أبحاث

الشباب السوري والحرب وأنماط التدين: ملتزمون أم معتدلون دينياً؟/ محمد تركي الربيعو

■ نشر مركز صدى لاستطلاع الرأي في إسطنبول قبل عدة أيام استطلاعاً حول اتجاهات الشباب السوري في الإعلام والسياسة والدين، خلال السنوات الثماني الأخيرة. ورغم نشر نتائج هذا السبر في أكثر من صحيفة وموقع إلكتروني، بيد أنه ربما لم يثر نقاشاً بحجم النقاش وردود الفعل السلبية تجاه مضمونه، كما حدث لاحقاً. إذ تبيّن للقائمين على هذا الاستطلاع، الذي شمل عينة مؤلفة من 1050 شخصا في ثماني مدن (حلب ودمشق وإدلب وعمان وبيروت وإسطنبول وأورفه وعنتاب) أن 16٪ فقط من الشباب السوري ملتزم دينياً، في حين رجحت الغلبة لتدين شبابي بدا أكثر مرونة مع الطقوس والممارسات الدينية في حياته اليومية.

وقد بدت هذه النتيجة معقولة بالنسبة لعدد من الباحثين المتابعين لشـــؤون الشباب في سوريا، فالأجيال الجديدة لا تُبدي، كما تُظهِر المشاهدات اليومية، التزاماً واسعاً بالطقوس أو بالصلاة، مقارنة ربما بالجيل الأكبر. بيد أن هذه النتيجة، وربما لأن النقاش جرى على صفحات السوشيال ميديا التابعة للتلفزيون، غدت محل خلاف وجدال كبيرين ومتباينين.

فالشريحة الصغيرة التي أيّدت هذه النتيجة، فسّرته كونها تأتي كردة فعل من قبل الشباب السوري على سياسات الأحزان (والتعبير هنا لآصف بيات) التي انتهجتها بعض الجماعات الإسلامية المقاتلة في مناطق عديدة (إدلب مثلاً)، في حين هناك من ربط ذلك بتأثير المجال العام العلماني الجديد على هؤلاء الشباب، كما في حال تركيا مثلاً. إلا أن غالبية الردود جاءت مشكِّكة بهذه النتيجة؛ غير أن ما يلفت النظر فيها، عدم اقتصارها على التشكيك بمنهجية الاستطلاع، بل محاولة القول إنها تهدف إلى النيل من هوية السنة. قد يكون هذا الشعور مفهوماً ربما، ففي ظل الحرب والشحن الطائفي، غدا أي نقاش حول الدين جزءاً من حالة الصراع والخلاف الهوياتي، الذي تعيشه البلاد، أو بالأحرى استهدافاً للهوية السنّية المظلومة، التي أخذت تشعر بها أوساط عديدة، ليس بالشرط أنها متدينة أو ملتزمة دينياً؛ فالهدف من هذه الآراء، كما يقولون، محاولة الحط من مكانة الإسلام السني المحلي. ولم تقتصر ردة الفعل الهوياتية هذه على هذا الاستطلاع، بل شملت مؤخراً عدة حوادث، كالتصريح الذي أطلقه مفكر سوري حول عدم رغبته في قبول صداقة محجبات، وأيضاً ردود الفعل السلبية التي انهالت على عدد من الفتيات الدمشقيات وهن يمارسن الاحتفال بالمولد النبوي. إذ بدا المُلاحظ في هذه الحوادث ورغم وجاهة بعض الانتقادات، أن الغالبية بدت من خلال تشنّجها حيال هذه الأحداث، وكأنها تعيد خلق الإسلام المحلي، ليتناسب مع صورة الاستقطاب الطائفي، على الرغم مثلاً، كما بيّنا في مقال سابق «موالد النساء في دمشق الجديدة»، أن هذه الاحتفالات هدفت إلى إعادة رسم خطوط التصدّع بين نخب دمشقية تشعر بالحصار (تعيد الاعتبار له) والنظام واللاعبين الجدد الذين أفرزتهم الحرب في مدينة دمشق.

وبالعودة إلى الجدال الذي خلقه الاستطلاع الأخير حول الالتزام الديني للشباب، فإن ما يُلاحظ في خضم هذا النقاش الهوياتي، أننا نعاني من إشكالية أخرى تتعلق بغياب الأدوات والدراسات الكافية لفهم التغيرات أو التطورات التي شهدها الحقل الديني، أو الفاعل الديني في سوريا بعد ثماني سنوات من الحرب. فرغم أن الحديث عن الفصائل الإسلامية الدينية في سوريا هو حديث الساعة كما يُقال، ورغم الشحن الطائفي الذي تعيشه البلاد، لا نعثر في المقابل ، إلى يومنا هذا، على محاولة من قبل المراكز السورية في إسطنبول مثلاً لفهم كيفية انعكاس الحرب على قناعات السوريين الدينية، وبالأخص الشباب السوري، وهو أمر لا يعني فقط الطائفة السنية، وإنما قد يشمل أيضاً باقي أبناء الطوائف السورية (العلويين مثلاً) التي انخرط قسم كبير من أبنائها في هذه الحرب، ما انعكس على معتقداتهم ورؤيتهم للتفسيرات أو السرديات الدينية، الذي ترافق كذلك مع اقتراب أكثر من التشيع (كما يؤكد ذلك الباحث غولد سميث في دراسته عن شيوخ الطائفة العلوية خلال الحرب)، والاستعانة بهذه السرديات لتفسير ما يحدث، أو للبحث عن معنى للمشاركة في القتال.

16٪ ملتزمون دينياً؟

بالعودة إلى دراسة مركز صدى، التي أظهرت أن 16٪ من الشباب السوري ملتزم دينياً، فإن ما يُسجّل بداية أو يُحسب لها، بالإضافة لبعض استطلاعات الرأي أو الدراسات النادرة التي أُجريت في حقل التدين السوري، أنها تفتح الباب لتحويل موضوع التدين السوري إلى موضوع نقاش علمي (عقلنته أو تقنينه على أقل تقدير، رغم عدم تفضيلنا لهذه الكلمة). صحيح أن التحليل الكمي للظواهر لا يكفي، كما ينبهنا لذلك بعض السوسيولوجيين، غير أنه في ظل صعوبة الدراسات الميدانية والأنثروبولوجية في سوريا بُعيد الصراع، وفي ظل غياب المراكز البحثية السورية (التي انشغلت بتحليل الصراع الدولي على حساب فهم تغيرات المشهد المحلي)، وأيضاً غياب الخبرات السورية الكافية في هذا الحقل، فإن هذه الأرقام والاستطلاعات، قد تسمح لنا بفهم جزئي لمشهد أنماط التدين في سوريا اليوم، بدلا من بقائه رهينة لصور نمطية عديدة. فالإدلبي كما يقال مثلاً ميال للنصرة وللإسلام السلفي، والدمشقي ما زال ميالاً للإسلام الرسمي «الموالي للسلطة» (انتشرت مؤخراً تعليقات عديدة في هذا الشأن بعد وفاة فتحي الصافي وما حظيت به جنازته من مشاركة كبيرة)، وغيرها من الصور.

أما في الخارج فتختلف الصورة. إذ كثر النقاش في الفترة الأخيرة حول الإلحاد لدى الشباب السوري، بدون أن يكون مدعوماً بأي أرقام أو ملاحظات ميدانية. وفي ظل هذا الفقر وغياب أي محاولات جادة لعقلنة هذا الحقل الديني، غالباً ما يتحوّل النقاش حولها، بين الكتاب والباحثين، لكلام عمومي لا سقف لنهايته، أو لصور نمطية.

لا يهدف الكلام السابق إلى تبرير أو تبني نتائج هذا الاستطلاع أو غيره، بل وجدنا من الضروري الإشارة إليه قبل فتح النقاش حوله. كما نرى أنه من الضروري أن يثير، إضافة إلى غيره من الدراسات الدينية في الشأن السوري، جدالاً ونقاشاً يساهم في تطويرها، مما قد يشجّع بعض المراكز على المضي خطوة في هذا الشأن. ومما يُسجّل على الدراسة الأخيرة، التي لم تقتصر على دراسة أنماط التدين لدى الشباب، بل شملت أيضاً رؤيتهم للرياضة وللإعلام، أن مؤشر الالتزام الديني لم يكن واضحاً أو مُعرّفاً بشكل دقيق.. فمثلاً ما الذي يعنيه القائمون على الدراسة بعبارة «الالتزام الديني»: يمارسون الصلاة اليومية، عدد زياراتهم للمسجد والمشايخ، زيارتهم للأضرحة، ينتمون لجماعة أو طريقة دينية، شكل لباسهم، جميع ما سبق، أو غيرها من الأسئلة. كما أن الاستطلاع لم يوضّح طبيعة من تذيّلوا جدول مؤشر الالتزام الديني (يتكون من 10 درجات وأمام كل درجة هناك نسبة مئوية)، إذ يُلاحظ أن نسبة الشباب المصنّفين في أقل درجات التدين قد بلغت 9٪، وبالتالي هل تعني هذه النسبة أن هؤلاء ملحدون دينياً مثلاً؟ أم أنه نمط من أنماط التدين الهوياتي/الثقافي وفق تصنيفات أحمد نظير الأتاسي في دراسته الشيّقة «التدين الإسلامي والثورة السورية من منظور نفسي/اجتماعي»، وهو نمط شخصي تقتصر فيه المعارف على أساسيات الإسلام، والممارسات على الحد الأدنى الذي يضمن الراحة النفسية أو الانتماء إلى الجماعة المحيطة.

كما يُسجّل على هذا الاستطلاع أيضاً، عدم توفيره لجداول أو تمييزات أدق بين حالة الالتزام لدى الشباب السوري في الأردن، ومثيلاتها في تركيا. صحيح أن كلا البلدين مسلمين، بيد أننا بالعودة إلى كتاب «مقدّس وعلماني: الدين والسياسات في العالم»، والصادر عن جامعة هارفرد (تُرجِم مؤخراً للعربية عن المركز العربي للأبحاث)، فإن ما يُلاحظ من خلال الاعتماد على مؤشر «استقصاء القيم العالمي» الذي شمل 80٪ من سكان العالم (ربع مليون مستجوب) أن أنماط التدين في تركيا (مجتمعات صناعية) تختلف عن أنماط التدين في الأردن (مجتمعات زراعية، لاعتمادها على الإنتاج الزراعي أو استخراج الموارد الطبيعية)؛ فسكان المجتمعات الزراعية يحضرون الطقوس الدينية مرة على الأقل في الأسبوع، مقابل ربع السكان في المجتمعات الصناعية، كما أن ثلثي الذين يعيشون في المجتمعات الزراعية يعتبرون الدين مهماً جداً، مقارنة بثلث الذين يعيشون في المجتمعات الصناعية. هذا الاختلاف المحلي في أنماط التدين، لا شك في أنه أثر على رؤية قسم كبير من الشباب السوري ممن ارتحلوا لهاتين الدولتين عبر تشرّبهم أو تأثرهم بشكل غير مباشر بهذا التدين من خلال أنماط الحياة والموضة.

تدين الشباب ما قبل الحرب

ولنفترض أننا قبلنا بنتائج الاستطلاع، فإن السؤال الذي يُطرح هنا، هل هذا الميل نحو»تدين مرن» (50٪ من الشباب يظهرهم استطلاع الرأي وسطيين) جاء كردة فعل وعدم اكتراث على واقع الحرب؟ وهو ما حدث مثلاً في لبنان؛ إذ تبين السوسيولوجية اللبنانية روزان سعد خلف في دراستها «ما هو حقاً رأي طلاب الجامعة الأمريكية في الجنس؟» أن المجتمع اللبناني ما بعد الحرب، غرس رغبة لا ترتوي للتعويض عما ضاع من وقت. وقد خلق هذا الأمر رغبة للاستمتاع باللحظة، وعدم النظر إلى الوراء، وأحياناً إهمال الضوابط الأخلاقية في محاولة يائسة لمحو كل أثر للماضي العنيف.

أما السؤال الآخر الذي يطرحه نمط التدين هذا، هة علاقته بالماضي؛ وإن كان يمثل امتداداً لفترة العقدين الأخيرين في سوريا؟ خاصة أن الشريحة التي شملها الاستطلاع تراوحت أعمارها بين 18 ـ 35 عاما، ما يعني أن جزءاً منها قد عاش فترة مراهقته، والسنوات الأولى من شبابه قبل حلول الفردوس الدامي. وبالتالي هل ساهمت الأحداث الأخيرة في بروز هذا التدين المرن على السطح، في ظل تفكك جزء من البنى الاجتماعية والدينية؟ وهل يعني ذلك أن من يدير الصراع الطائفي اليوم في سوريا هو جيل أكبر (رغم أن الفئة العمرية للمقاتلين صغيرة كما تبدو)؟ أم أن اقتصار المعطيات على السنوات الثماني الماضية، مضافة إليها أخطاء القياس المعتادة، يبقي نتيجة الاستطلاع عاجزة عن تقديم توقعات إن كانت هذه الظاهرة لدى الشباب السوري امتداداً لفترة ما أو خلافاً لها. لا نملك هنا إجابة شافية، خاصة أنه لا تتوفر لدينا معطيات كافية أو مؤشرات حول أنماط التدين لدى الشباب السوري في فترة ما قبل الحرب. فمثلاً ما يُلاحظ في استقصاء القيم العالمي، عدم وجود سوريا في هذا المؤشر بسبب الحالة الأمنية التي كانت تعيشها وعدم قدرة فرق البحث على العمل؛ قد لا يبقى لدينا هنا من سبيل لفهم تدين الشباب في فترة ما قبل الانتفاضة سوى الاستعانة ببعض الدراسات الأنثروبولوجية التي حاولت دراسة هذه الأنماط، أو إجراء مقارنة مع بعض نتائج الدراسات السوسيولوجية التي حاولت دراسة سياسات المرح لدى الشباب في عدد من مدن الشرق الأوسط (القاهرة، إيران)، التي كنا نعثر على مظاهر عديدة مشابهة لها في شارع الشعلان في دمشق أو الموكامبو في حلب. فعلى صعيد الجسد الديني المحافظ، تشير الأنثروبولوجية الأمريكية كريستيا سالامندرا في دراستها حول دمشق «عاصمة العفة» إلى أن هذا الجسد كان يشهد في العقدين الأخيرين قبل الثورة تغيرات على صعيد الأزياء بين النساء الشابات أو المتوسطات في العمر من فتيات العائلات الدمشقية المحافظة، ملابس ضيقة ملتصقة بهذا الجسد، وألوان حجاب مختلفة، وهو ما عكس بشكل أو بآخر شكلاً آخر من أشكال التدين المحلي الجديد. في حين تشير ليلى هدسون في دراستها «الحجاب والهاتف المحمول: المراهقون في ظل حكم بشار الأسد» إلى أن فترة التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، قد شهدت تزايداً في ارتداء الفتيات للحجاب، إلا أنها أخذت تتمايز لاحقاً من خلال اختلاف أشكال الحجاب. كما لاحظ توماس بيريه في دراسته «من الجهاد إلى النشوة الصوفية»، التي شملت 100 شاب، من الذكور والإناث في حلب، كيف أفضى سعي عدد من الشباب الحلبي إلى فصاحة إسلامية مسيّسة والبحث عن جماعة ما، للانضمام إلى الجماعات الصوفية؛ في المقابل هناك من ربط تنامي دور الجماعات السلفية في سوريا بعد الحرب بظاهرة «السلفية الجديدة»، وفق تعبير أوليفيه روا، التي كانت تنتشر في الحواضن الريفية، أو المدن الصغيرة، لتعلن عن نفسها لاحقاً من خلال نمو الجماعات السلفية المقاتلة، التي أخذ نمط تدينها الحربي يناسب الظروف الصعبة.

ما نود قوله  إن العودة لفترة ما قبل الانتفاضة، قد يمكننا من تقديم مدخل جيد لفهم دور الحرب لاحقاً في التأثير على أنماط التدين، ومن فهم نتائج هذا الاستطلاع وغيره أو نقضها؛ بكل الأحوال يبقى لهذا النوع من الاستطلاعات شيمة إيجابية، كونها تفتح الباب وتعيد طرح تساؤلات عن أسباب غياب أي برامج بحثية في المراكز السورية حول التدين وأنماطه لدى السوريين، فتحقيق التراكم فيها على صعيد استطلاعات الرأي، أو الدراسات الميدانية، أو حتى الترجمات، قد يساعد الباحثين السوريين أو السياسيين على تلمّس وتوقّع أدق لدور الدين في الحياة اليومية أو السياسية خلال السنوات المقبلة، بدل الارتهان للصور أو الأحلام النمطية، فهل من متبن لهذا البرنامج البحثي؟

٭ كاتب سوري

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.