شعر

اسمُكِ يرتعشُ على كتفي/ أكتاڤيو پاس

ترجمة تحسين الخطيب

ليليّة

أيها الظلّ، يا ظلّ الأصواتِ المرتعشَ،

يا النهرَ الأسودَ الذي يجرّ مرمرَهُ الغريقَ.

كيفَ أحكي عنِ الهواءِ القتيلِ،

عنِ الكلامِ اليتيمِ،

كيفَ أحكي عن الحُلمِ؟

أيّها الظلّ، يا ظلّ الأصواتِ المرتعشَ.

يا الميزانَ الأسودَ؛ ميزانَ السّوسنِ.

كيفَ أحكي الأسماءَ، النجومَ،

الطيورَ العاجَ؛ طيورَ البيانوهاتِ الليليّةِ،

ومسلّةَ الصّمتِ؟

أيّها الظلّ، يا ظلّ الأصواتِ المرتعشَ.

يا التماثيلَ التي هارت منَ القمرِ.

كيف أنطقُ، يا كاميليا،

يا الزهرةَ الأقلّ بينَ الأزهارِ،

كيف أنطقُ هندسَتكِ البيضاءَ؟

كيفَ أنطقُ صمتَكِ، عاليًا، يا حلُمي؟

لقطة

تقفزُ الكلمةُ

أمامَ الفكرِ

أمامَ الصّوتِ

تقفزُ الكلمةُ كحصانٍ

أمامَ الرّيحِ

كثورٍ كبريتٍ

أمامَ اللّيلِ

إنّها ضائعةٌ في شوارعِ جمجمتي

آثارُ أقدامِ الوحشِ في كلّ مكانٍ

الوشمُ القرمزيّ على وجهِ الشّجرةِ

الوشمُ الجليديّ على جبينِ البُرجِ

الوشمُ الكهربائيّ على جنسِ الكنيسةِ

مخالبُهُ في عنقكِ

براثنهُ في بطنكِ

العلامةُ البنفسجيّةُ

زهرةُ عبّادِ الشّمسِ التي تستديرُ صوبَ الهدفِ

صوبَ الصرخةِ صوبَ الضّجِرِ

زهرةُ عبّادِ الشّمسِ التي تستديرُ كتنهيدةٍ مسلوخةٍ

توقيعُ الذي بلا اسمٍ على جِلدكِ

وفي كلّ مكانٍ الصرخةُ التي تعمي

الموجةُ السوداءُ التي تغمرُ الفكرَ

الجرسُ الغاضبُ الذي يرنّ في رأسي

جرسُ الدمِ في صدري

الصورةُ التي تضحكُ في أعلى البُرجِ

الكلمةُ التي تُفجّرُ الكلماتِ

الصورةُ التي تحرقُ جميعَ الجسورِ

المرأةُ التي تتلاشى في منتصفِ القُبلةِ

المهجورةُ التي قتلتْ أبناءَها

الأحمقُ والكذّابُ وابنةُ الحرَامِ

الظبيةُ المظلومةُ

الشحّاذةُ النبويّةُ

الفتاةُ التي توقظني في منتصفِ

حياتي وتقول: أتذكرُ.

مونولوغ

تحتَ الأعمدةِ المكسورةِ،

بينَ العدَمِ والحلمِ،

تعبرُ مقاطعُ اسمكِ

ساعاتِ نوميَ التي طارَ النّومُ مِن جفونها.

شعرُكِ الطويلُ الضّاربُ إلى الحُمرةِ،

برقُ الصّيفِ،

يرتعشُ عنيفًا عذبًا

على ظهرِ اللّيلِ.

تيّارُ الحلمِ المعتمُ

الذي يجري بينَ الأطلالِ

ويُوجدكِ منَ العدَمِ:

شريطًا ساحليّاً ليليّاً رطباً

حيثُ يضربُ البحرُ الأعمى،

وينتشرُ.

الحياةُ ملموحةً

برقٌ أمْ سَمَكٌ

في ليلِ البحرِ

والطيورِ، برقٌ

في ليلِ الغابةِ.

العظامُ برقٌ

في ليلِ الجسدِ.

آهٍ، أيّها العالَمُ، كلُّ شيءٍ ليلٌ

والحياةُ برقُ.

خريف

تستيقظُ الرّيحُ،

وتكنسُ الأفكارَ مِن عقلي

ثمّ تعلّقني

في ضَوءٍ لا يبستمُ لأحدٍ:

يا للجمالِ العشوائيّ!

أيها الخريفُ: في يديكَ الباردتينِ

يشتعلُ العالَمُ.

جسدان

جسدانِ وجهًا لوجهٍ

موجتانِ أحيانًا

والليلُ هُوَ المحيطُ.

جسدانِ وجهًا لوجهٍ

حجَرانِ أحيانًا

والليلُ هُوَ الصحراءُ.

جسدانِ وجهًا لوجهٍ

جِذرانِ أحيانًا

في اللّيلِ يتشابكانِ.

جسدانِ وجهًا لوجهٍ

سكّينانِ أحيانًا

واللّيلُ هُوَ البرقُ.

جسدانِ وجهًا لوجهٍ

نجمانِ يسقطانِ

في سماءٍ فارغة.

فجر

يدانِ باردتانِ عجولتانِ

تسحبانِ ضماداتِ العتمةِ

واحدةً تلوَ الأخرى

أفتحُ عينيّ ساكنًا

ما زلتُ أحيا في قلبِ

جرحٍ، طريّاً، لا يزالُ

هنا

خطواتي في هذا الشّارعِ

تتردّدُ في شارعٍ آخر

حيث أسمعُ خطواتي

تعبرُ هذا الشارعَ

حيثُ

لا شيءَ حقيقيّاً سوى السّديم

يقين

لو أنّ الضوءَ الأبيضَ

المنبعثَ من هذا المصباحِ حقيقيٌ، لو أنّ

اليدَ الكاتبةَ حقيقيّةٌ، هل حقيقيّةٌ

هي العيونُ التي تنظرُ إلى ما أكتبُ؟

مِن كلمةٍ إلى أخرى

يتلاشى ما أقولُ.

أعرفُ بأنّني أعيشُ

بينَ قوسينِ صغيرينِ.

صِنْوان

تُفتّشينَ الجبلَ في جسدي

عنِ الشّمسِ المدفونةِ في الغابةِ.

وفي جسدكِ، أبحثُ عن القاربِ

الذي ضَلّ سبيلَهُ في منتصفِ اللّيلِ.

الجسر

بينَ الآنَ والآنَ،

بينَ “أنا” و”أنتِ”،

كلمةُ “جِسرٍ”.

تدخلينَهُ،

فتدخلينَ نفسَكِ:

يحتشدُ العالَمُ

وينغلقُ كطَوْقٍ.

مِن ضفّةٍ إلى أخرى،

جسدٌ ممدودٌ أبدًا:

قوسُ قزحٍ.

سأنامُ تحتَ أقواسهِ.

داخل

أفكارٌ تحذيريّةٌ

تريدُ أن تفلقَ جمجمتي

هذي الكتابةُ تتحرّكُ

في شوارعَ من طيورٍ

يدي تفكّرُ عاليًا

كلمةٌ تنادي اختَها

وعلى الصفحة حيثُ أكتبُ

أرى كائناتٍ تأتي وتروحُ

كتابٌ وكرّاسٌ

يفردانِ أجنحتهما ويستريحانِ

لقد أُضيئَتِ المصابيحُ والسّاعةُ

كسريرٍ تُفتَحُ وتنغلقُ

بجوربَيْنِ حمراوَيْنِ ووجهٍ شاحبٍ

تأتينَ أنتِ واللّيلُ

فجرٌ أخير

ضائعٌ شَعرُكِ في الغابةِ،

وقدماكِ تلمسانِ قدميّ.

نائمةٌ أنتِ أكبرُ من اللّيلِ،

ولكنّ حلُمكِ يَسَعُ هذهِ الغرفةِ.

ما أكثرَنا نحنُ الصغيرينِ!

تعبرُ سيّارةُ أجرةٍ في الخارجِ

محمّلةً أشباحًا.

النهرُ الذي يجري قُربَنا

يجري إلى الخلفِ دائمًا.

هل سيكونُ الغدُ يومًا آخر؟

الآخر

صنعَ وجهًا لنفسهِ. عاشَ

خلفَهُ ثُمّ ماتَ ووُلِدَ مِن جديدٍ

عدّةَ مرّاتٍ. لوجههِ الآنَ

تجاعيدُ ذلكَ الوجهِ.

لا وجهَ لتجاعيدهِ.

قريةٌ

الحجارةٌ وقتٌ

ريحٌ

قرونٌ مِنَ الرّيحِ

والأشجارٌ وقتٌ

والنّاسُ أحجارُ

ريحٌ

تدورُ على نفسها وتُدفَنُ

في النهارِ الحجَرِ

لا ماءَ ولكنّ عيونَهم تلمعُ

تهليل

سكونٌ

ليسَ على الغصنِ

في الهواءِ

ليسَ في الهواءِ

في اللّحظةِ

طائرٌ طنّانُ

جارٌ بعيد

ليلةَ الأمسِ

كانتْ شجرةُ الدّردارِ

ترغبُ في أن تخبرني

بشيءٍ— فَلَمْ تفعلِ.

غزليّة

أكثرَ شفافيةً

مِن هذا الماءِ السّاقطِ

بينَ أصابعِ الكرمةِ المتشابكة

أفكاري تمدّ جسرًا

مِن نفسكِ إلى نفسكِ

أنظُرِي إلى نفسكِ

أكثرَ واقعيّةً من الجسدِ الذي تسكنينَهُ

راسخةً في صميم عقلي

لقد وُلدتّ لتعيشي على جزيرةٍ

بعينين مغمضتين

بعينينِ مغمضتينِ

تُشرقينَ فيكِ

أنتِ حجَرٌ أعمى

ليلةً إثرَ ليلةٍ أنحَتُكِ

بعينينِ مغمضتينِ

أنتِ حجرٌ صريحٌ

لقد أصبحنا هائلَيْنِ

لا نعرفُ بعضَنا

إلّا بعينينِ مغمضتينِ

اسمُكِ

وُلِدَ مِنّيْ، مِن ظلّيْ،

أيقظَهُ جِلديْ،

يا فجرَ الضّوْءِ السّائرِ في نومهِ.

اسمُكِ، أيّتها اليمامةُ البريّةُ،

يرتعشُ على كتفيْ.

 أكتاڤيو پاس (Octavio Paz) شاعر ومفكّر مكسيكيّ، نال جائزة نوبل في الأدب للعام 1990. من كتبه الشعريّة: قمرٌ غابيّ (1933)، حجر الشمس (1957)، سلمندر (1962)، وشجرة في الداخل (1987).

موقع رمان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى