سياسة

عن خطبة الأسد في افتتاح مركز «الشام الإسلامي الدولي لمواجهة الإرهاب والتطرّف» -مقالات وتحليلات-

بشار مفسِّراً النبي والدين/ عمر قدور

في حديثه إلى رجال دين قبل أسبوع، لمناسبة افتتاح “مركز الشام الإسلامي الدولي لمواجهة الإرهاب والتطرف”، يقول بشار الأسد: ولم يكن عبثاً أن الرسول تحدث عن بلاد الشام في عدد من الأحاديث. لماذا؟ ثم يجيب: لأنها كانت النموذج الاجتماعي الذي يصلح ليكون الحاضنة الحقيقية للدين الصحيح. لم يتحرج بشار من إطلاق تفسيره هذا، الذي لم يسبقه إليه فقيه، أمام رجال دين صامتين منصاعين، لكن نفترض أن أحدهم لا تنقصه الحجة لإبراز أماكن أخرى لها الأولوية على الشام بسبب ذكرها في القرآن. ذلك بالطبع من دون التوقف عند مفهوم “الحاضنة” الحديث جداً، والملتصق في ذاكرة السوريين بالكثير من المقولات التي أسست لانقساماتهم.

على أية حال يبدو بشار كأنما يرى نفسه أيضاً جديراً بتشغيل أولئك المشايخ كمريدين له من أجل إسلام خاص، مستخدماً طريقة الإسلاميين في احتكار الإسلام الصحيح. ضمن هذا الإطار يوجه سهامه إلى طرفين إسلاميين رئيسيين، هما الإخوان والوهابية، وإن لم يميز بينهما لجهة اتهامهما بالتطرف والإرهاب. وإذا أخذنا بالحسبان وجود معدِّين لخطابه فإن وجودهم يبرر وجود شيء من الاتساق ضمن الركاكة والتفكك المعهودين، بحيث يوضع ما يسمى “منهج علماء الشام الوسطي المعتدل” مقابل النهج الإخواني “المصري المنشأ” والوهابي السعودي.

علينا أن نتذكر هنا أن الشام لم تكن يوماً بمثابة مركز إسلامي له قدسية كما هو حال مكة والمدينة والأقصى، أو مقصداً لطلاب الفقه كما هو حال الأزهر، أو النجف بالنسبة للشيعة. وسوريا، مثل باقي البلدان، ليس فيها إسلام واحد، ووصف الاعتدال أو التطرف هو وصف ظرفي زمني، أو بالأحرى هو حالٌ لم يكن تاريخياً في منأى عن السياسة من ضمن مؤثرات أخرى. لدينا في سوريا أمثلة كافية على مريدي الفرق الصوفية وعلى السلفيين وعلى الإخوانيين، وحتى ضمن جماعة الإخوان لدينا أمثلة على الاختلاف بين “جماعة حلب” و”جماعة حماة”.

للأسدية أيضاً تاريخ من محاولة اصطناع إسلام سوري على مقاسها، خاصة بعد المواجهة مع تنظيم الإخوان قبل أربعة عقود. وقتها لم يتوانَ حافظ الأسد عن تأكيد إسلامه في خطاباته، واستنفرت ماكينته من المشايخ لسحب البساط من جماعة الإخوان، عبر إنشاء “معاهد الأسد لتحفيظ القرآن”، ودعم المدارس الدينية، ومن ثم دعم مظاهر دينية غير رسمية مثل “القبيسيات”، فضلاً عن قيام القيادة القطرية لحزب البعث بتشجيع البعثيين على التسجيل في كلية الشريعة.

في الوقت نفسه كانت ماكينة المخابرات تشتغل على أبعاد متعددة للملف، فهي احتفظت بعلاقات يمكن القول أنها جيدة مع الحركات الجهادية العالمية، تجلى ذلك في التعاون بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، رغم أن المخابرات ذاتها أمدّت الأمريكيين بما تملك من معلومات عما يزيد عن عشرين ألف إسلامي إثر هجمات الحادي عشر من أيلول /سبتمبر. على الصعيد الداخلي، لم تقصّر الأجهزة في اللعبة المزدوجة، فهي في كثير من الأوقات غضت النظر عن منتسبين إلى تيارات إسلامية “باستثناء الإخوان”، لتلقي القبض عليهم لاحقاً. أكثر من ذلك، يذكر لنا محام سابق عن المعتقلين كيف رأى مجموعة من السجناء كثيفي الذقون وهم يُقتادون إلى محكمة أمن الدولة عام 2003، وكانت أجهزة الأسد قد دعت وكالات الأنباء ومندوبي السفارات الغربية لمشاهدة العرض. كان السجناء يلبسون زياً موحداً هي الجلابية البيضاء التي اشتُهر بها مقاتلو القاعدة وطالبان في أفغانستان، وملخص الموضوع أن أولئك المعتقلين حُرموا من الاستحمام والحلاقة حوالي شهر ونصف، ثم أُلبسوا تلك الثياب ليُعرضوا أمام الإعلام الغربي ومندوبي السفارات كإرهابيين، من دون أن يعرف البعض منهم ما الذي يحدث وحتى ما هي التهمة الموجهة إليه.

بالطبع لم تكلل كافة جهود مخابرات الأسد ومشايخه بالنجاح التام، فمع اندلاع الثورة انقسمت شريحة المشايخ أسوة بالانقسام العام، ومن أريدَ لهم أن يكونوا منافسين للإخوان على مقلب السلطة تشتت قسم كبير منهم بين تأييد الإخوان أو السلفية أو السلفية الجهادية، من دون أن نتجاهل أفراداً وقفوا مع الثورة ولم ينضووا في أي من تلك التنظيمات. سيتردد لاحقاً بوفرة الحديثُ عن دهاء الأسد بإفراجه مع بدء الثورة عن معتقلين إسلاميين، ثم بتصويره المفاضلة مقتصرةً عليه وعلى الإسلاميين. هذه السردية تتناسى وجود تواطؤ دولي وإقليمي على تحويل سوريا إلى ساحة لطحن تلك التنظيمات ونظيرتها الشيعية، ووفق الكثير من المعطيات المعروفة كان الأسد على وشك خسارة الحرب في العديد من المحطات لولا النجدة الخارجية، بمعنى أن نجاحه لا يكون مضموناً إلا في حال توفر الخارج المستعد دائماً لإنقاذه من أخطائه، أو توفر الخارج الذي يلعب اللعبة المزدوجة ذاتها في ملف الحركات الإسلامية.

لا يقرأ بشار من كتاب أبيه فقط، عندما يكرر تجربة اصطناع إسلام على مقاس استبداده، مع هامش مخاطرة بأن يتذوق من السم الذي يطبخه. هو يقرأ في الكتاب المفتوح الذي يستلهم منه كثر، كتاب الاستثمار السياسي في الإسلام. وهذا الاستثمار إذ يستدرج استثماراً مضاداً غاضباً، ويرى نفسه الأحق بفهم الإسلام وتأويله، فإنما لا يغادر مقاصده عندما يصبح الإسلام محل نزاع بين طرفين بدل أن تكون ملكيته فردية ومشاعاً في آن واحد.

لعلها من مفارقات زج الإسلام في السياسة أن نرى بشار الأسد في موقع الفقيه، بل يقلّد الإسلاميين عندما يرى “الدين الصحيح في المجتمع السليم”، ومتماشياً معهم إذ يعيد التنظير لمن يرون القرآن كتاباً علمياً بالقول أن الله أنزل القواعد الدينية والقواعد العلمية معاً. هذه قد لا تكون المفارقة الأخيرة بوجود إسلاميين يرفضون فك ارتباط الدين مع السياسة، ويفضّلون له الغرق في أوحالها. من الطريف علاوة على ذلك أن يعطي بشار من موقع الفقيه درساً في العلمانية مميزاً بين “علمانية مؤمنة” و”علمانية كافرة”، وهذا تفقه جديد لم يلحظه أولئك الذين كتبوا مؤلفات في العلمانية واختلافاتها بين بلد وآخر.

جرياً على عادته، لا ينسى بشار إعطاءنا قليلاً من الفكاهة القذافية، باجتراح أفكار جديدة من قبيل أن “الإنسان بفطرته ينتمي إلى عائلته ومدينته وطائفته، ولا يمكن لإنسان أن ينتمي بصدق إلى دينه وهو لا ينتمي لمجتمعه”. أو على غرار قوله: “ما أسمّيه انفصام الشخصية، كأن يعيش الإنسان تناقضاً بين قناعتين”، ناسياً وناسفاً بذلك جهود علماء نفس اشتغلوا على هذا المرض وعوارضه. وصولاً إلى قوله: معروفٌ عني أنني لا أحب الكلام الإنشائي.

المدن

بشار الأسد: استخدمنا الطائفية في الحرب!

افتتحت وزارة الأوقاف، الإثنين، بحضور بشار الأسد، وعدد من العلماء وأئمة المساجد في البلاد، “مركز الشام الإسلامي الدولي لمواجهة الإرهاب والتطرف” في دمشق.

مصادر إعلامية موالية قالت إن المركز سيضمّ فروعاً في المحافظات، ويتألف من أقسام أبرزها؛ المعهد الوطني لتأهيل الأئمة والخطباء، والمعهد الدولي للعلوم الشرعية والعربية للراغبين في الحصول على العلوم الشرعية من علماء بلاد الشام الوسطية، وقسم مختص لرصد الأفكار المتطرفة والفتاوي التكفيرية عبر شبكة الانترنت وتحليلها ومعالجتها، إضافة الى قسم معني بمكافحة الفكر المتطرف.

وألقى بشار الأسد، خطاباً بالعلماء والأئمة، دام قرابة الساعة، وحفل بالتناقضات والعجائب، وساق الأغاليط تلو الأغاليط في سرد حرّ خارج أي منطق.

وقال بشار: “أين نقف في سوريا اليوم بالنسبة لموضوع التطرف وبالنسبة لموضوع الإرهاب.. وهو المشتق طبعاً من التطرف.. السبب أن المركز هو محطة في سياق مكافحة الإرهاب.. هو ليس بداية كما قلت وعندما نقف في محطة ونحن نتحرك باتجاه المستقبل فعلينا أن نفكر أين نقف… ما هو مكاننا… ما هو موقعنا… لأننا عندما نخطط باتجاه المستقبل لا بد أن ننطلق من الحاضر”.

وتابع: “لا نستطيع أن ننطلق من الأفكار النظرية.. لا بد أن ننطلق من الواقع الذي نعيشه اليوم.. ولو سألنا هذا السؤال لأي مواطن سوري أين نقف اليوم… أين تقف سوريا بعد تسع سنوات من الحرب في إطار الإرهاب وفي إطار التطرف… فسوف يكون الجواب ربما من معظم السوريين بأن هذا التطرف أدى إلى حالة.. مؤشر التطرف بالنسبة للمجتمع هي الحالة الطائفية بالدرجة الأولى هذا التطرف أدى إلى تزايد الحالة الطائفية في سوريا إلى درجة غير مسبوقة.. البعض سيكون متشائماً جداً وسيقول إن هذه الحالة الطائفية وصلت إلى نقطة اللاعودة.. والبعض ربما ..الأقل تشاؤما.. سيقول إننا وصلنا إلى مرحلة سيكون علاج هذه الحالة معها صعبا جدا”.

بشار الأسد، في كلمته الطويلة والمملة والمتناقضة، اعترف صراحة، على طريقته، باستخدام الطائفية سلاحاً ضد المعارضة، فقال: “أقول إن هذا هو رد فعل طبيعي.. عندما يكون هناك طرح طائفي استخدم كأداة في بداية الحرب فمن الطبيعي جداً أن يكون رد الفعل هو أيضاً رد فعل طائفي.. ولكن هناك فرقاً كبيراً بين الفعل الحقيقي وبين ردود الأفعال”.

وقال بمنتهى الوضوح: “الوضع اليوم بالنسبة للمجتمع السوري ليس فقط أفضل من بداية الحرب وإنما هو اليوم أفضل من قبل الحرب”.

وتابع: “من هو الشارع الآخر… شارع ملحد… لا أبداً.. معظم الشعب السوري متدين ولكن التدين درجات.. الإلحاد هو حالات أنا أعتقد أنها ليست جزراً كما هو حال التطرف.. أنا أعتقد بأنها حالات إفرادية حسب ما أرى.. إفرادية جداً وليس لها أي وزن على الساحة السورية ..لا الاجتماعية ولا الدينية ولا غيرها.. لذلك لا أقول الشارع الديني لأن الشارع المقابل هو شارع ملحد وهذا خطأ كبير.. ولكن لنقل الأقل تدينا.. الذين ينظرون بتوجس للعاملين في الحقل الديني وللمتدينين لم يكونوا قادرين على التمييز بين التدين والتطرف.. كان بالنسبة لهم كل متدين إما متطرف أو يحمل بداخله بذور تطرف.. وكان بالنسبة للكثير من هؤلاء كل من يلبس عمامة هو إما إخونجي أو لديه ميول إخونجية.. طبعاً هذا من تداعيات ومن نتائج مرحلة إخوان الشياطين في نهاية السبعينيات وفي بداية الثمانينات.. الأزمة هي التي جعلت الكثير من هؤلاء يميز بين المواطن المتدين والمواطن المتعصب.. بين العالم المتدين والعالم المتطرف.. بين العالم الحقيقي الذي يحمل العلم في عقله وتحت هذه العمامة وبين عالم انتهازي جاهل يسوق نفسه كعالم فقط لأنه يلبس هذه العمامة.. هذه من النتائج الإيجابية”.

وأضاف: “رأينا نتائج سوء الفهم هذا باعتبار أن الدولة هي دولة إما ملحدة.. أو على الأقل هي ضد الدين على الأقل بقناعاتها وتستغل الفرصة لتعرقل أي شيء له علاقة بالدين.. هكذا كان المفهوم.. رأينا النتائج في البداية وتذكرون أنه كلما كانت هناك قذيفة أو رصاصة تصيب مسجداً كانوا يقولون إن الدولة تتقصد فعل هذا الشيء لأنها تريد أن تضرب الإسلام ورموز الإسلام.. تذكرون قصة أن هناك أشخاصاً وضعوا صورة الرئيس في الشارع وكانوا يركعون ويصلون للرئيس وتم تسويقها بسهولة لأنه كانت هناك قناعة بأن الدولة هي دولة علمانية ملحدة ضد الدين وضد كل ما يتعلق بالدين وضد كل من هو متدين سواء أكان عالماً أو كان عاملاً في الحقل الديني أو مواطناً”.

“تذكرون بأن كل الموبقات كان من السهل تسويقها ضد الدولة في ذلك الوقت لأنها دولة ضد الدين وبالتالي هي ضد الأخلاق…. ودائماً العاملون في الدولة أو الجيش أو وزارة الأوقاف مسؤولون عن هذه الموبقات.. فإذاً أتت هذه الحرب لكي نميز بين التنظيم وبين العمل ضد الدين.. قبل الحرب لم نكن نميز بين العلمانية الملحدة والعلمانية المؤمنة”.

وأضاف: “لاحظوا أنا لم أضع العلمانية في مقابل التدين كما يفعل البعض.. وضعت الإيمان مقابل الإلحاد هذا هو التناقض الطبيعي لسبب بسيط لأنه لا توجد علاقة بين العلمانية والتدين ولا توجد علاقة بين العلمانية والإلحاد.. الإنسان هو يكون مؤمناً أو ملحداً لأن الإيمان والإلحاد مرتبطان بالعقيدة.. أن أؤمن بهذه العقيدة أو لا أؤمن بهذه العقيدة أو بتلك العقيدة.. أما العلمانية فهي ممارسة لا توجد عقيدة علمانية.. لا توجد علاقة بين العلمانية وبين التدين لا سلباً ولا إيجاباً.. وهذه العلاقة التي يضعها البعض سواء من المتدينين أو من غير المتدينين هي حوار خاطئ.. أن يقال هذا ملحد وهذا علماني.. هذا متدين وهذا علماني.. هذا خطأ.. كأن أقول ان الموجودين معنا الآن بهذه القاعة نصفهم يمتلك بيتا أو نصفهم في الإيجار.. والنصف الآخر يحمل شهادة في الشريعة.. ما العلاقة بين الأولى والثانية… ستقولون ما هذا الكلام غير المنطقي… الشيء نفسه.. لا توجد علاقة.. العلمانية هي ممارسة.. نحن في الدولة عندما يأتينا شخص.. أي شخص من بينكم.. يأتي للقيام بإجراء معاملة بيع.. شراء.. تسجيل.. لا نسأله ما هو دينه ولا طائفته ولا علاقة لنا في هذا الموضوع.. وهذا طبيعي بالنسبة لنا ولكم.. أنتم عندما ترون إنساناً محتاجاً في الطريق تقومون بمساعدته.. تساعدونه لأنه مسلم فقط… إذا كان غير مسلم تقولون له اذهب إلى الجحيم… هذا مناقض للإسلام.. هذه هي العلمانية.. هذا ما نريده.. هي الممارسة”.

“المكان الوحيد في الدولة الذي يستند إلى الدين بشكل مباشر كقانون.. هو قانون الأحوال الشخصية.. الزواج والطلاق والتوريث وغيرها من الأمور وحتى في هذا القانون هناك حرية للطوائف لكي تقرر ما الذي يناسبها في هذه القضايا.. هذا القانون المستند إلى الأديان هو علماني لأنه يترك الحرية.. فإذا لا علاقة بين العلمانية والدين.. الإلحاد إلحاد والإيمان إيمان.. هذه هي المقارنة”.

“لذلك عندما اندلعت الحرب.. الكثير من الناس غرر بهم لأنهم لم يكونوا يمتلكون رؤية وهم يقولون هذا الشيء.. غرر بنا.. ماذا يعني غرر… يعني لم نكن نمتلك الرؤية بالعقل.. هذا هو الفرق بين العمى والعمه.. يجب أن نعترف بالحقيقة قبل أن ننطلق إلى المستقبل.. وفرصة لنا الآن مع إطلاق هذا المركز أن نتحدث بصراحة وبوضوح وشفافية”.

“هذه الرؤية وهذا التناغم الذي حصل مبني على رؤية صحيحة.. هو الذي ساعدكم وساعدنا على أن نقوم بكثير من الإجراءات التي كان من غير الممكن القيام بها.. قانون الأحوال الشخصية والذي كان لكم كمؤسسة دينية الفضل الأساسي في إنجازه بعد جمود لعقود من الزمن.. منذ الخمسينيات أعتقد.. لو طرحناه قبل الحرب كان سيقال إن هدف الدولة هو الالتفاف على الدين.. تمكنا من خلال هذه الرؤية الواضحة أن نقوم به.. قانون وزارة الأوقاف بما فيه من إجراءات وضوابط كان من الممكن أن تفهم بشكل سلبي قبل الحرب.. وغيرها من الإجراءات الكثيرة والتفاصيل التي أعرفها وتعرفونها بتفاصيلها”.

“ما عانينا منه في هذه الحرب مرتبط بالتطرف الديني.. طبعاً هذا التطرف استحوذ على الاهتمام العالمي واكتسح الساحة بعد أحداث الـ11 من أيلول في نيويورك كما تعلمون.. وساهمت الوهابية.. العقيدة الوهابية والماكينة الوهابية في تكريس وتثبيت هذه الصورة وأصبحت كحقيقة.. وهي حقيقة بشكل أو بآخر.. حتى الإرهاب الموجود في سورية منشؤه ليس التقاليد والعادات السورية بل هو وافد ولكنه أصبح حقيقة في سوريا.. فإذاً هو منتج اجتماعي ولا يمكن أن تنجحوا في هذا العمل سواء في هذا المركز.. أو على شبكات الانترنت.. أو في مساجدكم.. أو في محاضراتكم إن لم تكن هناك معالجة موازية للثغرات التي أصبحت موجودة في هذا المجتمع والتي تنتج تطرفاً ليأتي الفكر الديني لكي يركب على هذا التطرف”.

“نحن نتحدث ونعتبرها من البديهيات بأن مكافحة الإرهاب أو مكافحة التطرف أين تبدأ… تبدأ في الدين الصحيح.. ومتفقون على هذه الكلمة.. لكن أين نرى الدين الصحيح… لا يمكن أن نرى الدين الصحيح إلا في المجتمع السليم.. يجب أن نعرف هذه الحقيقة وننطلق منها”.

وتابع “الدين هو بذرة صالحة تزرع في التربة.. تعطينا شجرة.. تتمدد الأغصان.. تثمر الأوراق وتغطي المجتمع بظلالها المباركة وتحميه وتصلحه.. ولكن ماذا لو كانت هذه التربة فاسدة… ستكون هذه الشجرة مشوهة ولن تكون مفيدة.. بالعكس ربما تتحول إلى شجرة ضارة.. ما هو النموذج الواقعي… أنا لا أحب التنظير.. النموذج الواقعي هو الوهابية.. الدين نفسه الذي أنزل علينا في بلاد الشام أنزل على الوهابية.. طبعاً لا أقصد التنزيل بالمعنى الحرفي.. وهم يمارسون الشعائر نفسها تقريباً والصلاة نفسها والقرآن نفسه والحديث نفسه.. ولكن هم حولوا هذا الدين بجهلهم وجهل بيئتهم في ذلك الوقت إلى دين نموذج للتخلف والجهل.. كانت هناك حالة شاذة أنزل عليها الدين فحولوا الدين إلى حالة شاذة من المفاهيم.. الممارسة شاذة.. عندما نرى ممارسة شاذة في العمل الديني.. فعلينا أن نبحث عن الشذوذ في ذلك المجتمع”.

“احتكار الحقيقة ورفض الآخر وكل أنواع التطرف التي نراها كانت جزءا من ذلك المجتمع وانعكست على الممارسة الدينية.. بالمقابل مجتمع بلاد الشام.. هو مجتمع معتدل.. أنزلت عليه العقيدة نفسها.. ماذا أنتج خلال أربعة عشر قرنا… إسلاماً صحيحاً.. إسلاماً نحن نعتبره أنموذجاً للإسلام بالرغم من الثغرات الموجودة.. ولكن يمكن إصلاح هذه الثغرات.. ولم يكن عبثاً أن الرسول الكريم تحدث عن بلاد الشام في عدد من الأحاديث.. لم يتحدث عن منطقة في العالم العربي والإسلامي كما تحدث عن بلاد الشام.. لماذا… لأنها كانت الانموذج الاجتماعي الذي يصلح ليكون الحاضنة الحقيقية للدين الصحيح.. بكل بساطة وليس مصادفة وليس لأنه كان لديه أصدقاء أو صحابة من الشام.. السبب هو المجتمع.. هذا هو الربط بين الموضوعين”.

المدن

فلسفة الاستبداد: سوريا الآن أفضل من 9 سنوات!

رأي القدس

في كلمة استغرقت 45 دقيقة خلال افتتاح مركز «الشام الإسلامي الدولي لمواجهة الإرهاب والتطرّف» خطب رئيس النظام السوري بشار الأسد خطبة عصماء كرّر فيها كلمة الدين أكثر من 150 مرة في جمع من الشيوخ والأئمة المعممين الذين يُفترض أنهم فقهاء في هذا الدين الذي يحاضرهم فيه!

وبما أن الأسد «لا يحبّ الكلام الإنشائي»، كما قال في الخطاب الذي ألقاه، وإنه «معروف عني لا أتكلم كلاما إنشائيا» فقد استخدم ملكاته الفلسفيّة ليؤكد «بكل ثقة» أن «الوضع في سوريا هو أفضل مما كان قبل بدء 9 سنوات»، أي منذ قرّر النظام أن يواجه التظاهرات الشعبيّة السلميّة العارمة في درعا، وبانياس، وحماه، وحمص، ودير الزور وأرياف دمشق وحلب وإدلب واللاذقية والحسكة وغيرها بالرصاص والإرهاب والتجويع والاعتقالات والتعذيب وصولاً، لاحقاً، إلى استخدام الصواريخ والمدافع والبراميل المتفجرة وأسلحة الإبادة الشاملة الكيميائية.

احتاج الأسد إلى كمية هائلة من اللغو لتفسير ما لا يمكن تفسيره والذي لخّصه بأنه «لو كان الوضع السوري الآن أسوأ مما كان قبل 9 سنوات لما صمد المجتمع السوري»، وترجمة هذه المعادلة العجيبة هي أن الوضع الآن أفضل لأن الأسد ما زال رئيسا ولم يتم خلعه أو اعتقاله أو اغتياله، كما حصل لرؤساء عرب آخرين قامت عليهم الثورات في الفترة نفسها.

يتجاهل الأسد طبعا أن بقاءه و«صمود المجتمع السوري» كما يسميه، رافقه تمزق الكيان السياسي للدولة التي يعتبر أنه يحكمها والتي تقتصر على منطقة الساحل والمنطقة الوسطى وصولا الى الجنوب، وإذا كانت تحت إدارة نظام الأسد اسميّا فإنها في الحقيقة تحت سلطة روسيّة ـ إيرانية، إلى جانب ثلاثة كيانات سياسية – عسكرية أخرى، واحدة في الجزيرة ودير الزور حتى حدود حلب وإدلب محسوبة على الولايات المتحدة الأمريكية وتحكمها ميليشيات حزب «الاتحاد الديمقراطي الكردي»، وثانية تسيطر عليها تركيا في ريف حلب الشمالي والغربي، وثالثة في إدلب وجوارها من أرياف حلب وحماه واللاذقية، وتديرها تشكيلات مسلحة أهمها «جبهة تحرير الشام».

يتجاهل الأسد أيضاً أن قرابة نصف سكان البلاد قد اضطروا للنزوح والهجرة لاجئين إلى بلدان الجوار والمنافي البعيدة، وأن مئات الآلاف قتلوا أو اعتقلوا، فيما تجاوز عدد الجرحى المليونين، وقدر تقرير قبل سنتين أن ما يقارب 11.5 في المئة من السكان إما قتلى أو جرحى، ولا يدخل في هؤلاء عدد من قضوا في البحر المتوسط خلال محاولات العبور لأوروبا عبر «قوارب الموت»، وهناك تقدير مرجح أن نصف «المهاجرين غير الشرعيين» الذين ابتلعهم البحر في السنوات الماضية سوريون، وأن النسيج العمرانيّ والاجتماعي لأغلب المدن والأرياف قد دمّر، وأن الاقتصاد والعملة الوطنية بلغا مرحلة من الانهيار الشديد.

في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» يقول الكاتب الشهير الشيخ عبد الرحمن الكواكبي إن «أكثر ما تختم حياة المستبد بالجنون التام»، وهذه الجملة الأكثر مناسبة لتوصيف حال المستبدّين عموماً لا تكفي، في الحقيقة، لتوصيف حالة الأسد بعد خطبته الآنفة.

القدس العربي

أوهام تصريف العنف الطائفي في خطاب السلطة الاسدية/ مصلح مصلح

في خطابه الأخير أمام ثلة من رجال أوقاف وزارة النظام، على هامش افتتاح “مركز الشام الإسلامي الدولي لمواجه قضايا التطرف والإرهاب”، نعثر على بشار الأسد منحازًا لطريقته المعرفية الأثيرة القائمة على قاعدة التفكير بالأيدي والأرجل، التي تقوم على قاعدة اختبار الأفكار والتصورات العقلية عبر التجربة، وذلك في معرض إجابته على مدى عمق الشعور الطائفي في نفوس السوريين بعد تجربة الحرب الأهلية التي لا تزال رحها تدور على وجودهم الروحي والمادي إلى الآن. فالشعور الطائفي بين السوريين برأيه قد تراجع بعد ثماني سنوات من حربه ضد المجتمع، على الرغم من سياسة البراميل المتفجرة والمسلخ البشري وسياسية التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي لا تفك تعمل على توسيع شقوقه على نحوعميق وفجائعي.

أما السبب وراء هذا الانحسار الكبير للشعور الطائفي فمرده، كما يدعي، إلى انكشاف جملة من الحقائق في نفوس الناس المشحونين بالتصورات الطائفية، يأتي على رأسها اتضاح الرؤية في ذهن رجال الدين السنة لناحية مفهوم التدين القائم على طاعة للذات الإلهية كعامل فعّال لبناء مجتمع متحاب ومتعاضد ومتسامح، وبين التعصب المذهب القائم على تعميق الشعور بالأفضلية الأخلاقية، وشرعنة العنف الديني ضد المختلفين عنهم عقائديًا كعامل هدم. يليها وعي مقابل من الطرف غير المتدين بالتخلي عن النظرة السوداوية التي تربط بين كل رجل دين والتطرف. فوفق منطق الأسد السابق تكون الحرب على الرغم من فداحة الخسارات التي فيها، أمرًا إيجابيًا بالمطلق لكونها كشفت الأساس والعوامل التي ولدتها، مما يجعلنا قادرين على تجنبها في المستقبل.

تنهض تصورات الأسد عن تعمق الشعور الطائفي بين السوريين على تصور ساذج يقوم على وجود سوء فهم متبادل بين طوائف المجتمع السوري حول مفهوم التدين وعلاقاته الحافلة بالتعصب والتطرف والعلمانية، و التي ما أن تزول حتى يصير الجميع أبناء متحابين في مجتمع فاضل لا يعرف النزاع والخوف والعنف إلى قلبه سبيلًا. يتجاهل التصور المتوهم ذلك حقيقة أن النظام الطائفي في المجتمع السوري نتاج عمل مسبق لنظام الأسد الأب، الذي ارتأى الاستعانة بأبناء الطائفة التي ينتمي لها لضمان استمراريته بالسلطة مع إمكانية ضمان تحويلها إلى دولة سلالية يقوم أبناؤه بحكمها من بعده. فحزب الإخوان المسلمين لم ينشأ كنبت شيطاني كما أصر الأسد على تأكيده في جميع مفاصل الخطاب، إلى درجة تفضيل كلمة “شياطين” على مسلمين كنوع من العنف الكلامي المضمر، وإنما يعود حضوره الشعبي على نطاق واسعة كردة فعل على التهميش الذي لحق بالبرجوازية التجارية الحلبية وارتباطاتها في مدن الشمال والوسط في أواخر الثمانينيات. يعيب ويعرض الأسد بعنف الأخوان ذي الجذور الدينية في محاولتهم لانتزاع سلطة آل الأسد، بقصد إدانه أي استخدام لفعليات المقدس في حرب الناس ضد السلطة الغاشمة، دون أن يكلف نفسه عناء المقارنة بين عنف الأخوان وعنف السطلة الانقلابية التي قادها الأسد الأب في سعيه للاستيلاء على السلطة، ذلك العنف الذي تحول إلى ممارسة يومية لاخضاع المجتمع السوري برمته، والذي أجبر السوريين الراغبين بالتخلص من هيمنته على الدولة والمجتمع اللجوء إلى العنف كوسيلة للدفاع عن النفس، بعد أن رأوا بأم العين الطريقة الدموية العنيفة التي استخدمها لفض الاحتجات السلمية التي انطلقت في شوراع حلب ومحيطها كما في جميع المدن التي انطلقت في الثامن من آذار/مارس 1980.

تقبع في داخل بشار الأسد، كرجل سلطة مطلق، رغبة عميقة للعب كل الأدوار التي تغذي نزوعه النرجسي، فما من مرة ظهر فيها من على منصة الخطابة إلا وأصر على الظهور بمظهر الخطيب المفوّه الذي لا يشق له غبار، مع أن حركات يديه البلهاء اللتين لا تخدمانه في ذلك، ناهيك عن عينيه الحائرتين اللتين تشتتان تركيز مستمعيه. يخادع بشار نفسه حين يدعي أنه يفضل الحديث عن الواقع العياني على التنظير الأجوف، إذ سرعان ما ينزلق إليه بشدة. ففي معرض تأكيده على نفي الإلحاد عن العلمانية، نجده يحرص حرصًا شديدًا على الربط بين العلمانية والدين، دون أن يخطر على باله أن ألف باء العلمانية هي حياد الدولة تجاه جميع الأديان مع إفساح المجال أمام جميع المؤمنين بحق ممارسة عقائدهم دون إكراه أو وصاية. فالشيء المفقود في علمانية دولة بشار الأسد هم المواطنين الأحرار التي تعمل السلطة السياسية على خدمتهم لا على توظيفهم لخدمتها. فما الذي يجعل البروتستانت والكاثوليك رغم العداء التاريخي الذي حكم تاريخ العلاقة بينهما يعيشون في ألمانيا جنبًا إلى جنب دون أي شعور بأي مشاعر طائفيه سوى إحساسهم العميق بمواطنيتهم، وتعاملهم الحر مع عقائدهم الدينية ضمن سياق الحريات الشخصية لكل واحد منهم؟

يبدّل بشار الأسد مواقعه من رئيس دولة إلى واعض فمنظر فكري بخفة، دون أن يعني ذلك أن ينجح بممارسة جميع أدواره المشتهاة بمهارة، فمن موقعه كرئيس يتمنى أن يعطل الرافعة الطائفية السنية كي يتجنب فقدانه للسطة المطلة التي يتمتع بها، إلا أنه يفاقمها بشدة حين يرفض الركون لمعالجتها عن طريق تحويل دولته المستبدة إلى دولة علمانية المشترك بين مواطنيها المتعددين المذاهب الدينية، الحقوق المتساوية للجميع، لا نظام الامتيازات والخوة والتمايزات الاجتماعية وخرق القانون. أما في موقعه كواعض فبدلًا من أن يجعل من الإيمان شأنًا شخصيًا خاصًا بالفرد المواطن، يصر على نحو متعمد بربطه بالطاعة السياسة لذاته الرئاسية المنتفجة، فالمؤمن الحق في دولته العلمانية هو الشخص الذي يربط بين إيمانه بربه وبين إيمانه برئيسه، إذ أن أي عملية احتجاج سياسي أو اقتصادي لمؤمن ضد رئيسه يعني فيما يعينه الخروج ليس من مرتبة الايمان إلى الكفر، بل بالخروج من دائرة الوطنية إلى الخيانة لها.

في قناعه الثالث كمنظر فكري يصر الأسد أن يجمع السذاجة مع معاقرة المنطق المقلوب، ففي معرض حديثه للتوفيق بين العلم والدين، يقترف حماقة الخلط بين كل من الطريقة التي يجترعها العلم والدين في مقاربتهما للحقيقة، فالدين نوع من المعرفة التي تدعي صلاحيتها لكل زمان ومكان، لكونها تنظر لنفسها كتجلي حي ودائم للوحي الإلهي المطلق، الأمر الذي ينتهي لوضع نفسها فوق كل نقد أو نقصان، على العكس من العلم الذي لا يدعي الإطلاقية في إحكامه أو اكتشافاته، بقدر ما يقر بقابليتها للخطأ والصواب، مع إمكانية نقدها وتجوازها عبر الزمن اللاحق. أما بشار الأسد في تنظيره الفكري فيذهب إلى نوع من التوحيد بين حقلين مختلفين تمامًا، وما ذلك لأنه لا يمتلك عقلًا نقديًا يتيح له الفصل والوصل العقليين، فما هذه السذاجة التي تدعي أن لا فرق بين العلم والدين ما دام العلم هو محاولة للشكف عن القوانين التي خلقها الله، فالعلم في جوهره لا ينهض على إثبات القوانين التي خلقها الله، وإنما على الشكف عن القوانين التي في الطبيعة، ذلك أن العلم يعمل خارج حدود التصورات اللاهوتية التي يتبناها الدين.

يستطيع بشار الأسد أن يحتفي بقينية حدوسه عن العنف الطائفي الذي يتأتى برأيه من سوء الفهم تارة، والجهل تارة أخرى، إلا أن ذلك لن يغير شيئًا من طبيعة العنف ومصدره المتأتي من بنية دولته الطائفية، التي لا يمكن أن تحكم وتستمر دون عنف وإكراه موجه ضد محكوميها، الأمر الذي تستقطب بدورها عنفًا مضادًا من قبل ضحاياه، سرعان ما توظفه لتبرر عنفها الماحق ضدهم.

الترا صوت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق