مقالات

في غباء من يقمعون/ ألبير كامو

من المبادئ الحسنة في فلسفة تستحق هذا الاسم هو ألا ننهمك في بكائيّات تافهة أمام واقع لا يمكن أبداً تجنّبه. ليست المسألة في فرنسا معرفة كيفيّة الحفاظ على حريّات الصّحافة اليوم، وإنما هي البحث عن كيفية بقاء الصّحافي حراً أمام إلغاء هذه الحريّات. إنّها مشكلة لا تهمّ المجموعة، وإنّما الفرد.

وهذا حقّاً ما نروم تعريفه ها هنا. إذ أنّها الظّروف والوسائل التي عبرها يمكن للحرية، ليس فقط أن تحفظ، بل وأن تتجلى، وذلك في صلب الحرب ومكارهها. وهي أربع وسائل: الفطنة والرفض والسّخرية والعناد، إذ يفترض الوضوح في مقاومة الكراهية وتقديس القدريّة.

من الأكيد أنّ كل شيء يمكن إزاحته في عالم تجربتنا. إنّ الحرب نفسها التي هي ظاهرة إنسانيّة يمكن أن تتجنّب أو أن توقف بوسائل إنسانية في أيّة لحظة. يكفي معرفة السياسة الأوروبيّة في السّنوات الأخيرة للتّأكد من أنّ الحرب لها أسباب بديهيّة. فهذه الرّؤية الواضحة للأشياء تزيح الكراهية العمياء واليأس الميسر للأمور. لا ييأس صحافي حر مطلقاً في سنة 1939 ويصارع عمّا يعتبره صواباً وكأنّ عمله ذاك سيؤثّر في مجرى الأحداث، وهو لا ينشر شيئاً من شأنه أن يثير الكراهيّة أو ينتج اليأس، فكلّ هذا بمقدوره.

ومن الضّروري أيضاً وأمام مدّ الغباء مواجهة بعض الرّفض. إنّ كلّ مصاعب العالم ليس بمقدورها أن تجعل من فكر شبه نقي فكراً ضالعاً في القذارة. فيكفي معرفة آليّات المعلومات كي تسهل صحّتها. وهذا هو ما يجب أن يهتم به صحافي حرّ، ذلك أنّه إن كان لا يستطيع قول كل ما يعتقده فإنّه قادر على عدم قول ما لا يعتقده ويعتبره خطأ. وبالمثل، فإنّ صحيفة حرّة تقيّم بما تقوله لا بما لم تقل.

وإن كانت هذه الحريّة ضالعة في السّلبية فهي تبقى الأكثر أهميّة إن تمكنّا من الحفاظ عليها، فهي التي تمهّد لميلاد الحرية الحقيقيّة. وبناء على ذلك، تنفرد الصحيفة المستقلّة بتقديمها لأصل المعلومات وتساعد القرّاء على تقييمها ودحض الديماغوجية وحذف الشّتائم وتعويض التّحاليل أحاديّة المعلومات. إذن فهي تخدم الحقيقة قدر استطاعتها للإنسانية. هذا الإجراء، حتى وإن كان نسبيّاً، يمكّنها على أقصى تقدير رفض أكثر شيء في العالم يمكن قبوله: خدمة الكذب.

حان أوان التطرّق لمسألة السّخرية. يمكن اعتبار أن عقلاً يملك ذوقاً ووسائل لفرض الحواجز هو عقل رافض للسّخرية. لم نرَ هتلر، وهو مثال من بين أمثلة كثيرة، يستعمل السّخرية السّقراطيّة. تبقى السّخرية إذن سلاحاً ضد الطغاة الأقوياء. إنها تكملُ الرّفض، بمعنى أنها تؤدي إليه، ليست قطعاً مع ما هو خاطئ، بل هي غالباً قول ما هو صحيح.

صحافيّ حرّ سنة 1939، لا يشكّ في غباء هؤلاء الذين يقمعونه، إنّه متشائم في ما يخصّ الإنسان. حقيقة معلنة بنبرة دغمائية تحذف تسع مرات من أصل عشرة، ونفس الحقيقة تصاغ بلطف لا تحذف إلا خمس مرات من أصل عشرة. هذه المعادلة تصوّر إمكانيّات الذكاء البشري. بذلك تفسّر الصّحف الفرنسيّة مثل ”لو مارل” و”لو كانار أونشانيه” القادرة على نشر المقالات الساخرة بانتظام. إذن صحافي حر سنة 1939 ساخر بالضرورة، وإن كان ذلك ذا تبعات وخيمة. لكنّ الحريّة والحقيقة عاشقتان متطلّبتان، ولهذا السّبب عشّاقهما قلائل.

من الجليّ أنّ هذه الرّوح المعرّفة بإيجاز لن تدعم فعلياً إلا بقليل من التعصّب. فعلى الرغم من العراقيل الموضوعة ضد حريّة التّعبير، فإنّها ليست الأكثر صرامة للتمكّن من إحباط الفكر، لأنّ التّهديدات والإيقافات والتتبّعات تعطي في فرنسا المفعول المضادّ لما يُتوقّع منها. غير أنّه يجب الاعتراف بوجود عقبات مثبّطة للعزائم: تواصل الحمق والسفاهة المنظّمة والغباء الحادّ وغيرها. وهنا توجد العقبة الكبرى التي يجب تخطّيها. وهنا يبدو التعصّب بمثابة الفضيلة الجذريّة. وفق تناقض غريب، إلا أنّه بديهيّ، فإنّ هذا التعصّب يخدم الموضوعيّة والتّسامح.

هنا إذن جملة القواعد للحفاظ على الحريّة، حتّى داخل العبوديّة. وماذا بعد؟ يسألنا بعضهم. وماذا نقول بعد ذلك؟ علينا بالتريّث. وإذا أراد كلّ فرنسيّ أن يحافظ في محيطه فقط عمّا يعتقده صحيحاً وصائباً، وإذا أراد من موقعه المتواضع المحافظة على الحريّة والمقاومة من أجل الخير ومعرفة إرادته، فحينئذ فقط ستُكسبُ هذه الحرب بالمعنى العميق للكلمة.

سنة 1939، كتب ألبير كامو (7 نوفمبر 1913 – 4 يناير 1960) مقالاً صحافياً كان من المفترض أن يصدر المقال يوم 25 تشرين الثاني/نوفمبر في جريدة “المساء الجمهوري”، وهي صحيفة يومية تصدر في الجزائر العاصمة كان يرأس تحريرَها بنفسه، لكن وقع حظر المقال.

بعد حصول كامو على “جائزة نوبل للآداب” سنة 1957، عثرت جريدة “لوموند” على هذا النص لكنه لم يُنشر إلا سنة 2012. لنا أن نقرأ هذا النص الذي يترجم لأول مرة إلى العربية كاملاً بأعين واقعنا، وتحوّلاته منذ اندلاع الثورات العربيّة وسقوط أنظمة قمعية لتعوّض بأخرى تتصرّف – أحياناً – بعنف أشدّ من سابقيها مع الصحافييّن والمثقّفين.

(المترجم)

** ترجمة عن الفرنسية أيمن حسن

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى