سياسة

بالأرقام.. هذه هي الفاتورة التي يدفعها الأسد لروسيا الآن/ أحمد طلب

لم يعد سطو الروس على ثروات الشعب السوري أمرًا جديدًا؛ فمنذ بداية الحرب السورية تتمدد السيطرة الروسية عسكريًا بشكل واضح، وهذه السيطرة كان لابد أن تترجم اقتصاديًا في وقت من الأوقات، وهو ما حدث ويحدث الآن على أرض الواقع، لكن السؤال الآن إلى أي مدى وصلت هذه السيطرة؟ وهل هي سيطرة مؤقتة أم أنها قد تستمر لمدة طويلة؟ وهل هي فاتورة يدفعها الأسد لروسيا مقابل بقاء نظامه؟

يمكن القول إن هذه المعركة الاقتصادية لا تقل شراسة عن المعارك العسكرية الطاحنة المستمرة في البلاد منذ عام 2011، لكن الربح هنا يتوقف على الأجل، فكل ما كانت السيطرة ذات آجال طويلة كانت أرباح الروسيين كبيرة، وفي المقابل ستكون خسائر السوريين أكبر في المستقبل؛ فروسيا الآن من خلال العقود التي توقعها مع نظام الأسد ستكون حاجزًا أمام الاقتصاد السوري، وأي حكومة سورية مستقبلية قد ترغب في التخلص من آثار الحرب المدمرة، خاصة في ظل الديون الضخمة المستحقة لروسيا على سوريا.

وخلال السطور القادمة سنحاول الحديث عن بعض الثروات التي وضعت روسيا يدها عليها، وذلك من خلال أربعة عناصر رئيسة، ولكن قبل ذلك يجب أن نشير إلى أن بعض التحليلات تتحدث عن أن تتمدد السيطرة الروسية على أهم ثروات الشعب السوري هي لتحصيل الديون، والقروض، وثمن النفط، والأسلحة التي منحها الروس لنظام الأسد خلال سنوات الحرب، إلا أن مقدار هذه الديون غير معلن ولا توجد تقديرات متماسكة لهذه الديون.

ووفق بحث حديث نشر للباحث السوري سنان حتاحت على موقع «معهد تشاتام هاوس» البريطاني فإن «موسكو تسعى للحصول على تعويض جزئي عن تدخلاتها العسكرية في سوريا، وتتبع أسلوبًا لانتهاز الفرص بالسوق السورية»، وتأتي مساعي روسيا للحصول على تعويض نفقاتها العسكرية من خلال السيطرة على الموانئ، واستخراج النفط والغاز والفوسفات والموارد المعدنية الأخرى كما سنوضح لاحقًا.

1. ميناء طرطوس.. نصف قرن من السيطرة تنتظر الروس

في 20 أبريل (نيسان) الجاري كشف نائب رئيس الوزراء الروسي، يوري بوريسوف بعد لقائه مع رئيس النظام السوري بشار الأسد عن أن الحكومة السورية قد تؤجر خلال الأسبوع القادم «ميناء طرطوس» على ساحل البحر الأبيض المتوسط لروسيا لمدة 49 عامًا، مشيرًا إلى أن الجانبين حققًا «تقدمًا ملحوظًا» في مسألة تأجير روسيا لـ«ميناء طرطوس» من أجل استخدامه من قبل قطاع الأعمال الروسي.

وفي 23 أبريل الجاري أعلن وزير النقل بالنظام السوري علي حمود أن الاتفاق الذي تم يقدر بنحو 500 مليون دولار، كما تم الاتفاق مع الشركة الروسية على عدم الاستغناء عن أي عامل من العاملين في الميناء، وأوضح أن الشركة ستعمل على رفع استيعاب الميناء إلى مليوني حاوية سنويًا، مقارنة بـ15 إلى 20 ألف حاوية حاليًا.

في الواقع تسيطر روسيا على الميناء منذ 2017، وذلك على إثر اتفاقية بشأن نشر مركز للإمداد المادي التقني للبحرية الروسية في «ميناء طرطوس»، بالإضافة إلى أن موسكو قد أنشأت قاعدة عسكرية بحرية في طرطوس تستوعب سفنًا حربية كبيرة. ويعتبر الميناء الأكبر في سوريا، ذا أهمية اقتصادية بالغة إذ يشغل حاليا مساحة 3 مليون متر مربع، منها 1.2 مليون متر مربع مساحة الأحواض المائية، و1.8 مليون متر مربع مساحة الساحات والمستودعات والأرصفة، بما فيها من مخابر لتحليل المواد العابرة، ناهيك عن صوامع الحبوب التي تستوعب 100 ألف طن، وصوامع فوسفات بطاقة استيعابية 88 ألف طن.

ويعود عمر الميناء إلى مايو (أيار) 1960؛ إذ تم تصميمه من قبل شركة «كامب ساكس» الدانماراكيه المتخصصة، وقام ببنائه مجموعة شركات عربية وأجنبية، بينما يتمتع بموقع استراتيجي مهم بالنسبة للمحافظات السورية والدول المجاورة، وهو مربوط بشبكة خطوط حديدية وطرق برية مع كافة المحافظات السورية والدول المجاورة حتى الخليج العربي وإيران؛ ما يعني أن السيطرة على الميناء بمثابة سيطرة على كثير من الاقتصاد محليًا وعلى مستوى التجارة الخارجية.

وفي الوقت الذي ينظر البعض إلى خبر تأجير روسيا للميناء لهذه المدة الطويلة على أنه يهدف إلى تعزيز حضورها الاستراتيجي في سوريا لتأكيد مكانتها لدى الأطراف الإقليمية والدولية في أي شأن يتعلق بمستقبل سوريا، يجب القول إن المكانة الاقتصادية للميناء تجعل من روسيا رقمًا صعبًا في المعادلة السورية، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، وبمعنى آخر فإن المكانة الاقتصادية للميناء ستعزز من وجود روسيا في أي سيناريو محتمل ينتظر سوريا في المستقبل.

الأمر نفسه أكدته صحيفة «آسيا تايمز» الصينية؛ إذ صورت الصحيفة سيطرة روسيا على طرطوس على أنها نية واضحة من الروس للبقاء في سوريا، باعتبارها القوة العسكرية الوحيدة على طول ساحل البحر المتوسط.

2. الثروة الأهم في سوريا.. أكبر مناجم للفوسفات في قبضة الروس

لا يقتصر التواجد الروسي على الموانئ فقط، ولكن سبق أن سيطرت روسيا على الثروة الأهم في سوريا وهي الفوسفات، إذ إن سوريا كانت  تحتل المرتبة الخامسة عالميًا على قائمة الدول المصدِّرة للفوسفات وذلك حتى عام 2011 قبل اندلاع الحرب، ففي 2017 أعلن دميتري روغوزين، نائب رئيس الوزراء الروسي، أن روسيا وسوريا اتفقتا على إنشاء مشغل واحد لاستثمار أكبر مناجم الفوسفات في سوريا وتوريد المنتجات منه.

تشير التقديرات إلى أن الاحتياطي الموثوق به للفوسفات في البلاد يقدر بنحو ملياري طن، لكن واقعيًا لم تتجاوز كميات الإنتاج قبل الحرب مستوى الـ3.5 مليون طن سنويًا، وترجع السيطرة الروسية على الفوسفات الروسي إلى أبريل 2017، عندما وقَّع النظام السوري عقدًا مع شركة روسية، بهدف تنفيذ أعمال الصيانة اللازمة لمناجم «الشرقية» و«خنيفيس» الأكبر في البلاد، وتقديم خدمات الحماية والإنتاج والنقل إلى مرفأ التصدير «سلعاتا» بلبنان، وباشرت الشركة عملها بالفعل في يونيو (حزيران) 2018.

وذلك بعد أن أقر مجلس الشعب السوري العقد الموقع بين المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية و«ستروي ترانس غاز»، ومنع العقد الشركة الروسية حق استثمار واستخراج خامات الفوسفات من مناجم الشرقية في تدمر، لمدة 50 عامًا، على أن تكون حصة المؤسسة 30% من كمية الإنتاج، مع دفع قيمة ثمن كميات الفوسفات المنتجة، إضافة إلى سداد قيمة أجور الأرض والتراخيص وأجور ونفقات إشراف المؤسسة والضرائب والرسوم الأخرى والبالغة بحدود 2%.

3. إعادة إعمار سوريا.. هكذا تُجمع الغنائم

ينظر المراقبون إلى إعادة إعمار سوريا على أنه شكل من أشكال توزيع الغنائم بين حلفاء الأسد؛ إذ تحتكر روسيا وإيران معظم عقود إعادة الإعمار، فقد وقعت موسكو في أكتوبر (تشرين الثاني) 2017؛ «بروتوكول الدورة العاشرة للجنة الحكومية السورية الروسية المشتركة للتعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي التقني»؛ إذ تم ذلك في منتجع «سوتشي» الروسي على ساحل البحر الأسود، وذلك في أولى الخطوات الروسية مع النظام لضمان حصص أكبر في إعادة الإعمار.

ووفق تقرير لصحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية فإن فاتورة إعادة الإعمار تتراوح بين 250 مليار دولار وفقًا للأمم المتحدة، و400 مليار دولار وفقًا للنظام السوري، إذ إن نسبة السوريين الذين يُعانون الفقر المُدقِع، أي يعيشون على أقل من 1.9 دولار يوميًا، تضاعفت منذ عام 2011 لتصل إلى 69% بحسب دراسةٍ مدعومةٍ من قِبَل الأمم المتحدة.

أما نسبة الأعمال التجارية التي أُغلِقَت أو نُقِلَت إلى خارج سوريا منذ عام 2009، فوصلت إلى قرابة 56% بحسب إحصائية البنك الدولي. بلغت نسبة البطالة 50% بحلول عام 2015، وفقًا لأحدث الإحصائيات، رغم استقرارها تحت نسبة 10% فقط عام 2010.

وكان تقرير لصحيفة «التايمز» قد ذكر أن روسيا وإيران هما أكبر المستفيدين من مشاريع إعادة الإعمار، وتتزعم روسيا دعوات الإسراع في إعمار سوريا، بينما كان ملف الإعمار هو محور حديث الأسد مع نائب رئيس الوزراء الروسي يوري بوريسوف، في 20 أبريل الجاري، فكما كشف بوريسوف فقد ناقش الطرفان مساهمة موسكو في إعادة إعمار سوريا؛ إذ عبر عن أن «الجهود التي نبذلها لإصلاح الدمار الذي أصاب الاقتصاد السوري ستكلل بالنجاح»، على حد تعبيره.

وفي إطار إعادة الإعمار وقع البلدين اتفاقيات في قطاعات الطاقة والصناعة والتبادل التجاري، وهذه الاتفاقات تستمر جميعها لآجال طويلة، وهو ما يعزز استفادة روسيا اقتصاديًا من هذه الاتفاقات، التي يمكن القول إنها بمثابة جمع لغنائم الحرب، ويصب في النهاية في مصلحة مساعي روسيا لتعزيز وجودها بسوريا، والمضي قدمًا في معركة استثمارات إعادة الأعمار، والحصول على أكبر قدر ممكن.

وهذا الأمر ليس محض توقعات، ولكن سبق أن صرح نائب رئيس الوزراء الروسي، دميتري روغوزين، أن دخول بلاده للاقتصاد السوري ليس «بصفة فاعل خير أو دولة مانحة»، وأنهم «لا ينوون التساهل فيما يخص مصالحهم وأرباحهم حتى وإن كان الأمر متعلقًا بسوريا».

4. الروس يحصلون على حق التنقيب عن النفط والغاز لربع قرن!

على الجانب الآخر سبق أن وقعت شركات روسية العديد من العقود مع النظام السوري على مستوى قطاع الطاقة، كان أبرزها عقد «عمريت» الذي يتيح لشركة «سبوز» التنقيب عن النفط والغاز لمدة 25 عامًا جنوب طرطوس، وصولًا إلى مدينة بانياس وبعمق شاطئ يقدر بنحو 70 كم، بمساحة تقدر بنحو 2200 كلم مربع.

بالإضافة إلى عقد آخر مع الشركة ذاتها للتنقيب عن النفط والغاز في حقل قارة بريف حمص، وهو أحد أغنى المناطق بالغاز الطبيعي، وفي نفس الإطار وقعت البلدين خلال اجتماعات اللجنة المشتركة التي عقدت بمدينة سوتشي الروسية خلال أكتوبر 2017 اتفاقات عديدة، وفي مقدمتها مشروعات تأهيل النفط والكهرباء.

وبدأت شركات روسية صيانة وتحديث المحطات الكهروحرارية، وسبق لشركة «ستروي ترانس غاز» أن بنت محطة لمعالجة الغاز الطبيعي في سوريا، مع بدء تشييد محطة ثانية بقدرة 1.3 مليار متر مكعب سنويًا، ووفق تقديرات أمريكية فإن الساحل الشرقي للمتوسط يحتوي على مخزون من الغاز يقدر بـ700 مليار متر مكعب، وهو ما يفسر اهتمام الروس بهذه المنطقة بشكل خاص.

على الجانب الآخر تشير مصادر إعلامية محسوبة على نظام الأسد إلى أن وزارة الصناعة تعاقدت مع شركة «ستروي ترانس غاز» الروسية لاستثمار معمل الأسمدة الوحيد الذي تملكه سوريا ومقره مدينة حمص؛ إذ تقضي شروط العقد بأن تقوم الشركة الروسية بإعادة تأهيل المعمل واستثماره لمدة تتراوح بين 25 إلى 40 سنة، قابلة للتجديد حسب رغبة الطرفين، وبحصة 35% للجانب السوري و 65% للشركة الروسية.

وتشير تقديرات إلى أن سوريا سوف تخسر أكثر من مليار دولار سنويًا، كانت تحققها من تصدير الفوسفات، وإنتاج الأسمدة، وبيعها في السوق الداخلية، بالإضافة إلى تصديرها، بينما المردود المتوقع بعد تسليم المعمل إلى روسيا فإنه لن يتجاوز 50 مليون دولار سنويًا.

ساسة بوست

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى