وجها لوجه

مكتبة موريس عايق

ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

والدي والكتاب المقدس. كان والدي مهتم جدًا بدفعي إلى القراءة وذلك منذ مرحلة مبكرة، بدءًا من الابتدائي، فكان يحضر الكتب ويشجعني بشكل كبير على القراءة ويغريني بها، فقد كانت أمرًا مهمًا بالنسبة له. رغم أن عائلة والدتي لم تكن مهتمة بالقراءة، لكن ولأنها عائلة معمدانية فكانت قراءة الكتاب المقدس أمرًا مركزيًا. والعهد القديم بشكل خاص نص ممتع جدًا. وهكذا حظيت بفضلهم بعدد من الكتب التي تروي قصص الكتاب المقدس للمراهقين (أحدها كان كوميك يقدم كتاب مقدس في ستة أجزاء أنهيته عدة مرات خلال الخامس والسادس). تشجيع الوالد والشغف بالتاريخ والحكايا الذي خلقه الكتاب المقدس خلقا بيئة شدتني إلى القراءة. عندما اجتزت المرحلة الإعدادية أهداني والدي قصة الحضارة لول ديورانت (42 جزءًا) في ذلك الصيف اعتزلت في البيت، فصرت أنام نهارًا وأستيقظ ليلًا لأقرأ قصة الحضارة، وخلال الصيف أنهيت تقريبًا 25 جزءًا منها. فالقراءة عادة قديمة تكونت منذ كنت صغيرًا في الابتدائي، ومن وقتها وأنا أقرأ بشكل منتظم وشبه يومي دون انقطاع.

ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتك؟

الكتاب المقدس، فهو لا يفسر وحسب قدومي إلى عالم الكتب، بل كيف تطورت اهتماماتي وأسئلتي. مع قراءة الكتاب المقدس بدأ اهتمامي وولعي بالتاريخ، ومن هنا بدأ كل شيء. فشكوكي وأسئلتي الدينية لم يكن من الممكن الإجابة عنها إلا بالمزيد من قراءة التاريخ، التي تحولت لاحقًا إلى أسئلة –بدأت بشكل ساذج- حول طبيعة التاريخ وهل تحكمه قوانين وكيف تنشأ اعتقادات البشر وتتطور، لاحقًا صارت أسئلة حول كيف نصوغ معارفنا التاريخية ونفاضل بين النظريات المختلفة، ليأتي لاحقًا السؤال عن طبيعة المعرفة التاريخية ومنها المعرفة عمومًا وهو ما أخذني في النهاية إلى الفلسفة. المسألة بدأت مع الكتاب المقدس وبقيت بشكل ما تدور حوله، برغم أني انقطعت عن قراءته منذ أكثر من عقد.

بالتأكيد هناك كتب أخرى كان لها تأثير مهم لكنها تبقى محصورة في مجالاتها الخاصة. مثلًا هناك دراسة ويلارد كواين “عقديتان في المذهب التجريبي” من كتابه “من وجهة نظر منطقية”، وبرأيي هي من أعظم النصوص الفلسفية في القرن العشرين. يطرح كواين حجج وطريقة لرؤية الأمور مذهلة وثورية، تغير نظرة المرء إلى الأشياء بشكل لا يمكن تفاديه، فحتى لو أراد أن يدافع عن الموقف الكلاسيكي في نظرية المعرفة ضد حجج كواين فإنه لن يفعل هذا بنفس الطريقة السابقة مرة أخرى.

في التاريخ فإن الكتاب الأكثر تأثيرًا هو كتاب الأنثروبولوجي إريك وولف “أوروبا ومن لا تاريخ لهم”. كتاب تأسيس لا يمكن تجاوزه.

من هو كاتبك المفضل؟ ولماذا أصبح كذلك؟

دوستويفسكي قطعًا، هو الكاتب الوحيد الذي قرأت له كامل أعماله. بالإضافة إلى كونه روائيًا مبدعًا، هو أيضًا فيلسوف وجودي عظيم. يريحني بشكل خاص لأني لا أقرأ فلسفة وجودية وأكتفي بقراءة روائيين وجوديين. يطرح الأسئلة الأساسية الأكثر إلحاحًا في حياتنا، حول معناها وغايتها وأهدافنا وقيمنا وما يحيط بها من تناقضات وخيبات. معه أستعيض عن الفلسفة في هذا الأمر، وعمومًا الرواية في هذا الباب لها ميزة هائلة على الفلسفة التي تتناول هذه الأمور وهي أنها تقدمها في إطار عالم متكامل تتولى الرواية خلقه. بالمقابل العلوم الإنسانية تتابع أسئلة محددة وتتحدد جودتها بقدرتها على ضبط الأسئلة وتحليلها وتفكيكها لمعالجة أكثر تفصيلية.

وباعتقادي، هذا لا يقتصر فقط على الاسئلة الوجودية للإنسان، بل يمتد إلى جوانب أخرى. مثلًا عندما أقرأ عن تاريخ سوريا أو العراق وتطورهما الاجتماعي وغيرها من المسائل، فإن هناك كتب عظيمة مختصة وتعالج العديد من التفاصيل بلغة تقنية. لكن وبرغم هذا أفضل في النهاية العودة إلى قراءة روايات لأرى كامل البلد، المشهد العام الذي تخلقه الرواية. روايات مثل “السوريون الأعداء” لفواز حداد، و”بانسيون مريم” لنبيل ملحم، و”يا مريم” لسنان أنطون، و”فرانكشتاين في بغداد” لأحمد سعداوي.. ترسم صورة شاملة لعالم سوريا أو العراق لن يحظى بها المرء في أي دراسة أكاديمية.

خارج الأدب سيكون من الصعب الحديث عن كاتبي المفضل، فهناك الكثير من الكتاب الذي يدين المرء لهم بما تعلمه منهم وفتحوه له من آفاق جديدة. لكن كاتب مفضل، المسالة صعبة خارج الأدب.

لكن هناك لودفيغ فيتغنشتاين ولهذا قصة شخصية. خلال دراستي في ألمانيا كان لدينا سيمنار عن فلسفة العقل وعلوم الإدراك cognitive science وكان على كل طالب اختيار فصل من كتاب للعمل عليه وتقديمه. وهكذا كان من نصيبي أول 30 صفحة من كتاب فيتغنشتاين “الرسالة المنطقية الفلسفية”. لغة فيتغنشتاين سهلة بشكل مذهل ولا تحوي اية اصطلاحات. لكن بعد عشرين صفحة سألت نفسي مندهشًا، إذا كنت فهمت شيئاً من الكتاب. عندها ظهرت صعوبة الكتاب الكامنة وراء لغته السهلة. عدت إلى ترجمتين إنجليزيتين للكتاب، كذلك ساعدني أستاذي بإرشادي إلى أحد الشروح الممتازة للكتاب. قرأت الكتاب بالكامل بالألمانية والترجمتين الانجليزيتين، بالإضافة إلى بعض الكتب والدراسات التي تناولت الكتاب. يوم تقديم المحاضرة الصغيرة التي أعددتها، قام الأستاذ بالتقديم وتحدث عن سيرة فيتغنشتاين وبعدها أعطاني الكلام. طبعًا ضاعت أول صفحتين مما حضّرته. انتهزت الفرصة، ومن باب تخفيف توتر الحديث بالألمانية بدأت مازحًا، بما أنه لم يعد هناك داع لسيرة فيتجنشتاين، سأبدأ بحكاية بغدادية قبل ألف عام، عن فيتغنشتاين عربي متأخر وهو أبو سعيد السيرافي. كان القرار صدفة ولكنه موفق، خففت من توتري وأثرت اهتمام أستاذي الذي طلب تزويده ببعض المقالات عن السيرافي. كان العرض موفقًا بما جعله لحظة تحول. بفضله كسبت اعتراف الزملاء الألمان. قبلها كنت الطالب الذي بالكاد يتحدث، بعدها صرت المختص بفيتغنشتاين بين الطلبة، وأي طالب لديه سؤال عنه كان يأتي الي، لدرجة مزعجة ببعض الأحيان، لكن لا يهم. فيتغنشتاين لم يكن مجرد فيلسوف عميق وأسر وحسب، بل أيضًا الشخص الذي كسبت بفضله الاعتراف، وأنجاني من مأساة اللغة في عالم الفلسفة. لهذا له معزة شخصية تتجاوز الفلسفة قطعًا، وأي كاتب آخر مفضل.

هل تكتب ملاحظات أو ملخصات لما تقرأه عادة؟

عادة لا آخذ أية ملاحظات ولا أكتب أية تلخيصات، إلا في حال عدت إلى الكتاب في قراءة ثانية. القراءة الثانية –إن حصلت- هي قراءة الملاحظات والتلخيصات.

هل تغيرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

بالتأكيد، وخاصة أني أعيش في المانيا منذ 2005، والوصول إلى الكتاب العربي صعب. بالتالي صار الكتاب الإلكتروني مدخلي الاساسي إلى الكتاب العربي. وبرغم هذا أفضل الكتاب الورقي، الكتاب الذي يمكن أن أثنيه و”أطعجه”، وأحيانًا إذا أردت شخبطت عليه.

حدثنا عن مكتبتك؟

مكتبتي الأولى والأكثر حميمية في حمص وقد تركتها سنة 2005 على أمل أن أعود لها أو أن أحضرها إلى ألمانيا إذا سمحت الظروف. لكن الظروف لم تسمح، خاصة أن منزلنا يقع في حمص القديمة فلك أن تتوقع ما حصل. هذه المكتبة جمعتها خلال سنوات، فيها كتب من سلسلة المكتبة الخضراء إلى أعداد من النهج في نسختها الأولى (دفاتر الماركسية اللينينية في العالم العربي) التي اقتنيتها من بائع بسطة عند الساعة الجديدة إلى كتب الجابري. المكتبة تحوي كتبًا من كل مراحل العمر والمرء يرى فيها نفسها، كيف كبر وتطور وتغير، ذاكرة حية.

مكتبتي الحالية في ألمانيا مختلفة تمامًا، مكتبة تخصصية بشكل كامل. ولا يوجد فيها سوى رواية عربية وحيدة “خمارة جبرا”، وأنا سعيد جدًا بها كونها هدية من الأستاذ نبيل ملحم، ونص سردي للصديق يامن حسين “3439 كم، ندبًا إلا السرة” وهو أيضًا هدية. كتابا أدب فقط كهدايا عزيزة.

ما الكتاب الذي تقرأه في الوقت الحالي؟

“دولة الفقهاء” لنبيل فازيو.

موريس عايق كاتب وباحث من سوريا، من مواليد مدينة حمص. أنهى ماجستير الهندسة الكهربائية وتقنية المعلومات، وكذلك ماجستير فلسفة العلوم. يعمل على أطروحة دكتوراه في الفلسفة. كتب في عدة مواقع سورية وعربية. يهتم بالتاريخ الاجتماعي والنظرية السياسية.

الترا صوت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق