمله واستخدامه والحسم عن طريقه، شكّل الإخوان “هيئة حماية المدنيين”  في أوائل 2012 ( ولهذا التاريخ وقربه من بداية الثورة السلمية دلالة ومعنى) وكانت أداةً لاستقبال الدعم المالي والعسكري وتخزينه ثم توزيعه بالشكل المناسب، وهو الأمر الذي ابتدأ بالطبع قبل ذلك. لوحظت آنذاك تلك المواظبة على نفي علاقة الجماعة بهذه الهيئة، حتى على شكل بيان رسمي من الأخيرة، وربما كان ذلك النفي صحيحاً من بعض الزوايا، وغير صحيح في الجوهر. بهذه الطريقة حافظت الجماعة على علاقة “أبوية” مع عديد الفصائل المسلحة، وفي تأسيس البنى الأكثر تمركزاً في ما بعد، حتى كان لهم الدور الرئيس في تسمية “الجيش الحر” ثم محاولات تنظيمه لاحقاً.

في ما بعد قامت الجماعة بتجميع حوالي عشرين فصيلاً- قارب عددها الخمسين بعد فترة- تحت اسم “هيئة دروع الثورة”، وأيضاً بعد ذلك قاموا بإلغائها وتشكيل “الفيالق”، والتي يُعتبر “فيلق الشام” أهمها وأكبرها، ويحصل دائماً أن يتم تأكيد الارتباط مع الجماعة ونفيه. وفي ذلك السياق، كانت القوى السلفية الجهادية تبرعم وتزدهر، بما يتداخل مع نشاط الجماعة أو يتعارض معها، حسب واقع الحال في كل وقت وموقع. لقد دعمت قوى إقليمية ودولية ذلك النشاط، وقامت بتسهيل شحن السلاح والذخيرة بشكل منهجي، كان للجماعة أو بعض بناها دور رئيس في ذلك. باختصار، يتحمل الإخوان مسؤولية مهمة في “عسكرة” الثورة التي ينطلق فيها التسابق مع آخرين ولا يتوقف، كما يتحملون مسؤولية “الأسلمة” مع تجمعات سلفية جهادية فاقمت الأمر وزادت، مع أن السياقين سينفلتان من أي عقال أو إطار لاحقاً، كما رأينا في مسار الثورة المأساوي. أيضاً تم إنكار ذلك مراراً. كما حدث أن صدرت دفاعات حارة عن جبهة النصرة عند تصنيفها دولياً على أنها منظمة إرهابية، مع إنكار أي علاقة أو مسوولية، وتبيان أن الجماعة ذاتها من ضحايا الإرهاب والتطرف، وهذا ليس خاطئاً بالكامل.

من الناحية السياسية، كان الأمر شبيهاِ بتلك العسكرية: أوركسترا تعمل على إيقاعات متنوعة، لا انسجام بينها إلا في كتم وإخفاء ما يدور وما يأتي وما هو الموقف الحقيقي في كل مفترق ومنعطف. ابتدأ التواصل الجديد بين الإخوان المسلمين ومركز الثقل في ما بقي من إعلان دمشق منذ أواسط 2011، وعندها تم التفاهم العملي على استراتيجية تكوين أجسام المعارضة بما ينفع الطرفين ويعزل الآخرين. وفي ذلك، كان الإخوان المسلمون بقدراتهم الخارجية ومواردهم وصلاتهم وراياتهم الإسلامية في موقع المُحرّك الأقوى بالطبع.

وبشكلٍ موازٍ، كانت تجمعات المعارضين الخارجيين الشباب، الذين تغلب على عدد مهم منهم السمة الإسلامية والولادة في عائلات إخوانية، ربما مع خلفية أكثر حداثة ومعاصرة بسبب الحياة منذ الصغر في الغرب، إضافة إلى تحصيلهم العلمي المختلف والمتقدم. هؤلاء ابتدأوا، مع آخرين أبعد من البيئة الإسلاموية (مثل بسمة القضماني خصوصاً) بالتواصل لتأسيس بنية معارضة جديدة، وعقدوا مؤتمراً في اسطنبول (ربما بسبب علاقة بعضهم الجيدة مع وزير الخارجية آنذاك، أحمد داود أوغلو). وحملت البنية الجديدة اسم “المجلس الوطني السوري”، وتألف من 74 شخصاً، مما أعطي لهم اسم “مجلس ال 74” لتمييزهم عن المجلس الوطني السوري الذي تأسس في الدوحة- ثم استنبول- بعد ذلك بزمن قصير. المهم هنا، أن هنالك تداخلاً ما بين جماعة الإخوان وهذا التشكيل بأشكال متعددة!

كان تأسيس المجلس خطوة كبيرة باتجاه بلورة قيادة موحدة وفاعلة للمعارضة والثورة السورية، ولكنها، رغم ذلك، كانت عرجاء سوف تورث الثورة نفسها أثراً سلبياً. وأهم ما كان فيها من عطب هو انشغال الإخوان وإعلان دمشق بترك هيئة التنسيق خارجاً كهمٍّ رئيس، وحرص الهيئة في الوقت نفسه على البقاء خارجاً. وأي حديث غير ذلك نافل وادّعاء وتغطية للعورات. وبشكل عملي، جاء الأمر بحيث يفتح الباب العريض للمعارضة “الخارجية”، ليبقي نافذة ضيقة لمعارضة “الداخل”، بما في ذلك إعلان دمشق ذاته، الذي عجز عن تسمية ممثلين يثق بهم- جميعاًِ – من الخارج، وعجز الآخرون عن تقبّل عضوية ممثلين من الداخل بأسماء حركية. ساهم هذا الأمر بهيمنة الإخوان شكلاً ومضموناً في المجلس الوطني.

ولعله بات من الضروري أن يُكتب بشكل مستقل حول إعلان دمشق، لأنه قام- وهو المختلف نظرياً- بتسهيل “أسلمة” الإخوان للثورة والمعارضة ومؤسساتهما، مما أفسح المجال من ثَمّ لتملّص العالم من مسؤولياته أمام شعبٍ ثائر مسالم، يُذبح تحت عدسات الكاميرات الثابتة والمتحركة.

مع آخر يوم من العام 2011، أفشلت الجماعة و”الإعلان” محاولة قادها برهان غليون رئيس المجلس آنذاك للتوفيق مع هيئة التنسيق برعاية وطلب من الجامعة العربية، ثم قام الطرفان- إن صحت تسميتهما بالطرفين- مع النجاح الكبير لكل المعارضين والثوار في مؤتمر القاهرة منتصف 2012، بإفراغه من مضامينه ومنع نتائجه من التحقق بممانعة تشكيل “لجنة متابعة” لذلك المؤتمر.

فمع تدهور وضع المجلس المحتوم بسبب تلك البنية والتفكير، وتأسيس “الائتلاف الوطني” في خريف 2012، بعد عام على تأسيس المجلس.. أضيف عامل جديد لفشل المشروع الجديد، وهو إدماج عناصر غريبة قيل إن لها علاقة ما بالتنظيم الدولي للجماعة، وهذا ليس دقيقاً تماماً، ولكن المؤكد هو ارتباطها “عضوياً” بالدولة المضيفة آنذاك.. في الوقت الذي كان تأسيس الائتلاف بديلاً عن المجلس يهدف إلى تمهيد الطريق إلى تمثيل أوسع للسوريين، في التسوية السياسية التي أصبحت خياراً ضرورياً وملحاً من الناحية الدولية، وجزئياً من الناحية الإقليمية، لم يفلح الائتلاف باستيعاب ذلك التوسع المطلوب وتحقيقه، بل أضاف حالة عصبوية متخلفة إلى هيمنة الإخوان السابقة، لم تنفع العصبويات المتقابلة في التصدي لها، ببنيتها التنافسية والمتخلفة.

وحين استفحل الصراع الإقليمي داخل الائتلاف وعلى رئاسته، اضطر الإخوان للتوزع على أكثر من جبهة، والتزموا رسمياً بالحياد، وتأسس التكتل الذي حمل اسم “التجمع الوطني السوري”. ولكن تطوير عمل ذلك التجمع فشل من جديد، من خلال استمرار رفض الإخوان لإحياء مرجعية وثائق القاهرة للخروج من حالة التردّي. وامتنعوا خلال عدة اجتماعات للمكتب السياسي لذلك التجمع، عن الإجابة على ذلك الطلب، الأمر الذي نتج عنه أيضاً فشل التجمع وانحلاله، مع أنه كان في موقع ممتاز لمواجهة الاستقطاب الإقليمي ووقف تأثير المال والفساد في جسم المعارضة والثورة.

وخارج الوقائع الملموسة، كانت ولا زالت مواقف الجماعة وتفريعاتها تنوس في حقل “الوطنية” بين اعتمادها والتأكيد على مركزيتها أحياناً، والإياب نحو أممية الدين وسياسته وسموِّها فوق نتاجات الغرب من قومية ووطنية وليبرالية واشتراكية. ومواقف أخرى تتملص بشكل حاسم من موضوعة الفصل بين الدين والدولة تحت عنوان “الدولة المدنية”، لتسهيل التحالف مع علمانيين يقبلون بهذه التسوية، ويفسرونها على شكل يتعارض مع تفسير الجماعة. وكذلك الأمر ما بين اعتماد هدف “الديموقراطية” بمضمونها المعاصر، واعتماد “آليات ديموقراطية” تلتف قليلاً أو كثيراً على الموضوع..

وما بين المناورة والارتهان والهيمنة وتعدد الوجوه.. استمرت مسيرة الجماعة، وأودت بسمعتها وسمعة الثورة أيضاً. في حين كان المطلوب شيئاً آخر، عجزوا عنه كما يبدو حتى الآن، ويحتاجون إلى شجاعة وعزيمة هائلة حتى يجترحوه.

بقيت مشكلتنا حل المعادلة التالية: لا يمكن تجاهلهم، ولا إعذارهم، ولا الوقوع في شباكهم، ولا قبول وضعهم كما هو. وهنالك بالطبع إحساس عميق بالخطأ منا نحن الذين كنا هناك، وهذا الخطأ يحتاج للكثير من المعالجة من أجل تفسيره وتبريره وفهمه، وأيضاً لتحمل وتحميل مسؤولية نتائجه.

.. وربما جاءت وقائع السودان حتى تساعدنا وتنهي التردد.

المدن

الجماعات الإسلامية على بوابة محنة/ فايز سارة

تعمل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، على تصنيف «الإخوان المسلمين» جماعة إرهابية، وهذا لم يكن مفاجئاً، لأنه كان موضع بحث ونقاش في أوساط أميركية متعددة لسنوات مضت، وكان مؤيدو هذا القرار يربطون بين الخلفية الفكرية للجماعة والخلفية التي تستند إليها جماعات التطرف والعنف الإسلامية، خصوصاً «القاعدة» و«داعش»، فيما كان معارضو فكرة وصم «الإخوان» بـ«الإرهاب»، يرون فيها جماعة سياسية ذات توجه ديني، وأن تنظيمات إخوانية وأخرى قريبة منها، جهدت في العقدين الأخيرين للانخراط في عملية ديمقراطية مقبولة، كما في تركيا والمغرب وتونس ومصر، ما شجع البعض على قول إن «الإخوان المسلمين» لا خطر منهم، وأنهم يمكن أن يساهموا في تكريس الديمقراطية في العالم المعاصر بأخذ بلدان عربية وإسلامية إليها، وقد جاء قرار ترمب في مواجهة أنصار هذه الرؤية بصورة مباشرة.

وطبقاً لتقديرات أميركية، فإن هذا التصنيف سوف يتجاوز التنظيم الأم لـ«الإخوان»، ليشمل كل تنظيمات «الإخوان المسلمين» وتفرعاتها، أينما وجدت، و«الجماعات التي غيرت اسمها، والتي تخلت عن شعارات الجماعة في سياق التقية، وباتت تحرص على الظهور بمظهر الحزب الذي يؤمن بالمشاركة السياسية والاحتكام للقانون المدني»، وإذا صحت هذه التقديرات، فإن صفة الإرهاب ستصيب كل الجماعات الإسلامية دون استثناء.

ولا يمكن رؤية هذا التوجه لترمب بوصف «الإخوان» بـ«الإرهاب» بعيداً عن تطورات موقفه من إيران وميليشياتها، خصوصاً «حزب الله» اللبناني، فقد شكل موقف ترمب من نظام الملالي في إيران و«حزب الله» انقلاباً في سياسة واشنطن، بدأت أولى خطواته في تخلي واشنطن عن الاتفاق النووي مع إيران، وتبني موقف إسرائيل المعارض لوجود إيران في سوريا، وصولاً إلى قيام واشنطن بفرض العقوبات على طهران لإجبارها على تغيير سياساتها، قبل أن تذهب واشنطن إلى إعلان «الحرس الثوري»، القوة المتعددة الوظائف للنظام الإيراني، والمعنية بحمايته الداخلية – الخارجية، منظمة إرهابية، وإعادة تأكيد أن الجناح السياسي لـ«حزب الله» اللبناني، كما جناحه العسكري، منظمة إرهابية.

وبذا بات موقف ترمب، يجمع في عدائه الجماعات الإسلامية السياسية والعسكرية من الطرفين السني والشيعي، مضيفاً إليهم إيران، التي وإن كان نظامها يولي رعاية ودعماً خاصين لجماعات التطرف الشيعي مثل «حزب الله» اللبناني و«الحشد الشعبي» العراقي، فإنه يسبغ حمايته ورعايته لجماعات في التطرف السني، خصوصاً «القاعدة»، التي كانت إيران المقر الرئيسي لقياداتها في العقدين الماضيين، ولـ«داعش» التي تتلقى دعماً ومساندة كبيرين من إيران، حسبما أشارت تقارير دولية كثيرة.

ولا يمكن عزل سياسة واشنطن إزاء الجماعات الإسلامية والدول الداعمة له عن البيئة الدولية المحيطة، وأبرز مظاهرها فشل تجارب الجماعات الإسلامية في السلطة على نحو ما ظهرت تجربة «الإخوان» في مصر، وحركة «حماس» في قطاع غزة، وتحولات «الجبهة الإسلامية» في السودان، وتجربة «حزب الله» في لبنان، وقد أثبتت جميعها فشل تلك التجارب. والمظهر الثاني تجسده موجة عداء متنامٍ للجماعات الإسلامية، خصوصاً المسلحة، مثل «جبهة النصرة» و«الحشد الشعبي» و«حزب الله»، وما ارتبط أو تفرع عنها، وما ارتكبته من جرائم في سوريا والعراق وغيرهما، وسط رعاية من إيران وقطر وتركيا. والمظهر الثالث، ما حققه التحالف الدولي بقيادة واشنطن من تقدم في الحرب على «داعش» في سوريا والعراق. والرابع يبدو في تصاعد حركة شعبية في المنطقة بين أهدافها نظام الملالي في إيران الذي يواجه حركة معارضة متنامية، ونظام السودان الذي تمكنت الحركة الشعبية مؤخراً من إطاحة رئيسه عمر البشير.

وسط هذه البيئة المحيطة، تبدو الجماعات الإسلامية جميعها في مأزق عميق، تشاركت في خلقه وتصليبه مع خصومها وأعدائها، وهي مستمرة في ارتكاب أخطاء، وخلق مزيد من الخصوم والأعداء، ولعل سياسة «حزب الله» اللبناني مثال قريب لجهة إضعاف الدولة اللبنانية وتهميشها، وتصعيد النزاعات الطائفية لصالح المشروع الإيراني، الذي دفع «حزب الله» للقتال في سوريا إلى جانب نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين، ويقارب مثال «حزب الله» حال جماعة «الإخوان المسلمين» في اليمن المنضوية في إطار تحالف يجمعها مع الحوثيين وإيران، والمثالان يعكسان بعض خطايا وأخطاء تتابعها الجماعات الإسلامية، ما يجعلها هدفاً في حرب شاملة، لا تقتصر على الولايات المتحدة والدول الغربية، إنما أكثرية دول العالم.

إن الأهم فيما يواجه الجماعات الإسلامية من مؤشرات حرب في المرحلة المقبلة، توسيع دائرة حظرها وإغلاق المؤسسات التابعة لها، ومنع نشاطاتها، بما فيها الأنشطة الدعوية والاجتماعية، إضافة إلى تشديد الرقابة على قياداتها وكوادرها المعروفة ومتابعتهم، وفرض قيود على سفرهم وتنقلاتهم، وفرض عقوبات اقتصادية على الشركات والأفراد ممن ينتمون أو يتعاملون مع الجماعات، وستصيب الإجراءات الدول التي تؤازر الجماعات الإسلامية ومؤسساتها والممسكين فيها بملف العلاقة مع تلك الجماعات.

وسط تلك الحزمة من الإجراءات ضد الجماعات الإسلامية، فإن نشاط الجماعات المسلحة منها سيكون قيد التدقيق والمتابعة على نحو ما هي عليه نشاطات «القاعدة» و«داعش» و«حزب الله» اللبناني، خصوصاً في المناطق الساخنة على نحو ما عليه الوضع السوري. وسيتم التركيز على مصادر تمويل الجماعات، سواء كان من خلال دول داعمة مثل إيران، أو كان تمويلاً ذاتياً عبر تجارة المخدرات وعمليات غسل الأموال، أو كان تبرعات من مؤسسات أو أشخاص، يتعاطفون مع الجماعات الإسلامية. وسيتم تشديد الضغوط على الدول، التي توفر ملاذات آمنة لقيادات وكوادر الجماعات الإسلامية، وتوفر منابر إعلامية ودعوية لتلك الجماعات.

لن يكون من باب المبالغة قول إن السياسات والإجراءات والظروف المحيطة، التي ستواجه الجماعات الإسلامية جميعها، ستؤدي إلى تغييرات عميقة في واقع الجماعات ونشاطاتها. وغالباً فإن قليلاً منها سيحافظ على وضعه الحالي ضمن ظروف معقدة، كما هو حال الجماعات الإسلامية، وبينها «الإخوان»، في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام من سوريا، وثمة قسم كبير من الجماعات، سيذهب في واحد من مسارين؛ أولهما الاندفاع إلى مزيد من العمل السري، كما هو حال «الإخوان» في مصر، والثاني لجوء بعض الجماعات إلى تغيير أسمائها وشعاراتها، وكل، أو بعض، قياداتها في محاولة للهرب من واقع الحظر والمتابعة، أما القسم الضعيف من الجماعات الإسلامية، فقد ينفرط عقد تنظيماته، وينتهي وجودها، لأنها لن تستطيع العيش في ظروف شديدة الصعوبة. وفي الخلاصة، فإن مشهد الجماعات الإسلامية الذي اعتدنا رؤيته سوف يتغير ويتبدل خلال المرحلة المقبلة نتيجة دخولها بوابة المحنة.

الشرق الأوسط

الإخوان المسلمون” والغرب/ محمد سيد رصاص

يشير حسن البنا في “مذكرات الدعوة والداعية” على الرابط التالي:

إلى أن تفكيره بتأسيس جماعة “الإخوان المسلمين” في آذار (مارس) 1928 يعود إلى أسباب عدة. ويذكر منها: “إلغاء الخلافة الإسلامية من قبل أتاتورك – الغزو الغربي العنيف والمسلح” (ص 57- 58)، ما جعله يفكر في “وجوب القيام بعمل إسلامي مضاد”(ص 59). لم يكشف البنا في البداية عن الوجه السياسي للجماعة، بل أعطاها قناعاً تربوياً – اجتماعياً خلال فترة التأسيس في مدينة الإسماعيلية.

بعد الانتقال إلى القاهرة وتأسيس مركز الجماعة هناك في 1932، بدأت تكتسب تدريجاً شكل التنظيم السياسي. وفي 1936 وقفت ضد المعاهدة بين حكومة مصطفى النحاس باشا والإنكليز، التي يصفها البنا بأنها تشكل “إجحافاً كبيراً بحقوق مصر واستقلالها الكامل” (ص 316).

لا يطرح البنا أمام التحدي الغربي شكل المقاومة السياسية فقط، بل يطرح بالتكافل معه مشروعاً فكرياً مضاداً من أجل الوصول إلى “عمل إسلامي مضاد”: “ها هو الغرب يظلم ويجور… فلم يبق إلا أن تمتد يد شرقية قوية يظللها لواء الله وتخفق على رأسها راية القرآن” (“مجموعة رسائل حسن البنا”، “دار الأندلس” بيروت 1965، ص169). من الواضح هنا أنه يعتبر “الجماعة” الحامل السياسي – التنظيمي لهذا المشروع.

لم يدخل البنا في تفاصيل رؤيته الفكرية للغرب، ولا في تفاصيل المشروع الفكري الخاص بالعمل الإسلامي المضاد. يمكن تلمس هذا عند سيد قطب في كتابه “العدالة الاجتماعية في الإسلام” (عام 1949)، إذ هناك تأكيد بأن “الكارثة التي أطبقت على الإسلام، إنما كانت في هذا العصر الحديث حين غلبت أوروبا على العالم وامتد ظل الاستعمار الصليبي، وغشي العالم الإسلامي كله شرقاً وغرباً، وأرصد لقتل الروح الإسلامية كل قواه مستمداً دفعته من العداء الصليبي الموروث” (“دار الشروق”، القاهرة 1993، ص 186). ثم يحدد العلاقة بين العالمين الغربي والإسلامي بالتالي: “العالم الغربي هو في الوقت ذاته عدو لنا وعدو لديننا بوجه خاص” (ص191)، وهو في ذروة صراع الكتلة الرأسمالية الغربية والكتلة السوفياتية الشرقية يرى أن “لا يخدعنا أن نرى الصراع قوياً وعنيفاً بين كتلتي الشرق والغرب… لا يوجد اختلاف في طبيعة التفكير الأميركي والروسي، فكلتاهما لا تملك إلا فكرة مادية عن الحياة، وكلتاهما قريبة في طبيعة تفكيرها من الأخرى… إنما تتنازعان النفوذ على العالم… أما الصراع الحقيقي العميق، فهو بين الإسلام وبين الكتلتين الغربية والشرقية معاً” (ص 214).

يرى سيد قطب أن المشروع الإسلامي البديل المضاد، هو مشروع شامل: “الإسلام منهج. منهج حياة… منهج يشمل التصور الاعتقادي الذي يفسر طبيعة الوجود ويحدد مكان الإنسان في هذا الوجود، كما يحدد غاية وجوده الإنساني، ويشمل النظم والتنظيمات الواقعية التي تنبثق من ذلك التصور الاعتقادي… كالنظام الأخلاقي… والنظام السياسي وشكله وخصائصه، والنظام الاجتماعي وأسسه ومقوماته، والنظام الاقتصادي وفلسفته وتشكيلاته، والنظام الدولي وعلاقاته وارتباطاته” (“المستقبل لهذا الدين”، “مكتبة وهبة”، القاهرة 1960، ص 3. ترجم هذا الكتاب إلى الفارسية من قبل علي خامنئي).

يمكن مما سبق تلمس أن موقف “الإخوان” من الغرب، يحوي بنية من طابقين: موقف فكري – ثقافي وموقف سياسي.

في الثلاثينات، كانت الحركية السياسية لتنظيم جماعة “الإخوان المسلمين” في موقف مضاد تفارقي مع الغرب البريطاني المسيطر على مصر. ظهر هذا في الموقف من معاهدة 1936، وفي التحالف مع الملك فاروق الذي كان على تضاد مع زعيم “حزب الوفد” مصطفى النحاس باشا، الذي عقد تلك المعاهدة، ووقف “الإخوان” مع القصر ضد “الوفد” والإنكليز، بالتحالف مع شخصيات مثل علي ماهر رئيس الديوان الملكي ثم رئيس الوزراء (آب 1939- حزيران 1940)، من أجل الدفع باتجاه حيادية مصر في الحرب العالمية الثانية، وعدم الانجرار وراء إنكلترا في حربها مع الألمان والطليان، حتى حسمت لندن الأمر في 4 فبراير 1942، عندما اقتحمت الدبابات البريطانية “قصر عابدين” وفرضت على الملك فاروق تعيين النحاس باشا رئيساً للوزراء.

عند انتخابات البرلمان التي دعا إليها زعيم “الوفد”، اتجه حسن البنا نحو إجراء استدارة كبرى عن مواقفه السابقة، إذ اختار دعم سياسي لوزارة تدعمها لندن، مقابل تعهد النحاس باشا بغض النظر عن النشاط التنظيمي لـ “الجماعة”، مختاراً التنازل في الفكر والسياسة لصالح تمكين التنظيم “الإخواني”، الذي شهد نمواً كبيراً بين الأعوام 1943 و1945، وهذا ما ساعد، على الأرجح، على عدم موته بتأثير ضربات الأعوام 1949 و1954 و1965. وهذا ما أعطى صورة عن براغماتية ليست بلا ضفاف موجودة عند تنظيم الجماعة، لم تمنع العودة بسرعة إلى صدام “الإخوان” و”الوفد” في الفترة الممتدة بين الأعوام 1946 و1950، ولا وقوف “الإخوان ضد “معاهدة صدقي – بيفن” في عام 1946، مطالبين بالجلاء قبل أي اتفاق مع لندن، كما أنها لم تمنع اشتراك “الإخوان” في حرب العصابات ضد الإنكليز في منطقة القناة إثر إلغاء وزارة النحاس باشا في 1951 لمعاهدة 1936.

كان هناك استدارة أكبر عند “الإخوان” نحو الغرب إثر صدامهم مع عبدالناصر في 1954، بعدما استدار الأخير في خريف العام 1955 نحو موسكو مبتعداً عن الغرب: هذه الاستدارة عند الجماعة، كانت ذات طابع سياسي – تنظيمي وليس فكري – ثقافي، وقفت فيه مع واشنطن والرياض ضد جمال عبدالناصر في حرب اليمن (1962-1970) ووقفت فيه مع واشنطن ضد موسكو في حرب أفغانستان (1979-1989). انتهى هذا في “حرب الخليج” الأولى العام 1991، عندما وقفت كل تنظيمات “الإخوان المسلمين”، عدا الفرع الكويتي، مع العراق ضد التحالف الدولي – العربي الذي وقف ضد صدام حسين وغزوه الكويت.

في عام 2005، بدأ يظهر اتجاه عند واشنطن لتقديم أردوغان كنموذج إسلامي في وجه بن لادن، بتأثيرات تفكير أميركي جديد إثر ضربات 11 أيلول (سبتمبر) 2001. وبدأت في ذلك العام محادثات أميركية مع التنظيم العالمي لـ “الإخوان المسلمين”، نتج عنها ضغط أميركي على الرئيس المصري حسني مبارك لإشراكهم (“الإخوان”) في انتخابات مجلس الشعب ودخول (“الحزب الإسلامي العراقي”)، وهو الفرع “الإخواني” المحلي، في وزارة نوري المالكي الأولى في عام 2006.

وفي الفترة الممتدة بين الأعوام 2011 و2013، وبتأثير “الربيع العربي” وسقوط الرئيس المصري حسني مبارك، حصل تلاقي بين “الإخوان” وواشنطن، أثمر غطاء أميركياً لوصولهم إلى السلطة في القاهرة، قيل إنه أتى بالترافق مع تعهد “الإخوان” بعدم المس بثلاث قضايا: المعاهدة المصرية – الإسرائيلية، المصالح الأميركية واقتصاد السوق، ثم جرت استدارة أميركية سريعة عن ذلك منذ صيف العام 2013 مع حركة 3 تموز (يوليو) بقيادة الفريق عبد الفتاح السيسي، التي أسقطت حكم “الإخوان” في القاهرة، ثم ترجم ذلك في تونس ضد “حركة النهضة”.

خلال ست سنوات تفصل المنطقة عن يوم الثالث من تموز 2013، من الواضح أن هناك اتجاهاً غربياً أميركياً – أوروبياً، بدعم إقليمي من دول الخليج، نحو استئصال جماعة “الإخوان المسلمين” من المشهد السياسي. أحد أشكال ذلك، هو التوتر الأميركي – الخليجي تجاه حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يحاول اتقاء مفاعيله عبر الاقتراب من موسكو وطهران.

يأتي الإجراء الأخير عند إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو إدراج التنظيم العالمي لـ “الإخوان المسلمين” ضمن المنظمات المصنفة أميركياً كـ “منظمات إرهابية”، ليشكل ذروة الطلاق بين الغرب و”الإخوان”.

خلال السنوات الست الماضية، من الواضح أن هناك ضدية فكرية – سياسية – تنظيمية ظهرت بين “الإخوان” والغرب، بعد تلاقٍ سياسي – تنظيمي امتد من العام 1954 وحتى العام 1989، ومن ثم في الفترة الممتدة بين 11 شباط (فبراير) 2011 والثالث من تمّوز 2013.

* كاتب سوري.

الحياة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق