مقالات

الذكرى الـ 130 لولادة الشاعرة آنَا أخماتوفا -مقالات مختارة وقصائد للشاعرة من اعداد “صفحات سورية”

آنَّا أخماتوفا.. توفيت يوم وفاة ستالين فاعترفت بها روسيا/ فالنتينا كوروستيلوفا

يحيي الوسط الأدبي الروسي هذه الأيام الذكرى الـ 130 لولادة الشاعرة آنَا أخماتوفا (*) (23 حزيران/ يونيو 1889 – 5 مارس/ آذار 1966)، من أشهر أعلام الأدب الروسي في القرن العشرين، والتي رشِحت مرتين لنيل جائزة نوبل للآداب عامي 1965، و1966.

منذ عشرينيات القرن العشرين، حازت أخماتوفا على اعتراف الوسط الأدبي بكونها كلاسيكية الشعر الروسي، لكنّها خضعت للرقابة والتجاهل الرسمي، بحيث لم تنشر العديد من مؤلفاتها في بلدها حتى بعد مرور عقدين على وفاتها. وعلى الرغم من ذلك، أحيط شعرها بتمجيد وتقدير مواطنيها الروس من محبي الشعر داخل الاتحاد السوفياتي (السابق) وفي المهجر.

في عام 1911، سافرت آنّا أخماتوفا ذات العشرين ربيعاً ونيِّف إلى أوروبا لتكون شاهدةً على أول انتصار للباليه الروسي، ومن ثمّ ذهبت إلى إيطاليا، حيث الهندسة المعمارية المذهلة، ومجموعات الفنّ الرائعة، الأمر الذي شكَّل حافزاّ قوياً دفع الفتاة الشابّة لتكشف مواهبها الإبداعية. سبق لزوجها، نيقولاي غوميلوف الذي كان على رأس التيار الأدبي الجديد (أكمييزم -acmeism)(**)، أن

“نصحها زوجها غوميلوف بالالتفات إلى الرقص بدلاً من قرض الشعر، ولكنّه بعد صدور أول كتاب لها قال: “.. كم من البساطة والسلاسة في هذا الشعر”. ليضيف أوسيب ماندلشتام: “يكاد شِعرها أن يكون أحد رموز عظمة روسيا!””

. وأصبح صدور أيٍّ من كتبها حدثاً في حدّ ذاته.

يتذكر كوني جوكوفسكي كيف كان الطلبة يحفظون أشعارها، وكيف نقلت هذه الأشعار إلى ألبوماتٍ، وكيف كان العشاق يعبرون عن مشاعرهم بأبياتٍ منها.

أجل، كانت روسيا تردِّد أشعاراً من قصيدتها “أغنية اللقاء الأخير”:

… ارتجف الفؤاد بلا حولٍ،

أمّا خطواتي فبقيت رشيقة؛

بحيث وضعت يدي اليمنى

في قفاز اليد اليسرى.

كانت أشعار الحبّ والغزل تعيد لأخماتوفا روحها الحقيقية النابضة بالحياة، محافظةً في الوقت نفسه على جمالها الشعري الرفيع. وحدها المواهب الكبيرة فقط تتسم بهذا التناغم. مع كلّ قصيدةٍ من قصائد أخماتوفا يرتقي الحبّ إلى ذرىً روحية عالية:

بندى الأعشاب الطرية

أنعش روحي ببعض الأنباء –

ليس شغفاً، ولا لهواً

بل لأجل حبٍّ دنيويّ عظيم.

أدرك شاعر ثورة أكتوبر مايكوفسكي ما رمت إليه أخماتوفا…. ولكنه مع اشتداد وتيرة الجدل الأدبي، وبشكلٍ فاجأ الكثيرين، راح يتحدث عنها بسخرية. ولأنّه كان ذا أهميةٍ بالنسبة للسلطات السوفياتية، فقد أزاح أخماتوفا من المشهد الأدبي ولفترةٍ طويلة. وهكذا، لم يمهد القدر لها

“لأنّ ماياكوفسكي كان ذا أهميةٍ بالنسبة للسلطات السوفياتية، فقد أزاح أخماتوفا من المشهد الأدبي ولفترةٍ طويلة”

الطريق، بل ووضع على دربها أيضاً كلّ أنواع الأشواك البرية.

يتذكر الرسام يوري آنينكوف أنّ الحزن كان التعبير الوحيد على وجهها خلال تلك السنوات. واستمرت الحياة ثقيلةّ عليها. في عام 1921، أُعدم زوجها نيقولاي غوميلوف بعد إلصاق تهمةٍ مستعجلة به، الأمر الذي كان عادياً في تلك الأيام.

حكم عليك ألا تكون بين الأحياء،

وألا تنهض واقفاً من الثلج.

ثمانية وعشرون من حملة البنادق،

وخمسة رماة.

أرض روسيا

تحبّ الدماء، تحبّها.

الأمر الآخر الذي عانت منه الشاعرة، والذي لم يكن أقلّ قسوة عليها، كان خلافها المستمر مع ابنها ليف غوميلوف. فقد كان قلب الشاعرة يعتصره ألم دائم نتيجة استمرار النقد الدائم لها، والإشاعات التي كانت تمسّ حياتها الشخصية من جهة، والقطيعة – شبه الدائمة – مع الوالدة، بما في ذلك، بسبب الاعتقال المتكرر له، وعتبه المفهوم على أمّه منذ كان يافعاً – من جانبٍ آخر.

عانت أخماتوفا من موقف السلطات الديكتاتوري من الأدب، حتى بعد مرحلة الحرب العالمية الثانية: إذ استمر حظر نشر أشعارها، وتم فصلها من اتحاد الكتاب السوفيات بحجة أن شِعرها “مستنقع أدبيٌّ مجرد من المبادئ”. وفي تلك الفترة، كان يعتبر تمسك المرء بذاته والإخلاص لفنّه بمثابة جريمة ضدّ الوطن. هذه الظروف بالغة الصعوبة، أجبرت أخماتوفا على الانزواء والصمت. بيد أنّ أشعارها اجتاحت قلوب الناس بطرقٍ غير مفهومة، لترى النور على صفحات الصحف. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى ما قاله الشاعر الكبير دافيد صموئيلوف بحق آنّا أخماتوفا:

“التقيت أخماتوفا وهي في القمّة. فبعد تسريحي من الجيش، ذهبت لحضور أمسيةٍ أدبية في قاعة الأعمدة في مقر الاتحادات. تناوب على المنصة العديد من الشعراء، غير أنّ القاعة كانت

“في أمسية، ألقت أشعارها بتؤدة وبفخامة، وكأنّها تحمل مسؤولية كلّ كلمة تنطقها. قابلتها القاعة وقوفاً بتصفيقٍ طويل وحارّ. نُقلت الصورة إلى ستالين الذي سأل: من نظّم الوقوف للتصفيق؟..””

تتطلع بلهفة إلى ظهور أخماتوفا! رأيت امرأة مسنّةً وخط الشيب شعرها، ترتدي فستاناً أسود، وعلى كتفها شالٌ أبيض. ألقت أشعارها بتؤدة وبفخامة، وكأنّها تحمل مسؤولية كلّ كلمة تنطقها. قابلتها القاعة وقوفاً بتصفيقٍ طويل وحارّ. نُقلت الصورة إلى ستالين الذي سأل: من نظّم الوقوف للتصفيق؟..”.

على الفور بدأت حملةٌ على وسائل الإعلام المقروء للنيل من الشاعرة. وقد جرت العادة تلك الأيام أن تنتهي مثل هذه الحملات بموت المستهدف. ولكن ذلك لم يحدث. وبعد مرور عقدٍ من الزمن، حلّ زمن “الدفء” (زمن خروشوف). وشهدت آنّا أخماتوفا من جديد موجة مجدٍ حقيقية: منحت ميدالية الأدب في إيطاليا، ومنحتها جامعة أكسفورد البريطانية دكتوراة شرف.

أميرة الشعر العظيمة

يتحدث الكاتب والصحافي الألماني هانس ريختر الذي حضر حفل تسليم الميدالية في إيطاليا بالقول:

“- آنّا أخماتوفا هنا،- تناهت إلى مسامعي عباراتٌ في الفندق حيث كنت أقيم….. نعم، هنا كانت تجلس روسيا نفسها – وسط الحديقة  الصقلية – الدومينيكية. كانت روسيا تجلس على كرسي حديقة أبيض، وخلفها أعمدة رواق الكنيسة. هناك، كانت أميرة الشعر العظيمة تستقبل جمهور الشعراء في قصرها. كان يقف أمامها شعراء من جميع بلدان أوروبا – من غربها إلى شرقها. شعراء صغار وشعراء عاديون مع عظماء الشعراء، شعراء شبّان وكهول من مختلف المشارب، ليبراليون، محافظون واشتراكيون: كانوا يقفون في صفٍّ طويل امتد على طول الرواق. كانوا يقتربون واحداً بعد الآخر، ينحنون ليقبلوا يد آنّا أخماتوفا. وأنا بدوري انضممت إليهم. كانت تجلس وتمدّ يدها، يقترب الشعراء واحداً بعد الآخر، يحنون رؤوسهم تقديراً للأميرة، التي كانت تردّ التحية عليهم بإيماءة رقيقة. كان الكثير منهم يبتعدون وقد احمرت وجناتهم بقوة: لقد أدّى كلّ منهم هذا الطقس على طريقة بلاده: الإيطاليون – بصورةٍ فاتنة، الإسبان – بعظمة، البلغار – بورعٍ، الإنكليز – بهدوء، أمّا الروس فوحدهم من كان يعرف ما كانت أخماتوفا تنتظره. فقد كانوا في حضرة قيصرتهم، فهل كانوا يحنون ركبهم ليقبلوا الأرض. بالطبع لم يفعلوا ذلك، ولكنهم بدوا وكأنّهم كذلك. وعندما كانوا يقبلون يد أخماتوفا، بدوا وكأنّهم يقبلون تراب روسيا، وتقاليد تاريخهم وعظمة أدبهم….

وعندما دخلت أخيراّ القاعة، نهض الجميع من مقاعدهم. وأفسحوا لها الطريق لتمرّ بين الأكف

“قبَّل شعراء كثيرون يد آخماتوفا، كلّ منهم على طريقة بلاده: الإيطاليون – بصورةٍ فاتنة، الإسبان – بعظمة، البلغار – بورعٍ، الإنكليز – بهدوء، أمّا الروس فوحدهم من كان يعرف ما كانت أخماتوفا تنتظره”

الملتهبة بالتصفيق، مرّت دون أن تلتفت، مرفوعة الرأس، دون ابتسامة، ودون أيّ تعبير عن الرضى، السعادة، أو الزهوّ. توجهت لتأخذ مقعدها على منصّة الرئاسة.

بعد خطابٍ إيطاليٍّ حماسيّ حانت اللحظة العظيمة.

قرأت باللغة الروسية بصوتٍ بدا وكأنّه ينذر بعاصفةٍ بعيدة، ولم يكن مفهوماً ما إذا كانت العاصفة تبتعد، أو أنّها تقترب. لم يكن في صوتها الهادر مكان للنبرات العالية. كانت القصيدة الأولى قصيرة، وقصيرة جداً. وما إن انتهت منها حتى ثارت عاصفةٌ من التصفيق، مع أنّه باستثناء بعض الروس، لم يكن أحد ليفهم كلمةً مما قالته…. كان الجميع يصفقون بانفعال: لم يهدأ التصفيق إلا بعد مدةٍ طويلة……”.

لدى كلّ إنسانٍ يجيد الإصغاء وتمييز الشعر الحقيقي من المصطنع قصة حبٍّ خاصة به نحو أخماتوفا. وأنا، بصفتي عضواً في نادي “كيروف” الثقافي، حصلت على هدية من النادي بمناسبة عيد ميلادي. كانت الهدية مجموعة أشعار آنّا أخماتوفا بعنوان “هرولة الزمن”. كانت أول أبيات الكتاب مذهلةً حقاً بالنسبة لي:

تعزف الأوركسترا بمرح

وتبتسم الشفاه.

غير أنّ القلب يعرف، القلب يعرف

أنّ المنزل الصغير الخامس فارغ!

وهكذا أدركتُ أنّه بإمكان أربعة أسطرٍ من الشعر أن تعبر عن رواية كاملة – من حيث عمق المشاعر والحماس. وهذا يعني أنّ الشعر ليس مجرد سطورٍ موزونة حول موضوعٍ ما، – إنّه كلمات، ولدتها الروح واللغة الروسية الساحرة، لأنّ الشاعر الحقيقي يستطيع عبر كلماتٍ بسيطة أن ينير ويأسر قلب الإنسان، القادر على أن يستجيب لنداء هذا الضوء السعيد……

من سخرية القدر أن تموت آنا أخماتوفا في 5 آذار/ مارس، في نفس اليوم الذي مات فيه ستالين.

فقط في عام 1966، وبعد أن اعترفت بها بلادها، رأت النور غالبية مؤلفاتها.

رغم كل معاناة آنا أخماتوفا، بقي حبّها لروسيا هو الأقوى والأهمّ في قلب الشاعرة:

أيتها السنوات المريرة ابتليني بالعلل، الضيق، الأرق، والحمى،

اسلبيني الولد والصديق، اسلبيني هبة الغناء الغامضة ـ

هكذا أصلي من أجل قداسك ـ، بعد كلّ هذه الأيام المتعبة،

لكي تغدو الغيمة السوداء القابعة فوق روسيا المظلمة سحابةً بيضاء في أشعة المجد.

“لا يخيف الموت بالرصاص”

دفنت قيصرة الشعر الروسي الحقيقية قرب سانت بطرسبرغ في “كاماروفا” التي أحبّت الشاعرة، وحيث عاشت فترة طويلة وأبدعت فيها. على ضريحها هناك أزهار دائمة- رمز الحب والتقدير الصادق للموهبة وللقدر المأساوي لهذه المرأة الحكيمة والاستثنائية الموهوبة، التي تركت لنا وصيتها في هذه الأبيات:

لا يخيف الموت بالرصاص،

وليس مريراً البقاء بلا مأوى،

وسنحافظ عليك لغتنا الروسية،

وسنحافظ على الكلمة الروسية.

نقيةً وحرّة سنحملك

ولأحفادنا سنهبك، ومن الأسر سنطلق سراحك

وإلى الأبد!

*****

(*) العنوان الأصلي للمقال: Цена признания (ثمن الاعتراف).

(**) أكمييزم (Acmeism) – تيار تحديث في الأدب الروسي ظهر في بداية القرن العشرين. وأصله من اللاتينية (acme): أعلى درجات شيء ما، الازدهار، عصر الازدهار.

*****

عن صحيفة (ليتيراتورنايا غازيتا) الأدبية – 23 حزيران/يونيو 2019.

رابط المقال: http://lgz.ru/online/tsena-priznaniya

*****

ترجمها عن الروسية: سمير رمان.

المترجم: سمير رمان

ضفة ثالثة

آنا آخماتوفا.. روحية الراهبة وإيروس بائعة الهوى/ محمد حجيري

رغم اقتنائي الكثير من الكتب الروسية المترجمة إلى العربية، والتي كانت تصدر في زمن الاتحاد السوفياتي الآفل، لم يصدف أن قرأت ترجمة لقصائد الشاعرة آنا اخماتوفا، ولا أعرف إن كان النظام الشيوعي قد ترجمها الى العربية، ولم تكن ضمن الروزنامة الأيديولوجية للشيوعية. قرأتُ قصيدتها “قداس جنائزي” في المرة الأولى، منشورة بترجمة وضاح شرارة في جريدة “النهار”. كان لإسمها وقعاً خاصاً في ذاكرتي. قرأتها بشكل عابر في البداية، ثم سرعان ما بدأ حضورها يتوسع بعد ترجمة الكثير من قصائدها وشذرات من سيرة حياتها. بدا لي أنها ليست شاعرة فحسب، بل تختصر تجربتها، واقع الرعب الستاليني من جهة، وواقع الحب التراجيدي من جهة ثانية.

فآنا أخماتوفا، من أهم رموز الشعر الروسي والعالمي في القرن العشرين، مرّت على وفاتها خمسون عاماً (1966)، مع العلم أنها سليلة أسرة من الطبقة الراقية في أوديسا الأوكرانية، ويوحي اسمها بأنّها تنحدر من سلالة جنكيز خان، التي كانت تحكم مناطق واسعة من الأرض الروسية. وقد اختارت اسمها التتري من جهة أمها، بعدما حرمها أبوها من التوقيع باسم عائلته، إذا كانت تصر على كتابة شعر”انحطاطي”. كتبت آخماتوفا: “لا أحد في عائلتي الكبيرة كتب الشعر، بيد أن أول شاعرة روسية، آنا بونينا، كانت خالة جدي ايراسم ستوغوف… وخان أخمات احمد، جدّي الأقدم، قتل ذات ليلة في خيمته على يد قاتل روسي أجير… وكان معروفاً ان أحمد هذا كان سليل جنكيز خان”…

آنا آخماتوفا، اسمها الحقيقي آنا غورنغو الملقبة بـ”القيثارة” و”ايقونة الألم الروسي”. وُلدت في العام 1889، وتوفيت في الخامس من آذار 1966. بدأ اهتمامها بالشعر في عمر مبكر، وكتبت أولى قصائدها وهي لا تزال في الحادية عشرة من عمرها، ونشرت بعض بواكيرها في نهاية مراهقتها. لقد رأت، وهي طفلة، عهد آخر قياصرة روسيا، نيكولاي الثاني. وشاهدت في حياتها، الثورة البلشفية الشيوعية، والرعب الستاليني، وتورط روسيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية. وعاصرت إعدام الشاعر أوشيب مندلشتام، في أحد معسكرات الاعتقال، وانتحار الشاعر ماياكوفسكي. وأُعدم زوجها الشاعر نيكولاي غوميليوف في العام 1921، رمياً بالرصاص، بتهمة التحريفية. كما أعتُقل ابنها، ليف، مرات عديدة، وزج في معسكرات الغولاغ، فيما كان مآل البعض الآخر المطاردة القاسية، أمثال صاحب “دكتور زيفاغو” بوريس باسترناك والشَّاعرة مارينا تسفيتايفا. أما آنا، فعُزلت وطردت من إتحاد الكتاب السوفياتي، فكتبت قصيدتها الملحمية “قداس جنائزي”.

بدأت قصة آنا، العام 1906، وهي في السابعة عشرة من عمرها، عندما واجهت والدها المهندس البحري بحقيقة أقرب الى الصرخة، قائلة: “أنا شاعرة!” وفي كييف، بعدما حصلت الشاعرة على الشهادة الثانويّة (1907)، دخلت كليّة الحقوق ودرست تاريخ الأدب، وتعلّمت بعض اللغات الأجنبيّة. لكن الشاعر بوشكين ظلّ هواها الأكبر، إلى جانب الرومانسيين الفرنسيين، ومجموعة من الشعراء والكتّاب، على رأسهم هوميروس وفيرجيل ودانتي…

كانت أخماتوفا ذات جمال آسر منذ نعومة أظفارها. تعرفت على زوجها نيكولاي غوميليوف عندما كانت في سن 14 عاماً، وتبادلا الرسائل. وفي العام 1909، طلب غوميليوف يدها رسمياً. وفي 25 نيسان1910، عقد قرانهما ثم سافر العروسان لقضاء شهر العسل في باريس طوال فصل الربيع. وهناك التقت بالرسام الإيطالي مودلياني، ونشأت بينهما علاقة صداقة… وفي العام نفسه ساهمت مع الشاعر ماندلشتايم وآخرين، في تشكيل تجمّع شعري. كان هذا التجمع يبشر بفكرة الصناعة الشعرية، وليس الإلهام او الغموض، واعتماد الملموس والحسي بدلاً من التعابير الغائمة عند الرمزيين. اعتنقت أخماتوفا نظرية البساطة والمباشرة واعتبرت أن “الشاعر يستعمل الألفاظ نفسها التي يتفوّه بها الناس لدعوة بعضهم البعض الى فنجان شاي”. فبدأ شعرها يصيب الشرائح العريضة للشعب الروسي وتكرّست للحركة صفة “الذرووية” التي وصفها ماندلشتايم بأنها “مدرسة الشعر العُضوية”، قائلاً: “نحن لا نعتبر التمثّلات الكلامية، حقائق وعي موضوعية فحسب، بل أيضاً هي كأعضاء الإنسان، كما القلب أو الكبد”.

لم يدم زواج آنا وغوميليوف طويلاً، فالأخير فقَد رغبته في زوجته، وسرعان ما تركها متوجهاً إلى صيد الأسود فى إفريقيا. وذاقت آخماتوفا طعم الشهرة، ثم عادت لزيارة مودلياني في باريس، حيث رسم لها عشرين لوحة على الأقل. تقول آنا عنه: “كان يبدو أنه يعيش في حلقة من العزلة. لم يذكر أبداً اسم صديق، لم يتفكّه أبداً. لم يتحدث أبداً عن غراميات سابقة، أو عن أشياء دنيوية أبداً. كان مجاملاً بنبل، وكان ينحت تمثالاً في فناء ملحق بالأتيلييه. وقد دعاني الى “صالون المستقلين في 1911، لكني عندما ظهرت، لم يأت إليّ. وقد أخذني الى القسم المصري بمتحف اللوفر ـ كان يحلم بمصر فقط، “كل شيء آخر لا أهمية له”. وقد رسم رأسي بأسلوب ملكات الأسر المصرية القديمة. لقد انتصر عليه كلية ما كان يسميه “الفن العظيم”. كان يصحبني لأشاهد باريس في الليل، Clair de lune. وأمام فينوس دي ميلو استدار ـ “تبدو النساء الجميلات الجديرات بأن يرسمن أو تصنع لهن تماثيل متدثرات بكثافة في ملابسهن”. كان يحمل مظلة سوداء ضخمة، وقد جلسنا تحتها في اللوكسمبرغ تحت أمطار باريس في الصيف الدافئ. أنشدنا قصائد بولين معاً كجوقة. كان من ذلك النوع النادر، رسام مولع بالشعر. وذات مرة وجدت باب مرسمه موصداً، فألقيت وروداً عبر النافذة في تراخ. “كيف دخلت؟ لقد كان الباب موصداً”. “لم أدخل”. “لكن الورود وضعت بشكل جميل ـ بشكل منسق على السرير”.

رسم مودلياني لأخماتوفا لوحات تليق بها، جعلها فيها تبدو جالسة ببهاء، وترك مجموعة تخطيطات لها. ومن بين عشرات البورتريهات التي رسمت لها من قبل رسامي عصرها، ظلت تخطيطات مودلياني هي الأقرب الى روحها. قصة الحب بين اخماتوفا ومودلياني هي “قصة الجنون، عندما يأتي مرة على هيئة قصائد، ومرة على هيئة خطوط”، بحسب الكاتب خالد مطلق. في اغلب التخطيطات بدت اخماتوفا عارية، لكنها تصر في احاديثها الشخصية على أنه رسمها في متحف اللوفر حينما اصطحبها في جولة في أروقته عندما كانت في ضيافته.

ستكون علاقات آنا الثقافية والغرامية الشغل الشاغل لكاتبي سيرتها، ربما بسبب متطلبات الإثارة المتزايدة في عالم النشر. بعض السير يتحدث عن زواج أخماتوفا ونيكولاي غوميليوف الذي أحبها أكثر مما أحبته، والذي استوعبها بكل تناقضاتها وأهوائها وكاد أن ينتحر لأجلها مرتين قبل أن تقبل به زوجاً… وعلى يديهِ سترى أولى قصائد الشاعرة، النور، حين ينشرها لها على صفحاتِ مجلّة “سيروس” العام 1911، وكانت هذهِ المجلّة قد ظهرت لفترةٍ قصيرة في باريس، مطبوعةً باللغةِ الروسيّة.‏ وبعد مودلياني كانت لها علاقة بالشاعر ماندلشتايم، وكتبت زوجته ناديجدا في مذكراتها أنها سامحت آنا على علاقتها بزوجها. منذُ بداية العام 1911 حتى صيف 1917، عاشت آنّا أخماتوفا في ما يشبهُ مزرعة تعودُ لأهل زوجها الأول… في العام 1912 نُشرت المجموعةُ الشعرية الأولى للشاعرة، بعنوان “مساء”، وقّدم لها الشاعر ميخائيل كوزمين. ورغم أن عدد نُسَخِها لم يتجاوز الثلاثمئة نسخة، إلا أنها أثارت انطباعاً جميلاً بين الشعراء والنقّاد.‏ في اول قصيدة قالت: “إنني اضع قفاز يدي اليسرى/ في يدي اليمنى”. فقالت عنها مارينا تسفيتاييفا: “ان المرأة بأكملها، والشاعرة بأكملها هي في هذين البيتين. ان آخماتوفا كلها، فريدة، لا مثيل لها، ولا تضاهى”. وفي الثالثة والعشرين من عمرها عبّرت عن انحطاط المرحلة: “نحن كلنا سكارى، وبغايا/ فيا لنا من حطام كلنا”.

لم تنشر آخماتوفا في مجموعتها الأولى “مساء”، سوى 35 قصيدة، من بين مئتين كتبتها عند نهاية 1911. هذه المجموعة جعلت منها شاعرة مذهلة. وعن هذهِ المرحلة المبكّرة من حياة الشاعرة نشرت إحدى صديقاتها، وهي فيرا أندريفنا نيفيدومسكايا، كتاباً في نيويورك أسمتهُ “عش النبالة الحقيقي”، وتحدّثت فيه عن مزرعة غوميليوف وآنّا. ومما قالتُه: “كانَ لآنّا أخماتوفا وجهٌ صارمٌ، كل ملامحها حادة، ووجهها جميل، عيناها رماديتان بلا ابتسامات. كانت تجلسُ إلى الطاولة صامتة: كُنتَ تحسُّ مباشرةً أنها غريبة في عائلة زوجها، لقد كانت هي وزوجها كغُرابين بيضاوين في هذهِ العائلة البطريركيّة، لقد أغضبَ الأم أن ابنَها لم ينتسب إلى الحرس، ولا إلى السلك الدبلوماسي، لكنّه أصبحَ شاعراً، قد يضيعُ في أفريقيا، بل وقد أحضرَ إلى مزرعتهم زوجته الغريبة هذه التي تكتبُ الشِعر أيضاً، وتلبسُ بطريقةٍ غريبة غير عصريّة.. الخ”..

وظهرت مجموعتها  “ورديات” في 1914، كرّستها بين أشهر وأحب شعراء اليوم. مئات النساء كتبن شعراً، تكريماً لها، ومحاكاة لأسلوبها، فقالت: “علّمت نساءنا كيف يتكلمن، لكنني لا أعلم كيف أعلّمهن الصمت”. بعد الحرب العالمية الأولى في 1917، ظهرت مجموعة جديدة للشاعرة بعنوان “السرب الأبيض”، لكنّ القراء والنقّاد لم يستقبلوها كما توقعت الشاعرة. ولعلّ أحداث تلك السنة العاصفة والاحترابية، كانت وراء التعتيم والإهمال الذي طاولَ المجموعة الشعرية، وكانت الشعوب منهمكة في أحداث الحرب العالمية وتداعياتها، وحصلت الثورة البلشفية الروسية وقد بدلت مسار الثقافة والحياة.

وقالت أخماتوفا: “شخصيا أعتقد أن هذه المجموعة ولدت في ظروف أشد قساوة، فحتى طرق المواصلات انقطعت في تلك الفترة، وكان من الصعب إيصال أي نسخة منها إلى موسكو، فوُزّعت في بيتروغراد فقط. حينها أغلقت الصحف والمجلات”.

وبعد انهيار زواجها أو علاقتها بغوميليوف، ارتبطت أخماتوفا خلال الحرب العالمية الأولى بشاعر وفنان الموزاييك بوريس أنريب الذي كتبت عنه ما لا يقل عن 34 من قصائدها، وقام بدوره بتجسيدها في العديد من لوحاته التي حُفظ بعضها في متاحف عالمية. وأُعدم زوجها الأول العام 1921 لنشاطاته “المعادية للثورة”.

 ثم كانت لها علاقة مع مدير المسرح ميخائيل زمرمان، والموسيقي آرثر لوربيه الذي لحذن بعض قصائدها… وتزوجت من عالم الأشوريات فلاديمير شليكو وانفصلت عنه، وتزوجت الباحث الأدبي نيقولاي بونين (توفي في معسكرات الأشغال الشاقة). وفي الثلاثينات، اعتقل ابنها ليف لأنه ابن ابيه (زوجها الثالث). وفي رسالة الى ستالين، تُدمي القلب، تضرّعت آنا لإطلاق سراحه، وأنهتها بقولها: “الرحمة، يا يوسف فيساريونوفيتش”… وفي 1941 انتحرت أختها الشاعرة مارينا. على أن اخماتوفا دخلت، بعد إعدام غوميليوف منذ العام 1923، في صمت مطبق عن قول الشعر، وأُدينت بعد العام 1922 لـ”ميولها البورجوازية”.

عانت القمع لسنوات طويلة، لكنّها رفضت الذهاب إلى المنفى كما فعل الكثير من الكتّاب الروس… لم يكن الخوف يمنع أخماتوفا من الوفاء لأصدقائها الملاحقين والمعتقلين. زارت العام 1936، صديقها ماندلشتايم في منفاه، في مقاطعة فورونيج. وعن ذلك كتبت قصيدة أطلقت عليها اسم “فورونيج”. بعد ذلك بعامين أعدم ماندلشتام.

تقول أخماتوفا في المقطع الأخير من قصيدتها:

وفي غرفة الشاعر المغضوب عليه

يتناوب الخوف مع جنيّة الشعر

والليل يسير

الليل الذي لا ينبئ بالفجر.

ستكون أخماتوفا في مواجهة الثقافة الكلّانية والشمولية، اذ عاشت عاشت حياة صعبة جسّدتها في “نشيد جنائزي”. وفي هذه القصيدة تحكي بإحساس عميق بالعجز واليأس عن تجربة الشعب الروسي تحت حكم ستالين، خصوصاً معاناة النساء اللواتي كنّ يقفن معها خارج أبواب المعتقلات بانتظار رؤية أزواجهنّ وأبنائهنّ. وقدمت أخماتوفا لقصيدتها بالكلمات الآتية: في أعوام ييجوف الرهيبة، أمضيت في طوابير سجون لينينغراد سبعة عشر شهراً. عرفني أحدهم في إحدى المرّات. حينئذ استفاقت المرأة التي تقف خلفي من ذهولها، الذهول الذي كان يصيب الجميع، وسألتني هامسة في إذني (كان الجميع يتحدثون همساً هناك): هل تستطيعين وصف هذا الذي يجري؟

أجبتها: أستطيع.

عندئذ سرى ما يشبه الابتسامة في ذلك الذي كان وجهها في يوم من الأيام.

وخلال تلك الفترة شغلت أخماتوفا نفسها بالنقد الأدبي، لا سيما بأدب بوشكين، وأيضاً بترجمة أعمال فيكتور هيغو، طاغور، جياكومو ليوباردي، ولشعراء كوريين وأرمن مختلفين، وكتبت سيرة ذاتية للشاعر ألكسندر بلوك. في تشرين الثاني/نوفمبر 1945، وصل ديبلوماسي بريطاني شاب الى شقة في لينينغرادـ تقطنها احدى أهم شاعرات وشعراء روسيا ما قبل الشيوعية. الشقة، التي هي جزء من مسكن جماعي، أقامت فيها أنّا أخماتوفا، كتب عنها الروسي جورجي دالوس بعنوان: “زائر من المستقبل: آنّا أخماتوفا وأشعيا برلين”. لقد كان هذا الحدث الذي حصل قبل نصف قرن ونيف، أهم لقاءات الاثنين طوال حياتهما. فمعظم عمل دالوس محاولة تقييم لما ترتب على اللقاء الذي عرف به ستالين، وقد شاع انه قال: “إذن راهبتنا تستقبل جواسيس بريطانيين”.

وتعرضت اخماتوفا، بعد عام، لتشهير اللجنة المركزية العلني، وأجبرت جلادها جدانوف ان يعترف بروعة شعرها من خلال شتيمة أطلقها، حينما وصفها: “نصف راهبة.. نصف بائعة هوى. وكأنها تكتب شعرها ما بين الملاءة والسرير”. في “إشارة مبتذلة الى البعدين الايروسي والروحي في قصائدها” بتوصيف حازم صاغية. كتابها الجديد مُنع، كما أعيد اعتقال ابنها. وهي الأمور التي ردتها أخماتوفا نفسها، في وقت لاحق، الى اللقاء بالفيلسوف الروسي – البريطاني. وبالغت الشاعرة الكبيرة في تقدير نتائج اللقاء، إذ اعتبرته، كما يروي دالوس، واحداً من اسباب الحرب الباردة.

الجانب الآخر في اللقاء كان جزءاً من قصة حب تراجيدية. فبعد مغادرة برلين موسكو في 1946، كتب اليه بوريس باسترناك: “كنتَ الكلمة الثالثة في كل ثلاث كلمات تقولها”. أصبحت آنّا صديقة مقربة لبوريس باسترناك الذي تقدم لخطبتها غير مرة، مع انه كان متزوجاً. لكنها رفضته. 

بعد طردها من اتحاد الكتّاب السوفيات في 1946… أصبحت تعيش على راتب تقاعدي هزيل، وما تحصل عليه مقابل الترجمات… وصدر لها مجلد ضم مختارات من شعرها القديم عنوانه “مختارات من ستة كتب”، لكنه سحب من المكتبات بعد بضعة أشهر على صدوره. وفي الفترة نفسها، اعتُقل ابنها ليف العام 1949، وظلَّ في السجن حتى 1956. وكي تساعد في إطلاق سراحه، كتبت أخماتوفا قصائد مديح لستالين وللسلطات الحاكمة، لكنَّ ذلك كلَّه ذهب هباءً. 

استمر اعتقال الأصدقاء وموتهم يلاحق أخماتوفا. ففي العام 1953، قضى نيقولاي بونين(زوجها) في قبضة الجلاّد في معتقل الغولاك. وكانت أخماتوفا قد انتقلت لتعيش في بيت بونين في بطرسبورغ. في هذا البيت، حين علمت أخماتوفا بموت بونين في المعتقل كتبت:

لن يستجيب القلب بعد الآن

لندائي متلهفاً منشرح النبض

كل شيء ينتهي… وقصيدتي ستهيم

في ليل خاو، حيث لم تعد أنت.

أمّا صديق أخماتوفا، الشاعر ميخائيل زوشينكا، الذي عانى وإياها المنع والاضطهاد الستاليني، فترك رحيله، الشاعرة وحيدة، تحت سماء الخوف. في العام 1958، عام وفاته، كتبت أخماتوفا، تبحث عنه:

أرهف السمع لعلّ صوتاً يجيء من بعيد

لا شيء حولي، لا أحد

مدِّدوا جسده

في هذه الأرض الطيّبة السوداء

لا غرانيت ولا صفصاف باكياً

يظللان جثمانه الخفيف

لا شيء سوى رياح البحر والخليج

تهبّ إليه لتبكي عليه.

حين مات ستالين، رددت آنّا عبارتها الشهيرة: “سيعود المعتقلون الآن، وسينظر كل معسكر للآخر: معسكر من قام بالاعتقال ومعسكر نزلاء المعتقلات. إنه عصر جديد يبدأ”. وبعد نهاية الحقبة الستالينية، عادت إلى نشاطها الأدبي الطبيعي، وصار الشعراء الشبان حينها يحجُّون إليها، فهي تمثّل لهم صلة وصل لمجتمع وثقافة ما قبل ثورة أكتوبر الروسية، وما بعدها. وكتبت عشرات القصائد التي تمجِّد الحب والإنسان، ودانت بشدة الهجرة والانفصال عن الوطن: “لست مع من يهجر وطنه”. أما موضوعها الرئيسي فهو الحب المأسوي الأنثوي الذي يمزج العاطفة بالأسى والحزن بالبهجة والأمل.. وفي 1964 سُمح لها بالسفر الى ايطاليا لتسلّم جائزة عن شعرها. وعندما زارها الشاعر الأميركي روبرت فروست في 1962، كتبت تقول: “كنت أملك كل شيء: الفقر، طوابير السجن، الخوف، قصائد تحفظ في الذاكرة فقط، قصائد محروقة والإذلال والحزن”.

حققت آنا أخماتوفا خَرقاً نوعيا في الوسط الثقافي الروسي الذي كان تاريخيا يغلب عليه الطابع الذكوري. هذه الشاعرة الفاتنة شكلاً وشعراً، كتب عنها عدد غير قليل من الشعراء، وجُمعت قصائدهم في كتاب نشر العام 1925 بعنوان “صورة أخماتوفا”. في فترات شبابها الأول، وإلى جانب مودلياني، وضع لها أبرز الفنانين التشكيليين بورتريهات ورسومات شخصية، ومنهم ناثان آلتمان الذي رسم لها لوحة تُعتبر أشهر أعماله، بالإضافة إلى كونها أحد أشهر الأعمال الفنّية العالمية. البورتريه يغلب عليه اللونان الأزرق والأخضر وظلالهما. كما كُتبت مجموعة من الأعمال الموسيقية عن قصائدها، لموسيقيين بارزين من أمثال: فيرتنسكي، يروكافيفييف، لورا.‏ لقد رأى فيها الموسيقار الفرنسي مونتوفاني، البطلة التي تناسب ما يعتمل في خياله من عرض أوبرالي، يجمع بين التقاليد الغنائية والتعبير المعاصر.

عقب وفاة أخماتوفا العام 1966، كتب الكاتب الروسي كورني تشوكوفسكي عنها قائلاً: “لا دهشة أنها توفيت بعد هذه المحن الصعبة”. المدهش هو “ذاك العناد الذي عاشت فيه بيننا، سامية، فخورة، عطوفة، وعصية على الموت”. وقال جوزف برودسكي عن آنّا أخماتوفا أنها “دفنت حية”، لكنها بحسبه، “استطاعت أن تتحول من ضحية للتاريخ الى قاهرة له”. وسيكتب عند وفاتها: “إنِّي أحيِّي رماد هذه السيِّدة العظيمة التي ترقد في مسقط الرَّأس لكلمات صدحت بها في عالم أبكم… أصمٍّ”.

 المدن

أخماتوفا.. شاعرة الآهات المكتومة/ إبراهيم إستنبولي

آنّاـ تعني الهناء والغبطة. فمن أين كل ذلك الصوت التراجيدي في نطق آ ممدودة؟ هل أوحت حياتها لها بذلك الصوت الحزين: وفاة شقيقها، إعدام زوجها الأول، مقتل زوجها الثاني في معسكرات الاعتقال، اعتقال ونفي ابنها الوحيد؟، أم هو الفقر وتسميم حياتها، المرض والتشرد دون أن يكون لديها منزل؟ أم أنّ شعرها هو الذي أوحى لها بذلك الصوت الحزين؟

كانت مارينا تسفيتاييفا قد كتبت منذ عام 1916 سلسلة أشعار أخماتوفا ملقّبةً إياها بموزا النحيب:

ونحن نتدافع، وآهٍ صماءـ

تُـقسم لك آلاف المرات:

آنّا أخماتوفا: هذا الاسم تنهيدة هائلة.

كانت قد استبدلت كنية أبيها ـ كنية ضابط الأسطول غورينكو- بإسم مستعار، فكما لو أنها قد بدلّت مصيرها من دون قصد: “وَامرأة ما قد شغلت مكاني الوحيد، وتحمل اسمي الشرعي، بعد أن تركت لي اللقب الذي صنعت منه كلَّ ما استطعت..”. وفي أواخر عمرها كتبت رباعية

“استبدلت كنية أبيها ـ كنية ضابط الأسطول غورينكو- باسم مستعار، فبدلّت مصيرها من دون قصد: “وَامرأة ما قد شغلت مكاني الوحيد، وتحمل اسمي الشرعي، بعد أن تركت لي اللقب الذي صنعت منه كلَّ ما استطعت..””

تحت عنوان “الاسم (آآآ)” بعد أن أسبقته بعبارة مقتبسة من ملحمة برودسكي التوراتية “إسحاق وإبراهيم”؛ “إنه في الجوهر صرخة عظيـمة. طفولـية، مأساوية وقاتلة”.

تتاريٌّ، عذريٌّ،

جاء من العدم.

يلتصق بأية مصيبة.

وهو بحدِّ ذاته ـ مصيبة.

وبعد أن أخذت كنية أم جدتها، النبيلة من سيمبيرسك (مدينة أوليانوفسك منذ 1924) براسكوفيا أخماتوفا، فقد أخذتها مع كل الخرافات والحكايات عن الأميرة التترية، وعن أحمد خان، حاكم منطقة أوردينسك في القرن الثالث عشر، والذي قُتِلَ في يوم قديسة سمولينسك. لقد لقي كل شيء صداه في مصير الشاعرة. “وسيدة سمولينسك هي الشفيعة اليوم…” ـ تبدأ أشعارها المكرسة لذكرى وفاة الشاعر ألكسندر بلوك في آب 1921. وتتناجى آ المتكاثرة في اسمها مع نفس الحرف في اسم الشهر الذي تسميه ضيف الحداد ومسيرة الحداد “التي تطول 30 يوماً”:

كم من الأعياد والوفيات

في كلِّ آب، يا إلهَ الحق.

*****

في العاشرة من العمر تصاب بمرض عضال ظلَّ ينهكها طيلة حياتها.

في السادسة عشرة ينفصل والداها فتتمزق بينهما.

في الحادية والعشرين تفقد واحدةً من أعز صديقاتها بمرض السل.

في التاسعة والعشرين يطلّقها زوجها الأول الشاعر نيكولاي غوميلوف.

في التاسعة والعشرين تدرك أنها لن تكفَّ يوماً عن حبّها لزوجها الأول غوميلوف.

“في الحادية والستين تكره نفسها لأنها اضطرت لأن تكتب خمس عشرة قصيدة وتهديها إلى ستالين كيلا يُعدَم وحيدُها”

في الحادية والعشرين يضربها زوجها الثاني من شدّة غيرته منها وعليها.

في الثانية والثلاثين يعدمون زوجها الأول الشاعر غوميلوف رمياً بالرصاص.

في الحادية والأربعين ينتحر صديقها العزيز الشاعر فلاديمير مايكوفسكي.

في التاسعة والأربعين يعتقلون ابنها الوحيد حيث يتعرض للتعذيب طوال عشرين سنة.

في الثانية والخمسين تنتحر صديقتها الشاعرة مارينا تسفيتاييفا.

في السادسة والخمسين تتعرض للاضطهاد والتضييق بسبب علاقة عاطفية لها مع السكرتير الأول في سفارة بريطانيا في موسكو.

في الحادية والستين تكتبُ مُرغمةً خمس عشرة قصيدة وتهديها إلى ستالين لكي لا يقوموا بإعدام ابنها.

في الحادية والستين تكره نفسها لأنها اضطرت لأن تكتب خمس عشرة قصيدة وتهديها إلى ستالين كيلا يُعدَم وحيدُها.

في التاسعة والستين تعاني من وحشة قاتلة وتتعرض لانهيار عصبي حاد.

في السابعة والسبعين يتوقف قلبها المتقد والحار عن الخفقان في أراضي موسكو الباردة.

*****

من شعرها:

(1)

أشربُ نخبَ البيت الخرِب،

ونخبَ حياتي الشريرة،

أشرب نخب الوحدة معاً

نحن الاثنين،

ونخبَك أيضاً أنا أشربُ!

لأجل الشفاه التي خانتني كاذبةً،

وتلك البرودة القاتلة في العينين،

نخبَ هذا العالَمِ القاسي والفظ،

ولأنَّ الربَّ لم ينجِّنا!

(2)

…. وهكذا،

أشاع أحد المتسكعين

أنه ثمّة حبٌّ في الأرض!..

وإذ صدّق الجميعُ ذلك،

بفعل الكسل أو بسبب الملل،

فقد راحوا يعيشون:

بانتظار لقاءات عاشقة،

أو يخافون الفراق…

وهم ينشدون أغاني غرامية!

بيدَ أنَّ البعض يكتشف السرَّ،

فتحلُّ عليه السكينة…

(3)

سألتُ البومة

كم سنة سوف أعيش…

فاهتزت رؤوس الصنوبرات،

وسقط شعاع أصفر على العشب.

لكن الأيك النديَّ ظلّ صامتاً،

ها أنذا أمشي إلى البيت،

وقد راحت نسمة باردة

تداعب جبيني الحار.

(4)

“إلى الموت”

سوف تجيء على كل حال.

فَلِمَ ليس الآن؟

فأنا بانتظارك – وهذا ثقيل جداً عليَّ.

لقد أطفأتُ الضوء وشرّعت الباب

لك، يا أيها الساحر والأليف.

ولتتخذ لأجل ذلك ما شئت من هيئة،

فلتدخل كما القذيفة المسمومة

أو تسلّل مع وزنٍ كما لو لص محنّك،

أو سمِّمني بداء التيفوئيد،

أو بحكاية تخترعها أنت

لكنها معروفة للجميع حتى الغثيان –

بحيث أشاهد قمة القبعة الزرقاء

والمسؤول عن البيت وقد شحب من الخوف.

الأمر سيان بالنسبة لي الآن.

فنهر “ينيسيه”(*) يهدر

ونجمة الشمال تتلألأ.

والبريق الأزرق للعيون العاشقة

يطمس آخر بقايا الذعر.

(*) نهر في شمال روسيا.

لتحميل ديوان قداس جنائزي من الرابط التالي

قداس جنائزي

قـصــائـد للشاعرة الروسية آنـا آخـمـاتـوفــا

ترجمة: برهان شاوي

1. الملك ذو العيون الرمادية

المجدُ لك أيها الألمُ الذي لا يهدأ..

فلقد مات أمس الملك ذو العيون الرمادية..!

مساء خريفي..

مساء خانق..

بينما قال زوجي، حينما عاد، بهدوء:

( أتعرفين، إنهم، ولحسن الحظ، وجدوا الجثة..

عند شجرة البلوط الهرمة..

مسكينة الملكة..تلك الفتية؛ ابّيض شعر رأسها

في ليلة واحدة ).

بين الأحجار وجدوا غليونه..؛

حينما مضى إلى عمله الليلي..

سأوقظ ابنتي الآن..

سأمسّ عيونها الرمادية..

فمن خلف النافذة تهمس شجرة الحور:

لقد رحل ملك عن هذا العالم.

من مجموعة “المساء” 1910

2 . قبو الذكريات

لا ليس صحيحًا بأنني أعيشُ حزينة..

والذكريات تنسلّ مني..

وإنني ضيفة مقيمة عند الذكرى..

وإنها تعذبني..!

فحينما أهبط إلى القبو، وبيدي فانوسي.

يبدو لي ثمة صمت أخرس

يدوّي على درجات السلّم الضيق..!

ويتعالى دخان فانوسي.

ولا أستطيع الرجوع..،

بينما أعرفُ بأنني ذاهبة إلى عدوي..

فأرجو..

وأبتهل..

لكن ليس هناك سوى الظلمة..

والسكون..!!

إذن..

انتهى احتفالي..!

فها هي ثلاثون سنة قد مرت..،

منذ أن قادوا النساء إلى هنا..

وهنا..

مات سيد الفجور من وهن الشيخوخة..

لقد تأخرتُ..

ياللفاجعة..

ليس عليّ أن أظهر في الأماكن العامة..

لكني ألمس الجدرانَ المرسومة

وأتلمـّس دفء الموقد..

ياللعجب..

فمن خلال هذا الجدار الرطب..

كل هذا العذاب..

وهذه الحكمة..!!

اتّقدتْ زمردتان خضراوتان..

ثمة قطة تموء:

لنذهب إلى البيت..!.

لكن..

أين بيتي؟؟

بل أين عقلي..؟؟

من مجموعة “اليراع” 1940

3. كليوباترا

“كم من ظلال الليالي الجميلة

تضم قصور الاسكندرية؟؟”

(بوشكين)

بعدما قبلت شفتي (انتـونيو) الميتتين..

وبعدما سكبت الدموع أمام القيصر الجديد..

وحينما خانها الخدم والحاشية..

تعالى ضجيج طبول النصر

تحت نظرات النسر الروماني..،

حيث تستعرض آخر الأسيرات جمـالها..

همس ذاك الفارع الطول بقلق: هيا يا أنت..

ومثل عبدة..

دُفع بها للسير أمام ناظريه..

بل..

ولم يلتفت بعنقه ،حتى ولو فضولًا..!!

غدا سيعتنون بالأطفال..آه..

لم يبق من الوقت إلا القليل..

إذ عليها أن تتبادل المزاح مع السادة الجدد..!!

وبالأفعى السوداء.

ألقت يدًا غـير مرتعشة..

على ذلك الصدر الأسمر، مودعة..!!!

من مجموعة “اليراع” 1940

4. شجرة الصفصاف

نموتُ في السكون اللازوردي..

في غرفة أطفال هذا القرن الفتي..

لم أود سماع صوت الإنسان..،

بينما كنتُ أفهم صوت الريح..

لقد أحببتُ النباتات الشائكة..،

عشبة “راعي الحمام”، والقرّاص..

بكرامة عاشت معي كل العمر..

فهي تتأوه معي..،

حين تولول أغصاني باكية..!

وهي تروح عني، حينما ينتابني الأرق..

لكن. ياللغرابة..

عـشتُ أكثر منها..!!!

هناك ثمة رغوة عالقة لأصوات غريبة..

لصفصافات أخريات يقلن شيئًا ما.

تحت سمائنا..!

السماء القديمة نفسها..

وأنا أصمتُ..

وكأنما مات أخي..!!!

من مجموعة “اليراع” 1940

5 . الهلاك المحبب

لقد جلبتُ لنفسي هلاكا محببا..

بلايا واحدة إثر أخرى..

فيالمصيبتي..!!

إن هـذه القبور هي نبوءة لكلماتي..!

ومثـل غربان تحـوم..،

يوخزني دمي النقي، الحار..

وهكذا اغتصبتْ حبي

أغنيةٌ وحشيةٌ بهيجة..!

معكَ أحسُ بالعذوبة..،

وبالقيظ.

فأنت قريب مثل القلب في الصدر..

أعطني يدك..

واستمع بهدوء..

إنني أتـوسلُ إليك: إذهب

ودعني لا أعرف أين أنت..!

لا تناديه..

فسيكون ناكرًا للجميل..

إذا ما كان حيا وتنكر لحبي..!

من مجموعة “anno Domini” 1921

6. الـظل

“مـا الـذي تعـرفـه هذه المـرأة عـن سـاعة المـوت؟”

(أوسـيب مندلشتـام)

دائمـا لدي أجمل الثياب..

دائما المتفـردة..

والأبهـى بيـن الجميع..!

فِـلمَ تأتيني من قـاعِ السنوات القتيلة..

والذكـرياتِ المفترسة..

تتـأرجح أمامي.

بينمـا صـورة وجهك الجانبية

عـلى زجاج العـربة المظـلمة..؟

وكمـا سألوك ذات مـرة:

هـل أنت مـلاك أم طـائر ؟

أو كمـا وصـفك شـاعر :

أنـت مـن القـش..!

هكذا ينهمـرُ الضـوءُ الشفيف بإنسـياب

مـن عينيك القوقازيتيـن..

عبـرَ أهـدابِك السـود..

أيهـا الظـل.. !!

لكـن السـماء الصـافية..

فـلوبيـر..

الـسهـاد..

والليّـلك المتفتّـح..

وأنـتِ، أيتهـا المـرأةُ الثلاثينية..

ويـومك العـادي، الخـالي من السحاب..

كـلهـا أهـاجت ذكـريـاتـي..

فـلا تنتصـب مثل هـذه الـذكريات أمـامي..

أيهـا الظــل..!

من مجموعة “اليراع” 1940

تمت الترجمة عن الروسية، وقورنت بالترجمات الألمانية لشعر آخماتوفــا وصدرت ضمن مجموعة ” قداس جنائزي وقصائد أخرى”

للمزيد من قصائد الشاعرة اتبع الرابط التالي

http://alqasidah.com/akhmatova-poet.php

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق