سياسة

“المبادرة من أجل جمهورية سورية اتحادية” نص المبادرة وردود القعل عليها

اطلاق”المبادرة من أجل جمهورية سورية اتحادية”..واطلاق النار عليها

أصدرت “هيئة القانونيين السوريين” بياناً حذرت فيه من نتائج “ما صدر مؤخراً من مبادرات وورشات عمل ابتعدت عن أهداف الثورة، واعتمدت أنظمة وتسميات تفضي إلى تقسيم سوريا وتصدير الثورة السورية على أنها خلاف بين مكونات الشعب السوري”.

وكانت “مبادرة من أجل جمهورية سورية اتحادية” قد صدرت عن مجموعة من المعارضين والمثقفين السوريين، بتنسيق من الصحافي ابراهيم الجبين، وتضمنت المبادرة، وورقة فكرية كتبها أحمد برقاوي، وورقة اقتصادي كتبها أسامة القاضي.

وتأتي المبادرة في 64 صفحة، وساهم بوضعها كل من محمد الفارس، وسميرة مبيض، ورضوان باديني، وممتاز الشيخ، ومرح البقاعي، ومحمد علي ابراهيم باشا، ووليد عبدالقادر، ودرويش خليفة، وحافظ قرقوط، وبهاء الدين نجيب، وخطار أبو دياب.

و”المبادرة” تهدف إلى “الإعلان الفوري عن قيام الجمهورية السورية الاتحادية، دون انتظار السقوط الحتمي القادم للأسد. بالبدء بالتوافق على إعلان دستوري يصوغه قانونيون متخصصون، ويبدأ تطبيقه على الأراضي التي تحكمها قوى الثورة، بعد إلغاء جميع القوانين التي وضعت في عهد الأسد والمتضمنة تقييد الحريات والنيل من كرامة المواطن وقيمه”.

“المبادرة” أكدت أن إعلان قيام الجمهورية السورية الاتحادية يأتي “انطلاقا من الشمال، وصولاً لإعلان نجاح الجمهورية من دمشق في القريب العاجل”. وتؤكد على وحدة سوريا، وإعادة السيادة على كامل ترابها، وضمان حقوق ثقافاتها ومكوناتها القومية والمذهبية المتعددة.

ويدعو القائمون على المبادرة إلى “حماية الإقليم الشمالي مما يتعرض له من تدمير وقصف”.

وتقوم “الجمهورية السورية الاتحادية” على توزيع إداري يأخذ بعين الاعتبار الوقائع الجغرافية والثقافية والاقتصادية، بعيداً عن التمييز القومي والطائفي، ومراعاة خصوصية المكونات القومية وشعوب المنطقة وضمان حماية حقوقهم التي تم انتهاكها في كافة عهود الاستبداد”، بحيث “تضم الجمهورية أقاليم جغرافية متآخية مرتبطة بعضها ببعض بمركزية سياسية واحدة هي في العاصمة دمشق، وبحكومات محلية إدارية منتخبة ومنبثقة من سكان كل إقليم”.

توزيع الأقاليم غير منجز في المبادرة، ويتعلق بما ستراه الهيئة التأسيسية، ولكنه يحقق هدفين: “تحقيق الحياة المعشرية السورية العامة، والعدالة في توزيع الثروة”.

المبادرة أعلنت مدينة إدلب عاصمة مؤقتة للجمهورية الاتحادية، واستعادة زمام الحكم فيها بأيدي القوى المدنية المحلية، إلى حين عودة دمشق بعد تحريرها من قوى الاستبداد. ورفضت المبادرة وجود أي سلطة قمعية مصنفة إرهابية أو غير مصنفة. فمستقبل سوريا السياسي في الدولة الاتحادية لا يمكن أن يكون إلا نقيضاً لأي سلطة عسكريتارية مليشياوية تناقض قيم الحرية والكرامة والمواطنة مهما كان لباسها الإيديولوجي لان روح الإرهاب تكمن فيها.

بيان “هيئة القانونيين السوريين” فتح النار على المبادرة مباشرة، وقال: “طرحت مبادرتها حول تطبيق أنظمة حكم تؤدي بالنتيجة إلى تقسيم سوريا إلى أقاليم وتقسيم المقسم، وإعطاء فرصة لنظام الأسد والأحزاب والجهات الانفصالية لإنجاز مخططهم بتقطيع أوصال سوريا بحيث يكون لكل حي أو مدينة دويلة أو إمارة وفق العرق أو اللون أو الدين والمعتقد أو الجماعة بعيدا عن الوطنية والمواطنة”.

وأشارت “الهيئة” إلى أن “تطبيق مبدأ الاتحاد الفيدرالي واللامركزية السياسية في هذا الوضع سيؤدي حتما لتقسيم سوريا في ظل غياب الاقتصاد القوي والجيش الوطني المتماسك، بالإضافة إلى تفشي الجهل والتخلف والفوضى السياسية، وغياب الوطنية للحفاظ على وحدة سوريا وغياب القدرة على منع استقلال الأقاليم في حال تطبيق هكذا نماذج”.

“المرصد السوري لحقوق الإنسان” هاجم المبادرة بدوره، وقال: “إن أقل ما تقر به المبادرة صراحة هو الدعوة إلى الفيدرالية السياسية من جهة، أو تقسيم سورية كونفيدرالياً على أقل تقدير، في خطوة غريبة ومفاجئة لم تتجرأ على طرحها حتى قوات سوريا الديمقراطية التي تراجعت عن فكرة الفيدرالية بعد فشل مشروع روج آفا والتحول إلى الإدارة الذاتية”.

وأضاف: “إطلاق المبادرة يبدو أنه جاء ارتجالاً، حيث الجهل الواضح لفكرة نشوء الدول الاتحادية، التي تنشأ بداهة بين دول مستقلة ثم تتحد بإرادة مستقلة، عندما تجد نفسها أمام حالة من الانسجام والتفاهم، ووجود القواسم الإيجابية لإنشاء الدولة الاتحادية. أما في حالة المبادرة فالدولة الاتحادية التي تم الإعلان عنها بشكل فوري، فهي وليدة حالة من الصراع المحتدم بين القوى الإقليمية والدولية، كما وليدة الانقسام الحاد داخل المجتمع السوري، بسبب تداعيات الصراع وما تركته سنوات الحرب من انقسامات عميقة طائفياً وإثنياً وسياسياً، وبالتالي فالمبادرة تشكل قفزاً فوق مراحل تأسيس العقد الاجتماعي ومحدداته. ما يعني أن المبادرة جاءت لتكرس وتؤكد هذا الانقسام والتشرذم، وبالتالي تقسيم سوريا أرضاً وشعباً بدءاً من الاعتراف بواقع الصراع”.

لتحميل نص المبادرة من الرابط التالي

مبادرة من أجل جمهورية سورية اتحادية

سوريا الاتحادية – قراءة قانونية/ عبد الحميد عكيل العواك
-1-
الثورة تنطلق من دون رؤية، وتتشكل الرؤية أثناء الممارسة، وعند القيام بالثورة، يتفق الثوار على (إسقاط النظام) ويتفقون على تغييره، ويختلفون بعد نجاح الثورة؛ ليكتشفوا أنه لا تجمعهم رؤية واحدة للتغيير، لأن التغيير القادم ليس مكتوباً بقواعد، حتى يلتزم بها الجميع، لكن الجميع يتفق على التغيير، والجميع يختلف على الآلية والتفاصيل.
لذلك من الطبيعي أن يطلق مجموعة من السوريين مبادرة (سوريا الاتحادية) وهم يرون (أن مهمة الثورة إنما هي إنتاج الدولة السورية، وذلك عبر نظام مدني ديمقراطي لجميع مواطنيها عرباً وأكراداً وتركماناً وسرياناً وآشوريين، تحت نظام اللامركزية دولة اتحادية).
لا شك أن من أولى مهام الثورة إقامة حكم مدني قائم على المواطنة، ولكن ربط هذا الحكم ومهمة الثورة من جهة بإقامة دولة اتحادية من جهة أخرى، لا يستقيم مع المفهومات، ولا يستند إلى أسباب الثورة وغاياتها، مما لا شك فيه أن لكل ثورة أسباباً، ولها غايات تتكئ على أسبابها، وأعتقد بأن الغالبية ثارت ضد دكتاتورية السلطة الناتجة عن شكل النظام السياسي، وليس على شكل الدولة.
ما بين شكل الدولة وشكل النظام السياسي
إن الخلط بين شكل الدولة وشكل النظام السياسي يذكرني بواقعة تاريخية، فقد شكل حسني الزعيم لجنة لوضع دستور جديد، واستطاعت هذه اللجنة أن تنجز مشروعها، لكن هذا الدستور لم يرَ النور، لأن الزعيم كان يرغب بنظام رئاسي، رفضت اللجنة طلبه، وقدمت نظاماً برلمانياً، وسوّغتْ رفضها للنظام الرئاسي، بأنه يقودها إلى نظام فيدرالي، وأدى الأمر إلى فشل إصدار الدستور.
هذه الواقعة تؤكد أن اللجنة الدستورية وهي تشكل نخبة سياسية وقانونية لم تفرق بين شكل الدولة (الاتحادية) وشكل نظام الحكم (الرئاسي).
هذا الخلط بين شكل نظام الحكم وشكل الدولة يبدو ما يزال موجوداً لدى بعض النخب السورية المعاصرة، لتعلن أن إنتاج نظام مدني ديمقراطي، يتم بتغيير شكل الدولة من دولة بسيطة موحدة إلى فيدرالية اتحادية.
مما لا شك فيه أن السوريين خرجوا بثورتهم لتغيير النظام السياسي، ولم يَدُرْ في تفكير أغلبهم تغيير شكل الدولة، فهم يميزون بفطرتهم الثورية بين مصطلح النظام السياسي وبين شكل الدولة.
وإذا أردنا توضيح المصطلحين نجد أن مصطلح النظام السياسي الذي يراد به نظام الحكم السائد في دولة معينة هو تبع للقواعد الدستورية المعمول بها في الدولة، إذاً هناك ترادف بين تفسير النظم السياسية والقانون الدستوري.
والأنظمة السياسية تتنوع وفق معيار تطبيقها لمبدأ فصل السلطات إلى ثلاثة أنظمة (برلماني-رئاسي-مجلسي).
أما الفيدرالية فيرى “ديفيد برد نهايمر”أنها (عملية ديناميكية متحركة بصورة متواصلة وتلقائية، لذلك ليست الفيدرالية على نمط واحد، بحيث لا تستبدل بمرور الزمن وبتغيير الزمان والمكان، ومقتضيات التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتكنولوجي القائمة في البلدان التي نشأت فيها)، ويعرّف الفقيه “K.Wheare” على أنّ الفيدرالية (منهج تقسيم السلطات بين الحكومتين العامة والإقليمية في إطار تنسيقي وآخر مستقل).
إذاً الفيدرالية شكل من أشكال الدول، تنشأ بموجب دستور، نتيجة اتحاد عدة دول أو دولتين، أو تفكك دولة واحدة إلى عدة ولايات، يخضع المواطنون فيها إلى سلطتين غير متعارضتين، سلطة المركز وسلطة الولاية، في المجال الداخلي، وتختص الحكومة المركزية بشكل مطلق في السيادة الخارجية.
إذاً شكل النظام السياسي يختلف عن شكل الدولة، فالأول ينتج عن آليات اختلاف تطبيق مبدأ فصل السلطات، وشكل الدولة ينتج عن تطبيق مبدأ تقاسم السلطات أو عدم تطبيقه، ولا ترابط بينهما، فيمكن أن يوجد دولة اتحادية تأخذ بنظام رئاسي (أميركا) أو برلماني (ألمانيا) أو مجلسي (سويسرا).
للثورة السورية أسباب عديدة، ومن أسبابها الدستورية، أن دستورهم أنتج نظاماً سياسيّاً مشوهاً، هو نظام يصعب على الدارس تصنيفه، بين الأنظمة السياسية الثلاثة، وسبب التشوه موقع رئيس الجمهورية وتغوله على جميع السلطات، والحاصل على جميع المزايا التي تمنح للموقع من الأنظمة الثلاثة.
هذا النظام السياسي أدى إلى هيمنة الرئيس على البلاد، ولا سيما إذا ما ترافق بوجود سلطة أمنية شكلت ذراع الرئيس التي يقبض بها على كل من يناوئ سياسته.
في حين يرى أصحاب المبادرة أن تمركز السلطات ناتج عن شكل الدولة، فتحول الدولة من بسيطة إلى اتحادية كفيل بتقليص سلطات الرئيس وتفتيت الصلاحيات، وهذا ما لا نتصوره، فتغيير شكل الدولة وإن كان قائماً على مبدأ تقاسم السلطات، إلا أنه لا يسمح بمجرد تطبيقه بنزع سلطات الرئيس، لأنه يستطيع الحفاظ على جميع السلطات الاتحادية في يده، وبالتالي ينتج نظاماً سياسيّاً مشوّهاً يحكم دولة اتحادية.
بين الفيدرالية والديمقراطية
ورد في الرؤية الفكرية في المبادرة (هذه الغاية الخلاصية الوطنية الأخلاقية التاريخية تعني بالضرورة إقامة قطيعة مطلقة مع البنية الحاكمة لأن البنية الجديدة غير ممكنة دون هذه القطيعة، وتحقيقُ هذه الغاية الوطنية والنظر إليها على أنها غاية المجتمع السوري – بكل تكويناته الطبقية والإثنية والدينية والمناطقية – لا يكون إلا بقيام الدولة السورية الاتحادية).
إن الرؤية الفكرية تربط بين خلاص الشعب الذي يجب أن يبني قطيعة مع البنية الحاكمة، وهذه القطيعة لا تكون إلا بقيام الدولة الاتحادية، فهو ربط بين مفهوم الفدرالية كشكل للدولة وبين الحريات والحكم الديمقراطي.
الفدرالية والديمقراطية لا يوجد بينهم تلازم حتمي أو ترابط ميكانيكي، بمعنى متى ما أعلن تطبيق الفيدرالية تتولد ميكانيكياً عنها الديمقراطية، ويتم حفظ الحقوق والحريات بها.
لأن الفدراليات في العالم ليست بالضرورة الأفضل في مجال الحريات
والحكم الديمقراطي، كما أن النظم المركزية ليست سلطات دكتاتورية لمجرد أنها غير فيدرالية حتى مع وجود مشكلات خاصة في بلدانها.
فالسويد دولة مركزية النظام وتعد الديمقراطية الأفضل في العالم، وفي المقابل يمكن أن نجد بين الفيدراليات دولاً غير ديمقراطية مثل روسيا وإثيوبيا، إلى جانب دول أخرى لا يمكن القول إنها تمثل تجارب ديمقراطية نموذجية لمجرد أنها فيدرالية مثل نيجيريا والأرجنتين وغيرها.
الفيدرالية ليست وصفة جاهزة تعطى لكل الأنظمة بشكل موحد، بل هي متنوعة ومتعددة ومتغيرة زمانياً ومكانياً.
الفيدرالية ليست كما يظن البعض أنها علاج ميكانيكي للاستبداد وغياب الحقوق والحريات العامة، بمعنى مجرد تطبيقها سوف تتحول الدولة من الاستبداد إلى التعددية والتداول وتعود الحقوق والحريات.
الشعب السوري مما لا شك فيه يعيش أزمة هوية، والسلطة فاقدة للشرعية، وتغيب دولة المواطنة لتحضر دولة الولاء، هذه نتائج طبيعية لعوامل متفاعلة ومتعددة، بعضها تاريخي وآخر سلطوي وثالث ثقافي واجتماعي واقتصادي فالعوامل كثيرة ولا يمكن حصرها أو تعدادها.
لكن البعض أراد أن يختزل كل تلك العوامل بشكل الدولة، وكأن شكل الدولة سينتج وبشكل ميكانيكي حلولاً لجميع القضايا والإشكاليات السابق ذكرها، ولا سيما الداعين إلى الأخذ بفيدرالية للدولة، فهم يرون أنها تساعد في الخروج من أزمة الهوية، وتعمل على إنتاج سلطة شرعية، وتولد دولة المواطنة.
هذا الأمر بداهة هو تبسيط للإشكاليات وحلها، ولا سيما أن شكل الدولة هو منتج دستوري، مثله مثل بقية المصطلحات (الهوية-الشرعية-المواطنة) التي هي منتجات عن العقد الاجتماعي والسياسي بمفهومه الواسع، وغياب الدولة بمفهومها الموضوعي المعاصر نتاج عوامل متعددة كما ذكرنا.
-2-
(شرعية وآليات إعلان الدولة الاتحادية)
المبادرة وآلية إعلان الدولة الاتحادية
إن الدول الفيدرالية تنشأ بطريقتين:
الأولى: تتم من خلال انضمام عدة دول مستقلة تتنازل كل منها عن بعض سلطاتها الداخلية، لصالح الدولة الاتحادية، ومن الدول التي نشأت بهذه الطريقة أميركا – سويسرا.
الثانية: تظهر من خلال تفكك دولة بسيطة موحدة إلى وحدات ذات كيانات دستورية مستقلة. ومن الدول التي نشأت بهذه الطريقة البرازيل – الأرجنتين – المكسيك.
إن قيام الدولة الفيدرالية يستند إلى مبدأ الاتفاق بين الوحدات المكونة لها، بحيث ينبغي أن يكون اتحادها نابعاً من رضاها وإرادتها في العيش المشترك.
حددت المبادرة آلية إعلان الدولة الاتحادية بقولها (تهدف المبادرة إلى الإعلان الفوري عن قيام الجمهورية الاتحادية دون انتظار السقوط الحتمي القادم للأسد، بالبدء بالتوافق على إعلان دستوري يصوغه قانونيون متخصصون، ويبدأ تطبيقه على الأراضي التي تحكمها قوى الثورة).
من تحليل النص يتضح أنه يتضمن ثلاثة إجراءات، أولها إعلان جمهورية اتحادية، يترافق ذلك مع صياغة إعلان دستوري ليطبق على كامل الأراضي المحررة، وإلغاء القوانين التي تنتهك الحقوق والحريات العامة.
هذا النص يثير التساؤلات أكثر مما يعطي إجابات، من هي السلطة التي ستعلن قيام جمهورية سوريا الاتحادية؟ وكيف يتم اختيارها؟ وما هي شرعيتها؟ وهل تمتلك المشروعية؟ وفي أي وثيقة سيتم إعلان الجمهورية؟ في الإعلان الدستوري؟ أم هي سابقة للإعلان الدستوري؟ هل ترى المبادرة موافقة الشعب السوري ضرورة على إعلان الجمهورية؟
الشروط القانونية لإعلان الفيدرالية في دولة موحدة
كل هذه الأسئلة لم نجد لها جواباً في بنود المبادرة، مما يدفعنا إلى البحث في الشروط والقانونية لإعلان
الدول الاتحادية، ويراها الفقه في ثلاثة شروط؛ أوّلها وجوب أن يرد الإعلان في دستور دائم، والثاني أنّ إعلانها يكون من سلطة تمتلك الشرعية والمشروعية على كامل أراضي الدولة، والشرط الثالث أن يؤيدها كامل الشعب.
الدستور الدائم والإعلان الدستوري
الفيدرالية تولد في الدستور الفيدرالي الدائم وليس قبله، ولا يمكن لإعلان دستوري أن يعلن قيام دولة فيدرالية، لأن الإعلان الدستوري، يستمد حقه في الوجود والتطبيق من (الضرورة الواقعية) فهو إذاً يستمد شرعيته من الواقع الذي تفرضه الضرورة. ولأن الضرورة يجب أن تقدر بقدرها، لذلك يتوجب عدم التوسع في الإعلان الدستوري الناظم للمرحلة الانتقالية وتحميله أكثر مما يحتمل، لأنه لا يمتلك الشرعية الدستورية ولا المشروعية الثورية.
يجب أن تكون القواعد الدستورية الواردة فيه جامعة للسوريين، فتبتعد عن الأمور الخلافية، ولأن الإعلان الدستوري مؤقت وشرعيته استثنائية لا يتحمل حل إشكاليات تحمل صفة الديمومة، مثل شكل الدولة أو علاقتها بالدين أو اسم الدولة، وتترك هذه الأمور للدستور الدائم صاحب الشرعية والمشروعية والديمومة فهو أقدر على معالجتها.
أما الدستور الدائم فهو يتضمن مجموعة القواعد الأساسية التي تنظم شكل الدولة، ونظام الحكم فيها، وتنظيم السلطات العامة، وعلاقاتها مع بعضها بعضاً وبالمواطنين، وحقوق المواطنين وحرياتهم.
ويوجد في الدول المستقرة سياسياً وأمنياً واجتماعياً، ويستمد شرعيته من آلية وضعه وإصداره، وجرت العادة أن يتم وضعه بالبلاد الديمقراطية، إما عن طريق هيئة تأسيسية منتخبة، أو استفتاء الشعب على الدستور.
ويستمد هذا الدستور شرعيته من الشعب الذي أعلن موافقته عليه، ولا يوجد خلاف على شرعيته ومشروعيته، وفي حالتنا السورية سيأتي هذا الدستور لاحقاً بعد نهاية المرحلة الانتقالية ولا يمكن تطبيقه أثناءها.
بناءً عليه يجب أن يتم إعلان شكل الدولة في الدستور الدائم حصراً، فهو الذي يوجدها، ومنه تستمد شرعية إعلانها.
سلطة شرعية ومشروعية
إن السلطة بحاجة إلى بعد قانوني والذي يتمثل في الشرعية الانتخابية التي تمثل الديمقراطية الإجرائية، أي أن السلطة الممارسة تكون وفق أطر قانونية وضعية ومعايير دستورية، وبعد قيمي، وهو شرعية الإنجاز التي تمثل الديمقراطية الموضوعية أو المضمونية، أي أن السلطة لديها رضًى وتأييد شعبيّ.
فالشرعية الإجرائية هي شرعية وقتية وشكلية تنتهي بانتهاء الانتخابات، أما شرعية الإنجاز فإنها مفهوم مرن ومتبدل كلما كان تصرف السلطة أقرب للشعب كلما حقق تلك المشروعية.
وهكذا فإن الشرعية (ببعديها) توفر المسوّغ لحق الهيئة الحاكمة في ممارسة الحكم، والالتزام السياسي من جانب المواطنين لما تصدره من تشريعات، وتتبناه من سياسات. لذلك نستطيع القول: نحن بحاجة إلى سلطة شرعية تعلن شكل الدولة، وعلى هذه السلطة الشرعية أن تعتمدَ الإكراه المعنوي النابع عن إرادة المجتمع بدلَ الإكراه المادّي، وأن تعتمدَ الالتزام الطوعي الذي تمليه فكرة التعاقد بدل القسري.
هذه السلطة الشرعية بقراراتها التي تتخذها ستقود المجتمع إلى السلم الاجتماعي والانسجام، مهما كانت قراراتها صعبة ومصيرية لأنها تكون نابعة من المجتمع وصادرة عنه.
لذلك فإن إعلان شكل الدولة في سوريا يتطلب سلطة تمتلك الشرعية ببعديها، وهذه السلطة غير متوفرة في جميع سلطات الأمر الواقع، ولا في سلطة النظام الذي هو فاقد شرعية الإنجاز، كما أن سلطات الأمر الواقع فاقدة للشرعية الإجرائية والمضمونية.
لذلك فإن جميع السلطات الموجودة على الواقع السوري الآن لا تصلح لإعلان تغيير شكل الدولة.
وعليه يجب على السلطة التي ترغب بإعلان تغيير شكل الدولة، أن تنتظر إلى حين استقرار
المجتمع استقراراً يسمح بإجراء الانتخابات، وأن تتقدم ببرنامج انتخابي قائم على أساس تبنيها لشكل الدولة التي تريد، فالسلطة التي تحوز الأغلبية على أساس برنامجها هي من تملك إعلان شكل الدولة.
موافقة الشعب على الفيدرالية
والفيدرالية عندما تشمل أراضي الدولة السورية يتم إعلانها من قبل جميع السوريين فهم شركاء في هذا القرار، ولا بد من حصول موافقة الأغلبية، ويتم الحصول عليها بطريقتين:
الأولى: صريحة وتتم عن طريق إجراء استفتاء شعبي عام يشمل الأراضي السورية كافة دون استثناء، ويشترك به جميع المواطنين السوريين داخل البلاد وخارجها.
أما الثانية: ضمنية، فإنها تستشف من خلال موافقة الشعب على دستور دائم للبلاد، متضمناً تغيير شكل الدولة.
ولأن شكل الدولة لا يرد إلا ضمن قاعدة دستورية، لأن شكلها من الأهمية بمكان أن يرد ضمن القانون الأعلى في الدولة، حتى يشترك كل الشعب بتحديد شكل الدولة بكل أطيافه ومكوناته دون إقصاء لفئة أو تهميش لطائفة.
أما إذا تم الإعلان من قبل إقليم أو محافظة أو رقعة جغرافية ما، عن قيام دولة اتحادية تشمل أراضي الدولة السورية، فهو أقرب للإعلان عن الانفصال، حتى لو وافق على الإعلان سكان تلك المحافظة.
نتيجة المبادرة
إذا ما تم إعلان الجمهورية الاتحادية – وفق المبادرة – فهو إعلان غير مشروع، لأنه منتج من سلطة غير شرعية، وهو قرار سلطة أمر واقع، يبقى ما بقي الواقع العسكري المرتبط بالمتغيرات العسكرية، ويلغى عند انتخاب أي سلطة شرعية، وكأنه لم يولد، لأن القرار الباطل عند انعدامه يعدم من ولادته، ولا يرتب أي أثر قانوني أو دستوري.
وتوصيفه الدستوري مهما كانت تسميته، هو قرار انفصال أو مقدمة للانفصال عن الدولة السورية.
إذاً في ظل المعطيات الحالية يبقى الجدل السياسي حول شكل الدولة لا أثر له قانونياً، وإنما هو محاولة من جميع الأطراف لفرض ما يعتقدون بسلطة الأمر الواقع، وإذا ما تم ذلك لأحد الأطراف فإنه لن يدوم لأن ما يتم فرضه بالقوة سيتم نقضه بالعنف والقوة أيضاً.
تلفزيون سوريا

عن الدولة الاتحادية.. عندما يصبح الوطن مختطفاً/ بسام يوسف

لم تكن الثورة السورية قد أنهت عامها الأول، عندما تكاثرت دعوات التدخل الخارجي الحاسم، وهي الدعوات التي كانت قد بدأت في العقد الأخير من القرن الماضي، قُبيل احتلال العراق، وخلاله، وبعده. وبغض النظر عن نتائج احتلال العراق في المستويات كلها، وهي النتائج التي أقل ما يقال فيها: إنها دمرت الثقافة والعمران والشجر والحجر، وقد حولت الإقليم إلى ملعب دبابات زعران العالم وقراصنتهم وملاليهم ومشايخهم، دون أن تقترب من الديمقراطية أدنى اقتراب. لقد سقط الطاغية، وهذا رائع، ولكن الديمقراطية تباعدت مع ما يمكنها أن تحرره. لماذا؟ لأن تجارب البشرية قد أثبتت: غير ظفرك ما حك جلدك، ولن يحكه. ثم، مع ذلك، وبغض النظر عن مبررات وأسباب هذه الدعوات، إلا أنها منذ البداية قد أسست لواقعة خطيرة، واستراتيجية دامية، قد وسمت الثورة السورية، ولا تزال تنهشها، وهي:  الارتزاق، والاستكلاب، والاتكال، والتواكل، ما أفضى بالضرورة إلى عجز السوريين على جهتي الصراع عن تقرير مصير سوريا ومستقبلها، وعجز هم بالتالي، مع تتالي سنوات الصراع محتدمة وخافتة: عن التوافق على الحد الأدنى من القواسم المشتركة بينهم كمبادئ، لا يحق لأحد تجاوزها، وتكريسها؛ لأنها ضمانة طريق الأمل في بدئه وفي مجراه إلى وطن ومصير، ولأنها الصد والمصد والدرع المانع للوصاية الخارجية على السوريين التي تتفاقم، وتزداد، حتى أصبحت اللازمة التي تسبق أحاديث  المهتمين بالشأن السوري كلهم، بأتباعهم ووكلائهم من السوريين أنفسهم. هذا غير الأطراف السورية التي أمست تغوص في تبعيتها المتفاقمة، وتتباهى؛ فتجترح حلولاً تعكس الخارج ورؤيته، وتتباعد أبعد بكثير من أن تعبر عن مصلحة سوريا وشعبها، وعن هدف ثورتها في جوهرها على أضعف تقدير. وهي حلول- على كل حال- تتدرج: من الكونفدرالية، إلى المبادئ فوق الدستورية، إلى النظام البرلماني… وصولاً إلى الفكرة التي طرحت مؤخراً حول الدولة الاتحادية وصيغتها.

المفارقة الأولى في هذه الأطروحات، هي: أنها تأتي من شخصيات، أو من جماعات، ليس لها أقل تأثير في الواقع السوري، وأنها- غالباً-  تطرح أطروحاتها مع جهات خارجية، وعلى جهات خارجية، وليس في حوار وطني سوري واسع، وهو أمر يشير إلى مبنى الأطروحات، وإلى غاياتها، وإلى ما تقتضيه بحكم مبناها ودوافعها وحواملها.

والمفارقة الثانية، هي: أن هكذا أطروحات- بحامليها- تدفن حجر الأساس بلاهة، وحجر الأساس هو الشعب السوري، وتحجب المقرر الحقيقي شطارة، والمقرر الحقيقي أولاً وأخيراً هو الشعب السوري، وكأن السياسة فيها- وعندهم- خفة يد، أو مرونة خصر.

والمفارقة الثالثة، هي: أن هكذا أطروحات، وهكذا حملة، تتجاهل عامدة جوهر الصراع وحقيقته وسببه، وتقذف به إلى حقل آخر عن غباء- من منظور النية الطيبة- أو عن جشع وفهلوة غالباً.

ومهما كان الأمر، فإن في جوهر هذه الأطروحات تكمن أخطار متعددة قاتلة، أولها: ترسيخ صيغة بالغة الخطورة على الشعب السوري وعلى وطنه وعلى مستقبله، وهي الصيغة التي تكرس الفكرة القاتلة، تلك الفكرة التي يمكن تكثيفها في أن المشكلة الأكبر والأعقد والأخطر في سوريا، هي: مشكلة تركيبته الطائفية والإثنية والعرقية والمذهبية، وأن الحل الوحيد يكمن في صياغة سوريا القادمة بدلالة هذه التركيبة المتعددة، وليس بدلالة حاجة السوريين الحقيقية. وثاني أخطار هكذا أطروحات، هو في: تكريس فكرة الصراع في سوريا على أنه حرب أهلية بين مكونات الشعب السوري. وثالث الأخطار يكمن في: تمكين الطغمة المستبدة المافيوية الحاكمة في سوريا من اعتبارها طرفاً- من عدة أطراف تتصارع- في حرب أهلية، وبالتالي فهي ليست الطرف الأساس في دمار سوريا وتشريد شعبها.

ثم استطراداً: مهما تكن النوايا حسنة في هكذا أطروحات، فإنها تؤسس لتقسيم قادم، أحبت هذا أم كرهته، وشاءت هذا أم أبته؛ لأن كل الصيغ التي تذهب إلى تكريس طموحات قومية أو طائفية أو مذهبية أو عرقية، فإنها لابد أن تفتح الباب أمام تقاسم ما، أو أن تفضي إلى تحاصص ما. هذا التحاصص، وهذا التقاسم، المحكوم بعجز أطرافه، سيكون تابعاً لجهة خارجية حتماً. وهو شأن لا يستعصي على أي متتبع للشأن السوري في أن يحدد معظم الاستتباعات التي ستحكم أطرافه السورية، هذه التبعية عدا عن أنها ستضعف إلى حد كبير إمكانية نهضة لا بد منها لقيامة سوريا، فهي ستكرس مناطق متصارعة يمكن إشعال حروبها بأتفه الأسباب، ويمكن إشعالها وتأجيجها بإشارة خفية من فاعل خارجي.

إن تغييب جوهر الصراع في سوريا، وتشويه حقيقته، بما هو صراع بين شعب بأطيافه كلها واستبداد مافيوي لا وطني، هو هدر صريح لحقوق الشعب السوري، وسيء النية والغاية، وهو إنقاذ للعصابة التي فتكت بسوريا أيضاً، وأيضاً هو إنقاذ لداعميها من مسؤولية جرائمهم بحق الشعب السوري، وهو- وهنا الأخطر- إنهاء لحلم السوريين بوطن يضمهم، ويضمن لهم حقوقهم وحياتهم الحرة الكريمة.

إن هذه الأطروحات كلها، هي أصلاً- مع القليل من خجل التواضع والقناعة، ومع القليل من البصيرة والتبصر في تجارب الشعوب ودروسها- كان ينبغي أن تكون مرصودة للشعب السوري؛ لكونها حقاً أولياً مبدئياً من حقوقه التي تتحدد موضوعياً بوجوده التاريخي وبمصالحه التاريخية- الآنية والاستراتيجية- وليس لأي جهة من الجهات التي تتفاصح أي حق للبت فيها. وهي- وهم- ثانياً، تحتاج- ويحتاجون- أولاً ومسبقاً إلى إنهاء الاستبداد؛ لكي تكون إرادة الشعب محررة كشرط أولي للتعبير، وهو الاستبداد الذي أسس هذا الخراب، ووسعه ونماه وعممه، وتحتاج أيضاً- ويحتاجون- إلى عودة السوريين من مخيماتهم ومن شتاتهم؛ لكي يتمكنوا من المشاركة في اختيار الصيغة التي يرون أنها الأنسب لهم.

إن من يريد أن ينتصر للشعب السوري، وأن يجد له حلاً، هو من يساعد في فتح الممكنات أمامه، وهو من يدفع إلى تحرير إرادته؛ لكي يتمكن من تقرير مصيره فعلاً، بكامل حريته. وليس هو ذلك الذي يعتبر نفسه وصياً على قاصر، الذي حاله كحال كأي وصي، فهو لا يتوانى- دائماً- عن التفريط بحقوق الموصى عليه،  سواء أكان هذا التفريط لمصلحته الخاصة أم لمصلحة من يتحكم برأيه وبمعيشته وبوجوده.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق