الناس

كابتن ماجد أو “الأب القائد”؟ حين كان الأسد بلا شبله “بطلنا” السري أيضا/ روجيه أصفر

شكلت الشخصيات الرئيسية في برامج الأطفال شريحة واشعة من الأطفال السوريين، مع الكابتن ماجد والكابتن رابح فالصياد الصغير وماوكلي فتى الأدغال. ولم يكن العثور على بطلك الشخصي سهلا في برامج الأطفال التي تعرض في سورية، فكثير منها أشبه بفصول هاربة من رواية مأساوية لمكسيم غوركي، حيث طفل يجول بحثا عن أهله الذين فقدهم، أو صبية تيتمت وافتقرت وبدأت تعاني اضطهاد مديرة المدرسة!

أيضا كان لأبطال حكايات الجدات خصتهم في تصدر مخيلات الأطفال وقلوبهم: الشاطر حسن وعنترة بن شداد وغيرهم، أما “الأبطال” الدينين كالانبياء ورغم نيلهم مكانة مميزة في تربية هؤلاء الأطفال إلا أنهم بدوا خارج اطار الواقع المعاش، فصاروا ربما في مكانة ما فوق الأبطال.

من جهة أخرى وعلى أرض الواقع، بعيدا عن الشخصيات الكرتونية والمتخيلة والمقدسة، وقبل عصر “السوشيل ميديا” هذا، لا أعتقد أن خياراتنا كأطفال في سورية كانت متنوعة ومتعددة: فصورة الرئيس المناضل حاصرة في كل مكان، في الصف فوق السبورة، وفي الشارع، وفي الدوائر الحكومية، وفي منزلك ضمن كتبك ودفاترك المدرسية…لا مفر. هو بطلك المفروض عليك فرضا. ثم تسللت إلى مشهديتنا نحن مواليد أواخر سبعينات وبدايات ثمانينات القرن المنصرم صورة الباسل، ابن القائد المناضل، يطل ممتطيا فرسه أو مرتديا نظارته الشمسية المهيبة من نوغ “راي بان” مع ثيابه العسكرية المرقطة التي لا تشبه الثياب “الممضوغة” للجنود الذين نراهم على الطرقات.

كان خالي المهووس بالموسيقى وذي الشخصية الغامضة والمحببة في آ، على علاقة شخصية بالباسل كما كان يندى مع “أل” التعريف. وكان خالي لا يكل ولا يمل عن امتداح ضخصيته في المنزل، فيما كانت محاولات رسم القائد والباسل في حصص التربية الفنية أمرا رائجا،وقد يحسب هنا لنظام القائد المناضل أنه لم يحاسبنا على ما فعلنا عن حسن نية وقتها بسحنته في محاولاتنا اليائسة لتصويره… يمكنني لأن أتذكر حتى اللحظة كلمات ولحن الأغنية التي لم أسمعها منذ 15 عاما، كأنها بالأمس:”أبو باسل قائدنا، يابو الجبين العالي، تسلم وتصون بلدنا من غدرات الليالي”. ولكن، وبكل فخر كانت محاولاتي الفنية معدودة اذ كانت تتحطم عند محاولات رسم الجبين العالي… رسم نظارات الرايبان والبدلة المرقطة كان أسهل.

“استشهد” الباسل في خادث أفجع الكثيرين حينها، وأظن خالي بكى كثيرا، وسررنا بالطبع بعطلة مدرسية غير متوقعة ولن كنا حرمنا من مظاهر الابتهاج الطفولي العلني. في باحة المدرسة رحنا نردد الأهزوجة بينما اعتلى رفيقانا باسل وبشار منكبي زميل من الزملاء وأطلقا هتافا رحنا نردده معهما “لا توعل ولا تحتار راح باسل أجا بشار”، لم يكن قد مضى إلا 3 أيام على “استشهاد” الباسل آنذاك، وكنا نحن أطفالا في الصف الرابع الابتدائي. بعد أسابيع زرعت شجرة زيتون صغيرة في زاوية محضرة بعناية وعلق بجانبها رخامة حفر عليها “شجرة الخلود للشهيد الباسل”.

لاحقا وفيما نحن في مخيم كشفي في قرية قريبة من منطقة وادي النصارى، ذهبنا للعب في فناء المدرسة الحكومية، وهناك، كالعادة كانت لوحة تؤرخ لافتتاح المدرسة، وتمتدح عطاء من الأب القائد، وبالطبع كانت اللوحة الرخامية تحمل شكلا معدنيا جانبيا لرأس القائد، الحاضر في كل مكان. لا أدري ما الذي دفعني يومها الى استلال قلم التخطيط أحمر اللون لأضيف لمسة حمراء على عين القائد الخالد… ربما من باب كسر طغيان اللون الرمادي على الرأس الذي تعاقبت عليه الفصول في فناء المدرسة. عدنا الى مخيمنا الأساسي بعد يوم كشفي طويل، في اليوم التالي استدعاني القائد الكشفي المسؤول عني، وهو يرتجف، “شو عملت” ، كنت قد نسيت الأمر تماما، فدكرني، ولم أدر كيف أبرر فعلتي.

في الصف التاسع لمس أساتذتي حسن اتقاني للغة، فكنت أكلف بكتابة الخطابات لإلقائها في المناسبات الوطنية على تلاميذ المرحلة الاعدادية والثانوية. والمناسبات الوطنية هي “الحركة التصحيحة المباركة”، و “حرب تشرين التحريرية”، و “ميلاد الحزب العملاق” وهكذا. وكنت ألقي الكلمة معتليا شبه منصة على تلاميذ المرحلتين في باحة تتوسط المساحة الفاصلة بين المطرانية والكنيسة، فأقف أنا في الظل وبقية التلاميذ تحت الشمس بما فيهم أخي الكبير ورفاقه. وجرت العادة على أن يقاطع التلاميذ الكلمات المتشابهة بالتصفيق والهتاف كلما ذكر اسم القائد الخالد. ÷خي ورفاقه كانوا لرغبة في الشغب والمرح يقاطعون كلمتي كل عشر ثوان عمليا، حتى دون ذكر الاسم السحري، هاتفين كالعاد: “بالروح بالدم نفديك يا حافظ… حافظ أسد رمز الثورة العربية”، عالمين أنه لا أحد من المعلمين أو الادارة أو حتى الأب المسؤول سيجرؤ على زجرهم.

من جهتي، كل ماكان في وسعي  فعله، الاطالة بكلمتي قدرا الامكان ممجددا الأب القائد المناضل ومعددا انجازاته و مكرماته لإبقائهم في الشمس أطول فترة ممكنة انتقاما منهم.

مرت 3 سنوات عن ذاك المخيم، وذهبنا في مخيم كشفي آخر. شهرنا للحديث عن القدوة والمثل الأعلى لكل منا، فكان كل بدوره يذكر بطله أو مثاله الأعلى ثم يشرح سبب اختياره، وحين حان دوري قلت بعد تردد بسيط “حافظ الأسد”، وبررت اختياري من خلال ما قرأته عن سيرة القائد المناضل في مؤلف باتؤيك سيل، وكيف انطلق من بيئته المتواضعة المحرومة ليصل إلى أعلى هرم السلطة في البلاد… كنت فعلا معجبا به وكان بطلي، على ادراكي المبهم آنذاك لـ “الوجه الآخر” لبطلي هذا.

كان حتفظ الأسد وأحيانا باسل وبشار وهم أبطال كثيرين منا، أكان ذلك فعلا واعيا أم لا، مفهوما أم مستغربا. أنظر من حولي، وأتمعن في غالبية معارضي النظام السوري: مؤسسات المعارضة السياسية وأجسامها، الفصائل والميليشيات العسكرية المعارضة على تنوعها، الكثير الكثير من منظمات ومؤسسات “المجتمع المدني” السوري وصولا إلى سلوكياتنا في وسائل التواصل الاجتماعي… هل انتجت أو أفرزت بعد 7 سنوات أنماطا للسلطة والادارة والتعامل إلا تلك الأسدية البعثية؟

معارضون عتاة، يمسون أسديين ما إن تأتي سيرة الآخر، أكان يمثل بلدا كلبنان مثلا أو عرقا كمواطنيهم الأكراد. مديرو منظمات مدنية ينطقون باسم الثورة ولم يختبروا من الإدارة إلا الإتكاء على عيون وآذان يزرعونها هنا وهناك، وكتابة التقارير والتمييز والتحريض وطلب الولاءات الشخصية… وغير ذلك مما ليس المجال لذكره.

الأسد، الأب والأبناء، كانوا أبطالنا، ويبدو أنهم سيبقون -على كره وانكار منا-أبطالنا حتى يأتي يوم يخرج فيه الشبل الذي في داخلنا فنصبح حينها، وحينها فقط أحرارا من ثقل بطولاتنا.

http://samirkassiraward.org/documents/winners/Roger-Asfar-Article-OP.pdf

المقال الفائز بجائزة سمير قصير لحربة الصحافة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.