مقالات

سان جون بيرس في أميركا: ابن الطبيعة/ كاثرين غاريسون شابان

استناداً إلى “السيرة الذاتية” التي تفتتح مجلد أعماله الكاملة في سلسلة مكتبة لابلياد الشهيرة، والمنشورة في دار النشر “غاليمار” عام 1972، فإن الشاعر الذي اختار الاسم المستعار الغامض سان جون بيرس (1887-1975) هو شخصية استثنائية بكل المقاييس. ويمكن للقارئ التعرف على الدبلوماسي الرفيع المستوى وفصول القصة الرائعة للمبدع. ومآل ذلك أن سان جون بيرس كان مبدعا في المقام الأول، بحيث ينبغي التعامل بعناية مع هذه “السيرة الذاتية”، طالما أنه مؤلفها.

في الواقع، فإن مجمل أعمال هذا المجلد (1424 صفحة) تولى تحريره بنفسه من الألف إلى الياء، بخلاف ما هو دارج في تقاليد النشر العلمي، مشيِّدا في حياته صرحه الأدبي، المكرَّس بالكامل لمجد الشخصية الأسطورية: الشاعر. وللاضطلاع بهذه المهمة الفريدة، من النشر الذاتي بـ”ضمير الغائب”، لن يتردد في إعادة تنقيح بعض القصائد، وخاصة إعادة تحرير حصة كاملة من مراسلاته، وعلى نحو خاص “رسائل آسيا” الشهيرة الموجهة إلى والدته أثناء إقامته في بكين. وبعيدا عن أي نزعة تغريبية، فإن الشعر في النهاية هو الذي خرج منتصرا في عملية إعادة الكتابة الشاقة، وتسليط الضوء على العمل في هذه التحفة الأدبية لأسطورة الشاعر.

على غرار أعماله الفريدة، يعتبر مسار ألكسيس ليجي الأوتوبيوغرافي غير عادي في جميع الأحوال. طفولة سعيدة في جزر الهند الغربية، في أحضان أرستقراطية الكريول. ثم نفي قسري ترك للأبد جراحا غير مندملة، وتفوق دراسي في شبابه، تكلّل بمسار مهني دبلوماسي رفيع المستوى. وقاده في البداية إلى الصين، حيث شهد السنوات المضطربة الأولى للنظام الجمهوري الجديد. بعد ذلك سيقضي معظم حياته المهنية في قسم وزارة الخارجية الفرنسية في خدمة السياسة الخارجية المتغيرة، تبعا لتعاقب وزراء خارجية الحكومات آنذاك، قبل أن يستقيل من السلك الدبلوماسي، مكرسا نفسه لحياته الإبداعية، ومفسحا أخيرا المجال لسان جون بيرس، بعد عودته إلى فرنسا عام 1957.

باختصار، لقد ظل وفيا لما لا يقل عن شخصيتين في حياته، تبعا للتحولات المتتالية لهذه

الشخصية العامة: الشاعر المُحاط بسياج كثيف صعب الاختراق، والاضطلاع بالمسار المهني كقدر. مما لا شك فيه أنه في خضم عمله الشعري نفسه، وجد سان جون بيرس التجذر الحقيقي الذي كان يفتقر إليه وجوده، مما جعله يتماهى مع المنفى الذي شكّل عقيدته: “سأسكن اسمي”.

فيما يلي قصة فصل مهم من حياة هذا الشاعر في أميركا، بقلم الشاعرة الأميركية كاثرين غاريسون شابان (1770- 1890):

*****

لم يكن منح جائزة نوبل للآداب للشاعر الفرنسي سان جون بيرس عام 1960 مفاجأة للأوساط الأدبية في أميركا، بل لجيران ألكسيس ليجي (كما يصر الشاعر على نطق اسمه الأصلي) في الحي السكني في جورج تاون، حيث اعتدنا أن نرى، عند الغروب، هذا الرجل يعبر من هنا، ببنيته الجسدية المتينة، وملامح وجهه الرفيعة، وخطوته الواثقة، مبتعدا عبر الشوارع الخافتة الحركة في طريقه إلى خارج المدينة أو الوادي، في الوقت الذي تجتمع كل ساكنة واشنطن في الصالونات للحديث حول أخبار السياسة والبلد.

بيرس لا يحب “كوكتيلات الحفلات”، ويتعين على السياسيين والدبلوماسيين الحريصين اليوم على أخذ رأيه، طلب مقابلته عبر محادثة خاصة (فهو لا يدّخر وقته بالنسبة لهؤلاء الذين يرى من المفيد تسليط الضوء لهم على دور فرنسا، أو يشاركونه إيمانه بمهمة أميركا).

طبيعة علاقاته مع أميركا تثير دائما فضول الفرنسيين، الذين لا يدركون تماما أهميتها، مما يزيد من غموض شخصيته المتّهمة منذ زمن بالغموض وصعوبة الوصول إليها. في فرنسا بالفعل، كان هناك جدار عازل يفصل داخله الشاعر عن الدبلوماسي. منذ بداية الحرب العالمية، تلاشى الدبلوماسي تدريجيا أمام الشاعر، الذي نمت شهرته باطراد بنشر أعماله المعروفة في جميع أنحاء العالم، مانحا للأدب الفرنسي بعداً جديداً.

مصطلح “تأمركية” الملتصق في بعض الأحيان بألكسيس ليجي يشمل في الواقع النصف الغربي من الكرة الأرضية. كمولود في جزر الهند الغربية الفرنسية، من عائلة عريقة من أصل برغوني، ينحدر بيرس من سلالتين استقرتا في جزر الريح منذ بداية القرن الثامن عشر، وأقام والدا جديه في الولايات المتحدة بشكل مؤقت فقط، بعيد الثورة الفرنسية عام 1789. سان جون بيرس، كما قال بول كلوديل، “يجيء رأسا من الغرب… الوطن الحقيقي الذي يتسع لكل أبناء الرغبة”. لكن رغبة بيرس لم تكن موجهة إلى نقطة معينة من هذا العالم. لقد عاش في كل مكان مترحلا، تواقا إلى اختراق جميع الأمكنة والشعوب: ثمة أشياء كثيرة على الأرض

للاستماع إليها ورؤيتها… كائنات حية بين ظهرانينا…

ما يبحث عنه، دون الكشف عن هويته، فقط متسع من الوقت والفضاء كي يستطيع العيش، والعيش بشكل جيد، حياته المليئة كشاعر. بعد عودته بهدوء، منذ فترة وجيزة، إلى بلده، امتنع عن اجراء أية مقابلة، متجنبا أية دعاية شخصية. ومرة أخرى، فإن الغموض، التف حوله، مثل ضباب البحر – حتى هذا اليوم من شهر أكتوبر 1960، بمناسبة منحه جائزة نوبل للآداب، عندما سقط الستار من جديد لبعض الوقت.

ذاكرة حيّة

هناك شيء ما في مظهر بيرس الخارجي لا أستطيع تحديده، في هذه الجبهة الواسعة جدا، وهذه العيون الثاقبة جدا، تذكرنا لأول وهلة بوجه بودلير أو إدجار آلان بو. لكن التشابه يتوقف هنا فقط. عبقرية بيرس الشعرية متجذرة في شخصية قوية ومستقرة، ورجولية للغاية، طبيعية بلا جدال، وتتمتع بصحة معنوية وجسدية على حد سواء. بسبب حيويته، فهو ينتمي إلى زمننا، بتحرره من عقلانية القرن الثامن عشر، إضافة إلى رومانسية القرن التاسع عشر. مع ذلك تظل هذه الشخصية معقدة بلا حدود، مليئة بالتضادات، والتناقضات الواضحة. ناقد فرنسي عرّف سان جون بيرس في آن معا: “رجل الصمت ورجل اللغة، رجل السلطة ورجل التقشف، رجل الثقافة ورجل العناصر”. وجوده إبداعي، لكن ذاكرته حية حتى في أدق التفاصيل. شغوف بجميع الأحياء، متأمل وذاتي، إلا أنه يتابع حتى الإنهاك المسار الذي رسمه بدون التخلي عن مفاجآت مخيّلته الطازجة للغاية، المتوهجة للغاية، الثاقبة للغاية والمتحررة للغاية. هكذا يتحرك في مداره الخاص، المتصل دائما بدورات وإيقاعات الكون العظيم، لحياته البرية، لسمائه، لرياحه، ومحيطاته، في تعاقب الفصول.

بالتأكيد، لقد كان مبادرا إلى وصف نفسه بـ”حيوان فرنسي في الأساس” و”عجين فرنسي في الأساس”، إنه المنتج الأكثر نقاء للحضارة والثقافة الفرنسية، لكن بالنسبة لنا على عكس الفرنسيين؛ أدار ظهره لكل شيء بائد للتطلع إلى المستقبل بحرية، ولا يُخضِع الحياة لقواعد المنطق الضيقة؛ كما لا يتنصّل من الواقع على غرار المتشككين. لا يوجد لديه أي رضى بالذات، أو حنين لآثار الماضي. وإن حدث استحضار الماضي في قصائده، فسيكون ذلك رمزيا فقط، ولتعزيز قوة وكثافة الحاضر. العصر الذري لا يثير لديه أي قلق: فعمره في ذروة حاضر أبدي، وميعاده هو منتصف النهار: منتصف النهار، شعوبه، تشريعاته القوية… الطائر الأكثر اتساعا في تحليقه يرى الإنسان متحررا من ظله مماثلا لوجوده.

هذا الشعور بالحرية التامة، في وجه القوى الإبداعية، هو ما يجعل أميركا تستأثر بقلب سان

جون بيرس: شعورٌ أن ثمة شيئاً قيد الحدوث على الدوام، قيد الحركة على الدوام، وتطوره ليس على وشك الانتهاء، بل مغامرة تجريبية تتجدد باستمرار في فعل الحياة.

إنه عاشق بالفطرة للفعالية والحيوية، لذا لا يستطيع سان جون بيرس مقاومة إغراء نوع من الخشونة والفظاظة وفق ترتيب الأشياء المحدد. كعالم نبات شغوف يحب الأشجار وليس الزهور. يُظهر القليل من التسامح إزاء ضعف الشخصية. ومثلما أبٍ حنون ومتيقظ في آن واحد، فهو لا يدّخر انتقاداته لأوجه قصور أميركا عندما يشعر باهتزاز الصورة المرسومة في خياله. لكنه يعرف أيضا أن الطيبة ليست من اختصاص الضعفاء، وينوِّه تلقائيا بحيوية القلب وسخاء الروح اللذين يحركان الأميركان، كما يقول، بحداثة مراهقة لا تُستنفد أبدا ومسارعة دائما للتحمس، دون حسد، لنجاحات الآخرين. من حسن حظه، تتجسد العديد من الصفات الإنسانية التي يحفظها لنا في شخص زوجته الأميركية، بقامتها الممشوقة ورشاقة جمالها، أمازونية رفيعة وسبّاحة ماهرة؛ تمزج النبل الأخلاقي بسهولة وبتمكّنٍ تام من الحياة العصرية. وسواء تحدثت بالفرنسية أو الانكليزية، فإن كلماتها تظل مشبعة بنفس الذكاء والسحر.

برغم أنه محاور كبير وحكّاء في اللحظات الحميمة، سان جون بيرس يمكن أن يكون أيضا رجل الصموتات الطويلة والغيابات الطويلة، “فم مغلق إلى الأبد على ورقة الروح”، حينذاك، كما يبدو، ندرك بوضوح أكبر، كما لو كان فيزيائيا، تدفق الطاقة الإبداعية القوية التي تسكنه وتمور في كيانه كله. لإيقاف مثل هذا التيار، ينبغي عليه اللجوء إلى الحياة في الهواء الطلق: بحكم طبيعته القوية، يمتلك رئتي متسلق الجبال، قدرة تحمل السبّاح، ومرونة الفارس. ينظر إلى كل الأشياء، القريبة والبعيدة منها، بعيون من ركب البحر طويلا وقاد قوارب شراعية. الألعاب تشعره بالملل. يحبّ، كما يقول، النشاط البدني، وليس ممارسة الرياضة. إنه ابن الطبيعة، الذي ينحدر من سلالة قوية، بأصولها الضاربة في القدم التي تم تجديد نشاطها الوراثي مرتين من خلال عمليات الترحل بدرجات متفاوتة جدا على خطوط العرض. لا يولي اهتماما للآلات: فهو لا يقود بنفسه سيارته أبداً.

لا يحبّ المدينة بالتأكيد، لكن في اندماجه مع كل شيء، يكفيه، في مكان ما، وجود حياة برية صغيرة للحيوانات، وباقة من الأعشاب البرية لتحرير المنظور الحضري في عيونه. كانت المرة الأولى التي شعر فيها بانسجام مع واشنطن، عندما رأى نسرين يحلقان عاليا في السماء فوق السطوح، وهما “محكمان قبضتهما على المدينة تحت سحر طرائقهما الرائعة”. في حديقة الحيوانات بواشنطن حيث يذهب للنزهة، يستعيد صداقة الحيوانات التي ألفها في رحلاته، كالحصان البدائي في آسيا الوسطى، وغزال “الأب ديفيد”، المنحدر من سلالة شبه منقرضة في الصين.

في علاقته بالناس، يمتلك تأثيرا استثنائيا. لكن إذا صادف أزمة سرية أو معاناة غير معلنة، يعرف بحكمة شحذ جميع مواهبه المحفِّزة في شعور رقيق واحد. وفي كثير من الأحيان بخلاف ما يفترض أولئك الذين يتخيلونه بمشاعر باردة وجافة، تمنحه غريزة التعاطف ثقة أولئك الذين بدوا أقل استعدادا من الكشف عن الخيط السري لتعقيدات حياتهم.

حس إنساني

صداقته الدافئة جدا، المتسامحة جدا، والمنحازة بقوة دائما، قائمة على الحس الإنساني. أعلى تقدير يمكن أن يصف به شخص ما: إنساني. يُؤْثر رفقة الأشخاص البسطاء: حارس الغابة في ولاية ماين، صياد كندي في أعالي البحار، خيّالة من الغرب، خفر السواحل، النواطير، مزارع الأرض الفقير… في كيب كود، كان يشتغل عندنا بستاني ريفي – رجل خشن للغاية، بيدين قويتين، لحية حمراء منتفشة، وفك مضاء بسنين ذهبيين. خلال زياراته الصيفية لنا، قضى ليجي الكثير من وقته في تشذيب شجرات الخوخ الشائك على الكثبان، واقتلاع كروم عنب مسنة جدا، وقام بنفسه بغرس شجيرات من فصائل كثيرة. في كل مكان، كان فرايزر – الأحمر يراقبه بدقة واهتمام وانبهار. لكن شيئا فشيئا في ألفة. في أحد الأيام سمعته يقول لصديقنا: “لا بأس، أيها الفتى الصغير، سنفعل كما يحلو لك”. احتججت بأدب في ذلك اليوم: “عفوا، في الحقيقة، لا يمكنك أن تسمح بأن تُعامَل بهذه الطريقة”، “ولم لا عزيزتي كاثرين، إنه الشخص الوحيد في العالم الذي يناديني بـ’الفتى الصغير’”.

في اللحظات الحميمة، يحب المزاح مع أصدقائه في بعض الأحيان، ويحدث أن يستمتع في

العالم قليلا على حساب من يجد فيهم عجرفة. في إحدى الأمسيات، على العشاء، تخطت إحدى متحذلقات الوسط الأدبي في واشنطن، السياج الطبيعي الذي يحيط بسان جون بيرس هامسة: “أعلم أنك شاعر، لكن لا أعرف بالضبط ما إذا كان ت. س. إليوت قد ترجم لك نصا أم أنك على العكس المترجم لأحد نصوصه الأكثر شهرة؟”، أجاب الشاعر على الفور: “الفرضية الثانية هي الصحيحة”. وطوال فترة العشاء استمرا في الحديث عن نصٍ لإليوت بعنوان “أناباز”.

يتوهج ذكاء بيرس بحساسية نادرة. ولكن، بغض النظر عما يكون عليه إدراكه البديهي، يحتفظ بصلابته حتى النخاع – إيجابيا، حاسما، وحازما، بخياراته الصريحة للغاية، وأفكاره المعدة بوضوح سلفا. المسرح يشعره بالملل، بينما تُدخل السينما البهجة إلى قلبه، خصوصا إذا كانت أفلاما جيدة من “رعاة البقر”، خالية من أية ذريعة نفسية أو جمالية زائفة. رغم ذلك، يحضر دائما عروض مسرحيات شكسبير التي تقدمها الفرقة الانكليزية للمسرح الملكي فيكتوريا “فيك القديم”، فقط كي يحظى بشرف الاستماع إلى اللغة الجميلة التي يعشقها، لكنه يعرف أيضا كيف يستمتع بالخصائص المميزة للفولكلور الأميركي في بعض نتاجاته اليوم.

يمتلك حساسية عالية بالألوان، إلا أنه لا يهتم بشكل خاص بفن الصباغة. لقد تعلم من تجربة حياته منذ زمن أنه يستطيع الاستغناء عن جميع الفنون التشكيلية بشكل عام. في حين أن الموسيقى بالنسبة له ضرورية. جدرانه البسيطة لا تستقبل إلا ما هو وثائقي بحت: الخرائط الجغرافية القديمة، هدايا تذكارية مجلوبة من أسفار بعيدة، شفرة سيف، مِجسّة برونزية قادمة من صحراء جوبي، أو حدوة حصان التقطها، خلال سنوات المنفى، على إحدى طرقات فرنسا…

للوفاء بوعده في قصيدة “رياح”، “في إحدى أمسيات الخريف، على إثر آخر هبات العاصفة”، عاد إلى أرض الوطن، حيث يقضي الآن فصلي الصيف والخريف دون أن يقطع لذلك الصلة التي تربطه بأميركا، بما أننا نجده، بقية العام، في واشنطن؛ مرفأ استراحته، وقاعدة التحضير للرحلات.

من منزله المتواضع في جورج تاون، كما من منزله المربع الفاخر في بروفانس البحري، يواصل، بنفس التفاؤل، إلقاء التحية على عصر جديد: لا يساورك الخوف، ولا الشك، لأن الشك عقيم، والخوف ذليل.

ترجمة وتقديم: ميشرافي عبد الودود.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق