سياسة

الاجتماع الأمني الثلاثي في القدس: الأهداف والنتائج –مقالات مختارة-

الاجتماع الأمني الثلاثي في القدس: الأهداف والنتائج

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

استضاف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يومي 24 و25 حزيران/ يونيو 2019، اجتماعات في القدس، ضمّت مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، وأمين مجلس الأمن القومي الروسي، نيكولاي باتروشيف، ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي، مئير بن شبات. وتناولت الاجتماعات قضايا إستراتيجية تمسّ المنطقة، وفي مقدمتها الوضع في سورية والوجود الإيراني فيها. ويدل عقد هذا الاجتماع في إسرائيل على عمق العلاقة التي أنشأها نتنياهو، خلال السنوات الأخيرة، مع كل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا. كما يشير أيضًا إلى الأهمية التي باتت تحتلها إسرائيل في استراتيجية القوتين الكبريين في المنطقة، وحرصهما الواضح على أمنها ومصالحها، في ترجمةٍ فعلية لتفاهم ترامب – بوتين في قمة هلسنكي في تموز/ يوليو 2018 على “إعطاء أولوية لضمان أمن إسرائيل”، وهو الأمر الذي فاخر به نتنياهو بأن اجتماع القوتين العظميين “في إسرائيل”، للبحث عن تسوية مسألةٍ معقدة مثل سورية، دليلٌ على المكانة الدولية التي تحظى بها. والأهم من ذلك، من وجهة نظرنا، في تقدير الموقف هذا، هو الاعتراف الدولي بالدور الإقليمي لإسرائيل. ما الأهداف التي سعى إليها الاجتماع؟ وما النتائج التي خرج بها؟ وهل يؤشّر إلى بداية تنسيق ثلاثي روسي – أميركي – إسرائيلي في المنطقة، خصوصا فيما يتعلق بالأزمة السورية، وما موقع إيران منه؟

تفاهمات عامة

نظرًا إلى الطبيعة السرية التي اتسمت بها اجتماعات القدس، لم يكشف النقاب عن تفاصيل المحادثات بين الأطراف الثلاثة، أو النتائج التي توصلت إليها، لكن تسريبات وسائل إعلام إسرائيلية وغربية تحدثت عن أن النقاش الرئيس في الاجتماع تمحور حول استعداد واشنطن وتل أبيب للمساعدة في تأهيل النظام السوري، إقليميًا ودوليًا، في مقابل أن تساعد روسيا في إخراج القوات الإيرانية، والمليشيات المدعومة منها، من سورية، وهو العرض الذي سبق أن طرحه وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، خلال زيارته سوتشي في منتصف أيار/ مايو 2019، ولقائه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، كما جرى طرح الموضوع بهذه الصيغة أيضًا خلال زيارة نتنياهو أخيرا لموسكو، مطلع نيسان/ أبريل 2019، والتي أنهت توترًا استمر ستة أشهر بين روسيا وإسرائيل، بعد أن تسببت إسرائيل في إسقاط طائرة روسية في أيلول/ سبتمبر 2018، خلال اشتباك فوق الساحل السوري. في تلك الزيارة، اقترح نتنياهو تشكيل “فريق مشترك للعمل على سحب جميع القوات الأجنبية من سورية”، إضافة إلى استئناف “التنسيق العسكري” بين الطرفين.

وعلى الرغم من أن اجتماعات القدس لم تحقق اختراقًا بخصوص مصير الوجود الإيراني في سورية، فإن الأطراف الثلاثة اتفقوا على تواصل الاجتماعات بينهم، للتفاهم على مستقبل سورية، وعلى ألا تكون سورية قاعدةً لتهديد جيرانها (والمقصود إسرائيل طبعًا)، وأن استقرار سورية يعتمد، في نهاية المطاف، على خروج القوات الأجنبية منها. كما جرى الاتفاق على أن تعزّز الرقابة على المناطق الحدودية السورية، لتقليص حجم الأسلحة التي تنقلها إيران عبر سورية إلى حزب الله في لبنان، وأن تستمر إسرائيل في التمتع بحرية العمل في الأجواء السورية لـ “حماية مصالحها”، بموجب التفاهمات القائمة مع الجانب الروسي، وذلك وفق وسائل الإعلام الإسرائيلية. كما تم الاتفاق على أن ترفع هذه التوصيات إلى الرئيسين، بوتين وترامب، خلال اجتماعهما على هامش قمة العشرين التي عقدت في أوساكا في اليابان، في الفترة 28 – 29 حزيران/ يونيو 2019.

المصالح الروسية

يبدو أن الاتفاق على عقد الاجتماع الأمني الثلاثي في القدس تم في أثناء زيارة نتنياهو أخيرا إلى روسيا، والتي قال نتنياهو إنها جاءت لشكر بوتين على الجهد الذي بذله في العثور على جثة الجندي الإسرائيلي في سورية وتسليمها إلى إسرائيل. ويبدو أن هدف بوتين من موافقته على عقد هذا الاجتماع في إسرائيل الحصول على دعم نتنياهو، وتأثيره لدى ترامب، من أجل دعم الجهد الروسي للتوصل إلى حل للمسألة السورية، بما يضمن إعادة تأهيل النظام السوري دوليًا، وهي الجهود التي كبحتها إدارة ترامب، بعد أن نجحت روسيا في إقناع بعض الدول، مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين باستئناف علاقاتهما مع النظام السوري، ونقلت الرئيس السوداني المخلوع، عمر البشير، على متن طائرة روسية في زيارته إلى دمشق في كانون الأول/ ديسمبر 2019.

وترى روسيا أن التعاون الإسرائيلي، ومن خلاله الأميركي، ضروري في المرحلة المقبلة، لترجمة مكاسبها الميدانية إلى نصر سياسي، وتحصينها عبر إعادة تأهيل النظام وجذب الاستثمارات اللازمة للبدء بإعادة الإعمار. ولا شك في أنها تأمل في أداء دورٍ في الوساطة السياسية، وليس فقط الأمنية، بين نظام الأسد وإسرائيل.

وتطرح روسيا أيضًا أفكارًا لإقناع واشنطن بالانسحاب من مناطق شرق الفرات، عبر صيغة تشمل انسحاب جميع القوات الأجنبية، بما فيها الإيرانية، من سورية. وهو الطرح الذي أعلنه بوتين، خلال زيارة رئيس النظام السوري، بشار الأسد، موسكو، في أيار/ مايو 2018. وأعرب ترامب في نيسان/ أبريل 2018 ثم في كانون الأول/ ديسمبر 2018، عن رغبته في سحب القوات الأميركية من سورية، لكن إدارته تراجعت في المرتين، بسبب ضغط إسرائيل ومعارضة البنتاغون، ما أثار امتعاض موسكو التي كانت تأمل في انسحاب واشنطن بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وعودة النظام إلى السيطرة على هذه المنطقة الواسعة والغنية بمواردها الطبيعية.

وخلال الاجتماع الثلاثي، عرضت روسيا التوصل إلى اتفاقٍ تسحب واشنطن بموجبه قواتها من شرقي سورية بالتنسيق مع موسكو، على أن تضبط قوات النظام السوري المدعومة بالقوات الروسية الأمن في هذه المناطق، وتستمر في مواجهة بقايا تنظيم داعش، في مقابل تحديد الوجود العسكري الإيراني في سورية، وإبعاده عن الحدود “الإسرائيلية” لمسافة 100 كم، في المرحلة الأولى، تمهيدًا لإنهائه تمامًا بمجرّد التوصل إلى حل للمسألة السورية.

ومنذ تدخلها العسكري في سورية في أواخر أيلول/ سبتمبر 2015، توصلت روسيا إلى تفاهماتٍ مع إسرائيل، احترمت بموجبها خطوطها الحمراء، وأكّدت مرارًا أنها تتفهم مصالح إسرائيل الأمنية في سورية، وتأخذها في الحسبان. وفي الوقت نفسه، اعتبرت روسيا الوجود العسكري الإيراني شرعيًا، وأنه جاء استجابة لطلب النظام السوري، وأن إيران كانت شريكًا مهمًّا لها في الحرب في سورية. ولكن مع تمكّنها من حسم الجزء الأكبر من الصراع العسكري لصالح النظام، تقلصت الحاجة إلى دور إيران ومليشياتها في سورية، كما بدأت تظهر، في الفترة الأخيرة، تناقضاتٌ جدّية بين المصالح الإيرانية والروسية في سورية، وقد يفسر هذا الأمر امتناع طهران عن المشاركة في الهجوم الجاري حاليًا على إدلب. كما حاولت روسيا، في الفترة الأخيرة، تعزيز نفوذها في أجهزة النظام السوري على حساب إيران، وخصوصا الجيش السوري والأجهزة الأمنية، تمهيدًا للمرحلة المقبلة التي تستدعي التوصل إلى تسويةٍ في سورية لإعادة إعمارها.

الموقف الإسرائيلي

تولي إسرائيل أهمية كبرى للوجود العسكري الإيراني في سورية، وتزعم أنه يمثل الخطر الأكبر عليها اليوم، وبات اهتمامها بالتصدّي له، على الأقل لجهة الخطاب، يتقدّم على اهتمامها بوقف المشروع النووي الإيراني. وتتهم إسرائيل إيران بأنها لا تسعى فقط إلى الحفاظ على النظام السوري، وهو ما تتفهمه إسرائيل، وتتسامح معه، وإنما تسعى أيضًا إلى إقامة وجود عسكري دائم في سورية، ما يمكّنها، إذا أرادت، من فتح جبهةٍ عسكريةٍ ضد إسرائيل من سورية، إلى جانب لبنان، لتشكلا معًا قوة ضغط على إسرائيل، في حال تعرّضت إيران لهجوم. وترى إسرائيل أن هذا يسهم في تحقيق تواصل إقليمي بري من إيران وحتى لبنان مرورًا بالعراق وسورية؛ ما يمكّن إيران من نقل أسلحة نوعية وتحريك قوات عسكرية إلى سورية ولبنان متى شاءت.

وقد تمكّنت إسرائيل، بالتنسيق والتعاون مع كل من روسيا والولايات المتحدة الأميركية، منالحد من محاولات إيران إنشاء وجود عسكري دائم ذي أهمية في سورية، من خلال مئات الغارات التي قامت بها ضد الوجود العسكري الإيراني في سورية، على امتداد الأعوام الماضية. ولكن إسرائيل لم تعد تطمح إلى معالجة مسألة الوجود العسكري الإيراني في سورية فحسب، وإنما تطمح أيضًا إلى أداء دور في تحديد مستقبل سورية. وعلى الرغم من أن إسرائيل  سعت إلى إطالة أمد الحرب السورية أطول فترة ممكنة، وإلى استثمارها لانتزاع اعترافٍ أميركي بضم الجولان السوري المحتل إليها في مرحلة حكم ترامب، فقد باتت تتجاوب، في الفترة الأخيرة، مع المساعي الروسية لإيجاد تسوية في سورية، تضمن بقاء الأسد في الحكم تحت النفوذ الروسي، شريطة أن يتم تقليص الوجود العسكري الإيراني وتحجيمه، على أمل إبعاده نهائيًا، بعد التوصل إلى تسويةٍ نهائيةٍ للصراع في سورية. ويرجّح أن تسعى إسرائيل، في مقابل اعترافها بنظام الأسد، والمساعدة في إعادة تأهيله دوليًا، إلى إنشاء قنوات اتصال عسكرية سرّية للتنسيق معه بشأن قضايا الأمن والحدود.

الموقف الأميركي

بعد القضاء على الجزء الأكبر من قدرات تنظيم داعش، ينحصر الاهتمام الأميركي، في المرحلة الراهنة في سورية، في تهميش النفوذ الإيراني، وتحقيق الاستقرار في مناطق شرق الفرات عبر دعم قوات سورية الديمقراطية، ومنع حصول صداماتٍ بينها وبين تركيا. وفي حين يرغب ترامب في الانسحاب سريعًا من المنطقة، تريد إدارته أن يتم ذلك بموجب تفاهمٍ يؤدّي أيضًا إلى تقليص وجود إيران العسكري في سورية، وإنهائه كليًا في نهاية المطاف. وسوف يعتمد النجاح في تحقيق هذا الهدف على مدى تعاون روسيا. ولذلك وافقت واشنطن على فكرة عقد الاجتماع الثلاثي في القدس، باعتبار أن ذلك يمثل فرصة لمناقشة تفاصيل العرض الذي قدمه بومبيو في لقائه أخيرا ببوتين في سوتشي في أيار/ مايو 2019، والذي تضمّن استعدادًا لمقايضة الاعتراف ببقاء الأسد في مقابل إخراج إيران من سورية.

خاتمة

لم يخرج اجتماع القدس الثلاثي الأمني باتفاقات حاسمة، لكنه فتح الباب أمام حصول تنسيقٍ أكبر بين الأطراف الثلاثة بشأن الوضع السوري ومصير الوجود الإيراني فيها. ومع اتفاق الأطراف على الاجتماع مجدّدًا، فالأرجح أن يتحول هذا المسار الثلاثي إلى مسار جديد من مسارات إدارة الصراع في سورية، ريثما يتم التوصل الى حل نهائي له. وحتى ذلك الوقت، من المتوقع أن تستمر روسيا في ضبط الدور العسكري الإيراني في سورية، وأن تستمر في السماح لإسرائيل بحرية العمل فيها، على أمل أن تنتزع موافقةً أميركيةً وإسرائيليةً ببقاء النظام السوري، وإعادة تأهيله وفرض الحل السياسي الذي يتوفق ورؤيتها.

أصبح هناك مساران دوليان للتعاطي مع الشأن السوري حاليًا، أحدهما ثلاثي: روسي – إيراني – تركي، والثاني ثلاثي كذلك: روسي – إسرائيلي – أميركي. تغيب إسرائيل عن الأول، وتغيب إيران عن الثاني، وتحضر روسيا في المسارين، ويغيب العرب والسوريون عن المسارين كليهما.

العربي الجديد

ازدحام الثلاثيات وتصادمها حول سوريا/ موفق نيربية

كان لافتاً تماماً كقرارات ترامب المتعلقة بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ثم بحقها في الجولان المحتل، أن يتم الاتفاق على الاجتماع الثلاثي الرفيع الأميركي – الروسي – الإسرائيلي في القدس. وعلى رغم حديث متوقع لمصادر متنوعة حول فشل الاجتماع في التوصل إلى اتفاقات حول سوريا وإيران، إلا أن هذا اللقاء حقق، نجاحاً كبيراً لإسرائيل أولاً، ولروسيا ثانياً… وربما للولايات المتحدة أيضاً، بإدارتها الحالية ومصالحها الانتخابية على الأقل.

الشرق الأوسط معتاد على “الثلاثيات” منذ زمن طويل. بدأ روزفلت ذلك بلقائه مع الملك عبد العزيز على ظهر المدمرة في قناة السويس، وما نتج عن ذلك من تأسيس لمحور سعودي- مصري- سوري، لعب دوراً في الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة في الأمن والاستقرار، وتأمين انسياب النفط ومواجهة الاتحاد السوفياتي قديماً، مع إزاحة نفوذ الفرنسيين ثم البريطانيين بالتدريج.

وتبلورت حديثاً ثلاثية مهمة، من السعودية والإمارات ومصر، تقوم على مواجهة إيران والتطرف الإسلامي والإخوان المسلمين خصوصاً، كما لا تزال مغبشة قليلاً مواجهة الثلاثية المذكورة بحيث تشترط كل دولة الأخرى في وجودها وحركتها. فقطر تهرب من حصار خليجي، وإيران من حصار أميركي، وترزح تركيا بين الجبارين الروسي والأميركي. إنها ثلاثية متكاملة.

كما أن هنالك ثلاثية مهمة تعمل بوقود القضية السورية، تضم من أصبح يُطلق عليهم اسم الضامنين، وهم روسيا وإيران وتركيا، وعنوانهم التجاري في أستانا. وجاء وصفهم بالضامنين لأنهم اتفقوا على ضمان اتفاقات تخفيض العنف في مناطق أربع، انتهت ثلاث منها منذ زمن وأعيدت إلى النظام برعاية روسية، من دون أن يتوقف أحد عند مسؤولية الضامنين والتزاماتهم. هذه الثلاثية تعتاش على الغياب الأميركي، وأطرافها مستعجلون دائماً ومتلهفون لتسريع وقائع مناسبة تضطر مجموعة القرارات النهائية لأخذها بالحسبان.

ولا شيء يتفوق في الأهمية على آخر هذه الثلاثيات، تلك التي بدأت عملها في القدس أخيراً، وهي مؤلفة من روسيا والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، الغائب الحاضر دائماً في السابق، الحاضر الحاضر الآن كما يبدو، وكما يطمح نتانياهو.

تقول بعض المصادر الإسرائيلية إن نتانياهو لم يخرج مرتاحاً لنتائج اللقاء، بسبب التعنت الروسي، وحتى بسبب حفاظ بولتون على لهجته المتراخية مع الإيرانيين، وتكرار بيان أن الباب مفتوح للحوار معهم. وهذا يتناقض بالطبع مع الموقف الإسرائيلي غير المساوم، والميّال إلى الحسم وإنهاء الخطر الإيراني وإن عبر القوة.

تخرج إسرائيل من حالة باطنية مفترضة وسحرية تتغذى عليها قصص نفوذها الهائل في السياسة الأميركية أولاً ثم في روسيا والعالم، إلى حالة معلنة رسمية تكون فيها الضلع الثالث المكافئ والمستضيف للدولتين الأقوى في العالم. هذا نجاح كبير للسياسة الخارجية الإسرائيلية لا بدّ من الإقرار به، ونقطة تحول سوف تُسجّل في تاريخ السياسة الدولية، من باب الشرق الأوسط على الأقل. تحتاج إسرائيل إلى هذا النجاح قبل الانتخابات الأميركية، لتعزيزه إن عاد ترامب إلى مكتبه، أو الحفاظ على أرضيته إن خرج منه ولم يعد.

من ناحية أخرى، يحتاج نتانياهو وجماعته إلى ذلك النجاح بتلهف وتطلع إلى الانتخابات النيابية القريبة أيضاً. فعلى رغم متانة الاستراتيجية وموضوعيتها النسبية في هذين البلدين، يبقى للانتخابات ومواسمها دور كبير وفاعل.

في هذه الأجواء، انعقد لقاء غير ثلاثي في المنامة، بمبادرة أميركية تشبه سياسات الإدارة الحالية، وأيضاً تشبه تركيبات المنطقة. فقد كان منظمها جاريد كوشنر مستشار الرئيس الأميركي الأقدم منزلة والأصغر سناً، والأهم أنه صهره ومكمن سره الجامع بين الاقتصاد والسياسة والقائم بالتوليف بينهما. وباختصار وتكثيف، كان الاجتماع الذي كان يُراد له أن يكون مؤتمراً، فغدا ورشة، فاشلاً بمعانٍ متعددة، في رأي كثر من المراقبين والرافضين.

ولا بدّ أن ما يهم ترامب وصهره ومن يمثلان، هو تمرير أولي لفكرة استناد السياسة إلى الاقتصاد، مروراً بالعامل العسكري أحياناً، إذ يكون على كل من يريد الضمان والحماية أن يدفع مسبقاً، ولكل من يحتاج إلى قرار سياسي وموقف داعم أن يدفع. ويمكن أيضاً من جهة أخرى شراء الجميع، وبسعر تفرضه موازين القوى غالباً. تعتمد عبقرية فكرة صفقة القرن الموعودة على هذا الجوهر، القاضي بأن أصعب وأعقد قضية في العالم منذ ما بعد الحرب الكونية الأخيرة، القضية الفلسطينية، يمكن إنهاؤها وحلها عبر ضخ الأموال، ومن جيوب أصحاب القضية غير المباشرين، أو المتورطين بها ولا يعرفون انفكاكاً يتوقون إليه.

لم يتغيب أحد من المهمين عن الساحة، ولو أنهم هربوا إلى التمثيل الضعيف وغير السياسي، وجاء تغيب الفلسطينيين وهجومهم على اللقاء والمشروع مفاجئاً للبعض، وغير مفاجئ لمن يعرف أن هنالك قاعاً للحفرة الحالية لا يمكن أن ينزل أي فلسطيني تحته، أو يجرؤ على ذلك حتى. على رغم هذا، كان أهم منتج لورشة المنامة في رأي المراقبين الإسرائيليين، وهم الأقرب إلى الوقائع والحقائق، هو تحقيق درجة من “التطبيع”، غير مسبوقة. هذا الإنجاز ليس نتيجة لنجاحات ترامب وصهره وسياستهما الجديدة وحسب، بل هو أيضاً نتيجة طبيعية لمجمل ما حدث في المنطقة في هذا القرن، وصورة نتائجه الراهنة.

لا سحر في الرقم 3، وإلا لاعتمدته الأساطير والأديان القديمة، التي لطالما استخدمت الرقم 4 أو 7 أو 12، مروراً بالرقم واحد الحاسم في روما القديمة وبشكل أقل في الولايات المتحدة. الرقم 3 هو بداية الجمع في العربية، وهو أكثر ثباتاً من تلك الآراء التي تعتبر الاثنين جمعاً. في السياسة، لا يمكن التعويل على اجتماع طرفين، لأنه ليس من طرف ثالث يستطيع الشهادة أو التحكيم بينهما، طرف يخفف من احتمالات التآمر والكذب وازدواج الوجه.

لا مصلحة لنا في تفكيك تلك الثلاثيات من طريق المواجهة، بل ربما كان ذلك فخاً من طبيعة “المؤامرة”، التي تضمرها تلك الثلاثيات. مصلحتنا في فهم مضامينها، قبل فوات الأوان، ثم في تعطيل مفاعيلها أو الاحتماء منها موقتاً، أو التفاعل معها لو ظهرت فائدة في ذلك. ولكن الابتعاد قليلاً، والشغل على استراتيجية دينامية وذاتية التمحور هو الأساس والأصل.

جاء ذكر سوريا كثيراً في ثلاثية القدس الأكثر أهمية، ولكن انطلاقاً من كونها محلاً ومقراً للنشاط الإيراني القابل للانفجار في وجه الجميع. إن ذلك سيئ لنا في الظاهر والرسمي والحقوقي، لكنه ربما يفيدنا في النتيجة. وتبقى لنا ثلاثيتان بانتظار لحظة الحقيقة والتسوية: إحداهما تضم الولايات المتحدة وروسيا وتركيا من الخارج أو من فوق، والثانية على الأرض، تضم المعارضة والنظام والشعب السوري.

وبالمناسبة، في علم الميكانيك، هناك مفهوم مهم اسمه “مثلث القوى”، تمثل أضلاعه شدة القوى الفاعلة واتجاهها، وتقوم عليه حسابات التوازن والاستقرار.

درج

جني حصاد الفوضى الخلاقة/ ميشيل كيلو

يحتاج المرء إلى الكثير من السذاجة، كي لا يرى الترابط الوثيق بين مؤتمر البحرين الذي يرى قضية فلسطين تحت حيثية اقتصادية مبنية على التوسع الاستيطاني، ومنع إقامة دولة فلسطينية سيدة ومستقلة، ولقاء القدس (بين مستشاري الأمن القومي لأميركا وروسيا وإسرائيل) الذي يرفض أن يرى المسألة السورية بدلالة الخطر الإيراني على دولة سورية ومجتمعها، ويراها بأعين إسرائيل التي أهدى لها الرئيس الأميركي، ترامب، بالأمس القريب مرتفعات الجولان، بإعلانه الرسمي أنها أرض إسرائيلية. في المنامة والقدس، كانت مصالح إسرائيل حاضرة موضوعا وحيدا للسياسات الدولية تجاه قضيتي فلسطين وسورية. وكان هذا الترابط بين القضيتين خطوة أخرى، شديدة الخطورة، على طريق تصفية القضية الأولى الفلسطينية، والثانية السورية التي لم يقتنع “المجتمع الدولي” بأنها ليست فرعا من الفوضى الخلاقة، بل هي قضية شعب، ومن الضروري إيجاد الحلول لها، في إطار الحرية والديمقراطية الذي ضحّى الشعب السوري بمئات آلافٍ من أبنائه من أجل بلوغه، وصرف العالم النظر عنه. وها هو يلتقي ليتفاوض بشأن مخرجات الصراع السوري النهائية التي تعينت من خلال الفوضى الخلاقة، كما نشرتها واشنطن في المشرق بعد عام 2005، وحربها على العراق، وتعهّدت فيها بتفكيك كيانات المنطقة ودولها “عبر أهوال سيكون من الصعب تصديق وقوعها”، حسب قول مستشارة الأمن القومي الأميركي في رئاسة بوش الابن، كوندوليزا رايس، وبإعادة تركيبها بعد حين، بصيغ تلائم مصالحها في الطور الراهن من الواقع الدولي.

السؤال الآن: هل بلغ التفكيك درجة تحتم إعادة التركيب: بتفاهم أميركي/ روسي/ إسرائيلي، ضمن إطارٍ تتولى واشنطن وتل أبيب فيه رسم صورة نهائية لفلسطين ما بعد كامب ديفيد في ضوء المصالح الصهيونية، وتتكفل روسيا ببلورة صورة سورية ما بعد الحرب، بموافقتهما، بينما تتولى واشنطن أمور العراق والخليج وإيران، بمساعدة موسكو وتل أبيب، على أن تضع طهران أمام خيارين: التفكيك أو إعادة بناء دورها المعادي للعرب، والمشترك بينها وبين إسرائيل؟ أكرّر: ليس مصادفة تزامن لقاءي القدس والبحرين، بل هو وليد نظرةٍ تربط مصير فلسطين وسورية، بما يخدم إسرائيل. وهناك ثلاث ملاحظات في هذا الصدد:

أولا: وضع إعادة تركيب دول المنطقة في خدمة أمن إسرائيل الذي يحتم السماح لها بالتوسع في فلسطين وسورية، بعد أن حاصرت واشنطن والعرب رام الله، وشطرت حركة حماس وطن الفلسطينيين إلى كيانين متعاديين، وفكّكت واشنطن دولتي المشرق، العراق وسورية، بمساعدة إيرانيه وروسية. وصار من الضروري إعادة تركيبهما عبر”صفقة” شاملة، تبيع فلسطين في بازار دولي/ عربي في المنامة، بينما ترى موسكو وواشنطن الاحتلال الإيراني لسورية بأعين إسرائيل، على الرغم من أن طهران لم ترمها بحصاة، بينما دمرت دولة سورية ومجتمعها.

ثانيا: ليس اجتماعا القدس والمنامة معنيين بتطبيق القرارات الدولية الخاصة بحقوق السوريين، أو فلسطين، أو باقتراح قراراتٍ دولية جديدة، ستنال موافقة الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، بل عقدا من خارج القانون الدولي، لتحديد حصة إسرائيل من تفكيك المشرق، بحجة إبعاد خطر إيران عنها، مع أن عقد الاجتماع بمبادرة منها منحها حق المشاركة في تقرير صورة النظام السوري القادم، وعلاقاته مع إيران، ومعها.

ثالثا: نحن أمام منصة دولية تقرر مصير بلادنا ومنطقتنا، من خارج بيان ومؤتمر جنيف الذي سيكون في عداد الموتى، إن قرّرت واشنطن استبداله بتفاهمات أستانة أو سوتشي.

هل بدأ باجتماع أمني وآخر بازاري هذه مواصفاتهما، تطبيق “صفقة”، تسلّم بحق موسكو في تقرير مصير سورية، وتطلق يد إسرائيل في فلسطين، في مقابل تعاون الدولتين مع واشنطن في إعادة تركيب ما فكّكته من دول المشرق، وتأسيس نظام إقليمي يملأ الفراغ العربي: إيراني ــ إسرائيلي، يتعاون طرفاه بصورة غير مباشرة ضد الأمة العربية، بإدارة ترامب العليا؟

العربي الجديد

سورية.. دور إسرائيلي مباشر/ بشير البكر

فتح الاجتماع الثلاثي، الأميركي الروسي الإسرائيلي، في القدس الباب أمام دور إسرائيلي مباشر في تقرير مستقبل سورية، بعدما بقي اللعب الإسرائيلي، منذ بداية الثورة السورية في مارس/ آذار 2011، يجري من تحت الطاولة، وفي الكواليس. وأزاحت روسيا الستارة عن هذا الدور، بوصفها دولة الوصاية على سورية، منذ تدخلت عسكريا لحماية النظام ومنع سقوطه في سبتمبر/ ايلول عام 2015. وجاء في تصريحاتٍ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، معلقا على الاجتماع الذي ضم مسؤول الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، ونظيريه الروسي نيقولاي باتروشيف والإسرائيلي مائير بن شبات، قوله “ضرورة إشراك بلدان المنطقة وبالدرجة الأولى إسرائيل في حل الأزمة السورية”.

وفي ختام الاجتماع الذي تركز حول سورية، جرى التوصل إلى اتفاقات مهمة، حسب تصريحات الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف. وتأتي الاتفاقات الجديدة تتويجا لسلسلة من التفاهمات الروسية الإسرائيلية بشأن سورية منذ سبتمبر/ أيلول 2015، حيث زار رئيس الوزراء الاسرائيلي، بنيامين نتنياهو، موسكو 13 مرة من أجل التنسيق حول التطورات المتسارعة في سورية، وفي مقدمة ذلك إعطاء الأولوية لمتطلبات إسرائيل الأمنية والإقليمية. وعلى الرغم من نفي موسكو الحديث عن أي صفقاتٍ تمت خلال الاجتماع الثلاثي، الفريد من نوعه لجهة المكان والزمان، فالمؤشرات تشي بأن الأطراف الثلاثة أمام صفقة أكثر خطورة على مستقبل سورية، وتتجاوز موضوع الوجود الإيراني إلى تقسيمها إلى مناطق نفوذ روسية إسرائيلية أميركية.

وذهبت تقديراتٌ كثيرة إلى الجزم بأن الاتفاق الجديد الذي ينتظر أن يجيزه الرئيسان، دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، في اللقاء الذي سيجمعهما على هامش قمة العشرين في لوساكا في نهاية هذا الأسبوع، هو الثاني من حيث الأهمية بعد الاتفاق الذي جرى بين وزيري الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري والروسي سيرغي لافروف، بعد مجزرة الكيميائي في الغوطة التي ارتكبها النظام السوري في أغسطس/ آب 2013، وتم بمقتضاه وقف الضربة الأميركية الأوروبية للنظام السوري مقابل تسليم الترسانة النووية. وعلى أساس ذلك الاتفاق، سلمت الولايات المتحدة أمر الملف السوري إلى روسيا. والسؤال هنا هو حول مضمون التفاهم الجديد، وهل يعني أن يتناول مسألة تعويم النظام الرئيس السوري بشار الأسد، وهو الهدف الذي تنشده روسيا، وتحتاج إلى موافقة أميركية أوروبية عليه؟ وإذا صح هذا التقدير، ما هي طبيعة الدور الإسرائيلي في سورية، هل يستمر على ما هو عليه الآن، أم أنه يصبح علنيا ومباشرا برعاية روسيا؟

لن يتم الكشف قريبا عن التفاصيل الأساسية من الاتفاق الثلاثي، ولكن المنطقة سوف تشهد تحولاتٍ نوعية انطلاقا منه، تشمل تموضع إيران في سورية، ووضع المليشيات التابعة لها، وكذلك دور تركيا التي تدعم فصائل الشمال، وتعمل من أجل منطقةٍ آمنةٍ تحمي حدودها من الفصائل الكردية، ومن ثم العلاقات بين نظام الأسد وإسرائيل في ظل قرار الولايات المتحدة الاعتراف بشرعية ضم إسرائيل الجولان، وتكثيف الاستيطان الصهيوني في الهضبة، وهنا لا بد من التوقف أمام الدور الروسي الذي عمل على تغطية كل ما قامت به إسرائيل في سورية، وعلى وجه الخصوص الضربات العسكرية ضد إيران.

ومهما يكن من أمر، تفضّل إسرائيل نظاما سوريا ضعيفا، لا يستطيع الدفاع عن السيادة، وقد حصلت اليوم على أكثر من ذلك، من خلال الأسد الذي لا يستطيع أن يحرّك ساكنا في الشأن السوري من دون مراجعة الروس. وبالتالي، صار بقاء الأسد في الحكم مصلحة إسرائيلية مثلما هو مصلحة روسية إيرانية. ومن غير المستبعد أن يتم تتويج هذا الوضع باتفاقات بين الأسد ونتنياهو برعاية بوتين وترامب، وهذا أوثق رباطٍ يمكن أن يقوم بين واشنطن وموسكو.

العربي الجديد

أمن إسرائيل أولاً/ بكر صدقي

لم يتسرب شيء ذو قيمة من اجتماع القدس الثلاثي، الذي ضم مستشاري الأمن القومي لكل من الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل. ما تم تداوله هو عبارة عن تخمينات قائمة على الأجندات المعلنة للدول الثلاث، بشأن سوريا بصورة خاصة، وإن كان الأمر يتجاوزها إلى مجمل الشؤون الإقليمية، كالتوتر الأمريكي ـ الإيراني وما يسمى بـ«صفقة القرن» الخاصة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي وغيرها. غير أن «تحديد ملامح مستقبل سوريا»، حسب نتنياهو، ربما كان موضوع التداول الرئيسي بين المجتمعين. ومن الخطأ التسرع باستنتاج أن الاجتماع لم يحقق أي تفاهمات بين أطرافه. ينبغي انتظار الأيام والأشهر المقبلة لمعرفة ما قد يكون الاجتماع حققه.

هذا الاجتماع غير المسبوق بما يشبهه، قد يكون بمثابة «منصة» ثالثة، بعد جنيف وأستانة ـ سوتشي، للتفكير في مصير «سوريا الأسد» وسوريا بالمطلق على حد سواء. وفضلاً عن إيران المستهدفة أمريكياً، يُخرج اجتماع القدس الثلاثي تركيا من المعادلة، في وقت تضغط فيه السعودية لضم وفد كردي إلى «هيئة المفاوضات» المقيمة في الرياض، في حين تسعى واشنطن إلى إعلان موت مسار أستانة. وتبقى روسيا، بوصفها الوصية على «سوريا الأسد»، عنصراً مشتركاً بين مسار أستانة الماضي نحو نهايته واجتماع القدس المرشح، ليكون المسار البديل الذي يقرر مصير سوريا وفقاً لمبدأ «أمن إسرائيل أولاً».

وحده هذا المبدأ هو ما قد يفسر موافقة كل من واشنطن وموسكو على عقد هذا الاجتماع، وفي القدس بالذات، بما يمنح إسرائيل دوراً مفتاحياً في تحديد ما يجب أن يكون، وما لا يجب، في سوريا، بعد انتهاء الصراع فيها وعليها ومن حولها. كما تعني هذه الموافقة أن كلاً من روسيا والولايات المتحدة متفقتان على أولوية أمن إسرائيل في أي تسوية للصراع السوري، بصرف النظر عن خلافاتهما في جميع الأمور الأخرى. يمكننا أن نفترض، من غير أن نكون مغرقين في الخيال، أن عبارة أمن إسرائيل الفضفاضة يمكن أن تشمل اشتراطات من نوع حجم الجيش المسموح بإنشائه في سوريا، ونوع وحجم تسليحه، وربما شفافيته وقابليته للمراقبة والمساءلة، وخريطة انتشاره على الأراضي السورية، بما في ذلك الحد الأقصى من الاقتراب المسموح به من حدود إسرائيل، وغير ذلك مما «قد يهدد أمن إسرائيل»!

غير أنه لا يمكن للمجتمعين في القدس التفكير بمصير سوريا، بعيداً عن التفكير في مصير إيران في سوريا، وبخاصة في جو التوتر القائم في الخليج بعد إسقاط الإيرانيين للطائرة الأمريكية المسيرة، وفي ظل الهدف الأمريكي ـ الإسرائيلي المعلن بخصوص إخراج القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها من سوريا. ومن المحتمل أن يكون التباحث شمل أيضاً إخراج القوات التركية من الشمال، وإن كان هذا أقل إلحاحاً من الهدف الأول. فعلاقات القيادة التركية ليست بخير مع كل من واشنطن وموسكو وتل أبيب، بل إن انعقاد اجتماع القدس، بحد ذاته، هو تهميش مباشر للدور التركي في سوريا ومصيرها.

ربما هذا ما يفسر مسارعة الرئيس أردوغان إلى البدء باتصالاته لتأمين عقد اجتماع جديد لثلاثي أستانة (روسيا وإيران وتركيا)، في إسطنبول بالذات، ولاجتماع «رباعي إسطنبول» المكون من تركيا وروسيا وفرنسا وألمانيا، الذي عقد أول اجتماع له خريف العام الماضي، في أقرب وقت. ذلك أن مجرد عقد أحد أو كلا الاجتماعين، في إسطنبول، من شأنه أن يشكل رداً دبلوماسياً على اجتماع القدس، وبخاصة أن كلتا «مجموعتي العمل» خاليتان من الدور الأمريكي المربك لتركيا. فالخلاف المستعصي بين واشنطن وأنقرة في سوريا، هو العلاقة التحالفية بين الأمريكيين وقوات «قسد» بمكونها الكردي الذي يلامس العصب التركي عارياً.

والحال أن اجتماع القدس مهم لأنه يضم الأمريكيين، مقابل تراجع أهمية مسار أستانة بسبب غيابهم الذي يعطل أي تقدم عليه. أما «رباعي إسطنبول» المطعم بالأوروبيين، فهو أصلاً غير مرشح ليضيف أي وزن إلى المطالب التركية في سوريا، ويفرغه الحضور الروسي من أي مضمون خاص، بل يجعله مجرد منتدى للتباحث حول مشكلات اللاجئين وإعادة الإعمار، بعيداً عن أي دور سياسي للأوروبيين في تحديد مصير سوريا.

بالمقابل، تضغط إدارة الرئيس ترامب على الدول الأوروبية، فرنسا وبريطانيا وألمانيا بصورة خاصة، للمساهمة عسكرياً ومالياً في تثبيت الوضع القائم شرق نهر الفرات، فيما يتعارض والطموحات التركية بشأن تلك المنطقة المحاذية لحدودها الجنوبية.

في نظرة إجمالية للحراك الدبلوماسي النشط في الإقليم، من اجتماع المنامة إلى اجتماع القدس إلى اللقاءات على هامش قمة العشرين في أوساكا، يمكن القول إن مصير الإقليم، وضمناً مصير سوريا، يرسم ببطء وعلى نار هادئة، بعكس النار الكاوية التي تحرق السوريين. وليس ثمة في الأفق ما قد ينبئ بفصل الصراع السوري عن الصراعات الإقليمية، بما قد يسرّع من إيجاد تسوية ما للصراع السوري.

كاتب سوري

القدس العربي

تتمّة لكلام نيكولاي باتروشيف/ أرنست خوري

كان يجب الاستماع إلى تصريحات مستشاري الأمن القومي لكل من أميركا وروسيا وإسرائيل في القدس المحتلة، للتأكّد، مجدداً، من أن موسم الصفقة الكبرى لم يحن بعد، وللاقتناع بأن الاتفاق الثلاثي على طرد إيران ومليشياتها من سورية، ربما لن يحصل. قالها المستشار الروسي نيكولاي باتروشيف على مسمع من نظيريه جون بولتون ومئير بن شبات: “محاولة تقديم إيران كتهديد لأمن العالم غير مقبولة. نحن (أي روسيا وإيران) نعمل معاً في الحرب على الإرهاب (في سورية)”، أي أن الرجل وضع البلدين في حلف عسكري متين لا مجرد عند تقاطع ظرفي. وعن القوات الإيرانية وتوابعها اللبنانية (حزب الله) في سورية، غرز باتروشيف عميقاً في إحباط بولتون وبن شبات بقوله إنه “ينبغي الأخذ بالحسبان مصالح دول أخرى في المنطقة” (والمقصود هنا طبعاً هو إيران)، وكأنه يقول لبولتون خصوصاً: فكروا بما يمكنكم إعطاؤه لإيران في مقابل تخليها عن سورية. وإن لم يكن كل ذلك كافياً لإيصال الرسالة الروسية في تذليل رغبات تفكك عقد التحالف الروسي ــ الإيراني، جزم باتروشيف بأن روسيا “أصبحت مقتنعة بأن إيران أسقطت الطائرة الأميركية في المجال الجوي الإيراني”. لم يكشف باتروشيف كيف تتوقع روسيا أن يكون عليه مقبل الأيام في سورية، لكنه لمّح إلى استمرار الوضع القائم، على قاعدة أن تظل إسرائيل تقصف أهدافاً إيرانية، وإيران لن تردّ إلا رمزياً، كذلك روسيا، ما دام أن الغارات ستبقى في حدود مقبولة: مصنع سلاح تصخّم حجمه هنا، فرقة عسكرية اقتربت من الجولان هناك… وهكذا. كذلك فإن قوانين اللعبة تنص على ألا توجِع طهران ومليشياتها إسرائيل بضربة حقيقية لا انطلاقاً من سورية ولا من مكان آخر.

قواعد اللعبة الروسية يقبل فيها الطرفان الإسرائيلي والإيراني، فلتتواصل إذاً على هذه الشاكلة بما لا يجبر روسيا على الاختيار بين إيران وإسرائيل. أما إلى متى يمكن أن تصمد المقامرة الروسية في الموازنة بين طرفين يستحيل التوفيق بين مصالحهما، فأغلب الظن أن يستمر ذلك ما دام أن أحداً، لا أميركا ولا أوروبا موحدة، لا يُرغم روسيا على الاختيار الصعب. الأولى في ظل حكم من قد يكون أسوأ ما أنجبه المجتمع الأميركي، دونالد ترامب، تتكبد الخسائر لمصلحة روسيا منذ ما قبل وصول التاجر الأشقر إلى البيت الأبيض، هو المعجب شخصياً ببوتين، على عكس بيروقراطية أميركية من الحزبين تكرهه. والثانية، أي أوروبا، أضعف بكثير من أن تتجرأ على مواجهة روسيا، مصدر غازها الذي يقيها برد الشتاء ويحرك مصانعها، وهي القارة التي بات عدد معتبر من بلدانها محكوماً أو يكاد من مسؤولين ليس فلاديمير بوتين سوى مثال أعلى بالنسبة لهم.

صار تشابُك الصراعات العالمية يفرض ارتباطاً قوياً في الحلّ أو التصعيد، بين مختلف الملفات. لا وجود لتوتر واحد في العالم اليوم إلا وتشترك فيه كل من الولايات المتحدة وروسيا، مباشرة أو بالواسطة وبالمشاركة عن بُعد، من إيران إلى فنزويلا فأوكرانيا وبقية دول الطوق السوفياتي وسورية طبعاً واليمن وليبيا وربما غداً نيكاراغوا. ولأنّ الأخطر والأكبر يبقى التوتر الأميركي ــ الإيراني، فإن فلاديمير بوتين يجد فيه مناسبة لمحاولة إضعاف دونالد ترامب وفريقه، من دون أن يتكبد الخسائر في حال فشلت المحاولة. تكتيك مشابه يعتمده رجل الاستخبارات الذي يعمل في السياسة بطريقة زعماء المافيا، أو أجهزة الأمن، لا فرق، لكن بمستويات متفاوتة من الانخراط حسب حساسية جغرافيا منطقة النزاع ووفق منسوب المصالح المحتملة وحساسيات الديمغرافيا بالنسبة لموسكو. وفي مناطق الصراع التي لا حول لبوتين فيها ولا قوة لفرض حلّ لمصلحته، فإن التخريب أو التشويش أو العرقلة، تصبح أهدافاً قائمة بذاتها، وإلا فما معنى أن ترفض روسيا والصين أي إدانة في مجلس الأمن الدولي لإبادة مسلمي الروهينغا مثلاً؟

هكذا، يصعب تصوُّر سيناريو يُخرج المليشيات الإيرانية من سورية على الأقل حتى معرفة نتيجة انتخابات رئاسة أميركا خريف 2020، إلا في حال ظهور بجعة سوداء لا يُبنى على احتمالها تقدير موقف أو تحليلٌ متين.

العربي الجديد

ثلاثة وحوش، رابعهم إيران يريدون حلاً لسوريا!/ يحيى العريضي

“جميع القوات الأجنبية التي دخلت سوريا يجب أن تخرج منها” هذا الكلام ليس لي، ولا هو للأمم المتحدة، وليس لنظام الاستبداد الذي تسبّب بجلب او دعوة تلك القوات، بل لـ “بنيامين نتنياهو”، رئيس وزراء إسرائيل، الذي يحتل “جيش دفاعه” أرضاً سوريةً: الجولان العربي السوري. نتنياهو قال ذلك في سياق الاجتماع الثلاثي الذي عُقد في القدس يوم الخامس والعشرين من حزيران لمناقشة “حل في سوريا”.

بداية، إذا اعتقد نتنياهو أن قرار ضم الجولان، وقرار ترمب أسرلتها يجعلاها تختلف عن الأرض السورية التي دخلتها قوات أجنبية، فيكون واهما ابن واهم، حتى لو أبرز نتنياهو وثائق ببيع الجولان لإسرائيل من قبل مواطن سوري برتبة وزير دفاع أو رئيس، فذلك باطل لأنه لا يحق لمواطن أن يبيع أرض غيره، حتى ولو كان بتلك القوة؛ تماما كما لا يحق لرئيس دولة أخرى /ترمب/ أن يضع توقيعه المشؤوم على ورقة تقول بضم تلك الأرض لغير أهلها … هذه حقوق شخصية ووطنية، ولا شرعة يمكن أن تخترقها أو تسقطها.

من ناحية أخرى، كان المُعْلَن في ذلك اللقاء إزاحة قوى الاحتلال عن كاهل سوريا، ولكن ذلك المُعْلَن كان منافيا للعقل والمنطق؛ فلولا هذا الثلاثي والجهة الرابعة التي يسعى لإخراجها: “إيران”، لما استمر النزيف السوري كل هذه السنين، ولما استمرت المأساة السورية كل هذا الوقت.

المختصون بالسياسة البهلوانية يمكن أن يروا في الذي جاء على لسان نتنياهو كلاماً يُستفاد منه بإخراج تلك القوى؛ وللجولان وقت لاحق؛ لكن هل يمكن أن تكون عبارة كهذه إلا انتقائية وغير صادقة؟! فَلَو كان نتنياهو لا يريدهم، لما دخلوا أساسا؛ ولكنه وجد التركيز العالمي منسجما مع توجهه، فساق بهذا التوجه إلى نهايته؛ فالمخلوق مأزوم؛ والسجن ينتظره لفساده؛ ولا ينقذه إلا توسيع بيكار التدخل. وامتداد المأساة السورية عائد إلى ربط مصير نظام الأسد بأمن إسرائيل؛ ولولا ذلك لحلت الأزمة السورية منذ زمن.

جذور المأساة السورية في فلسطين التي تتربع عليها الصهيونية بدعم من أمريكا وروسيا ذاتها؛ وأزمة السوريين مع هذا الثلاثي ذاته الذي “يريد حل مشكلتنا الآن”؛ وما استخدام هذا الثلاثي ذاته لإيران، إلا لأنها صاحبة مشروع توسعي خبيث تخدم مصالحه في النهاية.

اللقاء ذاته لم يكن أساساً إلا للتوتر القائم بين واشنطن وموسكو؛ ليس على الأرض السورية بل نتيجة ملفات أخرى تتمثل بمد موسكو عنقها أكثر من المساحة المحددة لها، ولسوء تصرفها في المفهوم الأمريكي: من قصة القرم التي لا تزال ماثلة، مروراً بـ“جورجيا” وقصة الصواريخ إلى فنزويلا، والحبل على الجرار ربما.

من جانبها، ترى موسكو أن مجرد الجلوس الأمريكي معها، وعلى أي مستوى، هو اعتراف بفاعليتها ومكانتها العالمية. نتنياهو ومن زاوية زعرنته وغروره وإجرامه، يعتبر نفسه قد دخل التاريخ كمستضيف للقوتين الأعظم عالمياً: صديقته التاريخية، وصديقته الخفية المتمثلة ببوتين وعصابته الحاكمة في موسكو.

لم تصدر عبارة إعلامية عن ذلك الاجتماع الثلاثي إلا وكانت مفردة “سوريا” حاضرة فيها؛ والكل صرّح بأنه يريد سورية آمنة سيدة مستقلة؛ ولكن الغريب أن الكل يعرف بداخله أن سورية لا يمكن أن تحظى بأي من ذلك بوجود منظومة الاستبداد، واستمرار دعمهم لتلك المنظومة. فهم، إضافة إلى إيران- التي يسعون لإخراجها- المتسببون بحرمان سوريا من الأمان والسيادة والاستقلال.

لقد اجتمعوا، وكل جهة لها جدول أعمالها المتناقض مع جدول الآخر إلى درجة العداء. روسيا تريد التوسط لإيران عند أمريكا وإسرائيل، وتريد إثبات وجود إيران الشرعي على الأرض السورية، كي تبرر وجودها ذاتها. هي تفعل ذلك، وكأن كلاً من أمريكا وإسرائيل أولياء أمر سوريا. روسيا من جانبها، تقدّم نفسها كصاحبة القوة في الجو بطائراتها وصواريخها، وبامتلاك ورقة مصير بشار الأسد وبعض ضباطه. وأمريكا تمسك بالروح الاقتصادية السورية وحارس صنبور إعادة الإعمار وناظم أي احتمالية إعادة تأهيل للنظام. وإسرائيل من جانبها، “الجارة” وصاحبة أوراق الابتزاز القادرة على نسف أي حل لا يروقها.

هؤلاء “يريدون أن يجدوا حلاً لسوريا”. والمأساة الحقيقية أن الحل فعلاً بيدهم، لأننا نعيش في عالم يحكمه قانون القوة لا قوة القانون. هؤلاء يريدون ترتيب وتنضيد صفحات وفصول المأساة السورية، يريدون تثبيت تفكيكهم وسحقهم واستعبادهم للمنطقة العربية بفعل إسرائيلي وإيراني ميداني (وكل منهما يأخذ من الآخر ذريعة لـ “مقاومته وممانعته”) وبلطجية روسية، تعتبر أن حقها أن تكون قوة عالمية، وهناك من يحاول أن يحرمها هذا الحق؛ وكل ذلك برعاية عليا أمريكية. وهكذا يتم حسم القصة الفلسطينية نهائياً؛ وإلحاق القضية السورية بها. ومن هنا نلحظ ذلك التواقت بين اجتماع البحرين والاجتماع في القدس.

هذا ليس “مؤامرة دولية أو عالمية” في الخفاء؛ إنه فعل علني؛ ولكن لا يُكتب له النجاح دون أرضية أو بيئة مناسبة تمكنه من التحقق، وعلى رأسها توفر حالة استبدادية تمارسها منظومات قمعية إجرامية. فمنظومة الأسد الاستبدادية كانت المثال الصارخ والوصفة الأنجح والأنجع لتحقق هذا المخطط العلني. من هنا قالت تلك المنظومة الاستبدادية إن هناك مؤامرة دولية على سوريا. نعم هناك مؤامرة أو مخطط، ولكنه علني- ليس على سوريا فحسب- وإنما على كل المنطقة؛ وكانت منظومة الأسد الاستبدادية الإجرامية على رأس أدواته.

ومن هنا فإن تفكيك هذه المنظومة والخلاص منها هو الأساس في سحب أحد أهم صواعق تلك المؤامرة أو ذلك المخطط. هذا الذي يُخرج إيران من سوريا، وهو الذي يسحب من يد مخلوق كنتنياهو أن يكون مضيفاً لـ “حل في سوريا”، وهو الذي يعيد الصهاينة إلى عصابة احتلال على الأرض الفلسطينية؛ وهو الذي يعيد الحياة لأرض عربية مستباحة للاستبداد برعاية استعمارية. لا بد من يقظة حقيقية ومشروع يبقينا حالة فاعلة قوية على خريطة العالم.

تلفزيون سوريا

الوضع السوري في ظل اللقاءات الأمريكية – الروسية/ عبد الباسط سيدا

شهدت منطقتنا في الآونة الأخيرة جملة من التحركات واللقاءات، وربما التفاهمات التي قد تبدو منفصلة متباعدة، إذا ما تم تناولها في سياقاتها الفرعية، وأُهمل السياق الأوسع والأشمل الذي يجعلها في نهاية المطاف خطوات متكاملة، يتم التوصل إليها بعد مماحكات وضغوط دبلوماسية واقتصادية، وحتى ميدانية عسكرية إذا ما لزم الأمر، بين القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في مسلسل أحداث المنطقة.

فقبل أيام كان هناك اجتماع أمني رفيع المستوى في القدس الغربية ضم رؤساء مجالس الأمن القومي في كل من الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا الاتحادية، وإسرائيل (جون بولتون، نيكولاي باتروشيف، مئير بن شبات)، وذلك للتباحث حول الموضوع السوري بصورة أساسية، إلى جانب موضوعات فرعية أخرى.

وبالتزامن مع هذا الاجتماع، كان هناك لقاء “فرصة القرن” على حد تعبير جاريد كوشنر مستشار الرئيس ترامب وصهره في الوقت ذاته، وهو الذي هندس هذا اللقاء، وأشرف عليه في المنامة تحت عنوان: “السلام من أجل الازدهار”. وهو لقاء ربما استلهم الفكرة التي جاء بها الدبلوماسي الفرنسي المعروف جان مونيت، وتبناها وأعلن عنها وزير الخارجية الفرنسي روبير شومان في منتصف القرن الماضي، وهي الفكرة التي أدت لاحقاً إلى تأسيس الاتحاد الأوروبي. جوهر تلك الفكرة يقوم على محاولة تجاوز واقع الحروب المدمرة في أوروبا من خلال بوابة الاقتصاد. هذا مع إقرارنا بجملة التمايزات والتباينات بين الواقع الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، والواقع الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط راهناً، والواقع العربي تحديداً. وما يستنتج من هذا هو أن استلهام الفكرة المشار إليها يأتي لتمرير صفقة ما تخص موضوع النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي بإرادة دولية. وهي صفقة تستغل واقع ضعف القوى الإقليمية. هذا بينما كانت الفكرة الأوروبية تستند إلى المصالح الأوروبية ذاتها، وهي المصالح التي عملت من أجلها القوى الأوروبية بنفسها، وهي القوى عينها التي تمكنت من إبعاد مجتمعاتها عن مخاطر الحروب، ونجحت في عملية إعادة بنائها.

وقبل هذين الاجتماعين، كانت هناك لقاءات في لبنان، سواء بين القوى اللبنانية المحلية، أو بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل بصورة غير مباشرة من خلال الوسيط والراعي الأمريكي، وذلك من أجل موضوع ترسيم الحدود بين البلدين.

فالتقارب الحاصل بين تيار المستقبل بزعامة سعد الحريري، والوطنيين الأحرار بزعامة جبران باسيل يطرح أكثر من تساؤل، ويحتاج إلى أكثر من تفسير. هل هو تقارب محلي تفرضه مستلزمات الوضعية اللبنانية، أم أنه نتيجة لتفاهمات دولية -إقليمية حول لبنان؟ تساؤل لا يمكن فصله عما يجري من لقاءات ومشاورات حول الوضع السوري تحديداً، وحول الصراع المعلن بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وإيران من جهة أخرى، وانعكاسات هذا الصراع على الاصطفافات الإقليمية والأوضاع الداخلية في دول المنطقة، خاصة في كل من لبنان والعراق وسوريا.

فبعد الإعلان عن عمليات التخريب التي طالت ناقلات النفط في منطقة الخليج؛ واستهداف المنشآت النفطية السعودية، وتصاعد وتيرة صواريخ الحوثي الموجهة نحو الأراضي السعودية، إلى جانب إسقاط طائرة الاستطلاع الأمريكية، وردود الأفعال التي تراوحت بين الرغبة في التصعيد والدعوة إلى التهدئة، والعودة إلى القنوات الدبلوماسية، والاستمرار في الضغوط الاقتصادية؛ بعد كل هذه المستجدات والتفاعلات، يُلاحظ عودة المبعوث الدولي الخاص بالملف السوري غير بيدرسون إلى الحديث عن إمكانية الانطلاق باللجنة الدستورية كمقدمة للعودة إلى تحريك مسار جنيف للمفاوضات، وذلك بعد التعثر الذي شهده مسار أستانة، خاصة فيما يتصل بموضوع إدلب الذي يبدو أنه ما زال ورقة بيد تركيا لا تريد التنازل عنها للروس وحلفائهم قبل الحصول على ضمانات تخص هواجسها واهتماماتها المتمحورة حول الشمال السوري بصورة عامة. وليس من المستبعد أن يكون هناك تفاهم تركي- أمريكي حول هذا الموضوع رغم كل الخلافات المعلنة بينهما.

فتحريك موضوع اللجنة الدستورية، إذا ما حصل فعلاً، لن يكون بعيداً من الموافقة الروسية التي ستترجم ضغطاً على النظام السوري الموزع بين التوجيهات والأوامر الروسية، من جهة والإيرانية من جهة ثانية، ولكن الموافقة الروسية لن تكون بالمجان، وهذا أمر يدركه الأمريكان تماماً.

وما يلاحظ في الإطار العام، هو أن الجانب الأمريكي يريد التفاهم مع الروس أولاً، لفرض تفاهمات يلوح بها في كل المناسبات على الجانب الإيراني. هذا مع الاستمرار في عملية الضغط على الإيرانيين عبر العقوبات الاقتصادية التي طالت حتى الآن أكثر الشخصيات والمؤسسات الرسمية الإيرانية أهمية وتأثيراً، ومن خلال الحشود العسكرية، سيما البحرية والجوية منها.

وبناء على ما تقدم، يلاحظ أن الجميع في انتظار ترجمة نتائج اللقاء الأمني الثلاثي الرفيع المستوى الذي انعقد في إسرائيل مؤخراً. ومما لا شك فيه أن نتائج ذلك اللقاء، الذي قد يتحول إلى آلية مستمرة، كانت محوراً للمباحثات التي بين بوتين وترامب في قمة العشرين، أوساكا – اليابان، وربما محورا للمباحثات التي كانت بين ترامب وزعماء آخرين.

والسؤال الذي يفرض ذاته هنا هو: هل سيتم التعامل مع كل موضوع من الموضوعات الإقليمية بمفرده، وستتم التفاهمات بين الجانبين الأمريكي والروسي حول كل موضوع بذاته؟ أم أن المسارات ستكون متزامنة، وبالتالي ستكون هناك توافقات حول حزمة أو سلة إقليمية، تشمل سوريا والعراق ولبنان وفلسطين، وستكون هناك عملية إعادة نظر في الأدوار الإقليمية لكل من تركيا ومصر والسعودية وإيران؟

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فالمعطيات جميعها توحي بأنها هي المستفيد الأول والأكبر من كل ما جرى في المنطقة حتى الآن. هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار واقع الالتزام المطلق من الجانبين الأمريكي والروسي بأمنها، إلى جانب استعداد الدول الإقليمية المؤثرة للدخول معها في تفاهمات مباشرة أو غير مباشرة، تفاهمات تأخذ معاييرها الأمنية ومصالحها الاستراتيجية بعين الاعتبار.

ويبقى السؤال: ماذا عن الموضوع السوري؟ هل سينتظر التوافقات في الملفات الإقليمية الأخرى، وربما الدولية التي تتمحور حولها اهتمامات الأمريكان والروس؟ أم أن التوافق حول إيجاد مخرج له، يراعي حسابات المتفقين بطبيعة الحال، وذلك عبر تشكيل لجنة دستورية شكلية، تنظّم انتخابات صورية، سيكون المدخل لمعالجة الملفات الأخرى؟

تساؤل إشكالي، لا يمكننا تلمّس ملامح جوابه في ظل المعطيات المتوفرة حالياُ. ولكن الأكيد المؤكد هو أن الجانب الأمريكي ما زال في مقدوره حسم الأمور في حال توفر الرغبة والإرادة. ولكن أمريكا في انتظار نفسها، فالحملة الانتخابية بدأت، وقد علمتنا التجارب أن القرارات الحاسمة لا تتخذها الإدارات الأمريكية الساعية من أجل التجديد لذاتها في عام الانتخابات. ولكن الوضع يختلف في حال توقع تلك الإدارات إمكانية الاستفادة من تلك القرارات في طريق السعي نحو هدف التجديد.

كيف سيكون الحال بالنسبة إلى إدارة ترامب؟ الأمور ليست واضحة تماماً، ولكن الخطوات التي أقدمت عليها هذه الإدارة حتى الآن توحي بأنه لن يكون هناك حسم رادع، بل سيكون هناك سعي من أجل بلوغ توافقات تأخذ بعين الاعتبار المصالح الاستراتيجية الأمريكية أولاً.

* كاتب وأكاديمي سوري

القدس العربي

خريطة الحلفاء ومؤتمر القدس/ فاطمة ياسين

واضح أن محور أستانة بشأن سورية، المكون من روسيا وتركيا وإيران، قد أصابه الوهن. ابتكر صيغة سياسية نجحت في تجنيب إدلب معركة كبيرة، ثم فقد أهليته حالياً، والمعارك في إدلب تتواصل، بل ويشارك فيها الطرف الأهم في الحلف، وهو روسيا، وتعكس مشاركته الدامية موقفاً راغباً في تغيير التموضعات العسكرية والجغرافية الحالية، ولا يخفي توقه إلى إلغاء سيطرة المعارضة على مناطق إدلب وأرياف حلب وحماة واللاذقية التي تسيطر عليها في الوقت الحاضر.

تترافق الحملة الجوية العنيفة التي يشنها الطيران الروسي مع تباينٍ في المواقف بين الطرفين، الإيراني والروسي. وهذا يزيد من وهن الحلف الثلاثي، وهناك مؤشّرات كثيرة تدل على أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يفضل أن يتفاهم مع إسرائيل، ويرغب في مزيد من التفاهم مع نظيره الأميركي، دونالد ترامب، وهو يدرك أن هذه التقاربات ستكون على حساب إيران، ما يعنى أن مؤتمرات سوتشي وأستانة أصبحت في حكم الغائب.

لن تتورّط روسيا في مغادرة حلف قويّ ومؤثر على الملف السوري، كحلف سوتشي الثلاثي، إلا لتلتحق بتفاهم آخر أكثر قوة وحضورا، مكونا من إسرائيل وأميركا بالإضافة إلى الروس أنفسهم. عقد قبل أيام اللقاء الأمني الثلاثي بين أميركا وإسرائيل وروسيا، وليس مصادفةً أن يتم اختيار القدس مكاناً لهذا اللقاء، لما للقدس من دلالةٍ تهم الجانب الإسرائيلي. العنوان المعلن الذي عُقِد الاجتماع من أجله هو سورية وإيران، وإيران التي كانت طرفاً ضامناً للتفاوض في سوتشي أصبحت موضوعاً للتفاوض في القدس، ما يعني أن وضعها الحالي مهزوز، وقد انخفضت مؤشّراتها الاقتصادية إلى مستوياتٍ شديدة التدّني، تجعل من قدرتها على دعم اقتصاد النظام السوري محدودة. ويوضح هذا تدنّي سعر صرف الليرة السورية إلى مستوياتٍ غير مسبوقة. وتدرك روسيا أن لدى إسرائيل مصالح حيوية في كبح طموحات إيران، وتحجيم وجودها العسكري في سورية، كما أن بوتين يعرف أهمية أميركا في هذا الملف، وقد يكون لدى ترامب حرية أكبر في التواصل مع بوتين بصدور تقرير مولر الذي برّأه من شبهة التواطؤ مع روسيا في قضية الانتخابات الأميركية. لذلك تستطيع أن تشكل دول مؤتمر الأمن في القدس منتدى مهما، يمكنه أن يخرج بقرارات قابلة للتطبيق على الأرض، وقد تكون هناك لقاءات لاحقة لتحقيق مزيد من التفاهم. وهذا بالتأكيد يبقي الباب مفتوحاً لدخول دول أخرى.

روسيا معنية بالدرجة الأولى بقطف ثمار مغامرتها السياسية والعسكرية في سورية، ويمكن أن تكون تل أبيب مكاناً مناسباً لهذا. وهناك مجال قوي للمقايضة السياسية، فروسيا تمتلك قدرة، ولو محدودة، على تحجيم إيران في سورية، بما يناسب إسرائيل. وقد تكون الأخيرة راضية بمنع قيام صناعة عسكرية إيرانية في سورية، أو معسكرات ذات قدرة على استيعاب صواريخ متوسطة المدى، ذات قدرة تدميرية كبيرة، مع المحافظة على مسافة أمان خالية من الوجود الإيراني على “تخومها” الشمالية. وقد قدّم ترامب دفعة أمنية مسبقة، باعترافه بسيادة إسرائيل على الجولان، الهضبة التي تعطي تفوقاً جغرافياً وهيمنة على سهل القنيطرة المكشوف عسكرياً. ويمكن أن تكون إيران راغبة أيضاً في تقديم هذا الثمن، في سبيل بعض التراخي الأميركي حيال ملفها النووي الذي قد يكون محل نقاش مع روسيا.

يبقى وضع إدلب معلقاً، فالهجوم الجوي مستمر، والضحايا تتساقط يومياً، وقد يصعب حسم وضع إدلب في الاجتماعات الثلاثية بين روسيا وإسرائيل وأميركا، فإدلب خارج مجال إسرائيل الحيوي، وربما خارج مجال إيران أيضا. ولا تبدو أميركا مهتمة بغير منطقة شرقي الفرات في سورية. وهنا لا بد من الحديث مع تركيا، فمن دونها قد يكون بحث ترتيبات وضع إدلب النهائي معقداً جداً.

العربي الجديد

لقاء تل أبيب الثلاثي: سيناريوهات وكوابيس/ سمير صالحة

تشير كثير من التسريبات الإعلامية إلى فشل اللقاء الثلاثي الإسرائيلي الأميركي الروسي المنعقد في تل أبيب لبحث ملف الأزمة السورية والوجود الإيراني هناك، بالوصول إلى تفاهم حول بيان سياسي مشترك، بسبب التباعد في المواقف والرؤى بين الدول الثلاث. هل سنصدق ذلك أم هناك مفاجات قد تظهر آخر لحظة إلى العلن في موضوع الأزمة السورية بعد لقاء القمة الأميركي الروسي على هامش قمة مجموعة العشرين في اليابان ؟

رغم الترويج الإعلامي الإسرائيلي الواسع لهذا الاجتماع الذي عقد في القدس وضم مسؤولين وخبراء أمنيين في الدول الثلاث برئاسة مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون وسكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتريشوف ورئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي مئير بن شبات، فيبدو أن هناك تضاربا حقيقيا بين المتحاورين حول كثير من القضايا وعلى رأسها الوجود والنفوذ الإيراني في سوريا ومعالم وأسس المرحلة المقبلة في البلاد .

الحديث في العلن تمحور حول مصير نظام الأسد والمرحلة الانتقالية والخارطة الدستورية والسياسية والعرقية المرتقبة في سوريا، ولكن وراء الستار التركيز كان على مسائل أمن إسرائيل في مناطق الحدود السورية الإسرائيلية، وقضية منع إعادة تموضع إيران عسكريًا في سوريا وإنهاء الوجود الإيراني هناك .

موسكو تريد إعطاء الأسد المزيد من الفرص والوقت وأن يقود هو المرحلة الانتقالية، وتصر على أن يكون موضوع رفع العقوبات عن دمشق على رأس ملفات الحوار الثلاثي إذا ما كان سيتواصل في المرحلة المقبلة. لكن تل أبيب تضع أمنها الحدودي فوق كل نقاش إقليمي. تل أبيب تريد من موسكو تجاهل مسألة احتلالها للجولان وعدم طرحها في إطار أية صفقة تتعلق بالمف السوري أولا ، وهي تريد من الكرملين تبني الأمر الواقع الجديد الذي تدعمه واشنطن في سوريا حيث إن أولوية التفاهم الإسرائيلي الأميركي الجديد في سياستهما السورية هي برأينا إنهاء الوجود الإيراني في سوريا قبل أن تكون مسألة رحيل نظام الأسد .

موسكو رددت أكثر من مرة أنها ملتزمة بأمن إسرائيل الحدودي مع سوريا وأنها جاهزة أيضا لبحث موضوع رحيل الأسد عاجلا أم آجلا ، لكن أولويتها وعلى عكس المطلب الإسرائيلي الأميركي، هي عدم التفريط بالورقة الإيرانية في سوريا والتي تعرف أنها بمثابة الكنز الثمين وحصان طروادتها المتعددة الجوانب والأهداف لحصد كثير من الهدايا والجوائز عندما تدق ساعة الحقيقة .

في أعقاب جلسات نقاش أمني سياسي مطول لم يرشح عنها الكثير يبدو أن معرفة النتائج الحقيقية لهذا الاجتماع يتطلب رصد ومتابعة سياسات الدول الثلاث في سوريا وما إذا كانت هناك تحولات حقيقية ستحدث في طريقة تعاملها مع الملف .

لكن المؤكد حتى الآن هو أن موسكو عندما قررت قبول ترتيب طاولة حوار من هذا النوع وفي إسرائيل مباشرة، ورغم كل ما تقوله حول رفضها الضغوطات الإسرائيلية الأميركية لإعطائهما ما يريدان في سوريا وضرورة الابتعاد الروسي عن طهران، فهي لن يكون بمقدورها تجاهل حقيقة وجود كثير من المصالح التجارية والأمنية التي تربطها بتل أبيب أولا ثم تمركز أكثر من مليون إسرائيلي هاجروا من روسيا في العقود الأربعة الأخيرة والتي تدفعها للإصغاء إلى ما تقوله تل أبيب شئنا أم أبينا ثانيا، وتمركز العشرات من اللوبيات وقوى الضغط الإسرائيلي في مراكز القرار الروسي التجاري والاقتصادي القادرة على عرقلة كثير من المصالح الروسية في العالم ثالثا.

الواضح أن إسرائيل وأميركا اللتين اختارتا دمج سياساتهما السورية بسياسات بعض العواصم العربية والغربية أزعجهما حجم التقارب والتنسيق التركي الروسي في موضوع إدلب وشمال غرب سوريا والقضية السورية ككل، لكن الذي يريدانه هو ليس استهداف التقارب بين أنقرة وموسكو بقدر ما يريدان الاقتراب من روسيا لعرقلة التفاهمات التركية الإيرانية الإقليمية بشكل أو بآخر. الهدف الإسرائيلي الأميركي هنا هو محاولة سحب البساط باتجاه جلب موسكو نحوهما أكثر فأكثر  لإبعادها عن أنقرة وطهران عبر عروض ومساومات وإغراءات سياسية واقتصادية وأمنية متعددة .

واشنطن وتل أبيب يعملان على :

-إخراج إيران من المشهد السوري عسكريا وأمنيا وعلى ضرورة أن تنسق موسكو مع البلدين في سياستها السورية التعامل وأن يأخذ الكرملين أيضا مصالحهما في سوريا بعين الاعتبار خلال نقاش هذا الموضوع مع أنقرة وطهران .

-وأن يذكران موسكو التي جلست جنبا إلى جنب مع الإسرائيليين والأميركيين أمام طاولة من هذا النوع تستبعد أنقرة وغيرها من العواصم الأوروبية، أن خيارها الوحيد هو عدم التراجع عن سياستها البراغماتية في علاقاتها مع إسرائيل، لأن تل أبيب قادرة كما تقول على تسهيل الحوار الروسي الأميركي في الملف السوري حيث تعذر ذلك على أنقرة حتى الآن .

-وأن تلتزم موسكو بسياسة التنسيق مع النظام السوري وتوفر له كامل الدعم المادي والسياسي والعسكري مقابل تجاهل الاحتلال الإسرائيلي للجولان والقرارت الأميركية الأخيرة بتوفير الغطاء السياسي والحقوقي لهذا الاحتلال .

لا مشكلة بالنسبة لروسيا إذا في مواصلة التنسيق مع أنقرة في شمال غرب سوريا لأنها جاهزة للمساومة مع إسرائيل وأميركا على ترك تفاهماتها مع تركيا جانبا في حال حصلت على ضوء أخضر إقليمي أوسع في إطار هذه الشراكة الثلاثية الجديدة .والمعادلة قابلة للتطبيق أيضا باتجاه أن تعقد روسيا صفقة مساومة على إيران ودورها ونفوذها في سوريا إذا ما اكتشفت أن حسابات الربح والخسارة السورية والإقليمية ستكون لصالحها وبشكل أوسع هناك .

موسكو تصعد اليوم في موضوع رفضها تقديم أي تغيير في مواقفها حيال إيران والتنسيق معها في سوريا لكن الواضح تماما هو أن  الموقف الروسي هذا لن يستمر إلى ما لا نهاية. موسكو أيضا قد لا تتردد كثيرا وهي تقبل العروض الإسرائيلية الأميركية مساومات على حساب العقود والاتفاقيات المعقودة بينها وبين أنقرة في سوريا حتى ولو كانت ستنعكس سلبا على العلاقات الثنائية والإقليمية بين البلدين . فهناك من سيعوض لها خسائرها مضاعفة .

أنقرة من ناحيتها ستأخذ دائما بعين الاعتبار أن لقاءات من هذا النوع تتم على حساب سوريا والشعب السوري طالما أن النظام والمعارضة انتقدا على السواء اجتماعات من هذا النوع دون علم وموافقة السوريين. لكن الأهم هنا يبقى هو أن تركيا لن تأتمن موسكو على سلة بيضها في سوريا حتى ولو تحسنت وتطورت العلاقات التجارية وعقدت الكثير من الصفقات الاستراتيجية بين البلدين، لأن من يساوم على طهران في المنطقة لن يتردد في إضعاف الموقف التركي إذا ما شعر أن أنقرة تتصلب في بعض مواقفها السورية. أنقرة لن تعطي روسيا شيئا يتعارض مع علاقاتها وتعهداتها للمعارضة والثوار في سوريا حتى ولو حدث تفاهم آخر لحظة الأميركي الروسي الإسرائيلي

تلفزيون سوريا

بيدرسن يعمل ل”تفاهم أعمق” بين روسيا وأميركا حول سوريا!

اقال مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسن، في مقابلة نشرها “مركز الحوار الإنساني”، الخميس، إنه يسعى لتحقيق “تفاهم أعمق” بين روسيا والولايات المتحدة لدفع عملية السلام السورية.

ويحاول بيدرسن، وهو رابع شخص يتولى المهمة، تشكيل لجنة دستورية، وهو مسعى متواضع مقارنة بجهود الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان للتوصل إلى اتفاق سلام خلال مؤتمر دولي في 2012.

وقال بيدرسن في المقابلة: “بالطبع وجود لجنة دستورية في حد ذاته لن يغير الكثير… لكن إذا تم التعامل مع الأمر بالشكل الصحيح وإذا توافرت الإرادة السياسية فقد يفتح ذلك الباب لعملية سياسية أشمل”.

وأضاف أنه أبلغ الأطراف الرئيسية بأنه يحتاج إلى “ترتيبات دولية مختلفة” ويريد جمع مجموعة من الدول المؤثرة إلى جانب اجتماع اللجنة الدستورية.

ويشمل ذلك الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ومجموعتين من الدول النشطة سياسيا في سوريا وهي “مجموعة آستانة”، التي تضم إيران وتركيا وروسيا و”المجموعة الصغرى” التي تضم مصر وألمانيا والأردن والسعودية وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة.

وقال بيدرسن: “يشير هذا إلى حقيقة أننا في حقبة جديدة… استمر ذلك لفترة أطول من اللازم وينبغي إتاحة السبيل للمضي قدما. سيتطلب هذا بالتأكيد تفاهما أعمق بين روسيا والولايات المتحدة بشأن كيفية المضي قدما… نعمل على ذلك أيضا”.

وذكر أنه ضغط على حكومة الرئيس بشار الأسد وهيئة التفاوض السورية المعارضة بشأن أهمية التعامل مع قضايا المحتجزين أو المخطوفين أو المفقودين وناشدهما اتخاذ “خطوات أكبر من جانب واحد في هذا الصدد”.

وأعلن بيدرسن، أنه سيزور روسيا خلال الأسبوع الأول من تموز/يوليو، حيث سيبحث الموقف السياسي في سوريا. وقال بيدرسن في مجلس الأمن: “أكدت كل من تركيا، التي قمت بزيارتها في وقت سابق من هذا الشهر، وروسيا، التي سأقوم بزيارتها الأسبوع المقبل، أنهما لا تزالان ملتزمتين بمذكرة التفاهم الصادرة في أيلول/ سبتمبر 2018 وأنهما أنشأتا مجموعة عمل”.

وكان نائب الناطقة باسم الخارجية الروسية أرتيوم كوجين، أعلن الخميس، عن وجود تطورات إيجابية في تشكيل اللجنة الدستورية السورية. وقال كوجين: “على المسار السياسي للتسوية السورية، هناك أسباب للتفاؤل في ما يتعلق بالعمل لاستكمال تشكيل وإطلاق اللجنة الدستورية”.

وقال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين، في تصريحات لـ”وكالة تاس” الروسية، إن بيدرسن سيزور دمشق قريبا، لوضع اللمسات مع الحكومة السورية على قوائم اللجنة الدستورية السورية الثلاث. واعتبر الديبلوماسي الروسي أن هذه الزيارة مهمة للغاية للانتهاء من معضلة تشكيل اللجنة الدستورية.

والخلاف الحالي يتركز على ستة أسماء، من القائمة الثالثة الخاصة بالمجتمع المدني، وضعها النظام وروسيا، ورفضتها الأمم المتحدة وتركيا والمعارضة المدعومة منها. ويُعتقد أن الحرب الروسية الحالية على إدلب، هي في أحد وجوهها لكسر موقف أنقرة تجاه اللجنة الدستورية.

رئيس هيئة التفاوض المعارضة نصر الحريري، كان قد قال إن الهيئة بحثت مع بيدرسن والمجموعة الصغرى في باريس، بدائل للأسماء الستة.

وتم الإعلان عن مشروع اللجنة الدستورية في مؤتمر سوتشي في العام 2018، وكانت التفافاً على مشروع السلال المتوازية التي طرحها المبعوث الدولي السابق ستيفان دي ميستورا.

“روسيا اليوم” نقلت عن بيدرسن، قوله الأربعاء: “نعم، لا شك أن التشكيلات الإرهابية تهيمن على معظم أراضي إدلب، وهناك رأي مشترك في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حول ضرورة مكافحة الإرهاب واحترام القانون الدولي الإنساني”. وأضاف بيدرسن: “مكافحة الإرهاب بالطبع أمر شرعي لكن من الضروري أن تتم مع مراعاة احترام القانون الدولي الإنساني. وما يحصل حالياً ليس متكافئاً بين سقوط القتلى المدنيين ومحاربة الإرهاب”.

وأشار بيدرسن إلى وجود “انقسام عميق في المجتمع السوري وانعدام تام للثقة”، مشدداً على ضرورة معالجة هذا الأمر، وأن لا حل عسكرياً للأزمة السورية.

بوتين:أميركا لا تعلم ما سيحصل إذا رحل الاسد؟

في رده على سؤال حول موقفه من بقاء الرئيس السوري بشار الأسد، في السلطة، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: “عندما تحدثنا حول هذا الموضوع مع الإدارة الأميركية السابقة، طرحنا عليهم سؤالاً، ماذا سيحدث غداً في حال رحيل الأسد اليوم؟”.

ورسم هذا التصريح لبوتين ابتسامة على وجه أحد صحافيَّي الـ”Financial Times” الذين أجريا معه المقابلة المنشورة الخميس، ليقول بوتين متوجها إلى الصحافي الآخر: “من الصحيح أن زميلك ضحك، لأن الجواب كان مضحكاً لدرجة لا تتصورها. والرد كان: لا نعلم. وإذا كنتم لا تعلمون، ماذا سيحدث غدا، لماذا تحرقون الجسور اليوم؟ هذه الصورة قد تبدو مبسطة، لكن هذا هو الوضع الحقيقي”.

ويكرر الرئيس الروسي هذه الدعابة السمجة منذ سنوات، هو طاقمه الديبلوماسي وكبار مستشاريه، وكأن اللقاء مع الإدارة الأميركية السابقة لمناقشة الملف السوري كان لمرة واحدة فقط، رغم أن إدارة باراك أوباما عايشت الأزمة السورية لسنوات. الاستخفاف بالمتلقين يدفع لهذا النوع من الإجابات المبسترة. حتى الإئتلاف الوطني المعارض لديه خطة متكاملة لليوم التالي بعد رحيل نظام بشار الأسد، فما بالك بالإدارة الأميركية.

تذاكي الرئيس الروسي للإجابة على سؤال من هذا النوع، اليوم وبعد 8 سنوات من الثورة والحرب، وأكثر من نصف مليون قتيل سوري، يشير إلى أن روسيا مستمرة في بلطجتها في سوريا، وليس لديها أي رؤية عما يمكن تسميته بالحل السياسي.

وتابع بوتين، بالقول بحسب موقع الكرملين الذي نشر المقابلة قبيل انطلاق أعمال قمة “G20” في أوساكا اليابانية: “لهذا السبب نفضل التفكير مفصلاً في الأمر ودراسته دون استعجال. بالطبع، ندرك جيدا ماذا يحدث في سوريا، وهناك أسباب داخلية لهذا النزاع، ويجب حلها، لكن هذا التحرك يجب أن يأتي من الجانبين، وأقصد الطرفين المتنازعين”.

وقال بوتين، رداً على سؤال حول الخطر الذي كان يحيط بقرار التدخل في سوريا: “كبير بما فيه الكفاية. لكنني فكرت في هذا الموضوع مسبقا وجيدا وقيمت كل الملابسات والإيجابيات والسلبيات. كما قيمت سيناريوهات تطورات الأوضاع حول روسيا وما هي التداعيات بالنسبة إليها، وتحدثت عن ذلك مع المساعدين والوزراء، وليس فقط من الأجهزة الأمنية العسكرية وإنما مع كبار المسؤولين الآخرين. واعتبرت في نهاية المطاف أن النتيجة الإيجابية من مشاركتنا النشطة في الشؤون السورية ستكون بالنسبة إلى روسيا ومصالحها أكبر بكثير من تداعيات عدم التدخل والتفرج السلبي على تنامي قوة الإرهاب الدولي قرب حدودنا”.

وتابع الرئيس الروسي، تعليقا على تبعات قرار التدخل في التطورات السورية: “أعتقد أنها جيدة وإيجابية. وحققنا أكثر مما كنت أتوقعه”.

وأوضح بوتين: “أولا، تم القضاء على عدد كبير من المسلحين الذين خططوا للعودة إلى روسيا أو دول جوارها التي لا نقيم نظام تأشيرات الدخول معها، والحديث يدور عن آلاف من الأشخاص، وهما خياران يمثلان خطرا متساويا بالنسبة إلينا”. وواصل بوتين بالقول: “ثانيا، تمكنا في أي حال من الأحوال من إرساء استقرار في المنطقة القريبة منا جغرافيا، وهذا أيضا أمر بالغ الأهمية. وبالتالي أثرنا بشكل مباشر على ضمان أمن روسيا في داخل البلاد نفسها، وهذا ثالثا”.

واستطرد الرئيس الروسي مبينا: “رابعا، أقمنا علاقات جيدة وعملية مع كل دول المنطقة، ومواقعنا في الشرق الأوسط أصبحت أكثر استقرارا. وقمنا حقا ببناء علاقات طيبة وعملية وقائمة على مبدأ الشراكة، وأحيانا حتى بعناصر التحالف، مع كثير من دول المنطقة، ليس فقط مع تركيا وإيران، وإنما مع بلدان أخرى”.

أي فعلياً، روسيا بحسب كلام بوتين، لا تكترث لسوريا بحد ذاتها، بل استفادت من تدخلها العسكري فيها لمواجهة المقاتلين الإسلاميين من دول آسيا الصغرى، ولفتح علاقات مع دول الشرق الأوسط، ولاستخدام التدخل في سوريا للتفاوض مع الولايات المتحدة.

وحين يتعلق الأمر بسوريا نفسها، يقول بوتين: “تمكنّا من الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية ومنع اندلاع الفوضى هناك مثلما حصل، على سبيل المثال، في ليبيا، وتطور الأحداث بصورة معاكسة وأسوأ كان سيأتي بتبعات سلبية بالنسبة لروسيا”.

أي أجهزة الأمن والجيش، التي ثار السوريون ضد عسفها وجورها، وهي الأجهزة التي فتكت بهم طيلة السنوات الماضية وقتلت منهم مئات الآلاف تعذيباً في المعتقلات أو قصفاً بكل الأسلحة الغبية من البراميل المتفجرة إلى السلاح الكيماوي.

السبب الأكثر أهمية، بحسب السيد بوتين: “سأقول مباشرة دون إخفاء، ناهيك عن تعبئة قواتنا المسلحة، التي تلقت خبرة لا يمكن تصورها في أي تدريبات في الأجواء السلمية”.

سوريا: مثلث برمودا الشرق/ مصطفى الفرحات

الأحداث المتسارعة التي تعصف بمنطقةٍ غَابَ عنها الاستقرار أصلاً تشي بأن حلقات التحـكم والتطـويق بدأت تتفلت الواحـدة تلو الأخرى، وأنَّ نُـذر الحـرب الكونية الثالثة باتت أقرب من أي وقت مضى إن لم نقل أنها كـانت قائمـة أصـلاً بواسـطة الوكـلاء.

القضية الأكثر سخونة

فما تشهده الساحة الشرق متوسطية من التواجد المباشر لغالبية القوى الدولية الكبرى وبشكل خاص على مساحة الجغرافية السورية الصغيرة نسبياً وما يدور من حرب ضروس بالوكالة قد وصل إلى حائط مسدود مع التغول الإيراني الذي ذهب أبعد من الحد المسموح، وتجاوز الخطوط الحمراء بدخوله سوق المنافسة الدولي كلاعب حديث الولادة امتلك أوراق قوة استجمعها عبر عقود، لتتشكل كأذرع قوة تتحرك وفق مشيئة الولي الفقيه في كل من لبنان وسوريا والعراق واليمن وحتى في بعض الدول الخليجية، وأيضاً الترسانة الصاروخية الهجومية التي استطاعت إيران التطوير فيها إلى مدى كبير، فضلاً عن التلويح الدائم برفع معدل تخصيب اليورانيوم في المفاعل النووي لديها، ناهيك عن العبث الإيراني الأخير في زوايا مثلث الموت، مثلث برمودا الشرق (مضيق هرمز والملاحة في الخليج العربي)، هذا الشريان الذي يمر من خلاله أكثر من ثلث احتياجات كوكبنا الصغير (الأرض) من الطاقة.

كل هذه التداعيات الخطيرة تتزامن مع حالة الفوضى وعدم الاستقرار وغياب الأفق السياسي للحلول والتفاهمات بين الفرقاء واللاعبين الدوليين.

ولعل القضية الأكثر سخونة اليوم والتي ألقت بظلالها على كل وسائل الإعلام العالمية هي العبث الأخير الحاصل من قبل طهران بأمن الملاحة في الخليج العربي، إذ هدد القادة الإيرانيون مراراً بأن ردهم على العقوبات الأمريكية سيكون تصعيداً مقابل تصعيد وقد تابعنا تصعيد العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران التي قابلها استهداف ميليشيا الحوثي لمنشآت نفطية سعودية وإلى مطارات سعودية، كما قوبلت بالاعتداء على ناقلات النفط والتي كان آخرها التصعيد الخطير في 13 حزيران / يونيو الذي تمثل بإعطاب ناقلتي النفط (إحداهما مملوكة لشركات النقل البحري في النرويج والأخرى لسنغافورة).

وقد صرَّح وزير خارجية اليابان بأن الناقلتين تحملان شحنة لها صلة باليابان.

هذه الأحداث المتسارعة تزامنت مع مساعي تهدئة ومحاولة نزع فتيل الأزمة التي قام بها وزير الخارجية الألماني ((هايكوماس)) إلى طهران.

ورغم نقل الوزير الألماني تطمينات من واشنطن ومن دول الخليج بعدم نية هؤلاء بالتصعيد إلا أن المسؤولين الايرانيين اعتبروا أن زيارة الوزير الألماني لم تحقق شيئا بخصوص العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على إيران.

ثم تلاها زيارة رئيس الوزراء الياباني إلى طهران، لكن طهران مستمرة حتى الساعة برفض الشروط الأمريكية للحل.

على الجانب الآخر استضافت إسرائيل قمة أمنية ثلاثية هي الأولى من نوعها والتي ستجمع القادة الأمنيين:

عن الولايات المتحدة (جون بولتن) وعن روسيا (نيكولاي باتروشيف) وعن الجانب الاسرائيلي (مئير بن شبات).

هذه القمة التي عنوانها العريض وضع حد لتجاوزات إيران أو إخراجها من المنطقة.

الموقف الروسي

أخذ الروس يتحسسون الهيمنة الإيرانية على كل مفاصل القرار السوري وأن المنافسة الإيرانية لهم أصبحت على أشدها في مسرح يعتقد الروس بأنه ملعبهم وأن على إيران أن تدور في فلكهم في المسرح السوري، وهذا ما كان يفسر الموقف الروسي من استهداف إسرائيل للمواقع الإيرانية والذي كان يتراوح بين الصمت حيناً والتنديد أحياناً، بل وأكثر من ذلك حيث وصلت الحالة التصعيدية بين الطرفين إلى حد الصدام المباشر بين قوات النمر الموالية للروس وبين الفرقة الرابعة الموالية لإيران وإن كانت هذه الصدامات يتم تطويقها إلّا أنها ظهرت للعلن في الآونة الأخيرة، حيث تحدث دبلوماسيون روس عن الخلافات الحاصلة بين الجانبين الإيراني والروسي على وسائل الإعلام مباشرةً، لكن معركة الشمال السوري أجلت التناقض (الإيراني، الروسي) مرة أُخرى، لأن الظن الروسي كان مبنياً على فرضية الحسم من خلال قصف جوي عنيف يدب الرعب في نفوس الناس ويدفعهم للقبول بسياسة المصالحات كما حصل في درعا والغوطة وغيرها، إلا أن الفشل الذريع للنظام بالتقدم على مدار أكثر من شهر ونصف رغم التمهيد الجوي الروسي الكثيف دفع بالجانب الروسي لإعادة إشراك إيران في هذه المعركة بعد استبعادها.

وبالتالي فإن الجانب الروسي سيكون مضطراً لتبني سياسة التهدئة أو على الأقل محاولة تأجيل استهداف المواقع الإيرانية في سوريا في الاجتماع الأمني الآنف الذكر، لأن معركة إدلب غيرت كل المعطيات لدى صانع القرار الروسي الذي بنى خطته على أساس الوصول إلى طريق حلب – اللاذقية خلال 7 إلى 9 أيام، لكن الأمور سارت بعكس ما يشتهي بوتين الذي اضطر للإقلاع عن تصريحات تحرير إدلب وعاد من جديد للحديث عن الحل السياسي، وبعد كيل الاتهامات المستمر لتركيا بأنها لم تفِ بالتزاماتها حيال اتفاق سوتشي عاد الرجل ليقول بأن الأتراك ينفذون التزاماتهم وأن التعاون مع تركيا وإيران مهَّد لحل سياسي في سوريا.

هذا ما تابعناه في تصريحات بوتين في قمة التعاون وبناء الثقة في آسيا التي انعقدت في العاصمة الطاجيكية (دوشنبه).

إذاً فَشَلُ النظام في معركة إدلب خدم إيران من جديد لأن بوتين لم يعد بمقدوره الانحياز إلى طرف واشنطن في تصعيدها مع إيران على الأقل على المدى المنظور.

طهران التي قرأت هذا الواقع جيداً، وقرأت ضعف فرص التصعيد العسكري ضدها استمرت برفض الإملاءات الأمريكية للحل، كما رفضت الاعتراف باستهداف ناقلات النفط، وبقيت حالة الملاحة البحرية في الخليج العربي ترزح تحت خطر الاستهداف الذي لم يعترف به أحد، رغم أن إيران كانت قد صرَّحت علناً بأنها لن تسمح بتصدير النفط من قبل الآخرين في حال استمر الحصار على تصدير نفطها.

وتم ترحيل الملفات مرةً أخرى مشفوعةً بتعنت الفرقاء وغياب الأفق السياسي للحل.

كاتب ومحلل سياسي سوري

القدس العربي

الوطنية كذبة المستبد الكبرى/ محمود الوهب

ما كان لإسرائيل أن تنتقل هذه النقلة النوعية، والعلنية في آن، من “الدويلة” و”الكيان”، بحسب الحكام العرب، إلى الدولة الإقليمية الفاعلة، كما برزت في الاجتماع الثلاثي أخيرا في القدس المحتلة بشأن سورية، وضم إضافة إليها الدولتين العظميين، أميركا وروسيا، اللتين تفصِّلان للعالم من الألبسة ما تريانه مناسباً، والمناسب طبعاً ما تتفقان عليه ويخدم مصالحهما.. أقول ما كان لإسرائيل ذلك التحوّل لولا أنَّ الأنظمة العربية كرَّست، منذ نيلها استقلالها، وبتفاوتٍ زمني، استبداد حاكم خاص بها، يوقف الزمان والمكان والتخلف والفساد، حيث كرسيه الذي يعلن من خلاله أنه القائد التاريخي الفذ، لا للبلد الذي يجثم على صدر شعبه، بل للأمة كلها، فبمثله لم ولن يأتي الدهر، ولأنه هكذا تراه يصارع نسخته الأخرى المزيّفة المتجسّدة في الحاكم العربي الآخر الذي يراه ندّاً له، ولا يريد له المشاركة في نيل شرف إغراق إسرائيل بالبحر.. وهكذا دارت معارك وحروب على الأرض العربية في اليمن ولبنان والعراق والكويت والأردن واليمن ثانية، وضد الفدائي الفلسطيني أينما وجد.. ولعلنا نجد في حافظ الأسد المصارع النموذج لكل هؤلاء، إذ هو ملكيٌّ أكثر من الملك تجاه القضية الفلسطينية، ومعيار الوطنية الدقيق عنده العداء لإسرائيل، فكيف كانت ممارسته في الواقع العملي، إن على صعيد تمتين الوضع الداخلي بتقوية بنيانيه السياسي والاقتصادي، وقد تركه للمقربين يعيثون فيه قمعاً وفساداً وتخلفاً، وإن على صعيد الجبهات العربية التي يمكن أن تصبّ في اتجاه صراعه، فهل كانت كذلك فعلاً؟

الواقع لا يقول بذلك مطلقاً، بدءاً من العلاقة مع منظمة التحرير الفلسطينية، وانتهاء برفيق دربه القومي والحزبي صدام حسين، مروراً بالقوى الوطنية اللبنانية.. ولعل الدولة الوحيدة التي كانت علاقته معها سمناً على عسل هي العربية السعودية التي لم تُنْعم عليه، وعلى أخيه سيئ الصيت الآخر، بالمساعدات حتى موته فحسب، بل ساهمت في إطلاق يده في لبنان ليفعل الأفاعيل في المقاتلين الفلسطينيين أولاً، وفي القوى الوطنية اللبنانية ثانياً، ولينشر الكراهية أكثر مما هي عليه بين قواها الطائفية والسياسية، وليخلِّف أحقاداً تجاه الشعب السوري، يجري استثمارها اليوم على يد الرئيس ميشال عون وصهره الوزير جبران باسيل، اللذين يسلِّمان الشبان السوريين الفارّين من موتٍ محتملٍ إلى موت مؤكّد حاقد.

ينقل حنا بطاطو في كتابه “فلاحو سورية.. ” (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، عن القائد الفلسطيني الراحل، أبو إياد (صلاح خلف)، عن علاقة الأسد بمنظمة التحرير الفلسطينية، ومدى كرهه ياسر عرفات. وسعيه، في وقتٍ مبكر، للسيطرة على منظمة فتح، فيقول: “وقد صعقنا خلال الساعات الثلاث التي استغرقها حديثنا معه من مقدار الكراهية  التي يكنها لأبي عمار” (ص 329). أما على صعيد لبنان الذي كان في منتصف السبعينيات الجبهة الأكثر خطورة على إسرائيل، لجهة الضغط عليها لإرغامها على الانسحاب إلى حدود 1967، وإيجاد حل للقضية الفلسطينية وفق مبدأ “العودة وتقرير المصير”، فماذا يقول بطاطو في الكتاب ذاته عن علاقة الأسد بكمال جنبلاط الذي كان مفوضاً من القوى الوطنية اللبنانية ورئيس جبهتها:

“تولدت عند كمال جنبلاط القناعة بأن صاحب فكرة توريط الأسد عسكريًا في لبنان هو وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر. وقد اجتمع الأسد بكمال جنبلاط في 27 مارس/ آذار 1976، ولأن جنبلاط مصممٌ على منع تحوّل بلده إلى (تابع) يدور في فلك الأسد، ودخول مواطنيه في السجن السوري الكبير، فشل الاجتماع..”. ويتابع: و”لعدم قدرة الأسد على إخضاع كمال جنبلاط الذي لم يكن على وفاق مع الأسد، لا في الوسائل ولا في الغايات، فقد جرى اغتياله”.

ويشير بطاطو إلى حرب المخيمات، من 1985 إلى 1988، إذ حرّض الأسد حركة أمل على مهاجمة المخيمات الفلسطينية، وزوَّدها بالسلاح والصواريخ والمدافع والدبابات، وعندما حقق المقاتلون الفلسطينيون عام 1986 تفوقًا في التلال المشرفة على صيدا، تدخّل الطيران الإسرائيلي في المعركة، وقصف الفلسطينيين. (ص 569). وبقيت “سورية البلد العربي الوحيد الذي لم يعترف بالدولة الفلسطينية التي أعلنها المجلس الوطني الفلسطيني، في 15 تشرين الأول/ أكتوبر” (ص 567). وذكر أيضاً أنَّ هنري كيسنجر نقل تعهداً من الأسد الأب بمنع تسلل المقاتلين الفلسطينيين إلى إسرائيل عبر الحدود السورية (ص 568).

ومن النافل ذكره في هذا المقام الدخول في العلاقة المأساوية بين حافظ الأسد وصدّام حسين، أو الإشارة إلى كثرة المتاجرة بالوحدات العربية الخلّبية التي جرت بين سورية وكل من العراق ومصر والسودان وليبيا واليمن بين ثنائية وثلاثية ورباعية، ولا إلى التذكير بالجبهات التي أنشئت، كالصمود والتصدي والمقاومة والممانعة، فكلها جاءت للالتفاف على توثب مشاعر المواطن العربي وتسكينها.

والأخطر من كل ما حدث، ولعله تحصيل حاصل، لتلك السلسلة من السياسات الديماغوجية التي مارسها الاستبداد وأرفقها بألوان القمع كافة، هو ما قام به بشار الأسد، الرئيس الوريث لسورية، من تهديم آخر حصنٍ ممكنٍ أن يعوَّل عليه، وعلى إمكاناته، بسبب عوامل تاريخية وواقعية أيضاً. والمعني هنا أن الشعب السوري الذي هبّ مطالباً بأبسط الحقوق التي يمكن لها أن تقويه، وتزيد من فعاليته، وخصوصاً بعدما أُضْعِفت منظمة التحرير الفلسطينية، وأُخْمِدت جذوة الحركة الوطنية اللبنانية بقمع الجيش السوري “الباسل” واغتيالاته.. وتدمَّر العراق. وبداية هدم هذا الحصن الذي أراد أن يتنفس حرية ليكون أقوى وأمتن وأرسخ جاءت بإطلاق النار على مظاهراته السلمية، متهمة بالأخونة والإرهاب والعمالة، وحين استعصى عليه الأمر، استعان بالأجنبي وجيوشه ومرتزقته، فكان ما كان من قتل وتدمير وتهجير. وليأتي، في النتيجة، ذلك الاجتماع الثلاثي، لينزع القناع عن الوجوه، وليؤكد حقيقة

اللعبة التي كان رامي مخلوف، ابن خال بشار، قد أعلن محتواها “إن أمن إسرائيل من أمن سورية”، فالكل يُجمع اليوم، وأولهم إسرائيل، على بقاء بشار الأسد، فهو وحده، بضعفه وهزالته، لا يؤمّن حدود إسرائيل فحسب، بل لم يبق لديه لا الفرصة ولا الإمكانية للمطالبة بالجولان، أو لمنع بناء مستوطنات جديدة، ومنها واحدة تحمل اسم ترامب.. ووجود بشار، كما يرى المجتمعون، ضروري، لا لحماية الحدود الإسرائيلية، بل لتسديد ديون القوى التي استدعاها لحماية وجوده وصمته أيضاً عن التي دخلت، حين وجدت الحدود مشرعةً لكل من هبّ ودب..

كان الدرس قاسياً جداً، ولم يكن سهلاً إسقاط تلك الأوراق، لولا أن خاض الشعب معركته. معركة الحرية حتى النهاية، وقدَّم الثمن الذي احتاجته معركتها الواحدة، وجوهرها حرية المواطن التي لا مساومة عليها، إفقدانها، أو فقدان جزء منها، يعني فقدان كل شيء، فجوهر الداء الذي ابتلي به السوري يكمن في الاستبداد الذي هو حال فرديةٌ قاتلة، بينما الوطنية حالٌ جماعيةٌ عامة. ولا سياج للوطن غير الشعب الحر، وما عدا ذلك تصوراتٌ وأوهام.

العربي الجديد

تحرك تركي لحماية مصالح أنقرة في المعادلة السورية/ رانيا مصطفى

تتحرك تركيا سريعا لاستباق حصول تفاهمات أمنية ثلاثية؛ روسية- أميركية- إسرائيلية، تخرجها من المعادلة السورية؛ فإذا كانت محاصرة إيران، وتحجيم نفوذها في سوريا، هو أولوية بالنسبة لأميركا وإسرائيل والعرب، فإن تقليص دور تركيا هو ثاني الأهداف، وهو يلتقي مع الطموحات الروسية في استعادة السيطرة على مناطق شمال غرب سوريا، من يد المعارضة المسلحة الأقرب إلى تركيا.

دعت تركيا تحالف أستانة الثلاثي؛ تركيا وروسيا وإيران، إلى عقد جلسة جديدة في إسطنبول خلال شهر يوليو الجاري، ودعا الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، خلال زيارته إلى الصين، لحضور قمة مجموعة العشرين في أوساكا اليابانية، إلى عقد قمة رباعية جديدة بمشاركة وروسيا وفرنسا وألمانيا، بعد الاجتماع الأول الذي عقد في إسطنبول في أكتوبر 2018.

وغير ذلك هناك القمة الثنائية بين بوتين وأردوغان، على هامش قمة مجموعة العشرين الأسبوع الماضي، والتي تم فيها بحث الوضع في شمالي غربي سوريا، والبحث عن تفاهمات جديدة لإيقاف الحرب في إدلب.

ومنذ شهر ابريل الماضي، ظهرت معالم تقارب أميركي- تركي بخصوص الوضع في سوريا، حيث عقدت اللجان العسكرية التركية والأميركية لقاءات مكثفة بهذا الخصوص، اقتربت من الوصول إلى اتفاق أعلن عنه جيمس جيفري، المبعوث الأميركي إلى سوريا، يتعلق بالمنطقة الأمنية شمالي شرقي سوريا، ثم تأكد التفاهم بعد القمة الثنائية لترامب وأردوغان، على هامش قمة مجموعة العشرين في اليابان، من خلال التصريحات الإيجابية للرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه تركيا. وانعكست مؤشرات هذا التقارب التركي- الأميركي سريعا على تحسن في قيمة الليرة التركية بمقدار 13 نقطة.

استفادت تركيا من الموقف الأوروبي الداعم لاتفاق المنطقة منزوعة السلاح في إدلب، في سوتشي في 17 سبتمبر 2018، والمتمثل باجتماع إسطنبول الرباعي، ومن الدعم الأميركي الذي تمثل حينها بتحذير روسيا والنظام السوري، من استخدام الأسلحة المحرمة دوليا، والذي تطور إلى تحذير شديد اللهجة من شن أي هجوم على إدلب. في خطوة من إدارة ترامب للضغط على روسيا، بعد أن ألغي اللقاء الثنائي للرئيسين بوتين وترامب والمقرر عقده على هامش قمة مجموعة العشرين في الأرجنتين العام الماضي.

لكن حصل تراخ أميركي بعض الشيء، حيال إمكانية شن هجوم محدود على إدلب، من قوات النظام السوري، بغطاء جوي روسي، والذي بدأ بالفعل في 25 أبريل الماضي، وذلك بعد التقارب الأميركي الروسي، والذي كانت بدايته مع زيارة مايك بومبيو، وزير الخارجية، برفقة جون بولتون مستشار الأمن القومي إلى روسيا، ولقاء فلاديمير بوتين، وذلك بعد شعور الإدارة الأميركية بتورطها بشأن التصعيد مع إيران، وهناك تسريبات عن نقاشات حول توافقات أميركية- روسية حينها حول تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا.

وبالتالي أخذت روسيا وقتها في حربها على إدلب، وفي إجراء ما تحتاجه من تغييرات عسكرية ضمن فرق النظام المهاجمة وقياداتها، دون أن تتمكن من تحقيق تقدم يخدمها، ومع المزيد من الخسائر في قوات النظام، التي بدت هزيلة أمام فصائل المعارضة، رغم الغطاء الجوي الروسي الذي تحظى به. وبالتالي استنفذت روسيا خيارها بالاعتماد على جيش النظام، وهي الآن تقامر بالاستعانة بمليشيات إيران مجددا، خاصة حزب الله اللبناني، الذي يحشد بالقرب من جبل الزاوية جنوب إدلب، وسهل الغاب شمال حماهة

العودة الروسية إلى التحالف الميداني مع إيران في معركة إدلب، يعني أن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة وإسرائيل لا يزال بعيدا، أو أن روسيا، التي تتقن سياسة الابتزاز، تستغل المطلب الأميركي- الإسرائيلي الملحّ بخروج الميليشيات الإيرانية، وذلك بتقوية هذه الميليشيات، من أجل تضخيم الورقة الإيرانية، وعزز ذلك امتعاضها من الضربات الإسرائيلية الأخيرة، وهي الأعنف منذ 3 سنوات، على المواقع الإيرانية في ريف دمشق وحمص، وذلك للمساومة على مطالب أكبر تتعلق بالانسحاب الأميركي من شرق الفرات، وتركه للنظام، وبالسماح بالتطبيع العربي مع نظام الأسد وعودته إلى جامعة الدول العربية، وبتمويل عربي لمشاريع الإعمار، حتى يتسنى لموسكو حصد نتائج تدخلها العسكري في سوريا منذ خريف 2015. فيما تراهن موسكو على وساطة إسرائيل مع واشنطن للقبول بالمطالب الروسية.

عدم الاتفاق الروسي الأميركي الإسرائيلي، يعطي وقتا لتركيا لترتيب اتفاقات تضمن مصالحها وأمنها في سوريا، فقد باتت تريد، حسب تصريحات أردوغان، ضم إدلب إلى مناطق نفوذها كما في منطقة “غصن الزيتون” في عفرين وريفها، ومنطقة “درع الفرات” الممتدة على حدودها من جرابلس حتى إعزاز في ريف حلب الشمالي؛ باعتبار منطقة إدلب قريبة من حدودها، وهي تراهن على قدرتها على ضبط الفصائل، إذا ما تم التوصل إلى توافق جديد مع روسيا، لحماية القواعد الروسية القريبة من أي هجمات. وفي الوقت نفسه، ما زالت تركيا لا تطرح أي حلول بشأن المعضلة الجهادية، وحل هيئة تحرير الشام وتطويعها ضمن الفصائل المعتدلة، بانتظار تفاهم مع روسيا، يحتاج إلى دعم أميركي وأوروبي، يخص مصير إدلب، ومجمل الحل في سوريا.

في هذا الوقت الصعب، تتعرض حكومة أردوغان إلى ضغوط داخلية هائلة تهدد بقاءها في الحكم، بعد خسارة حزب العدالة والتنمية مدينة إسطنبول في الانتخابات البلدية الأخيرة، الأمر الذي أعطى حظوظا لحزب الشعب الجمهوري المعارض، الذي فاز بالانتخابات البلدية في المدن الكبرى بعد 15 سنة من الإخفاقات السياسية، هذا عدا التسريبات الصحافية عن حصول انشقاقات في حزب العدالة والتنمية نفسه. وبالتالي يسعى أردوغان إلى توافقات سريعة مع كل من أميركا وروسيا، بشأن حسم ملفات شرقي الفرات، وإدلب، لتأمين عودة السوريين اللاجئين في إسطنبول، والبالغ عددهم 3 ملايين و663 ألفا، منهم 600 ألف في إسطنبول وحدها، ويشكلون نسبة 4.6 في المئة من إجمالي الشعب التركي، حسب إحصاءات رسمية تركية؛ خاصة مع تصاعد تيارات عنصرية تركية مؤخرا ضد التواجد السوري في تركيا.

كاتبة سورية

العرب

تفاهم إسرائيلي روسي ضد إيران في سوريا/ ماجد عزام

بدت الغارات الإسرائيلية ضد أهداف لإيران وميليشياتها وأخرى تابعة للنظام فى مدينتي دمشق وحمص ليلة الأحد الإثنين وكأنها تختصر المشهد السياسي العسكري في سوريا، أو جانباً كبيراً منه أقله بعد القمة الثلاثية التي عقدت الأسبوع الماضي في القدس المحتلة وضمت مستشاري الأمن القومي في كل من إسرائيل أمريكا وروسيا، الغارات الليلية كانت قصيرة ورغم أنها لم تستمر سوى دقائق، إلا أنها اعتبرت الأوسع والأقسى منذ عام تقريباً، أي منذ أيار 2018 واستهدفت ما ببن 10 إلى 12 هدفاً لإيران وميليشياتها مستترة ضمن مواقع النظام وأوقعت قتلى مدنيين على عكس غارات وهجمات سابقة التي أوقعت أيضاً قتلى، لكن في صفوف إيران وميليشياتها ومقاتلي النظام المتعاونين معهم.

للتذكير فإن غارات أيار من العام الماضي استمرت لساعات واستهدفت عشرات المواقع والأهداف الإيرانية وجرت ردّاً على إطلاق إيران صاروخين باتجاه مواقع الاحتلال الإسرائيلي في الجولان المحتلة – اعترضتهم منظومة القبة الحديدية – وكانت اعتبرت الأوسع والأقسى ضد ما تصفه تل أبيب بالتموضع الإيراني، وكما قالت صحيفة يديعوت أحرونوت الثلاثاء الماضى فإنها دمرت 70 بالمئة من البنى التحتية الإيرانية في سوريا، بينما تكفلت غارات الأسبوع الماضي بتدمير الـ30 بالمئة الباقية.

غارات العام الماضي جاءت إذن ردّاً على صاروخين إيرانيين وكانت قد حضرت مسبقاً – تل أبيب توقعت أو علمت  مسبقاً بالردّ الإيراني – بينما لم يكن ثمة سبب محدد مباشر لغارات الأسبوع الماضي التي بدت من حيث الشكل وكأنها تعبير مباشر وقاسٍ عن التفاهمات والتوافقات التي خرجت بها القمة الأمنية الثلاثية ويمكن اختصارها بالتوافق المبدئي على إخراج إيران من سوريا دون تحديد التفاصيل والآليات، مع دعم روسيا للغارات الإسرائيلية التي تمنع إيران من التموضع الاستراتيجي إلى حين إيجاد الحلول والسبل لإخراجها نهائياً بشكل كامل.

 من هنا فإن الصمت الروسي تجاه الغارات كان مدوياً، فالتصريحات جاءت خجولة جدّاً حتى أن وزير الخارجية سيرغى لافروف المنظر والمتفلسف دائماً، اكتفى بالحديث باقتضاب شديد عن دراسة ما جرى مع مطالبة عامة باحترام القوانين الدولية، والسعي لتقييم العمل انطلاقاً من قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، إلا أن أليكس فيشمان محلل يديعوت العسكري ذهب إلى أبعد من ذلك مشيراً إلى تنسيق وحتى تواطؤ روسيا في الغارات التي نفذ جزء منها من ناحية البحر المتوسط. وهذا ما يفسر برأيه سقوط شظايا الصاروخ المضاد الذى أطلقته دفاعات النظام في شمال قبرص التركية، وهو أي فيشمان يعتقد أن من المستحيل عملياً التحرك انطلاقاً من أجواء المتوسط دون معرفة أو موافقة مسبقة من قواعد الاحتلال الروسي في اللاذقية.

هذا الصاروخ تحديداً أكثر ما يشرح أو بالأحرى يفضح ردّ فعل النظام الشكلي والضعيف كون روسيا لا تسمح حتى الآن بتشغيل منظومة إس إس 300 المتطورة رغم الإعلان عن نشرها فى سوريا منذ أيلول الماضي أي منذ عام، وكما قلنا هنا فالإعلان الروسي كان نظرياً سياسياً إعلامياً فقط موجهاً لتل أبيب وواشنطن، لذلك يعمد النظام إلى استخدام صواريخ إس 200 القديمة وبشكل عشوائي، كما العادة دون أي خطة أو تكتيك محدد للدفاع، أو حتى نية في إيقاع الأذى بالطائرات. والصواريخ المهاجمة.

من هنا يمكن القول ببساطة أنها مضادات وصواريخ رفع العتب، خاصة مع فقدان النظام للحيلة- الذى لا وزن ولا قيمة له كما وصفه عن حق القيادي في حماس نايف الرجوب – ومعرفته بل يقينه من موافقة وحتى تواطؤ الروس في الغارات الإسرائيلية.

الصحف الإسرائيلية ومعلقوها العسكريون وثيقوا الصلة بالمؤسسة الأمنية تحدثوا عن أمر لافت جداً مفاده أن روسيا تحمي النظام وليس الدولة السورية، وهذا غير قادر على حماية نفسه بنفسه، وبالتالي حماية ايران وميلشياتها الذين منعوا أو بالأحرى أخّروا سقوطه الحتمي فى كل الأحوال.

ليس النظام فقط بل إنهم هم أنفسهم أي إيران وميلشياتها، عاجزين عن الرد على الغارات الإسرائيلية المتتالية المستمرة، رغم الضجيج الإعلامي والتبجح بمعاداة إسرائيل والاستعداد للحرب معها، لإزالتها من الوجود ليس فى أيام وساعات بل حتى فى دقائق فقط .

غير أن الأهم في تحليلات الصحافة الإسرائيلية كانت الاشارة إلى أن إيران خففت فعلاً من وجودها العسكري فى سوريا لعدة أسباب وعوامل داخلية وخارجية منها الأزمة الاقتصادية والانتقادات الداخلية للانتشار، والتورط الخارجي، كما الخسائر البشرية – مئتا قتيل على الأقل – والمادية طبعاً جراء الغارات الإسرائيلية المتتالية، واكتفت بالاعتماد على ذراعها الإقليمي المركزي حزب الله من خلال مواقع جيش النظام نفسه الذي تحميه روسيا من السقوط، لكن لا تمنع إسرائيل من قصف قواعده التي يسمح فيها كرهاً أو طوعاً لإيران وذراعها بالانتشار والتواجد فيها.

لا بأس من التذكير طبعاً أن إسرائيل استغلت القمة الثلاثية الأخيرة والأجواء الإقليمية لتنفيذ الغارات وممارسة مزيد من الضغط على إيران وأذرعها لنيل مزيد من الشرعية، وفرض نفسها كلاعب في سوريا والمنطقة وتكريس فكرة أن الخطر على الاستقرار الإقليمي يأتى فقط من الاحتلال، والسياسات التوسعية الإيرانية، وليس من ممارسات إسرائيل نفسها واحتلالها لفلسطين والأراضى السورية في الجولان ومزارع شبعا.

عموماً فإن الغارات الأخيرة –كما القمة الأمنية الثلاثية في القدس المحتلة- أكدت التماهي والتفاهم الروسي التام مع إسرائيل، التي تتولى منع تموضع إيران بالمعنى الاستراتيجي، تحت سمع وبصر الاحتلال الروسي وقواعده ومنظوماته الصاروخية ،والمفارقة أن اسرائيل بدورها تحولت إلى وسيط، أو نقطة تلاقٍ بين موسكو وواشنطن على طريق إخراج إيران نهائياً من سوريا، لكن دون التوافق حتى الآن على التقاصيل بانتظار مآلات الصراع المحتدم الآن في الخليج والمنطقة لإعادة إيران إلى حجمها، بعدما تمددت وتوسعت بضوء أخضر أمريكي فى العراق، بينما بدأ المشهد معقداً أكثر في سوريا، حيث استنجدت إيران بالاحتلال الروسي لحماية النظام، فسعت موسكو للحفاظ على مصالحها بالتفاهم مباشرة مع إسرائيل وتغطية غاراتها وهجماتها، بل التواطؤ معها كما جرى الأحد الماضي لإضعاف وتحجيم إيران، وإخراجها نهائياً بعد ذلك، لكن ضمن تفاهم آخر مع أمريكا لم تتضح معالمه بعد

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق