وجها لوجه

برهان غليون: إنها الانتفاضة الشعبية ذاتها في السودان والجزائر

أشرف الحساني

لا يستقيم حديث راهن داخل الفكر العربي المعاصر دون التطرّق إلى المفكر السوري برهان غليون (1945)، كأحد أبرز المنظرين للفعل السياسي والاجتماعي بالمنطقة العربية، بما شهدته مؤخرا من فوران سياسي واجتماعي، خاصة في وطنه سورية، الذي عاين منذ مطالع أحداث الربيع العربي معاناة وآلام شعبه في سبيل التقدم والتحرر من إسار نظام الأسد العنيف، وما مارسه من تعنيف وإبادة وتهجير لعدد مهول من أبناء الوطن وتشردهم داخل المنافي والفيافي القصية من مختلف دول العالم. ستظل الحرب السورية وصمة عار داخل أرشيف تاريخ الأنظمة العربية بجبروتها وتعسفها وبعجزها المميت عن فهم مطامح شعوبها، والثورة السورية رغم خسائرها الكبيرة ستظل درسا وشهادة كبيرة في التضحية، تلوح في الأفق العربي، ونموذجا يحتذى به للتحرر من الأنظمة الاستبدادية القمعية الطاعنة في التعفن والإسلام السياسي.

غليون هو نموذج للمثقف العضوي، الذي نادى به المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، فكتاباته تقوم بالأساس على نقد الأزعومات المترسبة في بنية التفكير العربي من خلال كشف المخبوء والمتوارى داخله، ويعد أكثر المثقفين معارضة للنظام السوري، فوقع عليه الاختيار إبان الثورة السورية رئيسا للمجلس الوطني الانتقالي السوري، قبل أن يتم توحيد صفوف المعارضة السورية تحت “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية”، ثم كأستاذ علم الاجتماع السياسي بالسوربون، وأصدر من خلال ذلك العديد من الكتب الفكرية، التي يدور مدار تفكيرها حول الإصلاح السياسي بالمنطقة العربية منها على سبيل المثال لا الحصر : “بيان من أجل الديمقراطية”، “الاختيار الديمقراطي في سوريا”، “العرب وتحولات العالم”، “المحنة العربية.. الدولة ضد الأمة”، “اغتيال العقل”، وصولاً إلى كتابه الأخير “عطب الذات، وقائع ثورة لم تكتمل”، الذي صدر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

هنا حوار معه:

عن ثورتي السودان والجزائر

(*) بعد الألم الذي استشرى في جسد الديمقراطية والسياسة والإحباط المرضي الذي استبد بالكيان السياسي العربي بعيد فشل أو إجهاض أحلام الربيع العربي، خاصة في سورية وليبيا واليمن، بزغت على سطح الخريطة السياسية العربية اليوم ثورتان شعبيتان وسلميتان في السودان والجزائر، كانا لهما الأثر الكبير في فهم ما جرى سابقاً من أحداث. من موقعك كأستاذ علم الاجتماع السياسي، كيف تنظر إلى طبيعة الأحداث بين ما وقع في سورية قبل سنوات وبين ما يقع اليوم في الجزائر والسودان؟ وما مدى حدود التقاطع والتلاقي بين الحالتين؟

هي الثورات ذاتها التي تعبر عن انتفاضات شعبية عفوية وغير أيديولوجية، يحركها الشعور بالمسؤولية تجاه مصير المجتمع والدولة بعد اكتشاف درجة فساد الأنظمة الديكتاتورية والعسكرية وافتقارها إلى أي شعور بالمسؤولية الجماعية وروح الوطنية. ومطلب هذه الثورات المشترك العميق هو كسر نظام الوصاية السياسية الذي فرضته النخب الحاكمة باسم الوطنية أو الاشتراكية، لكن بالقوة المجردة والعنف الأعمى في أغلب الأحيان، واستعادة الشعب حقه في مساءلة السلطة ومحاسبتها وتعيين المسؤولين وإقالتهم. وهذا هو جوهر الحرية السياسية التي يعبر عنها مفهوم الديمقراطية.

أما المصائر الخاصة بكل انتفاضة فهي ترجع، كما ذكرتها في كتابي الأخير “عطب الذات، وقائع ثورة لم تكتمل” الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر هذا العام، إلى اختلاف العوامل الداخلية الخاصة بطبيعة نظام الحكم، والخارجية المتعلقة بالموقع الجيوسياسي للبلاد، والسياق التاريخي والزمني، ومدى إمكانية تذويب الصراع الداخلي ضمن الصراعات الإقليمية أو الدولية، كما حصل في سورية بشكل واضح.

عانت سورية من نظام يحكم بالقوة ومن خارج السياسة والمجتمع وفي سبيل تكبيله وحصاره

“المصائر الخاصة بكل انتفاضة ترجع إلى اختلاف العوامل الداخلية الخاصة بطبيعة نظام الحكم، والخارجية المتعلقة بالموقع الجيوسياسي للبلاد، والسياق التاريخي والزمني”

ومنعه من الحركة والتعامل معه كطرف أجنبي ومعاد بالجوهر والهوية ولا يمكن كسبه أبدا. وكان بالتالي مستعدا للذهاب بعيدا في مغامرة القضاء على الثورة حتى لو تطلب الأمر تدمير الدولة والاقتصاد والاجتماع، وهذا ما حصل بالفعل. في تونس ومصر، وربما بشكل أفضل في الجزائر والسودان، حيث توجد نظم أوليغارشية تعسفية وتسلطية، لكنها تعترف بوجود الشعب وتعرف أنها تغتصب حقوقه، برز نوع من التعددية داخل النظم في التعامل مع الثورات الشعبية، وتقدم قادة الجيوش بمناورة أو مبادرات سياسية تهدف إلى تجنب اللجوء إلى القوة والحفاظ على الدولة وفتح حوارات مع قوى الاحتجاج والتغيير أدت أحياناً إلى نوع من الانتقال التعددي كما في تونس ومصر قبل الانقلاب العسكري على الحكم المدني، وربما يكون الحال أفضل قليلاً في السودان والجزائر.

لكن كما دلت التجربة في سورية يمكن أيضا للعوامل الجيوستراتيجية الإقليمية أو الدولية أن تكون ذات تأثير حاسم أحيانا على مصير هذه الانتفاضات.

(*) بعد عرس الدم الذي جرى في سورية وباقي الدول العربية الأخرى، أي نوع من العلاقة الدبلوماسية قد ترتسم بين العرب وأوروبا مستقبلا؟

لا أعتقد أنه سيحصل تغيير كبير في طبيعة هذه العلاقة. في المشرق العربي ستكون هناك نزعة غربية أكبر لفرض نوع من الوصاية السياسية على الحكومات القادمة بعد جلاء غبار المعارك، وذلك بسبب وجود مصالح استراتيجية كبرى في تصور الغربيين في هذه المنطقة ترتبط بالطاقة والحرب ضد الإرهاب لكن بشكل خاص تلبية مطلب تأمين إسرائيل وتعزيز موقفها الاستراتيجي وهيمنتها الاقليمية كقاعدة للضبط والمراقبة. وفي المغرب العربي عموما، باستثناء خطر المنظمات الإرهابية، لا يوجد أمام الغرب أي مانع من التأقلم مع درجة أو أخرى من التحولات الديمقراطية التدريجية.

وضعية الحياة السياسية والثقافية في سورية

(*) في نفس الطرح، كيف تشخص وضعية الحياة السياسية والثقافية في سورية منذ الشرارة الأولى للربيع العربي إلى اليوم؟

كي يحول دون أي تغيير في نظام السلطة المطلقة والاستبدادية شنّ حكم الأسد حربا شاملة ضد الشعب السوري بأكمله، وما كان بإمكانه البقاء من دون تحطيم الشعب وتمزيقه وتدمير العمران والمدن والمرافق العامة والحياة الاقتصادية والاجتماعية وإحلال حكم الميليشيات التابعة والأجنبية محل حكم القانون وقبول وصاية الاحتلالات بدل التمسك بالسيادة الوطنية. لكن من أنقاض هذا الخراب الشامل، الذي اعتبره نظام الأسد العقوبة العادلة لشعب رفض الاستمرار في قبول نظام العبودية، تنبثق اليوم، حياة سياسية وثقافية جديدة، لتحل محل ثقافة الخنوع والإذعان والاستقالة الأخلاقية والاستسلام للأمر الواقع، هي ثقافة الحرية وروح المسؤولية والاهتمام بالشؤون العمومية والعمل على إعادة بناء المجتمع على أسس تعاقدية سياسية وأخلاقية. ومن الطبيعي أن تكون هذه الولادة خجولة ومترددة ومتبعثرة ومفتقرة إلى الاتساق والانسجام بعد نصف قرن من العدم السياسي والفكري والأخلاقي.

(*) يتحدث المفكر السوري طيب تيزيني في مقالته الأخيرة المنشورة بمجلة “الفيصل” السعودية “الحطام العربي، رهان خاسر” عن سياسة الدولة الأمنية، التي انتهجها النظام السياسي العربي بغية التشكيك في وجود قوى وطنية ومنظومات فكرية وسياسية غير مخترقة من أجهزة غربية. كيف يقرأ برهان غليون مفهوم الدولة الأمنية داخل المجتمع السوري؟

الدولة الأمنية هي الدولة الشمولية ذاتها التي تعامل المجتمع كما لو كانت في مسرح عرائس تحرك أفراده وجماعاته كما يحلو لها وكما يوافق إدامة سيطرتها المطلقة والأبدية. وفي سورية كما في جميع الأقطار التي عانت من هذا النظام كانت النتيجة تفتيت المجتمع وتقويض مؤسساته السياسية وتفريغها من مضمونها وتقزيم الفرد وتجريده من أي حقوق ورأي وتعبير وبالتالي قتله فكريا وسياسيا وأخلاقيا.

(*) ككاتب منشغل بالقضايا والمفاهيم الفكرية والتحولات، التي تشهدها منظومة القيم وثقافة الاعتراف بالآخر، كيف تنظر إلى المثقف العربي في علاقته بالقضية السورية، وهل استطاع بالفعل أن يتضامن مع القضية كما يدعي داخل المنابر الإعلامية العربية ويدافع عنها في طروحاته الفكرية من خلال تشريحه للوضع القائم هناك مع إمكانية إيجاد حلول لها، أم أن الأمر بات يتعلق بخطابات واهية، ينتجها مثقف حربائي متلون مع القضايا والامتيازات التي قد يحصل عليها، كما يحصل عندنا اليوم في المغرب؟

ليس خافياً على أحد انقسام المثقفين العرب العميق تجاه الثورة السورية وثورات الربيع العربي عموما، بسبب غياب الرأي الحر والمستقل، في ظروف انعدام الحريات الفكرية والسياسية وتدخل الحكومات الدائم والقوي في شروط حياة المثقفين وفرض التصورات والأطروحات الجاهزة عليهم، ففي نظم لا تعترف بحرية الفكر ولا الضمير، لا يمكن أن يقوم نقاش جدي وعقلاني ولا تصور الخلاف النظري والسياسي اختلافا في وجهات النظر، وإنما يسود منطق التشكيك والتكفير المتبادل، الديني والوطني معا. وللأسف تصدعت جماعة المثقفين العرب عندما تمثل قسم منها منطق السلطة القائمة التي بقضائها المنهجي على أي خيار تحرري ديمقراطي أو تعددي، سياسي وفكري، فرضت على الرأي العام خيارين لا ثالث لهما: القبول بالاستبداد الأبدي والوحشي، أو الالتحاق بالقوى الإسلامية المتطرفة وغير المتطرفة. وسقط قسم كبير من المثقفين العرب للأسف في هذا الفخ، وتبنوا موقفا عدائيا من الانتفاضات الشعبية، بينما عزل الكثيرون منهم أيضا، حتى من بين من أيدوها، أنفسهم عن الحراك العام خوفا من أن يقعوا في فخ الخيارات الإسلاموية.

وأريد أن أعتقد أن المثقفين السودانيين والجزائريين قد استفادوا من هذه التجربة العربية المريرة. وهم يبدون اليوم أكثر نضجاً في تعاملهم مع الديكتاتورية العسكرية ومقلوبها: الديكتاتورية الإسلاموية.

العلمانية وقضايا فكرية أخرى

(*) المفكر الماركسي العربي مهدي عامل شكل نموذجا متميزا للانفتاح على الفكر النقدي، الذي كان قد تحدث عنه ألتوسير، والذي يروم أساسا الثورة على بعض اليقينيات الماركسية، التي تعامل معها بعض المفكرين العرب وكأنها عقيدة. ما رأيك بهذا الانفتاح؟

ما من شك في أن ألتوسير فتح أفاقا جديدة للفكر الماركسي النقدي الذي حنطته شيوعية سوفييتية جامدة وطقوسية خالية من أي تطلعات نقدية أو تأملية. وقد استفاد الكثير من الماركسيين من المنهج الذي وضع فيه ألتوسير الماركسية التقليدية ذاتها أمام النقد والمراجعة، ومنهم العديد من الماركسيين العرب.

(*) الألتوسيرية غداة نهاية الستينيات كانت بمثابة ثقافة اليسار الجديد. فكيف تعايشتم معها؟

كانت الألتوسرية جزءاً من مراجعة متعددة التوجهات يقودها في جميع البلدان إفلاس الماركسية السوفييتية وترهلها، والتي بدأت تتطور بعد اكتشاف الطبيعة الاستبدادية للحكم السوفييتي، وقمع الانتفاضات الشعبية في تشيكوسلوفاكيا وغيرها من الدول التابعة، بعضها مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية وبشكل أكبر بعد التباعد الصيني- السوفييتي ونشوء الماوية وافتضاح الشمولية السوفييتية الذي عبر عنه كتاب “الغولاغ” لسولجنستين. وفي هذا السياق استعادت فلسفة الإيطالي أنطونيو غرامشي التي تركز على أهمية الثقافة والمثقف والمجتمع المدني في الصراع الطبقي وغيرها من المدارس الماركسية النقدية أهميتها بل تم اكتشافها بعد تغييب طويل. كما أنه ما كان من الممكن للمثقفين العرب، الماركسيين وغير الماركسيين، أن يبقوا بمعزل عن تطور الفكر الغربي الحديث الذي شهد طفرة حقيقية بعد حربين عالميتين مدمرتين.

(*) يعتبر مفهوم العلمانية من بين المفاهيم التي أسيل بشأنها الكثير من الحبر من لدن المفكرين والباحثين المهتمين بالشأن الديني العربي. بداية، هل لك بتعريف شخصي محدد للعلمانية؟

العلمانية هي ما عبر عنه فلاسفة النهضة العربية في نهاية القرن التاسع عشر بجملة بسيطة وسهلة ورائعة: الدين لله والوطن للجميع. وهذا يعني كل فرد حر بدينه وعقيدته أما على مستوى الوطن فالجميع يتساوى في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن أي تمييز في العرق أو المذهب أو الأصل أو الجنس.

(*) ماذا عن الديمقراطية، هل هي ممكنة بدون علمانية؟

يتوقف الأمر على ما المقصود بالعلمانية. إذا كان المقصود ما ذكرته فوق فالديمقراطية غير ممكنة من دونها، لكن إذا كان المقصود بالعلمانية فرض العداء للدين كدين للدولة، أو سعي السلطة العمومية وبالتالي الدولة إلى تغيير دين الأفراد أو تعديله حسب مشيئتها وقرارها، واستخدام العداء للدين، كما تفعل الأنظمة الاستبدادية لتبرير الاستبداد، بمثابة بعبع تخيف به الجمهور وتبرر من خلاله الحرب المعلنة ضده وقتل الحريات الفردية والدينية، أي إذا فهمت العلمانية كدين العداء للدين، فلن يكون للديمقراطية أي أمل في الوجود، وتصبح العلمانية عقيدة تخليد الحرب الأهلية التي نعيشها في أغلب مجتمعاتنا اليوم. باختصار، العلمانية شرط للديمقراطية بمقدار ما تعني قبول التعددية الفكرية والدينية وتنمية روح التسامح واحترام استقلال الضمير الفردي، وابتعاد الدولة عن الانخراط في مسألة تغيير العقائد والأفكار التي هي من مسؤولية الفلاسفة والمفكرين والأدباء ورجال الدين.

(*) هل توجد علمانية معتدلة و”مهادنة” وأخرى راديكالية؟ وأيهما يليق بالمجتمعات العربية والمجتمع السوري خاصة؟

توجد علمانية حقيقية تعنى بتحرير الدولة والسلطة من التحيزات الدينية والطائفية والأيديولوجية، وبالتالي تقصر دورها في الميدان الفكري والاعتقادي على ضمان الحريات الشخصية وتوسيعها، وعلمانية زائفة تخلط الحرية بالإكراه الديني وتستخدم العلمانية ذريعة لعزل الشعوب وإخضاع المجتمعات وشرعنة حكمها بالقوة والعنف، كما هي حالنا اليوم في الكثير من الأقطار.

(*) لماذا ظل الإسلاميون يتحدثون عن العلمانية وكأنها مرادفة للإلحاد؟

هذا هو الثمن الباهظ لخلط المستبدين، والفكر الاستبدادي والكثير من المثقفين مدعي الحداثة، العلمانية بالعداء للدين. ففي مقابل سعي الدولة وأنصارها ومثقفيها إلى تجريد الجمهور من الدين، وبالتالي من التضامن الاجتماعي الذي ينطوي عليه، للتمكن من السيطرة عليه والحيلولة دون قيام حركات منظمة معارضة، تسعى النخب الدينية، من رجال الدين ومثقفي ما يسمى اليوم الإسلام السياسي، أي الإسلام الساعي إلى السلطة، والموضوع في خدمتها، إلى تكفير العلمانية كفكرة وسياسة في سبيل تعبئة الشعب إلى جانبهم ضد منافسيهم وإظهار أنفسهم بأنهم المدافعون عن عقيدته الدينية وهويته وقيمه وأخلاقه ضد أعدائه.

حتى ننقذ العلمانية بالمعنى الصحيح للكلمة ونفصلها نهائيا في الوعي العام عن الإلحاد ينبغي أن نحسم معركة السلطة خارج الصيغ الاستبدادية والشمولية وأن نعطي للسياسة والصراع السياسي وسائلهما الطبيعية وكذلك للأديان والمذاهب والاعتقادات وسائل تطورها الذاتي. بمعنى آخر أن نقضي على وهم إمكانية استخدام الدين كرافعة أو أداة للتحرر من الاستبداد أو مواجهته، وعلى وهم استخدام العلمانية كمصدر شرعنة للاستبداد والقهر ورديف للحداثة والتقدم. يجب أن نفصل المعركة الفكرية الحداثية المتعلقة باستيعاب قيم التقدم وأفكاره العلمية والتاريخية عن المعركة السياسية المتعلقة ببناء الدولة وتنظيم السلطة بين أفراد مختلفين، ومن أجل احتواء تناقضاتهم وخلافاتهم وحلها لا لفرض رأي واحد وبالتالي تسعير الخلاف وتحويل الدولة إلى طرف في الصراع الفكري والسياسي على السلطة.

هكذا نسحب من التداول السياسي ورقة احتكار الدفاع عن الدين والهوية من قبل فئة اجتماعية ضد أخرى على سبيل البحث عن مصدر شرعية سلطة معارضة ونسحب من يد النخب المسيطرة ورقة احتكار الدفاع عن الحداثة والتقدم كمصدر شرعنة سلطة استبدادية. وهذا يعني أن علينا أن نعتبر معركة الديمقراطية معركة سياسية قائمة بذاتها، في استقلال نسبي عن معركة التحرر العقلي، ومعركة الحداثة وتحديث العقل معركة فكرية قائمة بذاتها ومستقلة أيضا إلى حد كبير عن المعركة السياسية الهادفة إلى إقامة نظام ديمقراطي يضم الجميع، بصرف النظر عن اعتقاداتهم، وأن نفصل بالتالي جدليا بين معركة المواطنة، أي ضمان الحريات والحقوق والواجبات المتساوية لكل الأفراد، ومعركة إصلاح الفكرة الدينية والعقيدة التي تعني قطاعات من السكان، وبالتالي التخلي عن الاعتقاد السائد بأن الحداثة الفكرية والسياسية تقتضي حتما ومسبقا التحرر من الدين أو العداء له.

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق