أفلام

ملف عن المخرج الروسي العظيم أندري تاركوفسكي ، مع روابط لمشاهدة أفلامه مترجمة للعربية -اعداد صفحات سورية-

وقفة مع شاعر السينما الراحل اندريه تاركوفسكي

في التاسع والعشرين من شهر ديسمبر من عام 1986، تلقت الأوساط السينمائية نبأ فاجعة وفاة شاعر السينما المتميز المخرج الروسي اندريه تاركوفسكي. لقد اختار تاركوفسكي الرحيل الأبدي الذي بدأه عبر شخصياته وأفلامه باحثا عن الحقيقة والخلاص، عن التطهير والسمو الروحي. إن هذا السينمائي المبدع يشكل ظاهرة فريدة تخرج عن جميع المعايير النقدية والتقويمية المتعارف عليها سواء في السينما الروسية أو في السينما الغربية، لقد خلق لوحده اتجاها سينمائيا مستقلا ظل يمارسه ويطوره حتى آخر يوم في حياته الابداعية والشخصية عرف بـ”التيار الشعري للسينما الذاتية ” وهو تيار له جوانبه ومعاييره الشكلية والمضمونية والجمالية، يتناول المواضيع الكونية التي تهم كل شعوب الأرض وتهم الانسان أينما كان ومهما كان عرقه وأصله ودينه وثقافته. لقد بلغ تاركوفسكي مكانة لا تضاهي في داخل بلده روسيا وخارجها وتمتع باحترام وتقدير كبيرين. وقد وفرت له امكانيات لم تتوافر لأي سينمائي غيره من جيله فيما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي.

حاز المخرج تاركو فسكي في أول تجاربه السينمائية – وهو فيلم التخرج – على ثقة القائمين على عالم السينما من فنيين واداريين، كما تمكن من كسب ثقة مطلقة من جانب العاملين في قطاع السينما في كل مكان رغم مضايقته ببعض القرارات الإدارية البيروقراطية التي لا علاقة لها بالتوجه السينمائي الخلاق والايجابي ان ي كان سائدا عموما في الاتحاد السوفييتي سابقا

وعلى الرغم من ذلك، ونظرا لحساسيته الفائقة وتوقه للحرية المطلقة، دفعه هذا الموقف الإداري المزعج الى الغربة القاسية واقتلعه من جذور الابداع الراسخة في أعماقه والمعجونة في صميمه، لذا هاجر منفيا الى الغرب المادي ليخرج آخر أفلامه قبل أن يودعنا منذ ما يقارب الأعوام العشرة. كان أول توجهه الى ايطاليا حيث أخرج فيلمه الخارق “الحنين” وهو رائعة وتحفة سينمائية تتحدث عن حنين وغربة الفنان الروسي المنفي الممزوجة بحب الأرض والوطن الجارف، وخصوصا عندما يكون هذا الكائن المفرط الحساسية منفيا رغما عنه، أيام ديكتاتورية حكم القياصرة، وذلك من خلال الربط بين هاهي الانسان المنفي وهو شاعر كبير، وبين حاضر انسان روسي معاصر يقتفي آثاره وهو بدوره فنان وموسيقي يعد دراسة عن الشاعر المذكور في محاولة لاعادة الاعتبار اليه وترسيخ مكانته وقيمته كفنان مخلص لانقاذ ما تبقى منه، أي ذكراه، من جوف العالم المتدني حيث تنطلق صرخة الاحتجاج من قلب الغابة الغريبة المتوحشة التي تأكل الأنسان وتسلبه انسانيته كل يوم (مشهد الفيلسوف المجنون الذي يحرق نفسه في أحدى ساحات روما احتجاجا وعلى انغام سيمفونية بتهونن التاسعة). ثم يأتي فيلمه الأخير في الغربة هو فيلم “التضحية” الذي أخرجه عام 1986، أي قبل وفاته بأشهر قليلة، في السويد. وكما كان منتظرا من هذا العملاق السينمائي، جاء فيلمه قفزة نوعية جديدة في عالم الابداع يحققها هذا المخرج الفذ في عالم جماليات الاخراج الطليعي في تيار السينما الشعرية الذي صار أحد قادته الى جانب بازوليني وبيرغمان وراوول رويز والان تانر وغيرهم..

يتحدث فيلمه “التضحية” عن كل شيء وعن اللاشيء، عن الوجود وما قبل الوجود وما بعده عن معناه وسره، عن العدم وما يفرزه من عبث وضياع وبحث عن المجهول بلا جدوى وعما يقف فيما وراء الطبيعة متخذا شكل الايمان أو الخرافة. انه قصيدة للانسان عن الانسان، عن معنى وهدف وجوده في هذه الحياة الغامضة. كل شيء في الفيلم قائم بذاته، متكامل التكوين والتنفيذ، لم يترك شيئا للصدفة كل شيء متناسق ومتناغم، الصوت والصورة والألوان، الزمان والمكان والتكوين والأشياء والفراغات والكتل الحركة والسكون السرعة والايقاع، السكون والضوضاء، الصمت… الصمت هو المناخ السائد في هذا الفيلم المعجزة. لقد جاء الفيلم بحق تكريما لسينمائي خلاق آخر هو انجمار بيرغمان الذي كان وراء انتاجه بهذه الصورة، مما يذكرنا برائعته وتحفته الخالدة “الصمت” لقد قال بيرجمان عن فيلم “التضحية” لتاركوفسكي قبل عرضه التجاري: “لقد صنع تاركو فسكي ما كنت أحلم بصنعه طيلة تاريخي الفني بأسره ولم أفلح، إنه أعظم فيلم لم يخرجه بيرغمان بعد”.. من البديهي أنه لا يمكننا تلخيص أحداث هذا الفيلم الجميل والتي تدور في مكان بعيد مقفر وموحش لكنه جميل وساحر باعتباره قطعة من الطبيعة النقية المنعزلة والبعيدة عن الملوث “الحضاري”، يعيش هناك الكسندر، الممثل سابقا والكاتب والمفكر حاليا، مع طفله الصفير الذي يسميه طيلة الفيلم “الصبي” دون أن يذكر اسمه، والصبي المذكور أبكم لا ينطق بكلمة واحدة طيلة أحداث الفيلم الا في نهايته حين نواه قرب الشجرة التي زرعها مع والده في بداية الفيلم، وهو يردد جملة والده الفلسفية التي وردت في الكتاب المقدس “في البدء كانت الكلمة”.

التضحية – التطهير

يبدأ الفيلم بلقطة بارعة الجمال بتكوينها ودقة تنفيذها وبراعة تصميمها والمدة التي تستغرقها على الشاشة، حيث يبدو الكسندر وطفله الصغير من بعيد وهما يغرسان شجرة يابانية نادرة والأب يروي للصبي حكاية فلسفية من التراث الياباني. وبعد قليل تدخل الى الكادر شخصية أخرى غريبة الأطوار هي شخصية ساعي البريد الذي يمزح معهما ومع الطفل خاصة، ويتحدث بكلام غير مفهوم أو مترابط، حيث يستمر بذلك عبر جميع مشاهد الفيلم الغامضة الى جانب بقية شخصيات الفيلم – أفراد عائلة الكسندر – حيث يرمز كل منهم الى واقع أو الى فئة من الناس أو ناحية من نواحي المعضلة الكبرى التي تتلخص بجملة واحدة (ما هو الانسان والى أين يسير؟) يقوم الكسندر في نهاية الفيلم، بعد وقوع “الكارثة” التي نسمعها ولا نراها – قد تكون انفجارا نوويا أو زلزالا كونيا -، بحرق بيته والـ “تضحية” بوعيه وعقله يتجه الى عالم الجنون إراديا ليحتمي به من كل ما يجري في عالم الواقع أو بين الحلم والواقع، وبين الخيال والحقيقة، إذ لا يمكن الفصل بينهما البتة.

وذلك يذكرنا بالفكرة الرائعة التي قالها فردريك انجلز بشأن الفن حين قال: “يكون الأثر الفني ذا مستوى رفيع عندما تكون الفكرة والرسالة التي عبر عنها ويريد إيصالها مدفونة في أعمق الأعماق، حيث من الأفضل أن تكون مخفية يكتشفها المتلقي بدلا من أن تكون مباشرة وواضحة تثير نفوره”… وهذا هو المبدأ الذي يقود تاركو فسكي في اختياره لأسلوبه السينمائي ولبناه عالمه الفني.

البحث الدائم

ما الذي يثيرنا أو يقلقنا أو يستهوينا ويهمنا في هذا الفيلم الأخير لتاركوفسكي كما هو الحال في بقية أفلامه الأخرى؟ هل هو استمرار المؤلف – الفنان، الاستثنائي في طريقه السينمائي الفريد والمتميز؟ هل هو ذلك الاصرار الواثق على تأكيد ظاهرة تاركوفسكي وابتكاره لتيار السينما الذاتية – الشاعري التي عرفت بمفرداتها التعبيرية الخاصة على صعيدي الشكل والمضمون ؟ أم هو الاستمرار في ايصال رسالته السامية الى الانسانية كلها وبحثه الدائم عن الجوانب الروحية والجوانب الخفية والمجهولة لعالم يفزره الشر، وتسيطر عليه المادة ويسير من سييء الى أسوأ، ليصل بالبشرية الى حافة الكارثة والخواء، ومواجهته بلا كلل ولا تعب لعالم غارق في القيم المادية والمنفعية البحتة والمجبول بالأنانية الفردية ؟ هل هو أسلوبه الذي يستحيل تقليده حتى بوجود التنويعات الظاهرية في مضامين أفلامه؟ هل هو استبدال اللقطات الكبيرة والمقربة التي طبعت مرحلته الابداعية الأولى من حياته السينمائية ووسمت بها أفلامه الروسية والتي أتحفنا فيها بروائع وتحف من أمثال “سولاريس “ وميله الى استخدام أكبر عدد من اللقطات العامة والبعيدة جدا؟

قد يكون كل ذلك مجتمعا، وشيء آخر نحسه ولا نعرفه أو لا نستطيع صياغته لفريا أو التعبير عنه ماديا، شيء ما تتسم به جميع أفلامه وسينماه الشخصية يمكننا أن نسميه بـ”نفس تاركوفسكي”. فلقطاته طويلة زمنيا، خصوصا اذا كانت مأخوذة من زوايا غريبة وشاذة، أو تكون بعيدة وعامة لتتيح للمتفرج الوقت الكاف للتمعن في محتوياته وجمال تكويناتها البلاستيكية تبدأ لقطاته عادة ساكنة ثم تتخللها حركات ترافلنج (ميكانيكي أو بصري، او الاثنان معا ويتزامن خلاق) جانبية أو أفقية أو عميقة (انقضاضية أو ارتدادية) كاللقطة التي ختمت فيلم “التضحية “ حيث تابعت الكاميرا بإصرار ودقة شديدتين الكسندر في قمة لحظاته النفسية المتوترة ابان توغله في عالم الجنون حارقا بيته خلفه الى أن أخذته سيارة الاسعاف. هل يمثل ذلك وسيلة للتعبير عن حالة البحث الدائم عن الحقيقة المطلقة المختفية في أعماق الكائن البشري وعندها لا يكون للسينما دور سوى الكشف عن العالمين (الخارجي والداخلي) للانسان وهو في حالة عري تام، حيث يتكفل الفنان بمهمة التعرية لهذا الكيان بأكمله قبل أن ينظر اليه باعتباره واقعا مباشرا لا سبيل لسبر أغراره، حيث تحل عين السينمائي – الرجل محل نظرة انسان الحياة اليومية ؟

تتجسد عبقرية تاركو فسكي في أنه يضعنا في كل فيلم من أفلامه، بل وحتى في كل مشهد من مشاهده، أو حتى في كل لقطة من لقطاته، أمام اختيار جمالي يثير فينا هذا الإشكال الدائم الذي يكبس هيئة التناقض. لكل شيء قيمته ومكانته ودوره سواء أكان موجودا داخل الكادر أو خارجه. فمفردات لغته السينمائية محسوبة بدقة متنامية لا شيء مجانيا على الاطلاق ولا توجد هناك زيادة ولا نقصان. فلقطة الافتتاح في فيلم “التضحية “ كانت لقطة – مشهد طويل جدا جعلتنا نشعر وكأنها سوف لن تنتهي بل ولا نريدها أن تنتهي حيث تبقى الشخصيات داخل التكوين البلاستيكي الجميل والمتوازن لهذه اللقطة بعيدة جدا عن الكاميرا التي تتابع حركاتهم البطيئة وتراقبهم وتلاحقهم وتحيط بهم عن بعد في عمق الميدان، كلما انتقلوا من مكان لآخر لفترة طويلة نسبيا، وكلما خرجوا من الكادر تلحقهم وتعيدهم سجناء داخل التكوين التشكيلي الرائع الجمال والبالغ الاتقان، وكأنه لوحة لرسام من عصر النهضة وقد أخذت اللقطة من مكان قص لحقل فسيح يقع على ضفاف بركة مياه واسعة. إن الشخصيات موضوعة عمدا على هذه المسافة حتى لا يتمكن أحد من تشخيص ملامحهم والتفرس بسحناتهم لأطول فترة ممكنة أو محتملة من قبل المتفرج. أي أنهم يبقون كأنهم ملامح مبهمة غارقة في خط الأفق البعيد لا نستمع الا الى أصواتهم ابتداء من مونولوج الأب الكسندر وهو يزرع شجرة الأمل ويتلفظ بكلام مبهم فلسفي الابعاد يشبه كلام المتصوفة. وتضم اللقطة نفسها الشخصية -اللغز، الثانية وهي شخصية الابن أو “الصبي” الصامت والغامض الذي لا يتكلم حتى يقتنع المشاهدون أنه أخرس. ثم يقتحم اللقطة نفسها ساعي البريد وهو شخصية غريبة يشق بدراجته الهوائية طريقا يشبه الطريق الذي سلكته شخصيات فيلم “ستالكر” لنفس المخرج.، ويتصف هذا الطريق بنفس الغرابة والغموض. يخوض ساعي البريد نقاشا غير مفهوم مع الكسندر لا ينتهي إلا في نهاية الفيلم وعلى نفس الوتيرة وتنتهي اللقطة الافتتاحية العجيبة أخيرا باقتراب الكاميرا من الشخصيات لتحتويها ضمن مسافة تقليدية معتادة في السينما الكلاسيكية، لكن المتفرج يبقى في وضع غير مريح ومقلق، ويتساءل باستمرار ماذا يريد مني المخرج أن أرى؟ الوجوه غير واضحة وبعيدة والحركات عادية يومية ومألوفة والطبيعة، رغم جمالها، سرعان ما تبعث على الملل، اذ يكفي للمتفرج بضع ثوان لأن يلم بتفاصيل المنظر الطبيعي في أية صورة أمامه، وبعد مرور فسمات الهواء التي تحرك الأعشاب وتهز أوراق الأشجار والمنزل القابع في البعد وحيدا، والأشجار الكثيفة وأعماق البحيرة الخ.. وماذا بعد؟ ليس هذا هو المهم. إذن أين تكمن قوة هذه اللقطة السحرية ؟ ربما في كل تفاصيلها مجتمعة، وفي الكلمات التي ترافقها وما تطرحه من طروحات فلسفية وتأملات فريدة مستقاة من فلسفة نيتشة والفلسفة اليابانية القديمة التي تبدو منعكسة كالصدى الخاوي في الفراغ ماذا بقي بعد كل هذا؟ الانتظار… انتظار أن يضع المخرج حدا لحالة التوتر التي تدفع بالمشاهد اليقظ الى حالة أخرى هي الاستغراق في شبه ذهول كأنه نائم مغناطيسيا وفاقد الإرادة، أو الى نفور تام قد يرغمه على الخروج من الصالة. ان هذه اللقطة – النموذج، مختزنة لكثير من الرموز والاشارات الفلسفية، ومتخمة بالمعاني والأبعاد الفكرية وما يفسر محتواها وما يليها من مشاهد ولقطات، والتعرف فيما بعد على جميع الشخصيات وسبب وجودها وما تفعله الآن وما فعلته في ماضيها وما سيكون عليه مستقبلها والعلاقة بين أقوالها وأفعالها، مما سيساعد المتفرج على استيعاب سيكولوجيتها وسلوكها.

إن حالة المتفرج إزاء هذه اللقطة الاعجازية هي نفس حالة متفرج السينما الأول أيام ما كانت عليه السينما في زمن لوميير، متبصر برؤية الواقع المعاش. وتاركوفسكي يشوق المتفرج ولكن ليس على طريقة هتشكوك، بل هو تشويق تأملي ذو مستوى شكلي رفيع. إن أقرب فيلم لتحفة تاركوفسكي “التضحية “ هو فيلم “ستالكر” المليء هو أيضا بالاشارات والرموز، والذي يدعو المتفرج للبحث والتأمل والمشاركة الذهنية الفعالة والتفسير والبحث عن المعاني الفائرة بين رفات النسيج الدرامي، ابتداء من استعراضا بلقطة جميلة للوحة دا فنشي ورسو مات الايقونات الروسية وانتهاء بلقطة الختام التي سبق ذكرها.

السينما الذاتية – الشاعرية، تيار ام ظاهرة

قد تساءل القاريء عن حقيقة هذه المدرسة أو الاتجاه الجمالي السينمائي الذي اسميناه بالسينما الذاتية – الشاعرية وهل هو تيار راسخ الجذور أم هو ظاهرة عابرة مرتبطة باسم مبدعها؟

في سنة 1956 وبعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي تحررت السينما نسبيا وبصورة مؤقتة أو لفترة وبصورة مؤقتة أو لفترة قصيرة من الزمن، من التطبيق الضيق والمتحجر لمنهج (الواقعية الاشتراكية) الذي فرضه ستالين على عملية الابداع الأدبي والفني. فتخلص الفنان والأديب، والمثقف عموما في جميع المجالات، من حالة التنفيذ الجامد والميكانيكي لهذا المفهوم وصار المبدعون يبحثون عن أساليب وطرق وأشكال تتناسب مع هموم ومشاكل واحتياجات الانسان، سواء أعان فردا أو جماعة على حد سواء. وفي المجال السينمائي تمكن الجمهور العالمي عامة والغربي خاصة، من مشاهدة روائع سينمائية وأفلام متطورة شكلا ومضمونا أمثال (الطلقة الواحدة والأربعون لغريغوري تشوخراي، وعندما تطير الغرانق لميخائيل كلاتسوف وغيرها)، والتي جسدت بأحسن الأشكال والصور فترة الانفراج الجديدة التي أعقبت عام 1956 دون أن تخشي السينما تهمة الغرق بالشكلية والاستعراضية وخيانة المبدأ الجوهري للواقعية الاشتراكية، أو الخوف من أن تلصق بهم تهمة تقليد الحركات الفنية البرجوازية الطاغية في الغرب على شكل صرعات وموضات وقتية عابرة وعبثية. فقد بدأ الفنانون والسينمائيون يعالجون في جو من الحرية وببعض الاطمئنان، مواضيع جديدة ويتطرقون الى مشاكل كانت محظورة عليهم في السابق، كما اتجهوا الى ممارسة أبحاث وتجارب وأساليب جديدة وطليعية لم تكن مألوفة أو مقبولة قبل هذا التاريخ. وبحلول عام 1965 استعادت قوى البيروقراطية والجمود العقائدي مواقعها من جديد وبادرت الى فرض القواعد والقيود التي أعاقت نضوج وتواصل هذه التجارب الفنية الفائرة المتعددة، وكبحت جماح البعض من المبدعين ممن وصلت عندهم عملية الخلق الفني الى طرق مسدودة، وتوغلوا كثيرا في الذاتية الفارغة وتمرغوا بمفاهيم العقلية البرجوازية الغربية فيما يخص مفهوم الثقافة والفن وقيمهما الجمالية ووظيفتها الاجتماعية، وكانت تعبيرا عن حالة الفرق في مستنقع نظرية “الفن للفن” التي غمرت وطبعت بقوانينها أغلب الابداعات الحديثة، واخضعت الفنان لمعايير لا تقل قساوة وعسرا، ولقوانين قسرية أكثر صرامة وقسوة من قيود الواقعية الاشتراكية الايديولوجية. أصبح الفنان الغربي في ظل قوانين السوق التجارية أسيرا للقيود المالية وللتركيبة الاقتصادية للانتاج الفني وخضوعه لمبدأ الربح السريع والسهل لتحقق أكبر قدر ممكن من المردودات المالية والتجارية وبأ قصر وقت. برز في فترة الانفراج الروسية المدرة الذكر جيل من السينمائيين البارزين أبرزهم المخرج الراحل تراكوفسكي ومعه كوكبة من الفنانين اللامعين كجيورجي دانييللا وكليب بانفيلوف وكيلم اليموف وأوتار أيوسيلاني واندريه مخيائيلكوف والاخوين كونتشالوفسكي والراحل وسيرغي بارادجانوف الذي أصبح هو الآخر صاحب أسلوب يقرب الى المدرسة المنفردة الذي قدم روائع مثل جياد النار وسيات نوفا أو لون الرمانة واسطورة قلعة سوران وغيرها.

تراكوفسكي ابن هذا الجيل المضطرب الذي اعتبر أحد أعظم سينمائيي العالم المعاصرين والأكثر ثراء وعمقا وصعوبة في نفس الوقت. ولذلك فهو أكثر من ظاهرة عابرة بل هو مؤسس تيار سينمائي كان رائده ويحمل اسمه ويسير على خطاه العديد من مخرجي العالم الطليعيين هو تيار السينما الذاتية – الشاعري.

ولد تاركوفسكي في سنة 1932 على ضفاف الفولغا وقد هجر والده بيت العائلة عندما بلغ الطفل تاركوفسكي عامه الثالث. وكان والده أحد كبار الشعراء الروس الذي بقي أمينا على حبه للمرأة التي تركها لأسباب خارجة عن ارادته. واصل الشاب دراسته المتنوعة فمن الموسيقى الى الرسم مرورا بدراسة اللغة العربية وآدابها كما درس البحوث الجيولوجية وعمل كخبير جيولوجي في سيبريا بين 1954 و1956 وفي هذه السنة انضم “تاركو فسكي الشاب الى معهد الدولة السينمائي «فغيك » ودرس فن الاخراج السينمائي لمدة أربع سنوات تحت إدارة واشراف المخرج السوفيتي المخضرم ميخائيل روم، الذي ربى ووجه ورعى هذا الجيل المتميز من المخرجين وانشأهم على حب التقاليد الانسانية السامية، وكان تأثيره لا يفتأ بالظهور عبر هذا المشهد أو ذاك في أفلام

هؤلاء المجددين، وقد لمحناه بوضوح في أكثر اللمسات الشاعرية وجودا ضمن فيلم التخرج الذي نفذه تاركوفسكي عند انتهاء دراسته التخصصية عام 1960 وهو بعنوان “العجلة الضاغطة والكمان” ويبلغ طوله 42 دقيقة أي متوسط الطول، ويتحدث موضوعه عن قصة صبي في الثانية عشرة من عمره يتعلم العزف على الكمان لكنه لم يكن موهوبا ولا متعلقا بهذا العمل كما أنه لا يهواه أو يفضله. وعندما يلتقي بسائق العجلة الضاغطة في أحد الشوارع الحديثة التبليط يكتشف حياة العمل والعمال وثراءها وصعوبتها فيرتبط بعلاقة صداقة واعجاب بهذا العامل -السائق الذي يعامله بود واحترام ويعلمه أصول مهنته التي صارت تستهوي الصبي أكثر من العزف على الكمان. ولكن بعيدا عن الاسلوب المباشر والخطابية الفجة. فهذا الموضوع ذو النوع التعليمي – الاخلاقي والتوجيهي المثقف، يأتي لنا بوصف واقعي لحي شعبي في موسكو حيث تجري الاحداث. ينجح تاركوفسكي بمهارة وحذق في امتلاك ناصية الموضوع رغم واقعيته اليومية، وبصورة بارعة تدعو للاعجاب، ويتمكن بفطنة وقدرة نادرة من ادخال مشاهد شاعرية – رمزية تصل الى حدود الحلم تكمن فيها المعاني المجازية الكثيرة والمكتنزة، وفي هذا الفيلم “المدرسي”  يكشف لنا تاركو فسكي عن قابلياته التقنية وامتلاكه لأدوات لغته الفنية والتعبيرية وأسس جمالياته الاخراجية القادمة، ونلاحظ أيضا ذلك عن طريق الصور التي تضاعف وجه الصبي عدة مرات أو عن طريق تصوير بعض الأشياء واضفاء أهمية خاصة عليها أو إبرازها بكل مركز “كتركيزه على التفاحة قبل وبعد أكلها” أو بواسطة حركات الكاميرا الرشيقة أو في عرض تفصيل محدد لأحد جوانب الديكور في نفس الاطار الصوري “الكادارج “ والآثار المحيطة بالصورة.

وبعد هذه التجربة الدراسية الناضجة يبرز المخرج للعالم طبعا ومزاجه الحقيقي كشخصية ناضجة ونادرة ويبرهن على قدرة ذات صفات فنية وفلسفية حقيقية من خلال فيلما الروائي الطويل الأول وهو بعنوان “طفولة ايفان “ الذي انتزع بجدارة الجائزة الأول، وهي الأسد الذهبي، في مهرجان فينيسيا – البندقية – سنة 1962 بالتقاسم مع فيلم “نهار خاص” للمخرج المعروف فاليريو زورليني. ويتحدث فيلمه الأول عن “صبي” في عمرا لثانية عشرة تقريبا ذبحت عائلته ونكل بكل أفرادها على أيدي النازيين واغتال الألمان والدته بعد اغتصابها أمام عينيه وقتلوا والده أيضا قبل

ذلك. فانخرط الصبي في صفوف المقاومة ليناضل وهو بهذا العمر على طريقته الخاصة ضد أعدائه كعميل سري مدني للمخابرات العسكرية التابعة للجيش الأحمر ليصبح أحد أحسن

العناصر لجمع المعلومات المهمة للجيش السوفييتي وتحمله هذه المسؤولية الكبيرة وهذه المخاطرة التي تتجاوز امكانيات سنه حيث كان عليه العبور يوميا خلف خطوط العدو لكونه طفلا لا يشتبه به أحد بسهولة وبصورة بديهية وهو يؤدي مهمته الصعبة. وهنا نتقابل أيضا من جديد مع موضوع الحرب الوطنية جريا على العادة في السينما السوفييتية آنذاك. إلا أن هذه المسألة عولجت عبر مجموعة من الشخصيات الانفرادية “أي البطولة الفردية لا الجماعية “ كما تقتني الصيغ التقليدية للبطل الجماعي في السينما الاشتراكية. شارك في البطولة في هذا العالم الغريب والجميل نهر طيني غريب الأجواء والمناخ كان يعتبر الخط أو المنطقة الحرام الفاصلة بين خطوط العدو ومواضع الجيش السوفييتي المقاوم، ويخدم كنقطة عبور وتسلل سرية حيث نرى من حين لآخر دورية ألمانية من بعيد في وسط غابة من أشجار الكستناء صورت بطريقة خلاقة ورائعة وبزوايا متنوعة غنية بالتباين والتناقض بين الأبيض والأسود. أي كان للمكان والفضاء السينمائي دور فعال ورئيسي.

وداخل شرنقة هذا الحدث الأخاذ نفسيا، يفتح المخرج هنا قوسا ليسرب لنا قصة عاطفية بلا رتوش أو تفاصيل مجانية، تعمل كخلفية دراسية، وهي علاقة نشأت بين كابتن في الجيش يحاول اغراء وكسب ود وحب ممرضة في الجيش برتبة نائب عريف بينما يوجد في الجيش زميل له يرأسها ويشرف على خدماتها يحبها هو الآخر بصمت ويغار عليها ويتبع خطواتها متسكعا بألمه تحت أشجار غاب الكستناء التي صورتها الكاميرا بمهارة فائقة وبطريقة مبتكرة. يحلم الصبي ايفان في بعض الأحيان بسعادته الطفولية القديمة التي سرقها العدو النازي منه ودمروها بالعنوة والقوة والموت الوحشي الذي مزق عائلته وقد قدم المخرج نزعة الحلم والتوق الى تلك السعادة الضائعة بهالة غنائية بديعة ورائعة خصوصا في اللقطات التي نرى فيها كميات هائلة من التفاح تتساقط من عربة منطلقة نحو الافق في طريق على حافة الشاطيء لتأتي عليها الجياد بالأكل، وتصاحب المشهد موسيقى من نوع خاص جدا ومؤثر لتجعل من حقد وثورة الطفل أمام الرعب والهول الذي سببه له النازيون، ويتحول الى قوة تخيلية ذات تأثير هائل على تصرفاته وسلوكه وعناده واقدامه وقوة ارادته. وكان الفيلسوف الفرنسي المعروف جان بول سارتر قد أحب هذا الفيلم كثيرا ومدحه ودافع عنه دفاعا حارا أمام هجمات النقاد الذين أساءوا فهما أو فسروه بصورة خاطئة وخاصة النقاد اليساريين في صحيفة «اليونيتا» لسان حال الحزب الشيوعي الايطالي وأخذوا عليه غرقه بالشكليات واهمال الموضوع الرئيسي. وهو بنظرهم بطولات وكفاح الشعب والجيش السوفييتي، فرد سارتر في معرض دفاعه عن الفيلم في رسالته الشهيرة التي نشرت مرات عديدة: “ايفان طفل غريب الأطوار يتراءى للبعض انه مجنون، وحشي الطباع، هذا ما يبدو ظاهريا، الا أن ايفان بطل صغير، وفي الحقيقة انه الكائن الأكثر براءة والضحية المتضررة أكثر من أية شخصية أخرى من شخصيات الفيلم. فهو الأكثر إصابة ومساسا في أعماق ذاته ونفسيته الطرية. هذا الصبي الذي لن يتمكن أحد من منعه عن أداء مهمته وتحقيق شيء كان قد سحق وشوهه العنف وحدده في مسار واحد هو الانتقام الذي اختزنه في أعماقه. الشعب السوفييتي لا يتجسد داخل وحدة جماعية فقط ولكن بحب الحياة والتعلق بالحرية التي هي على علاقة وثيقة بهيئة ووضعية الانسانية ومكانة الطبيعة “..

وبين عامي 1965- 1966 بدأ تاركوفسكي تصوير تحفته الفيلمية الثانية “اندريه روبليف “ ويتحدث الفيلم عن قصة راهب ورسام ايقونات في القرن الخامس عشر. شارك في كتابة السيناريو السينمائي الشاب أنذاك ميخائيلكوف كونتشالوفسي، وكان هذا المشروع الهائل (كأنه لوحة جدارية، فخمة، ملحمية الخصائص، قد حظي بإمكانيات مادية ضخمة مهمة جدا ولكن بعد الانتهاء من تنفيذه لم ير المسؤولون عن جهاز السينما في الاتحاد السوفييتي سابقا اخراجه للعرض التجاري في نفس سنة انتهاشه واكماله، ولم يوافقوا أول الأمر على المشاركة به في المهرجانات السينمائية الدولية التي تنظم في الغرب لأنه على حد زعمهم “لم يكتمل بعد فنيا ويحتاج الى ادخال بعض الرتوش والتعديلات والحذف والاضافات وان مونتاجه لم ينته بعد ويحتاج لبعض التقصير والتشذيب الخ “. وذلك بالطبع عكس رأي المخرج وقراره. وأخيرا سمح له بالخروج المحدود والمشروط للمشاركة في مهرجان كان لسنة 1969 خارج المسابقة الرسمية ومع ذلك حاز على جائزة النقاد العالمية وأخيرا تم عرضه داخل الاتحاد السوفييتي بشكل محدود في عدد قليل من الصالات عام 1972. لم يعرف أحد الى الآن أسباب هذه المحاربة الرسمية وهذا التأجيل والتأخير المستمر للفيلم فما هو الجانب المقلق والمزعج للسلطات السياسية في هذا الفيلم الملحمي الكبير؟ بالتأكيد ليس مستواه الفني أو في هذا الفيلم الملحمي الكبير؟ بالتأكيد ليس مستواه الفني أو التقني أو لغته الجمالية والتعبيرية وجدية أسلوبه وتمجيده للطبيعة وتفنيه بها وتفاعله مع مكوناتها كالما، والسماء والأمطار والأشجار والثلوج التي عرضها كما يعرض الشاعر قصيدة تتغنى بالطبيعة، ولا مضمونه المعادي فقد أثبت المخرج من خلال فيلمه تعلقه بالثقافة الوطنية المولودة في الحقبة التي كانت فيها روسيا لا تعدو أكثر من مقاطعة كبيرة يحكمها الدوقات، خاضعة لسيطرة وسطو التتر. ان تردد السلطات الرسمية تجاه الفيلم ومعاداته يرجع بلا شك الى تجاوزاته الوهمية والماورائية وملامحه الشعرية والغيبية وتحليقا ته الغنائية وأسلوبه الفذ المفرق بالرؤية الذاتية للأحداث ولما يعتريه من طروحات – مثالية – وملامح روحية ورمزية أو مجازية المظهر، وبالذات عندما تبدر عن فنان متمرد وقوي الشخصية يرفض أي عمل مفروض أو تنفيذ أعمال حسب الطلب وتحت الأوامر ولمناسبات محددة ومعنية سلفا.

بقي المخرج تاركوفسكي صامتا منطويا على نفسه، خازنا الامه في دواخله لا يبوح لأحد بمعاناته فقد يكون هو الوحيد الذي يعرف في أعماقه أسباب المنع والعراقيل التي تعرض لها فيلمه وظل معارضا ومقاوما للحزن فمعاناة الروح الروسية مرت من هنا أيضا.

إن اخراج هذا الفيلم الفريد من نوعه وما واجهه من مشاكل وأحداث جعل من هذا الفنان أحد أعظم سينمائيي العالم، وجعل من اسم تاركو فسكي أشهر مخرج في المحافل الدولية. ففي المشهد الخالد من هذا الفيلم الاعجازي عندما نرى شخصية الفيلم الرئيسية “اندريه روبليف “ يرمي بكتلة من الطين وبصورة عشوائية على جدار ناصع البياض، فهو يخلق هنا بشكل ما لوحة تجريدية متمردة تصور رفضه لتحقيق عمل أو خلق ابداع رسمي طلبه منه الدين الرسمي ورجاله لتزيين الكنائس. ومن هذا المشهد وحده بمجازيته وايحاءاته تتضح لنا معالم المشكلة الأزلية العويصة المعاصرة والحساسة، وهي مسألة – العلاقة بين الفن والسلطة – وقد سجل تاركوفسكي هذا الموقف عبر بطله في نفس الوقت الذي رفع فيه كل من بوريس باسترناك وسولجنستين راية الانشقاق والمعارضة والدفاع عن المثقفين وحرية التعبير والمطالبة بمنحهم الحرية الكاملة في الخلق والابداع ليعبروا عن أنفسهم وعن العالم، والرفض التام لأي تدخل من قبل الدولة والحزب الحاكم وبرمجتهما لأعمال وآثار الفنانين والمبدعين كما حصل قبل ذلك للمخرج الكبير سيرغي ايزنشتين مع الجزء الثاني لفيلمه ذائع الصيت “ايفان الرهيب“ الذي منعته السلطات الرسمية في عهد ستالين من العرض وأجبرت مخرجه الفنان المرهف، على كتابة، ونشر اعتذار رسمي وشعبي علني أمام الرأي العام والجمهور السوفييتي متضمنا نقدا ذاتيا قاسيا وبلا ملابسات، ففعل ذلك مرغما وصاغرا لا حول له ولا قوة.

أما تاركوفسكي فقد وجه اليه اللوم والانتقاد اللاذع والتثريب بل والتهديد المبطن، وحوسب على تفسيراته الذاتية للحقائق التاريخية وتأويلاته الشخصية للا حداث التي جسدها سينمائيا وجاءت مخالفة لفهم المسؤولين السياسيين والإداريين الذين اتهموه بأنه أدخل عليهبا كثيرا من التشو يهات التاريخية والتعديلات التي غيرت الوقائع وفق مفاهيم فردية وجاءت النتيجة في عرضه لكثير من الحوادث مغايرة لما كانت عليه في مصادر التاريخ الرسمي المكتوب خصوصا وأنه لم يعشها بنفسا أو يتأكد من جريان ,وقائعها فقدمها بقالب ذاتي بحت. وفي هذه الحالة بقي الجدال بينه وبين الجهاز الرسمي غائما وغير واضح المعالم يلفه الغموض والابهام والتهديد المبطن كأنه حوار طرشان. هم يصرون على التقيد بالتاريخ الرسمي وهو يصر على حقه في تقديم رؤية ذاتية للأحداث، أما أبعاد الفيلم ورسالته الحقيقية فقد بقيت مخفية على أعضاء الرقابة المتوجسين من نوديا المخرج. فرحلة وتطواف بطل الفيلم ذات السمات المقنعة والمستورة والمسيرة الروحية لرسام الايقونات الراهب، والمسائل التي يطرحها حول الحقيقة الجمالية والأخلاقية والعقلية لأثره وعلاقته بالحياة، لا تفعل فعلها على سطح الأحداث أو خارج واقع الفيلم ولا تثير سوى موجا ت هادئة صغيرة من التأمل.

بقي المخرج اندريه تاركوفسكي مركونا في الظل فترة قصيرة دون ان ينسده أحد، لكنه ما برح أن عاد بمشروع أخر لا يقل قيمة وطموحا عن مشاريعه السابقة وكان فيلم “سولاريس “ وهو من النوع الخيالي العلمي الذي يخلد ويعظم أفكارا فلسفية من خلال. التطو ر و التقدم التكنولوجي ومسؤولية الانسان في استغلاله واستخدامه للكون بعامليه الفضائي والأرضي. وقصة هذا الفيلم الأخاذ بالغة التعقيد والبساطة في آن واحد. يتحدث الفيلم عن التحاق عالم نفسي بطاقم مركبة فضائية تقوم بأبحاث وتجارب على كوكب اسمه “سولاريس ” وتقع فوق محيط هذا الكوكب الغامض الذي تكمن فيه قوة خيالية غريبة باستطاعتها تحقيق وتجسيد جميع أماني وأحلام وذكريات طاقم المركبة الفضائية لتحولها الى حقائق ملموسة وفيزيائية. وهنا يظهر للبطل زوجته

التي يحبها ومازال يعبدها، لكنه تركها فانتحرت واعتبر نفسه السبب في انتحارها. فعندما تعود اليه بفعل هذه القوة الخفية يتعلق بها أكثر ولا يريد أن ينفصل عنها رغم اصرار زملائه غريبي الأطوار هم أيضا. وخلافا للتعليمات التي لديهم، ويمتزج كل ذلك بالذكريات الحقيقية والطفولة التي عاشرها.. الخ.

اشترك تاركوفسكي بهذا الفيلم ممثلا لبلده رسميا هذه المرة في مهرجان كان لسنة 1972 وحصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

جاء عام 1974 ليثير عاصفة لم تهدأ بسهولة، وكانت هزة كبيرة عندما عرض فيلم “المرآة “ الصعب جدا بالنسبة لمستوى وأذواق ذلك الوقت. كان الفيلم ذا خطاب فيلمي غير مرتب على أصول تقليدية متعارف عليها، رذا نص محطم للتسلسل الانتقالي والتواصل الثلاسيكي، تتشابك فيه وتتداخل الذكريات الذاتية لشخصيات الفيلم، تجري فيه الأحداث ببطء وبسرعة في نفس الوقت، وتتدفق بل وتفيض في الصور والمشاهد التي تتناوب فيها الألوان مع الأبيض والأسود ضمن حركية ليست عفوية بالمرة، بل بطريقة مدروسة ومبرمجة ومتعمدة وبدقة متنامية. أما الألوان شبه البنية – سبيا – فقد وسمت وصبغت الأحداث التاريخية – الوثائقية – المعاصرة والقربية من الذاكرة البشرية، كهجرة اللاجئين الأسبان وفرارهم من الحرب الإهلية، والحرب ضد هتلر، والوقائع التاريخية الأخرى كانفجار القنبلة النووية في هيروشيما والتوتر الصيني السوفييتي الخ.. ثم ادخل المخرج، عن طريق وسيلة استحضار واستدعاء الذكريات الشخصية للبطلة الرئيسية، أسلوب الترابط بين الحدث العالمي بمختلف مستوياته الزمنية، والحدث الذاتي الفردي بمستوياته الشخصية والعامة. كان المخرج في هذا الفيلم قد ذهب بعيدا في استقلا ليته وانتهاك أو خرق ومخالفة كثير من التعليمات والقيود الرسمية التي فرضتها الدولة وتجاوز عليها وتحرش بالطروحات الرسمية المفروضة على كل مسألة،خصوصا تلك المتعلقة بأحداث التاريخ المعاصر لكنه قام بذلك بدون قصد استفزاز أو سوء نية. ثم قام بتقصي وتحقيق افرازات الذاكرة ومراحل كينونة ووجود معين لكائن – فرد – يمتزج فيه الماضي بالحاضر وينتظمان في نسيج واحد حول حياة “امرأة “ نموذج ورمز للأم والزوجة (لعبت الدورين نفس الممثلة بطلة الفيلم وهذه ليست مصادفة)، مما أدى الى تكوين ما يشبه “المشكال“ -أي الجهاز الذي تختلط فيه الألوان والأشكال والتكوينات التي يصعب فرزها والتثبت منها -الا أن هذا الأسلوب بعيد كل البعد عن الفن الجماهيري الذي ترعاه الدولة وتشجعه. ومع ذلك فان كل ذلك لم يمنع خروج الفيلم في عدد قليل من الصالات المتفرقة في مخكف انحاء الاتحاد السوفييتي وقد اشترت شركة غومر الفرنسية حقوق توزيعه واستثماره وعرضه في فرنسا في بداية 1978.

كان فيلما بالغ الجمال والتعقيد ويمكننا لمس الرؤية الجمالية المتطورة واللغة التعبيرية المتقدمة في كل لقطة والتفاتة. لكل شيء مكانه وأهميته ودوره في هذا الأثر الفني البديع الذي خلفه فنان ذو حساسية مفرطة وتواضع جم، سحرته الحياة وامتزجت بروحه وأعماقه فأصبح شفافا ورقيقا يكن هياما وتعلقا كبيرا بالأرض والروح الروسية والطبيعة المخضوضرة وغنائيتها وعشقه لمعمارية “الأبسة” أي المساكن الخشبية التي يقطنها فلاحو روسيا الشمالية. بما توفره من دفء عائلي، واهتمامه بالنار والماء على تناقضهما وضرورتهما للمياة ولديمومة البشرية، ثم أخيرا عرضه لانفعالات طفل ولسعادته المسروقة والهاربة منه في عمر النضوج أو البلوغ. هذه اللوحة الحياتية قدمت مزرقة بقصائد للشاعر السوفييتي “آرسني تاركوفسكي” وهو والد المخرج، كواجهة للواقع الملموس واللاواعي الرابض في داخل النفس. كل شيء في هذا الفيلم يأخذنا الى روسيا وتاريخها وثقافتها، إنه قصيدة حب مهددة للوطن ومجسدة لحب المخرج وقلقا الشديد على وجوده.

أعتبر هذا الفيلم عملا نخبويا في الاتحاد السوفييتي، وضع للنخبة المثقفة ولا يخدم رسالة جماهيرية.لكن بعض الأصوات انطلقت محتجة على هذا التقييم، وكانت لها كلمة مسموعة لتقول “ولم لا ؟” أليس من حق هذه الشريحة الاجتماعية أن تجد من يعبر عنها ويعرض عالمها ومشاكلها ومعاناتها ؟” الكل كان يشجع هذا المخرج ويكيل له الثناء لمواهبه وطاقاته الخلاقة وصدقه اللامتناهي على المستويين الشعبي والرسمي، رغم ابتعاده عن نغمة “الواقعية الاشتراكية الجديدة “، إذ هو في الواقع لا يقف ضدها ولم يحاربها على الاطلاق الا أنه لا يطبق تعليماتها وصيغها الجاهزة وأساليبها الجمالية الساذجة، بحرفية تقيده في ابداعه وابتكاراته الأسلوبية والمضمونية. هنا تكمن حالة الغموض والابهام الزائد عن اللزوم التي تلف حياة تاركوفسكي الشخصية ومواقفه الفكرية والسياسية. عندما أراد اخراج فيلمه “ستالكر أو الدليل “ استطاع بعد جهود مكثفة ومضنية الحصول على موافقة عمله لهذا الفيلم، وكان قد انتزعها عنوة من أيدي وأفواه حفنة من البيروقراطيين الذين حاولوا عرقلة واعاقة تنفيذ وتحقيق هذا المشروع الرائع وبعد اتمامه للفيلم واجه المخرج مرة أخرى حملة من الرفض والمحاربة له ولفيلمه لم يكن لها مبرر. وقد شارك بهذا الفيلم في مهرجان كان خارج المسابقة الرسمية ونال عنه جائزة تقديرية سنة 1980.

يتحدث فيلم “ستالكر” عن سر رحلة ميتافيزيقية طويلة في مكان يدعى “المنطقة “ وهو مكان محظور وخطر جدا يمنع الولوج اليه. نجد ثلاث شخصيات غريبة التصرفات والهيئة، وهم على التوالي كاتب وعالم فيزيائي وستالكر أو الدليل – ليس لهم أسماء – ستالكر الدليل يقود الآخرين عبر طرق ومتاهات مجهولة بين الانقاض والأعشاب البرية والمستنقعات والخرائب، حيث يهيمن على المشاهد مناخ مائع، مائي خال من النزاع الظاهر، رطب ومغلق ومخيف. كذك نكون على موعد مع العناصر الصورية والمفردات المجازية والجمالية المعمقة والمعروفة في لغة تاركوفسكي الاخراجية، مثل تركيزه العميق على الكتل والطبيعة الجامدة واللقطات الكبيرة للأشياء والأدوات القديمة المهشمة والمكسورة أو الغائصة والغارفة في الوحل أو مياه المستنقعات وأوراق الأشجار المتيبسة أو الطافية على صفحة المياه، وحيوانات من مختلف الأنواع وبالذات الكلب من جنس الذئب والأمطار والمياه والقاذورات وصفائح التنك أو القصدير الصدئة والكلب الأسود التائه الذي يلاحق الجماعة أينما ذهبوا. يسير الأشخاص الثلاثة نحو جهة غير معلومة وبحذر شديد والتقيد بجملة من القيود والقواعد القاسية التي ينبغي الخضوع لها بصرامة اذا أرادوا الوصول الى الهدف وبلوغ “غرفة معزولة “ وسط الفراغ من يدخلها يتحقق له كل ما يتمنى أو يطلب على الفور، ولكن المشكلة انه لم يسبق لأحد أن تمكن من الدخول اليها. وبعد تحمل هؤلاء الثلاثة كل تلك المشاق والمخاطر والمغامرات اللامرئية، يتردد الثلاثة في الدخول الى الغرفة ويحاول العالم تفجيرها بعبوة ناسفة،لأنها برأيه خطر على الانسانية لو دخلها كائن متعطش للسلطة والعنف. هذا هو الموضوع الرمزي – المجازي – الشائك الذي كان يمكن أن يموت على الورق على شكل سيناريو لو لم تنتجه مؤسسة موسفيلم الرسمية، وهي الجهاز الوحيد الذي كان قادرا على انتاج وتمويل هذا النوع من الأفلام ومنح مخرجه الحرية الكاملة في التنفيذ يحسده عليها أساطين السينما العالمية كفلليني وبيرغمان وارسون وليز الذي قال ذلك بنفسة في حفل توزيع الجوائز في مهرجان كان لعام 1983.

لقد تعرض تاركوفسكي لكثير من الاغراءات والضغوط عندما جاء للمشاركة في مهرجان كان بفيلم ستالكر وعرضوا عليه طلب اللجوء السياسي ومعارضة نظام بلده وإدانة مواقفه تجاه الفنانين والمثقفين المنشقين، وفي مقابل ذلك سيوفرون له كل الامكانيات التي يريدها لعمله وفي أي وقت يشاء إلا أنه رفض واحتج بأدب على هذا التدخل السافر رغم المرارة التي مازالت في جوفه من تصرفات المسؤولين عن قطاع السينما في بلاده حياله.

خرج تاركو فسكي من الاتحاد السوفييتي بمحض ارادته وبمعرفة الحكومة السوفييتية وموافقتها على المشاركة في انتاج فيلمه الذي صوره في ايطاليا لأسباب تقنية وجمالية تتعلق بطبيعة الموضوع وأماكن أحداثه وهو فيلم “الحنين ” الذي جاء أوفى وأفضل تعبير عن حالة التطواف والتسكع الطويل بعيدا عن منابع الالهام والجذور الأصيلة للابداع، وقد جسد المخرج بصورة مدهشة ومؤثرة حالة النفي والغربة أو الهجرة الروحية لذات الفنان المعجونة بحب الوطن لتنبعث من جديد من بين خلايا الذاكرة، راسمة روح وعواطف وصورة روسيا، الأرض المعطاء الخصبة والحنونة ذات الانفعالات الوجدانية كان هذا الفيلم هو بداية المنفى الاختياري للمخرج لأنه لم يعد بعدها الى وطنه حتى يوم وفاته،وكان المخرج عندما قدم رحلة الباحث الروسي الذي يعد دراسة عن الشاعر المنفي الذي تغرب عن وطنه من سنوات طويلة وأوصى قبل موته أن يدفن جثمانه في وطنه الأصلي، كأنه يتحدث عن نفسه وتجربته المؤلمة اذ كان قد أوصى هو الأخر أن يدفن جثمانه في وطنه بعد موته. تتبع بطل فيلم “الحنين “ نفس خطوات حياة الشاعر المنفي وراح يطأ نفس الأماكن والعوالم حتى اختلطت عليه وقائع حياة الشاعر بوقائع حياته الحقيقية والمتخيلة أو المتقناه واختلط حنين شاعره بحنينه هو الى الوطن، وغرقه في أوهامه وأحلامه وتخيلاته مشتبكة مع قدرته على تخيل لبعض ما عاشه، أو يمكن أن يكون قد حدث لشاعره الروسي الذي كان بصدد اكتشافه بمساعدة مترجمة ايطالية يقع في حبها، وقد صاغ تاركوفسكي هذا العالم بقالب جمالي فريد لا يشذ عن أسلوبه ولغته الاخراجية وعالمه السينمائي المتميز الذي لا يمكن لغيره أن يقلده.

مفردات التعبير عن تاركوفسكي

قد يتاح للمرء معرفة واستيعاب أثر فني وجمالي معين من تكامل وحداته التكوينية وارتسام معالم مناخه وعالمه الشكلي – الاسلوبي، وابعاد مضامينه وموضوعاته ورسالته ان وجدت، وبروز خصائص شخصية مبدعه. الطفولة هي أحدى المقومات الأساسية في تكوين الخالق – الفنان وابداعاته، وهذا ما نلمسه بوضوح عند تاركوفسكي كموضوعة – ثيمة – رئيسية ومكررة بأشكال وصور مختلفة، ابتداء من عازف الكمان الصبي في فيلم التخرج “العجلة الضاغطة والكمان “، ومرورا بإيفان الصبي في فيلم “طفولة ايفان “ والصبي الصانع لجرس أو ناقوس الكنيسة الهائل في فيلم “اندريه روبليف” والأطفال في فيلم “المرأة “ والطفلة العاجزة ذات القوى الخارقة في فيلم “ستالكر” وكلهم ليسوا إلا صورا متنوعة وتناسخا لطفولة تاركوفسكي نفسه التي طبعت وتأثرت الى الأبد بغياب الأب في وقت مبكر – لم يتجاوز تاركوفسكي سن الثالثة بعد – عندما اختفى أو ابتعد والد تاركوفسكي، خصوصا اذا كان أبا شاعرا مشهورا يكن حبا عظيما وأزليا لزوجته حتى بعد فراقه القسري لها. وفيلم “المرآة ” يعرض لنا بجلاء هذه الصدمة العنيفة والعميقة في نفس المخرج والتي لم يتمكن من تجاوزها عندما أصبح رجلا مبدعا وفنانا حساسا أضيفت الى رحلة حياته جروح وصدمات أخرى لا تقل أهمية “مثل انتحار زوجته الأولى. وهو يقول بهذا الصدد “ان الجروح التي تحدث لنا ابان الطفولة لن كتنم أبدا” وان ما يترتب على مثل هذه النتائج المأساوية منتشر بين ثنايا جميع أفلامه المغلفة بالطابع الذاتي الذي يحكي قصة حياته عبر مجموعة من الأشخاص كأدوات موصلة للخارج وعبر وسيلة التقابل والتمازج بين الذاكرة الذاتية الفردية والذاكرة الجماعية للمحيط، وهو يواصل قوله بهذا الصدد: “ان أعظم جوانب الموهبة مكون من الذكريات واننا باستمرار، وبلا توقف، نشاهد الماضي يطفو ويفزر الحاضر مثيرا الأفراح والأحزان والآلام والندم وتبكيت الضمير وهذه أمور لا ينبغي تجاهلها أو رفضها أو انكارها”. نجد مثلا بطل “سولاريس “ قد عثر على الراحة والاطمئنان بقبوله فكرة كونه المذنب في اختفاء زوجته التي انتحرت وذلك بلجوئه الى الماضي. ويقوم تاركوفسكي بربط انفعالاته بجذوره وأصوله العرقية والعائلية والوطنية عن طريق نموذج مركز هو “الأم “ الضحية باستمرار، المقتولة من قبل النازيين، في “طفولة إيفان “ أو التي هجرها زوجها في فيلم “المرآة “ أو المصلوبة مع طفلتها الكسيحة في فيلم “ستالكر”.. وهي أيضا حاجة وآلة لاشباع الشهوات والغرائز ومنح الحب الى جانب النفور والاشمئزاز وفي فيلم “التضحية أو نوستالجيا” اهديت اليها سمة أخرى هي صورة الأم – الرحم. “الحنين “ هو الحنين للاهم الحقيقية وللوطن الام. والعنصر السائل أو المائع هو الغالب على مناخ أفلامه كما ذكرنا قبل قليل وهو رمز بديهي للأمومة عندما يقول تاركوفسكي بهذا الصدد “أنا لا أرى مطلقا الطين فالذي أراه ليس الا ترابا ممزوجا بالماء، أي الغرين أو الطمي، الذي ولدت وتولد منه الحياة. أنا أحب الأرض عموما وأرضي أنا على الأخص “أي روسيا” السد الضعيف والرقيق لكنه الضروري لحراسة وحماية وانقاذ الحضارة الغربية في الأمس وفي اليوم كما في الغد، كما شهدنا في “اندريه روبليف “ و” المرآة “ وكما هو قدر روسيا في ايقاف وصد البربرية، تقع على الفنان مهمة الحديث بلسان شعبه وصوته ليكون المعبر عنه في هذا العالم الطامس في الحضارة المادية، ليقول بالضبط ما يشعر به وما يحسه من قلق وغموض وليجسد الأمل والمثل الأخلاقية والسمو. يكون الفن واقعيا حينما يحاول التعبير عن مثل أعلى وغاية روحية “.

هذه هي الصورة التي أراد اندريه تاركوفسكي تقديمها عن بطله “اندريه روبليف “ الذي يحمل اسمه الأول “اندريه “ نفس الاسم الأول للمخرج.

ورغم هذه الطروحات ذات المنحى الديني – الكاثوليكي البديهي، فان تاركوفسكي لا يبحث عن الله كهم أساسي لأنه “أكثر غموضا وتعقيدا وسعة من مداركنا الحسية “ ولأنه مطلق طريقا من الآلام والايمان يقبع في انتظاره “فكل الأفراح والماسي، الالهام والوحي المبدع والخلاق، مؤسسة على المعاناة وتعتمد على تحمل الآلام والصبر صغر أو كبر” خصوصا لكائن “لا يتمكن من الخروج من أصله وانتمائه الروسي وهي معاناة تزيد على معاناة التغرب والهجرة والمنفى”. الملاحظ هنا شيء روسي في الجوهر، في الخصائص والأعماق، في إصراره على تحمل الألم، في ذلك بالتعلق المهووس بالوطن والأرض التي يولد عليها الفنان. أليس غوغول هو الذي كتب “الارواح الميتة” في روما وديستوفسكي قد صاغ “الابله ” في فلورنسا، وها هو تاركوفسكي قد صور في توسكا تحفته “ فهو حتى لو لم يكن مرتاحا في بلده فهو غريب، ممزق وضائع هنا في أرض الغربة المؤقتة، على غرار ابطاله، يرمي وراءه الشرق والغرب معا. فالتفكير والتأملات الأيديولوجية موضوعة ومستندة دوما الى التفكر والتأمل في الألم. فالأيديولوجية تؤدي الى التخدير “الاجتماعي”، ومبدأ “المتعية “ المعاصر ما هو الا “صورة مغلفة للشيوعية “. أليس هو المذهب الذي يقول بأن اللذة والمتعة والسعادة هي الخير الأساسي أو الرئيسي وهو المذهب القائل أيضا بأن كل نشاط اقتصادي قائم على ارضاء طبقات المجتمع وتحقيق أكثر ما يمكن من رغباتها؟ فما هو وجه التناقض في ذلك مع النظرية الشيوعية التي تبدأ بمناداة تحقيق هذه المرحلة نحو الوصول الى مجتمع اليوتوبيا الخالي من الطبقات حيث السعادة “المطلقة “، والحال ان الشيوعية تسعي الى تأمين استمرارية مذهب “المتعة “ في مستقبله الطوباوي. أما الغرب فهو لا يعد بتحقيق الجنة على الأرض وانما يعد بتوزيع تفاح جنة عدن في كل مكان، وعلى الجميع بمطالبته بالمقابل المدفوع أي بالمال وبهذا تلتقي الأفكار وتصبح الفروق ضئيلة وهامشية وان اختلفت الوسائل والطرق في تحقيق السعادة. فنحن لم نفتأ بالتوغل في المادية كما يفعل الذباب مع العسل، وسيموت الانسان ان لم يجد توازنه. “وبتواضع كبير أرغب وأسعي في أن أساهم وأساعد هذا الانسان أن ينهض قليلا” وكل فيلم من أفلام تاركوفسكي يقوم بمهمة، وهو بحث ورحلة عقلية ونفسية أكثر منها واقعية، وان كانت مرئية، الا أنها مجازية ويكون فيها البطل “أي المخرج هو القائد والدليل والمعبر المختار (مشعل ستالكر الواضح هو نفسه مشعل الشاعر في الحنين)، في مواجهة الشك والتردد والعداء، ولكن من المعروف أدان العبقري الذي يتخطى مجتمعا سيتهم بالجنون لأنه سيدخل في معركة ضده ولأنه فهم الأشياء قبله “ فعلى الفنان الا ينتج مسودات بل أفلاما مهمة وهذا ما طبع أفلام تاركوفسكي جميعها منذ فيلم التخرج حي آخر انتاجه قبل رحيله الأبدي.

“الفيلم يصنع لحظة التصوير، وأنا أجبر نفسي على متابعة انسياب الزمن في اللقطة الواحدة والايقاع الذي هو جوهر اللقطة، يولد من التوتر الزمني في داخل كل لقطة على حدة، والمونتاج يقرب ويربط ويوصل التسلسل والتتابع بين اللقطات المشحونة بالزمن وليس بالمفاهيم. وأنا لا اعتبر بأن أساس ومعنى وجوهر السينما هو في تقابل وادماج مشهدين لخلق مفهوم جديد ومعنى ثالث كما قال بذلك ايزنشتين بل على العكس تبدو لي نفس اللقطة كأنها قمة وخلاصة لجميع اللقطات التي سبقتها. هكذا يتكون ويتألف معنى وجوهر اللقطة عندي وذلك بعلاقتها الجدلية وليس الميكانيكية مع ما سبقها من لقطات وهذا هو مبدأ المونتاج عندي”.

هذا فيما يخص الشكل الاخراجي والاسلوبي للغة تاركوفسكي السينمائية أما منحاه المضموني فهو يعلن صراحة انتماءه وتأثره بفلسفة وتحليلات وطروحات فردريك انجلز الذي قال “ان أي أثر فني، من مستوى معين، يكون عميقا وبمستوى الفكرة والرسالة التي يطرحها اذا تجنب المباشرة أصبح مستترا بصورة أعمق ” ومن هنا يأتي التفسير في التجاء تاركوفسكي لكثير من الاشارات والاستفادات الأدبية والفنية كالشعر بصفة خاصة (شعر والده بالذات)، والرسم والموسيقى والتلاعب بالنور والظل والألوان والأبيض، والأسود والاستعمال الواعي والمتجدد للصوت كعنصر تعبيري مستقل. وللكلمات مكانها وأهميتها المعطاة مثلما هي لدور الأشياء ومكونات الطبيعة التي شكلت وركبت بعناية داخل كل كادر لتوحي بمعان وايحاءات وبث الكثير من التنويهات والاشارات ” يمكننا أن نعبر عن العالم الموجود في الواقع بطريقة شاعرية أو بهيئة وصفية بختة أما أنا فأفضل أن أعبر بصيغة مجازية وأصر على تعبير مجازي بدل الرمزية لأن الرمز يحوي في داخله معنى محددا وصيفة مثقفة بينما المجاز هو الصورة بعينها عكس الرمز، وللمجاز معنى غير محدد ولا معرف اذ نشعر فجأة بغبطة وارتياح حقيقي عندما نفهم أنه ليس بوسعنا استهلاك ومعرفة مكامن الصورة “ ويقول تاركوفسكي انه يتوجه الى الجانب اللاعقلاني عند الانسان أكثر من الجانب النقلي والعقلي المنطقي. وينتمي الى ديستوفسكي أدبيا والى دوفجينكو سينمائيا وتأثره بسينماه الحميمية الساحرة ونمم تغلب الجانب التجريدي عليها. وان أشخاصه وأبطاله هم عبارة عن معان مجردة وماهيات متسكعة ومتجولة عبر الزمن عندما تمني تترك وراءها الأفكار والتساؤلات.

مصادر البحث

-أفلام تاركوفسكي

-مقابلات خاصة لكاتب الدراسة مع المخرج.

– دوريات سينمائية متخصصة كتبت في أعداد خاصة، أو في مقالات متفوقة عن تاركوفسكي مثل مجلات «كاييه دي سينما. بوزتيف» صورة وصوت، مجلة السينما، دراسات سينمائية “.

جواد بشارة ( ناقد من العراق يعيش في باريس)

أندريه تاركوفسكي: سينما الإنسان والحنين إلى الأرض/ حميد عقبي

نعلم جيدًا أن فيلم “ستلكر” للمخرج الروسي أندريه تاركوفسكي وجد حفاوة كبيرة بمهرجان “كان” 1980، ورغم الشهرة العالمية أدرك تاركوفسكي قسوة العذابات أكثر من أي وقت مضى مع زيادة تعرضه لمضايقات من قبل ممثلي النظام السوفييتي السابق، الذين كانوا يتهمونه بتأثره بالغرب الإمبريالي. ومع تعاظم يأسه، لم يكن له إلا خيار الغربة وترك الأرض التي يعشقها حد الجنون. وفيلم “نوستالجيا” يقربنا من هذه السيرة الذاتية إلى مستوى الحكاية، لكن تاركوفسكي ليس من هواة الحكايات، ولذا نجد أن الفنان تعمّق في ذاته المضطربة والشفافة وأحيانًا عكس السذاجة والطيبة البدائية، لكن الفيلم ككل أفلامه يلامس القلق الإنساني ويُعدّ نظرة كونية إلى محن إنسانية تتعاظم بفعل النزعة المادية، وضعف العنصر الروحاني المعرض للتلف.

البلدة الإيطالية الصغيرة في توسكانيا، التي تشتهر بحماماتها المعدنية الساخنة وذات القداسة الخاصة، تتحول إلى استوديو رحب يكون مسرحًا لتصوير فيلم “نوستالجيا” للشاعر السينمائي أندريه تاركوفسكي (1983) وهو فيلمه الأول خارج روسيا، وبطل الفيلم (أندريه)، هذا الشاعر الروسي، يأتي إلى إيطاليا لغرض البحث في السيرة الذاتية للشاعر الغنائي الروسي بافل سوزنوفسكي الذي نفى نفسه في إيطاليا في القرن الثامن عشر قبل أن ينتحر.

العزلة والنفي، الفوضى بين الفنانين وصدام الثقافات- هذه هي المسارات التي سنصادفها في “نوستالجيا” وسيغرقنا تاركوفسكي في تاركوفسكي أكثر من الخروج بملخص بيبلوغرافي عن سوزنوفسكي.

نزعة صوفية

ليس هناك مكان للصدفة أو الارتجال في سينما تاركوفسكي الذي أخرج سبعة أفلام فقط خلال مسيرته الإبداعية، فقبل أي عمل لا يتكاسل هذا المخرج في قراءة أطنان من الكتب والوثائق وما له علاقة بموضوع الفيلم، لكن النتائج دائما تضعنا مع فيلم يغوص في ذات المخرج ونجده مولعًا ويختار أبطال أفلامه فنانين أو لهم علاقة مع الفن ويحملون أفكارًا فلسفية ووجهة نظر حول قضايا معقدة، فالإنسان متى شعر بإنسانيته قادر على أن يحقق أشياء، والفن وحده يخلق الأمل وأي نشاط فني ليس له عمق روحي لا علاقة له بالفن، والفن صلاة إبداعية خالصة وتهاليل روحية.

نحن مع سينمائي يرى أن السينما فن شعري، ولا يمكن خلق القيمة الفنية الشعرية خارج روح المخرج، فالفيلم ما هو إلا الجدل بين المرئي واللامرئي ومن هنا يخلق الفنان أيقونة خالدة، وتاركوفسكي يمزج الفن الحديث المعاصر مع الفنون البربرية ليزج بنا في بحيرة من الأحلام.

نفهم من فلسفة تاركوفسكي أن الإنسان بدون حب أقل منزلة من الحيوان، وهو الشخص الذي ليست له المقدرة للرد على سؤال لماذا نعيش؟ أو يفتقد الشجاعة على طرح مثل هذه الأسئلة، وهذا ليس له أي علاقة بالفن، وبرأيه عمل الماديون ليبتعد الفن عن الإرث الحضاري والروحي لروسيا، فكانت النتيجة أنشطة فنية مبتورة أو كانت حيرة وجمودًا، كما أن الفن الغربي شجع التعبير الحر عن الذات فكان هناك أمثال بيكاسو وبيتهوفن وغيرهما وصلوا إلى العالمية لأنهم عبروا عن الكون والإنسان.

كاميرا تاركوفسكي

عندما يمسك تاركوفسكي بالكاميرا فهو يلهو كمراهق ويؤسس لها مسارات من السكك، فهو يريدها كالقطار الحر تتحرك بانسيابية وسلاسة وحرفية دقيقة حيث يغامر بلقطات متسلسلة دون قطع وينزع إلى حركة الترفلينج بطريقة غير معهودة في العرف السينمائي، كما أنه يتلذذ بوجود عدة مرايا داخل المكان، بينما قد نرى غيره ينزعجون من وجود مرآة لما تسببه من مشاكل وعكس الضوء أو حدوث تشوهات. كاميرا تاركوفسكي تمتلك مقدرة وخبرة تقنية كبيرة، وهو يصور ما يريده ويشعر به، ويجتهد في كتابة السيناريو حيث يجد أعضاء الفريق الذي يعمل معه أنهم مع سيناريو غني ومفصل يضع في حساباته أبسط النقاط، ويحدد بدقة معالم كل لقطة.

تاركوفسكي كان يقود الممثل ويعرف كيف يتعامل مع كل واحد في فريقه، وقبل تصوير أي مشهد كان يجلس مع كل ممثل أو ممثلة على حدة، ثم يجتمع بالجميع ليشرح بدقة كل حركة يريدها.

فيلمه “المرآة” أكثر أفلامه سهولة، حيث عكس حالته المريضة في الأربعينيات من عمره، وربما يكون أقل أفلامه الميتافيزيقية، كونه تعمق في طفولته حيث عكس تأثيرات الحرب وغياب الأب محتفيًا بأمه ليعطيها القداسة، وهو ككل أفلامه التي تظهر فيها تعقيدات الحياة الزوجية التي كان يعاني منها أيضًا، ونظرة على الماضي استرجع فيها ألم طفولته. وتلك اللقطات للظلمة عند مدخل البيت وذلك الباب الفاصل بين الداخل المعتم والخارجي المضيء بضوء النهار والجدران الداكنة كان يراها في أحلامه تؤرقه وتقلقه وتزيد حنينه للأرض والبيت، وهكذا طوع الفيلم ليعيده إلى حضن ذلك البيت، فالسينما فن معه يمكن تطويع المستحيل.

الذاكرة الروسية

أفلام تاركوفسكي تتعمق في الذاكرة الروسية وتستكشف عنف السلطة وتدميرها للذات. فيلمه “أندريه روبليف” يتعمق في فترة القرون الوسطى ويحتوي على مشاهد عنف كثيرة كأن هذه الأرض من الكون مقدر لها أن تعيش هذا العنف، وهذا الفيلم كان مسرحًا لكل أنواع العنف التي من الممكن تخيلها، فنرى ذلك الصبي يتجول في غابة لينقل لنا بعض هذا الرعب ونرى من خلال وجهة نظر هذا الصبي الموت في كل مكان (فلاح يفقع عينيه ويقتلعهما بسكين، جثة أخرى لشخص ما تشوهت بوحشية، أحدهم يضرب كلبه بلا رحمة، جسد طائر مشوه). ويكاد لا يخلو مشهد من العنف، ومقابل هذا نرى مواجهة للحلم والفن ضد القبح والقسوة، وروبليف ظن أن بمقدوره أن ينقذ العالم بخلق جمال الأيقونة للكاتدرائية، لعل هذه الصور لشخصيات وحكايات دينية مقدسة ترمم الأرواح المتعبة.

القداسة للأم والأرض

في فيلمه “المرآة” وجه الأم يمثل ويقدم جمال الأرض وحنانها ومشاعر الحب، يقابله وجه الرجل الممثل لقسوة النظام السوفييتي، فالتاريخ بالنسبة إلى تاركوفسكي ليس الزمن الماضي المنتهي بل هو ذاكرة حية ترافق الحاضر والمستقبل. نجد مثلًا في هذا الفيلم لقطات أرشيفية لعائلات إسبانية يتم طردها، ثم يكون الفن دائمًا وسيلة دعم للحكاية لتركض بنا على جسورٍ درامية، لكن الحكاية ليست الهدف أو الغاية.

في كل فيلم سيتوقف بنا تاركوفسكي لتأمل لوحة فنية. حتى فيلمه “سولاريس”، وهو فيلم خيال علمي، بعيدًا عن الأرض، حيث نتعايش مع لوحة لصيادين في أرض يغطيها الثلج، وهنا يعبر تاركوفسكي عن الحنين للأرض، فهو يبالغ في تقديسها ويرى السماء فارغة، وكان يتعمد ألا يصور السماء وحينما يصورها فهي مجرد ظل للأرض.

يعكس تاركوفسكي روسيا التي يحلم بها والتي يجب أن تكون وتظل غنية بجمالها وروحها الإنسانية، لذلك نراه في فيلم “نوستالجيا” يتفاعل مع كل عنصر طبيعي ويحتفي بالمطر ويقدم لوحات مقاربة في مناخها مع أرضه الأصلية.

الأرض تعني الطين المبلل ونجده كتوقيع خاص في كل أفلامه، بينما الماء عنصر الهدم ومرآة للتجول في ذاكرة الفن والتاريخ، ونراه في فيلم “نوستالجيا” يحول الأم إلى كائن غريب في مشهد تغسل الأم شعرها الطويل الكثيف، كذلك بيت دومينكو المدمر بسبب الماء، والريح أداة رسم تضيف جماليات مدهشة بهبوبها ثم توقفها في نفس اللقطة، والنار هي الأخرى عنصر ديناميكي تشكيلي، وسنجد حرص البطل أندريه على أن تظل شمعته متقدة هو يعبر البركة البخارية في “نوستالجيا”، هذا الطقس الغريب يصوره تاركوفسكي بدقة وهنا يمرر دلالاته الشعرية وفلسفته الخاصة بأن إنقاذ هذا العالم لن يكون بالعسكر والحروب لكن الشعلة هنا تعني رغبة طفولية بريئة وحلمًا داخليًا كذلك، فالقصة تجد المعاني العميقة والمسار القصصي المنطقي لم يكن له أي قيمة، ولا يحرص المخرج على التوضيح بقدر حرصه على الغموض وإرباكنا والزجّ بنا في متاهاته الشعرية.

عمق الكادر

يسجل تاركوفسكي ببراعة أشياء مهمة في عمق الكادر، في “نوستالجيا” نجد أن عمق الكادر منطقة مهمة وحيوية، ومنذ اللقطة الأولى نرى تكوينًا بديعًا حيث تتحرك أربع شخصيات نسائية مع كلبهن في مكان طبيعي حوى معالم الجمال، وتبدو الكاميرا كأنها على مكان مرتفع تتسمر لمتابعة حركة الشخصيات إلى العمق، والطبيعة تمسرح العناصر المكونة للقطة بدخول عناصر جديدة مثل الحصان الأبيض أو الهضبات من عدة جوانب، ونعيش لحظة رسم لوحة تشكيلية يصعب وصفها.

في الكنيسة الصغيرة، نلاحظ أن الكاميرا تحرص على مسافة متوسطة مع المرأة الشقراء التي تظل تسير بخطوات هادئة ونسمع طرقات كعبها العالي على الأرضية، وهي جاءت لتستسلم للحظة صوفية حيث لا زخارف أو نقوش. هذه الصلوات تغري الكاميرا لتقترب أكثر ثم نرى تدفق سرب من الطيور. يبحث تاركوفسكي عن لقطات هي قصائد الهايكو متنوعة وفيها دائمًا لحظة ما لا نتوقعها، هو لا يركض وراء الرموز والتشبيهات والألوان البلاغية وقد يتعمد بمونتاجه البطيء هدم بعض هذه الألوان لكن الدهشة تتفجر بسلاسة وانسياب دون صناعة وتكلف أو طرق مفضوحة.

واقع حرج ومقلق، حيث نجد الشخصيات في المشاهد الداخلية سجينة كادر مغلق وقد تشوه الظلمة جزءًا من الوجه، تاركوفسكي يعترف أو يقدم شخصية مهزومة ومسجونة في واقعها الجديد، البطل يدير بظهره للكاميرا، يحدق في اللاشيء، يستمر في تدخين سيجارته مستندًا إلى قبضة الظلمة كأنها الظلمة الداخلية لا يمكن هزيمتها بمصدر ضوئي خارجي مهما كانت قوته.

فرانشيسكا امرأة جذابة وهي المترجمة للبطل، تبدو كأنها شخصية من لوحات عصر النهضة تشع بالنشاط، تبدو متحررة كصورة متناقضة للبطل.

نلاحظ كذلك نوعًا من المراوغة عند تصوير البيت، فهو يصوره من زوايا مائلة وينحرف بالكاميرا ليتحاشى العرض الموضوعي أو المباشر، فالبيت هنا وسط الطبيعة وهو الحلم الموجع والبعيد المنال، ونجد تاركوفسكي يبث حنينه كشاعر مكلوم. البيت في سينما تاركوفسكي معرض للدمار والخراب والحرق، هنا بيت دومينكو المجنون، هذا الشخص الصامت، ويقيم أندريه بطل الفيلم في بيت متقشف لا توجد فيه زينة ولا أشياء قد تسقط فجأة ولا نوافذ كثيرة، وأدرك المخرج أن منزله هناك وأن روسيا بعيدة ومستحيلة وأن عليه أن يقتنع بالمنفى في السويد أو إيطاليا.

الغموض

في” نوستالجيا” يربكنا الغموض، لكننا نستطيع تلمس ثلاثة مناف وليس منفى واحدًا، فنحن نحسُّ بمنفى تاركوفسكي والبطل والشاعر الغنائي الذي يقتفي أثره البطل، والمنفى هنا يتجاوز المكان كجغرافيا والبيت ليس الجدران والديكور والأرض ليست الطين كمادة بتكوينها الفيزيائي والكيمائي، هنا الحنين، ببساطة الشعور بمحدودية الروح وعجزها عن الحركة فنرى الجسد يتثاقل ونرى الشخصية تجلس محدقة في اللاشيء وبطيئة وهي تركن إلى الظلمة والصمت، وينتقل بنا المخرج من مكان معتم إلى مكان رحب ومن وجه قد تختفي بعض ملامحه بفعل ظلمة مقصودة إلى وجه آخر متوهج بضوء طبيعي خرافي، والفيلم أشبه بمرآة كبيرة تعكس القلق والحلم واللذة، ترسم الروح في كل حالاتها، في حلها وترحالها بين الأمكنة.

الجنون

في فيلم “نوستالجيا” نصطدم بالجنون مع شخصية دومينكو، ببساطة تاركوفسكي يسمح لشخوصه بالتحرر وأن يعرضوا نمط الحرية التي يريدونها، ويمكن أن يثور أحدهم كما فعل دومينكو الذي خطب وصرخ في الناس يحذرهم من نهاية العالم ثم أحرق نفسه وسط ميدان. بالنسبة إلى بطل الفيلم فهذا الرجل ليس به مسّ من الجنون بل بالعكس يملك الإيمان وهو الأقرب إلى الحقيقة ويترجم قلق البطل، شخصية تمتلك القوة والقدرة على الصراخ وتعكس القوة الجبارة للإنسانية وتلفت نظرنا إلى المستقبل. دومينكو يرى ما لا نراه، وهو أقرب إلى العالم الميتافيزيقي والإحساس بألم الإنسان وبشاعة الواقع. تاركوفسكي لم يصنع شخصية لتضحكنا، لكن خلقها كعنصر شعري مفجع تحمل في ذاتها الكثير من الغموض والتعقيدات كواقع هذا العالم المرعوب بحروب لا تتوقف، وبعنف يسحق البسطاء، وبأنظمة اقتصادية تصنع الجوع والمجاعات، وبسياسات ميكيافيلية لا تأبه بما هو روحي وإنساني.

يوميات المخرج الروسي أندري تاركوفسكي… حياة برسم القلق/ سليم البيك

يتشارك كبار السينمائيين في أمور عديدة، قد يكون من بين أهمّها رغبتَهم في أن يكونوا كتّاباً، نقول من بين الأهم لما فيه من تأثير على سيرتهم الفيلمية، وعلى التمثيلات الأدبية في أفلامهم، إن كان في الموضوع: شخصيّات من بينها كتّاب أو أن الفيلم ذاته يكون مأخوذاً عن رواية، أو من ناحية الشكل في تقنية الحكي (فويس أوفر) كأن أحداً يقرأ للمشاهد من كتاب، أو في الحوارات أو حتى تقنيات أدبية تخص الرواية والزمن فيها.

الأمثلة في ذلك وفيرة، يمكن أن نلتقط أسماء أهم المخرجين في العالم، لكن سنقصر على ذكر بعض المخرجين، كي لا نكرّر كثيراً، على أولئك الذين تخطت الرغبة المذكورة أعلاه المجال السينمائي لتصل إلى الورق، ويصير المخرجون، وهم بمعظمهم يكتبون أساساً سيناريوهات أفلامهم، كتّاباً فعليين بإصدار مؤلّفات الغاية منها أن تُقرأ وليس، كالسيناريوهات، أن تُنقل إلى الشاشة.

نذكر من بينها كتب «هيتشكوك» لفرانسوا تروفو، «المصباح السحري: سيرة ذاتية» لإنغمار بيرغمان، «شيء كسيرة ذاتية» لأكيرا كوروساوا، «سيرتي الذاتية» لتشارلي تشابلن، «جان لوك غودار» لجان لوك غودار، «النحت في الزمن» لأندري تاركوفسكي، وغيرها تتراوح بين السيرة الذاتية والكتابات النقدية والمقابلات، واليوميات كما هو الحال في كتاب موضوع هذه المقالة، وهو كتاب متواجد في المكتبات منذ سنين، إنّما صدر حديثاً بإضافات واكتشافات جديدة وعديدة تُنشر لأول مرة، وهو يوميات المخرج السوفييتي أندري تاركوفسكي بعنوان «يوميات: 1970-1989» وصدر مؤخراً عن دار «فيليب راي» الفرنسية.

عندما بدأ تاركوفسكي في أبريل/نيسان عام 1970 بكتابة يومياته، التي استمر بكتابتها للستة عشر عاماً التالية إلى يوم وفاته، كان في الثامنة والثلاثين من عمره، متزوّج وينتظر طفله، وقد اشترى مؤخراً بيتاً في الريف، وفكرة فيلمه السيَري «المرآة» تنضج أكثر لديه، وقد أنجز إلى لحظتها فيلمين: «طفل إيفان» عام 1962 الذي نال الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا السينمائي، وفيلمه البديع «أندري روبليف»، ما يمكن أن يجعل من هذه اليوميات، الصادرة في أكثر من 500 صفحة، إضافة أساسية لفهم مجمل المنجز الفني لتاركوفسكي والإحاطة الأشمل به، في ما يخص منها أفلامه وفي ما يخص حياته الشخصية المتأثّرة بأفلامه والمتأثرة بها.

لم يتوقف تاركوفسكي منذ بدأ بكتابة اليوميات عن تسجيل أفكار وآمال ومخاوف وصعوبات على الصعيدين الشخصي والمهني. وفي الثمانينيات ستصير هذه اليوميات «يوميات المنفى»، إذ سيصوّر فيلمه «نوستالجيا» في إيطاليا، و«التضحية» في السويد، إلى أن يموت مصاباً بالسرطان عن 54 عاماً.

يُعرف تاركوفسكي بالشاعرية في أفلامه، بالمجازات الأدبية فيها، بالسينماتوغرافيا البديعة، ألواناً وزوايا تصوير ولقطات وأصواتا وحركات كاميرا وغيره. وهذه الحساسية والرهافة في سينماه نجدها في الكلمات التي سجّل بها يومياته، ببعدها الفلسفي والتأملي، ما يعطيها قيمة إضافية وهو أحد أفضل السينمائيين في التاريخ.

بالإضافة إلى التفاصيل اليومية، كما ذُكر أعلاه، فإن اليوميات تشمل مشاريع أفلام لم ترَ النور، إذ سجّل تاركوفسكي ملاحظات وأفكار على أن يطوّرها لأفلام لو لم يمت، ولعلّ الموت كان حاضراً فيها، مرتقباً، نقرأ بأن «الإنسان لم يُخلق لأجل السعادة، فهنالك أشياء أكثر أهمية بكثير»، ومن بينها التضييقات التي كان يعاني منها في الاتحاد السوفييتي، كإنسان قبل أن يكون سينمائيا، ما جعله يكمل حياته ومشاريعه السينمائية في المنفى، حيث سيموت. لكنّه لم يعلن نفسه «منفيّا» أو منشقا خوفاً على أهله، فيكتب بأن «السنوات هذه ستحمل ملاحقات لأندروشكا في المدرسة، ولأمي وأبي. لا، ليس لدي سوى الصلاة».

يكتب من التفاصيل الصغيرة كـ «ليس في المحال شيء، الزبدة تقلّصت، 300 غرام في الشهر وللشخص»، إلى توصيف متعجّل لشخصيات التقى بها في الخارج كأحد أفضل المخرجين كذلك في تاريخ السينما، السويدي إنغمار بيرغمان الذي «يخاطب مستمعيه كأنهم أطفال».

أما العبارة الأخيرة من اليوميات فقد كُتبت في 15 كانون الأول/ديسمبر 1986، وقد مات تاركوفسكي بعدها بثلاثة عشر يوماً، وكانت غامضة وناقصة دون أن نعرف ما الذي قصده وعن أي فيلم كان يحكي: «النيغاتيف مقصوص في عدّة أمكنة، لا نعرف لماذا».

ولد تاركوفسكي في 4 إبريل عام 1932 في روسيا. بعد «طفل إيفان» صوّر «أندري روبليف» عام 1966 لكنّه لم يُعرض إلا بعد خمس سنين من إخراجه بعد أخذٍ وردٍّ مع الرقابة السوفييتية، وأثناء تصويره لهذا الفيلم قابل الممثلة لاريسا إيغوركينا التي ستصبح زوجته. يكمل مشروعه السينمائي بالمزيد من الصعوبات، بإخراج «سولاريس» عام 1972 و«المرآة» عام 1974 و«المتعقّب» عام 1979، و«نوستالجيا» عام 1983. أما فيلمه الأخير فهو «تضحية» وقد صُوّر في السويد صيف 1985، وأنهاه قبل موته بقليل. أخيراً، بين الفيلم وموته أنجز كتابه «النحت في الزمن»، ليموت في 29 كانون الأول/ديسمبر عام 1986.

من يوميات أندريه تاركوفسكي

أندريه تاركوفسكي هو واحد من أبرز وأهم الاسماء في تاريخ السينما، أخرج طوال مسيرته الفنية – 25 عاما تقريبا – سبعة أفلام فقط، لكن كل فيلم له كان يعد حدثا فنيا فذا وحاضرا في الذاكرة على الدوام. واذا كان تاركوفسكي في كتابه المهم والقيم “النحت في الزمن” يتوجه الى القاريء المهتم بالسينما، فانه في يومياته، التي طبعت في كتاب لأول مرة في المانيا عام 1989، كان يدون ملاحظاته وانطباعاته وأراءه وتأملاته وهمومه الحياتية اليومية مخاطبا ذاته في المقام الأول، ومع ذلك فإنها تتخطى تخوم الذات لتشمل وضع الفنان في كل مكان من العالم.. الفنان في مختلف حالاته ومظاهره وهمومه.. ومن هنا تكتسب اليوميات أهميتها وضرورتها.

اليوميات تغطي الفترة من 1970 الى 1986، وقد آثرنا ترجمة مختارات من الكتاب المطبوع في بريطانيا عام 1994، المترجم عن الروسية من قبل كيتي هنتر – بلير، تحت عنوان “الزمن داخل الزمن”.

* مرة أخرى تحدثنا عن دوستويفيسكي، انا وساشا ميشورين (كاتب مسرحي وسينمائي، شارك في كتابة فيلم “المرآة”). من المبكر ان نفكر في كيفية اخراج فيلم عنه. علينا أولا أن نكتب المشروع. لا نرى أي جدوى من تحويل رواياته الى الشاشة. يجب أن نحقق فيلما عن الرجل نفسه، عن ذاتيته، عن أعماله، في هذا المرحلة، علي أن أقرأ كل مما كتبه دوستويفسكي وكل ما كتب عنه…….. 30 أبريل 1970.

بامكان دوستويفسكي ان يصبح غاية ما أريد ان افعل في السينما.

* في 24 ابريل اشترينا منزلا في الريف. انه المنزل المثالي. الآن، لا يهمني ما يحدث. اذا لم يكلفوني بأي عمل فسوف أجلس في الريف، أربي الخنازير الصغيرة والاوزات، واعتني بالنباتات.. وليذهبوا (القائمون على الانتاج) الى الجحيم…………… 15 مايو 1970.

* لاريسا في الشهر الاخير من الحمل. ان اكثر ما يخيفني هو أن اوصلها الى المستشفى بنفسي.. يا لها من خاطرة مرعبة……….. 12 يوليو 1970.

* أندريوشكا، ابننا، عمره سبعة أيام فقط، لكن شكله يوحي بانه أكبر سنا. هادىء جدا، لا يبكي، أحيانا يتنفس بصوت عال، أحيانا يطلق صوتا قصيرا حادا………. 15 اغسطس 1970.

مفلس، ديون مروعة.. لا يمكنني أن أتخيل ما الذي سيحدث لنا. المنزل الريفي يحتاج الى الكثير من التصليحات.. يجب إعادة بناء السقف. أعدت قراءة توماس مان. انه عبقري. روايته “الموت في فينيسيا” مذهلة، على الرغم من الحبكة العادية جدا.

* أندريويوشكا مضحك جدا. يبتسم عندما يشبع. وحين نناديه باسمه يركز كل انتباهه انه مبهج للغاية………… 26 اغسطس 1970.

الأمور في الاستوديو مريعة جدا. انه انعكاس للوضع العام. الى أين يتجه كل شي ء؟ الله وحده يعلم. الحمقى هم الذين يتولون الادارة.

* لا يتعين على الطفل أن يكون أعجوبة او نابغة، عليه ان يكون طفلا فحسب. المهم الا يظل “عالقا” في الوضع الطفولي………… 1 سبتمبر 1970.

وأنا أراجع الاوراق القديمة. أتوقف عند المناقشة التي دارت في الجامعة حول فيلمي “أندريه روبليوف”.. يا للمستوى المخجل ! جدل عقيم، مثير للشفقة، لكن هناك رأيا واحدا، ثاقبا أو لافتا، طرحه استاذ الرياضيات الشاب “مانين”، الحائز على جائزة لينين، والذي يعبر بدقة عما كنت أشعر به اثناء عملي في الفيلم. لقد قال:

“كل متحدث تقريبا تساءل لماذا يجب علينا ان نعاني طوال الساعات الثلاث التي استغرقها عرض الفيلم. وانا سأحاول الاجابة على هذا السؤال”. ذلك لأن القرن العشرين قد شهد انبعاث نوع من التضخم العاطفي.

حين نقرأ في جريدة عن ذبح مليوني شخص في اندونيسيا، فان الانطباع الذي يتكون لدينا متماثل تماما مع ذلك الذي يسببه فوز فريق الروكي في المباراة: الدرجة ذاتها من الانطباع أو التأثر!!

اننا نحقق في ملاحظة التعارض الرهيب بين الحديثين. قنوات الادراك الحسي قد أصبحت مخففة الى حد اننا لا نعود نعي ما يحدث. ما أريد ان اقوله هو ان هناك بعض الفنانين الذين يجعلوننا نشعر بالحجم الحقيقي للاشياء. انه العبء الذي يحملونه طوال حياتهم، وعلينا ان نشكرهم على ذلك”.

اذا كان أفول الفن جليا، واذا كان الفن هو روح الأمة، فان أمتنا اذن تعاني من داء عقلي خطير.

* المرء لا يحتاج الى الكثير ليكون قادرا على العيش. الشيء الجوهري هو أن تكون حرا في عملك. طبعا من المهم ان تطبع كتابك أو تعرض لوحاتك، لكن اذا لم يكن ذلك ممكنا، فان لديك أهم شيء: القدرة على العمل دون ان تطلب اذنا من احد. لكن في السينما هذا ليس ممكنا. انك لا تستطيع أن تصور لقطة واحدة ما لم تسمح لك الدولة بذلك………….3 سبتمبر 1970.

اذا الكاتب، على الرغم من مواهبه الفطرية، يكف عن الكتابة لأن أحدا لا ينشر له، فانه ليس كاتبا. الفنان يتميز بذلك الدافع الذي يحثه على الخلق، والذي هو ملازم للموهبة.

* اذا لم يكن ممكنا “الامساك بما لا يمكن الامساك به، ادراك ما لا يمكن ادراكه”، اذن فالانسان لم يبرر وجوده بأية وسيلة……… 5 سبتمبر 1979.

ليس للحياة غاية، لو كانت هناك غاية، فان الانسان لن يكون حرا، بل سيصبح عبدا لتلك الغاية، وحياته ستكون محكومة بمعايير جديدة تماما: معايير العبودية. مثل الحيوان، الذي غاية حياته هي الحياة نفسها، استمرار النوع. الحيوان يتحمل ثقل نشاطاته المستعبدة. لانه يستطيع ان يشعر بغاية حياته غريزيا، بالتالي فان عالمه محدود. الانسان، من جهة اخري، يزعم انه يتوق الى المطلق.

* كيف سيكون مستقبل أطفالنا؟ الكثير يتوقف علينا نحن. لكن الامر سترون لهم أيضا. ما يجب ان يكون حيا في داخلهم هو نضالهم. من اجل الحرية. ذلك يتوقف علينا نحن………….7 سبتمبر 1970.

أولئك الذين ولدوا مجبولين على العبودية، يصعب عليهم التخلص من العادة.

الانسان مركب من سمات وخواص متعارضة. التاريخ يثبت بقوة حقيقة أنه يتحرك دائما في أسوأ اتجاه ممكن. اما ان الانسان غير مؤهل لقيادة التاريخ، أو انه يقوده، لكن فقط بدفعه نحو أكثر الدروب وعورة ورهبة. ليس هناك مثال وأحد يثبت العكس. الناس غير مؤهلين لأن يحكموا الآخرين. انهم فقط مؤملون للتدمير.. والمادية سوف تتمم التدمير.

الجنس البشري سارع الى حماية الجسد ولم يهتم أبدا بحماية الروع. في مسار تاريخ الحضارة، الشطر الروحي من الانسان قد انفصل أكثر فأكثر عن الشطر الجسدي، المادي. والآن في الامتداد اللامتناهي. للظلمة نستطيع فحسب أن نكتشف، مثل أنوار قطار راحل، النصف الآخر من وجودنا فيما ينطلق بعيدا.. على نحو متعذر تغييره، والى الابد. الجنس البشري فعل كل ما بوسعه لابادة نفسه، بادئا بالابادة المعنوية.. الموت المادي هو مجرد النتيجة.

لا تستطيع ان تنقذ الآخرين ما لم تنقذ نفسك.. بالمعنى الروحي. كبشر، نحن نفتقر الى غريزة حفظ النوع والتي يمتلكها النمل والنحل. لا يمكن الغريزة أن تنقذنا، والافتقار اليها سيفضي الى سقوطنا. ونحن لا ننتقد بقسوة مؤسساتنا الروحية والاخلاقية. اذن أين يكمن الخلاص؟ بالتأكيد من العبث التوجه الى قادتنا.

العبقري وحده الذي يستطيع انقاذ البشرية.. العبقري الذي سوف يستنبط المثل الاخلاقية الجديدة.. لكن أين هو هذا المخلص: لا شي ء متروك شنا غير أن نتعلم كيف نموت بنبل وكرامة.

الشيء الوحيد الذي يمكن ان ينقذنا هو طريقة جديدة قادرة أن تعليه بكل المؤسسات الايديولوجية في عالمنا الهمجي، الرث.

إن عظمة الانسان الحديث تكمن في الاحتجاج.

* يجب أن أوضح لهم هذا الشيء: سوف لن أفعل شيئا من اجل المال فقط…….. 12 سبتمبر 1970.

لم أر أبي منذ سنوات كلما طالت المدة ازددت توجسا من الذهاب اليه. واضح أن لدي عقدة ما تجاه والدي. في حضورهما لا أشعر انني بلفت سن الرشد. كذلك لا أظن أنهما يعتبرانني بالغا. علاقتنا تبدو، بطريقة أو بأخرى، محرفة ومعقدة ومكبوحة.. أنها ليست صريحة ومباشرة. اني أحبهما كثيرا لكنني لم أشعر أبدا بالطمأنينة معهما، او بانني كفؤ لهما. أظن انهما يشعران بالخجل تجاهي.. رغم أنهما يحبانني. كل منا يحب الآخر، وكل منا يشعر بالخجل والخوف من الآخر، لسبب ما أشعر بطمأنينة أكثر في الاتصال بالغرباء.

مع ذلك، يجب أن أذهب وأرى أبي قبل أن أسافر الى اليابان. والد تاركوفسكي شاعر معروف، وأمه محنكة.. وهما منفصلان.

الآن سآوي الى الفراش، وأقرأ كتاب هيرمان هيسه “لعبة الخرزة الزجاجية”. كنت أبحث عن هذا الكتاب لسنوات طويلة، أخيرا وصل الي اليوم.

كم تخيفني الجنازات. في مراسم دفن جدتي شعرت برعب شديد، ليس لأنها ماتت، وانما لأنني كنت محاطا بأناس كانوا يجسدون مشاعرهم. لا استطيع ان احتمل رؤية الناس وهم يجسدون مشاعرهم.. حتى لو كانت مشاعر صادقة.

أحب أهلي، لكن يستبد بي نوع من الغيبوبة أو الخدر فلا أتمكن من التعبير عن مشاعري. حبي ليس فاعلا. عن الأرجح، كل ما أريده هو أن يدعوني في سلام، وأن أكون منسيا، لا أريد أن اتكل على حبهم، ولا أطلب منهم شيئا فيما عدا الحرية. لكن الحرية لا توجد ولن توجد. عندئذ يعتبرونني مسؤولا عن فشل زواجي من ايرا [زوجة تاركوفسكي الأولى مخرجة وممثلة. مثلت في فيلميه: طفولة ايفان، واندريه روبليوف]. لست قديسا، لست ملاكا. أنا شخص أناني، والذي أكثر ما يخيفه في هذا العالم هو أن يري من يحبهم يعانون من الألم.

* اليوم شاهدت فيلم بونداوشوك “واترلو”.. عقل مخجل ومثير للشفقة. سبق ان شاهدت فيلما سيئا جدا لبونويل أسمه “تويستانا” عن امرأة مبتورة الساق تحلم بجرس يتدل منه رأس زوجها. أحيانا يسمح بونويل لنفسه بارتكاب مثل هذه الهفوات……… 18 سبتمبر 1970.

* منذ الحرب، انهارت الثقافة في كل انحاء العالم، تمزقت الى أشلاء.. مع كل المعايير الروحية. هنا، بوضوح تام، وبصرف النظر عن كل شيء آخر، كان ذلك نتيجة الالغاء المستمر، والهمجي، للثقافة. وبدون الثقافة، من الطبيعي أن يسلك المجتمع على هواه من غير ضابط او نظام. لم يحدث من قبل أن بلغ الجهل مثل هذه الدرجة الهائلة………. 20 سبتمبر 1970.

يقول هيسه: “الحقيقة ينبغي أن تعاش، لا أن تلقن”.

* سوف أكتب رسالة الى ايرا. يجب أن أرى ابني “سينكا” بانتظام. ايرا تظن بأنه لا يهم كثيرا أن تكون علاقتنا مباشرة، يا للحماقة ! أعرف جيدا ما يعنيه غياب الأب. الاطفال يفهمون كل شيء……… 24 اكتوبر 1970.

* أصيب أبي بنوبة قلبية. انه يرفض، على نحو بات، الذهاب الى المستشفى. يكره المستشفيات ولا يريد أن يرى طبيبا. مع انه مصاب بالانورسما [تمدد الأوعية الدموية].  اعتقد إنه قريبا سيوقع عقدا لطبع كتاب جديد. كم أتمنى أن يكتب الآن الكثير من الشعر………. 17 نوفمبر 1970.

* الموهبة محنة. انها، من جهة، لا تؤهل صاحبها لا للمكانة ولا للاحترام. وهي من جهة أخرى، تفرض عليه مسؤوليات ضخمة. لا أفهم لماذا يجب أن تكون الشهوة هي المطمح الأكبر للفنان، تأويل جوردون كريج لـ “هاملت” ميتافيزيقي، مدع، وأحمق. أما تأويل ستانيسلافسكي، ذلك المعتوه والمصاب بجنون العظمة، فانه عبثي ومضحك. كريج محق حين يقول إن أوفيليا تصبح خارج التراجيديا، وانا غير هامة. في حين يؤكد ستانيسلافسكي (الذي عينه دائما على الجمهور بسبب رعبه الشديد من آرائه وأحكامه) بأنها فتاة جميلة ونقية…… 14 أغسطس 1971.

* ستانيسلافسكي أساء كثيرا الى أجيال المستقبل في المسرح، كما فعل ستاسوف تقريبا في الفن التشكيلي كل تلك المثل الرفيعة تزيف وظائف ومعنى الفن……. 15 أغسطس 1971.

* طلبوا مني اجراء تعديلات مستحيلة بشأن الفيلم [سولاريس].. هذا كفيل بتدمير الفيلم. ما الذي يدور في أذهانهم؟ المسألة كلها تبدو استفزازا، لكنني لا أرى أي هدفا من ذلك…….. 21 يناير 1972.

* إني متعب في ابريل سوف أبلغ الأربعين عن العمر، مع ذلك لم أشعر قط بالأمن والطمأنينة. كان لدى بوشكين الامان والعزم بدلا من الحرية، لكنني لا أملك أيا منهما،………… 15 فبراير 1972.

قصة: شخص ما تمنح له الفرصة لأن يصبح سعيدا. انه يخاف من استخدام هذه السعادة لانه يظن بأنها مستحيلة، وأن المجنون وحده هو القادر على ان يكون سعيدا. الظروف بطريقة ما، تقنع بطلنا بأن ينتهز الفرصة. وبوسيلة اعجازية، يصير سعيدا. عندئذ يصبح مجنونا. إنه يدخل عالم المجانين، الذين قد لا يكونون مجرد مجانين، بل أيضا قادرون على الاتصال بالمعالم بواسطة خيوط صعبة المنال للأسوياء.

لسنوات عديدة أقلقني اليقين بأن الاكتشافات الاكثر روعة تنتظرنا في عالم الزمن. نحن نعرف عن الزمن أقل بكثير مما نعرفه عن أي شيء آخر.

* هل سأظل مرة أخرى جالسا في مكاني لسنوات، منتظرا ان يتكرم شخص ما ويسمح لي بالعمل بحرية. أي بلد استثنائي هذا.. الا يريدون نجاحا فنيا عالميا؟ الا يرغبون في أن تكون لدينا أفلام وكتب جديدة وجيدة. انهم يخافون من الفن الحقيقي. الفن، بالنسبة لهم. لا يمكن الا ان يكون ضارا لانه انساني، بينما غرضهم هو أن يسحقوا كل ما هو حي، كل شعاع انساني، كل توق الى الحرية، كل ظهور للفن على أفقنا الموحش. لن يرتاح بالهم الا اذا أزالوا كل امارة من امارات الاستقلال، وحولوا الناس الى مرتبة القطيع………. 23 فبراير 1972.

* أخيرا وافقوا على عرض الفيلم (سولاريس) دون اجراء أي تعديل.. شيء لا يصدق…….. 31 مارس 1972.

* “من أجل ان تكتب جيدا، يجب ان تنسى قوانين النحو”.. [جوته]…. 2 ابريل 1972.

“دوستويفسكي قدم لي أخر مما قدمه أي مفكر” [آينشتاين]

* ها قد بلغت الاربعين. وماذا فعلت طوال هذه السنوات؟ ثلاثة أفلام مثيرة للشفقة. هذا قليل جدا.. قليل بشكل لا يصدق……… 6 أبريل 1972.

البارحة رأيت حلما غريبا:

كنت أتطلع الى السماء، وكانت مشرقة ورائعة، وعاليا، عاليا فوقي، كانت تبدو وكأنها تغلي على مهل، مثل ضوء يتخذ شكلا مثل نسيج قماش مضاء بأشعة الشمس، مثل خيوط حريرية حية في قطعة من الزخرفة اليابانية. وتلك الخيوط البالغة الصغر، الناشرة للضوء، الخيوط الحية، تبدو وكأنها تتحرك وتطفو وتصبح أشبه بطيور تحوم عاليا جدا بحيث لا يمكن الوصول اليها أبدا.. عاليا الى حد أنها لو فقدت ريشها فان الريش سوف لن يسقط، لن يهبط نحو الأرض، بل سيظل متطايرا الى الأعلى حتى يتلاشى من هذا العالم الى الأبد. ومن ذلك الارتفاع الشاحق تتدفق موسيقى ناعمة آسرة.. انها أشبه برنين أجراس صغيرة، أو أن سقسقة الطيور كانت أشبه بالموسيقى، فجأة سمعت شخصا يقول: “انها اللقالق”.. عندئذ صحوت من النوم. حلم غريب وجميل. يحدث أحيانا أن أرى أحلاما رائعة.

* قال لي سيزوف بأن ما هو “متوقع” مني أن انجز أعمالا “محلية” ولا علاقة بالأحداث الجارية،. هذا يعني ضمنا أن سيناريوهاتي ليست صالحة…….. 9 يونيو 1972.

كل ما استطيع التفكير فيه الآن هو تسديد ديوني. الانتقال من شقتي، واعادة بناء المنزل الريفي.

* ايقاع المونتاج، مدة الكادر.. هذه ليست مجرد أشياء تمليها الحاجة المهنية لتأسيس صلة بالجمهور.. انها تعبر عن شخصية وأصالة وجدة، مؤلف الفيلم……. 14 يونيو 1972.

في الوقت الحاضر، يستخدم السينمائيون الايقاع السريع لتمويه حبة الدواء التي يتعين على الجمهور البائس ابتلاعها.. بالاحرى، هذا الايقاع موظف لكسب المال فقط.

لم ينصف أي “سولاريس” كفيلم، بل كشيء مماثل للأدب، وذلك بسبب الايقاع الداخلي، غياب الوسائل المبتذلة، والكم الهائل من التفاصيل التي كل منها يؤدي وظيفة محددة في السرد.

* المال الذي حصلت عليه من فيلم “سولاريس” لم يكن كافيا حتى لتسديد ديوني………….. 22يوليو 1972.

* عدنا، انا ولاريسا، من سويسرا، كنت رئيسا للجنة التحكيم في مهرجان لوكارنو………. 19أغسطس 1972.

* سويسرا بلد نظيف جدا على نحو لا يصدق. يصلح تماما لأولئك الذين تعبوا من النشاط الصاخب. أنه أشبه بمصح عقلي…….. 23 أغسطس 1972.

* الجميع يريد مني أن أحقق شيئا جديدا وهاما للوطن، والذي يتضمن ابراز التقدم العلمي والتكنولوجي. أخبرتهم ان هذا ليس خطي وتوجهي، وبأنني أكون أكثر انسجاما مع نفسي عندما أتعامل مع القضايا الانسانية…….. 12 سبتمبر 1972.

* منذ ثلاثة شهور لم أدون شيئا في اليوميات. زرت ايطاليا وبروكسل ولوكسمبورج ثم باريس……….. 23 ديسمبر 1973.

باريس جميلة. تشعر بالحرية هناك: لا أحد يحتاجك، ولا أنت تحتاج الى أحد.

أخيرا سمحوا لي بالشروع في تحقيق فيلم «المرآة».

فاديم يوسوف [الذي صور: طفولة ايفان،  اندريه روبليوف، سولاريس]  خذلني في اللحظة الأخيرة برفصه العمل معي في هذا الفيلم. أنا وأثق بأنه تعمد اختيار هذا الوقت ليحرجني. كان دائما يكرهني دون أن يفصح عن ذلك. انه شخص حاقد، مليء بالضغينة الطبقية تجاه الانتلجنتسيا.

كان من الأفضل ان يحدث هذا الانفصال الآن. حقي في “سولاريس” بما أنجز سابقا، ولم يستطع احتمال فكرة أن أحقق فيلما عن ذاتي.

* في وقت مضى، كنت أظن أن للفيلم، بخلاف الاشكال الفنية الأخرى، ولكونها اكثر الاشكال ديموقراطية، تأثيرا كليا.. التأثير ذاته على كل متفرج. وان الفيلم، في المقام الاول، هو سلسلة من الصور المسجلة، وأن الصور ممثلة بدقة، لا لبس فيها، ولكونها كذلك، ولانها تبدو واضحة،  فان كل من يشاهدها سوف يفهمها بالطريقة الوحيدة ذاتها……….. 24 يناير 1973.

لكنني كنت مخطئا، على الفنان أن يستنبط مبدأ يتيح للفيلم بأن يمارس تأثيره على انفراد. الصورة “الكلية” يجب أن تصبح شيئا خاصا (كما الصور في الرواية والشعر والرسم والموسيقى). المبدأ الاساسي- النابض الرئيسي، اذا جاز التعبير- هو، في اعتقاديه عرض أقل مما يمكن عرضه، ومن ذلك القليل يتعين على المتفرج أن يبني فكرة للبقية، للكل. في رأيي ذلك هو ما ينبغي أن يكون الأساس لبناء الصورة السينمائية، واذا نظر أليها المرء من وجهة نظر الرموز، فان الرمز في السينما يكون رمزا للطبيعة، للواقع.

بالطبع هي ليست مسألة تفاصيل، بل ما هو مستتر.

* ثمة نوعان من الأحلام. في النوع الاول، يستطيع الحالم ان يوجه احداث الفيلم كما لو عن طريق السحر. انه يسيطر على كل ما يحدث أو سوف يحدث. انه قوة خلاقة……………. 26 يناير 1973.

في النوع الثاني، لا سلطة للحالم.. انه سلبي، خاضع، يعاني من العنف الذي يمارس ضده، ومن عجزه عن حماية نفسه، ما يحدث له هو ما لا يريده تماما. انه أكثر الاشياء ارعابا وألما (كما في أعمال كافكا).

“لحظات الاشراق عند الرسام لا يجب أن تأتي اليه عبر وعيه. ان اكتشافاته، التي هي غامضة حتى بالنسبة اليه، يجب أن تتجاهل طريق التأني الطويل، وتمضي بسرعة فائقة، نحو عمله الى حد ان الوقت لا يسعفه لملاحظة الانتقال. اذا اراد ان يكمن لها. أن يرصدها، أن يكبحها، في فانها سوف تتحول الى غبار.. مثلما يحدث للذهب في الحكاية الخرافية. (ريلكه، رسالة الى زوجته، عن سيزان، 1951)

* كم هي كئيبة الحياة. أني أحسد كل شخص قادر على مواصلة عمله من غير خضوع للدولة. عمليا كل شخص حر.. ما عدا أولئك الذين يعملون في المسرح والسينما (أستثني التليفزيون لأنه ليس فنا)………. 27 يناير 1973.

كم هي جاهلة السلطات! حقا يحتاجون الى الأدب والشعر والموسيقى والفن التشكيلي والسينما؟ بالطبع لا. على العكس، بدونها الحياة ستكون أبسط بكثير.

بوريس بارتسنال كان محقا عندما قال لي بأنني سوف أحقق أربعة أفلام أخرى فقط. حققت “سولاريس”، ولا أعرف متى سأنفذ البقية. [في الواقع، أخرج تاركوفسكي بعد سولاريس أربعة أفلام: المرآة، stalker نوستالجيا، القربان].

كل ما أريده هو أن أعمل، ولا شيء آخر، انها جريمة فعلا ان يكون عاطلا عن العمل مخرج لقبته الصحافة الايطالية بالعبقري. أعتقد أن الاشخاص الضئيلين، الذين شقوا طريقهم الى مراكز النفوذ، يضمرون لي الأذى. الضئيل والتافه لا يطيق الفنان، او هل ينبغي أن أقول: ليذهب الجميع الى الجحيم.

ما هي أكثر الاشجار جمالا؟ لابد أنها الدردار.. وهي تستغرق زمنا طويلا حتى تنمو.

* سوف يعرضون فيلمي “سولاريس” في صالة عرض من الدرجة الثانية.. انهم يتعاملون مع فيلمي كنتاج متواضع القيمة……….. 29 يناير 1973.

لقد حان الوقت لأدرك أن أحدا لا يحتاج الي، وانه ينبغي ان اتصرف على هذا الاساس. علي أن أكون أرفع من ذلك. أنا تاركوفسكي، ولا يوجد غير تاركوفسكي واحد، في حين يوجد أكثر من جيراسيموف في هذا العالم.

[جيراسيموف مخرج وممثل سوفييتي.. أعماله محافظة فنيا].

الحبكات والقصص التافهة، الممثلة والمعروضة على الشاشة، لا يمكن أن تسمى سينما. انها لا تتصل بالسينما الحقيقية على الاطلاق، العمل السينمائي هو الذي لن يكون ممكنا في أي شكل فني آخر. بمعنى آخر، هذا العمل لا يمكن ابداعه الا بواسطة السينما.. السينما وحدها.

* اليوم عيد ميلاد زوجتي. أنا مريض، ونحن مفلسون، يا للمسكينة !

لا بأس. سوف نؤجل الاحتفال قليلا……… ـ فبراير 1973.

خطرت لي فكرة: أن أحول رواية دوستويفسكي “الأبلة” الى مسلسل تليفزيوني في سبع حلفات. ليست فكرة سيئة.

* “أندريه روبليون” حاز على الجائزة الكبرى في مهرجان دولي في يوغوسلافيا. هذه هي الجائزة العالمية الرابعة التي يحرزها هذا الفيلم “غير المعترف به” غير الشرعي. لا يزال المسؤولين يتصرفون ازائي ببغض شديد……. 5 فبراير 1973.

* قيل لي بأن الجمهور استقبل “سولاريس” بشكل جيد. الصالة كانت مليئة ولم يخرج أحد احتجاجا. بعد انتهاء العرض صاح أحد الحضور “يعيش تاركوفسكي”……….6 فبراير 1973.

* في مهرجان لندن، منح “سولاريس” جائزة أفضل فيلم للعام 72، حتى الآن حاز فيلم “اندريه روبليوف” على ست جوائز و “سولاريس” على ثلاث ……. 18 مارس 1973.

* يا صديقي، يا صديقي المخلص…………… 3 يونيو 1973.

القلب يطلب المغفرة.

وليس ثمة أمل لفرحي.

* “اندريه روبليوف” يعرض الآن في السويد. وفق ما قالته بيبي اندرسون (الممثلة السويدية) فقد صرح برجمان بأنه افضل فيلم شاهدا في حياته…… 17 يونيو 1973.

* خاطرة غير سارة: لا أحد هنا يحتاجك. انت غريب كليا عن ثقافتك. أنت شخص غير موجود. عدم. لكن في اوروبا، وفي أي مكان آخر، لو سأل أحد من هو افضل مخرج في الاتحاد السوفييتي، فسوف يجيبونه: تاركوفسكي…….. 20 اكتوبر 1973.

أما هنا: تجاهل تام، أنا غير موجود، مجرد فضاء خال. صعب جدا ان تشعر بأن أحدا لا يحتاجك.

* أعدت قراءة كتاب توماس مان “كتور فاوست”: عزلة الفنان، والثمن الذي يدفعه لقاء فهم الحقيقة……….. 2ديسمبر 1973.

الكتاب مزيج متقن ومدروس من ماضي المؤلف، آماله المحطمة، توقه الى وطنه المفقود، المعاناة، عذابات الفنان، خطاياه.

* ابتهاج متواصل، على شاشة التليفزيون، بشأن انجازاتنا في مجال الصناعة والزراعة والسياسة الدولية…………. 5 ديسمبر 1973.

مع ذلك، ولسبب ما، ترتفع أسعار السلع الغذائية.

واضح انه كلما كانت الانجازات أعظم، ازدادت المعيشة سوءا. الفنان، من جهة، شخص عادي. ومن جهة أخرى، لا يستطيع ان يكون عاديا، وبالتالي يهب روحه ثمنا لموهبته.

الفنان محكوم بأن يحمل عبء الموهبة، ذلك لان الفنان كائن يناضل – ليس سرا ولا في الخفاء- من اجل فهم الحقيقة المطلقة.

* شاهدت كيروساوا في الاستوديو. تعشينا معا. انه في وضع مرعب: محاط بفريق من المخبرين والمتخلفين عقليا. ينبغي تحذيره، بطريقة او بأخرى، بأن كل شخص يكذب عليه………… 30 ديسمبر 1973.

* هدفي ان أضع السينما بين الاشكال الفنية الاخرى: أن تكون في مستوى الموسيقى والشعر………… 31 ديسمبر 1972.

* – المنظر الطبيعي المفضل: الفجر، السديم………… 3 يناير 1974.

– العمل الموسيقي؟  آلام القديس جون (باخ).

– الرواية الروسية؟ الجريمة والعقاب.

– الرواية الاجنبية؟ دكتور فاوست.

– اللون المفضل: الأخضر.

– الشاعر؟ بوشكين.

– مخرج روسي؟ لا أحد.

– مخرج أجنبي؟ روبين بريسون.

* شخص ما قرأ لقاء صحفيا مع برجمان، في هذا اللقاء اعتبرني برجمان أفضل مخرج معاصر.. أفضل حتى من فلليني (!).. أريد أن أقرأ هذا اللقاء.. أتساءل ان كان هذا صحيحا.. لا يبدو لي مناسبا……….  7 يناير 1974.

* الحقيقة التاريخية تصبح كذبة فنية، صورة فنية، الصورة الفنية هي لك التي تضمن تطورها الخاص، قابليتها للحياة التاريخية……… 3 فبراير 1974.

الخلق الفني، تحديدا، هو انكار للموت.

* في السينما – كما في الحياة – الكلمات لا تعني شيئا.. الكلمات مياه…… 4 فبراير 1974.

لا اعتقد ان السينما تتألف من طبقات عديدة. في السينما، تعدد الاصوات لا يأتي من تعددية المستويات لكن من التعاقب والتراكم. إن المعاني المتعددة لصورة ما مي متضمنة في نوعية وخاصية تلك الصورة.

* البارحة حلمت انني ميت. لكن بامكاني أن أوى، أو بالاحرى، ان احس بما يجري حولي. أشعر ان لاويسا بقربي مع أحد أصدقاني، أشعر اني بلا ارادة ولا قوة. كنت شاهدا فحسب على موتي……… 27 يونيو 1974.

في حلمي كنت اشعر بشيء كان منسيا منذ زمن طويل، شيء لم يحدث لي منذ فترة طويلة.. الاحساس بأن هذا ليس حلما بل حقيقة. كان إحساسا قويا جدا الى حد ان موجة من الحزن ملأت روحي، موجة من الرثاء للذات.

كنت أنظر الى نفسي من الخارج. كما لو ان ألمي هو ألم شخص آخر. كما لو أن حياتي الماضية هي حياة طفل.. بلا تجربة، بلا حماية.

* لم يصرحوا بعرض فيلم “المرآة”. يزعمون انه غامض، يصعب فهمه…… 29 يوليو 1974.

* رفض المسؤلون ارسال فيلم “المرآة”.. الى مهرجان كان دون ابداء الأسباب……. 2 مارس 1975.

* عرض فيلم “المرآة”.. في صالتين من الدرجة الثالثة.. بدون اعلان. وبلا ملصق واحد…….. 8 ابريل 1975.

* أنتونيوني كان حاضرا في مهرجان موسكو، وصرح بأنه سوف يغادر فورا ما لم يشاهد “المرآة”، اخيرا اضطروا الى عرضه، وقد اعجبه كثيرا، حتى انه اراد الالتقاء بي……… 25 يوليو 1975.

سمعت أن برجمان دعاني أربع مرات (!) للاقامة عنده في السويد. لم يخبرني احد بذلك.

* ما هو الحب؟ لا أعرف. هذا لا يعني أنني لا اعرف الحب، بل لا أعرف كيف أحدده……….. 14 سبتمبر 1975.

* أعدت قراءة رواية كافكا “المسخ”.. هذه المرة لم تحرك مشاعري……. 17سبتمبر 1975.

* تونينو جويوا [شاعر وسيناريست ايطالي، شارك في كتابة “نوستالجيا”] جاء من ايطاليا. انهم يريدون مني أن أحقق فيلما هناك، لكن السلطات تعارض هذه الفكرة……….. 13 نوفمبر 1975.

* معيشتنا خاطئة تماما. الفرد لا يحتاج الى الة المجتمع، المجتمع هو الذي يحتاج الى الفرد. والمجتمع آلية دفاعية، شكل من أشكال الدفاع عن النفس. بخلاف الحيوان الاجتماعي، يتوجب على الفرد أن يعيش في عزلة، قريبا من الطبيعة، من الحيوانات والنباتات، ويكون على اتصال مباشر معها. أستطيع أن أرى بوضوح، أكثر فأكثر، بأن من الجوهري تغيير طريقتنا في الحياة وتنقيحها. وعلينا ان نبدأ في العيش بشكل مختلف. لكن كيف؟ قبل كل شيء علينا أن نشعر بالحرية والاستقلال، أن نؤمن ونحب. علينا أن ننبذ هذا العالم التافه ونعيش من أجل شيء آخر. لكن كيف أين؟ ذلك هو سوء الفهم الاول، العائق الاول……. 23 يونيو 1977.

* منذ مدة طويلة لم أدون شيئا. أشياء كثيرة حدثت، ذهبت مع زوجتي الى باريس لحضور العرض الأول لفيلمي “المرآة” نجاح كبير……… 7 أبريل 1978.

بالأمس شعرت باضطراب في القلب. زوجتي المسكينة كانت مصعوقة من الخوف. سمعت عن اختيار “أندريه روبليوف” كواحد من أفضل مائة فيلم في العالم.

* اتضح ان لدي انسدادا في شريان القلب. يتعين علي ان ألزم الفراش شهرين حتى أتعافى…………. 9 أبريل 1978.

من الطبيعي الا يفكر المرء في الموت، لكن لم لا ينبغي أن يؤمن بالخلود؟ كثيرا ما أخطىء في تقييم الناس. يجب أن أغير حياتي. علي أن أتوقف وأبدأ من جديد.

أقرأ هيسه. انه جميل.

* كنت طريح الفراش لتسعة أيام. اليوم قد يسمح لي الأطباء بالجلوس على الفراش. لم أتخيل قط أن أصاب بنوبة قلبية وأنا في السادسة والأربعين لكن من جهة أخرى، سوف أندهش فعلا لو لم تحدث هذه النوبة……. 15 أبريل 1978.

تلقيت بضع برقيات من فرنسا وايطاليا: من مارتين، ماستروياني، وتونينو جويرا، ودافو، وسيرجيو ليوني.

لو لم يتخل ليوني عن فكرة صنع أفلام “ويسترن” لبادرت الى كتابة فيلم ويسترن له.

* واقع أن الزمن يترفق بالطريقة ذاتها في كل الرؤوس، فذلك يبرهن، على نحو حاسم أكثر من أي شيء آخر، أننا جميعا نحلم الحلم نفسه. ليس هذا فحسب ؛ كل الذين يحلمون ذلك الحلم هم كائن واحد. [شوبنهاور]……. 23 أبريل 1978.

* تونينو جويرا يتصل هاتفيا من روما يوميا تقريبا. أشعر بتحسن. “اذا كنت ترغب في فهم الشاعر، فاذهب الى أرضه”. [جوته]…….. 28 ابريل 1978.

* تونينو أرسل لي كتابا الذي يحتوي على 68 قصة قصيرة شعرية مع بعض القصائد. اقترح ان أكتب ردا، بالطريقة ذاتها، على كل نص “النتيجة ستكون مبارزة في  136 طلقة………. 16 مايو 1978.

* وجد الانسان على هذه الأرض منذ زمن طويل، مع ذلك هو لا يزال غير واثق بشأن أكثر الأشياء أهمية: معنى وجوده.. أمر محير فعلا……. 20 سبتمبر 1978.

* لم غالبا ما يحلم الناس بأشياء لم تحدث لهم على الاطلاق؟ يطيرون مثلا؟ ذلك هو حلم الطفولة الذي يتكرر كثيرا…….. 17 نوفمبر 1978.

* في فرنسا، أختير “المرآة” كأفضل فيلم للعام 78، واختيرت تريكوفا كأفضل ممثلة………… 31 ديسمبر 1978.

* بالأمس وصلت روما كنت متعبا…….. 17 يوليو 1979.

عنوان الفيلم: نوستالجيا.

هل ينبغي أن يتزوج البطل: امرأة ايطالية؟ لا.

* أنا وتونينو نناضل من أجل اكتشاف السبب (بالمعنى الشعري، بلغة الصور) لرحلة البطل. يمكن أن يبدأ الفيلم بحلم فيه يتجادل البطل مع زوجته……… 18 يوليو 1979.

* نحن نفتقر الى الفكرة الاساسية. المفهوم. نوستالجيا. استحالة أن تكون وحيدا في ايطاليا الجميلة لا ترقى الى الفكرة. نحن نقترب أكثر من الفكرة.. انها مسألة بحث،…… 28 يوليو 1979.

* البرتو مورافيا، الذي كان في موسكو، كتب مقالة يمتدح فيها فيلمي stalker هو لم يفهم الفيلم على الاطلاق. واضح أنهم لم يوفروا له مترجما…… 25 أغسطس 1979.

* شاهدت فيلم برتولوتشي “القمر”.. بشع، رخيص، مبتذل……..7 سبتمبر 1979.

* تناولنا العشاء مع انتونيوني وانريكا. انتونيوني شخص فاتر ومتكبر. مفرط في الانانية.. هذا هو حكمي من واقع علاقته المهنية بـ تونينو…….. 9 سبتمبر 1979.

* موسكو. ظهر اليوم توفت أمي. لقد عانت كثيرا………. 5 أكتوبر 1979.

ما الذي نعرفه عن الموت اذا كنا لا نعرف شيئا عن الحياة؟ وحين نعرف شيئا نبذل جهدنا لنسيانه.

يا إلهي أمنحها الراحة الابدية.

* اليوم جنازة أمي. أشعر الآن أني بلا حماية. لا أحد في هذا العالم سوف يحبني كما أحبتني……. 8 أكتوبر 1979.

المعرض الذي أقيم بمناسبة مرور ستين عاما على السينما السوفييتية لم يتضمن أي فيلم من أفلامي، باستثناء “طفولة ايفان”.

* يا الهي، كم أشعر بالبؤس والتعاسة الى حد الغثيان، الى حد أنني أرغب في شنق نفسي. أنا وحيد تماما، وهذا الشعور يصبح أسوأ عندما تبدأ في ادراك أن الوحدة هي الموت. كل شخص خانني او سوف يخونني. إني وحيد، وكل مسام في روحي ينفتح ويتسع، وروحي بلا حماية ولا دفاع، لأن ما ينز هو الموت. أخاف أن أكون وحيدا. لا أريد أن أعيش. أنا خائف. حياتي أصبحت لا تطاق…… 22 أكتوبر 1979.

* لم يعجبني السيناريو الذي كتبناه أنا وتونينو “نوستالجيا” انه يفتقر الى الأساسي والمهم. ليس هناك مشاهد حقيقية. لا بأس. سنعيد كتابته……22 نوفمبر 1979.

* سمعت أنهم سوف يعرضون فيلمي stalker [الدليل: كترجمة غير حرفية] في صالات من الدرجة الثالثة، وبدون اعلانات. كما حدث مع “المرآة”…… 3 ديسمبر 1979.

* انهم يرفضون السماح لابني “اندريوشكا” بالسفر معنا الى ايطاليا……29 ديسمبر 1979.

* عام قد انتهى. عام مليء بحالات القلق التي لا تتبدد، بالافلام التي لا تتحقق، والخطط التي لا نعرف أين تنتهي……… 31 ديسمبر 1979.

* أخبرني فولشيك بأن “اندريه روبليوف” أختير من بين أفضل عشرة أفلام في العالم…………. 15 يناير 1980.

* زرت والدي. سجلت لقاء معه عن تاريخ عائلتنا……..3 فبراير 1980.

* لورا اتصلت هاتفيا مرة أخرى. أخبرتني عن جائزة فيسكونتي التي تمنح سنويا الى مخرجين أجانب (خارج ايطاليا). حتى الآن حصل عليها بريسون واندريه فايدا. الجائزة سوف تقدم في احتفال خاص في سبتمبر………….. 28 مارس 1980.

* روما. الليلة الماضية كلمت صوفيا في السويد، طلبت منها ان تنقل الى برجمان فكرة فيلم مشترك نحققه نحن الثلاثة: انتونيوني وبرجمان وأنا. أذا رفض فسوف نفكر في شخص آخر. كيروساوا؟ بونويل: أظن انه لم يعد يرغب في تحقيق أفلام أخرى………. 13 مايو 1980.

* فيلمي stalker حقق نجاحا باهرا في مهرجان كان. روندي قال عنه انه فيلم عظيم حققه عبقري. في الواقع، يربكني أن أكرر ما قاله……. 14 مايو 1980.

* بالأمس اتصلت صوفيا من استوكهولم. برجمان مهتم كثيرا بفكرة العمل المشترك في فيلم، لكنه – للأسف – مشغول متى 1983. انه يرغب كثيرا في رؤيتي. صوفيا تقول ان برجمان شاهد “اندريه روبليوف” عشر مرات……. 16 مايو 1980.

* جاء البرتو مورافيا ليرى تونيو. أراد أن يلتقي بي. انه يمشي ببطء وبصعوبة، يبدو هرما ومريضا. هو في السبعين، انه الرجل الذي لا يستحق شهرته الادبية، وهو يدفع ثمن ذلك بالعيش في وحدة، اذ ان المحيطين به يدركون هذا الشيء. لقد شعرت بالشفقة عليه………. 19 مايو 1980.

* شاهدت الفيلم الامريكي “امرأة غير متزوجة”. جيل كلايبرج ممثلة رائعة، ليس هنأك أفضل منها لفيلم “نوستالجيا”……… 20 مايو 1980.

* في هذا المساء شاهدت على شاشة التليفزيون فيلم كوكتو “عودة أورفيوس”. أين ذهب كل اولئك العظام؟ أين ذهب روسللليني، كوكتو، رينوار، فيجو؟ أين ذهب الشعر…………. 6يونيو 1980.

لم يبق غير المال، المال، المال.. والخوف. فلليني خائف، انتونيوني خائف، الوحيد الذي لا يخاف من شيء هو بريسون.

في مهرجان كان، قالت الصحف أن فيلم فلليني الأخير كان كارثة، وانه – كفنان – قد كف عن الوجود. هذا فظيع، لكنها الحقيقة.. فيلمه عديم القيمة.

* كم من الأشياء الرائعة سيكون بمقدورنا ابداعها لو استطعنا أن نتجاهل كليا جميع القوانين والحرائق المسلم بها عموما…….. 9 يونيو 1980.

لقد نسينا كيف نلاحظ. عوضا عن الملاحظة، نحن نمارس الأشياء وفق الانماط.

* إني أفتقد الجميع.. زوجتي، ابنائي، الجميع.. حقا يستحيل على الروسي أن يعيش خارج الوطن.. ليس مع كل ذلك الحنين الروسي………. 21 يونيو 1980.

* موسكو.. اليوم جاء عمال الكهرباء وقطعوا التيار لاننا لم نسدد الفاتورة.

لاويسا تظن انه من الأفضل ان أذهب الى السويد وحدي [ثمة دعوة موجهة من السويد لالقاء محاضرات ولتحقيق فيلم هناك] لكنني أكره الذهاب وحدي. يا الهي. هل يحدث هذا في أي بلد آخر؟ السلطات تمنع رجلا وزوجته عن السفر الى الخارج لتلبية دعوة؟ وهم يعلمون جيدا أنها تعمل مساعدة لي في كل فيلم حققته وتشرف على ادارة أعمالي. انهم خائفون، هؤلاء الأوغاد…….. 31 مارس 1981.

* لست في صحة جيدة. ذلك “التيار” نفسه مرة أخرى.. كما لو أرى الاشياء من خلال تيار مائي. وهذا الصداع الرهيب. نوع من التشنج.. حدث هذا عدة مرات…………. 8 مايو 1981.

* ربما أنا مأخوذ بالحرية. اني أعاني بدنيا عندما أفتقر الى الحرية. الحرية هي أن تكون قادرا على احترام الاحساس. بالنبل والكرامة في ذاتك وفي ذوات الآخرين……. 3 يونيو 1981.

* كيف تستطيع أن تعيش، ما الذي تهدف اليه، ما الذي تتوق اليه.. اذا كنت محاطا بالضغينة والغباء والانانية والتدمير؟………. 8 يوليو 1981.

* تحدثت مع كوستيكوف وأخبرته بأن ابننا لن يسافر معنا. لكن لنا الحق في العودة الى موسكو بين وقت وآخر لرؤية عائلتنا……… 23 يوليو 1981.

* بسبب ما أواصل التفكير في أنتونيوني.. أنه أفضل مخرج في ايطاليا اليوم……….13 أغسطس 1981.

* “أفضل وسيلة ان تتجنب أولئك الذين ليسوا مثلك، والذين تشغلهم رغبات أخرى” [سنيكا]……. 3 سبتمبر 1981.

* كم هو رائع هذا الرجل [المخرج سيرجي باراد جانوف] كم هو حنون وسخي أنا سعيد لأنني أعيش في الزمن الذي يعيشه. انه ليس عبقريا في مجال فنه فحسب، بل عبقري في كل شيء. انه فذ…………. 16 يناير 1982.

* روما. تنأون العشاء عند انتونيوني. انه رجل رائع. متحفظ جدا لكنه لطيف. روحه رقيقا للغاية…………. 31 مارس 1983.

* فيلمي “نوستالجيا” حاز على ثلاث جوائز في مهرجان كان.. من بينها جائزة الاخراج………. 23 مايو 1983.

* روما يوم سيئ. أفكار مريعة. أنا خائف. أشعر أني تائه لا استطيع أن أعيش هنأ ولا في روسيا………. 25 مايو 1983

* استوكهولم. بالأمس خرج الدم مع السعال. اليوم أيضا، لكن بكمية أقل. أفتقد لاريسا كثيرا.. خاصة عندما تكون صحتي سيئة………… 11 نوفمبر 1985.

* استوكهولم. كلما تقدمت في السن ازداد الآخرين غموضا. يبدو أنهم ينزلقون بعيدا عن بصري………….. 11 ديسمبر 1985.

* باريس. آلام شديدة لا تحتمل…………. 5 ديسمبر 1986.

* أشعر بضعف شديد. هل سأموت؟……………. 15 ديسمبر 1986.

لم أعد أملك القدرة على فعل أي شيء.

* [في 29 ديسمبر 1986، توفى تاركوفسكي نتيجة اصابته بالسرطان.. وهو في الرابعة والخمسين.. وذلك بعد أسابيع من سماح السلطات السوفييتية لسفر ابنه الى الخارج].

 ترجمة: أمين صالح ( ناقد سينمائي وقاص من البحرين)

سينما تاركوفسكي كبابِ للفلسفة/ نايف الهنداس

يُعد أندري تاركوفسكي (1932-1986) عند كثير من منظرين ونقاد السينما كأحد أهم وأعظم مخرجي الأفلام في القرن العشرين. بل يعتبره العديد بأنه الأعظم على الإطلاق، ومن هؤلاء مخرجين كبار من ذات الحقبة مثل المخرج السويدي الشهير (إنغمار بيرغمان). أخرج (تاركوفسكي) تسعة أفلام: فيلمان قصيران، وسبعة أفلام روائية من عام 1959 إلى عام 1986، كما أخرج مسرحية (هاملت) لـ(شكسبير) على مسرح موسكو، وأوبرا (بوريس جورونوف) في لندن قبيل وفاته بمرض السرطان في باريس. صدر له كتاب (النحت في الزمن) قبيل وفاته، واختيار الاسم إن دل فإنما يدل على حسِّ شعري لدى (تاركوفسكي). كيف لا وهو الذي درس الشعر بلغاتٍ مختلفة، منها العربية التي اهتم بها وبأدبها بالإضافة إلى كون أبيه (أرسيني تاركوفسكي) أديب من الأدباء الروس البارزين ومن أهم مترجمي الشعر في وقته.

عن قراءة الفلسفة في أعمال (تاركوفسكي):

أن النمط المميز لأعمال (تاركوفسكي) هو استخدامه الدقيق للترميز والدلالات الميثولوجية. وهذا له عوامل عدة، يتضح أولها بتأثره بالأعمال الفلسفية الوجودية الروسية، خاصة أعمال الفيلسوف (نيكولاي برداييف). وهذا الربط بين (تاركوفسكي) و(برداييف) ليس عبثياً، فمن يرجع إلى يوميات (تاركوفسكي) سيجد ذكراً وعلاقة واضحة بينه وبين (برداييف) وإن لم يكن قد ناقشها بالتفصيل وبيّن آراؤه بها. يتمحور أساس هذا الربط بين (تاركوفسكي) وبين (برداييف) على فكرة تكوين الشخص، ويميز (أندراش كوفاكس) هذه العلاقة في أعمال (تاركوفسكي) على مرحلتين تعاقبا زمنياً بالتطور الفكري لدى تاركوفسكي: أولا، أن يكون الشخص هو الرسالة. ثانيا، تسامي الشخص.

إن الشخصانية الروسية المنتمية للقرن التاسع عشر والتي يبدو أثرها واضحا على (تاركوفسكي)، والتي كانت رائجة آنذاك برواج نظيرتها الوجودية الفرنسية والأوروبية بشكل عام. تشكلت هذه الشخصانية مثل الوجودية من الفكرة المتعلقة بحالة الشخص الذي يشعر بالاغتراب عن محيطه، أكثر من العالم الخارجي. وتختلف الشخصانية عن الوجودية في أنها لا تعتبر الحالة الإنسانية حالة موحدة للإنسان. فالإنسان في الفكرة الشخصانية متكامل في بيئته البيولوجية والاجتماعية في جزء، لكنه في الجزء الآخر -وهو الجزء الأعمق- مغترب عن بيئته هذه في نفس الوقت. فيمكن أن نقول الجزء المتكامل مع بيئته يسمى فرداً، بينما الجزء المغترب فيُسمى “شخص”. فالـ”شخص” منفصل جذرياً وبشكل بنيوي عن محيطه المادي والاجتماعي، بل أن وجوده يتعارض مع هذا المحيط. يذكر (برداييف) في أحد أعماله:

الشخص لا يشبه أي شيء في العالم، ولا تمكن مقارنته بأي شيء. وعندما يدخل الشخص المتفرد وغير المتكرر إلى العالم، تتحطم عملية العالم وتضطر هذه العملية إلى تغيير مسارها، وبرغم أن ذلك حدث لا يمكن إدراكه. لا يمكن أن يكون الشخص عنصراً في تطور العالم. إن الشخص يمثل نقطة تقدم مفاجئ، نقطة انقطاع عن هذا العالم.

كيف يصبح الإنسان فردا وشخصاً؟ فالشخص ليس نوعا اجتماعيا، سياسيا، تاريخيا، عرقيا، وإنما هو نوع أخلاقي. الشخص هو الوجه الأخلاقي من الكائن الإنساني. ولكي يصبح الفرد شخصا فلا بد أن يحدث هذا في إطار مجتمعي، بحيث يتسامى الشخص فوق محددات هذا المجتمع الخارجية. يذكر (برداييف) بهذا الخصوص:

يفترض الشخص أن التسامي يحدث تجاه آخرين، فالشخص لا يستطيع أن يتنفس، انه يختنق عندما ينغلق على ذاته.

وقبل أن نقارب تاركوفسكي مع برداييف علينا أن نعي، أن الشخص المخبوء هنا ضمن الإنسان ليس معطىً بديهي وإنما يجب علينا البحث عنه لنصل إليه. وكما يلاحظ كوفاكس في أعمال تاركوفسكي، يكون الموضوع المحوري في الفيلم هو الصراع بين الشخص والفرد، أو بين الشخص والعالم.

إن الشخصانية ليست قالبا نستطيع مطابقته في نصوص برداييف وأفلام تاركوفسكي ولكنها كما يعتبرها إيمانويل مونييه:

إننا نصف بالشخصانية كل المعتقدات، وكل المدنيات، التي تدعو إلى أسبقية الشخص على الضرورات المادية، والمؤسسات الجمعية، التي تدعم تطوره”.

إذن، هي علاقة مهمة تربط الفيلسوف والمخرج بالعقيدة المسيحية الأرثوذوكسية في تسامي الشخص فوق المادة وقيودها وفي اتصال “الشخص” مع الرؤية المتسامية لوحدة الوجود بشكل متصوف. وهذا ينبع ليس فقط من فهم تاركوفسكي للشخصانية وإنما أيضا حدته تجاه الحداثة، فقد كان تاركوفسكي يرى فيها مستقبلا مظلماً للإنسانية فيقول عندما سئل عن رأيه فيها:

أستشعر مستقبلا مظلما، خاصة إذا لم يدرك الإنسان أنه موغل في الخطأ. لكني أعرف أنه عاجلا أم آجلاً سوف يعي الموقف. فليس بوسعه أن يموت كما يموت مصاص الدماء الذي يصفّي دمه قبل النعاس لأنه خدش نفسه قبل الخلود للنوم. يجب أن يكون الفن حاضراً ليذكر الإنسان أنه كائن روحي أنه جزء لا يتجزأ من عقل متناهي الكبر سيعود ليتحد به في نهاية الأمر، لو أن الإنسان اهتم بهذه الأسئلة، التي لو أنه طرحها على نفسه فقد نجا روحيا بالفعل. الإجابة لا أهمية لها تُذكر، ولكن اعرف انه بدءاً من تلك اللحظة، لن يستطيع أن يحيا كما تعود في السابق.

عن فيلم (طفولة إيفان):

ففي فيلم (طفولة إيفان) والذي تتلخص قصته في صبي في الثانية عشرة من عمره يشارك تطوعا مع الجيش السوفييتي في الحرب العالمية الثانية. ليقابله ضابط في الجيش ويتفاجئ بوجوده في الجيش وتغيبه عن المدرسة. ليطلب منه الذهاب للمدرسة لكن (إيفان) يرفض، ويطالب بتكليفه بمهمة أكبر لكنه لا يعود منها أخيراً. وإن كان الفيلم قد يكون محملا بالأعراف والتقاليد السوفييتية العسكرية إلا أن (سارتر) استشعر وجود هذا الحس الوجودي لدى شخصية (إيفان) فذكر في تعقيب له عن الفيلم:سارتر

إن (إيفان) كبطل هو في الحقيقة وحش قتلت الحرب الطفولة بداخله، ليبقى فقط البطل غير الطبيعي. لذلك فإن شخصيته نتاج للحرب تماماً. إن (تاركوفسكي) يوضح أحلام (إيفان)، وكوابيسه، وذكرياته عن طفولته عندما ينام أو يكون وحيداً. أما أمام الآخرين فهو عنيد، وقوى، وعاقد العزم بطريقة العالم الخارجي لا تعطيه فرصة لكي يتطور إلى شخص. وليست لدى (إيفان) استقلالية عن محيطه، إنه مخلوق من مخلوقات الحرب، ويتصرف طبقا لذلك.

ما يقدمه مخرجنا هنا هو من ينجو هو شخصية الضابط التي تشذ عن التنميط السائد لدى الشخصيات في الأفلام الحربية. فـ(إيفان) وكل القادة يموتون في الحرب، والشخص الغريب عن هذه البيئة هو وحده من يعيش. يكمل (كوفاكس) في تحليله قائلا:

توضح هذه الشخصية التعارض الشديد بين الفرد الذي يتحدد من الخارج والشخص ذي الاستقلال الأخلاقي. فمن جانب هناك إيفان، مأساته هي أنه ليست لديه فرصة لكي يعيش حياته، ويسير في طريقه الذي اختاره، ويطور شخصه الأخلاقي، إن حياته قد أخذتها الحرب حتى قبل أن يموت، إنه شديد التصلب، أقوى من أن يعيش. ومن جانب آخر هناك الضابط الشاب الذي هو على النقيض شديدة الرقة، مستقل تماماً بحيث لا يصبح جندياً جيداً، لكن تلك هي فرصته لكي يعيش ولا يموت في الحرب.

عن فيلم (أندري روبليف):

أما بالنسبة لفيلم(أندري روبليف) الذي يحكي قصة (أندري روبليف) صانع اللوحات الفنية الدينية في القرن الرابع عشر. حيث كان يعيش مع الرهبان الأرثوذوكس ضمن تقاليد بيزنطية صارمة فيما يتعلق بالأعمال الفنية وأسلوب الحياة. لكنه كان مختلفا، وحاول (تاركوفسكي) إظهار ذلك في التركيز على الحس الفرداني لدى شخصيته السينمائية، من خلال تأكيد اغترابها وتمردها على السائد، لدرجة اعتبار بعض الشخصيات الروسية المهمة مثل الروائي الحائز على جائزة نوبل (ألكسندر سولجنيتسين) الذي يعتبِر الفيلم معادياً للأرثوذوكسية وروسيا بشكلٍ عام. وفي أحد أجزاء الفيلم يقوم (روبليف) بإنقاذ حياة طفلة من خلال قتل شخص آخر مما يناقض توصيات الرب، ليصبح في صراع بين تجربته الذاتية وإيمانه واعتقاده. يعلق (كوفاكس) على ما سبق قائلا :

إن هذا ما يدركه أندريه في الجزء الأخير من الفيلم، عندما يلاحظ في صمت صبياً يصنع جرساً بنفسه، في إشارة للكنيسة، بدون أن يعرف أسرار بناء الجرس، يدرك أندريه أن الحق الحقيقي يأتي من الداخل وليس من الضروري وجود أي دعم أخلاقي خارجي. إن الاستقلال الداخلي ووجود “الشخص” هما الشرطان الضروريان للخلق الحقيقي. لقد كان فيلم (طفولة إيفان) عن فقدان “الشخص“، أما (أندريه روبليف) فكانت بحثاً عن “الشخص“.

عن فيلمي (سولاريس) و(المرآة):

أما في فيلمي (سولاريس) و(المرآة)، فيخوض بطلا هذين الفيلمين صراعاً عميقاً. ففي (سولاريس) على المرء أن يواجه خطاياه في ذلك الفضاء الذي تم احتجازه فيه، بالإضافة لكل الأحبة الذين فقدهم. وفي بحث (كوفاكس) عن الفيلم يقول:

إن على المرء أن يواجه ضميره السيئ، ويعيش ذكريات من كانت الذكريات بالنسبة له مؤلمة، واستقلالية الشخص لا تعني الأنانية. وحقيقة أن الشخص يمكن خلعه فقط من الداخل، وباستقلال عن الظروف الخارجة، وهو ما كان استنتاج (اندريه روبليف)، يجب فهم هذه الحقيقة في سياق عنصر مهم آخر من الشخص الذي ذكرته سابقاً، وهو أن الشخص لا يستطيع أن يكون مغلقا على نفسه، لكنه يستطيع فقط أن يوجد في مجتمع. ولكي يتحقق وجود هذا المجتمع الروحي، فإن على الشخص أن يبدأ المهمة الأكثر إيلاما، وهي مهمة محور الشر من الداخل.

إذن بطل (سولاريس) يدرك ضرورة قبول الألم لكي يصبح “شخصا“. أما على العكس فبطل فيلم (المرآة) المُحتضِر ويصارع مرضا مجهولاً، يجبره يلوك ذكرياته ويعيد له شريط حياته من جديد. لا يحدد (تاركوفسكي) طبيعة مرض البطل العضال، وإنما علينا أن نستشفها من ذكرياته وأفكاره. ليصبح السؤال هنا وسأقتبس (كوفاكس) مرة أخرى:

المشكلة المحورية في (المرآة) هي: هل التجارب التاريخية أو تجارب الحياة الشخصية، والذكريات وبقايا التقليد الثقافية الروحية، تقدم خلفية كافية للشخص لكي يتطور، إذا كان الأصل في هذه التجربة والتقاليد هو الانقطاع المستمر، التمزق، الهجران، فقدان التواصل، النسيان؟

عن أشهر أفلامه، (ستولكر):

أما في أشهر أفلامه تقريبا (ستولكر) – لا يصح ترجمتها من الانجليزية إلى المتعقب لأن أصلها ليس إنجليزي في الفيلم – والذي هو آخر أفلام في الاتحاد السوفييتي. تدور القصة حول ثلاث أشخاص أحدهم (ستولكر) في بحث عن مكان يدعى “المنطقة“، والتي تم إغلاقها من قبل السلطات لأن قوانين الطبيعة لا تنطبق عليها. وتدور القصص حول هذه المنطقة بأن من يدخلها سوف يرى أعمق رغباته الموجودة التي قد لا يدركها المرء تتحقق أمامه، مما يجعل من زيارة هذه المنطقة أشبه بزيارة لذات المرء الحقيقة. ووظيفة (ستولكر) هو أن يكون الدليل المرشد لمن يريد زيارة هذه المنطقة. إن (ستولكر) في فيلم (تاركوفسكي) شخصية معذبة قاسية القلب. فمن يشاهد الفيلم يلاحظ كيف أن شخصية البطل شخصية مخيفة لا تملك أي تعاطفا ولا أي هدف سوى إلى جعل من يرشدهم للمنطقة نُسخ منه. فهو يهدف إلى خلق عالم ومجتمع لأشخاص يتسامى فيه المرء، وهذا العالم هو المنطقة. يلاحظ (كوفاكس) صورة صوفية في هذه القصة، وتقاربا شديدا مع الفكرة الشخصانية. ففي التقليد الشخصاني عند (برداييف) يكون تحقيق التسامي مستحيل بالمعايير الواقعية والمادية، وهو أقرب منه لحالة روحانية أو ذهنية. أي أن تحول المرء منا إلى شخص ليس مؤلما فحسب، لكن ما إن ينجز هذه المهمة ويصبح شخصا حتى يدرك أنه وحيد ويضطر أن يقاسي كل المعاناة الناتجة عن ذلك. يقارب هذه الفكرة (كوفاكس) مع الفيلم قائلا:

في نهاية (ستولكر) ينهار البطل نفسيا، عندما يعايش عدم الإيمان الكامل للأشخاص الذين رافقهم. وتضعه زوجته في الفراش وتطيب خاطره باعتباره رجلاً مريضاً جداً.

أخيرًا، عن فيلم (الحنين):

اما في فيلم (الحنين) الذي يحكي قصة شاعرٍ روسي يسافر إلى إيطاليا محاولا استكشاف حياة موسيقار روسي من القرن الثامن عشر. وفي سعيه لمحاولة استكشاف حياة غيره يواجه هذا الشاعر أسئلة بخصوص حياته هو، فهو بين عالمين ولا يجد وطنا له في أي منهما. ويستوعب في سياق أحداث الفيلم أن لا حل لهذه الحيرة سوى أن يضحي بذاته ويغرق في انعزال لا رجعة منه، أي أن ينزلق لمنزلقات: الحنين، الألم، الكارثة، الموت. تماما كما يكرر (برداييف):

ان اكتمال حياة الشخص لا يمكن الوصول إليها، وينفد وجود الشخص ويصبح جزئياً. وتسامي الشخص إلى الاكتمال يعني الموت، الكارثة، الوقوف على شفا الهاوية.

نشأته

ولد “تاركوفسكي” عام 1932م، في مدينة زفراجيه الروسية الواقعة على ضفاف نهر الفولغا، ابناً للشاعر الروسي “أرسيني تاركوفسكي”، والدته مايا ايفانوفنا فيشيناكفا. بعد انفصال والديه، عاش اندريه واخته عند امهما التي اخذت تعمل كمصححة في إحدى المطابع.

في العام 1939 بدأ التعليم في المدرسة الابتدائية بموسكو، ولكن عند بداية الحرب قطع دراسته ورجع إلى قريته عند امـه، ولكن خلال فترة الحرب كانت العائـلة مضطرة لإخلاء المكان، فعاشوا عند أقرباء لهم لفترة من الوقت.

أبدى اهتماماً مبكراً بالرسم والموسيقى، ودرس العربية، لكن بسبب إصابته بارتجاج في الدماغ قطع دراسته قبل إنهائها، وانتقل إلى دراسة الجيولوجيا، في حلقة للبحث العلمي في معهد الذهب بجمهورية قرغيزيان حيث عمل ما يقارب السنة عند نهر كوريكا في إقليم توروخان. وبعد أن عمل كجيولوجي في بداية حياته، كانت خطوته الكبرى في الانتساب إلى المدرسة الرسمية للسينما التابعة للدولة في موسكو، والتي كان يرأسها السينمائي البارز ميخائيل روم. قدم من خلالها “تاركوفسكي” فيلمه القصير “القتلة” عام 1958 المأخوذ عن قصة قصيرة للأمريكي “إرنست همنجواي”، ثم تبعه بآخرين وبمدة أطول وإن بقيا قصيرين، “لن يكون هناك رحيل اليوم” مع مع الكسندر كوردون سنة 1959م.

بدأ في تلك الفترة بتحليل أفلام المخرج الأسباني السوريالي لويس بونـويل والسويدي انغمار بيرغمان، ويبدأ صداقته الأبداعية مع اندريه ميخائيلكوف-كونجلوفسكي الذي هجر الاتحاد السوفيتي إلى أميركا فيما بعد، لكنه عاد بعد سقوط النظام السوفيتي لاحقا، فكتبا معا سيناريوهات سينمائية مشتركة منها: ملعب التزحلق والكمان واندريه روبلوف. في العام 1960 ينهي دراسته بمعهد السينما ومعه دبلوم في الإخراج، وكان فلم تخرجـه هو ملعب التزحلق والكمان، والذي فاز بالجائزة الأولى في مهرجان الأفلام الطلابية الذي أُقيم في نيويورك في العام 1961.[3]

مسيرته

لفت عمله طفولة إيفان الأنظار، قام بعدها بإهداء السينما أحد أجمل الأفلام السينمائية: أندريه روبيلوف، الفيلم الذي يمكن تمييزه كعمل يتباين في جملته مع “طفولة إيفان”، بورتريه عن فنان روسي أواخر القرن الخامس عشر، ودراما مجازية عن محنة الفنانين الروس، رأى فيه بعض النقاد نقداً حاداً لتأثيرات الحرب وآثارها الفوضوية على حياة الإنسانية، ويعتبر هذا الفيلم من أبرز وأكثر أعماله تعبيراً عن أساليبه الإخراجية ولغته السينمائية التي اجتذبت مخرجين كبار ونالت استحسانهم أمثال السويدي “بيرغمان” أو الياباني “كيراساوا”. كان هذا الفيلم بحق معضلة “تاركوفسكي” الأولى مع الرقابة الروسية، التي لم تسمح بعرضه في روسيا إلا عام 1971، مما زاده جماهيرية مضافاً إليها حصوله على جائزة في مهرجان كان.

فيلم سولاريس سنة 1972 كان تطوراَ مثيراً لمسيرة هذا المخرج، الذي تناول رواية خيال علمي للروائي الروسي ستانيسلاف ليم التي تحمل العنوان ذاته، عن رائد فضاء فقد زوجته لكنه يجدها في وقائع غريبة على الكوكب الذي أرسل إليه من وكالة الفضاء التي يعمل فيها للتحقيق في حوادث غامضة، وهو نقد للمادية التي طغت على الإنسانية وساهمت في تلاشي القيم الروحية والأخلاقية. في المرآة سنة 1975، لم يزل “تاركوفسكي” يغزل على ذات المنوال، حيث يستلهم سيرة ذاتية ويقولبها في تسلسل تاريخي متميز، رجل يبدأ بمعاصرة ذكرياته مرة أخرى، عن طفولة ومراهقة أسهمت القوى الجديدة في تدمير معظمها.

في عام 1979 أخرج آخر أفلامه في روسيا، فيلم المقتفي، المقتبس عن رواية قصيرة في الخيال العلمي للأخوين “أركادي وبوريس ستروقاتسكي” بعنوان “نزهة على جانب الطريق” 1971م، فيلم ذكي بإبداع بصري مذهل يحوز معظم مفاهيم “تاركوفسكي” الإخراجية وأساليبه الفنية. حيث يبرز مفهومه الخاص بنحت الزمن بوضوح بارز للغاية، عن قصة بعثة علمية يقودها أحد المتسللين للوصول إلى أرض تبدو عليها آثار زيارة من الغرباء -سكان الكواكب الأخرى- ومنطقة تتحقق فيها الرغبات -إشارة إلى الآمال التي يتعلق بها البشر وأوهامهم بشأن السعادة- ووقائع تلك الزيارة، ونتائجها المختلفة بالنسبة لكل فرد من أفراد البعثة.[4]

فلسفته

منذ باكورته طفولة إيفان (1962)، استند إلى لغة مغايرة في بناء المشهد السينمائي. إذ كان يؤكد دوماً أنّ «الإيقاع هو العنصر الأساسي المكوّن للسينما». لكن هناك عناصر أخرى أخذت تبرز في أعماله مثل بصمة الزمن على الأشياء، وما تتركه على روح الشخصيات. يقول في حوار معه: «تكمن أهمية الفن في أنّه يحمل شوقاً إلى المثال». هكذا، يقود أبطال أفلامه إلى عالم قاتم يحتاجون فيه إلى قوة للعبور نحو «البلد السعيد». «المرآة» (1975) سيمثّل منعطفاً في سرده السينمائي، فهو من أكثر أفلامه تعقيداً لجهة الأفكار والبناء الدرامي. البطل ألكسي لا يظهر على الشاشة، لكننا نسمع صوته، ونرى يده مرة واحدة فقط. هنا الحياة مغبّشة ومبهمة، كما لو أنّها مقطع من رواية مارسيل بروست «البحث عن الزمن المفقود». الفقدان إذاً هو مركز عمل تاركوفسكي وأفلامه تتمحور حول استعادة الزمن المنهوب وتسجيله. في الحنين (1983)، سيستكمل هواجسه الروحية والدراما الداخلية للبشر في اضطرامها وصراعها مع المجهول. وفيلمه الأخير «القربان» (1986) ينهض على قناعة بأن «هدف الفن تحضير الإنسان للموت والارتقاء بروحه حتى تكون قادرة على فعل الخير».[5]

لمشاهدة أكثر أفلامه شهرة اتبع الروابط التالية

مجموعة أفلام على اليوتوب

Ivan’s Childhood 1962

الرابط الأول

Ivan’s Childhood 1962

الرابط الثاني

Ivan’s Childhood 1962

———–

Andrei Rublev 1966

الرابط الأول

Andrei Rublev 1966

الرابط الثاني

Andrei Rublev 1966

———–

solaris 1972

الرابط الأول

solaris 1972

الرابط الثاني

solaris 1972

———–

The Mirror 1975

الرابط الأول

The Mirror 1975

الرابط الثاني

The Mirror 1975

الرابط الثالث

The Mirror 1975

———–

Stalker  1979

الرابط الأول

Stalker  1979

الرابط الثاني

Stalker  1979

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق