الناس

حرائق سورية: خطف لقمة الجياع – مقالات مختارة-

الثمار المنهوبة..مليشيات النظام السوري تسرق أراضي النازحين ومحاصيلهم/ ياسين المحمّد

[1-2]

فقد الثلاثيني السوري سعد عوض المحيميد أرضه الزراعية، بعدما استولت عليها قوات النظام التي سيطرت على قريته الحمرا، الواقعة شرقي مدينة حماة، والتي نزح منها قبيل “معركة السكّة الحديد”، التي شنّتها قوات النظام في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2017، بالتعاون مع سلاح الجو الروسي، وطاولت ريف حماة الشرقي وريف إدلب الجنوبي، ما أدى إلى نزوح 367 ألف و541 نسمة، وفقًا لما وثقته منظّمة “منسّقو الاستجابة” الإغاثية.

عقب النزوح استقدمت قوات النظام مليشيات من القرى المجاورة، ومنحتها الأراضي الزراعية المملوكة للأهالي، ونهبت ثمارها وأعادت زراعتها مرة أخرى، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تفاقمت معاناة المزارعين بعدما اشترطت قوات النظام ومليشياته دفع مبالغ تراوحت بين 200 ألف ليرة سورية و مليوني ليرة (ما بين 460 دولارا أميركيا و4400 دولار) في مقابل إرجاع الأرض لمالكها الحقيقي، وفق ما أكّده خمسة فلاحين التقتهم “العربي الجديد”.

وتقدّر الأراضي الصالحة للزراعة الواقعة في المنطقة التي سيطر عليها النظام، بنحو 400 ألف دونم، جلّها تُزرع إما بالزيتون أو الفستق الحلبي، بسبب توفّر شروط هذه الزراعات في تلك المناطق، وتنتشر الأراضي الزراعية المنهوبة في 30 قرية، منها المضابعة، الفان الوسطاني، الفان الجنوبي، الفان الشمالي، الجنينة، قصر المخرم، قصر أبو سمرا، الحويجة، البيره، البردونة، طيبة التركي، ذويبة، تل الذيبة، قنص، السمرا، القبارية، كراح، خفسين، الطامة، رأس العين، السماقة، أبو القدور، دوما، الحزم، عرفة وغيرها من القرى، بحسب ما أوضحه المهندس الزراعي عبد الله خليل، المطّلع على المنطقة.

نهبوا أرضنا

وثق معد التحقيق مقطعا مصورا تداوله ناشطون سوريون على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر قيام عناصر من “اللجان الشعبية” (مليشيا تابعة للنظام) بقطف ثمار الأراضي التي سيطروا عليها. ويظهر في المقطع الذي تحقّقت منه “العربي الجديد” عنصرين من “اللجان الشعبية” وهما يحصدان ثمار البطاطس، من إحدى الأراضي الزراعية في بلدة كفر نبودة الواقعة في ريف حماة الشمالي.

وبحسب المزارع المحيميد، فإن من تبقى من أهالي قريته أخبروه في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بأن قوات النظام استقدمت مليشيات اللجان الشعبية ووضعت يدها على أرضه التي تبلغ مساحتها 200 دونم (الدونم 1000 متر مربع).

وبعدما وصل النبأ إلى عائلة سعد المحيميد، باستيلاء المليشيا على أرضها ونهب محصولها من الشعير وإعادة زراعتها مرة ثانية، طلب والده تدخل وساطات وعمل على فتح قنوات حوار مع من سيطروا على الأرض، ولكن هذه المفاوضات ما لبثت أن فشلت فور بدئها، بسبب طلبهم مبلغ مليوني ليرة سورية، ما دفع بعائلة سعد لنيسان الأرض تمامًا، كما قال لـ”العربي الجديد”، مضيفا أن “ما يحدث لا يصدق، اللجان الشعبية اشترطوا تسليم الأرض في العالم القادم، بحجّة أنّهم زرعوها ويريدون أن يحصدوها ويبيعوا المحصول ثم يسلّموها”.

يوضح سعد أن الأرض ورثها والده عن أجداده، وتقع شرقي ناحية الحمرا جنوب قصر بن وردان بريف حماة، وأنّهم كانوا يزرعون بها الشعير ويحصدون الأشجار المثمرة كالزيتون، قائلا: “هذه الأرض كانت مصدر رزق العائلة الوحيد”.

شروط تعجيزية

وضعت المليشيات التي سيطرت على أراضي النازحين شروطًا غير قابلة للتطبيق في مقابل إعادة الأرض لمالكها وفق ما أوضحه الصحافي عبد الحكيم المحمد والذي نزح من ريف محافظة حماة الشرقي إلى مخيمات ريف مدينة معرة النعمان قائلا إن “30 قرية من الريف الشرقي وضعت القوات النظامية السورية ومليشياتها أياديهم على أراضيها بعد فرار النازحين من القصف والمعارك أواخر العام 2017”. وأضاف المحمد، أن معظم الأراضي خصبة وتحتوي على الكثير من آبار المياه الأرتوازية وتعد مصدراً أساسياً لدخل المزارعين.

ويوضح المحمد وخمسة نازحين تمت السيطرة على أراضيهم، أن طلبات المليشيات تضمنت ثلاثة شروط: أولها جلب ورقة براءة ذمة تثبت عدم وجود أي ضرائب على الأرض وعدم خضوعها لأي خلافات في المحاكم، وتصدر من وزارة الزراعة التابعة للنظام، وهو ما يحتاج لأوراق ثبوية وسندات ملكية فقدها معظم أصحاب الأراضي خلال النزوح، أو تركوها في منازلهم عند هروبهم ولا يوجد سبيل لاستعادتها، فضلاً عن أن تلك المناطق ذات طابع عشائري تقوم على مبدأ التوريث من الآباء إلى الأبناء دون أي يكون هنالك أوراق ومعاملات رسمية، بحسب المزارع سعد المحيميد. أما الشرط الثاني يتمثل في دفع مبالغ مالية متفاوتة حسب مساحة الأرض ونوعية محصولها وتصل تلك المبالغ حتى مليوني ليرة سورية وهو ما لا يستطيع معظمهم تلبيته إذ نزحوا عن مناطقهم بملابسهم فقط، وليس لديهم القدرة على دفع هذه الأموال وفق ما أكدته مصادر التحقيق.

الخوف من الاعتقال

إلى جانب الشرطين السابقين، تفرض قوات النظام ومليشياته على عودة مالك الأرض وذويه إلى قريته، وهو ما شكّل عائقًا أمام المزارع حسين معيوف لاستعادة أرضه، إذ نزح مع زوجته وأطفاله الثلاثة من قرية جنة الصوارنة شرقي حماة إلى مخيّم الطليعة في معرة النعمان جنوبي إدلب، تاركاً خلفه بيته وأرضه المزروعة بالزيتون والتي تبلغ مساحتها 200 دونم، لكنها باتت الآن تحت تصرّف اللجان الشعبية منذ نزوحه عن القرية وفق ما قاله لـ”العربي الجديد”، مضيفا بحسرة: “الميليشيات التي سيطرت على أرضي قامت بحصاد ثمار الأشجار لموسمين”.

طلب حسين من أحد معارفه في القرية التوجّه لأرضه وسؤال الجهة التي وضعت يدها عليها عن سبب ما جرى، فأجاب رئيس المجموعة المسلحة المسيطرة في المنطقة: “هذه الأرض لن تكون إلا لأبناء الشهداء ممن قتلوا وهم يدافعون عن المنطقة”. يوضح معيوف أنّه بعد أشهرٍ من المتابعة ومحاولة استرجاع أرضه، وافقت مليشيات النظام على إعادتها مقابل ما سموه بـ “العودة إلى حضن الوطن” ودعته لترك المناطق التي تسيطر عليها المعارضة والعودة لقريته التي يسيطر عليها النظام، فضلاً عن دفع مليوني ليرة، وإحضار ورقة “براءة ذمة للأرض”، ما جعله يرفض خوفًا من تعرّضه للاعتقال عقب رجوعه.

سرقة المحاصيل

على الرغم من عدم نزوح جميع أصحاب الأراضي الزراعية من المنطقة المستهدفة شرقي سكّة حديد الحجاز، إلّا أن حصاد الموسم لم يسلم من سرقة مليشيات النظام السوري، كما يقول الثلاثيني سامر المرعي والذي نزح من قرية الفان شمال شرقي حماة، أواخر عام 2017، إلى مخيم “أخوة سعدة” في تجمع مخيمات ريف أطمة رفقة إخوته الثلاثة، تاركاً والدته وشقيقته وزوجها لرعاية أرضهم التي تقدر بـ30 دونماً. يقول المرعي لـ”العربي الجديد”: “في نهاية موسم الصيف الماضي، أجبرت قوات النظام والدتي على عدم حصاد أرضنا الزراعية، بحجة مشاركة أبنائها في التظاهرات ضد النظام”.

يشير سامر إلى أن الأرض كانت تُزرع بالقمح والشعير والبرسيم وأحياناً الحبة السوداء (حبة البركة) وتعتبر مصدر دخل العائلة الوحيد، وتابع: “في موسم حصاد عام 2018، كانت والدتي قد تكلفت الكثير من الأموال لبذار الأرض وحراثتها ورعايتها، وطلبت منّا تأمين مبلغ 200 ألف ليرة لإكمال الحراثة والبذار”. واستمرّ حال الأرض دون حصاد بحسب سامر إلى أن جاءت سيارة عسكرية إلى أرضه تحمل عناصر مدججين بالسلاح ومعهم موالين للنظام من قرى قريبة، وأجبروا زوج شقيقة سامر على الانصراف، ثم تابعوا عملهم في حصاد الأرض. وبعد الانتهاء، وضعوا كامل المحصول في سياراتهم وهو ما تكرر على يد مليشات “الدفاع الوطني” التابعة للنظام والتي استولت على حصاد أراضي المعارضين المتواجدين في مخيمات النزوح أو أقاربهم، وفق إفادته.

مخالفات قانونية

يشكّل استيلاء قوات النظام على أراضي أهالي المنطقة مخالفة للقاعدة رقم 50 من القانون الدولي الإنساني العرفي والتي تنص على حظر تدمير ممتلكات الخصم، أو الاستيلاء عليها، كما يقول المحامي محمد كرنازي والذي كان يعمل في محاكم محافظة حماة، ونزح هو الآخر إلى الشمال السوري، واعتبر القانوني السوري أن الخطوة التي قامت بها قوات النظام مع العناصر الموالية لها من لجان شعبية وعناصر الدفاع الوطني، هي تعدٍّ على قوانين النظام ودستوره، قائلا: ينص الجزء 1 فقرة ب من المادة 15 من الدستور السوري على أنّه “لا تُنتزع الملكية الخاصة إلا للمنفعة العامة وبموجب مرسوم ومقابل تعويض عادل وفقًا للقانون”. أما الجزء الثاني من المادة 15 فينص على أنّه “يجب أن يكون التعويض معادلًا للقيمة الحقيقية للملكية”، وأوضح كرنازي أنّه لا يوجد مسوغ قانوني بالسيطرة على أراضي يملكها مدنيون سوريون.

يشير المحامي إلى أن النظام السوري عمد إلى سياسة التضييق على معارضيه في الداخل والخارج، من خلال تجريدهم من حقوقهم المدنية والسياسية والحجر على أموالهم المنقولة وغير المنقولة ومنعهم من التصرف بها، مبيّنًا أن النازحين لم يكونوا خارج هذه السياسة، إذ وقعت حالات تصرّف مليشيات داعمة للنظام بممتلكاتهم ونقل ملكيتها بموجب وكالات قانونية في غياب أهلها، فضلاً عن السيطرة على الأراضي وكان آخرها قطف محاصيل الفستق الحلبي من أراضي ريف حماة وبيعه وحرمان مالكيه النازحين نحو الشمال السوري من جهدهم ومالهم.

الثمار المنهوبة ..حرائق القمح تدمر آمال المزارعين السوريين/ تحقيق – سعاد خبية

[2-2].

فقد المزارع السوري رضوان أحمد سليمان كنعو، وعائلته المكونة من 12 فردا، كل ما يملكونه بعد أن أتت النيران في 10 يونيو/حزيران الجاري، على محصول القمح قبل حصاده في أرضهم التي تبلغ مساحتها 300 هكتار (الهكتار الواحد يساوي 10.000 متر مربع) والتي تقع في قرية معشوق بمحافظة الحسكة.

يقدر كنعو خسارتهم بملايين الليرات إذ كان يتوقع جني قرابة 9 آلاف كيس (بمتوسط 100 كيلو غرام للكيس الواحد)، فيما أعلنت وزارة زراعة النظام السوري عن شراء طن القمح بـ 185 ألف ليرة سورية (360 دولارا أميركيا) للموسم الحالي.

وتعد أرض عائلة كنعو واحدة من إجمالي مساحات تصل إلى 45 ألف هكتار التهمتها الحرائق التي بدأت في 6 مايو/آيار الماضي في ناحية عين عيسى بمحافظة الرقة بحسب الدكتور فراس ممدوح الفهد أحد أعضاء المجلس المدني لمدينة الرقة (تابع لمليشيات سورية الديمقراطية).

واستمرت حرائق الحقول في شمال شرق سورية حتى 18 يونيو/حزيران الجاري، وفق تأكيد سلمان بارودو رئيس هيئة الاقتصاد في الإدارة الذاتية (تسيطر عليها مليشيات كردية شمال وشرقي سورية)، قائلا لـ”العربي الجديد”: “إجمالي الخسائر المالية للمزارعين في مناطق الإدارة الذاتية 20 مليار ليرة سورية (حوالي 38 مليون دولار)”.

تجويع المزارعين

وثقت معدة التحقيق خسائر محصول القمح والشعير التي تعرض لها 12 مزارعا من سكان قرى خرمر في تل حميس بمحافظة الحسكة، وتل أبيض، وقرية المحمودلي في محافظة الرقة شمال وسط سورية على الضفة الشمالية لنهر الفرات، وبري الشرقي التابعة إداريّاً لمحافظة حماة في منطقة السلمية، ومدينة إعزاز الواقعة شمال غربي حلب، وجبل الزاوية بمحافظة إدلب ومنهم المزارع محمد العبدالله في قرية خرمر، الذي يتحسر على محصول أرضه التي تصل مساحتها إلى 40 دونماً، (الهكتار يساوي 10 دونمات) بعد أن حولتها النيران في يوم 28 مايو/أيار الجاري إلى كومة من الرماد خلال ساعات، قائلا: “كنت أحلم بأن المحصول سيكفيني وعائلتي لمدة عامين متتاليين، كنت أتوقع حصاد 50 كيس قمح.. كلها ضاعت”.

ويروي عدنان القاطوف اللاجئ في ألمانيا مأساة عائلته التي تقطن في قرية “بلدة الهبيط” أقصى جنوب غرب محافظة إدلب، بعد أن التهمت النيران 26 دونماً من الأرض التي أشرفت على زراعتها والدته الثمانينية وأخته (48 عاما)، قائلا: “التهمت النيران محصول الكمون وحبة البركة وأشجار الفستق الحلبي إلى جانب القمح، بعد تحملهم تكاليف الزراعة المقدرة بخمسة آلاف دولار، والنتيجة عائلة مشردة في البراري” كما يقول القاطوف، مضيفا أن 130 دونماً أخرى تعود ملكيتها لأعمامه وجيرانه التهمتها النيران مع عشرات المزارع الأخرى.

وخسر المزارع سالم الجاسم، محصوله من القمح والشعير المزروع على مساحة 300 دونم، ووصل الحريق إلى أراضي الجاسم وعائلته من قرية بئرعاشق الواقعة غربي منطقة تل أبيض بمحافظة الرقة في 30 مايو/أيار الماضي كما يقول، مضيفا أن 600 دونم تابعة لعائلته نجت من الحريق، لأنها كانت بعيدة عن الجزء الذي احترق من أراضيهم.

الباحث السوري عبدالكريم درويش وصف في إفادته لـ”العربي الجديد” آثار تلك الحرائق بأنها مزيد من الإفقار والتجويع وإجبار المزارعين على هجر حقولهم، وهو ما يؤكده المحامي سعد فهد الشويش مسؤول حملة “محصولنا رماد” (أطلقها مجموعة من النشطاء من أهالي منطقة الجزيرة لمحاولة مساعدة الفلاحين المتضررين)، لـ”العربي الجديد”، واصفا ما يحدث للمزارعين، بأنها حرب أخرى على الإنسان السوري، خاصة بعد رصد حكومة النظام لـ 70 مليون دولار أميركي لشراء القمح من الفلاحين بسعر 185 ليرة للكيلو و135 لكيلو الشعير مع بداية موسم الحصاد، بزيادة 10 ليرة سورية عن موسم 2018، وهو ما رفع من سقف توقعات الفلاحين بربح وفير هذا الموسم، الأمر الذي أكدته مصادر التحقيق من المزارعين، ومنهم علي النايل وأقاربه الستة الذين أغراهم موسم الأمطار بزراعة القمح في 20 مزرعة بمدينة اعزاز، ليحصلوا على أرباح وفيرة، وتعاونوا على تأمين تكاليف زراعة المحصول، كما أن جزءاً من المبلغ، دين مؤجل، يقترضه بعض المزارعين من أقاربهم المقيمين أو اللاجئين خارج سورية، حتى يحين موعد الحصاد كما يقول لـ”العربي الجديد”. لكن حلمهم تبدد، بعد أن أتت الحرائق على مزارعهم، في حادثة لم يشهدوها قبلا تحت أي ظرف كما يقول.

وخاب توقع النايل في أن يعينه المحصول هو وأقاربه على تغطية نفقات المشاريع الصغيرة التي خططوا لها بالقول: “زوج أختي أبو أحمد يريد أن يرمم داره، وعمي الحاج قاسم بَترت قذيفة رجله، وهو بالكاد يستطيع الحركة، سيكون المحصول رافعة مهمة، تساعده على تأمين قوت عائلته الكبيرة وتزويج ابنيه، أما أنا فأريد تسديد ديوني الكثيرة”. وهو ما حدث مع الأربعينية السورية فاطمة عدنان إبراهيم، التي خاب أملها في ترميم منزلها الذي دمره القصف في السابق، بعد خسارتها هي وإخوانها لثمن المحصول الذي التهمته النيران القادمة من قرية جعبر، إلى قريتها في مركز المحمودلي، وفق ما قالته لـ”العربي الجديد”، قائلة إنهم جمعوا كل ما يملكون وباعوا ما يمكن بيعه واستدانوا الباقي لزراعة أرضهم الخصبة، مستدركة بحسرة: “نحن فقراء وما حدا بيعرفنا، ضعفاء وبحالنا، ما آذينا أحد. ليش يحرقوا المحصول”.

من يقف وراء الحرائق؟

بلغ إنتاج القمح في مناطق الإدارة الذاتية قرابة 900 ألف طن لموسم 2019، بعدما بلغ نحو 350 ألف طن في الموسم الماضي، وفق ما قاله بارودو، وبلغ إنتاج سوريا من القمح 1.2 مليون طن في عام 2018 وهو الأقل منذ 1989 وبعد أن كان 4.1 مليون طن سنويا قبل الحرب. وكانت سوريا حينئذ تصدر 1.5 مليون طن سنويا بحسب وكالة رويترز.

واستهدفت القذائف والقنابل الحارقة، المناطق السكنية ومزارع الحنطة الناضجة في كفر حلب بحسب درويش، مؤكدا أن الطائرات الروسية الداعمة لقوات الأسد ألقت بأربعة صواريخ في 28 مايو/أيار الماضي، قتلت 10 مدنيين وخلفت عددا كبيرا من الإصابات والدمار. وهو ما يؤكده القاطوف، مشيرا إلى أن الصواريخ والقنابل الحارقة والفوسفور المحرم التي تستهدف الحقول، هي التي تحرق المحصول.

ووقعت قذيفة واحدة في حقل السوري أبو وفيق شاكر، المزروع بالشعير في بلدته سهل الغاب بمحافظة حماة في 5 يونيو/حزيران الجاري، ما أدى إلى إحراقه بحسب تأكيده لـ”العربي الجديد”، مشيرا إلى أنه عاد إلى جبل الزاوية حيث يعيش، لزراعة أرضه المهجورة، رغم أن بلدته منطقة اشتباك وفي النهاية احترق المحصول كما يقول. فيما تجهل فاطمة سبب الحريق الذي التهم مزرعتها، لكنها تحمّل نظام الأسد، كونه السبب الأول في ما تعانيه، لكنها تعود لتقول: “الكلمة محسوبة علينا هون يكفينا خسارة بلا ما نخسر حالنا كمان”، مؤكدة أن الأهالي واجهوا النيران بأنفسهم بسبب عدم وصول سيارات الإطفاء وفق قولها.

في انتظار التعويضات

يرى المحامي سعد فهد الشويش مسؤول حملة “محصولنا رماد” بأن التعويضات مسؤولية كبيرة أوسع من أن يتم حلها عبر هيئات أهلية، فحجم هذه الكارثة الاقتصادية ممتد على مستوى التراب السوري، وفي كل يوم تضاف مناطق وخسائر جديدة.

ويقترح عبد الباري عثمان عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الديمقراطيين السوريين (تجمع سياسي يضم عدداً من الشخصيات السياسية السورية المستقلة أعلن عن تشكيله في 28 سبتمبر/أيلول 2013)، تشكيل لجنة خاصة تضم المتضررين في جميع أنحاء الجزيرة السورية تعمل على حفظ حقوقهم وتوثيقها والتحقيق في أسباب الحرائق والسعي للتأمين والتعويض وفق قوله لـ”العربي الجديد”، لكن المزارع علي النايل، لا يتوقع الحصول على المساعدة من أي جهة، فالحكومة المؤقتة كمرجعية إدارية في اعزاز ضعيفة كما يقول، ولا يكاد أثرها يظهر. أما المجالس المحلية فلا تقدم خدمات فعلية، حسب تعبيره.

العربي الجديد

سوريا.. حرب القمح/ بشير البكر

باتت سوريا أرض تجارب ومختبرا مفتوحا لكل شيء، وصارت متخمة بحروب من شتى الأنواع في طليعتها اختبار الأسلحة. واعترف الروس في عام 2016 أنهم جربوا نحو 165 سلاحا، من بينها أسلحة فتاكة من نمط القنابل الارتجاجية التي تزن الواحدة منها قرابة نصف طن (500 كلغ) من الديناميت، وتتمتع بقدرة تدميرية هائلة، وهذا ما تم استخدامه في حلب عام 2016 لفرض الاستسلام على المقاتلين ضد النظام.

ويمكن أن نسجل للنظام السوري براءة أكثر من اختراع، مثل سلاح البراميل للإبادة الشاملة ذات النمط البدائي، واستخدام السلاح الكيماوي وتلبيس التهمة للمعارضة. وكما أن الساحة السورية شهدت استخدام أسلحة محرمة دوليا، فإنها تحولت إلى مسرح لجرائم حرب أخرى وجرائم ضد الإنسانية مثل الإعدام من دون محاكمات والاغتصاب وترحيل البشر من بيوتهم وديارهم ومصادرة ممتلكاتهم. ولم يقف الأمر عند هذا، بل امتد إلى الحرب القذرة

التي تدور منذ عدة أسابيع، وتتمثل في حرق المحاصيل الزراعية في أرياف حماة وإدلب والسويداء وفي منطقة الجزيرة؛ الرقة، ودير الزور، والحسكة التي تضررت أكثر من غيرها.

ومن الواضح أن حرب القمح شملت عدة محافظات، وهناك أكثر من مستفيد منها، وشارك في إشعالها أكثر من طرف، في حين أن الفاعل ما يزال مجهولا، ولم تكلف الأطراف المسؤولة على الأرض نفسها عناء التحقيق وإصدار تقرير يحدد المسؤوليات. واللافت والمثير للاستفزاز أن الأطراف الدولية المعنية مثل الأمم المتحدة لم تتحرك من أجل إجراء تحقيق لتحديد المسؤولية عن الجريمة التي أصابت مئات الآلاف، وتركت جروحا كبيرة في قلوب الناس الذين لم يشهدوا موسما زراعيا ناجحا منذ أن وصلت داعش إلى المنطقة، وفرّخت الإرهاب والقتل والتهجير. ورغم أن داعش لم تعد موجودة على مسرح الأحداث فإنها أبت أن تمر هذه الجريمة من دون أن تكون لها حصة فيها، ولذا اعترفت بأنها أحرقت بعض المحاصيل في جنوب الحسكة.

ما حصل حتى الآن من حرائق في الجزيرة يشكل كارثة لا تقل هولا عما خلفته داعش وحروبها ضد الآخرين والحروب عليها، ومن الصعب تحديد حجم الأضرار التي ترتبت على إحراق مساحات كبيرة مزروعة بالقمح، طالما أنه لم يحصل تحقيق مستقل تشرف عليه جهة دولية محايدة مثل الأمم المتحدة. وما لم تتحرك قوى الأمر الواقع الموجودة على الأرض في الجزيرة، فإن الاتهامات الموجهة ضدها قابلة أن تصبح حقيقية

في ظل مؤشرات إلى أن القمح صار أحد الأسلحة التي يتم استخدامها على الساحة السورية، ومن ذلك المضاربة بالأسعار بين النظام وما يسمى الإدارة الذاتية الكردية في الجزيرة، والتي قررت في الختام منع أصحاب المحاصيل من بيعها بصورة حرة، وهذه خطوة قريبة جداً من المصادرة. وكشف أكثر من مصدر في الإدارة الذاتية عن أنها رصدت مبلغ 200 مليون دولار لشراء محصول القمح في الجزيرة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن محصول هذه السنة وفير جدا، وهو يفيض عن حاجة الاستهلاك في المنطقة، الأمر الذي يطرح كثيراً من علامات الاستفهام.

وتبقى المسألة التي لا تسقط بأي حال من الأحوال هي التعويض على المتضررين، ومن سيتولى ذلك؟ وهذا يتطلب فتح تحقيق لتحديد حجم الأضرار. وسواء تم تحديد هوية الفاعل أم لم يتم، وحتى لو كان النظام أو داعش هما من قام بإحراق المحاصيل فإن قوى الأمر الواقع هي المسؤولة، والتي يقع عليها تعويض المتضررين، وهذا يلزم الإدارة الذاتية والقوات الأميركية أن تتعاملا مع القضية بلا مماطلة وتهرب وتقليل من حجم الكارثة.

تلفزيون سوريا

الجزيرة العليا السورية.. الأرض اليباب التي أحرقها “مجهول”/ باز علي بكاري

أكثر من 40 قرية ومزرعة في ريف الحسكة في كردستان سوريا، وعشرات القرى في ريفي الرقة ودير الزور، احترقت محاصيلها من القمح بالكامل. آلاف الهكتارات المزروعة التهمتها النيران، في أقل شهرين.

كانت مدن المحافظات الثلاث الحسكة والرقة ودير الزور من المدن التي يشار إليها بالبنان، بأنها أقل المدن التي تعرضت لقصف النظام السوري خلال المقتلة السورية، وأنها أقل المناطق السورية تعرضاً للدمار.

كان هذا قبل أن يظهر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وليد جبهة “النصرة”، والمتغذي على بقية التنظيمات المتطرفة في سوريا. في ما بعد توسع التنظيم وبدأ شن هجمات على مدن المنطقة ليدمر التي لم تخضع له، وخير مثال على ذلك كوباني، التي أضحت أرضاً يباباً بعد هجوم التنظيم عليها قبل أعوام، وجثم على صدور المدن التي كانت له.

وحتى الأخيرة نالت من الدمار نصيبها أثناء حرب التحالف الدولي وقوات سوريا الديموقراطية على مناطق سيطرته، لتصبح الرقة اليوم عبارة عن أكوام من الحجر وحديد التسليح، إلى جانب قرى ومدن الرقة ودير الزور، بفعل مفخخات التنظيم وقصف طيران التحالف.

تنفس أهالي المنطقة الصعداء بعدما وضعت الحرب أوزارها، وتخلصت مدنهم من بطش التنظيم، واستبشروا خيراً بأن يكون هذا العام بداية جديدة لهم، بخاصة أن أهالي هذه المحافظات الثلاث يعتمدون في معيشتهم وترتيب مفاصل حيواتهم، على الزراعة.

الهطولات المطرية الغزيرة في شتاء هذا العام وربيعه، والمساحات الخضر، بشرت الأهالي بموسم حصاد يخفف عنهم ضنك العيش وتأثير سنوات الحرب والعيش في خوف من إرهاب تنظيم الدولة.

لكن، ما حصل في الفترة الأخيرة، أحال حالة الارتياح لدى أهالي المنطقة إلى غصة قد لا يدركها أحد منا، إلا من كانت له أرض زراعية، فيقسم روزنامة دورة حياته السنوية وفقاً لمنتوج الأرض.

نثر الأهالي نهاية العام المنصرم بذور القمح والشعير، بأيادٍ مرتجفة، وقلوب مقبوضة، من المصير المجهول للمنطقة، بخاصة أن مراحل الحرب على تنظيم “داعش”، كانت في نهايتها والمعارك كانت على أشدها مترافقة مع رسائل تهديدية من التنظيم بالانتقام لما آل إليه وضعه، إلى جانب تهديد ووعيد النظام السوري مدعوماً بروسيا بأنه سيهاجهم المنطقة للسيطرة عليها، كون النظام السوري ما انفك يعتبر نفسه مالك هذه البلاد بمن عليها، على رغم الخراب الذي ألحقه بها.

أما في مناطق كردستان سوريا، فكان للأهالي سبب إضافي وهو التهديد التركي المستمر، باقتحام المنطقة وشن حرب مفتوحة على قوات سوريا الديمقراطية كونه يعتبرها امتداداً لحزب العمال الكردستاني المصنف على لوائح أنقرة للتنظيمات الإرهابية. وهذه الأخيرة كانت الأشد وطأة على أهالي المنطقة والأكراد منهم على خصوصاً، كونهم يشهدون حتى اليوم ما حصل ويحصل لأقرانهم الأكراد في عفرين على يد الجيش التركي ومواليه من فصائل المعارضة السورية، ولعل مشاهد النيران اليوم وهي تلتهم قمح أكراد شرق الفرات تذكرهم بمشاهد النار وهي تلتهم أشجار الزيتون العائدة لأكراد عفرين، أيضاً زاد تخوفهم بعدما تكررت حالات استهداف حرس الحدود التركي “الجندرمة”، الفلاحين في المزارع التي تقع على الحدود السورية -التركية.

في السنوات الماضية من عمر الثورة السورية وحتى في الأعوام التي سبقت الثورة، لم تكن مسألة اندلاع الحرائق في الأراضي الزراعية خلال موسم حصاد القمح والشعير، صادمة، بخاصة مع ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة، لكن لم يحصل أن نشبت حرائق بهذا الحجم ولم تلتهم النار مساحات كبيرة مثل التي التهمتها في حوادث هذا العام.

المساحات الشاسعة التي التهمتها النيران وتوزعها على أكثر من محافظة في ظل تهديدات من أطراف عدة، وغياب أي تبرير طبيعي واضح، كلها أسباب تدفع للشك بوجود فاعل يقف وراء هذه الحوادث، ويسقط التهمة عن الطبيعة.

في مطلق الأحوال، كائناً من كان الذي يقف وراء الحرائق الحالية، سواء كانت بفعل الطبيعة أم بفعل البشر، فالضرر واحد والمتضررون كثر، وهم ضحايا في الأصل يحاولون النهوض بذواتهم من تحت حطام مدنهم، التي استنشقت في الأيام الأربعين الفائتة رائحة عرقهم ودمائهم التي سقوا بها زرعهم. والوقوف على حالهم وإلى جانبهم بات لزاماً على من يحكم هذه المنطقة ومن يدعمهم من دول، بخاصة أن ما يحصل الآن ينذر بسنة قد تكون الأصعب على سكان المنطقة، فنقص إنتاج القمح يؤدي إلى نقص مادة الطحين، الذي يعني نقصاً في إنتاج الخبز.

شهدنا في الثورة السورية، حصاراً لمدن، وقصفاً وتدميراً لأخرى، لكن الفاعل كان يجاهر بفعلته من دون استحياء، فيما فاجعة أهل الجزيرة فهي أن الأمر أشد وطأة من الحصار، وأكثر إيلاماً وتدميراً لحيواتهم، أما الفاعل فمجهول.

درج

حرائق سورية: خطف لقمة الجياع/ شفان إبراهيم

مرّت بضعة أسابيع على ليلة احتلال أرزاق الناس، أسابيع من الحزن والترقب والخوف والقلق والآمال الضائعة. شربت الأراضي الصفراء دماً يكفي لخنقها، وها نحن اليوم نقف على أطلال سواد حقولنا، نُنادي كما نودي من قبل “لن يسلم منها أحد”.

يدرك السوريون حجم مآسيهم، فينتقلون من أزمة إلى أخرى أسوأ، حتى بات بعضُهم يدعو إلى البقاء على الأزمات السابقة، عوضاً عن الدخول في أزماتٍ جديدة، مجهولة القواعد والترتيبات، فما أعطاه الله شتاءً أخذه غدر البشر صيفاً.

المشكلات المقبلة أكبر وأعمق من مشكلة الشعور بالحزن والأسى على فقدان المحاصيل، فكل واحد يتحسر على مشاريعه الصغيرة التي ارتهنت بنجاح موسمه الزراعي، وثمّة المشكلة الأكبر والأكثر تعقيداً على ثلاثة مُتغيرات مُتشابكة، موحية بالأزمة الخانقة التي ستعصف بالمنطقة، أولها: الأمن الغذائي للمنطقة، ففقدان قرابة 300 ألف دونم حتى تاريخ 13/6/2017 من أصل ثلاثة ملايين دونم مزروعة، وبخسائر قُدرت بــ11 مليار ليرة سورية، يوضح المشكلة المقبلة للنقص الحادّ في مادة الطحين، سواء للاستعمال المنزلي أو الأفران أو المطاعم. وماذا لو عمدت الدولة السورية إلى منع إرسال الطحين إلى محافظة الحسكة، ومع الشحّ الكبير في القمح المستورد للإدارة الذاتية من أساسه نتيجة فرق الــ 25 ليرة سورية لسعر الكيلوغرام بين تسعيرة الطرفين، وإرسال مؤسسات النظام للقمح المورد إليه، إلى دمشق، الساحل السوري، أو أي منطقةٍ أخرى تحت سلطته المُطلقة، فإن الإدارة الذاتية ستكون أمام امتحان وضعها على المحك، فهي غير مرغوبة من تركيا لأسباب معلومة، ولا أعتقد أن تفتح الأخيرة حدودها لأجل إنقاذ عدوتها، ولن يبقى أمام الإدارة سوى الإقليم الذي تفننت الإدارة بإحداث الأزمات وصناعة العداوات وحياكة التهم له، وخصوصا للحزب الديمقراطي الكُردستاني، ومع زيادة المساحات الزراعية المحترقة في الإقليم والمناطق المتنازع عليها، فإنها الأخرى ستسعى إلى تأمين خُبز مواطنيها، وتقديم يد العون للمنطقة الكُردية، لكنها سئمت من المبادرات لإيجاد حالة حسن التعامل ووحدة الحال مع الكُرد في سورية.

ثانيها: الأمن المجتمعي، خلال ثماني سنوات من الأزمة، على الرغم من مشاهد العنف والدمار المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتلفزيون و.. إلخ وتأثيرها على المتلقي. يُمكن وصف القاعدة المجتمعية بالمسالمة وامتلاكها الوعي الأخلاقي والرؤية لاختيار المكان المناسب لها. وجدت حالات كثيرة للخطف، القتل، السرقة، الاحتيال، النصب، إنشاء أحزاب لا يتجاوز عدد أفرادها أصابع اليد الواحدة مُستعدة للكذب والرياء وبيع الضمير لقاء راتب وضيع، لكن القاعدة الثابتة بقيت أن بعض القرى والمناطق عُرفت بمبايعتها “داعش” وجبهة النصرة، والبقية الباقية ظلت بعيدة عن الانتماءات المُشجعة للتكفير أو دحرجة الرؤوس. لكن انتهاء المواسم قبل حصدها سيدفع إلى خلط الأوراق من الجزر والعمق، وسيسبب ردة فعل عنيفة، عدا عن استعداد فئات للانخراط في أي جهةٍ تؤمن لهم قوتهم اليومي، وبالمطلق ستكون بالضد من الإدارة الذاتية والمصلحة الكُردية، ما لم يكن المُعوّض كُردياً.

أما ثالثها: الثروة الحيوانية، احتراق آلاف الهكتارات أوجد ظرفاً جديداً لأصحاب المواشي، سواء التُجار أو المربين، فكلاهما سيضطر لشراء العلف، ما يؤثر على سعر بيع الدواب ومشتقاته، عدا عن عدم توفر مساحات غير محترقة كافية للرعي في البرية.

مهما فعلت الإدارة الذاتية من إرسال قوات وعناصر البلديات والإطفائيات الموجودة لديها لمساعدة الأهالي والمشاركة في إطفاء النار، لا تستطيع التهرب من المسؤولية بشأن أمرين مُركبين: مسؤوليتها عن نتائج ما بعد الحريق وتعويض المتضرّرين، وهو مستبعد الحدوث. ومسؤوليتها حول عدم تمكنها من التنبؤ بالمشكلات، وهي المُعضلة التي لم تتمكن الإدارة من تلافيها. إذ يُخال للمرء أنها إدارة تفتقد للعقول المُدبرة والمفكِرة. وكأنها تنتظر الواقعة للتدخل والحديث و.. إلخ. سبق وأن أعلنت الإدارة بدء مرحلة جديدة لحربها مع “داعش”، وإعلانها وجود خلايا نائمة كثيرة، كيف تصل تلك الخلايا إلى مناطق كُردية صرفة، وتعود إلى بيوتها؟ هذه الأحجية صعبة جداً!

وضمن السياق نفسه، صفعت شمس حزيران الوجوه المتوردة، فأردتها كاحلة مقيتة مريضة، وبل ميتة، فقد الجميع ترف النوم هانئاً. هؤلاء الذين كانوا يرتشفون الشاي مرمراً على أطلال بيادر ذهبهم الأصفر، باتوا اليوم يلفحون شايهم مرّاً زقوماً يوم فقدوا رمز معيشتهم، وما أصعب أن يموت المرء أمام تجربة جديدة بعد جبل من الآمال. وقف الأهالي عاجزين أمام سواد النهار، غيومٌ ضخمة تكشف أنيابها الساعية إلى الارتقاء من على تخومِ قرىً بأكملها، فلا مئات الدونمات، ولا آلاف الهكتارات شفت غليل غيوم الانتقام، لتُعلن للجميع أن عام الفقر والقحط والمجاعة قد بدأ.

أتت النار على غالبية حقول القمح في معظم المحافظات السورية، إدلب، السويداء، الرّقة، ديرالزور، الحسكة. في القامشلي مشاهد تجعل الدمعة تغسل الوجوه، فبعد المُشاهدات والمقاطع المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، أكاد أجزم أن المجتمع في شمال شرقي سورية ينقسم على نفسه، ما بين السياسيين، وخصوصا الحاكمين للمنطقة والمكتفين بإصدار بعض البيانات، من دون النظر إلى أنفسهم مسؤولين أمام الله والشعب عن عدم تمكنهم من حماية أرزاقهم من الدمار والحريق. عدا تبني تنظيم داعش الحريق، لا وثائق أو أدلة دامغة، إلى اللحظة، حول جهة مُحددة لضلوعها في وأد أبناء المنطقة أحياء، لكن القناعة السائدة في الوسط المجتمعي تصر على وجود أيادٍ لأيتام الإرهاب في نشر رذائلهم.

وما بين من يبكي على قارعة الطريق، كالعجوز الكُردية التي تعبت من لطم جسدها، بعد سقوط آخر آمالها عَقِبَ هجرة جميع أبنائها. في الطرف الآخر من المدينة، كان أنس أبو زيد، المصور الصحافي لقناة روداوو الإخبارية، يتجول رفقة شريكه “الكاميرا” لينقل آهات من تقطعت أنفاسهم جرّاء هذا السواد في حياتهم، في لحظة فصلت بين الدهشة والحيرة، رغبت الكاميرا أن تلج الحقيقة.. ذاهبة مع صديقها لرصد أوجاع الناس، فعادا بمشاهد تختزل بؤس الكردي خلال ثماني سنوات. في بحثهما عن بارقة أمل تُعيد للمُتعبين آمالهم، عبر رصدهما أوجاع من صمد قرابة عقد على تيهه، في لحظة واحدة، كانت الكاميرا تشرح انضمام شريكها لقافلة المكلومين.

كوباني وعامودا ودعتا قلبين مِمن فزعا للنجدة، عدا عن الوجوه والجلود المحترقة، فإن رائحة الفؤاد المشوية تُشبه إلى حد بعيد رائحة القمح المحترق. .. مشهدُ اللطم ما كان له من ظهور في وسطنا، إلا حين فقدان قريب من الدرجة الأولى، ولكن أصبح له دور آخر. لا تقل دموع العجوز على بضعة دونماتها الصفراء، القوت الوحيد لها، عن الدموع الغزيرة على الوطنية التي ألقيت على قارعات الطرق، من دون اكتراث لأولياء الأمر، والأسوأ أن تكون الوطنية مرتبطةً بحدود جغرافية فقط، رائدة اللطميات الكُردية امتازت بحملها نظرات خاوية فارغة من أي مشاعر أو استحياء من المارة، فقط حركات راحتي يديها شرحتا عوضاً عن لسانها ووجهها.

قال أحدهم، وأعتقد أنه اندهش من لحظة انكسار الرجال، وما أصعب أن يُكسر الرجل أمام “المصاري”: ألم تهربوا من المعارك، وتفضّلوا النظام علينا، وأصبحتم عملاء لتركيا، ألستم من رفضوا الخضوع لسلطة الإدارة الذاتية، لماذا تشعرون بكل هذا الحزن الآن؟ وهذا الحجم من المهانة وأنتم تتأملون التعويض؟ أجل عزيزي، مثلك لا يشعر بالغبن، ولا بتراكم الكرب في قلوب من انتظر سنة بأكملها كي يتزوج، أو يُزوج أحدهم، أو يشتري بضع قطع من الثياب، أو يزور الطبيب خارج المحافظة، هؤلاء البسطاء الذين ليس لهم سوى تلك السنابل التي أريق بريقها على يد الكاذبين ولصوص الأحلام.

بضعة أسابيع مرت.. أسابيع من الأوجاع المموّلة بنيران الحقد على البشرية، والقلوب المهترئة، حتى المقابر باتت تنوح على الأحياء، أصبحت الأيام المقبلة مزاحمة لرغبات الموت، أسابيع لم ينم فيها الجزراويون، يحصون سنابلهم المحترقة ويتداولون آليات العيش ما دون الشظف والفقر بأقصى درجاته، ويتساءلون بمرارة الشاي المُرّ، حتى شاي المقاهي لم يعد بإمكاننا شربه، يجتمع أصحاب السنابل المحترقة يُرسلون بأعينهم أسئلة تبحث عن أجزاء من الجواب، هل من بارقة أمل، لتحفر الدموع خدودهم، يُخفضون رؤوسهم نحو أحذيتهم التي يُشبهونَ الحياة بها، ليتفقوا معاً: الفقراء لا مُعيل لهم سوى أمنية الموت.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق