شهادات

لينين وتروتسكي في دمشق/ وائل السواح

في هذه الحلقة يروي الكاتب السوري وائل السواح تفاصيل النقاش الذي كان يدور في السبعينات حول طبيعة الثورة المحتملة في سوريا: ديموقراطية أم اشتراكية، التي استعادت نقاشات بليخانوف، لينين، وتروتسكي، مطلع القرن الفائت.

لم تكن حملة اعتقالات نيسان/ أبريل 1979 أكبر من الحملات التي سبقتها. لعلّها كانت أصغر، ولكنها كانت اللحظة التي أطلقت صفّارة الإنذار الداخلية لدينا. لم تعد لدى الرابطة كوادر يمكنها أن تضحّي بها أكثر. وهيئتنا المركزية التي احتفلنا قبل شهور فقط بترميمها وإعادتها إلى الرقم الجميل 11، نقصت من جديد عضوين هما مصطفى خليفة الذي كان أحد مسؤولي الطباعة في حلب وحسام علوش.

ولكن الجديد في الحملة كان نقل ملفّ رابطة العمل من يد إدارة للمخابرات العامة، إلى شعبة المخابرات العسكرية التي كان على رأسها الرجل الذي كان مجرّد ذكر اسمه يثير رعب السوريين، علي دوبا. منذ منتصف السبعينات بدأ نجم دوبا يسطع. من ابن شيخ قروي من قرية قرفيص في جبال اللاذقية إلى واحد من الخمسة الأقوياء، الذين أحاطوا بدكتاتور سوريا حافظ الأسد، كان دوبا قد قطع رحلة طويلة ومعقّدة. وحين تسلّم رئاسة المخابرات العسكرية عام 1974، علم الجميع أن نجماً جديداً بدأ يعلو في سماء العنف السلطوي والفساد. بعد سنوات، استخدم حافظ الأسد علي دوبا مع زملائه علي حيدر وإبراهيم الصافي وشفيق فيّاض، ضدّ طموحات شقيقه رفعت الأسد الانقلابية، قبل أن يدرك أن بسالته في مواجهة رفعت لم تكن ولاء لحافظ وحسب، وإنما كانت تمهيداً لبناء إمبراطورية مالية أشرف عليها ابنه محمّد، الذي اختفى في ظروف غامضة مطلع الثورة السورية.

كانت فلسفة حافظ الأسد الأمنية تقوم على مبدأ تعدد الأجهزة الأمنية وتفاوت صلاحيتها وتداخلها، وزرع التنافس بين قادتها. جزء من هذا التنافس كان حول الملفّات التي تعمل الأجهزة عليها. وكان هذا التنافس مفيداً أحياناً. حين اعتُقلت بعد سنتين، أدركت أن المخابرات العسكرية لا تعرف عني سوى اسمي ومكانتي الحزبية، لأن الأجهزة لا تشارك معلوماتها، ولأن ملفي الكامل كان لدى إدارة المخابرات العامة. استولى علي دوبا إذاً على ملفّ رابطة العمل، وكانت أبرز إنجازاته حملة نيسان.

عقدنا اجتماعاً للهيئة المركزية بعد أيام من الحملة، وكان اجتماعاً عاطفياً وغاضباً، أنحى بعضنا باللائمة على الانفلات الأمني، ونالني من هؤلاء الرفاق الكثير، بسبب عدم مراعاتي القواعد الأمنية، بينما كان الرأي الآخر يقول إن سلوكنا الأخير بعد حملات 1977 و1978 هو الذي دفع بالأجهزة الأمنية إلى التغّول. كنت من أصحاب الرأي الأخير ومعي كامل عباس وعلي الكردي وأحمد رزق، بينما كان فاتح جاموس ومنيف ملحم والعميد (زياد مشهور) من أصحاب الرأي الأول.

لم يكن النقاش في أي حال وليد اللحظة، بل كان تتويجاً لنقاش داخلي بدأ مذ راح الرفاق يسكرون بالشعبية التي بدأت الرابطة تكتسبها في أوساط الشباب والطلبة والنساء خصوصاً. حين شنّ النظام حملته الأولى على التنظيم في آذار/ مارس 1977، كانت تلك صفعة على وجهنا، وكنا أمام خيارين اثنين: إما أن نواجه الضربة بتصعيد نشاطنا وبياناتنا ومواقفنا السياسية أو ننحني للعاصفة ونحاول تخفيف النشاط. كان أحمد جمول علي الكردي (وأحياناً هيثم العودات) من مؤيدي ذلك الطرح، ولكن أغلبية الرفاق آثروا التصعيد والردّ على الضربة بضربة. ولم يبقَ ذلك في مجال العمل والتكتيك، بل انتقل إلى مجال النظرية، وتمّ نسف مقولتنا الأساسية في الخطّ الاستراتيجي للرابطة التي كانت تقول إن الثورة الآتية ذات طبيعة ديموقراطية، فقرّر الرفاق أن طبيعة الثورة تتحدّد بنمط الإنتاج القائم وليس باستكمال مهماتها، ولأن النظام القائم في سوريا هو نظام برجوازي بيروقراطي يعبّر عن رأسمالية الدولة، فإن الثورة الديموقراطية بمضمونها قد أنجزت، وما تبقى من مهماتها ستنجزه الثورة الاشتراكية التي ستقع على كاهل الجبهة الشعبية المتّحدة بقيادة “الحزب الشيوعي”.

كارل ماركس

هذا النقاش الداخلي كان متابعة ما بدأه قبل أكثر من 70 سنة ثلاثة ماركسيين كبار، بليخانوف ولينين وتروتسكي حول طبيعة الثورة الروسية، والقوى الاجتماعية السياسية التي عليها قيادة التحرّك الديموقراطي. في 1905، كتب لينين رسالته الشهيرة “خطتان للاشتراكية الديموقراطية في الثورة الديموقراطية”، ردّ فيها على بليخانوف ومارتوف اللذين كانا يعتبران أن الانتقال الديموقراطي مقدمة لا مندوحة عنها قبل الانقلاب الاشتراكي، وأن هذا الانتقال يجب أن يقاد من قبل البرجوازية الروسية، بينما يقوم الاشتراكيون الديموقراطيون بنقدها ودفعها من اليسار. لينين كان يعتبر أن البرجوازية الروسية ضعيفة وعاجزة عن قيادة الثورة الديموقراطية، نظراً إلى دخول الرأسمالية في المرحلة الإمبريالية. وبالتالي، على رغم إقرار لينين بالطبيعة الديموقراطية للثورة الروسية، فقد قرّر أن “ديكتاتورية العمال والفلاحين الديموقراطية” هي الأداة التي ستحقّق ثورة روسية على طراز ثورة 1789 البرجوازية الفرنسية بقيادة “حزب الطبقة العاملة الذي يقود تحالفاً عريضاً من الفلاحين وكل الفئات الراغبة في التغيير”. ضدَّ الرجلين، كان شاب يكتب من زنزانته في أحد سجون روسيا أنه لا يمكن الفصل بين مهمات الثورتين الديموقراطية والاشتراكية، وأن هاتين الثورتين متداخلتان ومتشابكتان في “ثورة دائمة”. هذا الشاب كان اسمه تروتسكي الذي قتله ستالين بعد سنوات طويله في منفاه في المكسيك.

الأحداث تتكرر

كان ماركس يحب أن يكرّر عبارة هيغل الشهيرة “الأحداث التاريخية والشخصيات (personages) الكبيرة تكرر نفسها مرتين”، ولكنه كان يضيف من عنده أن المرّة الثانية غالباً ما تكون نسخة مهزلة (farce) عن المرة الأولى. ويدلّل على ذلك بشخصية كوسيدير مقارنة بدانتون ولويس بلان مقارنة مع روبسبيير، ولويس بونابرت مقارنة بعمّه نابليون بونابرت. بعد نحو 40 سنة ونيف، يمكنني أن أقول إن نقاشنا حول طبيعة الثورة في سوريا كان النسخة المهزلة لنقاشات بليخانوف ولينين وتروتسكي. كنت أقف في حذاء بليخانوف الضخم، بينما وضع فاتح جاموس حذاء لينين، وتمترس منيف ملحم كالعادة بحذاء تروتسكي.

ولكن النقاش سرعان ما انتقل في شهور نقلة الشيوعيين الروس في 12 سنة. في طريقه عائداً إلى روسيا عبر ألمانيا في قطار ألماني مقفل، كتب لينين رسالته المستعجلة، وفيها قرّر أن الثورة الديموقراطية البرجوازية قد انتهت، وأن روسيا باتت بصدد بدء التحويل الفوري لهذه الثورة إلى الاشتراكية. وطالب بتدمير جهاز الدولة البرجوازية القديم، وإقامة جمهورية سوفيات نواب العمال، والعمال الزراعيين، والفلاحين في جميع أنحاء البلاد من الأسفل إلى الأعلى، وإلغاء الجيش والشرطة والموظفين. لم أعتقد يوماً أن لينين كان محقّاً في طرحه ذاك، ولكن مرور 12 سنة ما بين طرحه الأول حول الانتقال الديموقراطي وطرحه الثاني، الثورة الاشتراكية، كان يمكن فهمه. ما لم يمكنني استيعابه مع ذلك كان كيف تغيّرت ظروف نمط الإنتاج في سوريا، لتغدو طبيعة الثورة ثورة اشتراكية.

تحوّل في النشاط التحريضي

ترافق هذا التحوّل مع تحوّل في النشاط التحريضي للرابطة، ولم نعد ننتظر تطوّر الظروف الموضوعية لنهوض الحركة الشعبية، بل بات علينا استنهاضها من خلال زيادة توزيع بياناتنا ومنشوراتنا، وبخاصة “النداء الشعبي” التي كانت موجّهة بلغة بسيطة ومباشرة إلى العمال والطلبة.

هذه هي الظروف الصعبة والضاغطة. اجتمع من تبقّى من أعضاء الهيئة المركزية: أصلان عبد الكريم وفاتح جاموس ونھاد نحاس وكامل عبّاس وعلي الكردي ومنیف ملحم وزياد مشهور وأحمد رزق والعبد الفقير. وكان اجتماعاً عاصفاً، تعالت فيه أصواتنا تحت تأثير الضربة الجديدة والنزيف المستمرّ. بعضنا استعاد فكرة حلّ الرابطة والعودة إلى العمل الدعوي في ظل الحلقات الماركسية غير المركزية، كما سبق لأحمد جمول أن فعل قبل أقل من سنة. بالمقابل، شدّ الطرف الآخر القوسَ في الاتجاه المعاكس فطالبوا بمزيد من النشاط السياسي والتحريضي. أصلان عبد الكريم الذي كان دائماً يستطيع ضبط دفّة النقاش وإعادته إلى مكانه الصحيح، فعل ذلك أيضا في الاجتماع وجعلنا نضبط أعصابنا ونصل إلى حلول مشتركة. جاءت ضرورة حماية المنظمة في مقدّمة الأولويات، فمن دون تنظيم ثوري “من أين ستأتي الثورة؟” سأل أحدنا. ومن أجل ذلك كان لا بدّ من تغيير النهج السابق القائم على أساس التضحية بالذات من أجل الغاية، وباتت النفس والغاية متداخلتين، يصعب فصل إحداهما عن صاحبتها.

دمشق القديمة

ولتأكيد أولوية حماية التنظيم السوري، جاء اقتراح في قسم المركزية إلى مجموعتين مستقلتين: لجنة عمل تبقى في دمشق وتقود العمل التنظيمي وطباعة الجريدة والتعامل مع القوى السياسية والدوائر الاجتماعية الرافدة للتنظيم في الداخل؛ وهيئة تحرير للراية الحمراء ومجلة “الشيوعي”، تكون في الوقت نفسه قيادة ظلّ، تعود إلى سوريا في حال اعتقال القيادة في الداخل وتتابع النضال. وتتابع أيضاً العلاقات الثورية مع المنظمات الثورية العربية في لبنان. وبينما بقي فاتح ونهاد والعميد ومنيف وعلي الكردي في دمشق، تمّ اختياري مع أصلان عبد الكريم وكامل عبّاس وأحمد رزق للسفر إلى بيروت.

كرهت فكرة السفر. من جانب لأن ذلك يكون نفياً وليس سفراً طوعياً، ومن جانب آخر لأنني سأبتعد من دمشق، المدينة التي فتنتني منذ زرتها أول مرّة في إحدى إجازات المدرسة الصيفية، سأبتعد أيضاً من فاديا وحنان والأصدقاء. وكرهت فكرة أنني لا أعرف متى أعود أو كيف أعود. بيد أن خياراتي كانت صفراً، فمن جانب، لم تكن خبرتي التنظيمية تؤهلني للبقاء والعمل في ظروف شديدة الوطأة على التنظيم، ومن جهة أخرى كنت واحداً من قلّة يمكنها فعلاً بلورة سياسة الرابطة في مقال أو افتتاحية.

في يوم ربيعي حار من أيار/ مايو 1979، ودّعت فاديا. قلت لها إنني راحل. لم أقل لها إنني سأكون في بيروت، فذلك كان يفترض أن يكون سرّاً على الجميع خارج المركزية. تركتها وسرت طويلاً، وحيداً، في الشوارع التي أحبها، فانحدرت من باب توما إلى القيميرية فالعمارة، وخرجت إلى شارع الملك فيصل الذي كانت حوانيته قد أغلقت للتو، فبات موحشاً كقلبي. انفلتُّ إلى شارع الثورة، وانعطفت يساراً إلى سوق ساروجة، وصعدتُ إلى بوابّة الصالحية، مارّاً بكنافة أباظة وسينما الأمير وسينما الزهراء، ثم دخلت شارع العابد قبالة البرلمان، وانعطفت يمنة في حارة خمّارة فريدي. دخلت الخمّارة؛ كان أبو جوزيف يجلس في صدر الدكان الطويل كحافلة، وعلى الجانبين اصطفت 8 طاولات متوازية في صفّين. وهتف من قرب الباب صوت عميق أجش: “يا ابن السوّاح!” التفتُّ: كان الشاعر العتيق الجميل مصطفى البدوي جالساً ومعه نديم.

“أهلا أبو حسين،” قلت له.

“تعال اجلس. يوجد كرسي هنا”.

كان مصطفى البدوي شاعراً مشاغباً، تجاوز وقتها الخامسة والستين بقليل، ولكن أخاديد وجهه كانت تحفر عميقاً في الشعر وفي الزمان. جاع كثيراً وتشرّد كثيراً. جاءني أبو جوزيف بقدح العرق من دون أن أطلبه، فرشفت منه خفيفاً، وقلت لأستفزّه: “حدثني عن قصّتك مع عمر أبو ريشة”. فأجاب “اللعنة عليك”.

اتهم البدوي عمر أبو ريشة بسرقة بيت لأحمد شوقي، فقاطعه أبو ريشة 20 سنة، ثم التقيا في بيروت أثناء تكريم الشاعر بشارة الخوري، وكان معهما الجواهري، فدعاهما أبو ريشة، ميسور الحال، إلى مطعم فخم، وذهب البدوي مع الشاعرين العملاقين، ولكنه لم يضع في فمه لقمة واحدة. “على رغم أنني كنت جائعاً”، كان يضيف.

“ليش يا أبو حسين”.

“لأنه كان في جيبي ليرة لبنانية واحدة”.

أفرغت قدح العرق في جوفي وطلبت الحساب، ولكن البدوي أزم ذراعي بقوة، وقال: “اذهب، وائل. الحساب عندي”. ونظر في عيني كمن يقول: “أنا أعرف وضعك وهذا أقل ما يمكنني فعله”. كان النقاش مع أبي حسين مستحيلاً. صافحته بقوّة وخرجت. وصباح اليوم التالي، ركبت سيارة صفراء من كراج لبنان وسط دمشق، وتوجّهت إلى بيروت، وقلبي مثقل بحزن مقيم.

درج

على باب الجحيم: منفردة 39 ۱۳ شباط فبراير ۲۰۱۸

حين علقَ الثلج على كتف السجّان ۲۳ شباط فبراير ۲۰۱۸

حكاية بلا بداية: انزياح اليسار السوري ۱٤ أذار مارس ۲۰۱۸

اليسار السوري بين العفيف الأخضر وجورج طرابيشي ۱٦ نيسان أبريل ۲۰۱۸

 “في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”.. ۰۱ أيار مايو ۲۰۱۸

 “جميل حتمل” الذي لوّن حياتي ومضى غير عابئ ۱۷ أيار مايو ۲۰۱۸

وقال لي صاحب الخمّارة: هذه طاولة أبيك ۱۵ حزيران  يونيو ۲۰۱۸

صراع ماركس ولينين في قبو معتم بحلب ۲۹ حزيران يونيو ۲۰۱۸

اليسار السوري: قيادة ثورية ولكن من دون نساء ۱۳ تموز يوليو ۲۰۱۸

 “حين قرأنا خبر موت رياض الصالح ونحن في سجن تدمر” ۳۰ تموز  يوليو ۲۰۱۸

شاي أسود غامق مع قليل من السكّر ۱۰ آب أغسطس ۲۰۱۸

حين صرت مسيحياً لستّة أشهر ۲۳ آب أغسطس ۲۰۱۸

في خمّارة اليسار الدمشقية مع علي الجندي وممدوح عدوان ۰۷ أيلول سبتمبر ۲۰۱۸

متجولاً بين وكالة سانا ومنزل نزيه أبو عفش ۲۱ أيلول سبتمبر ۲۰۱۸

بينما كنّا نعشق ونغنّي كانت أخواتنا يتحجّبن ۱۲ تشرين الأول أكتوبر ۲۰۱۸

 لم تكن حياتنا كلها في الكومونة… كنا في المسرح أيضاً وكان هناك موت كثير ۰۷ كانون الثاني ديسمبر ۲۰۱۸

أحصنة يوسف عبدلكي والأحصنة المضادّة ۲۱ كانون الأول ديسمبر ۲۰۱۸

حين خرج أكرم البني ولم يعد/ وائل السواح 13 يناير 2019

راقبها وهي تخرج بصحبة رجال الأمن وتختفي في سيارتهم  12 فبراير، 2019

الخروج من الجنّة تحت جنح ظلام دمشق 07 يونيو 2019

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق