وجها لوجه

وفائي ليلا: في ستوكهولم صرت أبعد عني!

صدام الزيدي

ينقلنا هذا الحوار مع الشاعر السوري المُقيم حالياً في السويد وفائي ليلا إلى عوالم كثيرة لا يمكن التنبؤ بها، أو استكناه مداراتها، وأدقّ تفاصيلها، بسهولةٍ.

فالشاعر هو ابنُ دمشق، التي غادرها باكراً، لتبقى في روحه، يتعهّدها بالكتابة والحنين، مستعيداً من الذاكرة البعيدة أسئلةً تماهت وما زالت، عن دمشق: المدينة والطفولة والأزقة العتيقة، وما يدور خلف آهاتها وجدرانها تحت جنح الظلام والنظام.

“كانت آبار النفط تطلق ألسنة لهبها أعلى في وحشةٍ وعتمةٍ مطبقة وأنا أدور حولها بسيارتي باحثاً عني وعن الطريق إليّ”- هكذا هي يوميات عقدين من الزمن قضّاهما ليلا في البحرين إثر مغادرته دمشق عام 1996. لكن ماذا عن ستوكهولم السويدية، في زمن اللجوء والحرب وأسئلة الخوف والقلق منذ ما قبل الأحداث الدائرة حالياً في سورية، التي آمن بثورتها وبات مؤازراً لها شعراً وضياعاً؟

صدرت لوفائي ليلا، وهو واحد من كُتّاب قصيدة النثر السورية، سبع مجموعات شعرية، إحداها سترى النور قريباً باللغة السويدية، بينما تحتفي مهرجانات سويدية وأوروبية بالشعر وتسقط مهرجانات هنا في الشللية والانطفاء، كما يقول.

في هذا الحوار مع “ضفة ثالثة” نذهب مع شاعر سوري مختلف إلى فلسفة الشعر، عبر منفذ يتحرّج كثيرون من البوح به، كما يقول. هكذا وجهاً لوجه مع عالمٍ متناقضٍ لن يستقرّ طالما هو في صراع مع لحظةٍ متشظيّةٍ لا حدود لها إلا القيامة!

تجربة اللجوء في البحرين

(*) غادرت سورية مبكراً إلى البحرين عام 1996، ثم لجأت إلى السويد عام 2016.  كيف كانت تلك العشرين عاماً في البحرين؟

لا أعرف كيف مرّ كل ذاك الوقت، لكنه كان بليداً بما يكفي كي أبقى في مكان واحد. يبدو أني كنت بائساً إلى حد بعيد حتى صبرت على ظروف ليست مثالية كنت أعيشها مرغماً.

على كُلّ حال، أغلب مجموعاتي كتبتها هناك في البحرين، وكنت أستحضر فيها دمشق، وألوذ بها من شمس تلك البلاد الحارقة وجفافها، تلك الكتابة التي تعقبت كل التجارب والأخطاء

“أغلب مجموعاتي كتبتها هناك في البحرين، وكنت أستحضر فيها دمشق، وألوذ بها من شمس تلك البلاد الحارقة وجفافها”

العظيمة التي لطالما ارتكبتها وغامرت بها دون رادع أو ضابط. هنالك، أيضاً، استذكار لتجاربي مع أولئك الناس الذي قادهم حظهم العاثر لأن يكونوا إخوة وأقارب وأصدقاء وأعداء وعشاقاً وقتلة ومتنمرين ومبتزين محترفين أنجبتهم دمشق.

كنت أعوّض التصحر الجديد الذي اضطررت إليه عبر استعادة كل تلك المجازفات التي منحتها لي تلك المدينة السخية نسبياً بالقياس مع الشح والتعقيم الذي واجهته في البحرين، من جهة الجسد والبشر وغنى المكان… المكان والعمل الجديد هناك اكتسحا روحي وصنعا فارقاً، ما بين مدينة تضج بالحياة والصخب والتفاصيل، وبين بلاد مرمية على طرف الصحراء، حيث طبيعة الناس تختلف وكذلك مزاجهم وانشغالاتهم.

كانت آبار النفط تطلق ألسنة لهبها أعلى في وحشة وعتمة مطبقة وأنا أدور حولها بسيارتي باحثاً عني وعن الطريق إليّ. كل ذلك كان محط انتباهي.

لا شك في أن الأرض غاضبة جداً حتى تنفث كل هذا الغاز المحموم مثل لهاث حانق، أقول لي… وأنا لا أعرف الإجابة على السؤال الأزلي: لماذا أنا هنا؟

إلى الآن، لم أغفر لي خطأ البقاء هناك أكثر مما يجب، لأنه كان خياراً فيه قدر من الإكراه والتورط، ليس لأنها بلاد غير مناسبة، بل لأنها لم تكن الهدف والطموح لفتى (هو رجل) يريد أن يلامس الحداثة على صعيد التهور والمخاطرة والقفز أعلى في بلاد ظن إمكانياتها أوسع وشرفتها تطل على الجديد، وهو ما صادف أن كان متواضعاً إلى حد ما.

هذا لا يعني أنني لم أستفد من وجودي هناك، لكن ذلك لم يحقق ما كنت أصبو إليه. في النهاية، كانت البحرين بلداً من الصعب الدخول إليها، ومن الصعب مغادرتها.

ينصتون للشعر

(*) شاركت في مهرجانات للشعر في السويد. كيف وجدت جمهور الشعر هناك قياساً بجمهوره العربي، ولك تحديداً مشاركات عربية في كل من البحرين، مصر، تونس، الكويت، لبنان، وفي تركيا وهولندا أيضاً؟

مشاركات الشعر في السويد كانت متنوعة وفي مدن عدة، بما فيها معرض الكتاب السنوي في يوتبوري، الذي قرأت فيه الشعر مثل صلاة في غرف مغلقة للشعر.

لا أعرف انطباعات السويديين بالضبط، كوني لا أمتلك اللغة، ولكن كثيراً منهم كان يهتم بقصائد اللجوء. السويديون عندهم فضول لمعرفتنا، وهذا أمر مميز، كونهم ينصتون باهتمام.

في ما يخص الشعر، شاهدت كثيرين وهم في منتهى التأثر والألم، حد البكاء، حيث يمتلك كثير منهم رهافة عالية لم ألمحها عند العرب كثيراً. إنهم ينصتون بعمق وبصبر شديد حتى النهاية.

كانت لي مشاركات شعرية في بلاد عربية مختلفة قبل حضوري إلى السويد. أغلب المهرجانات جاءت نتيجة علاقات كما أظن وهي ضحلة ومضحكة، أو يمكن أنني لم أصادف مهرجانات رصينة ما يكفي، ولكن مشاركاتي كانت بدافع الفضول ومعرفة الوسط الأدبي المليء بالمُدّعين والأنصاف، والقليل المبدع والمختلف. في تركيا، نظّمت لي دار بيجيز (صفحات) توقيعاً محترماً، واتفقت معي على إصدار كتابين، وقد صدرا بشكل محترم وغير مسبوق بالنسبة إليَّ. كما كانت لي تجربة جيدة مع دار المتوسط. الهولنديون كانوا يسألون بجدية، وفي تركيا حضرت وسائل إعلام مختلفة. أعتقد أن تجاربي الأخيرة مع الشعر ومستمعيه كانت أفضل، خاصة مع دور نشر أكثر احترافية.

إنها ثورة

(*) ما أسوأ انعكاسات الحرب الدائرة حالياً في سورية على المبدعين ومشهدية الثقافة عموماً؟ كيف نقرأ مآلاتها، برأيك؟

إنها ثورة بداية. فخروج السوريين قاطبة للمطالبة بالحرية والكرامة كان جلياً منذ البداية، وقد سارع أصدقاء الشعب السوري قبل أعدائها إلى تقويضها، حتى أنك لا تجد تقريباً ولا دولة ذات نفوذ إلا وتدخلت في الأرض والقرار والجغرافيا السورية، على عكس ما يوحي أحدهم أنها مجرد رمال لا قيمة لها وهي لا تستحق عناء المخاطرة.

وفي رأيي، أن الإسلاميين اغتالوا مدنيتها، وربما كثير منهم دفعته جريمة النظام بالقتل البارد والعنف العاري أيضاً المنفلت من أي ضابط أخلاقي أو وطني إلى فعل ما فعل.

أما عن انعكاساتها، فهي قسمت المثقفين والمفكرين وأبرزت تناقضات ما كان لها أن تظهر لولاها، فشاعر الحرية الأول يصفق للقتل وللعسكرة، والجنرال الذي لطالما أتحفنا برجمه وصاحب الرؤية الذي يؤمن بالمدنية والعلمنة والحداثة ينكفئ بذات أدواته المعرفية إلى قرويته وطائفته ويمارس تضليلاً ممنهجاً لكل ما حدث دون أي رادع أخلاقي بسيط له علاقة باحترام الدم الذي تدفق في كل مكان مثل مسلخ.

في المحصلة كثير من المفكرين والمثقفين كانوا ضمن هذا الإطار الذي أفرز بين المواقف.

التوفيقيون وأصحاب النوايا الحسنة كانوا هناك أيضاً، وإن كان دورهم خافتاً، وهنا لا يوجد أسوأ كما تسأل عن انعكاسات هذه المقتلة على السوريين، إنها قيامتهم ووجودهم، إما أن يبقوا أو يزولوا لأنهم لا يستحقون.

أنا عادةً مع الناس الذين اخترعوا الحياة والعيش والتسامح الذي أظنه متوافراً وبشكل غير مسبوق بين السوريين وعمل النظام على تفخيخه بنقيضه وعمل بعض المثقفين على الترويج له.

الثقافة الجديدة ستبرز في هذا التغير الكبير وإن كان لها حظ بالحياة ستنجو وننجو معها وأيضاً جائز أن ينتصر النقيض ويجتاح ببربريته ما تبقى من السوريين.

نحن في أتون التجربة ومن المبكر معرفة النتائج أو إلى أين. الآن تستقبلنا منافٍ باتساع العالم وها نحن نستعدّ لكي نذوب في وجوه وعادات وثقافات الآخر وهو أكرم من بلاد تنجب معتوهين مدججين بالأجهزة التي تقتل وتقتل ولا تجيد إلا هذه المهارة المفزعة لإبادة الكائن وليس فقط استعباده.

جماعة البيتس

(*) قرأت الشعر الأميركي وجماعة البيتس تحديداً. وعربياً قرأت لكثيرين حتماً. كيف ألهمتك كل هذه القراءات؟

ألهمني الشعر الأميركي المترجم وخصوصاً جماعة البيتس. كان صادماً وخشناً ويقترب من الواقع الحقيقي للناس ويتعقب حيواتهم، بؤسهم وتعاستهم وأفراحهم النادرة وتناقضاتهم، وغالباً

“السويديون عندهم فضول لمعرفتنا، وهذا أمر مميز، كونهم ينصتون باهتمام. في ما يخص الشعر، شاهدت كثيرين وهم في منتهى التأثر والألم، حد البكاء، حيث يمتلك كثير منهم رهافة عالية لم ألمحها عند العرب كثيراً”

بمهارة وبساطة اللغة معاً، حيث لا تتعالى على الكائن وتشبهه، لأنها هو.

الجدّ والت وايتمان كان تأثيره حاسماً أولاً في “أوراق العشب”، ودروسه عن الحرية، وكل من تتبعه لاحقاً، وخصوصاً آلان غنسنبرغ وسواه. أنا مدين لهم بالجرأة، وربما بنبض الكائن في أي نص، غضبه وحقيقته مهما تكن نافرة أو صادمة أو تشع باللامعقول.

في التسعينيات، نشطت دار الجديد في بيروت بأسماء لامعة، وكانت كذلك مجلة الناقد لرياض الريس، التي أثراها كل من يوسف بزي، ويحيى جابر، وكلاهما كانا شاعرين مهمين جداً وقتها، وشابين برعا على صعيد الجملة الشعرية المبتكرة، والصور الجديدة، والتقاط الحياة اليومية والمدينة والتجربة الحياتية بخفة ظَلّ وذكاء نادرين، كما كان للأسماء التي لمعت بالجوار أثر مهم، مثل عبد العزيز جاسم من الإمارات، ومحمد متولي من مصر، وغيرهما كثر لم أعد أذكرهم.

كما تعرفت على عباس بيضون الذي سحرني كذلك. هنا تعرفت على شعر الحداثة العربي الذي أيضاً أضاف إلى مخيلتي وسائل أخرى كي أمسك مبضع اللغة وأختبر الجثة، الواقع.

أيضاً كانت هناك ودائماً ترجمات دار الجمل الجريئة والمختلفة. لاحقاً تُوِّجت التجربة بالعثور على فرناندو بيسوا البرتغالي ذي الوجوه المتعددة وقُبّعة السحر الواحدة الذي يرافقني بكتابه اللاطمأنينة، وغالباً ما أظنني هو.

أنا عادة أقرأ للكثيرين وأترك من هو أنا يتكلم، لذلك لا أعجب بأحد، أقصد لا يستغرقني أو يلغيني أحد. أنجو من التقليد لأنني لا هدف لي كما سواي، لا استراتيجية ولا خطة. حربي خاسرة لأنني أعمى، وبالشعر أكتشف الطريق الذي لطالما لم أكن متأكداً منه.

دمشق قصة طويلة

(*) عام 1964 جئت إلى الحياة في دمشق، وبعد حين أنت خريج الفلسفة في جامعتها قبل أن تغادرها في ربيعك الثالث، لكنها لم تغب في قصيدتك وفي وجدانك. أي عشقٍ وأي حكايةٍ هي دمشق؟

دمشق قصة طويلة. كنت أظنها أقلّ مما هي بالواقع، لأكتشف بعد سنوات كم هي مدينة مختلفة، أقصد غنية رغم كل الإذلال الذي لحق بها، وكل الترييف الذي حاول النظام أن يغير من هويتها المدنية والحداثية بامتياز.

كان يجب أن أغادرها لأكتشفها. وحين جاءت الحرب، صار لزاماً عليَّ أن أدافع عنها، فكتبت عن كل التنكيل الذي أساء إليها. وأيضاً بدأت أتذكر التفاصيل الأخرى وكل ذكرياتي عنها وفيها، من دور السينما الرخيصة، إلى الميكروات التي تحتشد وتتلاصق فيها الأجساد كلها، في تجاور كنت أسترق فيه لمسات الممنوع، إلى أسواقها وأفران ازدحامها، أسطح تلصصها،

“أقول بالشعر ما يشبه سينما تسجيلية دقيقة، لي ولمن حولي، حتى أني لا أجرؤ على تغيير الأسماء، وأنتظر موت الجميع قبلي كي أقولها دون خوف، والمصيبة أني قد أسبقهم جميعاً”

ثقوب الجدران وقصص تحت الدرج المعتمة، إلى لهاث الناس من أجل الكرامة والعيش المستور.

ثمة تفاصيل كثيرة في هذه المدينة، عائلات، وأصدقاء، وغرباء، تلتقطهم أو يلتقطونك من الشارع… دمشق ملونة وكبيرة ومتداخلة مثل متاهة لا تنتهي.

كتبت مجموعة كاملة عنها وأنا أجهش من كل جسدي على أطفالها الذين اختنقوا بالغاز، وشُبّانها الذين ماتوا في عمر المراهقة، وأولئك الذين اختفوا، أو غيبهم العمل المُضني عند معلمين جشعين. كما كتبت عن التسوّل. وتذكرت أيضاً الطرقات والبيوت والأزهار التي ترأف النسوة بها وتحاولن طوال الوقت العناية والرعاية، وأيضاً كل ذاك الفقر والتعتير الذي كان يجلل حضور البشر المحزن.

في المشهد العام، كان البشر منهكين وجديين جداً، حيث يضطر الواحد منهم لأن يعمل في أكثر من مهنة كي يتوازن ويوفر قوتاً صعباً. لطالما كان الفساد في كل مفاصل الدولة يمتصه ويمتص كل قدرات المواطن الأخرى، المواطن الذي صار أقلّ قيمة وأكثر استهدافاً من أجهزة القمع والتصفية في ما بعد.

دمشق عشتها ريفاً ومدينة، وخبرتها على مدار أكثر من ثلاثين عاماً، قبل أن أفِرّ إلى بلاد أخرى.

إنها مختبر هائل للمشاعر والتجارب والأخطاء والأشياء الصائبة بالطبع؛ البيوت بيوت السر، والنوافذ التي تلهمك فضولاً أشد؛ الأبواب المواربة التي تدعوك، والتنوع الهائل الذي يجذب قميص اشتهاءاتك من كل الجهات.

نكهة عميقة بتوابل البشر الذين اصطفوا لهم مكاناً يتجاورون فيه ويعرفون كيف يختلفون في كُلٍ واحد بتمايز خلاق أثار حقد الأجهزة التي لطالما فخخته، لأنه ضدها بالجوهر، كمدنية ناجزة اخترعها الزمن، وسيرة الكائن الأقدم على وجه الأرض، ذاك الأحدث والأنبل منها وأقصد الأجهزة.

دمشق قصة كبيرة، والكلام هنا قليل ومحدود.

(*) مرّت أكثر من 20 عاماً على صدور باكورتك الشعرية الأولى (متوقفاً عن الضحك) عن دار الفارابي في بيروت عام 1997 مروراً بست مجموعات بعدها (مغسولاً بمطر خفيف) 2003، (ما ليس أنا) 2006، (يعطي ظهره للمرآة) 2009، (رصاصة فارغة.. قبر مزدحم) 2015، (اسمي أربعة أرقام) 2017، (بيت واسع بحمامين) 2018. منذ التلويحة الأولى حتى السابعة، أين هو وفائي ليلا؟

أنا في كل مجموعاتي التي ذكرت، وإن كنت أكاد لا أقرأها أبداً بعد الطبع. لا أجد نفسي شاعراً رغم أني أظن ذلك طوال الوقت. ومع ذلك، أنا في كل تلك القصائد، لأنني أجازف بالحقيقة، وأكتب ما يجعلني أرتجف حتى أخمص روحي. أقول بالشعر ما يشبه سينما تسجيلية دقيقة، لي ولمن حولي، حتى أني لا أجرؤ على تغيير الأسماء، وأنتظر موت الجميع قبلي كي أقولها دون خوف، والمصيبة أني قد أسبقهم جميعاً. أفكر أنني سأحرقها يوماً، وسأكتفي بمجموعة واحدة، بعد أن أجد لغتي ووجهي، ومن أنا. أخشى أيضاً أنني لن أصل إلى ذلك أبداً.

لا أملك إلا “أنا”، كمختبر، أو جثة، أقوم بوضعه على طاولة التشريح، أي الشعر، وغالباً أنا قاسٍ معي.

أستخدم كل المشارط، ولكن ثمة واحد أعرفه ولا أجرؤه، وآمل أن أفعل يوماً، فأنا لم أقل الحقيقة تماماً، وربما لم أقلها أبداً.

باللغة السويدية

(*) “اسمي أربعة أرقام” ستصدر هذا العام باللغة السويدية. ما رأيك في ترجمة الأدب عالمياً، لا سيما أدبنا العربي، الذي يكاد لا يُقرأ بلغات أخرى؟

“اسمي أربعة أرقام” هو الكتاب الذي تم الانتهاء من متابعة ترجمته التي قام بها الأستاذ الشاعر جاسم محمد، الذي له الفضل في إبراز نصي في السويد، وأنا أجدها مجموعة مناسبة كي أقدم للآخر الغربي، أو السويدي تحديداً، صوتي كما هو، ولا أعرف إن كان هذا صائباً، أو سيفيد بشيء.

لا أسعى لأن أندمج من طرف واحد، أريد أن يفعل ذلك الطرف الآخر، وأن يقبل الجلوس إلى جواري، لا أن يضع الحقيبة كي يمنعني من ذلك، كما يفعل البعض في القطارات.

أريد أن تنتهي علاقة السائح والمستشرق، وتبدأ علاقة جدية كتلك التي عشتها في دمشق، وكانت أمي قمر البدوي رائدة بها، أي أن تعيش مع آخرين تقبل اختلافهم دون ادّعاء، وتحترمه

“لا أسعى لأن أندمج من طرف واحد، أريد أن يفعل ذلك الطرف الآخر، وأن يقبل الجلوس إلى جواري، لا أن يضع الحقيبة كي يمنعني من ذلك، كما يفعل البعض في القطارات. أريد أن تنتهي علاقة السائح والمستشرق”

ولا تجعله شرطاً كي تلعب معهم الورق، أو تقيم علاقة من أي نوع مهما كانت، حتى لو كانت عابرة، ولمرة واحدة وإلى الأبد.

وربما تساعده لأن يكون عاطفياً (الآخر)، فهنا الصقيع قاتل، والعقلنة تكاد تحوّل البشر إلى وحوش، أو أحياناً إلى آلات.

لا أعرف إن كنت سأنجح، ولكن سأحاول أن أكون أميناً لإعجابي بالغرب، واعتدادي بالشرق، وأيضاً لرغبتي بأن أستفيد من سقف حرياتهم ونمط تفكيرهم العملي، وأن أجُرّهم إلى بعض العبث والانفعال، السهر والقهقهة بصوت عالٍ، وتناول طعامنا الشرقي الرائع أمام وجباتهم الشديدة الفقر.

أعود لأمي لأقول لك إنها كانت تستطيع أن تعقد صداقة مع سائق تكسي عابر، وتبدأ بمعاتبتي أمامه، لأنني أُضيِّع النقود في ما لا طائل منه، وعنيد كما لا يليق.

تلك العفوية والتلقائية البريئة حد المباغتة هي ما أودّه أن يسود، وأن يكون خطاب الإنسان الجديد الذي أظنه أمثل حين يتنوع وينفتح على الأفضل ويتخلى عن خجل وتحفظ المخاطرة، دون نسيان الأصل والتنكر له، أو رجمه بعصاب هستيري لا مكان لشرحه هنا.

(*) وأنت تقترف الشعر، مم تهرب؟ هل الشعر ملاذ؟

ألوذ بالشعر من الواقع، إنه يحميني لأن ذاك الأخير ينتهكني فيه ناسه وقوانينه.

إنه مملكتي التي أبكي فيها بهدوء ويعوضني عن نقص الحب. لم يعانقني أحد تقريباً، لذلك ليس من الغرابة أن أبحث عن ملجأ وملاذ. لقد كنت طفلاً صموتاً لا أحسن سوى لعبة الخيال، وكانت إعادة تفكيك الواقع هي للحماية.

حاصرتني قرى ومدن، واستولى عليّ الهلع مبكراً. عصابات الصبية في الطفولة، بطش الأب، حياد الأم وانسحابها لصالحه، هول الأساتذة، وخصاء الدين. العالم كدمات وتجارب تثير الخوف. كنت أتبول إلى عمر متأخر. الملل والضجر والكسل حاصروني، لكنني كنت أرقص أحياناً، وأتخيل مسرحاً في رأسي، منصة وتصفيقاً للتعويض عن الإهمال، أو الإهانة. الشعر اخترع لي لعبة بديلة رغم أني لا أعرف إن كنت أكتبه حقاً، أو أن هذا الذي أكتب هو الشعر. إنني أصرخ هناك بصوت خافت كي لا أزعج الكبار.

تجارب جديدة

(*) شاركت كممثل في فيلم “الغابة” وهو فيلم سويدي في طريقه إلى النور قريباً. ما الدور الذي قمت بتمثيله؟ حدثنا عن هذه التجربة الجديدة لك؟

عملت في فيلم سويدي كممثل بدور صغير، لكنها تجربة ممتعة، قمت فيها بدور لاجئ لا يريد أن يندمج في المجتمع الجديد، ويريد أن يحافظ على هويته، ولذلك بدا عصبياً ويدخن بشراهة. أعتقد أن قلقي يناسب أدواراً مثل هذه. إنه طبيعي وصافٍ.

كنت أنفعل بقوة وأخاف كما لو كان واقعاً. كان المصور حين يقترب مني ليأخذ لقطة أو يعدل وقفتي يلمح هلعي. صار كلما يقترب مني يقول لي بما معناه: “اهدأ نحن لن نؤذيك”. المكان الذي صورنا فيه خلاب، وسيدهشني كيف سأراني حين يعرض، مثل طفل يرى نفسه في مرآة لأول مرة. وقد أشعر بالسخط الكبير، لا أعرف.

(*) الرسم على جدران سويدية كانت تجربة أخرى مختلفة.

الكتابة على جدران ستوكهولم جاءت مجازاً، حيث كنت ألمح ما يكتبه الفتية هنا وهناك أثناء إقامتي بها. ونتيجة عدم تمكني من اللغة السويدية، عدت إلى الطفل الصامت والخائف، وبدأت أكتب أيضاً خوفي وشعوري بالإهانة في غرف التحقيق كوني مجهولاً إلى هذا الحد، ومضطراً إلى أن أقدم الوثائق لأقول من أنا.

كنت في داخلي شهيراً جداً، كما كنت أظن، ومتأكداً مني، وفجأةً انسحب كل ذاك وظهرت سوءة ضآلتي أمام الجميع. حالة الخرس والضياع والخوف بعد القدوم إلى السويد دفعتني كما في كل

“عملت في فيلم سويدي كممثل بدور صغير. قمت بدور لاجئ يرفض الاندماج، ويريد أن يحافظ على هويته، ولذلك بدا عصبياً ويدخن بشراهة. أعتقد أن قلقي يناسب أدواراً مثل هذه. إنه طبيعي وصافٍ”

مكان كنت فيه إلى رجم أحد ما لأنني مجهول وأقل ولا أقوى.

هذه الحالة ضاعفت رغبتي في الكتابة، وخصوصاً أنني شعرت من جهة أنني آمن نسبياً، رغم هذا الخوف. المدينة وأقصد ستوكهولم مدينة هائلة وفيها تفاصيل عريقة ووجوه وروائح. كل هذا يستثيرك، ولكن يمنعك من الإقدام، لأنك خجول، ولا تملك اللغة المناسبة، فقط عينك تجتاح الأجساد والوجوه باشتهاءاتها وفضولها وأسئلتها. في ستوكهولم صرت أبعد عني، ولكن مع تفاصيل جديدة. الطبيعة المذهلة والأنهار التي تحفك من كل الجهات.

صار هناك تحدٍ آخر، وهو كيف سأستنشق كل هذا الهواء الجديد، وأشرب ماء البحيرات العميق كله دفعة واحدة، وكل ذاك الأزرق الفاتن في عيون السويديين التي تمسحك بخفة لا تلحظها وتمضي صامتة إلى عملها المعتاد دون اكتراث.

الفلسفة والشعر

(*) كيف أفادتك الفلسفة شعراً؟

أعتقد أن أي نص أدبي يخلو منها يفقد مبرر وجوده الأهم والأثمن. خلف النص الأدبي نلمح الكائن ومكانه ورؤاه، وما يعتقد، وإلى ماذا يصبو. لا يوجد نص بلا هذا العمق الذي يُكسب أي نص ثقلاً وأهمية. على أنني أجد أنه على خطاب الفلسفة في النص الشعري أن يختفي خلف الصور والتراكيب والمعاني، دون أن يثقل النص بلغته الصعبة ومصطلحاته المغلقة نسبياً. وجرعة النثر والشعر يجب أن تكون هي الأقوى والمهيمنة هنا. أميل إلى القول إن تلك الخلطة لا يتقنها الا القلة. ثمة من يكتب نصاً غارقاً في المصطلح الفلسفي، كمن يلقي محاضرة مختصة ببحث، والشعر عالم أرحب، وثمة أجنحة يحتاجها ليطير أعلى.

دراستي للفلسفة لم تكن خياراً واعياً تماماً، كما كل حياتي، هكذا كنت كيفما شاءت الصدف، وكل من أحاطني اختار لي، إلا أنه كان لي فيها قسط وافر من الرضى والقبول، لأنها كانت من مدارات اهتمامي، وحسن أنني انتقلت إليها من قسم التجارة الممل للغاية، واقتربت عبرها من القضايا السجالية التي ألهمتني ووهبتني الموقف والأداة، وأقصد اللغة الخاصة بي التي تجلت شعراً كما أظن أو أتوهم.

قبل التشظّي الكبير

(*) لنعد بالذاكرة إلى البدايات: الكتابة الأولى. كيف جاءت؟ وماذا عن دمشق الطفولة في رحاب العائلة قبل التشظي الكبير؟

جيد أنك تذكرني بنصوصي الأولى، و”رحاب العائلة”، فمن أول نصوصي كان نص يقول

“كان لدي جدّات وعمّات، أي عائلة ممتدة، وأم فقدت ذاكرتها ذات انهيار عصبي، وأب فاتن ومرح يمارس إرهاباً ممنهجاً على أطفال أتوا في غفلة منه”

سطره الأول: “هذه العائلة يجب أن تموت”. بالنسبة لسؤالك عن البدايات، أنا لا أعرف لماذا كتبت أبداً، أجبت عن هذا السؤال لأحد قساوسة الأدب ومنتحيله يوماً بجواب مقتضب، قلت له: “أكتب لأنني أخاف”، ورغم أنه كان يحب شعري جداً إلى درجة التهور، وأقصد طباعته، إلا أنه طالبني بالشرح، وكان الأمر مضحكاً ومحرجاً. أن تقول لأحد ما إنه لا مشروع لديك، ولا تعرف أصلاً لماذا تكتب ولمن؟

كانت إجابات الآخرين غالباً جاهزة ومعقدة، وتعج بالمصطلحات الفلسفية والفكرية، بمن فيهم من أخذ جوائز لأن شعره يتخفف من اللغة والموضوعات الكبرى وحداثيّ.

المهم كانت الكتابة بداية شرح خجل ما كان مزمناً، أو كانت توقاً للانتقام من حالة الخوف والتأخر بالرد على كل من يجتاحك أو يستخدمك، أو يلغي حضورك، كما رغبة الكل في إزاحة بعضهم البعض.

كنت أريد أن يكون صوتي أعلى، كوني كنت أخرس في الصغر، وأخجل بذلك الصوت النحيل آنذاك، وكنت بسببه عرضة للسخرية من أقراني الذكور.

كثيرون تنمّروا عليّ، وكثيرون أغراهم ضعفي وخجلي بالسحق، فقد كنت أقل من أن أرد أو أحتج. وبدأ الموت يحضر عبر وفاة الجدة، وأيضاً المستقبل يتقدم كي يدهس اللحظة الحاضرة.

الطفولة كانت تعج بالقصص والحوارات في المخيلة، وكذلك ممارسات الجسد البسيطة والسرية التي لطالما كانت تحيط بي.

الطبيعة كذلك أسرتني وعشت عالمين دفعة واحدة: ريف ومدينة، وعلاقات وقيم أيضاً متناقضة. بيئة متسامحة نسبياً، وبيئة باترة لكل الرغبات وتمارسها بضراوة في العتمة وتحت أردية العيب والخوف والدين.

كان لدي جدّات وعمّات، أي عائلة ممتدة، وأم فقدت ذاكرتها ذات انهيار عصبي، وأب فاتن ومرح يمارس إرهاباً ممنهجاً على أطفال أتوا في غفلة منه.

البيوت الكثيرة التي فقدتها آذتني، إذ صرت ضائعاً في أحلامي وتائهاً في البحث عن بيت لطالما حرص أبي على إفهامي أنني فيه حدث طارئ، أو مجرد عابر لا قيمة له ولا أهمية.

الكتابة الأولى كانت أيضاً بهدف أن أقول ما حدث، وأثأر ممن كان يبطش بي وبسواي، وأيضاً الاعتراض على قيم المجتمع والعائلة والمفاهيم. وخلقت فيّ الطفولة “طفل مخيلة” كنت أروي له قصصي كي أؤنس وحدة لا أعرف لماذا كانت حاضرة إلى هذا الحد.

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق