سياسة

عن الدور التركي في الأزمة السورية مرة أخرى -مقالات مختارة-

نهاية المغامرة التركية/ عمر قدور

من المنتظر أن يجتمع، قريبا، جون بولتون رئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي بنظيريه الروسي والإسرائيلي في القدس؛ الخبر لم ينل اهتماماً واسعاً رغم دلالاته في ما يخص الشأن السوري، ورغم أنه الاجتماع الأول على هذا المستوى للقوى الثلاث الأهم المنخرطة فيه. الهدف المعلن للاجتماع دعم الأمن القومي الإسرائيلي، وهو لا يتطلب حقاً اجتماعاً على هذا المستوى، فالجانبان الروسي والأمريكي لا يقصّران في الدعم، بل يبذلان أقصى جهد لدعم أكثر الحكومات الإسرائيلية يمينية والإبقاء على نتنياهو في السلطة.

قد لا يكون من المصادفة بتاتاً عقد الاجتماع المذكور في وقت انتهى فيه عملياً مسار أستانة، ولا تظهر فيه أية نية لاستئناف مسار جنيف، أو عدم وجود نية لاستئناف الأخير قبل تبلور صفقة نهائية. واحدة من الإشارات على انقضاء مسار أستانة الفتور الذي قوبل به اتصال أردوغان ببوتين لحثه على وقف التصعيد في ريف حماة وإدلب، ومن ثم إعلان موسكو أن وقف التصعيد مسؤولية أنقرة التي يجب عليها لجم الفصائل الموجودة في إدلب، رغم أن الأخيرة التزمت بالتهدئة من قبل عملاً بتوجهات الوصي التركي. ابتلاع أنقرة الكذب الروسي يؤشر إلى ضيق مساحة المناورة أمامها، وينذر بأن العملية العسكرية الروسية الحالية قد لا تتوقف، وإن تلكأ الاجتياح البري في انتظار أن تنجز سياسة الأرض المحروقة عملها.

من المتوقع مع اجتماع القدس أن يطفو الموضوع الإيراني على السطح، لأن سحب الميليشيات الإيرانية والنفوذ الإيراني على الأسد يبرز في مقدمة المطالب الأمريكية والإسرائيلية. ذلك، إن كان صحيحاً تماماً، سيقدّم لموسكو سلة من الحوافز فوق إطلاق يدها عسكرياً في سوريا، ومن المنطقي أن يتضمن انسحاب كافة القوى الأجنبية بما فيها التركية، وهو مطلب سبق لإسرائيل طرحه لإغراء موسكو بالاستفراد في سوريا، وعدم الاضطرار لمراعاة المصالح الإيرانية والتركية التي كان مسار أستانة تعبيراً عنها.

بعبارة أخرى، المطروح على موسكو هو إبعاد الإيرانيين والأتراك لمصلحتها ومصلحة إسرائيل معاً، والتطبيع التام مع وجودها في سوريا من خلال عملية سياسية تراعي نفوذها، ويقبل بها المجتمع الدولي مدخلاً للمساهمة في إعادة الإعمار. في سلة متكاملة من هذا النوع سيكون من الصعب الحديث عن تحجيم النفوذ الإيراني وحده، بل يكون من المستحسن الانتباه إلى استفراد موسكو بالعملية العسكرية الحالية في ريف حماة وإدلب، بينما تتوارد الأخبار عن سعيها في أماكن أخرى من سوريا إلى تقليص الوجود الإيراني.

لقد قيل الكثير عن الخطر الإيراني في المنطقة، في حين رُبطت طموحات أردوغان بإسلاميته، وهذا مصدر تخويف مماثل ولو لم يبرز في الخطاب الدبلوماسي الأمريكي. الواقع أن الخط البياني لطموحات أردوغان انحدر من قوله الشهير “حماة خط أحمر” إلى ابتلاع الإهانة الروسية بتحطيم صورته كضامن للهدنة في إدلب، بخاصة مع توالي الصور عن همجية القصف الروسي ومآسي السكان المدنيين. بين المقدمة والنتيجة كانت أنقرة قد ابتلعت اعتماد واشنطن على خصمها الميليشيات الكردية في الحرب على داعش، وابتلعت تخلي حلف الناتو عنها لما أسقطت طائرة روسية في بدء التدخل العسكري الروسي، فضلاً عن القناعة بوجود تشجيع غربي لمحاولة الانقلاب الفاشلة.

بخلاف الظنون التي تتعلق بالموقع الجيوسياسي لتركيا، لم تتمكن أنقرة من اللعب على الحبال الأمريكية والروسية، بل تعرضت إلى الطحن من الجانبين. من السهل إلقاء المسؤولية على السياسات التركية التي افتقرت إلى بعد النظر، بخاصة بسبب التغيرات في بنية الحزب الحاكم وتهميش كوادر ساهمت في العهد الذهبي لحزب العدالة. لكن ينبغي أيضاً التوقف ملياً عند موقع تركيا من سوريا، الموقع الذي كان يؤهلها أكثر من غيرها للعب دور فعال ومستدام، وهذا كان ممنوعاً طوال الوقت. رأينا من قبل وضعاً مشابهاً في العراق، عندما كانت إيران الطرف الأنسب لملء الفراغ الجيوسياسي الناجم عن سقوط صدام وعدم وجود قوى أخرى قادرة على المنافسة، ونرى كيف أن الوجود الإيراني في العراق أصبح من بديهيات الحياة السياسية بحيث أن كل ما يُقال عن تحجيم النفوذ الإيراني الآن يعترف ببقائه في العراق.

باستثناء الأكراد، من المحتمل جداً أن يلقى النفوذ التركي ترحيباً في الشمال السوري جراء الفراغ الوطني الحاصل، وتركيا تملك من مقومات التدخل ما لا يملكه أي بلد آخر مجاور، وتستطيع الاستثمار في القبول بها من أجل وجود طويل الأمد. هذه الوضعية كانت تمتلكها إيران من فوق، أي من خلال سيطرتها على بشار الأسد كجسر بين العراق ولبنان، إلا أن النفوذ الإيراني يفتقد القدرة على الاستمرار بسبب افتقاره إلى قاعدة شعبية تقبل به على النمط العراقي، وكل ما قيل عن تحالف الأقليات يبقى ظرفياً ومرشحاً للانفضاض مع تغير المعادلات السياسية.

ضعف تركيا سورياً هو في قوتها، وهناك شبه إجماع دولي وإقليمي على عدم منحها النفوذ الذي تريده في سوريا، خشية أن يؤدي النفوذ المستدام إلى تغيير في توازنات المنطقة. قد تزيد إسلامية أردوغان من التوجس القائم، إلا أنها ليست السبب الأساسي أو الأوحد، لا في مطامع النفوذ التركية ولا في محاولات تحجيمها. في إطار التوازنات ذاتها، من المرجح أن تؤخذ هواجس أنقرة تجاه الأكراد في الاعتبار، وقد رأينا من قبل التفاهم الدولي والإقليمي على لجم طموحات إقليم كردستان العراق الانفصالية.

ترضية أنقرة في الشأن الكردي لن تعني السماح لها بالبقاء في عفرين لاحقاً، أو متى تقرر قلب طاولة أستانة بأكملها، واستهداف الوجود التركي في عفرين حيث لا يحظى بقبول كردي هو حلقة سهلة بالمقارنة مع استهداف إدلب. على أية حال سيكون مصير الوجود التركي في كافة المناطق على المحك مع انسحاب القوات الأمريكية، وهذا لم يحدث حتى الآن رغم تلهف ترامب إليه بسبب معارضة أركان إدارته.

في حال نجح اجتماع القدس فسيسدل الستار على طموحات القوتين الإقليميتين تركيا وإيران، مع الإبقاء على قوة الركن الإقليمي الثالث وهو إسرائيل. ستكون إيران قد أدت دورها بزج ميليشياتها الشيعية في الحرب على السوريين، مثلما تكون أنقرة قد أدت قسطها بالتواطؤ مع الغرب على مرور المجاهدين، ثم بالتواطؤ مع روسيا على أكذوبة مناطق التصعيد، لكن في الصراعات الدولية لا يصح دائماً أن من يبذل المجهود الأكبر يحصد نتائجه، وإلا كان السوريون قد سبقوا الجميع وحصدوا نتائج تضحياتهم.

المدن

أردوغان الحائر بين نيران روسيا وأميركا/ سلام السعدي

قبل أيام، أعلن وزير الدفاع التركي، خلوصي آكار، أن تسليم أنظمة الدفاع الصاروخي الروسية أس-400 قد يتأجل إلى وقت لم يجر تحديده. يأتي ذلك بالتزامن مع تصاعد الحملة العسكرية من قبل النظام السوري وروسيا على مدينة إدلب، وتجاهل مطالب أنقرة بضرورة الحفاظ على اتفاقيات وقف التصعيد وإيقاف تدفق اللاجئين نحو حدودها. يشير كل ذلك إلى ازدياد الخلافات بين الجانبين الروسي والتركي بما دفع البعض إلى توقع حدوث انعطافة تركية نحو واشنطن. ولكن الأمر ليس بهذه السهولة، إذ لا يساعد تعقيد الواقع في شمال سوريا أنقرة على نسج تحالف استراتيجي مع أي طرف.

منذ العام 2011، وضعت الثورة السورية تركيا وروسيا على طرفي نقيض. ففي حين دعمت أنقرة بعض فصائل المعارضة السورية للإطاحة بنظام الأسد والسيطرة على السلطة، زادت موسكو من دعمها للنظام السوري تدريجيا. وبعد أربع سنوات على اندلاع الثورة، تدخلت روسيا بصورة مباشرة فأرسلت قواتها وطائراتها الحربية لحماية النظام السوري، وهو ما أدخلها في صدام مباشر مع تركيا بلغ ذروته في حادثة إسقاط الطائرة الروسية في العام 2016.

أدت الحادثة المذكورة إلى سلسلة عمليات انتقامية روسية ألحقت أضرارا فادحة بتركيا على الصعيد الاقتصادي من خلال العقوبات الاقتصادية وإيقاف التجارة بين الجانبين. كما شمل الانتقام الروسي الصعيد العسكري بتوجيه ضربات لحلفاء أنقرة من المعارضة السورية، فضلا عن دعم المقاتلين الأكراد.

بالتزامن مع ذلك، فشلت تركيا في عقد تحالف استراتيجي واضح المعالم مع الولايات المتحدة التي اتجهت لدعم المكون الكردي، العدو اللدود لتركيا والخطر الأكبر على أمن نظامها. من خلال الدعم الأميركي، نجحت قوات سوريا الديمقراطية في التحول إلى رقم صعب في الشمال السوري أدى في نهاية المطاف إلى تغيير حسابات أنقرة بصورة جذرية.

في ذلك الوقت، بدا أن تركيا قد خسرت كلا من روسيا والولايات المتحدة، وخرجت خالية الوفاض وبلا حلفاء من الحرب السورية. وكان عليها أن تعيد ترتيب علاقاتها السياسية والعسكرية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. هكذا، أجرت أنقرة انعطافة سياسية حادة، متجهة نحو روسيا وإيران، فعقدت معهما سلسلة اتفاقيات سياسية عرفت بمسار أستانة.

ومع منح منطقة نفوذ محدودة لتركيا في الشمال السوري وتأجيل الهجوم العسكري على مدينة إدلب السورية، كان الثمن هو الانحياز التركي التام لروسيا، ويشمل ذلك الاعتماد عليها في ما يخص أنظمة الدفاع الجوي. أعلنت أنقرة أنها بصدد شراء أنظمة الدفاع أس-400 من روسيا وهو ما أثار غضب الولايات المتحدة وتحول إلى نقطة توتر جديدة.

تجادل واشنطن، التي زودت تركيا من قبل بطائرات حربية من طراز أف-35 ومن المنتظر أن تزودها بالمزيد منها بحسب اتفاق سابق، أن نشر أنظمة الدفاع الروسية يهدد الأمن العسكري الأميركي، وذلك لأنه يتيح لموسكو جمع معلومات حساسة عن طائراتها الحربية.

بهذا المعنى فإن الولايات المتحدة مستعدة للمضي قدما باستخدام كل وسائل الضغط المتاحة على أنقرة لإيقاف الصفقة مع روسيا. يشمل ذلك استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية الذي لم يعد تأثيره وفاعليته موضع شك أبدا. إذ اتضحت، من خلال عدة تجارب، القدرة التدميرية الهائلة لهذا السلاح على الاقتصاديات المستهدفة.

ويشمل ذلك العقوبات على إيران وروسيا ولكن أيضا تركيا في أثناء قضية احتجاز القس الأميركي العام الماضي، إذ أجبرت العقوبات الأميركية أنقرة على إطلاق سراحه. كما رضخت تركيا مؤخرا لتهديدات واشنطن بخصوص إيقاف استيراد النفط من إيران بعد انتهاء الإعفاءات الممنوحة في هذا الصدد وذلك لتجنب العقوبات الأميركية.

وترفع خسارة الرئيس رجب طيب أردوغان لمدينة إسطنبول في الانتخابات المحلية الأخيرة من حذر الحزب الحاكم إزاء أي عمليات انتقامية أميركية. إذ سيؤدي فرض عقوبات اقتصادية أميركية على تركيا إلى استمرار تراجع شعبية الحزب الحاكم وخسارته السلطة في نهاية المطاف. قد تكون تلك الحسابات هي ما دفع أنقرة إلى تأجيل استلام صواريخ الدفاع الروسية وإلى تقديم تنازلات في محادثاتها مع الولايات المتحدة في ما يخص المنطقة العازلة في شمال سوريا.

ولكن تركيا لم تسلم من غضب موسكو التي اشتمت رائحة الرضوخ للتهديدات الأميركية. هكذا، ضربت روسيا عرض الحائط بكافة الاتفاقيات الموقعة مع أنقرة بما يخص مناطق خفض التصعيد في شمال سوريا، واستأنفت عملياتها العسكرية التي أدت في غضون أسبوعين إلى نزوح نحو 300 ألف سوري نحو الحدود التركية.

تكمن معضلة أنقرة في أنها لا تستطيع إجراء انعطافة سياسية تامة نحو واشنطن كما فعلت من قبل مع روسيا، وذلك بسبب التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والعدو الأول لأنقرة، القوات الكردية-السورية. هكذا، يقف الرئيس التركي حائرا من دون حليف استراتيجي، يراقب الأخطار الداخلية والخارجية وهي تتهدده من كل صوب.

كاتب فلسطيني سوري

العرب

تركيا بين العقدة والحل/ عبدالباسط سيدا

تعاني تركيا على المستويين الداخلي والخارجي جملة مشكلات باتت مكشوفة، وواضحة للجميع. ولم تعد الخطابات والشعارات العاطفية التعبوية قادرة على التغطية أو التستر عليها.

فعلى المستوى الداخلي، يواجه حزب العدالة والتنمية معضلات عدة، منها ما يخص تباين الآراء حول المسائل الأساسية، وذلك إلى درجة تتجاوز، بعض الشيء، نطاق تعددية المواقف ضمن الحدود المسموح بها داخل الأحزاب الحاكمة في منطقتنا.

أما مردّ ذلك فهو التقدير المختلف لسياسات الرئيس رجب طيب أردوغان الاقتصادية منها والتحالفية الداخلية. هذا إلى جانب الجدل حول سياساته الخارجية، خاصة على المستوى الإقليمي.

كما يعاني الحزب المعني من مشكلات على صعيد تحالفاته الحزبية، لاسيما مع الحزب القومي اليميني، وقد أدى هذا التحالف إلى التشدد في الموضوع الكردي الذي يظل بالنسبة إلى الداخل التركي الملف الأهم الذي ينتظر حلا عادلا من شأنه تعزيز الاستقرار في الداخل التركي، الأمر الذي يفسح المجال أمام تركيا لتركز جهودها على متابعة استحقاقات دورها الإقليمي في ظل واقع الزلازل الكبرى التي تشهدها المنطقة. وهي متغيرات ومستجدات ستنعكس آثارها من دون شك على الوضع التركي لأسباب عدة في مقدمتها: الواقع الجغرافي والتداخل السكاني، وما يعنيه ذلك من تفاعلات قومية ومذهبية.

هذا إلى جانب المعطيات التاريخية وأهمية دورها في الحسابات الدولية التي تقوم على معادلات النفوذ، والقدرة على التأثير في ظل التحولات الجديدة التي توحي كل الدلائل بأنها ستؤدي في نهاية المطاف إلى ما يمكن أن يندرج تحت صيغة من صيغ إعادة الهيكلة إذا جاز التعبير.

وبالعودة إلى نتائج الانتخابات المحلية التي جاءت نتائجها صادمة للحزب المعني، وللرئيس أردوغان شخصيا الذي تعد إسطنبول في منظوره الأساس في حكم تركيا، فمن يحكم إسطنبول يحكم تركيا، فقد كانت ردود الأفعال متوترة، ومصرّة على إعادة الانتخابات في المدينة، وهو الأمر الذي قررته اللجنة العليا للانتخابات بعد سلسلة الاعتراضات والمطالبات التي كانت من جانب حزب العدالة، ومن المفروض أن تكون في 23 يونيو المقبل.

وما يستنتج من جملة المعطيات والإجراءات المتوفرة والمعمول بها هو أن جهودا كثيرة تبذل على مختلف المستويات، وفي عدة اتجاهات من أجل ضمان فوز مرشح حزب العدالة والتنمية في انتخابات الإعادة التي كانت وستظل موضع النقد والامتعاض من طرف المعارضة، ولكن الأصعب بالنسبة إلى أردوغان يتمثل في المعارضة الداخلية ضمن حزب العدالة نفسه.

أما على الصعيد الإقليمي، فمن الواضح أن تركيا في حيرة من أمرها. هل تستمر في تموضعها ضمن المحور الروسي – الإيراني، وتحوّل مشاريع تزودها بالسلاح الروسي إلى واقع قائم مؤثر في لوحة التحالفات الاستراتيجية أم عليها العودة إلى الحليف التقليدي الذي ما زالت ترتبط وإياه بالكثير من الروابط والمصالح والالتزامات؟

وما يزيد من صعوبة الموقف التركي هو التوتر الحالي الذي يخيّم على العلاقة الأميركية-الإيرانية، هذا التوتر الذي تجاوز دائرة التصريحات الإعلامية، والعقوبات الاقتصادية، ليصل إلى مستوى حشد أميركي لافت للقوات البحرية والجوية والبرية في المناطق القريبة من إيران. وما يرافق ذلك من شروط أميركية، تطالب الإيرانيين علنا بضرورة تغيير السلوك، والقطع مع الدور التخريبي في المنطقة، وعدم التفكير في امتلاك السلاح النووي. ومن المرجّح أن تكون هناك شروط أخرى غير معلنة، تتصل بعملية إعادة ضبط للمعادلات التوازنية في المنطقة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما هو الدور التركي المقبل في هذه المعادلات المنتظرة؟ هل ستنضم تركيا بصورة كاملة إلى المحور الروسي – الإيراني، وتفارق المحور الأميركي وحلف الناتو وذلك استعدادا لتعزيز التحالفات مع الصين ودول جنوب شرقي آسيا، والتخلي عن حلمها القديم بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الذي بات هو الآخر يعاني من جملة مشكلات تتمثل في تصاعد اليمين المتشدد، وحالة عدم الاستقرار نتيجة التباينات العميقة حول سياسة الهجرة، والموقف من المهاجرين، وكيفية التعامل مع النشاطات المتطرفة، سواء تلك التي تُسوّق باسم الإسلام السياسي المتطرف، أم تلك التي ترتكب، أو يُخشى من ارتكابها، من جانب اليمين الأوروبي، والغربي عموما، المتطرف.

كما أن أجواء الحرب الباردة الجديدة بين الروس والأميركان تؤثر على الواقع الأوروبي بشكل مؤثر، خاصة في مناخات تراجع الثقة بالحليف الأميركي الذي بات يشدد على المصلحة الأميركية أولا، وهو ما يساهم في تعزيز مواقف التيارات القومية اليمينية المتطرفة التي تعمل صراحة، أو ضمنا، من أجل التخلص من الاتحاد الأوروبي كمؤسسة نشأت من أجل تقوية الروابط الأوروبية المشتركة في مختلف الميادين، وكان ذلك بهدف تجاوز نتائج الحربين العالميتين، وقطع الطريق أمام حروب جديدة في المسرح الأوروبي.

المرحلة الراهنة بالنسبة إلى تركيا مفصلية، تواجه فيها تحديات واستحقاقات كبرى، لذلك فهي في حاجة ماسة إلى تجاوز واقع الانقسامات الحادة في داخلها الوطني على المستويين الحزبي والمجتمعي، وذلك يكون عبر الانفتاح على المعارضة ورفع القيود عن حريات التعبير، والعودة ثانية إلى فتح ملف العملية السلمية لحل القضية الكردية على أسس عادلة، تحترم الخصوصية والحقوق الكردية، وتراعي في الوقت ذاته وحدة البلد، وتعزيز دوره ومكانته في الإقليم.

كما أن التفاهم التركي – السعودي يظل حجر الأساس في استقرار العلاقة التركية مع جوارها العربي، ويحقق صيغة من صيغ التوازن الاستراتيجي الإقليمي الذي يأخذ بعين الاعتبار دور القوى الإقليمية الأخرى، ويُشار هنا بصورة خاصة إلى كل من مصر وإسرائيل وإيران. توازن يقوم على أساس احترام الحقوق، ومراعاة الحساسيات، وتبادل المصالح، وعدم التدخل في شؤون الدول والمجتمعات.

تعيش منطقتنا حالة عدم الاستقرار منذ نحو قرن من الزمان. وهي مرحلة طويلة كانت مثخنة بالانقلابات والاصطفافات والصراعات. وقد شهدنا خلالها جملة حروب باردة وساخنة استنزفت الكثير من الموارد البشرية والطبيعية، وحالت دون حدوث تراكم اقتصادي وعلمي ومعرفي لاسيما على مستوى امتلاك التكنولوجيات الحديثة من موقع الفاعل المبدع وليس من موقع المتلقي المنفعل.

التفاهمات الإقليمية الصادقة على أسس واضحة ستكون في مصلحة الجميع، وستساهم في حل الكثير من المشكلات التي تبدو راهنا مستعصية عن الحل. والجدير بالذكر هنا هو أنه لا يمكن الحديث عن أي تنمية فعلية حقيقية ما لم تستقر الأوضاع في المنطقة، وهنا لا بد من التأكيد مجددا على أهمية التفاهم السعودي – التركي الذي يبقى الأرضية الأساس التي يبنى عليها مثل هذا الاستقرار، وما نأمله هو أن تحقّق قمة مكة الإسلامية أمرا من هذا القبيل.

كاتب سوري

العرب

سياسة تركيا في سوريا بين الجذب الأميركي والبقاء في الحلف الروسي/ رانيا مصطفى

تتمسك تركيا باتفاق سوتشي الموقع مع روسيا في 17 سبتمبر الماضي. لذلك هي تطالب موسكو بالضغط على النظام السوري للتراجع عن المناطق التي استولى عليها في كفرنبودة وقلعة المضيق، لكنها في الوقت نفسه، لم تقم بخطوات فعّالة لاستكمال بنود الاتفاق في ما يتعلق بحلّ معضلة المتشددين، وسحب السلاح الثقيل، وفتح الطرق الدولية، وتسيير دوريات مشتركة مع روسيا.

مردّ ذلك انعدام الثقة بالحليف الروسي، الذي يريد إعادة مناطق المعارضة، وكذلك مناطق شرقي الفرات، إلى سيطرة النظام، دون ضمانات، أو قدرة، على تحقيق شروط أنقرة في ما يتعلق بأمنها القومي من خطر “وحدات حماية الشعب” الكردية ونشاط “حزب العمال الكردستاني” على حدودها مع سوريا.

ورغم اشتداد حدّة القصف، وتصاعد أعداد الضحايا إلى المئات، ونزوح قرابة 270 ألف مدني إلى حقول الزيتون، وتدمير قرابة 22 مركزا طبيا خلال شهر مايو، يمكن القول إن العملية الروسية- النظامية في إدلب مازالت محدودة، ولم تستخدم روسيا سياسة الأرض المحروقة، كما فعلت بالغوطة الشرقية العام الماضي، حتى لا تتسبب بكارثة نزوح إلى تركيا، ستؤدي إلى انقلاب كلّي في موقف الحليف التركي، وإلى غضب أوروبي ورفض أميركي.

بالمقابل، لا تقدّم تركيا دعما مطلقا للفصائل، فمازالت مشاركة فيلق الشام، أكبر الفصائل المدعومة من أنقرة، محدودة ومقنّنة. ولم تسمح تركيا بعدُ للفصائل بفتح جبهات جديدة، وإخراج السلاح الثقيل، بل اكتفت بتعزيز نقاط مراقبتها في ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي. وقدمت السلاح والمعلومات الاستخباراتية والخرائط للفصائل. ومررت مقاتلين من درع الفرات إلى شمال حماة، ما قوّى جبهة المعارضة، حيث جرت معارك كرّ وفرّ في كفرنبودة؛ وبالتالي أرادت تركيا أن يبقى ردّها في إطار منع اقتحامات ميليشيات النظام، واستعادة المناطق التي أخذتها القوات الحكومية منذ بدء الحملة الأخيرة.

ورفضت أنقرة الموافقة على عرض موسكو بإعادة رسم حدود اتفاق سوتشي، بتثبيت المناطق التي سيطر عليها النظام السوري، في الوقت الذي بدأت فيه الفصائل الإسلامية، المتشددة والمعتدلة، بالتوحد، بعد اجتماع شارك فيه قادة هيئة تحرير الشام وصقور الشام وأحرار الشام وجيش العزة.

وبالتالي يحاول الطرفان التركي والروسي الإبقاء على روح اتفاق سوتشي، أو بالأحرى يحاولان تجنّب نعيه، للإبقاء على خط الرجوع إليه. لكن أزمة الثقة بين الطرفين جعلتهما يبحثان عن أوراق ضغط، لتحقيق مصلحة كل طرف منهما.

في الوقت نفسه، لا يزال الحديث عن تفاهم روسي- تركي حول مقايضة دخول فصائل موالية لأنقرة إلى مدينة تل رفعت وإضعاف سيطرة وحدات حماية الشعب، مقابل دخول جيش النظام وروسيا إلى شمال حماة ومثلث جسر الشغور لحماية قاعدة حميميم الروسية. لكن التصعيد الروسي في إدلب جعل الفصائل تنسحب من تل رفعت بعد الدخول إليها، فيما عززت روسيا نقاطها فيها.

حسمت الإدارة الأميركية الجدل حول تداعيات قرار الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب من سوريا، باتجاه تعطيل القرار، بل وأن تأخذ الولايات المتحدة دورا حاسما في الملفّ السوري، حسب ما يوضّحه خطاب الـ400 نائب في الكونغرس، والذين يشكّلون أغلبية من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

يدعو الخطاب إلى تطوير السياسات التي يمكنها أن توقف التهديدات المتزايدة للمصالح الأميركية، والقضاء على الإرهاب، وتركيز الجهود لمواصلة الضغط على إيران وصولا لطرد ميليشياتها من سوريا، وتحصين تفوق الحليف الإسرائيلي، وحماية مصالحها في الخليج، حيث مصادر الطاقة، وبقاء قسم من القوات الأميركية للضغط المستمر على روسيا كي لا تستفرد بتقرير مصير سوريا.

يأتي الضغط الأميركي على روسيا من بوابة التقارب مع تركيا، خاصة بخصوص إنشاء المنطقة الأمنية شمال شرقي سوريا، وملفّها يكاد يحسم لمصلحة تهدئة المخاوف التركية، الأمر الذي أزعج روسيا، ودفعها إلى التصعيد في إدلب.

تعمل الإدارة الأميركية على فتح حوار بين الحكومة التركية والأكراد، لا يتعلق فقط بترتيب الوضع الجيوسياسي لشمال شرق سوريا، بما يحفظ نفوذ القوات الكردية في المنطقة، ويلبي الهواجس الأمنية التركية، بل بعودة المسار السلمي في الداخل التركي، خاصة مع اقتراب حسم معركة رئاسة بلدية إسطنبول. ومن هنا سمحت الحكومة التركية بزيارة قادة حزب العمال الكردستاني في سجونها، وأتى تصريح عبدالله أوجلان بـ”أخذ الهواجس التركية بعين الاعتبار” في سوريا.

وغير ذلك، لم تكن واشنطن راضية عن إتمام صفقة أس400 بين روسيا وتركيا، وتحاول تعطيلها بالفعل، وقد نشرت رويترز خبرا عن بدء مباحثات تركية- أميركية لشراء صواريخ باتريوت.

تستقوي تركيا بعودة حليفها التقليدي، الولايات المتحدة، بقوة إلى الملف السوري، لكسب أوراق ضغط على حليفها الروسي غير الموثوق في سوريا، خاصّة أن حلفها الأخير فرض عليها الخضوع للأجندة الروسية، والصمت عن مطلب إسقاط نظام الأسد، والقبول بتشكيل اللجنة الدستورية وفق مؤتمر سوتشي “للحوار الوطني” مطلع 2018، بينما رغبتها تتناسب أكثر مع الطرح الأميركي بالعودة إلى القرارات الأممية خاصة القرار 2254.

على صعيد مواز، تجري محادثات أميركية- روسية حول “خطة سلام” لإنهاء عزلة سوريا دوليا، وحسب تصريح جيمس جيفري، المبعوث الأميركي إلى سوريا، بعد اجتماع مغلق لمجلس الأمن حول سوريا ليل الأربعاء الماضي، فإن موسكو وواشنطن تستكشفان مقاربة تدريجية، خطوة خطوة، لإنهاء النزاع السوري المستمر لثمانية أعوام. ويبدو أن المجتمع الدولي راغب بإنهاء الأزمة السورية، حيث تجري في كواليسه مباحثات لتهدئة روع الروس.

إيران بدورها متخوّفة من أنّ التقارب التركي- الأميركي سيطال تواجدها الاستراتيجي في سوريا، ومهتمة بالإبقاء على حلف أستانة، خوفا من توافق أميركي- روسي- تركي على إخراجها. وهي مازالت تملك أوراق قوة على الأرض، وفي دوائر قرار النظام، وتحوز على الاستثمارات الاقتصادية طويلة الأمد، وبالتالي هي تعتاش على الخلافات الروسية الأميركية والروسية التركية، أي أن لها مصلحة في عدم التقارب حول الحل السوري.

كاتبة سورية

العرب

هل آن أوان الطلاق بين تركيا وروسيا؟/ بكر صدقي

تحدثت وسائل الإعلام عن «مهلة أسبوعين» منحتها واشنطن لأنقرة للتخلي عن صفقة صواريخ s400 الروسية. وإذ انقضى نصف المهلة المذكورة، نشرت «رويترز» خبراً عن بدء مباحثات تركية ـ أمريكية لشراء صواريخ باتريوت!

وكان أحد أهداف التصعيد الروسي الكبير في قصف ريفي حماة وإدلب، مع محاولات قوات النظام والميليشيات التابعة لإيران التقدم على الأرض، هو الضغط على أنقرة كيلا تتخلى، في اللحظة الأخيرة، عن صفقة الصواريخ الروسية، إضافة لسلة المطالب الروسية من تركيا لـ«الوفاء بالتزاماتها» وفقاً لاتفاق سوتشي. ثم تغيرت وجهة المعارك، تكتيكياً، لمصلحة الفصائل المدعومة من تركيا، وخصوصاً في كفرنبودة، حيث تكبدت القوات المهاجمة خسائر كبيرة في الفترة الأخيرة. وتحدثت التقارير الإعلامية عن دعم جدي تلقته تلك الفصائل من تركيا بالسلاح والذخائر. يمكن القول، إذن، إن التقارب الأمريكي ـ التركي الذي ظهرت ملامحه الأولية، يقابله تباعد روسي ـ تركي، بصورة لا مفر منها. فهل حسمت تركيا ترددها الطويل لمصلحة حليفها التقليدي، ومستعدة لتحمل تبعات الابتعاد عن روسيا بعد شهر عسل طويل؟

ولكن ما هي الصفقة الأمريكية لتركيا التي على أساسها ستعيد الأخيرة تموضعها بعيداً عن روسيا، وربما خارج «ثلاثي آستانة»؟ وهل لهذه المستجدات علاقة بالتصعيد الأمريكي ضد إيران؟

الرسالة التي وجهها 400 من أعضاء الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي إلى الرئيس دونالد ترامب بشأن السياسة السورية لواشنطن في إطار الضغط على كل من إيران وروسيا، ربما أغرت القيادة التركية بإمكانية العودة إلى ما قبل العام 2015 في سوريا، أي عودة الأمل التركي في تغيير نظام الأسد، بعد سنوات من تخليها عن ذلك، ودخولها في إطار التسوية على الطريقة الروسية، وانشغالها بالتركيز حصراً على محاربة «قوات سوريا الديمقراطية». لهذا التغيير المحتمل مستتبعات داخلية أيضاً في العلاقة مع كرد تركيا، ظهرت بعض مؤشراتها الطفيفة في الشهر الحالي: رفع حالة منع الزيارات عن عبد الله أوجالان بصورة دائمة. وقد تلقى سجين «إيمرالي» زيارتين من محاميه، في 2 و22 أيار. في رسالته الثانية التي وجهها لـ«كل القطاعات الاجتماعية والأحزاب السياسية والدولة» في تركيا، حسب تعبيره، وجه زعيم حزب العمال الكردستاني نداءً صريحاً للمضربين عن الطعام، في السجون وخارجها، لإنهاء إضرابهم بعدما حقق هدفه في إنهاء عزلة أوجالان، وهو ما تحقق فعلاً، ليشكل ذلك، بالنسبة للحكومة، مدخلاً للتخفيف من الانتقادات الأوروبية الحادة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا.

والنقطة الثانية التي تحدثت عنها رسالة أوجالان هي دعوته للعودة إلى روح 2013 أي الحوار الديمقراطي بين الكرد والحكومة، بعيداً عن لغة العنف التي سادت في السنوات الأربع الأخيرة. لكن المفاجأة الأبرز كانت في النقطة الثالثة المتعلقة بسوريا. فقد أبدى «آبو» استعداده للعب دور إيجابي في حل المشكلات العالقة في سوريا وصولاً إلى إنهاء الصراع، ليس فقط بشأن شمال سوريا وشمالها الشرقي، بل أيضاً في الصراعات السورية ككل، مركزاً على أهمية «الضمانات الدستورية» لحقوق الكرد والجماعات الأخرى في سوريا ما بعد الحرب. وتأكيداً للتناغم التام بين أوجالان وبيئته الحزبية في الخارج، أكد الرئيس السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم، في تصريحات إعلامية، أن باستطاعة القائد أوجالان أن يبتكر حلولاً للصراع في سوريا إذا أتيحت له إمكانية العمل.

ماذا يعني «ابتكار الحلول» بالنسبة لشخص كأوجالان؟ هل يتعلق الأمر بشح في «الأفكار الخلاقة» مثلاً لحل معضلات عجز الجميع عن حلها؟ أم أن ذلك يعني استخدام أوجالان لنفوذه بين أنصاره لإجراء تغييرات كبيرة في سياسة «العمال الكردستاني» وفرعه السوري «الاتحاد الديمقراطي» ومظلته المتمثلة في «مجلس سوريا الديمقراطي» و«قوات سوريا الديمقراطية»؟ وقد أعطى أوجالان، في كلتا رسالتيه، إشارة مهمة لنوع «التكويع» الذي يستعد لإجرائه في سياسة حزبه في سوريا: «أخذ الهواجس التركية بعين الاعتبار». هذا هو مفتاح فهم المرحلة القادمة. فبوساطة من المفوض الأمريكي للشؤون السورية جيمس جيفري تجري مباحثات بين تركيا و«قوات سوريا الديمقراطية» بخصوص «المنطقة الآمنة» التي طالما طالبت بها أنقرة مصيراً لشرقي نهر الفرات بعد الانسحاب الأمريكي المفترض الذي تم تعليقه إلى أجل غير مسمى.

الأمريكيون يعملون، إذن، على إيجاد تفاهم بين حليفيهم التركي والكردي بشأن مصير شرقي نهر الفرات، للوصول إلى صيغة جغرافية ـ سياسية تحفظ نفوذ القوات الكردية في المنطقة وتلبي الهواجس الأمنية التركية في الوقت نفسه. الهدف الأمريكي من ذلك هو تركيز الجهود لمواصلة الضغط على إيران وصولاً لطرد ميليشياتها من الأراضي السورية. ويتضمن هذا الهدف بقاء قسم من القوات الأمريكية بما يشكل ضغطاً مستمراً على روسيا أيضاً لكي لا تستفرد بتقرير مصير سوريا بما يناسبها. وتدور تكهنات عن أن التفاهم المطلوب أمريكياً، بين الأتراك والكرد، لا يقتصر على الملف السوري، بل يشمل أيضاً العودة إلى المسار السلمي داخل تركيا نفسها. فمن غير استعادة أجواء الحوار الداخلي التركي ـ الكردي، لا يمكن لأوجالان أن يفعل شيئاً في سوريا.

في الوقت الذي ساد فيه تفاؤل حذر بشأن البدء بتغيير السياسة الكردية للحكومة التركية، من العنف والاقصاء إلى الحوار، جاءت العملية العسكرية التركية الجديدة التي استهدفت شمال العراق حيث يتمركز مقاتلو حزب العمال الكردستاني، كأنما لتبديد أي أوهام حول التغيير المذكور. ولكن يمكن فهم هذه العملية وتوقيتها بالنظر إلى المعركة السياسية الداخلية حول رئاسة بلدية إسطنبول. يحتاج أردوغان إلى كل صوت انتخابي للتمسك بهذه البلدية الأكبر والأهم. وهو بحاجة، قبل كل شيء، إلى أصوات ناخبي حليفه القومي المتشدد دولت بهجلي. العملية العسكرية، من هذا المنظور، هي نوع من «الإشارة إلى اليمين من أجل الانعطاف يساراً».

مجموع هذه التطورات والتطورات المحتملة يشير إلى إعادة تموضع جدية تستعد أنقرة للقيام بها، صبيحة حسم معركة رئاسة بلدية إسطنبول، بالابتعاد عن موسكو والاقتراب من واشنطن. أما صفقة الصواريخ الروسية، فمن المحتمل أن يتم حلها بطريقة ما ترضي واشنطن ولا تغضب روسيا.

كاتب سوري

القدس العربي

استدارة” أردوغان/ محمد سيد رصاص

كان التاسع من آب (أغسطس) 2016، يوماً فاصلاً في تاريخ منطقة الشرق الأوسط، عندما ذهب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مدينة سان بطرسبورغ والتقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعد ثلاثة أسابيع من محاولة الانقلاب العسكرية ضده، والتي كانت الكثير من المؤشرات تدل على دعم واشنطن لها، ومنها إقامة الداعية الإسلامي التركي فتح الله غولن في الولايات المتحدة الأميركية، في وضع شبيه بإقامة الخميني في باريس (تشرين الأول 1978- شباط 1979) والتي كانت تدل على رضا الغرب الأميركي- الأوروبي عن عملية تحول في النظام الايراني بعيداً من نظام الشاه.

شكّل ذلك التاريخ، بداية عملية استدارة تركية في اتجاه موسكو وطهران، اللتين أبدتا تأييداً صريحاً لأردوغان يوم محاولة الانقلاب تلك، بعيداً من واشنطن، التي كانت علاقاتها بأنقرة متوترة منذ انتهاء الدعم الأميركي لحكم “الإخوان المسلمين” في القاهرة في عام 2013.

ثمة استدارات حددت التاريخ الحديث لمنطقة الشرق الأوسط، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: استدارة الرئيس المصري جمال عبدالناصر باتجاه موسكو في أيلول (سبتمبر) 1955، بعيداً من الغرب الأوروبي – الأميركي، وهي الاستدارة التي قادت إلى حربي 1956 و1967 من أجل إعادة مصر إلى الحضن الغربي، بعيداً من الكرملين، ثم استدارة الرئيس المصري أنور السادات في عام 1974، مبتعداً عن موسكو نحو واشنطن، والتي قادت إلى زيارته القدس في عام 1977، ثم توقيع “اتفاق كامب دافيد” في عام 1978.

تشبه تلك الاستدارة التركية الاستدارتين المصريتين، بحكم أهمية موقع تركية الجغرا- سياسي، من حيث تأثيرها على محتوى الصورة الإقليمية العامة للمنطقة، إذ حدد تلاقي أردوغان – بوتين مسار الأزمة السورية باتجاه هزيمة المعارضة السورية المسلحة بدءاً من حلب في 22 كانون الأول (ديسمبر) 2016، وفتح طريقاً لمساري “الآستانة” و”سوتشي” حول الأزمة السورية، بعيداً من الاتفاقات الأميركية – الروسية التي تجسدت في القرار الدولي 2254 (18كانون الأول 2015)، كما حدد اتجاهاً أميركياً جديداً في عهد الرئيس دونالد ترامب، لم يكن موجوداً في عهد الرئيس باراك أوباما، قضى بوجود عسكري أميركي في شرق الفرات السوري، موجه ضد كل من موسكو وأنقرة. إلى ذلك، أدت الاستدارة التركية نحو موسكو، إلى فتح المجال لنشوء “ثالوث سوتشي” (موسكو- أنقرة – طهران) منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، الذي أتاح لطهران حرية الحركة ضد العقوبات الأميركية التي بدأت في الرابع من تشرين الثاني 2018. كما أتاحت استدارة أنقرة نحو موسكو، ومن ثم طهران، حرية حركة للدوحة بعد تحرك الرباعي العربي (المملكة العربية السعودية، دولة الإمارات، البحرين ومصر) واتخاذه إجراءات ضدها منذ الخامس من حزيران (يونيو) 2017.

يمكن القول هنا، أن أردوغان استفاد من تلك الاستدارة في منع نشوء “كوريدور” كردي يمتد من الحدود التركية – العراقية – السورية، حتى رأس البسيط شمال اللاذقية على البحر المتوسط، يفصل تركيا ومعها إقليم شمال العراق، عن العالم العربي بحزام كردي، إذ أخذ الرئيس التركي، بعد نيله غطاء روسياً، جيب جرابلس- إعزاز، بين 25 آب 2016 و23 شباط (فبراير) 2017، ثم استولى على عفرين في الربع الأول من العام 2018، لينشأ بعد ذلك في “اتفاق سوتشي” (17أيلول 2018) تفاهم تركي – روسي حول إدلب.

صحيح أن طموحات أردوغان تجاه سورية لم تعد تتجاوز حدود الهم الكردي، بعيداً عما كان عليه الأمر في العامين 2011 و2012، عندما كان الجهد التركي يصب في اتجاه تسليم “الإخوان المسلمين” الحكم في دمشق، بموازاة تسلم “حزب الدعوة” الموالي لطهران الحكم في بغداد، عبر رئيس الوزراء نوري المالكي.

تجدر الإشارة إلى أن ثالوث موسكو – أنقرة – طهران، يحمي أردوغان من عقابيل الحرب الباردة الأميركية – التركية القائمة منذ صيف العام 2013، والتي كادت تطيح به في 15 تموز (يوليو) 2016. وفي هذا الصدد، تجتمع موسكو وأنقرة وطهران (ومعهم دمشق) على العداء للوجود العسكري الأميركي في شرق الفرات السوري وعلى التوجس من مفاعيله، وينبع موقف موسكو من كون الوجود العسكري الأميركي ينهي استفرادها بالملف السوري، الذي أوحى لها به أوباما في عام 2015، فيما ترى طهران في الوجود العسكري الأميركي سداً يقطع الطريق بينها وبين بغداد ودمشق والضاحية الجنوبية لبيروت. أما أنقرة، فترى في الدعم الأميركي لأكراد “حزب الاتحاد الديموقراطي”، وهو الفرع السوري لـ “حزب العمال الكردستاني”، أكثر من مجرد دعم لصالح مسلم وألدار خليل، بل لعبدالله أوجلان وجميل بايك ومراد قره يلان. يجب هنا أيضاً ملاحظة أن “ثالوث سوتشي” أعلن نشوء استقطاب إقليمي يشمل بمفاعيله مساحة واسعة من منطقة الشرق الأوسط، يضع طهران وأنقرة والدوحة وحكومة الوفاق الوطني الليبية في طرابلس الغرب، والحوثيون في صنعاء، في مواجهة الرياض وأبوظبي والمنامة والقاهرة، وهو ما يؤدي إلى نشوء انقسامات في حكومتي بغداد وبيروت. وليس بعيداً من مفاعيل هذا الصراع الاستقطابي، تأييد الرياض وأبوظبي والمنامة والقاهرة، انقلاب العسكريين السودانيين ضد عمر البشير في 11 نيسان الماضي، علماً أن ميول البشير الإسلامية كانت تدفعه باتجاه أنقرة والدوحة أكثر من الرياض، على رغم محاولته اللعب على حبال التناقضات الإقليمية منذ العام 2017. ولا يمكن عزل انفجار الصراع العسكري في الرابع من نيسان بين قوات اللواء خليفة حفتر وحكومة طرابلس الغرب عن كونه بمثابة ميزان حرارة يدل على ارتفاع درجة حدة الصراع بين المعسكرين الإقليميين.

في المجمل العام، قادت استدارة أردوغان إلى مكاسب تركية، لكنها أيضاً وضعت أنقرة في تحالف يبدو واضحاً أنه ظرفي وموقت وهش، وهو ما تعكسه الخلافات الروسية – التركية حول مجمل الأزمة السورية، ومنها خلافهما الراهن حول إدلب الناتج عن عدم التزام أردوغان باتفاقه مع بوتين تجاه تصفية “جبهة النصرة”، وفتح طريقي حلب – دمشق وحلب – اللاذقية، وهو ما نص عليه اتفاق 17 أيلول 2018، وكان يفترض تحقيق هاتين النقطتين بداية العام 2019. ويبدو أن فتح الروس أخيراً معركة إدلب، يهدف إلى الضغط على أردوغان لتحقيق ذلك فقط.

أما من جهة الرئيس بوتين، فيوحي التحالف مع تركيا بوجود اتجاه نحو السعي إلى زعزعة بنية “حلف الأطلسي” عبر تشجيع التناقضات التركية- الأميركية. وليست صفقة صواريخ “إس 400” الروسية إلى تركيا، بعيدة من ذلك. كما أن تمتين الروابط عبر الاقتصاد، مثل خط السيل الجنوبي الذي ينقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا، يدخل ضمن الاتجاه الروسي المذكور.

إلى ذلك، ترى طهران في “ثالوث سوتشي” وسيلة لحمايتها من عاصفة الرياح الأميركية التي هبت عليها منذ سحب ترامب في 8 أيار (مايو) 2018 التوقيع الأميركي على الاتفاق النووي مع إيران، الذي تم إبرامه العام 2015.

إذا قارنا استدارة أردوغان باستدارة عبدالناصر، تبدو مكاسب الرئيس المصري أكبر: تأميم قناة السويس، استغلال الخلاف الأميركي – البريطاني، والدعم السوفياتي من أجل الخروج بمكاسب سياسية في حرب 1956 على رغم الهزيمة المصرية العسكرية أمام إسرائيل في تلك الحرب. ثم أن دعم موسكو كان بمثابة عامل مساعد، إضافة إلى ذلك، ساعد ركوب عبدالناصر رأس موجة المد القومي العروبي، القاهرة على هزيمة معسكر “حلف بغداد”. أما أردوغان، فيبدو الآن في مأزق، وسط تراجع قوته الداخلية، وفق الانتخابات المحلية الأخيرة، وفي الوقت ذاته لم يستطع خارجياً أن يقنع واشنطن بعقد صفقة معه من أجل إبعاده عن موسكو، وربما كان هذا هدفه العميق من التقارب مع بوتين. علماً أنه لا يستطيع تحقيق مكاسب استراتيجية لتركية من التقارب مع روسيا، تفوق المكاسب التكتيكية في الملف السوري التي نالها منذ زيارته إلى روسيا في التاسع من آب 2016.

* كاتب سوري.

الحياة

الاتحاد الأوروبي: فزّاعة أردوغان بعد لطمة اليمين المتطرف/ صبحي حديدي

لم تكن المصادفة وحدها هي التي تقيم الصلات، اليوم، بين توقيت انتخابات البرلمان الأوروبي، التي كانت أبرز نتائجها تعزيز مواقع اليمين المتطرف والعنصري والشعبوي؛ وتوقيت نشر نسخة 2019 من التقرير السنوي الذي تصدره المفوضية الأوروبية حول آفاق أو عوائق انضمام تركيا إلى الاتحاد، والذي ينتهي إلى خلاصة أكثر سلبية من تقرير العام المنصرم. فإلى جانب الفترة القصيرة التي شهدت تلازم التوقيتين، كان ثمة ذلك القاسم المشترك الأعظم الذي يربط بينهما خارج نطاق الزمن الراهن؛ أي حال أوروبا المعاصرة مع شرائح واسعة من مواطنيها، لا تنتمي إلى الإرث اليهودي ــ المسيحي؛ تاريخياً أوّلاً، ثمّ ثقافياً على الأقلّ، إذا لم يؤخذ العامل الإثني في الاعتبار.

المواطن الأوروبي من أصول تركية صوّت، في ألمانيا أو فرنسا، بناء على اعتبارات شتى محلية الطابع بالضرورة، يمكن بهذا المقدار أو ذاك أن تنفتح في إطارها العريض على هواجس أوروبية عامة؛ لكنه لم يصوّت استئناساً، وعلى نحو مباشر وارتباطي، بما جرى في انتخابات بلدية إسطنبول، أو بإشكالية سلطات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أو بسياسات حزب «العدالة والتنمية»، سواء اتفق معها أو اختلف. في عبارة أخرى، يندر أن يكون هذا المواطن قد اختار التصويت لهذا النائب الألماني أو ذاك الفرنسي لأنّ الأخير مؤيد متحمس لانضمام تركيا (فالبند ليس ساخناً بما يكفي على البرامج الانتخابية)؛ ولكن يندر أيضاً أن يكون المواطن إياه قد صوّت لحزب يبدي كراهية صريحة للمهاجرين واللاجئين، مثل «التجمع الوطني» في فرنسا، أو حزب «البديل» في ألمانيا.

هذه فرضية منطقية، بالطبع، بل هي تلقائية وأقرب إلى تحصيل الحاصل؛ لولا أنّ تسخير عناصرها في أيّ نقاش معمّق حول مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يسفر عن مشهد سياسي وسوسيولوجي وثقافي أكثر تعقيداً مما يلوح على السطح. بعضها يتفاقم، شاء المرء أم أبى، إلى نقاش صراع الحضارات كما تداولته تيارات عديدة قبل نظرية صمويل هنتنغتون؛ وبعضها يردّ الحال، على طرفَيْ الاصطفاف بين ابن الثقافة والآتي إليها مهاجراً أو لاجئاً، إلى معادلة تبادلية بسيطة: كلما تعاظم يقين الأوّل بأنّ الثاني وطأة، ويشكّل مصدراً لجزء كبير من أسباب تدهور العيش والبطالة والاقتصاد؛ ازداد نزوع الثاني إلى النأي عن الاندماج، والتشبث بما يعتبره «جذور» حضارته الأمّ، صانعة الكينونة على هذا النحو او ذاك.

ولقد كان لافتاً أن الفرنسي جوردان بارديلا، رأس لائحة «التجمع الوطني»، هو في الأصل سليل عائلة إيطالية هاجرت إلى فرنسا في ستينيات القرن الماضي؛ لكنه اليوم لا يرفض «موجات الهجرة» كما تسير الذريعة التقليدية، فحسب؛ بل يناهض مبدأ قبول المهاجرين، واللاجئين، جملة وتفصيلاً، حتى إذا بقيت زوارقهم تائهة في البحر أو عرضة لأخطار الغرق. إنه، مع ذلك، يلحّ على أنّ اندماجه في المجتمع الفرنسي قصة ناجحة، في مقارنة ضمنية مع قصص الفشل التي يتوجب ــ بالضرورة والتعريف، حسب منطق التوازي ــ أن تكون مصير محمد أو مصطفى أو حسن، من الأسماء التي لا تتوفر بعض حروفها في الأبجدية اللاتينية. ولو عادت عقارب الزمان إلى الوراء، فالأرجح أنه كان سيرفض قبول أمثال زين الدين زيدان أو كريم بن زيمة أو كليان إمبابي في عداد المنتخب الوطني الفرنسي لكرة القدم، مقابل الترحيب بوجود أمثال ميشيل بلاتيني أو دافيد تريزيغه أو أنتوان غريزمان.

وهكذا فإنّ مناخات مثل هذه، وسواها مما صعد مع، أو استؤنف بعد، انتخابات البرلمان الأوروبي، ألقت بظلالها على تقرير المفوضية الأوروبية بصدد انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي؛ بدليل أنّ هذا هو النصّ الأقسى، والأخشن لغة وعدائية، منذ 12 سنة حين درجت المفوضية على إعداد تقارير سنوية مماثلة؛ وأنه، استطراداً، يتزامن مع اللطمة الأقسى التي تلقاها الاتحاد، في مختلف أجنحته اليمينية واليسارية والليبرالية، من تيارات اليمين المتطرف والعنصري والشعبوي. وكأنّ حال كتّاب تقرير 2019 حول تركيا يقول ما معناه إنّ رفع فزّاعة أردوغان هو أحد السبل (القليلة المتوفرة، الركيكة القاصرة إجمالاً) للحدّ من تعاظم مدّ تلك التيارات؛ أو أن تُداوى أحزب متطرفة مثل «الرابطة» الإيطالي و«العدالة والقانون» البولندي و«فيديس» المجري، بالتي كانت هي الداء: أي «العدالة والتنمية» التركي!

وأياً كانت طبيعة القرائن التي يسوقها التقرير لإثبات نأي تركيا عن عضوية الاتحاد الأوروبي، وقد يكون معظمها صحيحاً بصدد السلوك السلطاني الذي بات أردوغان يتصف به، أو انتهاكات حقوق الإنسان والحريات العامة التي صارت تُرتكب في أجهزة الدولة المختلفة؛ فإنّ ما يتغافل عنه التقرير هو حقيقة اتكاء «العدالة والتنمية» على أغلبية برلمانية لم تأت نتيجة انقلاب عسكري أو تزوير للانتخابات، وإلا لأقام الاتحاد الدنيا ولم يقعدها. هذا فارق قانوني واضح ولا يقبل الطعن، تماماً كما لا يصحّ للاتحاد أن يرفض صعود الفرنسية مارين لوبين أو الإيطالي ماتيو سالفيني أو الألماني يورغ مويتن أو البريطاني نايجل فرج… عبر صندوق الاقتراع!

وبالطبع، في وسع المرء أن يقتبس الكثير من المواقف التي اتخذها زعماء أوروبيون ضدّ انضمام تركيا، وكانت ذات ركائز ثقافية أو حضارية أو قِيَمية (أي تنبثق، دون تأتأة أو تعمية، من التراث اليهودي ــ المسيحي، حرفياً). الفرنسي نيكولا ساركوزي، حين كان رئيساً للجمهورية، اعتبر أنّ مكان تركيا ليس في أوروبا المسيحية، بل في آسيا المسلمة؛ والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عفّت قليلاً عن هذه الصراحة، ففضّلت صيغة «الشراكة المتميزة» على العضوية التامة؛ والمستشار النمساوي الأسبق ولفغانغ شوسل رأى أنّ بدء الإتحاد الأوروبي مفاوضات ضمّ مع تركيا «أمر يثير السخرية»، فيما يتخلى الاتحاد عن المفاوضات مع كراوتيا؛ والهولندي فريتس بولكشتين، المفوّض السابق في الاتحاد الأوروبي، الذي لم يترك زيادة لمستزيد: إذا انضمت تركيا فسيكون تحرير فيينا من الحصار العثماني سنة 1683 قد ذهب عبثاً في عبث!

وكيف للمرء أن يستبعد أنّ «الفزّاعة» الحقيقية التي ظلت تخيف هؤلاء الساسة لم يكن أردوغان (إذْ كان وقتها لا يملك من سلطات السلطنة والتَسَلْطُن إلا النزر اليسر)، ولا «العدالة والتنمية»، ولا حتى «الرفاه» في ظلّ نجم الدين أربكان؛ بل كان، وهكذا يظلّ اليوم، الحضور الديمغرافي المتزايد لهذا المواطن الأوروبي المتحدر من أصول أخرى غير أوروبية، وغير منتمية بالولادة إلى التراث الثقافي والديني اليهودي ــ المسيحي. اذهبوا، دون إبطاء، إلى أحد كبارهم الذين علّموا السحر في هذه الميادين: المستشرق الشهير برنارد لويس، الذي بعث القشعريرة في أبدان أمثال بولكشتين، حين صرّح لصحيفة ألمانية بأنّ أوروبا، إذا ضمّت تركيا ولم تضيّق على موجات الهجرة من آسيا المسلمة وشمال أفريقيا، سوف تصبح إسلامية عند نهاية القرن العشرين.

وقد يساجل البعض هكذا: ها قد انتهى القرن العشرون، ولم تتحقق نبوءة لويس؛ وقد يكون الردّ التلقائي: فعلاً، ليس لأنّ الـ19 سنة من عمر القرن الجديد لم تشهد انضمام تركيا، ولم تشهد فتح المطارات والموانئ أمام هجرات المسلمين من آسيا وشمال أفريقيا أيضاً؛ ولكن الأهمّ: أنها شهدت تعاقب اللطمات اليمينية المتطرفة والعنصرية والشعبوية، على وجه أوروبا الليبرالي أو اليميني المسيحي أو الاشتراكي الديمقراطي، التنويري باختصار.

وهنا انعقاد المنطق الكبير بين وهم «الفزّاعة» وألم اللطمة!

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

واشنطن إلى ما بعد «أستانا»/ عروة خليفة

أعلنت الولايات المتحدة الأميركية عن إرسال تعزيزات عسكرية جديدة إلى الشرق الأوسط، وذلك في ظل تنامي التصعيد بينها وبين إيران، إذ قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب أول أمس السبت إن عدد الجنود الإضافيين الذين سيتم إرسالهم يصل إلى ألف وخمسمئة جندي، في وقت تتضارب فيه المؤشرات بين استمرار التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران من جهة، وحديث دبلوماسيين عرب عن بدء المفاوضات بينهما من جهة أخرى.

وفي الوقت الذي تحاول فيه واشنطن ضبط إيقاع التوتر في منطقة الخليج، تُظهر تسريبات صحفية قيامها بجهود مركزة للوصول إلى اتفاق بين أنقرة وقوات سوريا الديمقراطية حول الوضع في شرق سوريا، فقد نقلت صحيفة الشرق الأوسط عن مسؤولين أميركيين أن ممثلين عن قوات سوريا الديمقراطية، عقدوا لقاءات مع مسؤولين أتراك في الآونة الأخيرة «بهدف بحث مستقبل منطقة شمال شرقي سوريا والعلاقة بين الطرفين». وقبل ذلك، شكّلت تصريحات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بعد زيارته إلى سوتشي ولقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مؤشراً على اقتراب أميركي من موسكو لدعم وتسريع العملية السياسية في سوريا.

بالنظر إلى الخطوات الأميركية الثلاث تلك؛ تشديد الضغط على إيران، ودعم حل في شمال شرقي سوريا يُرضي أنقرة، وتحفيز الروس على تسريع المسار السياسي؛ فإنه بالإمكان الحديث عن تعديلات طرأت على الاستراتيجية الأميركية في سوريا، التي لا يمكن القول إنها تغيرت تماماً، إلا أنها بدأت بتبديل أدواتها، خاصةً في ضوء التطورات الجديدة الناجمة عن القضاء على تنظيم داعش شرق البلاد، والتوجه للضغط بشكل موسّع على إيران.

وقد تكون إفادة المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري، التي قدمها في 22 أيار الجاري أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس، التعبير الأوضح عن هذه التوجهات التي تتضمن التركيز على الوجود الإيراني العسكري في سوريا أكثر من أي وقت مضى. وقال جيفري في إفادته تلك: «لم يترك سلوك النظام الإيراني الخبيث أي خيار أمامنا سوى السعي إلى انسحاب كافة القوات التي تقودها إيران من سوريا بأكملها»، والواضح من عموم ما قاله جيفري وما أظهرته التحركات الأميركية الدبلوماسية في المنطقة، هو اعتماد خطة عمل متوازية للضغط على الأطراف الدولية الثلاث الفاعلة عسكرياً في سوريا، بهدف إخراج طهران عسكرياً من البلاد وترسيم شكل الدور الروسي والتركي في العملية السياسية بما يتوافق مع توجهات واشنطن؛ وإذا كان مسار أستانا رمزاً لمحاولة الدول الثلاث إنتاج حل سياسي يتوافق مع أهدافها الخاصة والضغط لقبول الولايات المتحدة به، فإن الأوضاع الأخيرة هي في الحقيقة بداية لوضع معاكس تقوم فيه واشنطن بترتيب العملية السياسية وفق الأولويات الأميركية، وذلك من خلال إدارتها للعلاقة مع كل من تركيا وروسيا بالتوازي مع إخراج طهران من المعادلة العسكرية في سوريا، بهدف منع أي طرف من تغيير التوازنات القائمة.

وإذا كانت الخطة الأميركية الجديدة تهدف إلى تحقيق حد أدنى من الاستقرار في سوريا، بما يتضمن القبول بدور روسي من منطلق «براغماتي»، فإن المناورات الروسية الدائمة في الملف السوري، وعدم وفاء موسكو بالتزاماتها كما أكد المسؤولون الأمريكيون بأنفسهم، لا يترك المجال لكثيرٍ من الثقة بين الطرفين، لكن التحولات الأخيرة في الأوضاع الميدانية في سوريا، وفشل موسكو في تحقيق انتصار واضح في إدلب رغم كثافة القصف الذي نفذته طائراتها والمجازر وعمليات التهجير الواسعة، تبدو تعبيراً عن عجز روسيا لوحدها عن تغيير وقائع الميدان بشكل حاسم.

في الوقت نفسه تعاني الميليشيات المدعومة إيرانياً من وضع معقد، فهي تنتظر أوامر لبدء عمليات ضد الأهداف الأميركية في المنطقة إذا ما اختار المرشد الأعلى الحرب بدلاً من التفاوض، ما يمنعها من الدخول في عمليات واسعة في سوريا، بينما تواجه في الوقت ذاته آثار العقوبات الأميركية على إيران، وتراجع مصادر تمويلها، ما يقلل قدرتها على حشد العناصر لعمليات كبيرة.

هذه الأوضاع الميدانية في سوريا، التي كانت أحد نتائج العقوبات الأميركية على طهران، ستساهم في تقليل قدرة روسيا على الانسحاب من تعهداتها المتعلقة بدعم المسار السياسي، وكذلك في تقليل قدرتها على التوجه نحو الحسم العسكري، ويضاف إلى ذلك الأزمة الاقتصادية في مناطق سيطرة النظام، المترافقة مع غياب أية بوادر لتمويل إعادة الإعمار وبالتالي تثبيت انتصار موسكو والأسد فوق أنقاض مدن البلاد المدمرة، إذ تعرف روسيا أنها لا تستطيع الاطمئنان لاستقرار الأوضاع في مناطق سيطرة النظام، دون الاعتراف الدولي وتمويل إعادة الإعمار.

بالنتيجة، تسعى الولايات المتحدة إلى أن تكون هذه الأوضاع الجديدة ضمانة لالتزام موسكو بتعهداتها، باعتبار أن الأخيرة ستواجه أوضاعاً شبه مستحيلة على المدى الأطول من دون الاعتراف الأميركي والدولي بنفوذها في سوريا، وهو الأمر الذي ينطبق أيضاً على أنقرة، التي تبدو الآن أقرب من أي وقت مضى إلى الوصول لتفاهمات مع واشنطن.

على الرغم من الحديث عن بدء المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة عبر وساطة عُمانية، إلا أن احتمالات التصعيد قائمة حتى اللحظة، وتحت ظلال هذا التوتر في منطقة الخليج، يبدو أن الإدارة الأميركية أصبحت تعطي للأوضاع في سوريا أهمية أكبر، كجزء من المواجهة مع إيران، الأمر الذي قد تكون نتائجه تغيير ترتيبات وتوازنات سيطرت لسنوات على الوضع السوري، وعلى رأسها العلاقة الدقيقة بين كل من إيران وتركيا وروسيا كما تجسدت من خلال مسار أستانا، والتي يبدو أنها اليوم تواجه نهاية شبه حتمية.

موقع الجمهورية

الليرة التركية تنتعش أمام الدولار/ بكر صدقي

للمرة الأولى منذ أشهر ينعكس اتجاه مؤشر سوق العملات في تركيا لمصلحة الليرة التركية التي ارتفع سعر صرفها أمام الدولار، خلال الأسبوع الماضي، من 7,20 ليرة للدولار الواحد إلى ما تحت 6,70 ليرة. وتميل تقديرات المحللين الأتراك إلى ربط هذا التحسن بمضمون المكالمة الهاتفية التي جرت، في 29 أيار، بين الرئيسين أردوغان وترامب الذي كان موضوعه الرئيسي هو صفقة الصواريخ الروسية s300 التي تعترض عليها الولايات المتحدة بشدة، منذرة بعقوبات قاسية في حال إصرار الرئيس التركي على اتمامها.

ما تسرب عن مضمون تلك المكالمة يشير إلى قبول الرئيس الأمريكي بإنشاء لجنة عمل مشتركة من الفنيين للتباحث حول مدى المخاطر التي قد تنجم عن توطين الصواريخ الروسية المتطورة فوق الأراضي التركية على بعض منظومات السلاح الأمريكية الصنع، وبخاصة طائرات f35 ذات التكنولوجيا العالية التي اقترب موعد تسليمها إلى أنقرة ويهدد الأمريكيون بوقف تسليمها في حال أصر الأتراك على شراء الصواريخ الروسية. سبق للرئيس التركي أن طرح فكرة تشكيل لجنة العمل المشتركة هذه، أكثر من مرة، حلاً للخلاف بين الطرفين، لكن الأمريكيين تجاهلوا الاقتراح تماماً. وكانت واشنطن قد منحت تركيا مهلة أسبوعين لإلغاء صفقة الصواريخ الروسية، لكن الأتراك لم يظهروا أي علامة من علامات التراجع، وتتابعت التصريحات الروسية حول تمسك روسيا وتركيا بإتمام الصفقة.

بموافقة ترامب على فكرة لجنة العمل المشتركة، يكون أردوغان قد حصل على “فترة سماح” إضافية قصيرة يتوقع أن تنتهي بانتهاء الانتخابات المقبلة على رئاسة بلدية إسطنبول في 23 حزيران/يونيو الحالي. وهي انتخابات حاسمة قد تحدد مصير الحزب الحاكم في السلطة على المدى المتوسط، بعدما حولها بنفسه إلى نوع من الاستفتاء على شعبية الحكومة وشعبية أردوغان بالذات، بل إلى معركة سياسية كبيرة حول قيم الديمقراطية والإرادة الشعبية والعدالة والشفافية.

من ناحية ترامب، ربما يمكن تفسير “تسامحه” المفاجئ مع أردوغان في موضوع الصواريخ، بإعجابه الشخصي بالرئيس التركي الذي سبق أن عبر عنه في مناسبات سابقة، لاشتراكهما معاً في صفة “الشعبوية” التي يوصفان بها في الإعلام. فهذا ما يمكن أن يفسر هذا التسامح المتعارض مع إرادة الكونغرس المتشددة إزاء موضوعي الصواريخ الروسية والطائرات الأمريكية إزاء أنقرة.

حسناً، تم إرجاء البت بمعاقبة تركيا على صفقة الصواريخ الروسية إلى ما بعد انتخابات إسطنبول. فماذا عما بعدها؟

أغلب التوقعات هي في اتجاه إيجاد مخرج من ورطة الصواريخ الروسية بما يجنب تركيا مفاعيل العقوبات الأمريكية في وقت يعاني فيه الاقتصاد التركي من حالة انكماش كبيرة وأرقام البطالة منذرة بالخطر وثمة تراجع كبير في استقطاب الاستثمارات الخارجية. فلجنة العمل المشتركة هي مجرد مخرج مؤقت لكسب بعض الوقت، وليست مخرجاً نهائياً يعيد الثقة المفقودة بين تركيا وحلف الناتو، وبخاصة الولايات المتحدة. أما المخرج النهائي الذي من شأنه إخراج تركيا من هذه الورطة، من غير الصدام مع روسيا، فهو شراء الصواريخ و”دفنها” في مستودع ما من غير “فتح أمبلاجها”. أو إعادة بيعها إلى دولة ثالثة بموافقة الأمريكيين والروس. وهناك سابقة من هذا النوع، حين اشترت جمهورية قبرص صواريخ روسية من طراز s300، وإذ اعرضت تركيا بشدة، قامت اليونان بشرائها من قبرص ووضعتها في مستودعات على إحدى الجزر اليونانية تاركة إياها ليتآكلها الصدأ.

فالبديل عن حلول من هذا النوع هو قطيعة كبيرة، ربما نهائية، بين تركيا والحلف الأطلسي، يتلهف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لرؤيتها. أما الرأي العام التركي فهو لا يريد مجرد التفكير بافتراض من هذا النوع، على رغم قوة تيار شعبوي إسلامي – قومي – يساري يتعيش على خطاب “العداء للإمبريالية” والعداء لأمريكا وإسرائيل. لكن غالبية المتن الاجتماعي في تركيا متمسكة بمصير تركيا المتوافق مع الغرب وقيمه كما رسمه مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك.

لكن مجرد إعجاب ترامب الشخصي بأردوغان قد لا يكفي لتفسير تساهل الأول مع الثاني في منحه مهلة جديدة قبيل انتخابات إسطنبول. فمن المحتمل أن للأمر علاقة أيضاً بالتطورات في سوريا، وبخاصة في “منطقة خفض التصعيد” شمال محافظة حماة وجنوب محافظة إدلب، حيث ينذر التصعيد الروسي الكبير في ضرب الأهداف المدنية، وضمناً قصف نقاط قريبة من مراكز المراقبة العسكرية التركية، بوصول التفاهمات الروسية – التركية إلى نقطة اللاعودة. وهو ما تتمناه واشنطن بطبيعة الحال، أي “عودة الابن الضال” التركي لحضن الحلف الأطلسي بعد “مغامرته الروسية” الطويلة.

قبل أسابيع قليلة كانت جمعية رجال الأعمال في تركيا قد اتخذت موقفاً ناقداً للحكومة، بمناسبة إعادة الانتخابات على بلدية إسطنبول، وهي الجمعية التي تضم أصحاب الثروات الكبرى الذين طالما كانوا على وفاق مع الحكومة. لقد شكل ذلك نذير خطر على السلطة، بأكثر مما يمكن لمجموع أحزاب المعارضة أن يفعل. واستجاب سوق الصرف لهذا التحدي بارتفاع حاد في سعر صرف العملات الأجنبية أمام الليرة التركية. أما اليوم فقد ردت الروح لليرة أمام العملات الأخرى، ولا شك أن الحكومة تتمنى استمراراً في تحسن وضعها. وهو ما لا يمكن الركون إليه بغير تطبيع العلاقات مع واشنطن الذي يبدأ بحل مشكلة صفقة الصواريخ الروسية، ولا ينتهي بالتوافق على صيغة مرضية للمنطقة الآمنة شرقي الفرات.

القدس العربي

عن احتمالات تطور الأوضاع في سورية/ سمير سعيفان

يتردّد السؤال المقلق دائمًا: إلى أين تسير سورية في المستقبل القريب؟ الرئيس الروسي بوتين هو اللاعب الرئيس، وهو مصمّم على إعادة تأهيل نظام الأسد وتأهيل رئيسه، والعمل على فرضه على المجتمع الدولي، فهو يرى مصلحة روسيا في ذلك، إذ كان تدخّله في سورية قد أعاده لاعبًا رئيسًا على مسرح السياسة الدولية، واستعمل سورية وشعبها حقل تجارب للأسلحة، وحقل رمي وميدان تدريب لعساكره. وبالتالي لن يتخلى عن الأسد ونظامه إلا مجبرًا. ولا يبدو أن ثمّة أحدًا يريد إجباره، فالأميركيون متوافقون مع بوتين، فهم لا يريدون تغيير النظام، وإنما تغيير سلوكه، وهذه عبارة مطّاطة.

يصمم بوتين اليوم على مد سيطرة نظام الأسد (سيطرة روسيا) إلى بقية مناطق ريف حماة الشمالي وإدلب وريف حلب، وحتى حدود مناطق السيطرة المباشرة للقوات التركية في منطقتي درع الفرات وغصن الزيتون، على الرغم من صعوبة المهمة، بسبب وجود مجموعات من الفصائل المسلحة المتمرّسة في القتال، وغالبها فصائل متشدّدة، وبسبب وعورة المنطقة الجبلية، ما يرفع تكاليف تحقيق السيطرة على تلك المناطق. وهذا يدفع بوتين إلى ممارسة سياسة الأرض المحروقة، عبر قصف كثيف، يؤدي إلى قتل ودمار وتهجير كبير. وكذلك يحرص على أن يعيد سيطرة النظام على المناطق التي تسيطر عليها قوات حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردية) في حال خروج الأميركيين منها.

على الرغم من غضب أردوغان، يتجاهل بوتين اتفاقاته مع نظيره التركي، والدور الذي لعبته تركيا عبر شراكتها بمسار أستانة الذي أدى إلى تفكيك فصائل عديدة، وإجراء المصالحات،

وعودة سيطرة النظام على عدة مناطق، بدءًا من مدينة حلب والغوطة ودرعا والقلمون وغيرها. ولذلك، تسعى تركيا اليوم إلى جعل سيطرة الروس والنظام ومليشيات إيران على شمال حماه وإدلب وريف حلب صعبة ومكلفة، وتكبيد القوات المهاجمة خسائر أكبر، بقصد التأثير على موقف روسيا، إذ بسبب عدم ثقة أردوغان بالتزام بوتين بأي اتفاق، لم تفكّك تركيا جبهة النصرة وحلفاءها، وعزّزت قوة الفصائل الأخرى. ولكن يتوقع أن يستمر الروس في نهجهم الدموي هذا للوصول إلى حدود منطقتي السيطرة التركية المذكورتين. ولا يتوقع أن يهاجم الروس هاتين المنطقتين، لما يسببه من إحراج كبير لتركيا، ما قد يدفعها إلى الرد، وإيجاد توتر قد يتطور إلى نزاع تركي روسي، خصوصا مع نمو الغضب التركي من سلوك روسيا التي تتنصل من اتفاقاتها مع تركيا، بالوصول إلى حل سياسي في سورية، في حد مقبول من التوازن.

على الصعيد السياسي الشكلي، يسعى بوتين إلى تشكيل اللجنة الدستورية تحت مظلة الأمم المتحدة بحسب قرار مجلس الأمن 2254. أما عمليًا فيصر على أن يكون أكثر من ثلثي اللجنة الدستورية من مناصري النظام، أو ممن يخضعون لضغوطه، وذلك كي يضمن صوغ دستورٍ لا يبدل في طبيعة النظام، أي محتوى روسي وغلاف أمم متحدة لإعطاء اللجنة صفة الحل السياسي الدولي، وبمجرّد تشكيل اللجنة سيتم تجاهل الهيئة العليا للمفاوضات، مثلما تم تجاهل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، بعد تشكيل الهيئة، وسيتم حصر كامل ما يُدعى الحل السياسي بهذه اللجنة الدستورية. ثم من بعدها تريد روسيا أن تدير وزارة داخلية النظام الاستفتاء والانتخابات على الطريقة السورية المعتادة بنتائجها مسبقة الصنع.

وثمّة متغير قد يؤدي إلى تغيير في مسار الحل السياسي جزئيًا، فعلى الرغم من أن الأميركيين لا يعملون على تغيير النظام ولا إطاحة الأسد، وقد أعلنوا ذلك صراحة، فإن تنفيذ الشروط الـ12 التي أعلنوها ضد إيران، وتهدف إلى قطع أذرعها في المنطقة، وحل مليشياتها، سيشكل تغييرًا في مسارات الصراع ونتائجه في سورية، إذ سيقوي ذلك موقف روسيا في سورية، وسيصبح موقف الأسد أضعف أمام بوتين، بعد انسحاب إيران التي يستقوي بها النظام ويناور بينها وبين روسيا. وفي حال مد النظام سيطرته إلى مناطق شمال غربي سورية ومناطق شرق الفرات، يتوقع أن يضغط بوتين أكثر على الأسد ونظامه، لاتخاذ إجراءاتٍ يسمّيها “حلا سياسيا”، يرضي فئات أوسع من الشعب السوري والمجتمع الدولي، ويحافظ على النظام، ويشرك شخصيات معارضة في الحكومة، وفي مناصب قيادية في الدولة، وقد يدفع مثلًا إلى الإفراح عن المعتقلين وإصدار عفو عام، يشمل الأحكام الصادرة على خلفيات الصراع وبسببه وخلفيات سياسية، ولكن بعد أن يضمن عدم تأثير هذه الإجراءات على استقرار النظام، وأيضًا إيجاد شروط مناسبة لعودة اللاجئين، ولجم سياسات الانتقام ووقف الاعتقال، وتقليص نشاطات إيران، ذات الطابع غير العسكري أيضًا، مثل حل حزب الله السوري، وحل عدد من تنظيماتها وحسينياتها، إذ أنشأت إيران نحو أربعين منظمة خدمات مدنية في سورية، غايتها نشر التشيع وتعزيز النفوذ الإيراني باستغلال حاجة الناس المادية. أي ستصمم روسيا حلًا تستطيع تسويقه بين فئات سورية واسعة، وفي المحافل الدولية، باعتباره حلا سياسيا مقبولا من الأميركيين والأوروبيين ودول الخليج ودول الجوار، بما يفتح الطريق أمام المساهمة في إعادة الإعمار المادي والمجتمعي، وهي مهمة شاقة، فسورية بدون إعادة إعمار بالنسبة لروسيا ربح أسوأ من الخسارة.

في حال بقاء أميركا في منطقة شرق الفرات لن يقترب الروس أو النظام أو الأتراك من تلك

المنطقة الواسعة، ما سيشجع قوات حزب الاتحاد الديمقراطي، الكردية، على تعزيز وجودها فيها، والتي يقطن معظمها عرب، ولا تزيد نسبة الأكراد فيها عن 15 – 20% من السكان، وسيسرع الحزب في استكمال بناء مؤسسات كيان شبه مستقل بدعم أميركي على غرار شمال العراق، وسيسرع الخطى لبناء تمثيل شبه دبلوماسي، بانتظار ما تسفر عنه الأيام من احتمال إعلان الاستقلال، في تناغم مع مسار مماثل في شمال العراق. وفي حال انسحاب الأميركيين، سيضطر الحزب الكردي إلى الاتفاق مع الروس والنظام للحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب، وستعود سيطرة النظام على تلك المناطق، وهو الخيار الذي يخدم مستقبل سورية الواحدة، في مواجهة مشاريع التقسيم والاقتطاع. ولكن الأتراك، من جهتهم، سيستمرون بالضغط لمنع قيام كيان كردي شبه مستقل آخر على حدودهم، ولكن يصعب التكهن بالموقف الأميركي في ما إذا كان سيستجيب للمطالب التركية أم لا، وخصوصا أن إسرائيل تدعم قيام كيان كردي مستقل محاط بمناخ من العداوة، ما يدفع هذا الكيان إلى التحالف مع إسرائيل.

إذًا، يرتبط تطور الأوضاع في سورية، إلى حد بعيد، بالسياسة الأميركية تجاه سورية. ولكن من الصعب الجزم بتوجهات هذه السياسة اليوم أو غدًا، وسيكون من الصعب التنبؤ في أي اتجاه ستسير أوضاع سورية، فإن بقي الإيرانيون في سورية، وبقي الأميركيون في شرق شمالي سورية، ووطّد الحزب الكردي برنامجه الانفصالي في منطقةٍ واسعةٍ بحماية أميركية، وبقيت منطقتا السيطرة التركية في الشمال الغربي، ومضى الروس في هجومهم على ريف حماة الشمالي وإدلب وريف حلب، فسيحدث مزيدٌ من القتل والهدم والتهجير، بينما سيبقى العالم متفرّجًا، وستبقى العقوبات الأميركية وغير الأميركية، وقد يصدر الرئيس ترامب “قانون قيصر” الذي سيضيق الخناق أكثر على سورية ونظامها وشعبها.

وإذا استمر السوريون مسلوبي الإرادة عاجزين عن المبادرة، فإن سنوات سبعًا عجافًا أخرى ستكون السيناريو الأكثر احتمالا في سورية، وستبقى سورية بلا إعادة إعمار، وبدون فرص عمل، وبدون خدمات، يعمّها الفقر والفوضى، وسيبقى سبعة ملايين سوري مهجّرين في الخارج ونحو ستة ملايين مهجر في الداخل، وستسود سورية بيئة طاردة للشباب الباحثين عن فرص عمل وحياة في بلدان أخرى، فهل سيستمر السوريون في سلبيتهم وتشرذمهم وتردّدهم في المبادرة؟ وهل يمكن أن تؤدي مبادرتهم إلى أي تغيير في هذا المصير؟

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.