ثقافة وفكر

في تحولات الإسلام السياسي.. التأسيس المنهجي والمفهومي للظاهرة/ حسام أبو حامد

(1/3)

لعل أهم لحظات التأسيس لما يسمى “الإسلام السياسي”، تعود إلى زمن الانهيار النهائي للسلطنة العثمانية، والتي بسقوطها سقطت معها “الخلافة الإسلامية” كمؤسسة عالمية العام 1924. والعديد من حركات إسلامية حملت هدفا تمثل في إصلاح المجتمعات المسلمة لإحياء “الأمة”، واستعادة مجدها التليد، واعتقدت أن التنفيذ المنهجي للشريعة سيعيد القيادة العالمية، والسيادة الأخلاقية للمسلمين، الذين سيكون قيام دولتهم الإسلامية وسيلة لإعادة تنفيذ الشريعة في حياتهم، وإعادة تأسيس الإسلام بوصفه قوة عالمية. ففي مجتمع ما قبل حديث تفرض النزعة المحافظة نفسها، وتطالب الناس بالتركيز على استعادة ما ضاع تدريجيا، وبشكل مؤلم، بدلا من البحث عن “القيامة” بتوسل شيء جديد.

تنتشر العديد من حركات إحياء الدين في العالم الإسلامي العربي، وكذلك في المجتمعات الإسلامية في الغرب، لكن ليس كل حركة إحيائية تدخل تحت مسمى الإسلام السياسي حين ترتكز على الجانب الديني والاجتماعي، بشكل كبير وحصري، أما ما يدخل منها في مفهوم الإسلام السياسي، فهو تلك الجماعات التي تعتقد أن الإسلام نظام سياسي شامل(1) يدمج الدين بالحكم، وأن كل المسلمين يجب عليهم اتباعه وجوبا عقائديا.

لعوامل ذاتية، وأخرى موضوعية، تعرّض المشروع الإسلاموي، الذي رفع فكرة “الإسلامية”، بحوامله الاجتماعية – السياسية، لعديد من النكسات، مذ كان يمثل أحد أشكال المعارضة الاحتجاجية، مرورا بتمكن بعض حركاته من لعب دور مهم عبر المشاركة في الحياة السياسية، في العديد من الدول العربية والإسلامية. ويبدو أن حركات الإسلام السياسي اليوم تعاني أزمة وجودية في مرحلة الانتفاضات العربية، وتتحمل بدورها نصيبها من المسؤولية عن إخفاقات الربيع العربي؛ لا سيما إذا أخذنا في عين الاعتبار الدعم الإقليمي الكبير الذي توافر لحركات الإسلام السياسي، لكن، وفي غير مكان، عملت بعض حركات الإسلام السياسي على الاستئثار بالدعم، لصالح أهداف حزبية وأيديولوجية ضيقة، جعلت من تلك الانتفاضات مطية وحولتها من مواجهة مع السلطة إلى صراع على السلطة. والأخطاء القاتلة لبعض تلك الحركات لم تقض على الدولة العميقة، وأدت إلى تمكين الثورات المضادة، مما أفقد تلك الحركات رصيدها، الذي راكمته طيلة عقود، لصالح حركات السلفية الجهادية.

ربما تطرح أي دراسة حول مستقبل الإسلام السياسي، ما بعد الانتفاضات العربية، جملة من التساؤلات: هل وفرت الانتفاضات العربية لحركات الإسلام السياسي فرصا مناسبة لنجاح تلك الحركات، أم ضاعفت من تعثّرها وعجلت في إخفاقها؟ هل تؤدي التحولات التي تشهدها هذه الحركات، أيديولوجيا وهيكليا (تطوير تلك الحركات لفكرها وخطابها وبرامجها، وأدواتها السياسية، وقدراتها التنظيمية، وتجديد قيادتها، والتمسك بالاعتدال للانخراط في نظام سياسي تعددي.. وغيرها) إلى استمرارية من نوع ما لتلك الحركات في المشهد السياسي؟ ترتبط هذه التساؤلات، وغيرها، بإشكالية أراها مركزية مفادها: هل كان الإسلام السياسي خطأ تاريخيا يجب تصحيحه، أم أنه امتلك، ولا يزال، مشروعيته التاريخية؟

الإسلام السياسي وتحولات النظام الإقليمي

أنهت مجموعة عمل الإسلام السياسي، في منتدى الشرق، البحث في التحولات الجارية في حركات الإسلام السياسي، وتحليلها، في أعقاب الانتفاضات العربية. وقد عمل فريق من ثلاثة عشر زميلا باحثا، ومساعد باحث، منذ فبراير/ شباط إلى ديسمبر/ كانون الأول من العام 2018، في سبعة بلدان شهدت الانتفاضات العربية بأشكال مختلفة؛ التعبئـة الجماهريـة الضخمـة التـي أدت إلـى تغييـر القيــادة (تونس ومصر)، أو مظاهرات محدودة بأجندات إصلاحية (المغرب والأردن والكويت)، أو حرب أهلية دموية (سورية واليمن). ويأتي كتاب «تحولات الإسلام السياسي في نظام إقليمي متغير»(2) بوصفه الإصدار النهائي لمجموعة عمل الإسلام السياسي في المنتدى، وهدفه معرفة كيفية تصرفات حركات الإسلام السياسي، وردود أفعالها، استجابة للتحديات والفرص التي وفرتها الانتفاضات العربية في السياقات المختلفة.

للوصول إلى هذا الهدف حددت الوثيقة المفاهيمية لمجموعة العمل أربعة مواضيع رئيسية ينبغي دراستها، تمثّل الأول في بحث التحولات الهيكلية والتنظيمية المقصودة منها وغير المقصودة، والتي حدثت بفعل النزاعات الداخلية والقمع، بما في ذلك الانشقاق والتشظي. وتمثّل الثاني في دراسة أثر الانتفاضات في الاستراتيجيات والوجهات الفكرية لحركات الإسلام السياسي، فيما يتعلق بمواضيع المشاركة في العملية السياسية الرسمية، والالتزام بمنهجية التغيير السلمي. أما الثالث فكان دراسة السياسات التي تبنّتها حركات الإسلام السياسي التي وصلت إلى السلطة في مجالات مختلفة اقتصادية، وتنموية، وحقوقية، وسياسة خارجية. وتمثّل الموضوع الرابع في دراسة المراجعات الفكرية التي حدثت داخل حركات الإسلام السياسي، منذ الانتفاضات العربية؛ ما هي دوافع المراجعات؟ من هم أطرافها؟ وما هي مخرجاتها؟

لم تكتف مجموعة العمل بالبحث النظري، بل عملت على إجراء العديد من جولات البحث الميداني، والمقابلات الشخصية مع قيادات الحركات الإسلاموية، والخبراء المعنيين بدراستها في غير مكان.

في إشكالية المفهوم ودلالاته

يذهب محمد عفان (المحرر ورئيس مشارك)، في تقديمه للكتاب، إلى أن تعريف حركات الإسلام السياسي محل تنازع، بسبب التنوع الكبير في أيديولوجيات تلك الحركات، والتي يمكن أن تنضوي تحت هذا المسمى، وهيكليتها. لكن الضرورة المنهجية فرضت محاولة الوصول إلى تعريف ما لتلك الحركات، يكون محل اتفاق، يمكن على أساسه تحديد التنظيمات التي سيشملها المشروع بالبحث في دراسة كل حالة.

أيديولوجيا، تؤمن بعض الحركات التي تصنّف بالمعتدلة بالتغيير المتدرج غير العنيف، معترفة بالنظم الشرعية القائمة، بينما تقابلها حركات راديكالية تسعى للإطاحة بوساطة العنف بالنظام القائم، وتتبنى استراتيجية الأسلمة القسرية، ومن المعروف أنه يمكن لحركة الإسلام السياسي أن تغير موضوعها على طول تدرج ” الاعتدال- الراديكالية” وفقا لتغير السياقات.

هيكليا، تتعدد أشكال حركات الإسلام السياسي؛ أحزاب سياسية، هيئات دينية، مؤسسات خيرية، جماعات ضغط، مجموعات مسلحة، أو أشكال أخرى هجينة.

ويبيّن عفان أن من بين ما عنيت به المناقشات الكيفية التي يمكن من خلالها التمييز بين حركات الإسلام السياسي وحركات السلفية الجهادية. الإجابات المطروحة رأت في أن الأولى تقبل العمل من خلال إطار الدولة الحديثة، وتسعى إلى إصلاح/ أسلمة النظام السياسي، بينما تهدف حركات السلفية الجهادية إلى تحويل نظام الدولة ذاته، بل والنظام الدولي. وبينما تتبنى تلك الحركات العنف لإحداث التغيير، تعد حركات الإسلام السياسي عموما غير عنيفة ومتدرجة. وبينما تتأسس حركات الإسلام السياسي كحركات اجتماعية، تتأسس الحركات السلفية كميليشيا أو تنظيم مسلح بالأساس، وتكون عضويتها مغلقة وانتقائية وليست عامة.

لكن ألم تتأسس حركة الإخوان المسلمين، بوصفها النموذج الكلاسيكي لحركات الإسلام السياسي، بداية، من أجل استعادة الخلافة الإسلامية عبر تحدي الدولة القومية/ القطرية، ومع محاولة لتغيير نمط الدولة في الإقليم؟ اتفقت مجموعة العمل على أن يُعنى البحث بالأساس بالأيديولوجيا الراهنة، والأجندة الحالية للحركة، التي تعكس اعترافها بنظام الدولة الحديثة. ورغم أن حركة الإخوان المسلمين قد تورطت في ممارسة العنف عدة مرات لتحقيق أهداف سياسية، توافقت مجموعة العمل على أن ممارسات حركات الإسلام السياسي للعنف لم تكن ممارسة روتينية، بل تمت من آن لآخر بشكل محدود.

ومن المفيد برأيي أن نلاحظ أن أول مشاركة للإخوان المسلمين سياسيا في مصر كانت في فبراير/ شباط عام 1942م، حيث ترشح المرشد العام حسن البنا في دائرة الإسماعيلية لمجلس النواب المصري، وضغط الاحتلال الإنكليزي على حكومة النحاس باشا الوفدية، فقام النحاس باشا بمفاوضة الإمام البنا حتى يتنازل عن ترشّحه وإلا حُلّت الجماعة، فوافق الإمام البنا على الانسحاب بشروط قبلتها الحكومة، تعلقت بتمكين الشريعة الإسلامية مجتمعيا، وضمانات بقيام جمعية الإخوان وفروعها، وعدم التضييق على أعضائها للحدّ من نشاطهم، والسماح بوجود جريدة يومية للحركة.

تمحور النقاش من زاوية أخرى حول ما إذا كان يمكن تصنيف الحركات السلفية ضمن ظاهرة الإسلام السياسي؟ وخلصت المجموعة إلى أنه على خلاف الحركات السلفية، التي تظل حصرا تنظيمات دينية، فإن التي تنشئ منها أحزابا تنخرط في العمل السياسي (حزب النور السلفي مثلا) بشكل ممنهج، يمكن وصفها بحركات إسلام سياسي.

مثالب المقاربات الأكاديمية

أما فيما يتعلق بالمقاربات الاكاديمية لدراسة حركات الإسلام السياسي فيسجّل عفان بعض الملاحظات التي توافقت عليها مجموعة العمل؛ على رأسها أن تجاهل التعددية داخل حركات الإسلام السياسي، لصالح إبراز المجموعات المتطرفة حصرا، وتصويرها على أنها جوهر هذه الظاهرة، هو مضلل بشكل أو بآخر. وبالرغم من الفائدة الأكاديمية لمقاربات تقليدية تعتمد تحليل الخطاب لفهم كيفية تناول تلك الحركات لبعض القضايا كالدولة، والديمقراطية وحقوق الأقليات… إلا أنها لا تُمكّن الباحث من الوصول إلى أبعد من مواقف نظرية أوّلية، إذ أن فهم السلوك السياسي لهذه الجماعات غير ممكن من خلال القناعات الأيديولوجية فقط.

ومن بين النظريات المستخدمة لتفسير سلوك الفاعلين السياسيين نظرية الاحتواء- الاعتدال، التي تقوم على فرضية أساسية مفادها أنه يتوقع من المجموعات السياسية أن تصبح أكثر اعتدالا في أيديولوجيتها وسلوكها، إذا ما تم احتواؤها في المجال السياسي الرسمي، لتعمل بشكل قانوني داخل نظام تعددي، إذ تضطر إلى أن تكون أكثر جاذبية لأكبر شريحة من الناخبين. إلا أن النظرية ضيّقت مجالها حين اقتصرت على التفاعل الثنائي بين النظام السياسي وحركات الإسلام السياسي، وفق صيغ الاحتواء/ الإقصاء بإهمالها العوامل الأخرى.

لكن كيف نحدد ما إذا كانت حركة إسلام سياسي هي حركة معتدلة أم متطرفة؟ توصلت مجموعة العمل إلى مؤشرات للاعتدال توصف بها حركات الإسلام السياسي، وتمثلت محدداتها في: امتناع إحدى حركات الإسلام السياسي عن ممارسة العنف في نضالها السياسي، وقبولها جديا بالعمل المشترك مع القوى السياسية ذات الأيديولوجيات الأخرى، وتخلّيها عن مطالبها بالتغيير الجذري، وقبولها بالإصلاح السياسي.

مما يعيق التوصل الى نتائج موضوعية عند البحث في حركات الإسلام السياسي هو الانحياز الأيديولوجي لبعض المقاربات التي تركز على جوانب مثل الراديكالية، والتطرف، والإرهاب، لتستبطن بشكل مباشر أو غير مباشر الاعتقاد أن هذه الظاهرة تمثل تهديدا أمنيا، لينحصر الجهد البحثي في كيفية مكافحة هذه الظاهرة، وتحييد مخاطرها كحد أدنى، أو التخلص منها بشكل جذري كحد أقصى.

العديد من مثالب تلك المقاربات في دراسة الإسلام السياسي نجدها متوافرة لدى العديد من الباحثين في ظاهرة الإسلام السياسي، وقد يحضر إلى ذاكرتنا هنا كتاب «في نقد الخطاب العربي الراهن» للراحل سمير أمين، الذي أطلق فيه حكما معمما على الإسلام السياسي مهملا التنوعات ضمن حركاته، ووجد فيه حركة سياسية توظف الدين في مجال طموحاتها السلطوية، وأن هدفها واحد رغم اختلاف طرقها في تكريس خطابها، فالتطرف والاعتدال وجهان لعملة واحدة عند هذه الحركات.

ويشدد أمين على أن دحر أوهام الإسلام السياسي هو الشرط لإنعاش العقيدة نفسها، إلى جانب إنجاز التقدم في جميع مجالات الحياة الاجتماعية، ورغم أنه لا يقلل من أهمية النضال في الساحة الأيديولوجية إلا أن محور النضال الأساسي برأيه هو الصراع الطبقي، على أرضية التحديات الملموسة التي تواجهها الطبقات الشعبية، التي تعاني من الاستغلال والاضطهاد. كما يرى في الإسلام السياسي إلى جانب الهندوسية السياسية، والبوذية السياسية، والمسيحية الأصولية الأميركية، وغيرها…  نموذجا لإجابات لا تعتمد على تحديد علمي لطابع التحدي، وبالتالي تروي أوهاما خطيرة حول قدرتها على تغيير العالم. أما نجاح بعض هذه الحركات في تعبئة مناضلين من أصول شعبية وفقيرة، فهو بالنسبة له، مجرد دليل على نوعية طابعها السياسي. وبدل الكشف عن عوامل عميقة لهذا النجاح لا يرى فيه سوى كونه وجها واحدا للعملة، بينما يمثل وجهها الآخر فشل اليسار، لا سيما الاشتراكي، في مواجهة المد اليميني، الذي تلا انهيار الأنماط التي سادت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتشمل السوفييتية، والشعبويات الوطنية لعصر باندونج.

الإسلام السياسي والتحول الديمقراطي

عقب الانتفاضات العربية ركزت إحدى المقاربات في دراسة هذه الظاهرة على عامل الفاعل السياسي، بافتراض أن مآلات عملية التحول الديمقراطي تتوقف على خيارات الفواعل السياسيين (وهي هنا حركات الإسلام السياسي، بوصفها فاعلا اجتماعيا وسياسيا أساسيا، في كافة الانتفاضات تقريبا)، لذا انصبّت الأبحاث على دراسة استراتيجيات هذه الحركات، وقراراتها، وما إذا كان سلوكها السياسي قد سهّل، أو أعاق عملية الانتقال الديمقراطي. وخلصت مجموعة العمل إلى أن القول بدور إيجابي تلعبه حركات الإسلام السياسي في عملية التحول الديمقراطي يعكس موقفا إيجابيا من وجهة النظر الليبرالية، وهو الموقف الذي يتناقض مع من يتعاطون مع هذه الظاهرة بوصفها تهديدا أمنيا.

لا تكمن أهمية الكتاب كإصدار نهائي لجهود مجموعة عمل الإسلام السياسي بمنتدى الشرق في الخلاصات والاستنتاجات التي خرجت بها المجموعة، فليس من الجيد دائما الخروج بخلاصات نهائية (متسرعة) حول الموضوع، طالما أن حركات الإسلام السياسي لا زالت في حالة صيرورة، ومن المستبعد أن تكفّ عن التواجد واقعيا اجتماعيا وسياسيا، لكن وجودها لن يكون تقليديا، وربما توافرت مخرجات هجينة غير متوقعة، هذا (وغيره) هو ما يجعل دراسة حركات الإسلام السياسي مهمة ضرورية وعسيرة في الوقت ذاته، إلا أن التأسيس المنهجي لتلك الدراسة تكتسب أهميتها في تصحيح بوصلة الدراسات حول الإسلام السياسي نحو مزيد من الحياد، والموضوعية، لاستنطاق الظاهرة نفسها في لجّة تحولاتها؛ شكلا ومضمونا؛ كما وكيفا.

هوامش:

(1) يذهب معظم الإسلامويين إلى رفض تقسيم الإسلام إلى إسلام سياسي وآخر غير سياسي بحجة أن هذه القسمة تجرٌد الإسلام من بعده التشريعي وتطيح شموليته، فالإسلام، برأيهم، دين شامل لكل جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فليس هناك إسلام سياسي، أو إسلام اجتماعي، أو إسلام اقتصادي، بل هو إسلام واحد شامل لكل جوانب الحياة.

(2) مجموعة من الباحثين، تحرير محمد عفان (اسطنبول: منتدى الشرق، يناير 2019).

(2/3)

لا يزال النظام السياسي الإسلامي المنظّر له، أيديولوجيا، يتعارض مع الديمقراطية في نموذج الدولة الوطنية الحديثة التي يسود فيها الشعب لا الشريعة. وإذ تقف الديمقراطية على مسافةٍ واحدةٍ من جميع الأديان، يقدّم مسلمون إسلامهم على أنه دينٌ ودنيا، شريعة وحياة، والثانية وسيلة للأول. أما مفهوم “الأمة”، كما استقر في الشرع الإسلامي، فيقوم على الرابطة الدينية، ولا يدخل فيه غير المسلم، ولو حمل جنسية البلد نفسه، والنظرية الديمقراطية تهدم أصلاً في الإمامة العظمى بالمفهوم الشرعي، وهو اشتراط إسلام الإمام. كذلك لا يتقبّل هذا الإسلام الحزبية، سيما الأحزاب التي تتعارض أيديولوجياتها مع الشريعة، بوصفها مرجعيةً عليا وحيدة لـ”الدولة الإسلامية”.

لذا يرفض كثير من الإسلامويين الديمقراطية جملة وتفصيلا، ولا تتعدى الشورى أن تكون بالنسبة لهم معلمة وليست ملزمة، فالحكم للوحي وليس من وضع الشعب. واجتهد آخرون، انطلاقا من مبدأ الشورى، ليوفّقوا بين الإسلام والديمقراطية، بوصفها وسيلة لتداول السلطة، ولكفالة حق التعبير عن الرأي، ولمنع استبداد الحاكمين، وحسن اختيارهم ليؤدوا مهامهم في الحكم، مع تمييزهم بين السلطة والحكم؛ فالسلطة في الإسلام هي للشعب الذي يُولّي الحاكم، أما الحكم فهو لله، وعلى من يختاره الشعب الحكم بشريعة الله. وعلى الرغم من أن الوظيفة الدعوية هي السمة الأبرز للحركات الإسلامية، انخرطت حركاتٌ منها، تحت ضغط المطلبية السياسية، في المنافسة الحزبية، إدراكا منها، بعد عقودٍ من الصدام مع أجهزة الدولة، ودورات العنف والعنف المضاد، أن بقاءها في المجال العمومي بات مرتبطا بقدرة تلك الحركات على الفصل بين الدعوي والسياسي.

“النهضة” التونسية في مسار تاريخي أبوابا لتطورات الحركة اللاحقة، فمنذ القرن التاسع عشر، تبلورت حركة التحديث، في إطارها الإسلامي، بتحالف شيوخ الزيتونة فكرياً مع خير الدين التونسي، والذي أثمر عن كتابه “أقوام المسالك في معرفة أحوال الممالك”، وكان دستور 1864 أبرز شاهد على إنجازاتها. واستبق الحبيب بورقيبة إعلان الاستقلال، ليعلن نيته في بناء دولة حداثية على الطراز الغربي في تونس، وما أن تولى الحكم، حتى بدأت العلمانية تُدّعم إجرائياً بدءاً من العام 1957 (قانون أحوال شخصية مدني، إلغاء الأوقاف العامة والتأريخ الهجري، ومنع التعليم الديني، والهجوم على الطقسية الإسلامية). وأدركت “الجماعة الإسلامية”، منذ نقاشاتها التأسيسية في 1972، صعوبة الدخول في مواجهة مع المجتمع التونسي الموغل في أفكار الحداثة، بغض النظر عن مستوى ما تحقق منها.

مبكراً، انطلقت المراجعات الفكرية لما يعرف اليوم بحزب “النهضة”. تنازعت “الجماعة الإسلامية” ثلاثة تيارات أساسية؛ الديني التقليدي ذو الصبغة الفقهية المالكية والعقيدة الأشعرية المتمسكة بتربية صوفية، والتيار الإخواني السلفي الوافد من المشرق والمتأثر بأفكار سيد قطب، والتيار العقلاني، الذي تبلور حديثاً، ليتبنى عقيدة الاعتزال التي ألحت على حرية الإرادة الإنسانية، ومسؤولية الإنسان عن أفعاله، وتمسكّت بالابتعاد عن الفهم الحرفي للنص، لصالح التأويل العقلي، بما يتوافق مع مقاصد الشريعة، ليبدو التيار العقلاني والتيار السلفي الإخواني على طرفي نقيض، فبينما أكد التيار السلفي الإخواني شمولية الإسلام ومبدأ الحاكمية، وتمسك بمنهج فكري، يقدم الجانب العقائدي الأخلاقي على الجانب السياسي، رأى التيار العقلاني في التيار السلفي الإخواني عائقاً في طريق نهضة الإسلام، ودعا إلى إحلال الفهم المقاصدي بدل الفهم الحرفي للنصوص، وإلى الاستفادة من الغرب وثقافته وتنظيماته وعلومه الإنسانية، ورفض المقياس العقيدي الإخواني الذي ينتهي بتقسيم الناس إلى إخوة وأعداء وكفرة ومسلمين، لما فيه من تهميش للصراع، وأن التقسيم ينبغي أن يكون على أسس سياسية واجتماعية.

بدأ النقاش يتسع داخل الجماعة، أفقياً وعامودياً، وعلى الرغم من انشقاقات في صفوف الحركة، إلا إن هذه النقاشات مثلت مراجعات حقيقية ومستمرة، احتدمت لتخرج بوسطيةٍ، ضُبطت منهجياً وفكرياً، ساعدت الحركة على حسم موقفها في قضايا كثيرة في مقدمتها الحداثة والديمقراطية والعنف. ومع تراجع التدين السلفي الإخواني مقابل ضغط الواقع والتدين العقلاني والمراجعات الفكرية، قبلت الحركة في العام 1980 الحوار مع أحزاب شيوعية وعلمانية، من أجل تدعيم الحريات في تونس. بعد شهرين من إقرار النظام التونسي للتعددية السياسية، وفي يونيو/حزيران 1981، سارعت “الجماعة” إلى تشكيل حركة سياسية عرفت بـ”الاتجاه الإسلامي”، تبنى بيانه التأسيسي الديمقراطية فكراً وتطبيقاً، ورفض العنف أداة للتغيير، والتأكيد على رفض الانفراد بالسلطة الأحادية والإقرار بحق كل القوى الشعبية في ممارسة حرية التعبير والتجمع. وفي فبراير 1989 غيرت الحركة اسمها إلى “حركة النهضة” للتقيد بقانون الأحزاب الذي يمنع إقامة أحزاب على أساس ديني، إلا إن السلطات المختصة رفضت طلب الحركة بالترخيص لها.

تونس: ما وراء الأيديولوجيا

يبحث عز الدين عبد المولى في الفصل الأول من كتاب “تحولات الإسلام السياسي في نظام إقليمي متغير” (مجموعة من الباحثين، تحرير محمد عفان، إسطنبول: منتدى الشرق، كانون الثاني/ يناير 2019) تحولات الإسلام السياسي في تونس ما بعد الربيع العربي متخذا من “النهضة” التونسية نموذجا، وهي الحركة التي بالرغم من حفاظها على صفة الإسلاموية إلا إن محتواها الفكري قد تغير كثيرا، أما هيكليا، ففصلت بين الدعوي والسياسي، متحولة الى حزب وطني ديمقراطي نمطي بدعوى الحاجة إلى التخصص. ويذهب إلى أن هذه التحولات ليست وليدة اليوم، بل حدثت بشكل متدرج داخل الحركة، ربما منذ تأسيسها، غير أن وتيرتها قد تسارعت بعد الانتفاضات العربية.

ومع ذلك، وقبل الوصول إلى الهيكلية الشاملة التي حدثت تحت مسمى الاختصاص، والتي كرستها “الوثيقة الاستراتيجية” التي أقرها المؤتمر العاشر للحركة العام 2016، كانت فكرة التخصص وفصل أنواع مختلفة من الأنشطة على أساس وظيفي موجودة في الحركة، فظهرت دعوات في العام 1988 من داخل الحركة إلى تشكيل حزب سياسي علماني يهدف إلى إقامة دولة العقل والقانون بعيدا عن دولة الوحي، وفي العام 2000 ناقش راشد الغنوشي تشوش الحركة الإسلامية بين الدولة والمجتمع، ومال إلى تفضيل فكرة الفصل الوظيفي بين مختلف الجبهات والأنشطة التي ينطوي عليها مشروع إصلاح الحركة. لكن قبل الثورة بأشهر قليلة أكدت “النهضة” على كامل مشروعها الإصلاحي بأبعاده الثقافية والاجتماعية والسياسية، لتعود إلى طرح فكرة التخصص للنقاش في المؤتمر التاسع العام 2012، إلا أن النقاش أحيل إلى المؤتمر العاشر العام 2016، الذي أقرّ الاختصاص خيارا استراتيجيا.

وبرأيه، فإن تحولات حركة “النهضة” جاءت نتيجة لعوامل ذاتية، تمثلت في سعي الحركة إلى بناء منظمة حديثة، وموضوعية، استجابة للواقع السياسي التونسي بعد الثورة حين تطلب الاعتراف القانوني بحركة “النهضة”، بوصفها حزبا سياسيا عام 2011، عددا من الشروط بما في ذلك الطابع المدني للحركة الذي لا يسمح بالجمع بين الأنشطة الدينية والسياسية ضمن نفس الهيكلية.

ويؤكد عبد المولى أنه يجب النظر إلى تلك التحولات في ضوء الديناميكيات الجديدة وأنها ليست مجرد تنميط معد مسبقا لتحقيق أهداف قصيرة المدى لغرض انتخابي. ورغم أن هذه العملية التحويلية غير مكتملة ومفتوحة على احتمالات عدّة إلا إنها وصلت إلى نقطة الـ”لاعودة”، فالتحول يحدث في جميع مجالات الإسلام السياسي في تونس دون استثناء، ويشمل الأيديولوجيا، والهيكلية، والثقافة، والمواقف السياسية، والاستراتيجيات، وإعادة التموضع الاجتماعي والسياسي. وإعادة موضعة مكانة الإسلام، وإعادة تفسير الشريعة، والتخلي عن الدولة الإسلامية، تشير إلى أن “النهضة” تتحرك بعيدا عن مجال الإسلام السياسي؛ من حركة اجتماعية غير قانونية تعمل سرا في هوامش السياسة والثقافة والاقتصاد، إلى حزب سياسي معترف به رسميا يقود الحكومة، أو يتقاسم السلطة.

إن تحول الحركة إلى كيان سياسي مفتوح، برأي عبد المولى، يمكن الوصول إليه من قبل مختلف قطاعات المجتمع لتضم أعضاء غير إسلاميين، هو من أهم التحولات التي تشهدها “النهضة”، إذ من شأنه إعادة تشكيل ديمغرافية الحركة الداخلية وتوسيع قاعدة عضويتها. لكن حتى الآن لم تجلب سياسة الباب المفتوح أعضاء جدداً وحركات اجتماعية جديدة تغيّر ديمغرافيتها، وتعيد تشكيل هويتها، بل ساهمت في رعاية ثقافة جديدة أساسها الأخلاق والمبادئ والقيم الإسلامية.

اليوم يبرهن واقع حركة “النهضة” التونسية على إمكانية تحول الحزب الإسلامي إلى حزب سياسي يحترم المرجعية العلمانية للدولة، ويفصل بين الدعوي والسياسي، ويترك الأول لأجسام أخرى في المجتمع، متخليا عن أي خطابٍ لـ”مظلومية” لصالح خطاب ديمقراطي مدني. وبدت “النهضة” أكثر تمسّكا بالعقلانية السياسية مقارنة بغيرها من حركات إسلامية، رفضت التفريط بمكاسبها ورصيدها الشعبي، لكن ألم يكن ذلك أيضاً رهناً بسلوك غيرها من الأحزاب التونسية التي تحلّت بالعقلانية السياسية نفسها، فشاركتها الحرص على السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي، متمسّكة بالنظام الديمقراطي الذي توّج به التونسيون ثورتهم؟ ألا يشترط توافر إسلامويين ديمقراطيين توافر نظام ديمقراطي؟.

مصر: فاعلون قدماء وديناميكيات جديدة

نعتقد أنه من المهم التنبه إلى أنه بينما استطاعت حركة “النهضة” حسم موقفها من الديمقراطية، في أقل من ثماني سنوات على انطلاقتها، فإنه ومنذ أن أصّل البنا موقفه السلبي من التعددية السياسية (1)، احتاج “الإخوان” في مصر إلى نحو نصف قرن للقبول بها. عمل الإلحاح على التكامل بين الدعوي والسياسي في حالة “الإخوان المسلمين” على استعداء كل ما هو غير إخواني، فساد لديهم توجّهٌ يرفض الفصل بينهما، بحجة أنه لا يوجد، من ناحية الفكرة والرسالة، ما يسمى دعوي وسياسي، كأمرين متفارقين، فالسياسة دعوة، والمجال الدعوي يشمل كل الجوانب السياسية وغيرها. ووصلت الحركة إلى سدة الحكم بانتخاب الراحل محمد مرسي رئيسا، لكن استمرار الخطاب المتشدّد للحركة، وإقصاء كل من لا ينتمي إلى جماعة “الإخوان” في مؤسسات الدولة، ووسائل الإعلام، والنقابات، والمضي في عدم التمييز بين ما هو حزبي وما هو دولتي، وإغفال أن دولةً لجميع مواطنيها لا تُدار بالمطلق بأدوات الحزب ومنهجه وعقليته، أدت، إلى جانب عوامل أخرى (فمشكلات إدارة الدولة وسط أجهزة تعادي الإسلاميين، والعمل في بيئة دولية وإقليمية تخاصمهم، ووجود مطالب شعبية لا تهدأ تنادي بتحسين الأوضاع المعيشية…)، إلى فشلٍ إخوانيٍّ سياسي ذريع، وعجز عن استئصال الدولة العميقة مما مهد لنجاح انقلاب العسكر.

في الفصل الثاني من الكتاب تهدف لوتشيا أردوفيني إلى تحليل التحول المستمر لحركات الإسلام السياسي في مصر، وتتبعه في أعقاب الانتفاضات العربية، لتحديد ما إذا كانت قد دخلت في حالة من الجمود أم أنها تمر بعملية إصلاح ذاتي سيؤثر في هياكل تلك الحركات وأيديولوجياتها. وتذهب إلى أن الانقلاب العسكري في مصر على الإخوان المسلمين العام 2013، والصعود ثم السقوط السريع لتنظيم الدولة الإسلامية، كانا حدثين شكلا تحديا للنماذج الإسلامية السائدة للتغيير السياسي، فالجماعات الإسلاموية التي عملت في إطار السياسة المؤسسية (حركة الإخوان المسلمين) أزيحت من السلطة، وقمعت وفتتت من الداخل، بينما الجماعات التي ركزت على “بناء الدولة” من خلال الحكم القائم على الميليشيات بدلا من السياسة التشاركية أصبحت في نظر صانعي السياسة، والمراقبين الدوليين، تجسّد الإسلام السياسي.

بعد انقلاب العام 2013 تمت إعادة هيكلة الإسلاموية في مصر، وتنوعت مهام المجموعات الإسلامية بعد تقييد، وأصبحت أكثر تنظيما، وتأثرت بالفاعلين العابرين للحدود الوطنية، نتج عن ذلك صعوبات أمام تحليل العلاقة دائمة التطور بين الإسلامويين والدولة، وفرض على البحث العلمي في الإسلام السياسي مواكبة تطور تلك الحركات ما بعد العام 2011 التي انتقل عديد منها من المعارضة إلى السلطة، ثم إلى القمع والبحث عن هوية جديدة في فترة زمنية قصيرة جدا.

المدافعون عن ما بعد الإسلام السياسي(2) يرون في إزالة “الإخوان” من السلطة تعبيرا عن أزمة وجودية أوسع تشمل نهاية الإسلام السياسي ككل، فسقوط “الإخوان” كان مصحوبا بسقوط الإسلاموية، لكن أردوفيني ترى أن عزل جماعة الإخوان المسلمين أدى إلى إعادة طرح الأسئلة القديمة حول التوافق بين الإسلام والمؤسسات الديمقراطية، متحديا، في نفس الوقت، الفهم التقليدي للنماذج الإسلامية السائدة للتغيير السياسي، وأن هذه الادعاءات قد فشلت في إدراك تنوع الإسلام السياسي، وخبرات الجماعات الإسلاموية الأخرى بعد الانتفاضات العربية، فحركة “النهضة” في تونس شهدت أيضا تسييسا سريعا وصعودا إلى السلطة، ولم يكن الأمر مقصورا على جماعة الإخوان المسلمين. لذا توجه البحث في الحالة المصرية إلى النظر في الطرق التي تغيرت بها المنافسة التاريخية حول تمثيل المرجعية الإسلامية في البلاد في أعقاب انقلاب 2013، وكيف تتشكل التداخلات بين الأطراف الفاعلة القديمة من خلال ديناميكيات جديدة.

ما بعد “الإخوان”

تذهب أردوفيني إلى أن حركة الإخوان المسلمين اليوم بحاجة إلى تحديد الدور الذي ترغب في لعبه في المستقبل، فالاختيار بين إعادة هيكلة نفسها كحركة اجتماعية بحتة، أو البقاء في مكانها خامدة إلى أن تتغير الظروف بشكل جذري، يعكس مسارين مختلفين تماما. وترى أنه بعد انسحاب “الإخوان” من المشهد السياسي المصري، برز لاعبون جدد يصوغون السرديات والتصورات المرتبطة بالإسلام السياسي في البلاد، مثل حزب النور السلفي، ومثل الأزهر ذي الاستقلال المتزايد، وهذا يعني استمرار الأطراف الإسلامية وسردياتها فاعلة، وعلينا الأخذ بها عند فحص التحولات المستمرة للإسلام السياسي ما بعد الربيع العربي، وعدم الاكتفاء بدراسة حركة الإخوان المسلمين.

مثّل حزب النور تحولا أيديولوجيا واستراتيجيا غير مسبوقين، وسلّط الضوء على ديناميكيات جديدة تشكل المنافسة التاريخية حول تمثيل المرجعية الإسلامية في البلاد، فتسييس الدعوة السلفية هو تحول تاريخي نحو شكل معدّل من السلفية، يقدم إجابات حول ما إذا كانت حركة الإسلام السياسي المتشددة يمكن أن تندمج في أساليب حوكمة تعددية. لكن السلفية لا تزال تواجه تحديات استراتيجية وتكتيكية، وأخرى تتعلق بالهوية، ويبقى السؤال قائما حول قدرتها على طرح نموذج سياسي قابل للتطبيق، في سياق سلطوي، فبينما كان “الإخوان” متواجدين دوما في السياسة، شهد حزب الدعوة السلفية تسيسا سريعا بشكل ملحوظ، أدى إلى صعوبات استراتيجية وهيكلية.

أما بالنسبة للأزهر، الذي كان عنصرا مركزيا في العلاقة دائمة التغير بين الدين والدولة في مصر، فكانت علاقاته مبهمة مع الجماعات الإسلامية، وتميزت بالتنافسية، بعد أن غيرت الفترة الانتقالية، الناجمة عن انتفاضات عام 2011، ديناميكيات التنافس التاريخي حول تمثيل المرجعية الإسلامية بشكل جذري، ولعب الأزهر في تلك المرحلة الانتقالية دور منتدى للحوار الوطني، ودور مرشد خلال العملية الانتقالية المضطربة، مما خدم، في نفس الوقت، سعي الأزهر للاستقلال الذي تكلل بمنحه من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية عام 2012 رخصة الانفكاك رسميا عن سيطرة الدولة (تعديلات القانون 103)، ولم تمنع العلاقات الجيدة مع “الإخوان” الأزهر من تأييد انقلاب السيسي، الذي تعدّه الباحثة مؤشرا على حدوث تغير كبير في العلاقة بين الدولة والدين في مصر، ورغم التعاون الأولي مع السيسي، رفض الأزهر محاولات السيسي السيطرة على الأمور الدينية، فبات اليوم أكثر استقلالية عن الرئاسة التي سعت دائما للحصول على شرعنة دينية، وترى أنه من غير المرجح أن يسعى السيسي لتجريد الأزهر من دوره الكامل، فشرعية المؤسسة الشعبية تظل أساسية لشرعنة النظام السياسي.

إن استقلال الأزهر المتزايد وعلاقته المتبدلة مع النظام يعيدان صياغة العلاقة بين الإسلام والدولة، أما مشروع حزب النور السلفي فسيؤثر على التصورات تجاه حركات الإسلام السياسي في مصر، ويطرح تساؤلات حول قدرتها على تشكيل صورة جديدة للسلفية تتوافق مع السياق السياسي المعقد، والواجهة المتغيرة بين الدين والدولة في مصر. وتخلص الباحثة إلى أن الإجابة مطلوبة على سؤال: هل ما يزال من الممكن مساواة الإسلام السياسي بأجندة سياسية واضحة وملموسة؟

ختاما، نقول: حتى مع انسحاب الإسلامويين (أو مع إقصائهم من السياسة)، وتخليهم عن حلم الدولة، فإن فرص الحد الأدنى لاستمرارهم لا تزال قائمة، باستبدالهم قضية الإصلاح الاجتماعي بمحاولات السيطرة من خلال صناديق الاقتراع، أي منح الإصلاح أوّليةً، وأولويةً، على السياسة، وتقديم “الأمة” على الدولة. لكن أليس هذا هو ذاته المشروع الإصلاحي لمحمد عبده، بعد أن استعاذ بالله من السياسة، ومن كلمة سياسة، قبل أن يتجاوزه حسن البنا لصالح راديكالية جمال الدين الأفغاني، ليمضي أبعد من ذلك؟

هوامش:

(1)  في “مجموعة الرسائل” يذهب البنا إلى أن “الإخوان” يعتقدون “أن النظام النيابي، بل حتى البرلماني، في غنى عن نظام الأحزاب بصورتها الحاضرة في مصر، وإلا لما قامت الحكومات الائتلافية في البلاد الديمقراطية، فالحجة القائلة بأن النظام البرلماني لا يتصور إلا بوجود الأحزاب حجة واهية، وكثير من البلاد الدستورية البرلمانية تسير على نظام الحزب الواحد وذلك في الإمكان”. ويضيف “يعتقد الإخوان أن هناك فارقاً بين حرية الرأي والتفكير والإبانة والإفصاح والشورى والنصيحة، وهو ما يوجبه الإسلام، وبين التعصب للرأي والخروج على الجماعة، والعمل الدائب على توسيع هوة الانقسام في الأمة وزعزعة سلطان الحكام، وهو ما تستلزمه الحزبية ويأباه الإسلام ويحرمه أشد التحريم، والإسلام في كل تشريعاته إنما يدعو إلى الوحدة والتعاون”.

(2) من أبرز المبشرين بما بعد الإسلام السياسي انطلاقا من تسعينيات القرن الماضي: أوليفييه روا، جيل كيبيل، ثم الأميركي آصف بيات في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

(3/3)

شكل انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفكك المنظومة الاشتراكية، وصعود الولايات المتحدة، بوصفها قوة مهيمنة تسعى للسيطرة والتوسع وفرض نظام عالمي جديد يضمن لها ذلك، تحولا بنيويا في الحقل الاستراتيجي الدولي، ودخلت الجماعات الجهادية، التي مثلت استمرارا راديكاليا للفكرة الإسلاموية، طور العالمية، في مواجهة ديناميكيات العولمة. وأعلن فرنسيس فوكوياما نهاية التاريخ بالانتصار النهائي للديمقراطية، وطرح صموئيل هنتنغتون نظريته حول صدام الحضارات، مفترضاً أن الصراع العالمي بعد الحرب الباردة لن يكون اقتصاديا، ولا جيواستراتيجيا، بل حضاريا بامتياز؛ حيث تحلّ الجماعات الثقافية مكان كتل الحرب الباردة، ويتركز الصراع في السياسات العالمية في خطوط التماس بين الحضارات، وبسبب “ظلامية” الإسلام سوف ينزع المسلمون نحو العنف، ليقوم الصراع الأهم بين الإسلام والغرب.

عقب هجمات 11 سبتمبر الإرهابية خشي برنارد لويس من أن يتحول المهاجم الانتحاري رمزاً لمنطقة الشرق الأوسط، ورأى أن على الأميركيين إما أن يكونوا حازمين أو أن يغادروا المنطقة، وتبنى رسالته بشأن “زرع الديمقراطية في الدول الشرق أوسطية الفاشلة للقضاء على الإرهاب” المحافظون الجدد الذين شكلوا الإدارة الأميركية بقيادة جورج بوش (الابن). ورأت المقاربة الاستشراقية الثقافوية للسياسات الأميركية في الأنظمة الدكتاتورية، والثقافة الدينية، في الشرق الأوسط، حوافز للتطرف والإرهاب، ليكمن الحل في إعادة هيكلة المجال السياسي، والحقل الديني، وإعادة تأهيل الأنظمة (دون تغييرها) في سبيل ضمان عبور آمن من السلطوية إلى الديمقراطية، يحقق مشاركة واندماج المجموعات المهمشة. وترافق مصطلح ما بعد الإسلاموية مع نظرية “الاحتواء – الاعتدال” التي تهدف إلى إقامة جدار واق من التطرف والإرهاب، لا سيما نسخته الجهادية، عبر دمج حركات الإسلام السياسي المعتدلة (المابعدية) في بنية الدولة الوطنية، وتقبلهم للديمقراطية والتعددية السياسية.

ووجد البحث عن بديل إسلامي معتدل للقاعدة، وللنصرة وداعش لاحقا، ضالته في الإسلام السياسي لا سيما الإخوان المسلمين الممثل التقليدي لفكرة الإسلاموية. فتصريحاتهم الرافضة للإرهاب، واستعدادهم المعلن للانخراط في اللعبة الديمقراطية الانتخابية، بدت مغرية إلى حد بعيد، ليسند إليهم دور في مكافحة الإرهاب، تحت عنوان إسلامي، يسد الفراغ الناجم عن”عجز الأنظمة” عن مكافحة الإرهاب.

مانعت الدول العربية المناهضة للديمقراطية التوجه الغربي المنفتح على حركات الإسلام السياسي، ليدعم بعضها في مرحلة الربيع العربي تمدد السلفية الجهادية التي تنادي بـ “الأمة” بدل الدولة الوطنية، ولا يشغلها الانخراط في أي عملية سياسية، على حساب حركات الإسلام السياسي التي قبلت الانخراط في اللعبة الديمقراطية، أو دعمت الثورات المضادة للإطاحة بهم(1).

فما هي العوامل الذاتية/ الداخلية، والموضوعية، الإقليمية والدولية، التي تحكمت في واقع ومستقبل تحولات الإسلام السياسي، بالتوازي مع التحولات التي تشهدها المنطقة ما بعد الربيع العربي؟ هذا هو ما تستكمله قراءتنا في كتاب “تحولات الإسلام السياسي في نظام إقليمي متغير” (مجموعة من الباحثين، تحرير محمد عفان، إسطنبول: منتدى الشرق، كانون الثاني/ يناير 2019) في الجزء الثالث والأخير.

الحدود الذاتية والموضوعية لبراغما الإسلام السياسي

لم تتصرف حركات الإسلام السياسي بعد الربيع العربي دائما بوصفها قوى تغيير راديكالية تهدف إلى إسقاط النظام، ففي المغرب والأردن والكويت تبنت أجندة مطالب إصلاحية بسقف منخفض نسبيا، التي ربما كان سببها استراتيجيات الاحتواء التي اتبعتها الأنظمة أحياناً، أو نتيجة معارضة بقدرات محدودة وغير حاسمة، أو نتيجة السياق المحلي والإقليمي الذي لم يكن مؤاتياً.

1- الحالة المغربية: الموقف السياسي ومعضلة الرأي العام

في المغرب، كما تذهب انتصار فقير (الفصل الثالث)، مكّنت الاستراتيجية المحافظة الإصلاحية حزب العدالة والتنمية المغربي من الفوز بالانتخابات البرلمانية عام 2011، ومرة أخرى في 2016، ليتم تشكيل أوّل مجلس وزراء إسلامي في تاريخ المغرب، بعد أن كانت هناك خطوط حمراء فرضتها المؤسسة الملكية على حركات الإسلام السياسي، ممثلة بحزب العدالة والتنمية (وجناحه الدعوي حركة التوحيد والإصلاح)؛ وحركة العدل والإحسان، لتضيق المساحة السياسية لعملها ونشاطها.

وترى فقير أنه بالرغم من أن للحركتين مشتركات أيديولوجية وعملية كثيرة، إدانة العنف، العمل في مستويات سياسية واجتماعية مختلفة، والدعم الشعبي الواسع، إلا إن موقفيهما تباينا من المؤسسة الملكية؛ فبينما يرى حزب العدالة والتنمية وجوب دعم تلك المؤسسة، كونها الخيار المناسب الوحيد للمغرب، ترى حركة العدل والإحسان أن المؤسسة الملكية مسؤولة عن مشاكل المغرب الاجتماعية والسياسية. ورؤيتها تلك تسببت بمحدودية مشاركتها في العملية السياسية، مما أثّر في جماهيريتها، في وقت تحتاج فيه المقاربة حلولاً سياسية فعاّلة أكثر من حاجتها إلى مواقف أخلاقية، لكن الجماعة حافظت على إيمانها أن المشاركة في العملية السياسية ستبتلع المشاركين، وتقوي دور المؤسسة الملكية، ورأت في الاحتجاجات فرصة مهمة للمشاركة السياسية، إن لم يكن لإحداث تغيير جذري، فعلى الأقل للتعبير عن المظالم، وإظهار صدقها في السعي لتحقيق الصالح العام. أما حزب العدالة والتنمية فرأى في الاحتجاجات خطرا على المؤسسة الملكية، وجعل الحفاظ عليها أولويته فامتنع أنصاره عن التظاهر، وانحازوا إلى “الخيار الثالث”؛ فلا مع مظاهرات تؤدي إلى زعزعة، ولا مع عدم المشاركة بأسلوب يؤدي إلى الجمود.

تشكل فهم داخل حركة العدل والإحسان أن قلة المشاركة السياسية حدّت من منافسة حزب العدالة والتنمية، وأكسبت الحركة أصوات الإسلامويين، لكن بعد 2011 أثار موقف الحركة انتقادات كثيرة، ووصفها البعض بـ “حزب الكنبة”. وقوّى استمرار امتناعها عن السياسة فكرة كونها جماعة مثالية تجاوزها الزمن، فسعت لأن تنشط في العمل المدني، والخدمات الاجتماعية، للحد من الإحباط الاجتماعي من الحركة، التي تسعى لسد الفراغ في الخدمات، مع جهود خاصة في التعليم، ورفع الوعي.

تذهب فقير إلى أن التغيير الأساسي منذ العام 2011 أدى إلى أن يصبح الـرأي العـام عاملاً مؤثراً فـي المجـال السياسـي، وكان على الإسلامويين الموازنة بين علاقتهم بالمؤسسة الملكية من جهة، وعلاقتهم بأنصارهم من جهة أخرى. كانت تلك مهمة عسيرة. وبينما رفضت حركة العدالة والتنمية الانضمام إلى الحراك الجماهيري، وتبنت استراتيجية الإصلاح، مع الحفاظ على الاستقرار، حشدت حركة العدل والإحسان قواها مع حركة 20 فبراير/ شباط في محاولة لإحداث تغيير جذري. وفي نهاية المطاف واجهت الحركتان التحديات نفسها، سواء تلك المتعلقة بمواجهة الضغوطات المتزايدة من المؤسسة الملكية، أو تلك المتمثلة بالحفاظ على تماسكها الداخلي، ناهيك عن تحدي الاحتفاظ بأنصارهما.

2- “انقلاب ناعم” في الأردن

يتناول أمجد أحمد جبريل، في الفصل الرابع، محاولة إسلامويي الأردن اغتنام فرصة الانتفاضات العربية لإعادة تشكيل علاقتهم مع المؤسسة الملكية، ونقلها من المشاركة إلى الشراكة، ولكن رغم تمسك الإخوان المسلمين في الأردن بأجندة إصلاحية، فإن ضغوطهم من أجل الإصلاح استقبلتها المؤسسة الملكية بوصفها انقلابا ناعما ضد الملك، بتركيزهم على تعديلات دستورية تُحجّم دور الملك السياسي إلى درجة كبيرة، سواء بإجباره دستوريا على اختيار رئيس الوزراء من الأغلبية النيابية، أو نزع صلاحية اختيار مجلس الأعيان من يديه، أو تقليص صلاحياته الأخرى.

ويجد جبريل أن توظيف جهاز الدولة في الأردن، واستفادته من تطورات الثورات العربية ثم الانقلاب عليها، كانت أكبر نسبيا من استفادة الإسلاميين الأردنيين، إذ نجح النظام في تفكيك الحراك الاجتماعي الذي التحقوا به، وفرّغه من مضمونه، وقام بالالتفاف على مطالبه، لا سيما بعد انسداد الأفق في الحالة السورية، واقصاء الإخوان في الحالة المصرية. وتدهورت علاقة الحركة بالمؤسسة الملكية بشكل ملحوظ لتعاني من عدم قدرتها على الحفاظ على وحدتها الداخلية، أو دعم أنصارها، فمنذ انطلاق الانتفاضات العربية، وربما قبلها، كانت العلاقة بين النظام والإسلاميين في الأردن تمر بحالة إعادة تعريف، أو تشكيل، تركت تداعيات صعبة على الإسلاميين. أما صورة تحولاتهم في الحالة الأردنية فلم تكتمل بعد نتيجة عدم قدرة الحركات الإسلامية على التكيف مع الضغوط الخارجية الكثيفة، ووجود أجندة إقليمية/ عربية معادية للإسلام السياسي ولإدماجه في السلطة في مرحلة الربيع العربي، واستمرار سياسة غض النظر دوليا عن استبداد النظم العربية، وانتهاكاتها لحقوق الإنسان، وقمع الحرّيات.

يرى الباحث أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل الإسلاميين في الأردن، يتمثل أحدها في عودتهم إلى المشهد السياسي، مستفيدين من “صفقة القرن” التي ترافقها ضغوط غير مسبوقة على النظام الأردني للقبول بها، مما يجعله بحاجة إلى الدعم الشعبي لمساندة موقفه، وقد يضطر إلى إعادة استدارة نحو تركيا وقطر، الرافضتين لـ”صفقة القرن”، في مسعى لتوسيع خياراته. أما السيناريو الثاني فهو سيناريو الاحتواء والتعايش، إذ إن الحل الأمثل للتعامل مع حركات الإسلام السياسي، التي تبنت في عمومها اللعبة السياسية، هو احتواؤها وإشغالها بقضايا العمل السياسي اليومي، لتجد نفسها مضطرة إلى مزيد من العقلانية والواقعية بدل أن تعلن عجزها عن تقديم سياسات بديلة. أما الثالث فهو الأسوأ، ويتمثل في انفلات الأوضاع في الأردن والمنطقة نتيجة غياب الاستقرار الإقليمي الذي يضاعف من الأزمات في محور علاقة الدولة – المجتمع، التي تهدد كيان الدولة في المنطقة واستقرارها الهش.

3 – الحالة الكويتية: البراغما والأيديولوجيا

تخصص كورتني فرير الفصل الخامس لبحث أزمة الإسلاميين في الكويت، والتي تمثلت في صعوبات واجهها الإسلاميون في إدارة علاقاتهم مع أمير البلاد بعد الربيع العربي، ورسمت خريطة الحركات الإسلامية وجذورها ومسارات تطورها. وتذهب إلى أن الاصطفاف، داخل الطيف الإسلاموي في كويت ما بعد الربيع العربي، قـد تمحـور حـول العلاقة بالنظـام مـا بيـن المواليـن والمعارضيـن. وطبقـا لذلـك، عمـل الإخوان المسـلمون مـع التيـار الحركـي للجماعـة السـلفية علـى زيـادة تعاونهـم مـع الكتـل غيـر الإسلاموية الأخرى للسـعي من أجـل إحداث إصلاح سياسي. علــى الجانــب الآخر، ســعت كل مــن المجموعــات الإسلاموية الشيعية، وتيار الســلفية التقليديــة، بشــكل مســتقل، لزيــادة تحالفهمــا مــع النظــام بدوافــع مصلحيـة براغماتيـة.

ولا تجد الباحثة تفسيراً واحداً لكيفيـة تصـرف السـلفيين سياسيا، إذ اتبعوا مواقف سياسية متباينة، ولكنها تقسمهم إلى: سلفية نمطية تعتقد أن الإسلام يوجب طاعة الحاكم، وتعارض الديمقراطية بدعوى أن اختيار الحاكم هو امتياز إلهي، وسلفية حركية ترفض المفاهيم التقليدية لعدم الحراك السياسي، وفاعلة في الحملات الانتخابية، تميل إلى التركيز على المسائل البراغماتية أكثر من المسائل الأيديولوجية. وتميل الباحثة الى وجهة النظر التي تقول إن مشاركة السلفيين في المناخ السياسي تزيل القداسة عن خطاب السلفيين وممارساتهم، فقبولهم بالتنافس في مجال سياسي مفتوح يعني أنهم يعترفون بشرعية التيارات الأيديولوجية الأخرى، ويتخلون عن ادعاء احتكار الحقيقة الوحيدة الممكنة.

تخلص فرير إلى أنه في البداية تمتع الإخوان المسلمون بدعم الحكومة، بوصفهم جدار صد ضد المد القومي العربي، الذي كان التهديد السياسي الأكبر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وازداد هذا الدعم في الثمانينيات، مع ضمانات بأن لا يتمتع هؤلاء بنفوذ سياسي قوي بين المسلمين السنة، لكن بعد العام 2011 أصبحت جمعية إحياء التراث الإسلامي، والتجمع السلفي، جماعتين جاذبتين للدعم الحكومي، لأنها لم تشاركا في الانتفاضات. وعزّز الشيعة وسلفيو تيار السلفية النمطية علاقاتهما بالنخب الحاكمة للحفاظ على بعض النفوذ السياسي، سواء عبر السياسة الاجتماعية بالنسبة للسلفيين، أو عبر الحفاظ على الوضع الراهن بالنسبة للإسلامويين الشيعة.

مسارات العنف: الإسلام السياسي والحروب الأهلية

يتنــاول الفصـلان الأخيران كلا مــن ســورية واليمــن كدراســتي حالــة لتحــولات حــركات الإسلام السياسـي فـي سـياق الحـرب الأهلية.

1 – الفوائد السياسية للأيديولوجيا الملتبسة في سورية

تناول عبـدالرحمن الحاج، فـي الفصـل السادس، نشأة حركات الإسلام السياسي في سورية ليركّز بعد ذلك على ظاهرة حركات الإسلاموية السياسية/ العسكرية التي برزت مع انفجار الأمور في سورية حربا أهلية، ليتلافى التعقيد والسيولة التي تتسم بهما الحالة الراهنة لحركات الإسلام السياسي/ السلفية الجهادية. مع ذلك يرى صعوبة في تصنيف حركات الاسلاموية السياسية/ العسكرية كونها خليطا من مجموعة عسكرية، وتنظيم سياسي، ولجنة دعوية،ووحدات حكم محلي.

اختار الباحث حركة نور الدين زنكي مثالا على هذا النمط الجديد من حركات الإسلاموية السياسية، وهي إحدى المجموعات العسكرية التي نشأت واستطاعت أن تصمد طوال سنوات الحرب السورية، وأن تحافظ على قدر مقبـول مـن الاستمرارية، والاستقرار، فقـدم الحاج دراسـة تفصيليـة لتأسيســها، وأيديولوجيتهــا، وبنائهــا الداخلــي، وســلوكها السياســي، وتجربتها في الحكم المحلي، وخلص إلى أن الأيديولوجيا الملتبسة للحركة، وخطابها الفضفاض، وتبديل تحالفاتها، والتناقض في سلوكها السياسي، هو ما مكنها من الاستمرارية في ظل عدم اليقين، وعدم الاستقرار، اللذين تتسم بهما بيئات الحروب الأهلية، ومن إبقاء سيطرتها على الأرض لفترة طويلة نسبيا.

2 – الحالة اليمنية: الإصلاحية والزيدية السياسية

في الفصل السابع، ينحاز نبيل البكيري إلى وجهة النظر التي ترى في اسـتمرار الظـروف الاجتماعية والاقتصادية الراهنـة فـي العالـم العربـي والإسـلامي، وفي قــدرة الإسلاميين علــى إنتــاج خطــاب داخلــي بشــأن الحداثــة لتعبئــة جمهورهــم وأنصارهــم، وفي وجــود أنظمــة تضخـّـم خطــر التهديــد الإسلامي، وتتلاعب به، أنها جميعا عوامــل رئيســة مصاحبـة، ومسـاعدة فـي اسـتمرار ظاهـرة الإسلام السياسـي. ويخصص البكيري بحثه في الحالة اليمنية التي تبرز فيها ثلاثة نماذج أساسية لتحولات الإسلام السياسي؛ التجمع اليمني للإصلاح القريب فكريا أيديولوجيا من حركة الإخوان المسلمين؛ والمجموعات السلفية التي شكلت أحزاباً سياسية في أعقاب الانتفاضات العربية (حركـة النهضـة، وحـزب الرشاد اليمني، وحـزب السلم والتنمية) بعد أن كانت تحرّم العمل السياسي؛ وحركة أنصار الله (جماعة الحوثي) التي تنتمي إلى الإسلام السياسي الشيعي.

ويرى الباحث أن الجذور التأسيسية الأولى للحالـة الإسلامية اليمنية الراهنة، هي امتداد طبيعي للحركـة الإصلاحية اليمنيـة التـي تمتـد بجذورهـا حتـى القـرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، كأول مدرسـة إصلاحيـة عربيـة إسـلامية نشـأت كـردة فعــل علــى التشــوه الكبيــر الــذي أصــاب جوهــر عقيــدة الحرّيــة فــي الإسلام، من خلال تحويل الإسلام إلى ما يشبه الميراث الأُسري، الذي نشأ مع بزوغ فكرة التشيع السياسي، والتسـنن الأموي، والعباسـي الـذي اختـزل الإسلام فـي قريـش مـن دون النـاس. وقد مثّلت ظاهــرة التجديــد الدينــي والفقهــي والمعرفــي واحــدة مــن أهــم خصائــص الإصلاحية اليمنية، التي تجاوزت مربع التقاليد المذهبية، والفقهية، فضلا عن مناهضة الاستبداد السياسي، والمعرفي، ومحاربة ظاهرتي الجمود الفقهي والاستبداد السياسي، باعتبارهما أهم ّ مظاهر التخلف، وأثّرت على التوجهات الإصلاحية في القرن التاسع عشر، عند الأفغاني وعبده ورشيد رضا في مصر، وعلى الإصلاحية السلفية الوهابية في الحجاز.

في العام 1990 أعلنت الوحدة اليمينة بين الشمال والجنوب ونـصّ الدسـتور اليمنـي الجديـد علـى التعـدد الديمقراطـي والثقافـي، وآليـات الانتقال السياســي انتخابياً، مما فرض على الحركة الإسلامية التكيّف مع المشهد الجديد، بآلياته وتصوراته، فبادر الإسلاميون إلى جملة من المراجعات في تصوراتهم السياسية، ودشّنوا أولى خطوات المراجعة بإعلان تأسيس التجمع اليمني للإصلاح كحــزب سياســي يعبـّـر عــن الحركــة الإسلامية وتوجههــا الجديــد. لكن البكيري يرى أن الرؤية السياسية للإسلاميين اليمنيين بقيت ضبابية، لا سيما فيما يتعلق بالعلاقة بين السياسي والدعوي، بالرغم مما توحيه الحالة السياسية الحزبية الواضحة التي انشأوها، ممثلة بحزب التجمع اليمني للإصلاح، من تجاوز لتلك المنطقة الرمادية في الفصل بينهما، وبالرغم من استمرار عدم الحسم الفكري لعديد من القضايا داخل الحركة، فإن الممارسة السياسية كانت تسبق التنظير، وتحسم النقاش، وليس التنظير العلمي والفكري.

كانت انتخابات العام 2006 آخر انتخابات ديمقراطية في المشهد السياسي اليمني، تفجرت بعدها الصراعات السياسية في الشمال والجنوب، حتى انفجار أحداث ثورات الربيع العربي، وإطاحة ثورة 11 فبراير/ شباط بالرئيس صالح، والتي لـم تكتمـل بفعـل تدخـل القـوى الدوليـة والإقليمية، التـي فرضـت حلـولا تمكنت من تقليص المطالـب الثوريـة، فأبقـت علـى نصـف نظـام صالـح، الـذي رتـّب أوراقـه، بعـد ذلـك، وانخـرط فـي انقـلاب 21 أيلـول / سـبتمبر 2014، الـذي أطـاح بآمـال اليمنييـن وطموحاتهـم مـن ثـورة 11 فبرايـر/ شباط 2011. وساعد القبـول بإصـلاح  سياسـي جزئـي علـى حسـاب تغييـر ثـوري شـامل، على إعادة تموضع الأنظمة القديمة والعميقة، وإعادة انتاج نفسها من خلال انقلاب العام 2014، الذي بإطاحته المشهد الثوري، أطاح أيضا بالجمهورية والشرعية اليمنية معا، وكان حـزب تجمـع الإصلاح هـو المسـتهدف الأول مـن هـذا الانقلاب، ورغم كونه لا يزال رقما صعبا في المعادلة السياسية اليمنية، إلا إنه يعاني من إشــكاليات بنيويــة عديــدة، مثــل تداخــل السياســي والدعــوي، وغيــاب المســار الديمقراطــي الواضــح والشــفاف داخــل الحــزب، وأطره التنظيمية والحزبية، مما أعاق المسار التراتبي لأفراده، وقواعـده، وقياداتـه معـا، وجعلـه يبدو أكثر شيخوخة سياسيا، رغم أنه ممتلـئ بالطاقـات والكفـاءات الشـابة، التـي ربمــا تمثــل 70% مــن قوامــه التنظيمــي والحزبــي.

أما في ما يتعلق بنشــاط الحــركات الســلفية الجهاديــة فــي دول الربيــع العربــي، فيرى الباحث أنها ازدادت بعــد أن كادت تختفــي فــي مرحلــة التظاهــرات الســلمية المدنيــة للربيــع العربــي، نتيجــة قدرتهــا علــى اجتـذاب الشـباب الذيـن لـم يسـتطيعوا أن يواصلـوا نضالهـم السـلمي فـي وجـه مدرعـات الثـورة المضـادة، فلـم يتـرك لهـم الانقلاب العسـكري خيـارا سـوى الالتحاق بهـذه الحـركات لمواجهــة الثــورة المضــادة. وأحبط انقلاب 2014 التحــول الديمقراطــي فــي اليمــن، والأخطر مــن ذلــك أن المفكريــن، والكتـّـاب، والأكاديميين، والإعلاميين، الذيــن ينتمــون إلــى الزيديــة السياســية، وبعــد أن توزعوا في كافة قــوى السياسـية اليمنيـة، عـادوا ليتمترسوا بانتمائهـم الطائفـي. وعلـى الرغـم مـن أن الحوثييـن قـد أظهـروا تغيـرا فـي أيديولوجيتهـم مـع بدايـة الثـورة اليمنيـة، فـإن هـذا التغيـر يبـدو غيـر حقيقـي، وأن الحركـة مـا زالـت تؤمـن بأفكارهـا الثيوقراطيـة، وتتمسـك بممارســاتها التقليديــة العنيفــة.

ينبه البكيري إلى أن مقــولة فشــل الإسلام السياســي هــي مــن قبيــل التعجـّـل، والمبالغــة، وإصـدار الأحكام المسـبقة. وهـذا بالتأكيـد لا يعنـي أن ظاهـرة الإسلام السياسـي لا تمـر بمرحلة تغيير جذرية، تتعلق برؤاهـا السياسـية والاجتماعيـة والثقافيـة، لكـن دراسـة هـذه التغيرات يجب أن تكون منهجية وعلمية، وألا يتـم توظيفهـا سياسـيا. ويعتقد أن المأزق الراهــن قــد يــؤدي إلــى اتجاهيــن مختلفيــن: إمــا إلــى ازدهــار مشــاريع المقاومــة العنيفــة غيــر القانونيــة، أو أن يــؤدي إلــى تعزيــز عمليــة الكفــاح الســلمي، والمدنــي، لتحــدي كل هــذا العبــث فــي السياســة الحاليــة.

توصيات وملاحظات ختامية

في خاتمة الكتاب يسجل كل من غالب دالاي ومحمد عفان ملاحظات أساسـية تتعلق بمنهجية تعريف حـركات الإسلام السياسـي، والمتغيـرات التـي أثـرت فـي التحـولات التـي مـرت بهـا فـي حقبـة مـا بعـد الانتفاضـات العربيـة، ومسـار هـذه التحـولات ذاتهـا.

ويرى الرئيسان المشاركان لمجموعة عمل الإسلام السياسي بمنتدى الشرق، أن الأنظمة العربية استثمرت هذا القبول العالمي لسياسـاتها الديكتاتوريـة، لقمع مظاهـر الإسلام السياسي، بل اتهمت كل معارضة لها بأنها إسلاموية لتنزع عنها رعيتها. وأدت هـذه الطريقـة للتعامـل مـع الشـرق الأوسط، وظاهـرة الإسلام السياسـي، وعمليـة التحـول الديمقراطـي في المنطقة، إلى تقلص الفضــاء السياســي العــام، للتعبيــر عــن المطالــب والمظالــم السياسية، مما خلــق أرضيــةً خصبــةً لظهــور الجماعــات المتطرفــة، التــي اســتفادت مــن تفاقــم المظالــم، وعــدم الرضــى بيــن الشــعوب التــي تعيــش تحــت القبضــة الحديديــة لديكتاتوريــات المنطقــة. وهكــذا فــإن رؤيــة الصــراع علــى أنــه صــراع بيــن الديكتاتوريـة والحـركات الإسلاموية هـي رؤيـة خاطئـة منـذ البدايـة. وقـد شـملت نتائـجَ هـذه الرؤيـة: انتشـار التطـرف، والحـروب الأهلية، وانهيـار الـدول، وملايين اللاجئيـن.

في ظل الأزمات، وعـدم الرضـى، والمظالـم الأخرى التـي تغذي الأيديولوجيـات، والمعتقـدات الراديكاليـة؛ فـإن الراديكاليـة لـن تكـون ورقـة رابحـة في الشرق الأوسط، وعلـى هـذا الأساس، مـن المهـم بالنسـبة إلـى القـوى العالمية أن تعيـد النظـر فـي فهمهـا لعمليـة التحـول الإقليمي فـي المنطقـة، وظاهـرة الإسلام السياسـي، وتخليها عن فكرة تحقيــق الاستقرار علــى حســاب التحــول الإقليمي، والحوار مع التيــارات السياســية الكبــرى الفاعلــة فــي المنطقــة، بمــا فيهــا حــركات الإسلام السياسي، ودفعها لتقبل مفهـوما شـاملا وجمعـيا للتحـول الإقليمي، وتشجيع الحــوار والمشــاركة، وبنــاء التحالفــات بيــن الجماعــات السياســية الإسلاموية والعلمانيــة، في نظام سياسي مفتوح، وديمقراطي، بوصفه أكثر الطرق فعالية لمحاربة الإرهاب، والراديكالية في المنطقة.

هوامش:

(1)- يمكن فهم انقلاب ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، على المؤسسة الدينية الرسمية، ذات الصبغة السلفية الوهابية، كمحاولة لتقديم نموذج مجتمعي “ناجح” خال من الإسلام السياسي بسلفية مروضة وتابعة.

عنوان الكتاب: تحولات الإسلام السياسي في نظام إقليمي متغير المؤلف: مجموعة من الباحثين، تحرير محمد عفان

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق