سياسة

مقالات مختارة تناولت الوضع في ادلب

إدلب وضرورة الفعل السوري/ حيّان جابر

يتصاعد الإجرام الأسدي والروسي تجاه مدينة إدلب وأرياف محافظة حماة وسكانها المدنيين يوما بعد يوم، ما ينذر بمجازر يومية بحق الأبرياء، وخصوصا الأطفال منهم، في ظل صمتٍ تركي ودولي، يؤكد على مسؤوليتهم السياسية والأخلاقية في المقتلة السورية الممتدة منذ ثماني سنوات، إذ تبدو الصور والأحداث المأساوية في هذه المناطق اليوم كأنها نسخة طبق الأصل عمّا حدث في سائر المدن والبلدات السورية، وخصوصا في كل من حلب وغوطة دمشق الشرقية، وكأننا مقبلون على المصير نفسه، المتمثل في سيطرة النظام أو الروس عليها كاملة، عبر انسحاب قوات المعارضة المسلحة، أو عبر اتفاقيات المصالحة الروسية غالبا، كما حدث في محافظة درعا. لذا، وكي نتمكّن من مقاربة الواقع الراهن، بكل تعقيداته وتشابكاته، لا بد من العودة قليلا إلى تحليلين أوردتهما في مقالين، “إدلب ضامنة التوافق الدولي” في “العربي الجديد” (18/9/2018)، و”انسحاب أمريكي لخلط الأوراق” في موقع جيرون (23/12/2018)، حاولا مقاربة الواقع في حينه، فجاء في الأول أن مصير إدلب مؤجل حتى تنفيذ الروس تعهداتهم الدولية، وخصوصا مع تركيا، وهو ما عكسه الاتفاق الروسي التركي في سبتمبر/ أيلول 2018، من دون أن يغفل المقال الإشارة إلى خطورة الاستكانة والتعويل على قدرة التوافق الدولي على حماية المدن والبلدات والمدنيين السوريين، في الأمدين، البعيد والمتوسط. في المقابل، عبّر الثاني عن مركزية الدور الأميركي في سورية، بغض النظر عن حجم وجودها العسكري، أو حتى انعدامه، والخلاصة أن تغريدة الرئيس الأميركي، ترامب، بقراره الانسحاب من سورية خلط للأوراق الدولية وإثارة للخلافات، وزعزعة الثقة بين الأطراف الدولية الفاعلة والمؤثرة في سورية.

وعليه، يمكن القول إن الإجرام الروسي الراهن تهديد لإظهار قدرة روسيا على فرط التوافق 

الدولي، والعودة بالصراع إلى مربعه الأول؛ فعلى الرغم من كل الإجرام الروسي والأسدي الممارس اليوم في إدلب ومحيطها، إلا أنه ما زال محكوما برغبة روسية حقيقية لاستعادة زمام السيطرة على مسار التوافق الدولي وتفاصيله، بعد العبث الترامبي به، ما قد يعني للأسف استمرار حمام الدم في الفترة القصيرة المقبلة، بالتوازي مع محدودية استحكام سيطرة القوات المحسوبة على الأسد ميدانيا، بمعنى أنه قد تخضع بعض البلدات لسيطرة النظام اليوم، والمعارضة غدا، وهلم جرا، حتى عودة التوافق الدولي أو تحطمه كلياً. وقد تعمد الروس تنفيذ تهديدهم هذا في هذه المرحلة تحديدا، من أجل استغلال الأوضاع التركية الداخلية، قبل جولة إعادة الانتخابات البلدية في إسطنبول، والتي تقيد سياسات الرئيس التركي، أردوغان، الخارجية، ومنها السورية، حائلة دون التصعيد مع روسيا، أو الأكراد، أو حتى الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يمنح الحملة الروسية مزيدا من الوقت، وربما يمكّنها من فرض تغييرات ميدانية مهمة، وإن كان مستبعدا حدوث خرق ميداني كبير في المدى المنظور.

من ناحية أخرى، حوّلت التغريدة الترامبية مسرحية شد الحبل التركية إلى كابوس حقيقي، إذ تقلصت قدرة أردوغان على التظاهر بأهميته الدولية، وتحدي القوى الكبرى أو معاندتها، وخصوصا الولايات المتحدة وروسيا، وهو ما وضعه أمام خياراتٍ صعبة، وحاسمة، وربما حتمية، بين الإذعان الكامل والواضح للسياسة والإدارة الأميركيتين، حتى بما يخص العلاقة مع القوات الكردية المدعومة أميركيا في سورية، أو مغادرة المركب الأميركي كاملا، والقفز نحو المركب الروسي، الأمر الذي يقلّص من قدرة تركيا على مراوغة الروس، وفرض الحد الأدنى من مصالحها. وهو ما ينعكس من خلال الهدوء التركي إعلاميا وسياسيا، مقارنةً بالصخب والغضب العارم قبل توقيع الاتفاق الروسي التركي العام الماضي، وكذلك تجاه القوات الكردية، والشروط الأميركية العسكرية والسياسية، على التوازي مع دعم خفي أو غير معلن لقوات المعارضة السورية في إدلب عسكريا، عبر دفع فصائل غصن الزيتون ودرع الفرات نحو مؤازرة المعارضة في معركتها مع روسيا والأسد، ومن خلال تزويدها بمضادّات الدروع، بما يبدو أنه تلويحٌ بقدرة تركيا على مجابهة التهديد الروسي المباشر وغير المباشر، مع تجنب التصعيد العسكري في الوقت الراهن، على أمل أن تفتح الأيام المقبلة المجال أمام عودة اللغة والتفاهم السياسي بينهما.

تسعى تركيا في هذه المرحلة الحرجة التي تسبق جولة إعادة الانتخابات البلدية في إسطنبول إلى احتواء التهديد والضغط الروسي، عبر أعلى درجات ضبط النفس، سياسيا وإعلاميا، ومن خلال تعزيز قدرات المعارضة السورية الدفاعية في المناطق المستهدفة، لكن ماذا إن أوغلت روسيا في عدوانها وصعّدت من حدة رسائلها وخطابها تجاه الحكومة التركية، خصوصا بعد الانتخابات، أو إن تمكّنت من دفع المعارضة نحو الانسحاب التدريجي أو السريع؟ عندها قد نكون أمام عودة الصراع الدولي بأبشع أشكاله، وهو ما قد يمتدّ إلى خارج محافظة إدلب وريف حماة، عبر استهداف بعض أهم القيادات والمراكز الأمنية والعسكرية الأسدية، نتيجة تحريك أو دعم تركي سري وعلني لبعض المجموعات النائمة داخل مناطق سيطرة النظام، مع تجنّب المساس بالمصالح والمنشآت الروسية أو الخاضعة للحماية الروسية في البدايات، ما يشكل تهديداً تركياً بإمكانية استهداف القوات والمصالح الروسية داخل سورية مستقبلاً.

في المحصلة، واضحٌ أن إدلب وسورية وقعتا رهينة التجاذبات والتوافقات الدولية منذ مدة طويلة، وأن السوريين عاجزون اليوم عن درء مكائد الدول وألاعيبها القاتلة، بعيدا عن أنفسهم ووطنهم، كما يتضح أن المرحلة المقبلة لن تقل سوءا عما سبقها، بل قد تكون أسوأ وأبشع وأشد عنفا وإجراما، وهو ما يفرض على الشعب السوري مزيداً من الحزم والإصرار والوضوح والدقة، والتمسك بأهداف الثورة الوطنية، القائمة على هدم حصون الاستبداد والاستغلال، وطرد القوى المحتلة الجهادية والطائفية والدولية، فلا فرق يُذكر بينهم، ولا جدوى من الرهان على هذا الطرف أو ذاك، فغالبا ما يتصارعون عبر قتل السوريين، وتفريقهم وتدمير وطنهم، وواضح أن صراعهم وتجاذباتهم كثيرة ومتعددة، وقد لا تنتهي إلى سنوات عدة. في حين يبدو أن العمل الوحيد الناجع يتمثل في صوغ برنامج وطني تحرري سياسي ونضالي، يسعى إلى تحرير سورية وتشييد دولة العدالة القانونية والمساواة الاجتماعية والديمقراطية السياسية، والإنتاج المتطور اقتصاديا، وإن بان بعيداً اليوم.

العربي البجديد

بين إدلب ودمشق/ مهند الحاج علي

فجأة، أعادنا النظام السوري الى السنوات الأولى من عملياته العسكرية. عائلة بأسرها تُدفن تحت الرُكام. أم حامل وأطفالها. بعض المدفونين تحت الركام حي في رمقه الأخير. طفل يخرج من ركام منزله يتيماً لا يملك سوى غبار يُغطي جسده من حياة ولّت ولم يبق منها سوى الألم. إنها ”الأزمة“ السورية كما نعرفها، أي مذبحة متواصلة ولا رادع أو رقيب سوى كاميرات هواتف جوالة.

خلال أسابيع قليلة، سقط في القصف المتواصل على ادلب حوالى 180 قتيلاً ومئات الجرحى، غالبيتهم الساحقة من المدنيين، وفقاً لمصادر أممية.  19 مستشفى دُمر في القصف، بينها حضانة للأطفال الحديثي الولادة.  في لحظة نادرة، كان محقاً الرئيس الأميركي دونالد ترامب عندما سأل في تغريدة له عن مغزى القصف على إدلب. لن يُحقق القصف شيئاً، ولن يهزم هيئة تحرير الشام ولا الجيش الوطني ولا بقية الفصائل. لماذا تقصفون؟ هذا السؤال ربما يصح عسكرياً، سيما أن المنطقة اليوم خاضعة لتفاهمات اقليمية، ومن الصعب على النظام أن يدخلها دون تفاهم، وهذا جلي في نوعية الدعم العسكري التركي. لن تقبل أنقرة بثلاثة ملايين لاجئ جديد على أراضيها.

لكن مَن قال إن لقصف النظام السوري مناطق مدنية، أهدافاً عسكرية على الدوام؟ هل أنتجت البراميل الحارقة فوق حلب الانتصار العسكري فيها؟ الطيران الروسي والقدرات البرية للميليشيات الموالية لإيران، لعبا الدور الأساسي في تقدم النظام على هذه المحاور. لكن لماذا يقصف المنتصر بهذه الحدة؟

إجابة يتيمة على هذا السؤال. هذا القصف وهذه المشاهد العنيفة، تأديب جماعي لسُكان خارجين عن طاعة النظام السوري وسيطرته. ذاك أن العقد الجماعي بين الحاكم والمحكومين في سوريا، هو بين سيّد وعبد، يسقط حق الأخير في الحياة عند خروجه عن طاعة الأول، أو حتى حين يقع سهواً في دائرة الشبهة.

ولا مانع من دور إيراني أو روسي في تطبيق هذا العقد بإقتحام بري أو قصف جوي، وفرضه على السوريين لإعادتهم الى بيت الطاعة. طبعاً، يصير الحديث هنا عن إصلاحات وتعديلات دستورية، أضحوكة وكلاماً فارغاً. النظام اليوم بقصفه إدلب يُعيد التأكيد على سوريا التي يريد ويشتهي. ولا فارق هنا بين عمليات القصف المتواصلة من جهة، وبين التعذيب الجاري على قدم وساق في الداخل السوري من جهة ثانية. والتقارير الموثّقة لهذا التعذيب، تُظهر أن نطاقه على مستوى صناعي، وقد طال شريحة واسعة من السكان، ومنهم عشرات آلاف الضحايا.

والعملية السياسية هنا، وفق صيغة النظام وحلفائه، باتت جزءاً مكملاً من سياسة التعذيب والقتل الجماعي. من يعود الى حضن الوطن يخضع لهذا العقد مجدداً، أي أن فعل الإعادة يُوسّع دائرة خضوع السوريين لهذه الممارسات. مقاتلو الفصائل ممن تصالحوا مع النظام يُعدمون على الجبهات أو يُزج بهم في السجون وأقبية التعذيب. وأي معارض يُقرر العودة والتملّق للنظام، سيُواجه المصير ذاته بعد حين.

بين إدلب المحترقة اليوم، وبين أقبية التعذيب في حلب ودمشق، سياسة واحدة لن يحيد عنها هذا النظام، صُمم لتطبيقها على معتقل جائع ومُكبل في زنزانة، أو جواً ضد مدنيين عُزل. سياسة وحشية ستلازمنا ما دامت هذه العائلة قابعة في قصر المهاجرين.  

المدن

معركة إدلب وانهيار الاقتصاد/ فاطمة ياسين

يعيش النظام السوري لحظات اقتصادية صعبة، ويزداد الوضع سوءاً مع فقدان المشتقات البترولية اللازمة للنقل والتدفئة. قد يقلّل دخول أشهر الصيف من معاناة النقص بعض الشيء، ولكن أزمة وقود السيارات قائمة. يحاول النظام أن يدير النقص بطريقة توزيع المعاناة من خلال ما سميت “البطاقة الذكية” التي تقنن عملية التوزيع، وتزيد الإجراءات أمام المواطنين للحصول على الوقود، وهذا يؤمن أيضاً ظرفاً مناسباً للفساد الذي يشكل قاعدة أساسية من قواعد النظام.

على الرغم من شعارات النصر التي يرفعها النظام في وجه معارضيه، وعلى الرغم من مظاهر الاستقرار التي حظيت بها بعض المناطق، إلا أن الليرة السورية ما زالت تواجه سقوطاً بعد الآخر، يمكن اعتبار هذه المكابدات الاقتصادية من آثار العقوبات الأميركية المشدّدة على إيران، وتقلص قدرتها على تمويل النظام، والصعوبة في إيصال الخامات النفطية إلى الموانئ السورية، ولكن السبب الأساسي في الغالب، يعود إلى الشكل شبه النهائي الذي أصبحت عليه سورية المفيدة.

اتفق ترامب مع مستشاريه على وضعية القوات الأميركية في الشمال السوري، بعد حالة شد وجذب ترجح بقاءها أو عدمه، وتقرَّر أن تبقى بعض القوات في أماكن، وتعزَّز في أخرى، الأمر الذي يوصل رسائل مطمئنة للكرد المسيطرين على المناطق الشرقية، ورسائل أخرى إلى النظام والروس لإزالة هذه المنطقة من اعتباراتهم، ما يعني أن النظام فقد إمدادات نفطية مهمة، وتوريدات مائية كبيرة من نهر الفرات، وهذا الوضع مرشّح لأن يستمر مدة طويلة جداً، وقد لا يتوقف على شكل الرئاسة المقبلة في الولايات المتحدة، فهناك مصلحة أميركية بالحفاظ على هذا المستوى من الوجود لتأمين معادِل للوجود الروسي في المنطقة. ومهما كان شكل التوافق الذي يمكن أن يحصل بين النظام والكرد، فلن ينال النظام بالنتيجة أي مكتسبات من دون أن يدفع أثماناً باهظة، فوجود أميركا سيعطي للمنطقة التي يسيطر عليها الكرد شكلاً استقلالياً تفاوِض النظام من خلاله، وهذا يشكل أعباءً اقتصادية جديدة على النظام، فالداخل السوري يكاد يكون بلا مخزون نفطي يذكر، ما قد يدفعه إلى الاستيراد من المناطق الشرقية أو من غيرها، وهذا يتطلب البحث عن كتلة نقدية ضخمة للتمويل.

في الوقت نفسه، تمتلك روسيا خططاً طويلة الأمد في سورية، فحجم الاستثمار العسكري والسياسي فيها كان ضخماً طوال السنوات الثماني السابقة، وهي تخطط لتستعيد كل ما أنفقته على شكل أقساط غير محدّدة المدة، فتقوم الآن بتشغيل قاعدة عسكرية، تطلّ بها على المتوسط من مكان استراتيجي. وكانت قد بنت قاعدة جوية واسعة في حميميم، بعد أن أخلتها من كل ما هو سوري. وكان مطار حميميم في السابق مهبطاً لطائرات مدنية تم تحويل مسارها إلى مكان آخر، ليشعر الروس براحة تامة. وضمن خطة روسيا لجني العوائد، تم البدء بتشغيل ميناء طرطوس مدة طويلة. ولأنها لا ترغب بالاستثمار في بلد خاسر يعاني من أزمات، بدأت روسيا معركةً في إدلب، تريد أن تستعيد فيها المدينة الزراعية الخصبة التي تقع في منطقة غزيرة الهطول المطري (أكثر من 250 ملم في العام)، وتمتلك أراضي زراعية شاسعة، تؤمن مردوداً اقتصادياً مهماً، ولكن المعركة في إدلب طويلة الأمد، ولا تشبه المعارك التي جرت سابقاً.

الجائزة الكبرى التي يمكن أن تحصل عليها روسيا هي بداية التنقيب عن كمياتٍ مهمة من النفط والغاز على سواحل شرق المتوسط، وهذا بحاجة إلى تنسيق أكبر مع الجانب الإسرائيلي، وهي مرحلة مقبلة بلا شك، لكنها ستتم بعد استقرارٍ مطلوبٍ لتحديد التموضع النهائي لكل الأطراف، وتحديد الحجم الإيراني، وهو ما سيتم الاتفاق عليه في المؤتمر الأمني المقبل في القدس بين روسيا وأميركا وإسرائيل. وإذا حدث ذلك الاتفاق كما يرغب الروس، فسيكون للجغرافيا والاقتصاد في سورية وضع كئيب.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.