سياسة

الحرب القذرة في ادلب –مقالات مختارة-

إدلب الأخرى: نمور بوتين أم ضباع القرداحة؟/ صبحي حديدي

منذ انخراط النظام السوري و”حزب الله” اللبناني وميليشيات “الحرس الثوري” الإيراني، بموافقة من موسكو وإسناد تامّ من الطيران الحربي الروسي، في الحملة العسكرية ضدّ مساحات ومواقع منتقاة في جنوب محافظة إدلب وشمال محافظة حماة؛ تبدلت أقدار المعارك على الأرض، بين انتصارات سريعة أولى، أعقبتها انكسارات وانهزامات ملموسة، وأحياناً مفاجئة تماماً، تعرّضت لها أطراف الحملة في القتال ضدّ فصائل المعارضة المختلفة.

وإلى جانب تسجيل روح قتالية عالية طبعت سلوك فصائل المعارضة، على اختلاف مشاربها وعقائدها وولاءاتها الخارجية في الواقع، لعلّ أحد أبرز الأسباب وراء تبدّل تلك الأقدار إنما يعود إلى الارتفاع الملحوظ، الكمّي والكيفي، في منسوب تسليح المعارضة، وهو أمر راجع في المقام الأّول إلى تحوّلات تكتيكية في المقاربة التركية لملفّ إدلب خصوصاً؛ وللترتيبات والتوافقات التي توصلت إليها أنقرة مع موسكو بصفة أعمّ، وخضعت لهذه الدرجة أو تلك من الخروقات المتبادلة والتلاعب والمناورة، على الجانبين.

سبب آخر جدير بالتوقف عنده، ليس في مثال حملة إدلب وحدها، بل على صعيد مناطق الساحل السوري المتاخمة، وسهل الغاب، وقوس القرى والبلدات التي تقطنها غالبية من أبناء الطائفة العلوية؛ أي الصراع المحتدم بين فريق أوّل يضمّ في صفوفه ما تبقى من جيش النظام، وأفواج الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، والميليشيات المختلفة؛ وفريق ثانٍ قوامه الفيلق الخامس الذي يقوده سهيل الحسن، الملقب بـ”النمر”، فضلاً عن ميليشيات متفرقة تعود في أصولها إلى “قوات الدفاع الوطني” أو “كتائب البعث”. خلف هذا الانقسام ثمة إيران، التي تساند الفريق الأوّل، وماهر الأسد ورامي مخلوف وغالبية من حيتان الفساد؛ وثمة موسكو، متمثلة ميدانياً في قاعدة حميميم الجوية والشرطة العسكرية الروسية، التي تزوّد “النمر” بالعتاد والزاد والكساء (الأرفع نوعية عن ذاك الذي تتلقاه الوحدات النظامية في الفريق الأوّل)، مثلما تمنحه غطاء سياسياً وأمنياً معلناً.

سبب ثالث، يفسّر انحطاط المعنويات القتالية لدى أفراد الفريقين معاً هذه المرّة، هو أنّ عشرات الجثث التي تصل من ميادين القتال في إدلب إلى قرى الساحل السوري تحديداً، وبنسبة لا تُقارَن مع تلك التي تصل إلى مناطق أخرى من سوريا؛ إنما تضرب أكثر من وتر حساس لدى الأهالي، لاعتبارات عديدة في رأسها أنّ بعض القتلى سقطوا نتيجة اقتتال أبناء الموالاة للنظام، في الفريقين معاً، ضدّ بعضهم البعض وليس في مواجهة المعارضة. اعتبار آخر هو أنّ الجثث تصل إلى مناطق يواصل ضباع آل الأسد نهبها وترهيبها، وحيث تسود اعمال خطف الرهائن واللصوصية وتهريب المخدرات وفرض الأتاوات دون رادع أو حسيب (كما في حكاية بشار طلال الأسد قائد الميليشيا الذي قاتل قوات الحرس الجمهوري في الفاخورة، قرب القرداحة، لمنع اعتقال مهرّب مخدرات يحظى بحماية سليل آل الأسد).

“نمور”، إذن، في مواجهة “ضباع”، داخل البيت الأسدي ذاته؛ الذي لا يتفتت ويتشرذم بفعل عوامل الحتّ الطبيعية وحدها، بل تساهم في سيرورة تآكله بعض العناصر إياها التي اتكأ عليها النظام في منجاته وفي مقدمتها روسيا، سواء جيشها الذي يقصف في إدلب، أو شرطتها العسكرية التي تردع، أو اقتصادها الذي يحتكر في ميناء طرطوس. وليس من دون مغزى عميق أنّ هذه التحوّلات نزعت صورة حسن نصر الله، وقبله حافظ وباسل وبشار وماهر الأسد، عن جدران آلاف البيوت الفقيرة المتواضعة في قرى الساحل السوري، واستبدلتها بصورة المخلّص الجديد: بو علي بوتين!

كذلك ليست البتة مفارقة، لأنها ديدن أنظمة الاستبداد على شاكلة آل الأسد/ مخلوف/ شاليش تحديداً، أن يكون المستبدّ الأوّل، بشار الأسد، هو مشرّع هذا الانقسام بين “النمور” و”الضباع”؛ من خلال المرسوم التشريعي 55 لعام 2013، والذي أجاز منح التراخيص لشركات خدمات الحماية والحراسة الخاصة، ودشّن قانونية وجود الميليشيات الخاصة. رامي مخلوف أنشأ “البستان”، وكذلك فعل مؤسسو “نسور الزوبعة” و”قوّات الغضب” و”سوتورو” و”لواء الإمام المهدي” و”لواء درع الساحل” و”نسور الصحراء”… فلم لا يبادر بوتين، بدوره، إلى إنشاء الفيلق الخامس! وكيف، بعدها، لا تندلع الحروب بين الوحوش!

“القدس العربي”

الحرب في إدلب.. لا عزاء للسوريين/ راتب شعبو

يتأهب السوريون في إدلب وجوارها، وفي غير مكان من بلدهم، لدفع ضريبة حربٍ واسعةٍ بدأت عملياتها الأولية قبل أسابيع. ما هو نوع هذه الحرب التي تمهد لنفسها في إدلب اليوم؟ كيف يمكن تصنيفها؟ وكيف يمكننا فهمها؟ منذ زمن طويل، يمكن تلمس حدوده مع سيطرة العسكرة والإسلامية (أو قل العسكرة الإسلامية) على الثورة، لم تعد معادلة “شعب ضد نظام” قادرةً على استيعاب الصراع في سورية.

منذ زمن طويل، تضعضع النظام عسكرياً، واضطر لاستقدام مقاتلين من كل العالم، يدفعهم الارتزاق أو “الجهاد الشيعي”، كما اضطر للاعتماد المتزايد على دولتين حليفتين، إحداهما عظمى، وما يعني هذا من إدخال الصراع السوري في البازار السياسي العالمي. كما تضعضع النظام سياسياً، حتى انخفض بُعده السياسي إلى المستوى الأمني، أي إلى مستوى الحفاظ على السلطة بأي شكل، وبأي ثمن، الأمر الذي جعله قادراً على ارتكاب جرائم مشينة بحق محكوميه، ما أحاله إلى ما يشبه قوة احتلال.

أما الشعب السوري، فمنذ ذلك الزمن البعيد، جرى إبعاده عن الفعل، على يد عنف النظام أولاً، ثم على يد عنف فصائل عسكرية إسلامية الطابع، يغذّيها أيضاً الارتزاق أو “الجهاد السنّي” (في انفصالٍ بائن عن معنى الثورة وعمقها). كانت هذه الفصائل تحمي الناس من النظام لتستبدّ بهم وتقتلهم، في صورةٍ مطابقةٍ لفعل النظام تجاه “محمييه”. على هذا، اضمحلّ كثيراً الحضور الشعبي المستقل، كما في مناطق النظام كذلك في مناطق الفصائل العسكرية الإسلامية، وباتت “الحدود” تقام على كل من يخرج عن السلطة القائمة، سلطة الأمر الواقع، هنا وهناك.

طرد هذا التحول الثورة وقيمها ومعناها إلى خارج الميدان، وطرد جزءاً مهماً من جسد الثورة إلى خارج البلاد، لكن الجانب الأكثر خطورة في هذا التحول هو التأسيس لصراع مدمر يدفع ضريبته السوريون من أرضهم وأرواحهم وخيراتهم، وتحرّكه مصالح ليست فقط غير سورية، بل ومضادّة للسوريين. أخطر ما في الأمر أنه تأسس في سورية صراعٌ لا يمكن تفاديه، كما لا يمكن انتظار أي نتيجةٍ سياسيةٍ مفيدة منه. في هذا، كما هو مفهوم، خسارات متوالدة للسوريين ولسورية. ومن بين الخسائر البارزة، في الفترة الأخيرة، الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على الجولان السوري. يقيننا أن الإدارة الأميركية ما كان يمكنها أن تقدم على هذا القرار، لولا هذا التحول، والذي أوصل البلد الأم للجولان إلى حضيض سياسي ومجتمعي غير مسبوق، سهّل اتخاذ القرار المذكور وتمريره.

على هدي الصورة السابقة، تبدو الحرب الدائرة في إدلب صراعاً بين ضوارِ على فريسة اسمها إدلب. منذ مايو/ أيار 2017 (أستانة 4)، اعتبرت إدلب والمناطق المجاورة لها من حلب وحماة واللاذقية إحدى مناطق خفض التصعيد الأربع، وتم الاتفاق على حدود هذه المنطقة في سبتمبر/ أيلول 2017 (أستانة 6). المناطق الثلاث الباقية هي جنوب غرب سورية (درعا والقنيطرة)، الغوطة الشرقية، ريف حمص الشمالي. وقد استعاد النظام هذه المناطق الثلاث بين مارس/ آذار ويوليو/ تموز 2018. وكان اتفاق سوتشي (سيبتمبر/ أيلول 2018) بين روسيا وتركيا من بين الأسباب التي أجلت عملية عسكرية مزمعة للسيطرة على المنطقة الرابعة (إدلب). وفي حين رحّبت جميع الأطراف بالاتفاق، كان من الواضح أنه مؤقت، وغير قابل للحياة، لأنه يحاول تفادي ما لا يمكن تفاديه، أقصد حسم موضوع السيطرة على إدلب، سيما مع وجود، ثم سيطرة، هيئة تحرير الشام (المصنفة إرهابية من جميع الأطراف بمن فيهم تركيا). من المفهوم أن السيطرة الجهادية على إدلب حالةٌ غير قابلة للدوام، أولاً لأنها توجد في منطقةٍ حساسةٍ من الناحية الجيوسياسية، وثانياً لأنها مضادّة للنسق السياسي العالمي، ولا تستطيع مقاومته.

رمى اتفاق سوتشي ثقل المهمة الأساسي على كاهل تركيا التي قبلت بالمهمة، لتفادي موجة لجوء من حربٍ كانت تبدو وشيكة. يبدو أن تركيا راهنت على الزمن الذي قد يحمل تطوراتٍ “أميركية” ما. وحين فشل الرهان، ووجدت تركيا نفسها محشورةً بين روسيا وأميركا، تخلت عملياً عن المهمة، واختارت أن تستثمر في المشكلة، بدلاً من أن تساعد على الحل. وعلى عكس المحاججات التركية التي كانت تذهب إلى أن تثبيت “خفض التصعيد” سوف يقود إلى عزل الجهاديين المتطرّفين، تمدّدت هيئة تحرير الشام، وسيطرت على كامل إدلب، وسحقت، خلال أيام، فصائل عسكرية محسوبة على تركيا، من دون أن تحرّك هذه ساكناً. وفي المقابل، لم تعترض الهيئة على تحرّك القوات التركية، لتثبيت نقاط المراقبة في مناطق إدلب. لتركيا “العدالة والتنمية” قدرة ملحوظة على التنسيق، والاستفادة من الحركات الإسلامية، بكامل طيفها.

يبقى نشوب معركة حسم السيطرة على إدلب أمرا يصعب تجنّبه. استعادة سيطرة “الدولة السورية” على كامل أراضيها عنوان هذه الحرب من موقع النظام وحلفائه، وهو عنوانٌ له قبول دولي، طالما بقي النظام ممثلاً للدولة السورية في الأمم المتحدة، وله قبولٌ لدى قطاع غير قليل من السوريين، سواء من منطلق وحدة الأراضي السورية أو من منطق الخشية من “لواء اسكندرون” آخر، أو من باب تصفية الوجود الجهادي .. إلخ. أما غالبية الأهالي هناك، فإنهم لا يرحبون بعودة النظام، وقد عبّروا عن رفضهم الصريح له في ثورتهم الأولى، كما أنه أذاقهم، بعد ذلك، صنوف القصف التي لم توفر حتى المخيمات. في عيون هؤلاء الأهالي، سوف تبدو استعادة النظام إدلب أقرب إلى الاحتلال، سيما أن حوالي ثلث المقيمين في إدلب اليوم هم من السوريين الذي خرجوا من مناطق أخرى، دخلها النظام، سواء باتفاق مصالحة أو بدونه، أي إنهم ينظرون إلى النظام عدوّا يفرّون منه.

من ناحية ثانية، تسيطر هيئة تحرير الشام (هتش)، التسمية الأخيرة، حتى الآن، لجبهة النصرة، على حوالي 80% من إدلب، وعلى حوالي 90% من الأسلحة الثقيلة، بعد أن نفذت في الشهر الأول من هذا العام، هجوماً خاطفاً ضد الفصائل الأخرى وفكّكتها، واستولت على ما تحوزه من أسلحة. على هذا تشكل الهيئة، التي ليس لها حلفاء معلنين، القوة الأساسية في مواجهة قوات النظام وحلفائه. سوريون قليلون لا يرون اليوم أن الهيئة قوة مضادّة للثورة. الفصائل العسكرية المنافسة لها تقول إنها ليست سوى نوع من المافيا، همّها الأساسي هو المال، وإنها شكلت “حكومة الإنقاذ” للتغطية على سرقاتها، بحسب اتصالات عن بعد قامت بها مجموعة الأزمات الدولية، ونشرتها في تقريرها “أفضل الخيارات السيئة لإدلب السورية”، الصادر في 14 مارس/ آذار 2019، والذي يصل إلى نتيجة تقول: “من غير الواضح إذا كانت هيئة تحرير الشام تدافع عن شيء آخر سوى الحفاظ على سلطتها”.

كل من طرفي الصراع المباشرين لا هم له في الواقع سوى الحفاظ على سلطته. تساوي الإفلاس السياسي بين هذين الطرفين السوريين الأساسيين يرد الحرب القائمة إلى بعدها العسكري المحض من الجهة السورية، ويجعلها تستمد بعدها السياسي من الأطراف الخارجية الفاعلة “الحليفة”، التي تشتري مصالحها بدماء السوريين ومآسيهم وانحدارهم على سلم الاجتماع والسياسة والاقتصاد. الحرب في إدلب اليوم هي استمرار لسياسة غير سورية، بوسائل عسكرية سورية. أو هي غذاء لمصالح دول خارجية على حساب مصالح كل سورية وكل السوريين.

العربي الجديد

هل يسقط اتفاق سوتشي حول إدلب؟

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

تتعرّض منطقة خفض التصعيد الأخيرة، في محافظة إدلب شمال غرب سورية، والتي كرّسها اتفاق المنطقة منزوعة السلاح في سوتشي، لهجوم عنيفٍ تشنّه قوات النظام ومليشياته، بدعم من حلفائها الروس منذ مطلع أيار/ مايو 2019. وقد أدى الهجوم حتى الآن إلى مقتل مئات المدنيين، وتدمير عشرات المراكز الصحية، والمدارس التي يُستخدم أكثرها مراكز للإيواء، فضلًا عن نزوح ما يزيد على نصف مليون من السكان. وهو يهدّد بإسقاط اتفاق سوتشي، ومعه كامل مسار أستانة، وفتح الباب واسعًا أمام مواجهة شاملة بين قوات المعارضة المدعومة تركيًا وقوات النظام المدعومة روسيًا.

أسباب التصعيد أخيرا

جاء هذا التصعيد الروسي بعد فشل الجولة الأخيرة من محادثات أستانة أواخر نيسان/ أبريل 2019، بمشاركة كل من روسيا وتركيا وإيران. وكان يفترض أن تتوصل الأطراف فيها إلى اتفاقٍ نهائي حول أسماء أعضاء اللجنة الدستورية ومهماتها وآليات عملها لوضع مسودة دستور جديد؛ تمهيدًا لإقرارها، وإجراء انتخاباتٍ ترى روسيا أنها الطريق الوحيدة لإنهاء الصراع المستمر منذ ثماني سنوات، وتتذرّع بأن التصعيد الأخير جاء بعد هجماتٍ نفذتها هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا) وأدت إلى مصرع 22 جنديًا من قوات النظام أواخر نيسان/ أبريل 2019.

تتهم روسيا تركيا بالمسؤولية عن الإخلال بتعهدّاتها بموجب اتفاق المنطقة منزوعة السلاح، وبحاجتها إلى تأمين مطار حماة العسكري، وقاعدة حميميم التابعة لها في ريف اللاذقية، والتي تزعم موسكو أيضًا أنها تتعرّض لهجماتٍ بالصواريخ والطائرات المسيّرة من المنطقة منزوعة السلاح.

نصّ اتفاق سوتشي على إنشاء منطقةٍ منزوعة السلاح بين مقاتلي المعارضة وقوات النظام السوري، في ريفَي إدلب الجنوبي وحماة الشمالي، بعرضٍ يراوح بين 15 و20 كيلومترًا. كما نصّ الاتفاق على التزام الجانب الروسي ضمان عدم القيام بعملياتٍ عسكريةٍ ضد إدلب، في مقابل إبعاد الجماعات “المتطرّفة” عن المنطقة منزوعة السلاح، و”العمل على ضمان حرية حركة السكان المحليين والبضائع، واستعادة الصلات التجارية والاقتصادية، واستعادة حركة الترانزيت عبر الطريقين إم 4 (حلب – اللاذقية) وإم 5 (حلب – حماة) بحلول نهاية عام 2018″. كما أكد الطرفان “عزمهما محاربة الإرهاب داخل سورية بجميع أشكاله وصوره”، واتخاذ “إجراءاتٍ فاعلة لضمان نظام مستدام لوقف النار داخل منطقة خفض التصعيد في إدلب”. وتقوم تركيا وروسيا بتسيير دورياتٍ عسكريةٍ منسقةٍ لمراقبة الالتزام بالاتفاق باستخدام طائراتٍ من دون طيار، على امتداد حدود المنطقة منزوعة السلاح. وبموجب الاتفاق أيضًا، تستكمل تركيا إنشاء 12 نقطة مراقبة للجيش التركي في منطقة خفض التصعيد في إدلب، لحماية وقف إطلاق النار.

ويأتي التصعيد كذلك بعد فشل تفاهم روسي – تركي، تسمح تركيا بموجبه بسيطرةٍ “مدنيةٍ” أو “غير عسكرية” للنظام في مناطق من ريف إدلب الجنوبي، بما يشمل الطرق الدولية، ومدينة جسر الشغور، في مقابل السماح بسيطرةٍ تركيةٍ على منطقة تل رفعت التي توجد فيها حاليًا وحدات حماية الشعب (الكردية)، وتنطلق منها هجماتٌ على منطقة عفرين التي تسيطر عليها تركيا في إطار عملية غصن الزيتون، وأدّت إلى مقتل جندي تركي مطلع أيار/ مايو 2019. كما تأمل تركيا، في سيطرتها على تل رفعت، إلى فتح الطريق الدولية بين غازي عنتاب ومدينة حلب، ومن ثم الوصول إلى عمق السوق السورية التي خسرتها مع اندلاع الحرب. ولكن المفاوضات مع روسيا لم تتوصّل إلى أي نتيجة؛ بسبب معارضة إيران والنظام السوري سيطرة تركيا على تل رفعت؛ الأمر الذي دفع روسيا إلى المضي منفردةً في الحملة الأخيرة، في محاولةٍ لانتزاع المناطق المشرفة على طريق خان شيخون – معرة النعمان – سراقب، الممتدة بين حماة وحلب، وطريق جسر الشغور- أريحا- سراقب، الممتدة بين اللاذقية وحلب.

وقد ازداد الوضع تأزمًا بين موسكو وأنقرة، بعد أن أعلن وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، مطلع أيار/ مايو 2019، عن قرب التوصل إلى اتفاقٍ بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية، لإنشاء منطقة عازلة بعمق 20 ـ 25 كيلومترًا، على طول الحدود السورية – التركية، في مناطق شرق الفرات، حيث تسيطر وحدات حماية الشعب التركية؛ ما يعني تحقيق انفراجٍ في العلاقات بين أنقرة وواشنطن، بعد سنين من التوتر بسبب تحالف واشنطن مع الكرد، وتجاهلها مخاوف تركيا الأمنية. وتأمل واشنطن في أن يسهم إنشاء هذه المنطقة في حل التناقض بين تركيا والأكراد؛ إذ تلبي هذه المنطقة حاجات تركيا الأمنية، من جهةٍ، بإنشاء منطقةٍ عازلةٍ على طول حدودها الجنوبية مع سورية، وتحول، من جهة أخرى، دون حصول هجوم تركي على المليشيات الكردية المسيطرة في مناطق شرق الفرات، ولكن بعيدًا عن الحدود التركية.

ويُعتقد أن روسيا تحاول الضغط على تركيا من بوابة إدلب، للحيلولة دون الاستجابة لضغوط أميركية لإلغاء صفقة صواريخ إس 400 التي تعاقدت تركيا لشرائها من روسيا، وذلك لصعوبة الشروط التي تضعها واشنطن على تركيا، لتزويدها بصواريخ باتريوت.

معطيات الميدان

ما إن انتهت جولة محادثات أستانا في أواخر نيسان/ أبريل 2019 بالفشل، حتى كثّف الطيران الروسي قصفه المنطقة منزوعة السلاح؛ تمهيدًا لهجوم قوات النظام والمليشيات المتحالفة معها. وخلال شهر من المعارك تقريبًا، تمكّنت هذه القوات من انتزاع السيطرة على 18 بلدة وقرية، في مناطق ريف حماة الشمالي والغربي، كانت تحت سيطرة المعارضة، وأهمها قلعة المضيق وكفر نبودة.

خلال الأسابيع الأولى للهجوم، ساد صمتٌ تركيٌّ تجاه الخروق الروسية، مع تواتر أنباء عن حصول اجتماعاتٍ أمنيةٍ تركيةٍ مع النظام السوري جرى بعضها في طهران. ولكن الوضع تغير، مع امتداد القصف الروسي إلى عمق منطقة خفض التصعيد، وحصول حملات تهجيرٍ واسعة للسكان، وقصف النظام محيط نقاط المراقبة التركية في ريف حماة الشمالي.

بناء عليه، أطلق تحالف من قوات المعارضة في 6 حزيران/ يونيو 2019، هجوما مضادا، أدى إلى استعادة بعض المناطق التي انتزعها النظام، والسيطرة على مناطق كانت سابقًا تحت سيطرة النظام في ريف حماة الشمالي. وقد شاركت في المعارك قوات “الجبهة الوطنية للتحرير” المدعومة من تركيا، كما أعطى استخدام المعارضة أسلحةً جديدةً مضادّة للدروع مؤشراتٍ حول مدى التزام تركيا بدعم المعارضة، وأهمية معركة إدلب بالنسبة إليها، فضلًا عن ظهور أسلحة مضادة للطائرات تقول المعارضة إنها ساعدت، إلى درجةٍ ما، في الحد من تأثير القصف الجوي في أثناء المعارك، بعد إصابة طائرة سوخوي 22 تابعة للنظام.

حتى الآن، باءت بالفشل محاولات روسيا إنشاء وقائع جديدة على الأرض، عبر فرض سيطرتها على مثلث سهل الغاب حتى جسر الشغور، وأيضًا في شمال شرق إدلي وجنوب شرقها، أي الطرق الدولية اللاذقية – حلب وحماة – حلب، لكن هذا لم يؤدّ إلى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

احتمالات التصعيد والتسوية

على الرغم من التصعيد الكبير الذي شهدته المنطقة منزوعة السلاح، فإن أسباب إنشاء هذه المنطقة ما زالت قائمة بالنسبة إلى الطرفين، الروسي والتركي. وتدرك موسكو أن عملية عسكرية كبيرة في إدلب ستؤدي، بالضرورة، إلى انهيار مسار أستانة، الذي يتعرّض لضغوط شديدة مع استمرار محاولات الولايات المتحدة إعادة الاعتبار إلى مسار جنيف، وزيادة ضغطها على إيران لإخراجها من سورية.

يعدّ اتفاق إدلب أمل موسكو الوحيد لإنقاذ مسار أستانة الذي تهدّد تركيا بالانسحاب منه، إذا قامت روسيا بعمل عسكري كبير ضد إدلب. ومن شأن ذلك أن يقوّض فرص الحل السياسي وفق الرؤية الروسية في سورية، والقائمة على ثنائية الدستور والانتخابات. أما في إطار إستراتيجي أوسع، فإن عملية عسكرية كبيرة في إدلب ستدفع تركيا مجدّدًا إلى التقارب مع الغرب، وستؤدي، بالضرورة، إلى تبديد كل جهود روسيا لانتزاع تركيا من حضن الولايات المتحدة؛ تلك الجهود المستمرة منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز/ يوليو 2016، بما في ذلك مساعي ربط تركيا بروسيا باتفاقياتٍ حول التجارة والطاقة، وحتى تزويدها بمنظومة صواريخ إس 400 التي أثارت قلقًا واسعًا في الغرب، وبين حلفاء منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو).

نجحت تركيا في إيضاح أهمية إدلب بالنسبة إليها، من خلال دفع أعداد كبيرة من قوات المعارضة السورية، بما في ذلك الموجودة في مناطق درع الفرات، إلى المشاركة في صد الهجوم الروسي على إدلب، وتزويدها بأسلحة نوعية، ساهمت في استعادة أجزاء من المناطق التي سيطر عليها النظام، كما ساهمت في السيطرة على مناطق جديدة.

وأوصلت المقاومة الشرسة التي أبدتها قوات المعارضة في الدفاع عن معقلها الأخير رسالة تركية مهمة إلى روسيا، مفادها بأن معركة إدلب، في حال قرّرت روسيا خوضها، لن تكون كبقية المعارك، خصوصا مع ظهور أسلحة مضادة للطائرات. كما أظهرت هذه المقاومة حرص تركيا على إبقاء سيطرة فصائل المعارضة على إدلب، باعتبارها ورقةً مهمةً للضغط في اتجاه الحل السياسي.

والمرجّح أن تؤدي الضغوط الدولية دورًا في منع وقوع حمام دم في إدلب، أو موجات نزوح واسعة؛ بسبب وجود نحو أربعة ملايين مدني في المحافظة، أكثرهم من النازحين من مناطق أخرى داخل سورية، في حال حصول هجوم عسكري روسي شامل عليها. وكانت الولايات المتحدة حذّرت من أنها لن تقف مكتوفة اليدين في حالة استخدام السلاح الكيماوي في الهجوم على إدلب. ويقلل ذلك كله من احتمالات حصول مواجهة شاملة في المدينة، ويرجّح بقاءها محصورة في مناطق محددة ذات أهمية إستراتيجية أو اقتصادية.

خاتمة

على رغم اختلاف مصالحهما، واختلاف رؤية كلّ منهما لما نُفذ من الاتفاقيات حتى الآن، ما زالت روسيا وتركيا تجدان مصلحةً في الحفاظ على اتفاق المنطقة منزوعة السلاح في إدلب. وسوف تسعى تركيا إلى فرض وقف لإطلاق نار في المنطقة، والعودة إلى الوضع السابق، أي ما قبل الحملة العسكرية التي بدأها النظام السوري مطلع أيار/ مايو 2019، وحقّق فيها تقدّمًا. أما روسيا فسوف تحاول إلزام تركيا تنفيذ أجزاءٍ من اتفاق المنطقة منزوعة السلاح، وخاصة المتعلقة بإبعاد فصائل المعارضة إلى الشمال؛ ما يوفّر الحماية لقاعدة حميميم الجوية الروسية من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، وفتح الطريق الدولية بين اللاذقية وحلب وبين حماة وحلب، وهو شريان التجارة الرئيس الذي يحتاجه النظام، للبدء بالتعافي اقتصاديًا. ولكن هذا لن يحصل من دون تفاهماتٍ حول مستقبل تل رفعت، والوجود الكردي في مناطق غرب الفرات؛ ما يرجّح بدء جولة جديدة من المفاوضات التركية – الروسية. ولن تكون واشنطن بعيدة عن تلك المفاوضات، في ضوء ارتباطها بتحالفها مع الأكراد ووجودها العسكري في منبج التي لم يحسم وضعها بعد.

في كل الأحوال، الإبقاء على اتفاق سوتشي هو مصلحة لتركيا وروسيا في الأزمة، في ضوء عدم إمكانية حسم وضع إدلب، ريثما تتّضح صورة التفاهمات الإقليمية والدولية حول قضايا الحل السياسي في سورية وكيفية الوصول إليه. وهذا لا يعني أن روسيا والنظام لن يستغلا أي فرصة للتقدّم على جميع المحاور، إذا سنحت مثل هذه الفرصة.

هل تستطيع إدلب تغيير المعادلة الروسية؟/ غازي دحمان

يفتح الإخفاق الروسي في تحقيق نتائج في معارك أرياف حماة وإدلب الباب أمام التساؤل عمّا إذا كانت ستشكّل إدلب وجوارها منعطفاً في الصراع السوري الذي باتت تسيطر روسيا على مجرياته بدرجة كبيرة.

قد يكون الكلام عن هزيمة روسية في الشمال السوري نوعاً من رفع سقف الآمال بدرجة كبيرة، في حدث ما زال من المبكر إصدار حكم بخصوصه، وتعيين المنتصر من المهزوم. ولكن لا يبدو أن وصف الإخفاق للفعل الروسي، أقله حتى اللحظة، يدخل في سياق المبالغة في وصف مجريات المعارك في الشمال السوري، بقدر ما هو واقع حاصل على الأرض، تؤكّده؛ ليس فقط الخسائر الكبيرة في العتاد والجنود على طرف روسيا ومليشياتها، وإنما أيضاً مناورات روسيا لإقامة هدنة، وإطلاق ورشة مباحثات روسية – تركية، لإيجاد مخرج من هذا الإستعصاء الميداني.

فهل يمكن البناء على هذا الإخفاق لكسر الإستراتيجية الروسية المتدحرجة في قضم المناطق السورية، وإنهاك الخصوم وإخراجهم من دائرة الفعل، وإخضاعهم لنظام الأسد، كما حصل في حلب والغوطة الشرقية وجنوب سورية؟ ثمّة عاملان لطالما ساعدا روسيا على تحقيق ما سمته انتصاراً في سورية، شبكة التفاهمات التي أجرتها مع اللاعبين الإقليمين الذين لديهم مونة على المعارضة، وقد أسهم ذلك في تفكيك قوّة تلك الفصائل، وإغلاق طرق إمدادها، وإضعاف خياراتها إلى حدود صفرية، والخلافات الهائلة التي نشبت بين الفصائل، قتالها مع بعضها وخسارتها العناصر والعتاد، وإنخفاض رغبة عناصرها في قتال قوات العدو.

بالإضافة إلى هذين العاملين، شكّل وجود ملجأ لهذه الفصائل وعناصرها، إدلب وريف حلب، محفّزاً لها لترك القتال، ما دامت تلك المناطق ستصبح بدائل، ليس لممارسة النضال ضد الأسد، وإنما لتشكيل هياكل سلطوية ثورية، وهو حلمٌ عتيد لدى الفصائل. على ذلك، يأتي تأثير سلاح الفضاء الجوي الروسي في ذيل القائمة، هذا ليس كلاماً إنشائياً، بل أثبتته معارك إدلب أخيراً، فحين ذهبت الفصائل إلى ترميم وصيانة قوتها الذاتية، وتوفر طريق إمداد جيد، وكذلك القتال، لأنه لا توجد بدائل أخرى، أو لأن البدائل كلها سيئة، فإنها استطاعت الصمود، والتقدّم احياناً، على الرغم من وجود الشروط نفسها التي قاتلت بها تلك الفصائل في مناطق أخرى، وانسحبت لصالح الروس، وتم تفسير هذه التراجعات بالتدخل الجوي الروسي الحاسم.

يفيد تاريخ الحروب المماثلة التي خاضتها قوى عظمى ضد أطرافٍ أقل قوّة منها، حربا أميركا في فيتنام وروسيا في أفغانستان، أن هذه القوى استخدمت كثافة نيرانية هائلة في هذه الحروب، وخصوصاً بأسلحة الجو، وكذلك حصلت على مساندة كبيرة من قوى محلية، لكنها لم تحقّق نتائج حاسمة، والسبب أن القوّة المقابلة لها أحسنت إستخدام المزايا التي تملكها بوصفها جيوشا غير نظامية، لديها مرونة أكبر في العمل والتحرّك، فضلاً عن معرفتها بالأرض التي تحارب عليها، واستثمارها كل العوامل المتوفرة، بما فيها ظروف الطقس، فضلاً عن متابعتها التطورات السياسية، سواء داخل بيئات الخصوم؛ أو في البيئات الإقليمية والدولية عموماً.

ثمّة معطياتٌ كثيرةٌ تغيرت قد تساعد في إضعاف المشروع الروسي، أو على الأقل التصوّر الروسي لإدارة سورية بعد الحرب، وإن تم التنبه لها من القيادات السياسية والعسكرية للمعارضة السورية، سيكون لها نتائج مهمة في سياق الصراع المستقبلي. أول تلك المتغيرات، التناقض الجلي بين إيران وروسيا، فمن الصعب عودة إيران لمساعدة روسيا، وخصوصا في مناطق الشمال، كما أن لإيران مصلحة في إضعاف الروس، والتقليل من هيبتهم، فإيران صارت على قناعةٍ تامة بأن الروس يريدون إضعاف وجودها في سورية، بل وإخراجها نهائيا إن استطاعوا، بدليل موافقتهم على حضور مؤتمر” القدس الثلاثي”، المخصّص أصلاً لبحث إخراج سورية من إيران.

لن تخوض إيران أي معركة في سورية تحت جناح روسيا، بشكل جدّي، ما لم تقبض نتائجها الإستراتيجية بشكل مسبق، وستحاول الإحتفاظ بقوتها لخطر قادم، ليس الروس خارجه، وخصوصا بعد تكرار الصدامات بين الطرفين، كان أخرها في دير الزور والبوكمال، فضلاً عن أن مليشيات إيران ضعفت، وجرى تفكيك بعضها، وإنسحاب جزء منها، كما أن حزب الله يواجه إحتمالات حرب إسرائيلية، وحتى إيران نفسها أصبحت داخل دائرة خطر الحرب، بعد التطورات الأخيرة في الخليج.

وثمّة متغيرات حصلت في ذهنية القيادة الروسية، فلم تعد مندفعة للحرب من دون شرط أو قيد، سوى ظروف الميدان، إذ يبدو أن روسيا بدأت بفتح خطوط تفاوض حول مستقبل وجودها في سورية، مع قوى دولية وإقليمية. وبالتالي هي مضطرّة لمراعاة هذه التطورات، وقطف ثمار وجودها، وهذا لا شك سيخفّض حافزية الهجوم لديها، لصالح تثمير خطوط التفاوض والمساومات مع الأطراف المؤثرة، أو التي سيكون لها أدوار مهمة في الحساب الروسي، وخصوصا على صعيد عملية إعادة الإعمار، وإستقرار الوجود الروسي في شرق المتوسط.

للفصائل المقاتلة الدور الأبرز في كل هذه التطورات، فصمودها سيضعف خيارات روسيا، ويربكها بدرجة كبيرة، كما أن للتكتيكات الجديدة التي تتبعها في المعارك، بالإضافة إلى بلورة قواها والاستفادة من المزايا التي تملكها على الأرض، وحماس واندفاع كوادرها في صد الهجوم الروسي، كل تلك ستكون عوامل مساعدة على كسر الإستراتيجية التي اتبعتها روسيا في السنوات الثلاث الأخيرة.

ليس مطلوباً من فصائل المعارضة سحق الوجود الروسي في سورية، فلا إمكاناتهم ولا الواقع الدولي يسمحان بهذا، لكن صمودهم سيجبر روسيا على تغيير المعادلة التي تبنتها حتى اللحظة، والتي تميل إلى جعل الأسد المنتصر الوحيد على حساب ملايين السوريين، فهل من الممكن رؤية هذا التغيير؟

العربي الجديد

روسيا “العظمى” الصغيرة/ عمر قدور

أربعة أشهر انقضت منذ بداية الهجوم الوحشي على ريف حماة وإدلب، وكما نذكر أتى التصعيد إثر قمة سوتشي الثلاثية التي جمعت بوتين بأردوغان وروحاني، القمة التي شاع أنها انتهت بلا تفاهم تركي-روسي. لم تظهر البصمة الروسية في بداية الهجوم، حيث بدا كأن موسكو تجس من الخلف نبض أنقرة، إلا أن الطيران الروسي سرعان ما انضم إلى طيران البراميل المتفجرة، ليباشر الأول عمله باستخدام أسلحة أكثر فتكاً، بما فيه الأسلحة المحرّمة دولياً.

خلال حوالي شهر من فشل إدارة الأسد للمعركة، كانت موسكو قد حشدت القوات التي تدربها وتسيطر عليها مباشرة، مثل ما يُسمى قوات النمر والفيلق الخامس، لتتولى ميدانياً قيادة المعركة بطياريها ومرتزقتها السوريين. أي أننا على بعد ثلاثة أشهر تقريباً من الانخراط الروسي جواً وبراً في الحرب على ريف حماة وإدلب، والنتائج “الباهرة” التي حققها الهجوم تتلخص تقريباً بأكثر من 300 ألف لاجئ من تلك المناطق التي تتعرض لسياسة الأرض المحروقة، أما على الصعيد العسكري فلا يمكن التحدث عن إنجاز مواز.

الفصائل التي تتصدى للهجوم الروسي، سمّها ما شئت، امتصت خسارتها في الهجوم البري الأول وأعادت تنظيم صفوفها، لتمتلك زمام المبادرة وتستنزف القوات المهاجمة في معركة كرٍ وفر. لم تستخدم هذه الفصائل أسلحة نوعية، وهي لا تمتلكها على أية حال، باستثناء حسن استخدامها لبعض مضادات الدروع. فضلاً عن ذلك، يُفترض أن الكفة العددية تميل إلى القوات المهاجمة، لأن الخزان البشري العسكري الذي تتحكم به موسكو هو عملياً قوات الأسد التي لا تخوض أية معركة أخرى.

ربما هناك ميزة تفتقر إليها القوات المهاجمة وهي الحافز للقتال، بينما تحوزها القوات المدافعة، وهذا جدير بأن يوضح طبيعة ما كان يُسمى قوات الأسد، فهي عملياً تشرذمت بين ثلاثة ولاءات، ولاء قسم منها للأسد، وولاء كتلة وازنة لموسكو أو طهران. الانقسام في الولاءات يعكس عقلية الارتزاق التي تسيطر على تلك القوات، من دون نسيان أولئك الذين يُساقون إلى الجبهة مرغمين. منذ البداية كان الأسد يدرك ضعف حافز القتال لدى قواته، لذا كانت مكافأتها بإطلاقها للاستيلاء على الممتلكات الخاصة في المناطق التي تقتحمها أو ما اشتهر باسم التعفيش، وللتعفيش وجهان هما العقاب الجماعي لأهالي المناطق الثائرة وتغذية حافز القتال لدى قواته. الإيرانيون ومن ثم الروس أتوا من النافذة نفسها، عبر منح رواتب ومزايا أفضل لمرتزقتهم السوريين، إلا أنها لم يلغوا ذلك الاعتماد على الغنائم، وفي كل الأحوال لا يكفي الطمع فيها وحده ليخلق حافزاً قوياً ومستداماً للقتال.

عدم توفر حافز معنوي، أو بالأحرى الإيمان بقضية، لا يفسر وحده الفشل الروسي. موسكو كانت قد طرحت نفسها بديلاً عن طهران حتى على صعيد تأهيل البنية العسكرية لتنظيم الأسد، وبينما اعتمدت طهران على ميليشيات محلية بالإضافة إلى الشيعية التي أتت بها من الخارج فإن موسكو تدخلت في البنية العسكرية لقوات الأسد كي تصنع منها جيشاً محترفاً حقاً. اختبار ريف حماة وإدلب يكشف عجز موسكو عن بلوغ ذلك الهدف، وهو فشل ذريع لأن القوات التي أشرفت عليها معدة أصلاً لخوض هذا النوع من المعارك.

تنصل المنصة الإعلامية لقاعدة حميميم من المسؤولية، برمي الفشل على قوات الأسد وحدها، يكشف أيضاً الإحساس الروسي بالخزي، والمغزى منه وجود تكتيكات عسكرية روسية صائبة لم تحسن تلك القوات تطبيقها، مع علم الجميع بوجود ضباط روس يديرون غرفة العمليات مباشرة. ثم إن موسكو تملك حافزاً للانتصار أكثر مما يملكه بشار نفسه، لأنها طرحت نفسها إعلامياً كضامن لما تزعم أنه “السيادة السورية”، ولتواصل ترويج دعايتها عن فعالية السلاح الروسي، والأهم لتستمر في طرح نفسها كقوة عظمى مشاركة في التوازنات الاستراتيجية للمنطقة ككل.

لم تحظَ روسيا في تاريخ حروبها بتواطؤ دولي كالذي تحظى به في سوريا، فمنذ تدخلها العسكري المباشر تلقت ما يمكن اعتباره هدايا من الوزن الثقيل بتسليمها مناطق من دون قتال يُذكر بعد قطع الدعم عن الفصائل الموجودة فيها. لقد رأينا مثلاً كيف تخلت واشنطن عن جبهة حوران، وقبل ذلك وبعده رأينا التفاهم التركي الروسي عبر مسار أستانة الذي اجترح أكذوبة مناطق خفض التصعيد وابتلاعها تباعاً، من دون أن ننسى ما تمثله تركيا بالنسبة لجميع فصائل الشمال المرتهنة لخط الإمداد. ثمة دول خليجية تخلت عن الملف السوري مع التدخل الروسي، وهناك صفقات اقتصادية سعودية وإماراتية عقدت مع موسكو إثر تدخلها، ما يعني حضور المباركة الخليجية أيضاً.

كل تلك المباركات أتت على خلفية توكيل موسكو القيام بالمهمة التي لا تستطيع دول إقليمية تنفيذها، ولا يريد الغرب التورط فيها، وهي ضبط الساحة السورية بعد الفشل الذريع الذي مني به تنظيم الأسد. من بين مطالب وتمنيات متباينة بين القوى الدولية والإقليمية، مهمة موسكو الأبرز والمتفق عليها هي إعادة تأهيل تنظيم الأسد ليصبح نظاماً، وليسيطر أمنياً على كافة الأراضي السورية، ومن بعدها أو بالتوازي معها يمكن إدخال بعض الإصلاحات التي لا تمس الجوهر المخابراتي المطلوب الإبقاء عليه. التكهنات التي راجت أحياناً حول توريط موسكو في مستنقع سوري لم يحدث ما يثبت صوابها، باستثناء ما تبرعت موسكو بالقيام به لتثبت الأيام خطأ تقديراتها وأن طموحاتها أكبر من إمكانياتها الحقيقية.

على رغم وحشيته الاستثنائية، وعلى رغم رفضه كل المبادرات السياسية، أصر العالم على بقاء بشار وزمرته في السلطة من خلال حرمان السوريين من وسائل فعالة للدفاع عن النفس. مجيء القوات الروسية لإنقاذه وتأهيله بعد فشله يثبت يوماً بعد يوم أنه خيار من نوع مشابه، فروسيا تثبت المرة تلو الأخرى أنها ليست تلك الدولة العظمى القادرة على تنفيذ مشروع متكامل عسكرياً وسياسياً، بل أثبتت في العديد من “المصالحات” التي ضمنتها أنها لا تقل أسدية عن أجهزة الأسد نفسه. في ساحة المعارك قدّم الطيران الروسي الأمثلة على قصفه غير العشوائي، فقط من خلال استهداف المنشآت الحيوية والطبية تحديداً بعد الحصول على إحداثياتها من هيئات أممية بغرض حمايتها من القصف، وهذه جرائم حرب لا تقدم عليها سوى مافيات من طينة الأسد وإن تفوقت عليه تنظيماً وانضباطاً.

حتى إذا حسمت روسيا المعركة بعد جهد وتضحيات بمرتزقتها فذلك لن يمحو عثراتها وهي ستكمل بعد ثلاثة أشهر السنة الرابعة من تدخلها العسكري، لن تمحو صورتها كدولة قادرة بصعوبة على كسب حرب روّجت أنها مجرد تمرين لقواتها. ولعل الإخفاق الأهم المنتظر هو عجزها عن إعادة تأهيل تنظيم الأسد، لتأتي مداراة العجز بالإنكار والتعنت السياسي فتؤكد تقليداً روسياً هو عدم الاستفادة من دروس الماضي.

المدن

المشهد السوري على وقع حرب جديدة/ أكرم البني

وساحة الحرب، مدينة إدلب وأرياف حماة وحلب، التي تتعرض، بصورة تبدو مبرمجة، لهجمات سلطوية منفلتة، مدعومة بغارات جوية وقصف مدفعي عنيف، أديا لتدمير قرى بأكملها وعشرات المشافي والمستوصفات والمدارس، وقتل وجرح المئات من المدنيين وفرار الآلاف من جحيم البراميل المتفجرة.

واللافت، أن قرع طبول الحرب يزداد وضوحاً وتواتراً، رغم اتفاقي آستانة وسوتشي، القاضيين بخفض التصعيد وإنشاء منطقة منزوعة السلاح حول إدلب، والأهم رغم تخوفات المجتمع الدولي وتحذيرات الأمم المتحدة من حرب مدمرة ستكون أشبه بمجزرة أو حمام دم، في بقعة مكتظة تضم ما يقارب ثلاثة ملايين إنسان معظمهم من نازحي جماعات المعارضة المسلحة وحواضنها من مدن وأرياف دمشق وحمص وحلب، والذين لجأوا إليها، بما يشبه التهجير القسري، بفعل الحصار واستعصاء المعارك واشتراطات التسويات والمصالحات، ولعل هروب وتشرد أكثر من مائتي ألف سوري، خلال عمليات القصف الوحشية الأخيرة، دليل على حجم الخزان البشري وما يمكن أن يحل به إن استمرت المعارك، وتالياً على عمق الكارثة الإنسانية التي سيتعرض لها المدنيون من أهلها وسكانها والنازحين إليها.

بداية يصح القول: إن قرار هذه الحرب، هو بيد موسكو، الجهة الأقوى وصاحبة الكلمة العليا في الشأن السوري، والتي لا يزال يكتنف موقفها الغموض والضبابية، فإذا سلمنا بوجود دوافع جدية تشجعها على الحسم العسكري، منها استثمار المناخ العالمي المناهض بشدة للجهاد الإسلاموي، لتصفية هذا النوع من الإرهاب، وما يشكله من أخطار عليها، ومنها أن مد سيطرة النظام على إدلب وإنهاء آخر بقعة للمعارضة المسلحة، يحقق مبدأ وحدة الأراضي السورية الذي طالما نادت به موسكو، آملة بأن يضمن ذلك استقراراً نسبياً في البلاد، وأقل ردود فعل شعبية وسياسية مناهضة لها، ومنها أيضاً أن موسكو تعتبر إدلب آخر عقدة أو معضلة في طريق الحل السياسي الذي تحاول فرضه على السوريين، وبتذليلها تظهر أمام العالم بمظهر الطرف الذي نجح في إنهاء الحرب، والأقدر على إحلال السلام وتمرير الحل السياسي، ما يجعل الغرب أقل تصلباً في التعاطي مع الوضع القائم، والتقدم خطوات جدية نحو إعادة الإعمار…

لكن، وفي المقابل، ثمة عقبات ومعوقات تقف في وجه خيار الحرب، لا يمكن أن تُغفل ويجب أخذها باهتمام كافٍ.

أولها الموقف التركي، ومدى تأثير التصعيد العسكري على التحالف المؤقت بين موسكو وأنقرة، وما أبرمتاه من اتفاقات بينية أو تجاه الوضع السوري. وإذ نعترف بأن رد فعل تركيا بقي محدوداً على التصعيد الأخير، حتى بعدما أصاب القصف موقعاً عسكرياً تركياً ونقطتي مراقبة، ما دام همها الرئيس هو تحجيم الفصائل الكردية، ونعترف بأنه لا تخفى على حكام أنقرة نيات الكرملين في لجم طموحاتهم وتجميد فعالية وجودهم العسكري، لتحجيم دورهم السياسي وحصتهم في المستقبل السوري، فلا بد أن نعترف أيضاً بأن تركيا لن تقف متفرجة أو مكتوفة الأيادي تجاه هذه الحرب، كما كان حالها في معارك الرقة وحلب، ليس فقط لأن مناطق إدلب تحاذي مباشرة حدودها؛ بل لأن تلك المناطق محط اهتمام حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي للتمدد وتوسيع الكانتون القومي الذي يتطلع لتكريسه وإدارته، ولأنها تتحسب من تدفق سيل جديد من اللاجئين إلى أراضيها، بدليل ما يثار عن دورها في مد فصائل المعارضة المسلحة بمضادات للدروع، كمحاولة لتمكينها من الصمود وإطالة مدة الحرب، وإيقاع أفدح الخسائر بالأطراف المهاجمة، والغرض منع النظام وحلفائه من ربح المعركة أو فرض توازنات وخرائط جديدة.

والعقبة الثانية، أن النظام السوري الراغب بشدة في مد سيطرته، لم يعد يمتلك من القوى البشرية ما يمكنه من خوض هذه الحرب والتقدم فيها؛ بل يرجح أن ثمة خسائر فادحة تنتظره، كما تدل التقارير الواردة من ساحات المعارك، هذا عدا أن أفراداً وجماعات عسكرية من قوات النظام السوري نفسه، باتت غير متحمسة للعودة إلى الخنادق، بعد أن لمسوا مرارة الانتصار الذي تتغنى به السلطة، والذي لم يجلب لهم المن والسلوى؛ بل معاناة مذلة ومهينة طالت جرحاهم وأسر قتلاهم ومستلزمات عيشهم، ولا يغير هذه الحقيقة – بل يؤكدها – زج «الفيلق الخامس» في الخطوط الأمامية، والذي شُكل حديثاً من مجندين، غالبيتهم من أبناء المناطق المتمردة، ومن عناصر المصالحات التي عقدت، ويؤكدها أيضاً تراجع حضور الميليشيا الإيرانية، ربطاً بالضغوط التي تتعرض لها طهران؛ حيث لم يعد بمقدورها تغطية تكلفتهم في ظل تشديد العقوبات الاقتصادية عليها، وتواتر محاولات تحجيم دورها في سوريا.

أما ثالث العقبات، فهو موقف دولي يعلن صراحة رفض هذه الحرب، مدركاً خطر تداعياتها العسكرية والإنسانية، وما يمكن أن تخلفه من دمار وهجرات تتدفق على أوروبا من جديد، سيما أن هناك إشارات تدل على جدية واشنطن في منع هذا الخيار وإفشاله، تحدوها رغبة في عدم ترك موسكو تنفرد في تقرير المصير السوري، ومنع إيران من الالتفاف على الحصار المشدد عليها، وخلق فرصة لمزيد من التعاون مع البلدان العربية والغربية لضمان استقرار المنطقة.

والعقبة الرابعة، هي انتشار الآلاف من مقاتلي «هيئة تحرير الشام»، في غالبية مناطق إدلب، وهؤلاء لا مكان آخر لهم يمكنهم اللجوء إليه، ما يجعل هذه الحرب بالنسبة لهم حرب وجود، والقصد أنهم لن يتوانوا أو يترددوا في فعل أي شيء للحفاظ على وجودهم، ولن يدخروا جهداً في الدفاع عن معقلهم الأخير مهما كانت التكلفة والأثمان، ما ينذر بحرب دموية طويلة ومدمرة ومكلفة، لن يخفف من وطأتها ما يثار عن تطبيق سياسة الأرض المحروقة ضدهم.

والحال، إذ يمنح اختلاف أهداف الأطراف الموغلة في الدم السوري وتباين حساباتها ومصالحها الأنانية، مدينة إدلب فرصة تلافي حرب واسعة وبربرية، يفترض ألا يثير ذلك كثيراً من الاطمئنان، ما دامت تلك الأطراف مجمعة على الاستهتار بالوطن السوري وبحيوات البشر وحقوقهم، وما دام المجتمع الدولي ومنظمته الأممية يكتفيان بمراقبة ما يجري، دون أن يحركا ساكناً، وكأن ليس من واجباتهما إنقاذ مدنيين يحاصرهم إرهاب متعدد الوجوه، في هذه المنطقة المنكوبة من العالم!

الشرق الأوسط

تسوية مستعصية في إدلب/ رانيا مصطفى

قاربت الحملة الجوية والعسكرية التي يشنها النظام وروسيا على إدلب وريف حماة الشمالي وريف اللاذقية الشمالي على إعلان فشلها. فضّلت كل من روسيا والنظام جسّ نبض الفصائل المعارضة المسلحة، ومعها تركيا والولايات المتحدة والمجتمع الدولي، باتجاه عقد هدنة مؤقتة. تحدث الإعلام الروسي والإعلام الموالي للنظام عن سريان هذه الهدنة، في حين أن القصف المدفعي من ميليشيات النظام المتمركزة في القواعد الروسية، والقصف الجوي من الطائرات الروسية لم يتوقف، بدليل استهداف نقطة مراقبة تركية في جبل الزاوية بصاروخ انطلق من ريف حماة الواقعة تحت سيطرة روسيا.

استهداف النقطة التركية هو رسالة روسية لأنقرة للضغط على الفصائل المعارضة للقبول باتفاق سوتشي معدّل؛ هذه الفصائل ترفض هكذا هدنة، بعد أن استجمعت قواها وانتقلت من وضع الدفاع إلى الهجوم، وقلبت المعادلة العسكرية على الأرض على رأس الروس وجيش النظام، وبالتالي خلطت الأوراق أمامهم، وأوقعتهم في ورطة وحيرة.

أبرز فصائل المعارضة المشاركة في العمليات في شمالي حماه هي جيش العزة وفصائل من “الجبهة الوطنية للتحرير”، ومعظم أفرادها ينتمون إلى تلك المناطق، وقد انضم إليهم الآلاف من المتطوعين من أبناء المنطقة، بحماسة كبيرة لردع الهجوم البري لقوات النظام المدعومة من روسيا، وأبرزها الفيلق الخامس وقوات النمر.

وهناك مشاركة خجولة لهيئة تحرير الشام، رغم أنها ضمن غرفة العمليات المشتركة، في حين أن فيلق الشام الخاضع للقرار التركي لا يشارك رسميا، إلا بأفراد ينتمون إلى تلك المناطق، وظل يتأهّب بالقرب من منطقة تل رفعت وعلى تخوم الفرات لمعركة محتملة ضد وحدات الحماية الكردية، قد تحتاج إليها تركيا.

تركيا تدعم الفصائل المعارضة سرّا، رغم أن تصريحاتها ظلّت في حدود الدبلوماسية، والالتزام باتفاق سوتشي لمنطقة خفض التصعيد، وأعلنت قبولها بالهدنة الروسية ووقف إطلاق النار، شريطة عودة قوات النظام إلى حدود ما قبل 6 مايو الماضي، أي التخلي عن المناطق الاستراتيجية التي سيطرت عليها مؤخرا، في كفرنبوذة شمال حماه، وبلدة قلعة المضيق الاستراتيجية شمال غربي حماه، وبالتالي إقرار روسي بالهزيمة أمام الفصائل المعارضة، وإعطاء تركيا نقطة قوة لصالحها.

والولايات المتحدة حاضرة في معركة إدلب، بقوة السلاح النوعي الذي حصلت عليه الفصائل، من المدافع الثقيلة وصواريخ مضادة للدروع وطائرات مسيرة دون طيار. ويدعم الموقف الأميركي والتركي موقف أوروبي لا يريد كارثة إنسانية في إدلب تتسبب بموجات نزوح جديدة إلى أراضيها.

الفصائل استشعرت قوتها، والدعم الدبلوماسي لها، وضعف الميليشيات التي تعتمد عليها روسيا، وبات هناك رأي يتصاعد ضمنها يرفض الهدنة، ويميل إلى متابعة الهجوم، بدلاً من أن يظلّ ورقة بيد تركيا وواشنطن الراغبتين بالبقاء في حدود سوتشي.

أما روسيا، فهي في موقف صعب، بعد فشل رهانها عل قوات النظام، خاصة بعد إبعادها الميليشيات الإيرانية وفرق الجيش المرتبطة بإيران، عن المنطقة، وبالتالي أمام روسيا إما مواصلة حرب الاستنزاف التي يذهب ضحيتها يوميا المئات من المقاتلين من الطرفين، واختبار إمكانية رفع وتيرة القصف الجوي، دون اعتراض دولي، وإما أن عليها الرضوخ للمطالب التركية، والعودة إلى اتفاق خفض التصعيد.

يجري هذه الأيام سباق محموم من المساومات المتشابكة، ومحاولة عقد الصفقات والتحالفات، بين الأطراف الفاعلة في الملف السوري؛ ويبدو أن التسوية في إدلب وإيقاف الحرب، مرهونة بتسوية نهائية تتحدد فيها حصة كل طرف من هذه الأطراف من الكعكة السورية.

موسكو وواشنطن الطرفان الأقوى في اللعبة، واتفاقهما شرط أساسي للوصول إلى حل للأزمة السورية، فيما يبدو أن بقية الأطراف المتدخلة، إيران وتركيا، أوراق للمساومة أكثر من كونهما أطرافا مقررة، خاصة مع رفض أميركي وإسرائيلي وعربي للنفوذ الإيراني على الأراضي السورية، ورغبة روسية، باتت علنية، في تحجيمه، ومع رغبة عربية وأوروبية بتحجيم النفوذ التركي أيضاً، يدعمها سوء العلاقات الدبلوماسية التركية- الإسرائيلية، ورغبة روسية في السيطرة على كل الأرض السورية، وفتح الطرق الدولية، وتأمين محيط قاعدة حميميم في اللاذقية.

وإذا كانت واشنطن تدعم أنقرة في ملف إدلب، فهي غاضبة منها أيضا في ما يتعلق بالمضي بصفقة أس-400 مع موسكو، وقد أقر بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، رغم أنها ستعرّضه لمضايقات أميركية قد تهدد بقاءه في الحكم، مع وجود مشاكل اقتصادية وسياسية داخلية، برزت في انتخابات بلدية إسطنبول. فالصفقة الروسية أكثر ضمانة لتركيا من صفقة الباتريوت الأميركية، التي تخشى أنقرة رفض الكونغرس لها في أي وقت، فضلا عن رفض أوروبي لمشاركة تركيا في حلف شمال الأطلسي.

في نفس الوقت، تطالب واشنطن أنقرة الالتزام بما يتعلق بالعقوبات المفروضة على طهران، وتريد منها القبول بسيطرة قوات سوريا الديمقراطية على مناطق شرق الفرات، مع صيغة تراعي مخاوفها الأمنية، وتقريب القوات المسيطرة شرق الفرات من القوات العربية الخاضعة لتركيا، لتقوية موقف المعارضة في العودة إلى اتفاق جنيف.

بينما، تتطلع روسيا إلى الانسحاب الأميركي من شرق الفرات، حيث موارد النفط والغاز والثروات الطبيعية، وهي متضايقة من التقارب التركي- الأميركي، وقد سرّعت من صفقة أس- 400 مع تركيا، لضرب ذلك التقارب، وصعدت من الهجوم في إدلب، وهي تراهن على نتائج الاجتماع الأمني المزمع عقده في تل أبيب بحضور مستشاري الأمن القومي، الروسي والأميركي والإسرائيلي، حيث ستكون أول أهدافه تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، فيما الغاية الثانية تحجيم دور تركيا، والهدفان مدعومان بموقف عربي رافض لنفوذ الدولتين الإقليميتين.

إذا، ليس بإمكان روسيا، وهي الطرف الأقوى بالملف السوري، الاستفراد بهذا الملف، في ظلّ التواجد الأميركي على الأرض في شرقي الفرات، وبشكل غير مباشر في إدلب والجنوب، وفي ظلّ الدور الإيراني المنافس لموسكو على الاستثمارات، والدور التركي المتحكم في جزء من المعارضة، والمؤثر في جزء آخر.

وقد أخطأت موسكو برهانها الكلي على النظام، ولم تخترق كيانات المعارضة بقصد جذبها إليها، بل لضربها عبر منصة موسكو وغيرها، وبالتالي ليس بيدها إيجاد مدخل للحل الذي يبقي على هذا النظام، إلا بالبحث عن تحالفات جديدة، ربما تجدها إذا ما أثمرت نتائج الاجتماع الأمني الثلاثي في تل أبيب.

كاتبة سورية

العرب

حرب قذرة في إدلب: روسيا تناور بدم السوريين/ عبدالوهاب بدرخان

جميع المقاتلين ضد قوات روسيا/ الفيلق الخامس (التابع نظرياً لنظام بشار الأسد) في حماة وإدلب، كانوا يسيطرون على المنطقة منذ ربيع 2015 أو جاؤوا تباعاً إلى شمال غربي سورية برعاية روسية، بدءاً بضمان تركي – روسي للانسحاب من حلب (2016)، وصولاً إلى إشراف روسي على ترحيل مَن رفضوا “مصالحات” النظام في الغوطة الشرقية ودرعا (2018). بديهي أن القادمين متشدّدون في مناهضة النظام وغير مصنفين “إرهابيين” إلا في إعلام الروس والإيرانيين والنظام، وعلى رغم وجودهم في مناطق تخلطهم بمقاتلي “هيئة تحرير الشام/جبهة النصرة سابقاً” إلا أنهم لا يشاطرون تلك “الهيئة” وأتباعها من مبايعي تنظيم “القاعدة” هدف إقامة “إمارة إسلامية”، بل يعتبرونها مع تنظيم “داعش” من الأدوات التي استُخدمت لاختراق ثورة الشعب السوري وضربها وتشويهها. فالجميع استعدى هذه الثورة أو شكّك بها، من الروس والأميركيين إلى الاوروبيين، بسبب وصمة الإرهاب التي جاءت بها “النصرة” و”داعش”، حتى أن نظام الأسد والإيرانيين توسّلوا “الحرب على الإرهاب” للتطهّر من جرائم الحرب التي ارتكبوا أكثر من 90 في المئة منها لترهيب المدنيين واقتلاعهم من مواطنهم.

بعد ترحيل هؤلاء المقاتلين إلى الشمال الغربي، كان الاعتقاد السائد أنهم لن يُهاجَموا مجدّداً، لأن لا مكان آخر يُجلَون إليه بشرط أن يخضعوا لقواعد “خفض التصعيد” الذي يُفترض أن تضبط المنطقة، لكنها لم تضبطها في أيّ من المناطق الأربع بل كان “خفض التصعيد” وسيلة لتصفية وجود فصائل المعارضة في مناطق سيطرتها. في كل ذلك استندت روسيا إلى مشاركة حليفتيها في تلك التصفية لقاء مكافآت. نالت تركيا ضوءاً أخضر للشروع في نشر نفوذها، أولاً بطرد “داعش” وإقامة منطقة “درع الفرات” غربي النهر ثم باجتياح منطقة عفرين وإجلاء المقاتلين الأكراد عنها. أما ايران فمدّت وجود ميليشياتها إلى مناطق “خفض التصعيد” المستعادة “لمصلحة النظام” وحصلت على “غضّ نظر” روسي عن تموضع أتباعها في المناطق الحدود السورية – العراقية.

توقفت الحروب عملياً عند حدود شمالي سورية، شرقاً دير الزور والرقة وغرباً إدلب وريف حماة الشمالي، لكن النظام وحليفه الإيراني طلبا مواصلة القتال حتى إكمال السيطرة وصولاً إلى الحدود مع تركيا. هنا اختلفت الحسابات بين موسكو ودمشق – طهران، فهذان الحليفان لا يباليان بنتائج أي اجتياح وبأكثر من مليوني نازح جديد سيندفعون إلى تركيا ومنها إلى أوروبا. في ذلك الوقت كانت موسكو تركّز على ما بعد إنهاء الحرب بغية اجتذاب التأييد الغربي لخطّتي استعادة اللاجئين وإعادة الإعمار في مقابل تسهيل الحل السياسي، مدركة أن هدف حليفيها من الإلحاح على الاجتياح هو إحباط ذلك الحل الذي مهّدت له بلقاءات استانا و”المؤتمر السوري” في سوتشي (آخر كانون الثاني/ يناير 2018). ومع أنها لم تلق الاستجابة الغربية التي تمنّتها لخططها فقد أحجمت روسيا عن خيار الاجتياح لئلا تواجه وحدها تداعياته الخارجية، بل وجدت أنه لن يكون مجدياً استخدام تلك التداعيات لابتزاز الدول الغربية. لذلك شكّل الاتفاق الروسي – التركي في شأن إدلب نوعا من الحل الوسط الذي يعزز نفوذ أنقرة، خصوصا أنها استحقّته بعدما وقّعت على صفقة شراء صواريخ “إس 400” الروسية.

لم تكن أهداف نظامي الأسد والملالي من الزحف على الشمال الغربي، بدعم جوي روسي، لتقتصر على استعادة السيطرة وضرب الحل السياسي والتصفية النهائية لأي معارضة سورية مقاتلة، بل انطوت على وضع موسكو في مواجهة منطق وحتميّة الاستحقاق التالي: الزحف على الشمال الشرقي لإخراج الأميركيين من سورية ومن معادلة الصراع وحل الأزمة. كانت موسكو طالبت مراراً بلسان سيرغي لافروف بالانسحاب الأميركي، لكن في سياق غضبها من رفض واشنطن التفاوض على سورية أو سعياً من روسيا إلى تغيير الشروط الأميركية للتفاوض (إخراج إيران، تقنين التدخّل التركي، إبقاء النظام من دون الأسد…). وعندما أعلن الرئيس الأميركي (أواخر 2018) الانسحاب “سريعاً” من شمال شرقي سورية قوبل بترحيب روسي حصيف، خلافاً لتهليل إيران التي اعتبرته “هزيمة” أميركية جديدة وتهيّأت لجني ثمار “النصر” وأهمها فتح طريق طهران – بيروت مروراً ببغداد ودمشق. لم يتمّ الانسحاب لكن موسكو منعت حليفيها من استغلال خفض الوجود الأميركي وأعادت تنشيط التنسيق مع إسرائيل بغية استدراج تفاوض مع واشنطن.

منذ لحظة توقيع اتفاق بوتين – أردوغان في شأن إدلب حدّد الخبراء العسكريون سببين لعدم تطبيقه: ضغوط النظام والإيرانيين لإفشاله، واستحالة نجاح الأتراك في إقناع فصائل “القاعدة” بانسحاب طوعي، يضاف إلى ذلك أن الثقة تبقى متواضعة بين موسكو وأنقرة، ما يجعل الأخيرة حذرة في التطبيق، مدركة أن المتوقّع منها طرد “هيئة تحرير الشام” وأخواتها أو تصفّيها عسكرياً والاعتماد على فصائل “الجبهة الوطنية للتحرير” (الجيش الحرّ) في ضبط الأمن، لكن شيئاً لا يضمن أن لا يعود الروس للمطالبة بـ “مصالحة” مع النظام سبق لتلك الفصائل أن رفضتها. هذه الحسابات جعلت أنقرة تكتفي بتفاهمات حدٍّ أدنى تمكّنها من الإمساك بالأرض وزرع نقاط مراقبة تأميناً لمصالحها بعيدة المدى. ولعل سببين أدّيا أخيراً إلى إشعال جبهات ريفَي إدلب وحماة، أولهما نفاد صبر الروس واحتياجهم إلى التصعيد تغيير الوضع الميداني في مواجهة الشروط التفاوضية لواشنطن، والآخر استياؤهم من التفاهمات الأميركية – التركية في شأن “منطقة آمنة” في شمال سورية.

لكن التصعيد جاء في وقت غير مناسب للنظام الذي كشفته الأزمة المعيشية في المناطق الواقعة تحت سيطرته، وغير مناسب أيضاً للإيرانيين الذين باتوا على يقين بأن الروس في صدد المساومة على وجودهم في سورية. بدا الحليفان وجمهورهما غير معنيين بـ “نصر” تريده روسيا لاستثماره ضدهما في نهاية المطاف. حاول الإيرانيون تغيير الوجهة بإطلاق صواريخ من القنيطرة على الجولان، لكن الردّ الإسرائيلي جاء مركّزاً وموجعاً، كما جاء الرد الروسي بتسهيل تدمير إسرائيل أي لشحنة أسلحة وصلت لتوّها من إيران إلى مطار “تي فور” (حمص)، ويُتوقّع أن يتكرّر السجال الصاروخي من دون أن يذهب الإيرانيون إلى حدّ المواجهة المفتوحة. وبعدما سحبت ميليشيا الأفغان (الفاطميون) أخيراً ونقلتها إلى مناطق حدودية داخل أفغانستان تحسّباً لمواجهة محتملة مع الأميركيين، تردّد أن طهران أبلغت أتباعها في سورية ضرورة تمويل أنفسهم محلياً، وسينعكس ذلك على المناطق التي استغلّوا دمارها وفقر أهلها لاستقطابهم وفرض التشيّع عليهم.

تغيّرت التوجهات وتداخلت المصالح في ريفَيْ إدلب وحماة، حيث تدور إحدى أسوأ أنواع الحروب القذرة واللاأخلاقية، ففيما تحارب روسيا وتناور بدم السوريين إلى حدّ أنها ترفض مجرد الحديث عن وقفٍ لإطلاق النار، باتت قاعدتها في حميميم تبث نصائح للمدنيين (من جانب واحد) وخرائط للإخلاء والنزوح، ولا تمانع دمشق وطهران في أن يُمنى فيلق “النمر” سهيل حسن بهزيمة لأنه خرج عن طوعهما ليعمل للروس ولحسابه، كما لا تكترثان بعجز روسيا عن حسم المعركة طالما أنها لم تعد تشركهما في خططها وأهدافها. بموازاة ذلك تخوض تركيا مواجهة خطرة مع أميركا بسبب الصواريخ الروسية، لكنها تجد نفسها جنباً إلى جنب معها لاستخدام السوريين في حرب بالوكالة ضد روسيا، وفي الوقت نفسه تلاقي أنقرة حاجة طهران إليها لتنفيس ضغوط العقوبات الأميركية بروح تعاونية وبمعزل عما يحصل وسيحصل، إذ لم تعد إدلب محلّ تجاذب أو تنافس بينهما. وفي انتظار أن يتوصّل الأميركيون والروس إلى تفاهم جديد أو صفقة تتحوّل حرب شمال غربي وتتحول إلى عملية استنزاف طويلة.

الحياة

الأسد يهاجم نقاط المراقبة التركية في إدلب والروس يردون بقصف «الإرهابيين»/ وائل عصام

لم تمض ساعات على إعلان تركيا أن نقاطها للمراقبة تعرضت للقصف من قبل النظام السوري، حتى أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها قامت بالرد على قصف نقاط حليفتها تركيا، لتعلن وزارة الدفاع الروسية قصف مواقع لـ»الإرهابيين» في إدلب، قالت إنها تلقت مواقع إحداثياتهم من الجانب التركي، ليعود الأتراك وينفون ذلك، ولكنهم تجنبوا الإشارة لوزارة الدفاع الروسية، بل ذكرت وزارة الدفاع التركية، أن الخبر المنفي صدر عن وسائل إعلام، وهذا الامر غير صحيح، ويمثل محاولة تركية لتفادي الإحراج مع روسيا.

من المستبعد تماما أن تكون روسيا قد أصدرت ذلك التصريح باختلاق تفاصيله كاملة، بل يبدو أنها أضافت له، لتنتج رواية تناسب سياستها القائمة في سوريا، فمن الطبيعي أن الأجهزة الأمنية التركية والروسية تواصلت بعد الهجوم على النقطة التركية، وتبادلت معلومات تخص العملية، ولكن روسيا وصفت الأهداف التي هاجمتها بالإرهابية، بينما قالت تركيا إن القصف جاء من قبل قوات النظام، فهل قصفت روسيا النظام السوري مثلا؟ بالطبع لا، ولكن يبدو أن تركيا أبلغت الروس بمواقع إطلاق القذائف، واتهمت النظام، وطلبت من الروس الرد، والروس قاموا بالرد على طريقتهم، متجاهلين معلومات وبيان الجانب التركي. ما حصل يظهر، أن روسيا تدير دفة التواجد العسكري التركي في سوريا، لمصلحة رؤيتها السياسية والعسكرية، التي تهدف لتعزيزالأسد، فحتى إن قصف النظام السوري نقاط تركية، فمن سيتعرض للعقاب هم «الإرهابيون «وليس الأسد.

من الجانب العملي، قلنا منذ شهور طويلة، إنه لا معنى لوجود النقاط التركية في إدلب، فهي لم ولن تقوم بمهمتها في ضمان وقف إطلاق النار، كدولة ضامنة لاتفاق دولي يخص منطقة خفض التصعيد، وكذلك، لن تشكل هذه النقاط أي عائق لاستمرار العملية العسكرية في إدلب التي دخلت شهرها الثاني، حتى إن جنود النظام السوري سيوشكون على تجاوز إحدى النقاط والتقدم شمالا، وسواء بقيت هذه النقاط في إدلب أو انسحبت، كما هو متوقع لاحقا، فإن هجوم النظام وروسيا سيتواصل على إدلب.

النقطة الثانية، تخص التعامل الإعلامي مع ما أعلنته وزارة الدفاع الروسية، فقد تم إغفال الخبر تماما من قبل وسائل إعلامية، ترى أن الخبر يمثل إحراجاً لموقف تركيا، بينما نشرته وسائل إعلام حكومية تركية في البداية، قبل أن يقوم بعضها بحذفه لاحقا، ومن ثم نشرت تلك المؤسسات الإعلامية نفسها النفي التركي على الخبر، الذي لم تنشره لجمهورها أصلا.

من المفهوم أن تقوم وسائل إعلام تركية مقربة من السلطات بانتقاء الأخبار وفق اعتبارات مسيسة فقط، لكن مجرد الإيحاء للجمهورالعربي بأن تصريحات الروس كاذبة، سيقابل برد سريع عن مدى مصداقية مئات التصريحات الرسمية التركية بخصوص سياساتها في سوريا والعراق، تبدأ بخطوط حمر شرق الفرات ولا تنتهي بمهاجمة منبج «في أي لحظة»، ولعل أكثر الحوادث المشابهة لما حصل حول الرد الروسي على اتهام تركيا للنظام بقصف نقاطها، هو مشاركة القوات التركية في قصف، مواقع للإرهابيين في الموصل، خلال هجوم قوات الحكومة العراقية على الموصل قبل عامين، لتخليصها من سيطرة تنظيم «الدولة»، فبعد معارضة الحكومة العراقية مشاركة القوات التركية، أصرت أنقرة على مشاركة قواتها في كردستان العراق بالهجوم، وانتقدت حيدر العبادي رئيس الوزراء السابق لمنعها من ذلك ومطالبته للقوات التركية بمغادرة العراق، وتمكنت أنقرة في النهاية من استحصال موافقة أمريكية عراقية لاحقا لتنفيذ بعض الضربات المدفعية على الموصل من قاعدتها في بعشيقة، ليخرج المسؤولون الأتراك يعلنون الخبر باعتباره نصرا وقيمة مضافة للدورالتركي في شمال العراق، لقد ردوا على الرفض الحكومي العراقي لبقاء قواتهم في بعشيقة بقصف الارهابيين في الموصل، بمشاركة قوات الحكومة العراقية تماما، كما ردت روسيا على قصف الأسد للنقاط التركية بقصف الإرهابيين أيضا.

عدا مناطق النفوذ الامريكي في مناطق الأكراد شمال سوريا، وكذلك في كردستان العراق، فإن كل الأطراف التي يسمح لها بالدخول لحلبة النزاع في سوريا والعراق، كتركيا ودول الخليج، تم استثمارها لخدمة اللاعبين الاثنين الأقوياء، ايران وروسيا.

القدس العربي

معركة إدلب بين أولويات المتفاوضين ودوي المدافع/ إيفا كولوريوتي

السماء في إدلب الآن لا يعكر صفوها سوى آلاف القذائف والبراميل التي أتت من حيث لم تأت، فعلى الرغم من مرور ثماني سنوات على الثورة السورية العظيمة، إلا ان المجتمع الدولي لايزال مُصراً على قلة الأدلة التي تحدد مرتكب هذه الجرائم، فأقمارهم الصناعية التي استطاعت رصد الثقب الأسود في الفضاء السحيق، خانتها القدرة على كشف بصمات القتلة على أشلاء الضحايا في إدلب ومحيطها، ولولا ذلك الغموض لما سكتت تلك الأمم المريضة بفوبيا الحجاب وحماية المرأة المسلمة من مجتمعها، ضمن هذا المشهد المقرف دولياً والمبكي إنسانياً، يصبح ثمن تلك الأرواح الطاهرة في الشمال السوري «لا شيء» أمام معادلة المصالح للدول العظمى.

خريف العام الماضي أعلن الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين عن توقيع اتفاق سوتشي، الذي ينص على وقف الاشتباك في آخر مناطق خفض التصعيد المتمثل في إدلب ومحيطها، الاتفاق تكون من عدة بنود، أهمها نشر نقاط مراقبة تركية في مناطق الثوار، ونقاط مراقبة روسية مقابلة لها، مع تشكيل منطقة منزوعة السلاح تمتد بعمق 20 كم على طول خط الاشتباك، يتم تفريغها من السلاح الثقيل للفصائل السورية المعارضة، بالمقابل تمنع موسكو أي قصف أو تقدم عسكري من قبل قوات الأسد، أو الميليشيات التابعة للنظام باتجاه هذه المنطقة، وعلى الرغم من استمرار القصف، ولكن بدرجة أقل حدة، إلا أنه أعطى نوعا من الهدوء النسبي في إدلب ومحيطها، شجّع الآلاف من السوريين الموجودين في تركيا للعودة لقراهم، فيما استمرت الضغوطات الروسية على الإدارة التركية، لإيجاد حل نهائي من وجهة نظرهم، يكون مبنيا على أحقية الحكومة السورية في دمشق باستعادة سيطرتها على جميع الجغرافيا السورية، ومن ضمنها إدلب، واستمر التهرب التركي من هذه الضغوطات، مرة تحت عنوان انشغالها بالانتخابات البلدية، ومرة أخرى بأولوية الشرق السوري.

من دون أي مقدمات وفي اليوم الأول من شهر رمضان المنصرم، أعلن جيش الأسد مدعوماً بالجيش الروسي براً وجواً البدء بعملية عسكرية تهدف بشكل صريح لإنهاء آخر وجود للمعارضة السورية المسلحة في الشمال، وبالتالي تأكيد موت اتفاق سوتشي بشكل عملي والدخول في مرحلة جديدة من القتل والإجرام. لتقييم مستوى هذه العملية العسكرية ومداها يجب علينا كمراقبين قراءة المشهد في كل من أنقرة وموسكو من جهة، ثم قراءة تطورات الميدان من جهة أخرى.

من جانب آخر، مع تراجع أرقام حزب العدالة والتنمية، الذي ظهر جلياً من خلال نتائج الانتخابات البلدية قبل شهرين، فإن أنقرة أصبحت في موقف لا تحسد عليه دولياً وداخلياً، فواشنطن أدخلت الإدارة التركية في مفاوضات ذات نفس طويل، بما يخص مستقبل الشرق السوري ووجود الميليشيات الكردية فيه، في ما يعاني الاقتصاد التركي بشكل واضح من مشاكل مع تراجع الليرة التركية وتذبذبها المستمر، ومع استمرار التهديدات الأمريكية في ما يخص صفقة أس 400 الروسي وصفقة أف 35 الأمريكية، هذه الأجواء جعلت من موقف أردوغان وحكومته في تفاوضها على ملف أدلب مع الجانب الروسي أكثر ضعفاً من أي وقت مضى، فتركيا التي نجحت في كسب ثقة طيف واسع من المعارضة السورية المسلحة والسياسية، واستطاعت استخدامهم لدفع الخطر الكردي عن جزء كبير من الحدود السورية التركية، تقف اليوم موقف المتخوف من نتائج خسارتهم، فعلى طاولة المباحثات التركية الروسية اليوم تضع تركيا نقاطاً مهمة كأولوية يجب على موسكو أخذها بعين الاعتبار، بدايةً بملف منطقة تل رفعت ومحيطها في ريف حلب الشمالي، بالإضافة إلى وجود موسكو في محيط مدينة منبج أيضاً، كما ترى أنقرة أن أي اجتياح شامل لإدلب هو بداية لموجة لجوء قد تزيد الطين بلة، في ما يخص الشارع التركي المنزعج من هذا الوجود أصلاً، كما خسارة أنقرة لورقة إدلب ستكون بشكل عملي خروجهم من مفاوضات الحل النهائي للملف السوري، وتجعل من ثقل كلمتهم في ما يخص شرق الفرات من دون تأثير فعلي، في المقابل لا تريد الإدارة التركية أن تخسر صداقتها الاستراتيجية مع موسكو أيضاً. هذا التعقيد دفع الإدارة التركية بشكل مبدئي لأخذ استراتيجية تفاوضية وعسكرية مشتركة، مبنية على أن لا تتدخل القوات التركية ونقاطها المنتشرة على طول خط النار في إدلب وريف حماة بالمعارك الجارية هناك، كما تبقي أنقرة ضغوطاتها المتواصلة على حلفائها في المعارضة السورية المسلحة، بعدم تجاوز الخطوط الحمر الروسية أو الدولية، التي تتضمن القرى المسيحية في ريف حماة الشمالي كبلدة الصقيلبية وبلدة محردة، كما تمنعهم من التوغل ضمن ريف اللاذقية الشرقي، في المقابل فتحت أنقرة المجال لفصائل المعارضة باستخدام ثقلهم العسكري الكامل، مع تقديم دعم مدروس لأنواع معينة من السلاح النوعي الذي يجعل ثمن هذه العملية مرتفعا جداً على الأسد وموسكو، ومن جهة أخرى أبقت الإدارة التركية خطوط تواصلها مع الإدارة الروسية على مبدأ لعل وعسى.

وفي ما يخص روسيا، ترى موسكو هذه العملية من منظورين، الأول ذاتي والثاني دولي، فدولياً تعلم موسكو أن ما يجري في الشرق الأوسط عموماً من توتر للأجواء بين طهران وواشنطن مع إمكانية انزلاق الطرفين لحرب مفتوحة، أو معركة محدودة المحصلة ستكون طاولة التفاوض، والوجود الإيراني في سوريا سيكون محط تفاوض وتقييم، فالحليف الأهم لواشنطن المتمثل بتل أبيب لايزال مُصراً على خروج آخر جندي إيراني من الداخل السوري بأي ثمن، ضمن هذه المعطيات ترى الإدارة الروسية في الوقت الحالي هو الأمثل لإنهاء آخر وجود عسكري للمعارضة السورية، في ظل ما ذكرته سابقاً من ضعف في موقف أنقرة أيضاً، أما المنظور الذاتي لهذه المعركة فإن موسكو تريد أن تمرر مسارها في الحل السياسي في سوريا عبر دستور جديد ثم انتخابات رئاسية، يكون الأسد أحد أطرافها، وسواء خرجت إيران من سوريا عبر الضغوطات الأمريكية، أم بقي المشهد كما هو فبإنهاء ملف إدلب ستكون موسكو قادرة على فرض كلمتها على طهران للانسحاب، إما التدريجي أو المباشر من الجغرافيا السورية، فلا حاجة عسكرية تدعو ذلك الوجود، وبهذا الشكل تكون موسكو قد تخطت آخر العقبات أمام فتح الباب لمشاريع إعادة الإعمار الذي تنتظره الشركات الروسية على أحر من الجمر.

بناءً على ما سبق يمكن القول إن تركيا، حتى هذه اللحظة، لاتزال مصرة على إبقاء ورقة إدلب في يدها، كم لاتزال موسكو مصرة على إنهاء ملف إدلب بأي ثمن، حتى لو اضطرت للاتجاه نحو معركة طويلة مبنية على استراتيجية القضم البطيء المكلف. ثاني أقوى جيش في العالم مدعوم بمليشيات لبنانية متمرسة على حرب الشوارع، وبقايا جيش الأسد ممن دربتهم موسكو مؤخراً ودعمتهم بدبابات روسية متطورة مثل أل تي 72 المعدّلة وأل تي 90، في المقابل فصائل متفرقة ومختلفة الأيديولوجيات وذات دعم عسكري محدود ومعدات عسكرية قديمة، بلغة الأرقام فإن المعركة في إدلب لن تكون معقدة، إلا أن هذه المعادلة ناقصة، فما أنتجته معركة طالبان أمام أقوى حلف على وجه الأرض خلال الـ18 عاما الماضية، تؤكد أن صاحب الأرض أقوى مهما كانت الفوارق في القوة العسكرية واسعة، فتوحيد الفصائل كخطوة أولى ثم تفعيل كامل الموارد البشرية، مع استغلال الحاجة التركية لورقة إدلب قد يكون كفيلا بكسر الغرور الروسي على أسوار آخر قلاع الثورة السورية في إدلب غراد.

محللة سياسية يونانية مختصة بشؤون الشرق الأوسط

القدس العربي

أحجية إدلب/ سمير صالحة

من ورّط الآخر في وحول شمال غرب سورية، النظام السوري أم موسكو؟ لماذا فشلت خطتهما على جبهات إدلب، على الرغم من امتلاك التفوق العسكري والعددي والتقاعس الدولي؟ ما هي السيناريوهات الميدانية والسياسية الأقرب على ضوء هذا الانفجار الذي تتسع رقعة المواجهات فيه يوما بعد يوم؟ أين الذين كانوا يرفعون الصوت عاليا في وسائل إعلام عربية قبل أسابيع، وهم يشهرون بالمواقف التركية والصفقات المعقودة مع موسكو من وراء ظهر الشعب السوري؟ ولماذا اختفت تحليلات واستنتاجات التواطؤ بين أنقرة ودمشق بمبادرة روسية، تنهي آخر جيوب المعارضة السورية، وتفتح الطريق أمام قوات النظام للتقدّم نحو الحدود التركية السورية؟

لم يكن النظام السوري ليتحرّك في إدلب، لولا الضوء الأخضر الروسي، في محاولة لاختبار قوة الفصائل وقدراتها على عرقلة “دفرسوار” الاختراق، والانتشار داخل منطقة تخفيض التوتر المتفق عليها بين أنقرة وموسكو في سوتشي. يدفع النظام في هذه الساعات ثمن هذه المغامرة عسكريا وبشريا وروسيا، تتحمل مسؤولية الهزيمة سياسيا أمام تركيا والمجتمع الدولي، طالما أنها هي التي قرّرت تعطيل الاتفاقيات. وكلاهما يشكر على الجهود التي بذلها نحو دفع الفصائل إلى الوحدة الميدانية والتنسيق العسكري لرد العدوان.

محاور القتال التي يرتفع عددها في إدلب بين خياري الانتحار العسكري المكلف على الجميع أو الذهاب نحو عملية خلط أوراق سياسية جديدة باتجاه التسويات في سورية. وقد تجاوز الصراع في إدلب تفاهمات أستانة وسوتشي، وهو ينتقل رويدا رويدا إلى مواجهات سياسية، تفتح الطريق أمام طاولاتٍ بأشكال متعدّدة، وزوايا وأضلع مختلفة، وفي عواصم كثيرة. وقد غامرت موسكو اللاعب الأقوى في الملف السوري في الرهان على النظام، لتسجيل انتصارات عسكرية تفرضها على أنقرة، فوجدت نفسها وسط نيران أسلحة الثوار النوعية والأكثر فاعلية وسط تكتم تركي جارح. وليست واشنطن بريئة طبعا هنا، فهي التي وقفت إلى جانب أنقرة في موضوع إدلب منذ البداية، وحرّكت مفاجأة السلاح الأميركي النوعي المستخدم في مواجهة النظام والروس أخيرا.

الكرة في ملعب الفصائل أولا، وهي التي تملك القرار: إما مواصلة فتح الجبهات الجديدة في الشمال، وبينها جبهة الساحل، والإعلان أن الحرب بعد الآن هي مع روسيا بكل ثقلها، أو منح أنقرة وواشنطن وبعض العواصم العربية هدية هذه الانتصارات، لتجييرها إلى أوراق ضغط على الروس والنظام، لإلزامهما بخريطة طريق سياسية حقيقية حول المرحلة الانتقالية في سورية.

خيارات الكرملين محدودة أيضا بعد الآن: التصعيد العسكري المباشر، نيابة عن قوات بشار الأسد التي فشلت في تنفيذ الأوامر، ومواصلة سياسة الأرض المحروقة التي بدأتها قبل أسابيع في شمال غرب سورية، أو قبول الجلوس أمام طاولة إقليمية ودولية فيها كثير من التراجع والتنازلات لصالح تفعيل المرحلة الانتقالية في سورية. وقد تابعنا حجم انفعال روسيا قبل أيام في نيويورك، حين كان مندوبها في مجلس الأمن يجهد لتعطيل مشروع القرار الكويتي بطابع إنساني إغاثي حتى. لا أحد يتوقع من موسكو الغاضبة، وسط كل هذه السيناريوهات، أن تلجأ لتزويد النظام بالسلاح النووي لقتل السوريين كلهم في الشمال الغربي، بهدف إيقاف هجمات الفصائل، وإعادة الاعتبار لصورتها المهزوزة، وللرد على مصادر تسليح المعارضة في الآونة الأخيرة.

وستكتشف موسكو، على ضوء الحوار الأميركي، استحالة طرح سيناريو استراتيجي إقليمي في مواجهة واشنطن، يجمعها مع الصين وإيران وتركيا، لأن شركاءها المفترضين يعانون من صعوبة الخوض في مغامرةٍ من هذا النوع. ولأن موسكو نفسها التي تغاضت عن الهجمات الإسرائيلية للمواقع الإيرانية الحسّاسة في سورية، ورفضت بيع الإيرانيين صواريخ إس – 400، وعرقلة خطط وصول الطاقة الإيرانية إلى أوروبا، قد تجد نفسها تساوم واشنطن على مستقبل التسويات السياسية والدستورية في سورية، وتعرض على أنقرة مهادنة واشنطن وعدم إغضابها أميركا أكثر من ذلك في صفقة الصواريخ.

وقد تجد موسكو في الملف السوري نفسها ملزمةً بمفاوضة واشنطن وتل أبيب على الورقة الإيرانية أولا. ثم قد تجد نفسها ذاهبةً وراء عروض مقايضة علاقاتها بأنقرة في أكثر من ملف ثنائي، وإقليمي ثانيا، إذا ما شعرت أن حظوظها وفرصها تتراجع في خرائط التحرّك الاستراتيجي الإقليمي الذي يشمل الطاقة والتجارة والوصول إلى الممرّات المائية. وقد تكون علاقاتها بالصين في المرحلة الثالثة أيضا تحت رحمة المساومات والصفقات أمام الطاولة الثنائية مع أميركا في قمة اليابان، والطاولة الثلاثية التي يجري الإعداد لها في تل أبيب، والتي ستكون بمشاركة مستشاري الأمن القومي في إسرائيل وأميركا وروسيا. ولكن هناك عواصم عربية وأوروبية كثيرة سترحب بحوارٍ من هذا النوع، يقود إلى إضعاف إيران وتركيا وإخراجهما من معادلات إقليمية كثيرة.

على جبهة أخرى، وفي مكان آخر، تريد واشنطن من أنقرة مراجعة علاقاتها بروسيا، وتركها تفعل ما تريده في الملف الإيراني، وتليين مواقفها حيال إسرائيل، وقبول ما تقوله في موضوع شرق الفرات. ويكرّر المبعوث الأميركي المكلف بالملف السوري، جيمس جيفري، على مسامع الأتراك منذ فترة أن التراجع التركي في إدلب، أو الدخول في تفاهماتٍ أمنيةٍ جديدةٍ مع الروس باتجاه قبول سوتشي معدل ستكون تبعاته مكلفة، لأنه سيطلق يد روسيا في سياسة القضم التدريجي لآخر جيوب المعارضة، ويسحب منها آخر أوراقها العسكرية والسياسية في سورية.

تريد واشنطن من أنقرة أيضا، وهو التحرّك الأهم، أن تتعاون معها للتقريب بين قوى المعارضة السورية في شرق الفرات وغربه، وتوحيد صفوفهما تحت سقف مسار جنيف جديد، يأخذ مكانه بدلا من تفاهمات أستانة وسوتشي التي لم تقدم الكثير على الأرض. ولكن خطوة تركية من هذا النوع مرهونةٌ حتما بتحرّك أميركي نحو إنهاء حالة “وحدات حماية الشعب” والمجموعات الكردية المرتبطة بزعامات كردية في جبال قنديل وبقرار حزب العمال الكردستاني في شرق سورية. وستكون المساومة التركية الأميركية إذا على حسم ملف جبهة تحرير الشام في غرب الفرات، مقابل إنهاء عقدة حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) في شرقه.

يتفاعل سباق طاولات الحوار الثلاثي بين أنقرة وتل أبيب، فمن هو الذي سينجح في ترتيب هذه الطاولة، والجلوس جنبا إلى جنب مع الروس والأميركيين، لبحث مستقبل الملف السوري ويعلن ولادة يالطا جديدة؟ ما زالت عواصم عربية وخليجية تمنّي نفسها بإشعال المواجهة التركية الروسية الإيرانية في سورية، وهي تراهن في ذلك على التلطي وراء أميركا وإسرائيل، وفتح قنوات الحوار مع دمشق. لا يهم من سيدير شؤون المنطقة، ومن سيتحكّم بقراراتهم ومواقفهم، المهم هو التحرّر من الضغوط التركية والإيرانية. وهذا جيفري يقول إن بلاده وروسيا يختبران إمكانية فرص التعاون بينهما حول الملف السوري، وإنه إذا ما نجحت البداية في موضوع وقف إطلاق النار في إدلب، فستبدأ مرحلة اتخاذ القرارات الصعبة.

هو تنافس أميركي روسي على تقديم الهدايا لأنقرة لإرضائها وإبقائها إلى جانبهم، لكن الأتراك قلقون أيضا من أن تتحول هذه الهدايا إلى قنابل موقوتة جاهزة للانفجار. وتركيا تعرف جيدا أنها أمام ورطة الخروج من الصفقتين بيد فارغة، إذا حصل التفاهم الأميركي الروسي بوساطة إسرائيل وبعض العواصم العربية.

العربي الجديد

إدلب وضرورة الفعل السوري/ حيّان جابر

يتصاعد الإجرام الأسدي والروسي تجاه مدينة إدلب وأرياف محافظة حماة وسكانها المدنيين يوما بعد يوم، ما ينذر بمجازر يومية بحق الأبرياء، وخصوصا الأطفال منهم، في ظل صمتٍ تركي ودولي، يؤكد على مسؤوليتهم السياسية والأخلاقية في المقتلة السورية الممتدة منذ ثماني سنوات، إذ تبدو الصور والأحداث المأساوية في هذه المناطق اليوم كأنها نسخة طبق الأصل عمّا حدث في سائر المدن والبلدات السورية، وخصوصا في كل من حلب وغوطة دمشق الشرقية، وكأننا مقبلون على المصير نفسه، المتمثل في سيطرة النظام أو الروس عليها كاملة، عبر انسحاب قوات المعارضة المسلحة، أو عبر اتفاقيات المصالحة الروسية غالبا، كما حدث في محافظة درعا. لذا، وكي نتمكّن من مقاربة الواقع الراهن، بكل تعقيداته وتشابكاته، لا بد من العودة قليلا إلى تحليلين أوردتهما في مقالين، “إدلب ضامنة التوافق الدولي” في “العربي الجديد” (18/9/2018)، و”انسحاب أمريكي لخلط الأوراق” في موقع جيرون (23/12/2018)، حاولا مقاربة الواقع في حينه، فجاء في الأول أن مصير إدلب مؤجل حتى تنفيذ الروس تعهداتهم الدولية، وخصوصا مع تركيا، وهو ما عكسه الاتفاق الروسي التركي في سبتمبر/ أيلول 2018، من دون أن يغفل المقال الإشارة إلى خطورة الاستكانة والتعويل على قدرة التوافق الدولي على حماية المدن والبلدات والمدنيين السوريين، في الأمدين، البعيد والمتوسط. في المقابل، عبّر الثاني عن مركزية الدور الأميركي في سورية، بغض النظر عن حجم وجودها العسكري، أو حتى انعدامه، والخلاصة أن تغريدة الرئيس الأميركي، ترامب، بقراره الانسحاب من سورية خلط للأوراق الدولية وإثارة للخلافات، وزعزعة الثقة بين الأطراف الدولية الفاعلة والمؤثرة في سورية.

وعليه، يمكن القول إن الإجرام الروسي الراهن تهديد لإظهار قدرة روسيا على فرط التوافق الدولي، والعودة بالصراع إلى مربعه الأول؛ فعلى الرغم من كل الإجرام الروسي والأسدي الممارس اليوم في إدلب ومحيطها، إلا أنه ما زال محكوما برغبة روسية حقيقية لاستعادة زمام السيطرة على مسار التوافق الدولي وتفاصيله، بعد العبث الترامبي به، ما قد يعني للأسف استمرار حمام الدم في الفترة القصيرة المقبلة، بالتوازي مع محدودية استحكام سيطرة القوات المحسوبة على الأسد ميدانيا، بمعنى أنه قد تخضع بعض البلدات لسيطرة النظام اليوم، والمعارضة غدا، وهلم جرا، حتى عودة التوافق الدولي أو تحطمه كلياً. وقد تعمد الروس تنفيذ تهديدهم هذا في هذه المرحلة تحديدا، من أجل استغلال الأوضاع التركية الداخلية، قبل جولة إعادة الانتخابات البلدية في إسطنبول، والتي تقيد سياسات الرئيس التركي، أردوغان، الخارجية، ومنها السورية، حائلة دون التصعيد مع روسيا، أو الأكراد، أو حتى الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يمنح الحملة الروسية مزيدا من الوقت، وربما يمكّنها من فرض تغييرات ميدانية مهمة، وإن كان مستبعدا حدوث خرق ميداني كبير في المدى المنظور.

من ناحية أخرى، حوّلت التغريدة الترامبية مسرحية شد الحبل التركية إلى كابوس حقيقي، إذ تقلصت قدرة أردوغان على التظاهر بأهميته الدولية، وتحدي القوى الكبرى أو معاندتها، وخصوصا الولايات المتحدة وروسيا، وهو ما وضعه أمام خياراتٍ صعبة، وحاسمة، وربما حتمية، بين الإذعان الكامل والواضح للسياسة والإدارة الأميركيتين، حتى بما يخص العلاقة مع القوات الكردية المدعومة أميركيا في سورية، أو مغادرة المركب الأميركي كاملا، والقفز نحو المركب الروسي، الأمر الذي يقلّص من قدرة تركيا على مراوغة الروس، وفرض الحد الأدنى من مصالحها. وهو ما ينعكس من خلال الهدوء التركي إعلاميا وسياسيا، مقارنةً بالصخب والغضب العارم قبل توقيع الاتفاق الروسي التركي العام الماضي، وكذلك تجاه القوات الكردية، والشروط الأميركية العسكرية والسياسية، على التوازي مع دعم خفي أو غير معلن لقوات المعارضة السورية في إدلب عسكريا، عبر دفع فصائل غصن الزيتون ودرع الفرات نحو مؤازرة المعارضة في معركتها مع روسيا والأسد، ومن خلال تزويدها بمضادّات الدروع، بما يبدو أنه تلويحٌ بقدرة تركيا على مجابهة التهديد الروسي المباشر وغير المباشر، مع تجنب التصعيد العسكري في الوقت الراهن، على أمل أن تفتح الأيام المقبلة المجال أمام عودة اللغة والتفاهم السياسي بينهما.

تسعى تركيا في هذه المرحلة الحرجة التي تسبق جولة إعادة الانتخابات البلدية في إسطنبول إلى احتواء التهديد والضغط الروسي، عبر أعلى درجات ضبط النفس، سياسيا وإعلاميا، ومن خلال تعزيز قدرات المعارضة السورية الدفاعية في المناطق المستهدفة، لكن ماذا إن أوغلت روسيا في عدوانها وصعّدت من حدة رسائلها وخطابها تجاه الحكومة التركية، خصوصا بعد الانتخابات، أو إن تمكّنت من دفع المعارضة نحو الانسحاب التدريجي أو السريع؟ عندها قد نكون أمام عودة الصراع الدولي بأبشع أشكاله، وهو ما قد يمتدّ إلى خارج محافظة إدلب وريف حماة، عبر استهداف بعض أهم القيادات والمراكز الأمنية والعسكرية الأسدية، نتيجة تحريك أو دعم تركي سري وعلني لبعض المجموعات النائمة داخل مناطق سيطرة النظام، مع تجنّب المساس بالمصالح والمنشآت الروسية أو الخاضعة للحماية الروسية في البدايات، ما يشكل تهديداً تركياً بإمكانية استهداف القوات والمصالح الروسية داخل سورية مستقبلاً.

في المحصلة، واضحٌ أن إدلب وسورية وقعتا رهينة التجاذبات والتوافقات الدولية منذ مدة طويلة، وأن السوريين عاجزون اليوم عن درء مكائد الدول وألاعيبها القاتلة، بعيدا عن أنفسهم ووطنهم، كما يتضح أن المرحلة المقبلة لن تقل سوءا عما سبقها، بل قد تكون أسوأ وأبشع وأشد عنفا وإجراما، وهو ما يفرض على الشعب السوري مزيداً من الحزم والإصرار والوضوح والدقة، والتمسك بأهداف الثورة الوطنية، القائمة على هدم حصون الاستبداد والاستغلال، وطرد القوى المحتلة الجهادية والطائفية والدولية، فلا فرق يُذكر بينهم، ولا جدوى من الرهان على هذا الطرف أو ذاك، فغالبا ما يتصارعون عبر قتل السوريين، وتفريقهم وتدمير وطنهم، وواضح أن صراعهم وتجاذباتهم كثيرة ومتعددة، وقد لا تنتهي إلى سنوات عدة. في حين يبدو أن العمل الوحيد الناجع يتمثل في صوغ برنامج وطني تحرري سياسي ونضالي، يسعى إلى تحرير سورية وتشييد دولة العدالة القانونية والمساواة الاجتماعية والديمقراطية السياسية، والإنتاج المتطور اقتصاديا، وإن بان بعيداً اليوم.

العربي الجديد

معركة إدلب وانهيار الاقتصاد/ فاطمة ياسين

يعيش النظام السوري لحظات اقتصادية صعبة، ويزداد الوضع سوءاً مع فقدان المشتقات البترولية اللازمة للنقل والتدفئة. قد يقلّل دخول أشهر الصيف من معاناة النقص بعض الشيء، ولكن أزمة وقود السيارات قائمة. يحاول النظام أن يدير النقص بطريقة توزيع المعاناة من خلال ما سميت “البطاقة الذكية” التي تقنن عملية التوزيع، وتزيد الإجراءات أمام المواطنين للحصول على الوقود، وهذا يؤمن أيضاً ظرفاً مناسباً للفساد الذي يشكل قاعدة أساسية من قواعد النظام.

على الرغم من شعارات النصر التي يرفعها النظام في وجه معارضيه، وعلى الرغم من مظاهر الاستقرار التي حظيت بها بعض المناطق، إلا أن الليرة السورية ما زالت تواجه سقوطاً بعد الآخر، يمكن اعتبار هذه المكابدات الاقتصادية من آثار العقوبات الأميركية المشدّدة على إيران، وتقلص قدرتها على تمويل النظام، والصعوبة في إيصال الخامات النفطية إلى الموانئ السورية، ولكن السبب الأساسي في الغالب، يعود إلى الشكل شبه النهائي الذي أصبحت عليه سورية المفيدة.

اتفق ترامب مع مستشاريه على وضعية القوات الأميركية في الشمال السوري، بعد حالة شد وجذب ترجح بقاءها أو عدمه، وتقرَّر أن تبقى بعض القوات في أماكن، وتعزَّز في أخرى، الأمر الذي يوصل رسائل مطمئنة للكرد المسيطرين على المناطق الشرقية، ورسائل أخرى إلى النظام والروس لإزالة هذه المنطقة من اعتباراتهم، ما يعني أن النظام فقد إمدادات نفطية مهمة، وتوريدات مائية كبيرة من نهر الفرات، وهذا الوضع مرشّح لأن يستمر مدة طويلة جداً، وقد لا يتوقف على شكل الرئاسة المقبلة في الولايات المتحدة، فهناك مصلحة أميركية بالحفاظ على هذا المستوى من الوجود لتأمين معادِل للوجود الروسي في المنطقة. ومهما كان شكل التوافق الذي يمكن أن يحصل بين النظام والكرد، فلن ينال النظام بالنتيجة أي مكتسبات من دون أن يدفع أثماناً باهظة، فوجود أميركا سيعطي للمنطقة التي يسيطر عليها الكرد شكلاً استقلالياً تفاوِض النظام من خلاله، وهذا يشكل أعباءً اقتصادية جديدة على النظام، فالداخل السوري يكاد يكون بلا مخزون نفطي يذكر، ما قد يدفعه إلى الاستيراد من المناطق الشرقية أو من غيرها، وهذا يتطلب البحث عن كتلة نقدية ضخمة للتمويل.

في الوقت نفسه، تمتلك روسيا خططاً طويلة الأمد في سورية، فحجم الاستثمار العسكري والسياسي فيها كان ضخماً طوال السنوات الثماني السابقة، وهي تخطط لتستعيد كل ما أنفقته على شكل أقساط غير محدّدة المدة، فتقوم الآن بتشغيل قاعدة عسكرية، تطلّ بها على المتوسط من مكان استراتيجي. وكانت قد بنت قاعدة جوية واسعة في حميميم، بعد أن أخلتها من كل ما هو سوري. وكان مطار حميميم في السابق مهبطاً لطائرات مدنية تم تحويل مسارها إلى مكان آخر، ليشعر الروس براحة تامة. وضمن خطة روسيا لجني العوائد، تم البدء بتشغيل ميناء طرطوس مدة طويلة. ولأنها لا ترغب بالاستثمار في بلد خاسر يعاني من أزمات، بدأت روسيا معركةً في إدلب، تريد أن تستعيد فيها المدينة الزراعية الخصبة التي تقع في منطقة غزيرة الهطول المطري (أكثر من 250 ملم في العام)، وتمتلك أراضي زراعية شاسعة، تؤمن مردوداً اقتصادياً مهماً، ولكن المعركة في إدلب طويلة الأمد، ولا تشبه المعارك التي جرت سابقاً.

الجائزة الكبرى التي يمكن أن تحصل عليها روسيا هي بداية التنقيب عن كمياتٍ مهمة من النفط والغاز على سواحل شرق المتوسط، وهذا بحاجة إلى تنسيق أكبر مع الجانب الإسرائيلي، وهي مرحلة مقبلة بلا شك، لكنها ستتم بعد استقرارٍ مطلوبٍ لتحديد التموضع النهائي لكل الأطراف، وتحديد الحجم الإيراني، وهو ما سيتم الاتفاق عليه في المؤتمر الأمني المقبل في القدس بين روسيا وأميركا وإسرائيل. وإذا حدث ذلك الاتفاق كما يرغب الروس، فسيكون للجغرافيا والاقتصاد في سورية وضع كئيب.

العربي الجديد

باسم الراحلة جو كوكس.. حملة بريطانية لإنقاذ إدلب

أطلقت منظمة “Help Refugees” (ساعدوا اللاجئين) البريطانية، الأحد، حملة تدعو لإنقاذ إدلب من قصف قوات النظام وروسيا، بالتزامن مع الذكرى الثالثة لمقتل النائبة البريطانية جو كوكس، التي كانت من أبرز الأصوات الداعية لمساعدة السوريين.

وطالبت المنظمة عبر موقعها، مشاركة الشعب البريطاني في دعوة السياسيين في بلادهم للتركيز على أهم قضية كانت تشغل بال كوكس قبل اغتيالها، وهي الإغاثة الإنسانية في سوريا. كما نشرت المنظمة رسالة مفتوحة كتبتها شقيقة كوكس، كيم ليدبيتر، طالبت فيها السياسيين بتوجيه أنظارهم نحو إغاثة سكان محافظة إدلب السورية، التي تتعرض لحملة عسكرية من طرف النظام السوري وحلفائه.

وجاء في الرسالة التي وقع عليها كل من النائبة آليسون مكغوفيرن، والنائب توم توغيندات: “من أهم القضايا التي اهتمت بها جو كان الوضع الإنساني في سوريا. وللأسف، بعد ثلاث سنوات على وفاتها، تستمر معاناة المدنيين”، مضيفة أن مليون طفل محتجزون الآن في محافظة إدلب بمواجهة غارات النظام السوري وروسيا والبراميل المتفجرة، مع مقتل أكثر من 350 مدنياً خلال الأسابيع الستة الأخيرة وحدها، بينهم 75 طفلاً، بالإضافة إصابة ألف آخرين على الأقل، ونزوح ما يزيد على 400 ألف من بيوتهم للمرة الرابعة والخامسة وحتى السادسة، من دون أن يبقى لديهم أي مكان ليلجؤوا إليه.

ونقلت الرسالة ما كتبته كوكس قبل ثلاثة أعوام، في أثناء حصار حلب: “من غير الأخلاقي أن تتمنى توقف الحكومة السورية عن استخدام البراميل المتفجرة حينما تكون لديك القدرة على إيقافها”، مضيفة أن الملايين اليوم في إدلب يواجهون رعب البراميل المتفجرة ذاته، وطلبت من المرشحين لمنصب رئيس وزراء بريطانيا التحرك لإنقاذ الأطفال العالقين تحت القصف والحصار في إدلب.

وقامت المنظمة، مساء الأحد، بتوجيه إسقاطات ضوئية على مبنى البرلمان البريطاني، تضمنت اقتباساً من جو كوكس يقول: “إننا متحدون أكثر وبيننا صفات متشابهة أكثر مما يفرقنا”، بالإضافة لإسقاط ضوئي آخر على جدار السفارة الروسية في لندن جاء فيه: “العالم يشاهد جرائم الحرب الروسية”، وإسقاطاً آخر على مشفى “القديس توماس” كتبت المنظمة فيه: “بوتين هذا ليس هدفاً”، وفي إسقاط ضوئي آخر ذكرت المنظمة أن 29 مشفى تعرضت للقصف الروسي في إدلب خلال الأسابيع الستة الأخيرة.

ونشرت المنظمة عبر حسابها في “تويتر” تحت هاشتاغ #SaveIdlib صوراً لناشطين بريطانيين وسوريين مشاركين في الحملة الداعية لإنقاذ إدلب. فيما شارك ناشطون سوريون الصور، وبالتحديد صور الإسقاطات الضوئية المبتكرة والتي تكشف الدور الروسي في المشاركة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سوريا.

وتتعرض أرياف حماة الشمالية والغربية وإدلب الجنوبية لحملة تصعيد مكثفة، بلغت أوجها في 26 نيسان/أيار الماضي، أسفرت عن مقتل 659 شخصاً بينهم 189 طفلًا، ونزوح أكثر من 503 آلاف شخص، منذ 2 شباط/فبراير وحتى 9 حزيران/يونيو الحالي، بحسب فريق “منسقو الاستجابة”.

يذكر أن النائبة البريطانية جو كوكس اغتيلت العام 2016 على يد رجل خمسيني خلال وجودها في بيرستال، شمالي إنكلترا، للترويج لبقاء بلادها في الاتحاد الأوروبي. وعرفت كوكس بمواقفها الإنسانية وتأييدها لقضية لشعب السوري، والتنديد بالمجازر التي يرتكبها النظام السوري بحق المدنيين من قتل وحصار وتجويع، كما انتقدت سياسة بلادها المتذبذبة حيال التدخل لإنهاء معاناة السوريين.

وعقب وفاة كوكس أنشأت عائلتها صندوقاً لجمع التبرعات لمساعدة ثلاث جمعيات ومنظمات من بينها مؤسسة “الدفاع المدني” السورية، جمع نحو مليوني جنيه إسترليني.

    3 years ago today Jo Cox was killed. Remember her legacy by choosing love and compassion today and everyday. #SaveIdlib #MoreInCommon pic.twitter.com/F2alRM3I0s

    — Help Refugees (@HelpRefugees) June 16, 2019

    Every single day, Russia is bombing schools, hospitals and homes in Idlib. Yesterday projections were shown on the @RussianEmbassy London to remind them we’re with Syrians. #SaveIdlib بوتين: توقف عن قصف مشافي سوريا#

    CC @mfa_russia @RussianEmbassy @RSGovUK @RussiaUN pic.twitter.com/hf10K7cTIB

    — Help Refugees (@HelpRefugees) June 15, 2019

    29 hospitals have been bombed in Syria in 6 weeks. We wouldn’t let it happen in UK, why are we letting it happen in Syria? Cc @BorisJohnson, @Jeremy_Hunt, @michaelgove, @DominicRaab, @sajidjavid, @RoryStewartUK, @jeremycorbyn, @vincecable#SaveIdlib pic.twitter.com/wiTmt5yPcA

    — Help Refugees (@HelpRefugees) June 15, 2019

    So wonderful to see more people we admire ask our leaders to #SaveIdlib.

    Thank you @AlfDubs , @jessphillips @AedyAlice and @JackHarries for standing with the #onemillionchildren trapped in Idlib #chooselove pic.twitter.com/f3FI7P76L2

    — Help Refugees (@HelpRefugees) June 15, 2019

المدن

إدلب في الحسابات الروسية/ بسام مقداد

آخر ما كانت تريده وسيا هو أن تتصدر معركة إدلب ، قبل أن تتحول إلى معركة شاملة ، عناوين المواقع الإعلامية في العالم ونشرات الأخبار، وتضطرها إلى استخدام مايشبه “الفيتو” في مجلس الأمن للحؤول دون صدور بيان عنه بشأن المجازر، التي ترتكبها مع الأسد هناك الآن.  حتى الرئيس الأميركي ترامب بدا كناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان ، وهو يتوجه إلى روسيا والنظام السوري بشأن إدلب بقوله ” العالم يراقب هذه المجزرة . لماذا ، ماذا يعطيكم هذا ؟ توقفوا!” . لكن روسيا ، التي لم تكن لتلتفت سابقاً إلى ما يقوله السياسيون الغربيون والإعلام الغربي”المعادي لروسيا” ، تغيرت ظروفها الآن بنتيجة “انتصاراتها” على سوريا والسوريين، وليست مستعدة للسماح  بالمس بها في إدلب ، بل تسعى لتوظيفها في مخططاتها اللاحقة في سوريا والمنطقة ككل .

لكن إذا كانت الوقائع السورية قد تغيرت نتيجة “انتصارات” روسيا على السوريين منذا العام 2015، فإن مخططات روسيا لم تتغير، بل أصبحت أكثر وضوحاً وتحديداً . فهي لم تأت إلى سوريا ، فقط من اجل إعادتها إلى سلطة الأسد، بل هي اعتبرتها منصة مؤاتية للعودة إلى الشرق الأوسط وترسيخ نفوذها فيه . وبعد أن تمكنت من سوريا والسوريين خلال الأعوام الماضية، تسعى الآن لتثبيت الوضع الراهن، من خلال التعجيل بوضع دستور جديد لسوريا، وإجراء انتخابات نيابية وفرض استقرار الحكومة ، تمهيداً للمباشرة بإعادة إعمار البلاد ، على ما نقلته نوفوستي عن هآرتس الإسرائيلية. وهي تعمل لتوظيف سوريا “المستقرة” هذه ، ليس في خدمة للأسد، بل من أجل تحسين العلاقات القائمة مع السعودية وسواها من بلدان الخليج ، وإقامة تحالف إقتصادي مع مصر ومدها بالسلاح، والتخلص من العقوبات الأميركية والأوروبية وترسيخ وضعها في العالم ككل ، على قول الصحيفة .

وإذا كانت المعركة الدائرة في إدلب الآن، تسبب بعض الحرج لروسيا في علاقتها بتركيا ، التي تحرص عليها أشد الحرص، وتعتبرها بين أهم إنجازاتها السورية ، ترفض أن “تتقاسم” مع إيران سوريا ، التي تسعى لبلورة صورتها الروسية القادمة . وهي تعمل على تعزيز نفوذها في القوات المسلحة السورية، وتقوم بتدريب العسكريين السوريين عن طريق الشركات العسكرية الروسية الخاصة ، واصبح ضباطها يتولون مباشرة قيادة بعض الوحدات العسكرية السورية ، حسب الصحيفة. 

التناقض المتزايد بين روسيا وإيران في سوريا، جعل هآرتس تذهب بعيداً في توقعاتها لتطور الوضع في المنطقة ككل، وتتحدث عن تطابق في الموقف من إيران، بين كل من روسيا وأميركا وإسرائيل، أسفر عن ولادة فكرة اللقاء الثلاثي في القدس بين مسؤولي الأمن القومي في الدول الثلاث، أواخر الشهر الجاري. وتصف اللقاء العتيد هذا بأنه “غير اعتيادي” ، وبأنه لو لم يسفر عن أي شيئ ملموس ، فسوف يجعل إيران والشرق الأوسط ككل ، يفهمون أن “المحور الروسي الأميركي الإسرائيلي” ، يمكن أن يضع مشروع خريطة طريق لقيام شرق أوسط جديد .

قد تكون “الإخفاقات” الروسية في معركة إدلب الراهنة، التي تحدث عنها الإعلام الروسي في الأيام الماضية والتباطؤ الروسي الواضح في فتح المعركة على مصراعيها حتى الآن ، تعود ، في جزء منها ، إلى الآمال ، التي تعقدها روسيا على “المحور” الجديد في الشرق الأوسط ، وما سيسفر عنه اللقاء الثلاثي المنتظر أواخر الشهر الجاري. فقد تحدثت صحيفة الكرملين “VZ” في 7 من الشهر الجاري عن “إشاعات” عن انسحابات للوحدات العسكرية الروسية في سوريا في شمالي محافظة حماة. وتحدثت صحيفة القوميين الروس “SP” عن “هزيمة يتكبدها جيش الأسد في إدلب “، وقالت بأن معارك جديدة تنتظر روسيا في إدلب. ونقلت الصحيفة عن خبير عسكري روسي قوله ، بأن الإخفاقات الأخيرة لدمشق في معركة إدلب تعود إلى عدم كفاية الانضباط العسكري في جيش الأسد وتشكيلات المتطوعين التابعة له .

ويؤكد هذا الخبير ، بأن غياب الانضباط العسكري هي المشكلة الرئيسية في الجيش السوري ، والتي برزت سابقاً في المعارك حول دمشق وغيرها من الإتجاهات في بداية الصراع السوري . ويقول بأن العسكريين الروس حين توجهوا إلى سوريا ، لاحظوا كم يختلف مفهوم الجيش بين الروس والسوريين ، مما دفع الإختصاصيين الروس ، وما زال يدفعهم ، إلى القيام “بعمل هائل” من أجل التوصل إلى جعل العسكريين السوريين فعالين في المعارك الحربية . وهو يرى أن عمل الخبراء العسكريين الروس لم يسفر عن نتيجة مرضية سوى في فيلق عسكري سوري واحد ، أثبت فعاليته في حلب ودير الزور، أما بقية وحدات الجيش السوري، فما زالت حتى الآن تعمل على بلوغ المستوى الضروري المطلوب. وهو يرى أن التصعيد في العمليات العسكرية في إدلب حتمي، بعد أن فشل جميع الأطراف في التوصل سلماً إلى معالجة “معضلة” إدلب.

ونقلت الصحيفة عينها في 12 الجاري عن خبير آخر قوله ، بأن “روسيا تعد لهجوم كبير على إدلب”، ويفترض أن توقيت العملية العسكرية الشاملة ضد المقاتلين في إدلب ، تتعلق بسلوك هؤلاء ، وأن الأشهر القليلة القادمة قد تشهد وضع خطة عملانية ما، تبدأ العملية بعدها. ويرى أن موسكو سبق لها أن حذرت جميع الأطراف في إدلب ودعتها إلى الإلتزام ببنود الإتفاق حول نزع سلاح المحافظة ، إلا أن أحداً لم يستمع إلى هذه التنبيهات. وبدلاً من أن يشير إلى تركيا ويسميها بالإسم ، قال بأن ممثلي المخابرات الأميركية لعبوا دوراً مهماً في التصعيد الراهن للوضع ، وأن الجانب الروسي لن يتحمل طويلاً استفزازاتهم ، التي يعاني منها العسكريون السوريون وتعاني منها “سمعة روسيا”. وقال بأن موسكو عهدت بالمحافظة الى تركيا لتسوية وضعها وجعلها خالية من “الإرهاب” ، إلا أنه ، “وكما نرى” ، عجزت تركيا عن القيام بالمهمة ، ومازال السكان المدنيون والعسكريون السوريون يقتلون هناك ، مما يجعل “صبر روسيا” ينتهي قريباً ، وتبدأ العملية، التي “نضجت” منذ زمن بعيد ، ومن “لم يسمع لافروف ، سوف يضطر لسماع شويغو”، على قوله .

وحول مشاركة تركيا بالهجوم، الذي يتحدث عنه هذا الخبير، يقول بأن من المحتمل أن تكون المشاورات ناشطة الآن مع الجانب التركي من أجل استيضاح موقفه من هذه المسألة. إلا أن أنقرة، باعتقاده، تعترف بصحة موقف الجانب الروسي، الذي يدعمه السوريون والإيرانيون ، مما يسمح بإنهاء عملية “تنظيف” سوريا من المقاتلين. ويرى أن العملية بمجملها سوف يقوم بها الجيش السوري  بمساعدة وحدات الحرس الثوري الإيراني ودعم الطيران الحربي الروسي من الجو. ويعتقد هذا الخبير أن العملية قد تبدأ بعد انتهاء المشاورات مع تركيا خلال شهر أو شهرين من الآن، إلا أنه يستدرك هو نفسه ، ويقول بأن التنبؤات ليست أمراً مستحسناً ، وجميع الأمور قد تتغير في أية لحظة .

مشكلة روسيا التاريخية، على قول الروس أنفسهم، أنها تتوهم دائماً قدرتها على صداقة جميع الأطراف، والقفز فوق تناقضاتهم. فالإخفاقات الأخيرة ، التي أصابتها مع جيش النظام السوري في إدلب ، تحاول روسيا تقديمها ، إما بانها إشاعات لا غير، أو أنها تنازل غير معتاد من جانبها أمام صوت العالم ، الذي يحذر من كارثة إنسانية غير مسبوقة، أو بأنها تنازلات مؤقتة للجانب التركي، قبل فتح المعركة النهائية في إدلب ، التي تصورها بأنها ستضع النهاية للمقتلة السورية . 

المدن

صراع أميركي ـ روسي ـ تركي على مستقبل إدلب/ هدى الحسيني

أثناء زيارته الأوروبية غرّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب قائلاً: «سمعنا أن روسيا وسوريا وبدرجة أقل إيران تقصف محافظة إدلب في سوريا وتقتل دون تمييز المدنيين. العالم يشاهد هذه المجزرة؛ فما الغرض منها؟».

تدهورت الكارثة الإنسانية في إدلب منذ شهور، وهي تتبع استراتيجية مألوفة وفعّالة للرئيس السوري بشار الأسد مع التشبث بالسلطة. الجيش السوري يحاصر مقاتلي المعارضة في منطقة واحدة وينسّق مع القوات الجوية الروسية، ويهاجم المدنيين تحت ذريعة محاربة التطرف؛ في انتهاك واضح لاتفاق وقف إطلاق النار، ثم يسترد تدريجياً الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة.

لجأ نظام الأسد إلى هذه الاستراتيجية لاستعادة حمص، وحلب، والغوطة الشرقية، ودرعا، لذلك فإن اللامعروف في إدلب هو الوقت الذي يحتاجه النظام لاستعادتها والناس الذين سيموتون في هذه الحالة. تمثل الأحداث في إدلب ديناميكية أساسية للنزاع السوري الأوسع.

إن الخلاف بين الغرب ونظام الأسد وداعميه الإيرانيين والروس حول مستقبل سوريا، إلى جانب النفوذ الغربي المحدود على الأرض، مكّن النظام من أخذ ما يريده بالقوة، بينما تلجأ المعارضة المفككة وبشكل متزايد إلى التكتيكات المتطرفة. لكن الصراع في إدلب مختلف، والمخاطر بالنسبة لكل الأطراف الفاعلة هناك أعلى مما كانت في المعارك السابقة، ثم إن النظام وتقارب المصالح بين مؤيديه يحفزهم على اتخاذ نهج عدواني على الأرض؛ إذ يرى الأسد في معركة إدلب فرصة للسيطرة على ممر سوريا الشمالي بأكمله والتمتع بالمزايا التجارية التي ستحدث مع حدود مفتوحة على تركيا. وتشعر روسيا بالحاجة لتقليل تهديد مسلحي إدلب لقاعدتها الجوية في حميميم بمحافظة اللاذقية المجاورة. أما إيران فتراها فرصة لتعزيز نفوذ «حزب الله» ونفوذها في الشمال الغربي. أما المعارضة المسلحة فإن التهديد بفقدانها المساحة الأخيرة من الأراضي، غير المنطقة الشمالية الشرقية التي تسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية»، سيدفع الجماعات المعتدلة والراديكالية فيها إلى العمل معاً في المعركة لمقاومة غارات النظام وحلفائه.

يقول محدثي الغربي: الطرف الوحيد الذي لديه حافز لتغيير ما قد يكون صراعاً قوياً ومروعاً هو تركيا. تخشى أنقرة من أن يؤدي هجوم النظام على إدلب إلى تدفق مئات الآلاف من اللاجئين إلى الأراضي التي تسيطر عليها في شمال إدلب، وربما إلى تركيا، وتخشى أيضاً من أن يؤدي سقوط إدلب إلى نهاية النفوذ التركي في شمال غربي سوريا.

إن مصالح تركيا لتغيير مسار معركة إدلب واضحة، لكن الوسائل للقيام بذلك غير واضحة، قد تحاول تركيا وقف تقدم قوات النظام بزيادة دعمها العسكري للمقاتلين المتحالفين تحت راية «جبهة التحرير الوطني». وكان هؤلاء استعملوا صواريخ «تاو» وقدرات جديدة وفّرتها تركيا لدحر قوات النظام في كفر نبودة وفي أماكن أخرى. قد يبطئ تسليح المقاتلين سيطرة النظام على إدلب، لكنه لن يمنع حدوثها، ولن تستطيع أنقرة ترجمة دعمها للمعارضة بالسيطرة الكاملة على إدلب. لقد فشلت تركيا في إزالة مقاتلي «هيئة تحرير الشام (القاعدة)» من المنطقة المنزوعة السلاح التي وافقت على إنشائها في سبتمبر (أيلول) 2018، لذلك فإن تعزيز قدرة المسلحين على قتال النظام لن يؤدي إلا إلى إطالة العنف، وزيادة الخسائر في صفوف المدنيين، وتصعيد التوترات مع روسيا، وتعزيز عزم المقاتلين تطرفاً… والتي تشكل تهديداً للأمن التركي.

يضيف محدّثي: الطريقة الفعّالة لأنقرة من أجل حماية مصالحها في إدلب هي التطلع إلى روسيا بدلاً من علاقاتها مع المقاتلين، لإعادة التفاوض على اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في سبتمبر 2018. إن روسيا في حاجة إلى تركيا لمواصلة مشاركتها في محادثات آستانة التي تقودها موسكو حول مستقبل سوريا، وإعطاء الشرعية للمبادرة الروسية، ودعم رواية موسكو بأن روسيا، على عكس الغرب، قادرة على تحقيق الاستقرار هناك.

يقول: سوف تحتاج روسيا أيضاً إلى مساعدة تركيا لإعادة الإعمار في شمال سوريا في المستقبل؛ هذا إذا توفّر المال. خارج سوريا، تحتاج روسيا إلى تركيا لإكمال عملية شراء نظام الدفاع الصاروخي الروسي «إس – 400»، الذي ترى فيه روسيا تحقيقاً لهدفها في خرق العلاقة الأميركية – التركية، وتحتاج روسيا إلى تركيا لمواصلة استيراد الغاز الطبيعي، وأن تصبح قريباً مركزاً للغاز الروسي المتجه إلى أوروبا. هذه تشكّل وسائل ضغط تركية على روسيا لوقف إطلاق النار، كما يمكن أن تشمل عناصر أخرى لـ«وقف إطلاق نار جديد»، تعهدات من تركيا وروسيا بتعزيز آلية مراقبة الانتهاكات في كل أنحاء إدلب، وزيادة التعاون الاستخباراتي لتحديد عناصر «هيئة تحرير الشام»، للاستهداف المشترك، وتوسيع المنطقة المنزوعة السلاح لتشمل أجزاء من الطرق السريعة الرئيسية لإدلب. وفي المقابل؛ تتعهد تركيا بالتوقف عن تقديم الدعم العسكري لقادة إدلب الذين عملوا مع «هيئة تحرير الشام»، وقطع العلاقات التجارية مع الكيانات المرتبطة بالهيئة في إدلب، مقابل ضمانات بأن روسيا والجيش السوري لن يستهدفا المستشفيات.

لن يكون من السهل الحفاظ على مثل هذا الترتيب نظراً لكثير من المفسدين المحتملين على الأرض في إدلب، كما أنه لن يغير حقيقة أن نظام الأسد سوف يسترد إدلب عاجلاً أم آجلاً، لكن من شأن هذا أن يقلل من احتمالية وقوع إصابات جماعية على المدى القريب، ويوفر مساحة يمكن أن يظهر فيها ترتيب تفاوض دائم بشأن مستقبل إدلب، وهذا أمر ينبغي أن يشمل الجهات المدنية المدعومة من تركيا في المدينة.

إن «صفقة سوتشي» في سبتمبر 2018 دليل على أن تركيا وروسيا، رغم المنافسة في رؤيتيهما لمستقبل إدلب، يمكنهما التوصل إلى طريقة قادرة على خفض معدلات الإصابات، والعمل لوضع أساس للمناقشات السياسية.

يعرف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان كيف يعيش وكأنه لا أزمات تعصف ببلاده وطموحاته… يكون شاهداً على زفاف لاعب كرة القدم مسعود أوزيل في الوقت الذي أعلن فيه البنتاغون وقف تدريب الطيارين الأتراك على استخدام طائرات «إف 35»… تصل أسلحته إلى ليبيا وعيناه على نفطها… يخسر حزبه بلدية إسطنبول فيقرر إعادة الانتخابات. يقول إنه رجل يلتزم بكلمته؛ طبعاً تاركاً لها هامشاً لتفسيره الخاص. يعتقد أنه لا غنى للولايات المتحدة عن بلاده. لكن، وكما يقول مصدر أميركي، في حالة إدلب، تعرف واشنطن كيف تضغط على أنقرة وتدفعها للبدء في مفاوضات مع موسكو بشأن وقف جديد لإطلاق النار يمكن أن يمنع إدلب من أن تصبح حمص أو حلب أو الغوطة الشرقية أو درعا… وكلها مآسٍ سجّلها التاريخ بدماء أبريائها.

المشكلة الحقيقية أن دولتين بالتحديد أينما تدخلتا نشرتا الدمار والقتل؛ هما: تركيا وإيران.

الشرق الأوسط

المعارضة السورية تهاجم: انسداد آفاق التفاهم الروسي التركي؟/ أمين العاصي

يكشف الهجوم الذي بدأته فصائل المعارضة السورية، أمس الثلاثاء، على مناطق واقعة تحت سيطرة النظام والجانب الروسي في ريف حماة الشمالي، أن الموقف يتجه إلى مزيد من التأزيم، ما يدفع إلى الاعتقاد بأن تفاهماً تركياً روسياً حول مصير محافظة إدلب ومحيطها لا يزال بعيد المنال في الوقت الراهن. في المقابل، يؤكد النظام السوري أنه لا يريد مواجهة مع الجيش التركي، الذي لا يزال يستقدم تعزيزات إلى الحدود السورية التركية. وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أنه “قُتل 45 عنصراً على الأقل من قوات النظام والفصائل المقاتلة والجهادية في اشتباكات عنيفة اندلعت فجر أمس، الثلاثاء، إثر هجوم شنته هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) وفصائل مقاتلة أخرى ضد مواقع لقوات النظام في ريف حماة الشمالي”. وتسببت الاشتباكات بمقتل 31 عنصراً من الهيئة والفصائل مقابل 14 من قوات النظام.

ميدانياً، بدأت غرفة عمليات “الفتح المبين” التي تضم فصائل المعارضة السورية و”هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة)، في شمال غربي البلاد، أمس، عملاً عسكرياً على مواقع قوات النظام والمليشيات المحلية التابعة لها في ريف حماة الشمالي، في مسعى لتغيير معادلات الصراع على هذا الريف. وذكرت مصادر في الفصائل أن “مقاتلي المعارضة شنّوا هجوماً على مواقع عدة للنظام في مناطق كفرهود والجلمة والشيخ حديد، بعد تمهيد مدفعي وتفجير عربة مفخخة في تجمّع لمليشيات النظام في وادي العثمان، الواقع بين قريتي تل ملح والجلمة”.

وكشفت المصادر لـ”العربي الجديد”، مقتل العديد من عناصر النظام والمليشيات المساندة لها في الاشتباكات، إضافة إلى تدمير مدفع ميداني لقوات النظام على تلة الشيخ حديد بعد استهدافه بالقذائف المدفعية. وأشارت إلى أن “المعارك تدور على محوري الجلمة وكفرهود”، مشدّدة على أن “فصائل المعارضة تحاول السيطرة على نقاط جديدة واستعادة مناطق كانت قوات الأسد قد سيطرت عليها في مايو/ أيار الماضي”. وبحسب ناشطين محليين، تزامنت الاشتباكات مع غارات جويّة من طائرات النظام الحربية والمروحية والطائرات الروسية على معظم مدن وقرى ريف حماة الشمالي.

من جانبها، ذكرت وكالة “إباء” التابعة لـ”هيئة تحرير الشام”، أن “اشتباكات عنيفة تدور بين فصائل المعارضة وقوات الأسد على محاور عدة في ريف حماة الشمالي، بعد إعلان غرفة عمليات (الفتح المبين) انطلاق معركة جديدة”. من جهته، أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن “الفصائل المقاتلة تواصل هجومها العنيف على قريتي الجلمة وكفرهود بريف حماة الشمالي الغربي، وسط اشتباكات عنيفة مستمرة مع قوات النظام والمسلحين الموالين لها بدعم روسي، وفي ظلّ استمرار القصف الجوي والبري المكثف من قبل طائرات النظام الحربية والمروحية”.

ووثق المرصد السوري مقتل 9 من مقاتلي الفصائل خلال القصف والاشتباكات، و6 من قوات النظام والمسلحين الموالين لها، مشيراً إلى أن “طائرات النظام الحربية نفّذت غارات جديدة على مناطق في اللطامنة وحصرايا وتل ملح وأبو رعيدة والزكاة وكفرزيتا بريفي حماة الشمالي والشمالي الغربي”. في المقابل، ذكرت وكالة “سانا” التابعة للنظام، أن قوات الأخير “أحبطت هجوم مجموعات إرهابية على النقاط العسكرية في محور تل ملح بريف حماة الشمالي ودمّرت آلياتها وعتادها، بينها عربة مصفحة في وادي العثمان”، مشيرة إلى أن “المجموعات الإرهابية اعتدت بالصواريخ على بلدات كرناز والحماميات والشيخ حديد وكفرهود والجديدة والجلمة بريف حماة الشمالي”.

ويبدو أن هجوم الفصائل في شمال غربي سورية، يظهر استعادتها زمام المبادرة بعد الضربة التي تلقتها في مطلع مايو/ أيار الماضي، بل أوحت بامتلاكها القدرة على مباغتة قوات النظام والمليشيات المحلية المساندة لها واستنزاف قدراتها. وذكر قيادي في الفصائل المهاجمة لـ”العربي الجديد”، أن “الهجوم يستهدف توسيع دائرة الصراع وتكبيد قوات النظام خسائر جديدة تضاف إلى خسائرها الفادحة التي مُنيت بها خلال الشهر الحالي في جولات قتال عدة”، مضيفاً: “أثبتت الحملة من قبل النظام وداعميه الروس فشلها الذريع من خلال صمود الفصائل. هدفنا هو تحرير أراض جديدة وتعطيل خطط الروس والإيرانيين في الهجوم على المناطق المحررة”.

ورفض القيادي في الجيش السوري الحر العميد فاتح حسون، الخوض في تفاصيل وأبعاد هجوم الثلاثاء، لافتاً في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن “محاور الهجوم وتكتيكاته سرية غير معلنة”. غير أنه لفت إلى أن “اتخاذ قرار الهجوم المتتالي بعد صدّ هجوم القوات المعتدية من محاور جديدة، يجعل العدو يتخبّط ولا يتوقع خطوات تطوير المعركة، لا سيما في حال تحييد الطيران بسبب الالتحام المباشر”. واعتبر حسون أن “المعارك التي تجري منذ أكثر من 40 يوماً، هي معارك استنزاف دخلت بها قوات النظام وروسيا وإيران”، مضيفاً أنها “ستؤدي إلى إجبارهم على العودة للتهدئة، وربما الانسحاب إلى حدود منطقة خفض التصعيد. وهذا ما تعمل الفصائل الثورية مبدئياً على محاولة تحقيقه بكل تصميم وإرادة”. وأشار إلى أن “خسائر قوات النظام فادحة”، مضيفاً “هناك تقدماً للثوار في مناطق هامة، على الرغم من التدخل الكثيف للطيران الروسي، والزج بقوات إضافية من قبل النظام في المعركة”.

ويدفع الهجوم الذي تشنه فصائل المعارضة السورية إلى الاعتقاد بأن تفاهماً تركياً روسياً حول مصير محافظة إدلب ومحيطها لا يزال بعيد المنال. وترغب تركيا في العودة إلى التهدئة التي كانت موجودة وفق اتفاق سوتشي، كي لا تجد نفسها وجهاً لوجه مع موجات لجوء كبرى، إذ يضمّ شمال غربي سورية نحو 4 ملايين مدني، ربما يدفعهم القصف المستمر إلى اجتياز الحدود السورية التركية. وتطالب أنقرة بعودة قوات النظام إلى نقاط تمركزها قبل مايو الماضي، في حين تريد موسكو تثبيت وقف إطلاق النار وفق خارطة السيطرة الحالية، أي خروج 18 مدينة وبلدة عن سيطرة فصائل المعارضة السورية. وكانت فصائل المعارضة قد شنّت هجوماً في الفترة الأخيرة على قوات النظام، وسيطرت على منطقتي تل ملح والجبين في ريف حماة الشمالي، اللتين حاول النظام استرجاعهما أكثر من مرة إلا أنه فشل في ذلك.

إلى ذلك، أعلن وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم، أمس، أن نظامه “لا يريد أن يرى مواجهة مسلحة بين جيشي سورية وتركيا”. ونقلت وكالة “سانا” التابعة للنظام عن المعلم قوله خلال مؤتمر صحافي مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي في بكين، إن “إدلب محافظة سورية وسيتم القضاء على التنظيمات الإرهابية فيها”، مدّعياً أن “تنظيم جبهة النصرة الإرهابي يسيطر على معظم مساحة محافظة إدلب، ويتخذ المدنيين دروعاً بشرية، ومن حق وواجب الدولة السورية تخليص مواطنيها من الإرهاب”. مع العلم أن طيران النظام ومدفعيته قتلا وشرّدا عشرات آلاف المدنيين في ريفي حماة وإدلب منذ بدء التصعيد العسكري من قبله، مطلع فبراير/ شباط الماضي. بموازاة ذلك، ذكرت وكالة “خبر ترك”، أمس، أن “الجيش التركي أرسل، يوم الاثنين، تعزيزات عسكرية جديدة إلى منطقة هاتاي الحدودية مع سورية، تضم عدداً من قوات الكوماندوس والعربات المدرعة”. القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق