وجها لوجه

حوار مع سفيتلانا أليكسيفيتش

الجزء الأول من الحوار: أحببتُ دائماً قصص النّاس العاديين

تحبّ سفيتلانا أليكسيفيتش (1948، ستانيسلاف) وصفَ أعمالها بأنّها “مشروع اجتماعي”، عملت على تطويره لمدّة 40 عاماً. تقول إنّه “مشروع اجتماعي” بغير قليل من التواضع والتحفّظ في ما يتعلّق بهذا المفهوم، وهذه ميزة مرحّب بها دائماً في عالم يسوّق باستمرار لعجرفة ما لا يحصى من الأسماء الثقافية الكبيرة، لكنّه مع ذلك مفهوم لا يكفي لتحديد طبيعة عملٍ استثنائيّ وأساسيّ في الأدب وفي التاريخ، يتجلّى بوضوح من خلال كتب أليكسيفيتش الّتي قدّمت بشكلٍ رائع صورة عن العالم المعقّد والمأساوي المحيط بها، عندما اختارت لكلماتها أن تنقذ أصواتَ رجالٍ ونساء كانوا من أبطال تلك التجربة الاجتماعية والسياسية والتاريخية العظيمة الّتي تمخّضت عن الثورة الروسية عام 1917.

صاحبة نوبل الآداب عام 2015، المنحدرة من أسرة تمتهن التعليم، درسَت الصحافة في الجامعة، وعلى مرّ السنين أصدرت العديد من الكتب التي تمثّل مجهوداً هائلاً وأصيلاً، يستند فقط إلى الموهبة والمثابرة والحساسية، من بينها: “ليس للحرب وجهٌ أنثوي” (1985)، حيث لأوّل مرّة تعبّر النساء الرّوسيات عن وجهات نظرهنّ بخصوص ما حدث خلال الحرب العالمية الثانية؛ “فتيانُ الزنك” الّذي تروي فيه أمّهات الجنود قصّة الغزو السوفييتي (1989)؛ “صلاةُ تشيرنوبيل” الذي يعدّ بمثابة وصف كوراليّ صادم لمأساة النّاجين من الكارثة النووية الّتي وقعت في أبريل 1986. (1997)؛ “نهايةُ الإنسان الأحمر” الّذي يروي تفكّك يوتوبيا الإنسان الجديد (2013)؛ “آخر الشهود” الذي يتضمّن شهادات أطفال الحرب العالمية الثانية (2016).

إذا كان معظم القرّاء في العالم قد تعرّفوا على اسم سفيتلانا ألكسيفيتش عام 2015، عندما قرّرت الأكاديمية السويدية منحها جائزة نوبل للآداب، لأوّل مرّة عن مجموعة أعمال غير روائية، فإنّ هذا الاسم الذي كان نسيه البعض سرعان ما عاد بقوّة إلى الواجهة مع بداية هذا العام، والسبب كتاب “صلاة تشيرنوبيل”، الّذي أثار الكثير من الفضول والجدل وصار مطلوباً من طرف القرّاء والمشاهدين على السواء، وذلك بعد عرض مسلسل درامي جديد بعنوان “تشيرنوبيل”، تمّ اقتباسه من الكتاب، والّذي اقتفى عبر خمس حلقات آثار واحدة من اللّحظات الدراماتيكية في القرن العشرين: الكارثة النّووية الشهيرة الّتي وقعت عام 1986، والّتي في نظر الكثيرين كانت من بين الأسباب الّتي سرّعت بانهيار الاتحاد السوفييتي، خمس سنواتٍ بعد ذاك.

كثيراً ما صرّحت ألكسيفيتش إنّه بسبب الصّمت الّذي فرضته السّلطات، وعدم وجود توجيهات بخصوص الحديث عن هذه الكارثة، فقد كان من السّهل عليها نسبيّاً القيام بتحقيق والحصول على شهادات مجّانية وتلقائية عن “تشيرنوبيل”. لقد حظي هذا المسلسل بشعبية كبيرة – هو الّذي قامت حبكته على قصّة مستوحاة من شهادات وردت في كتاب ألكسيفيتش- لأنّه يسهم في استرجاع لحظة تاريخية مأساوية فشلت كلّ محاولات طمسها حتّى الآن، بحسب رأي الصحافية الروسية المرموقة ماشا جيسن في مقال لها نشر في مجلة “نيويوركر”.

في ما يلي، نقدّم ترجمة كاملة لآخر حوارٍ حصريّ مع هذه الكاتبة البيلاروسية العظيمة،أجري معها قبل فترة وجيزة، وتحدّثت فيه عن تصوّرها الخاصّ للأدب ولوظيفته، وعن التّحقيق الذي أجرته حول كارثة “تشيرنوبيل”، ورأيها في المسلسل الشهير الّذي عرض هذا العام، وعن السّبب في حنين البعض إلى الشيوعية، وشعبية بوتين بين الرّوس حتّى اليوم، فضلاً عن بعض النّصائح الأساسية للصحافيين، وغيرها من المواضيع:

تأثير أصوات النساء

(*) قلتِ ذات مرّة إنّ الوقت لم يعد مناسباً للكتابة عن الأبطال، بل لسردِ حكاية الرجل الصغير. كما أنّك كتبتِ أيضاً أن مهمّتك هي سردُ ما لا يحسب له حساب في العادة، أي تاريخ المشاعر والروح الإنسانية. كيف ومتى بدأتِ الكتابة بهذه الطريقة؟

ولدتُ في الريف، ونشأتُ في الريف، ودائماً كان لقصص النساء تأثيرٌ كبير عليّ، وهي قصص بسيطة كنّ يحكينها لي عندما كنتُ طفلة، وكلها تتعلّق بالحرب. لقد قرأتُ العديد من الكتب عن الحرب، لكنّني اعتقدتُ دائماً أنّ قصصهنّ أكثر قوّة، أي كانت تتمتّع بقوّة أكبر من أيّ فيلم أو أيّ كتاب. كنتُ دائماً أنصتُ إلى حكايات وأصوات هؤلاء النّسوة اللّائي تركتهنّ الحرب بلا رجال. وبما أنّني أمضيت طفولتي في الريف، في منازل أجدادي- إذ لديّ جدّة أوكرانية وأخرى بيلاروسية – كان دائماً لأصوات النّساء تأثير كبير عليّ، لأنّها في نظري كانت مثيرة للاهتمام. لقد بدا لي دائماً أنّه ليس من العدل أن لا يعرف أحد قصّة جدّتي الأوكرانية، على سبيل المثال، أن لا يعرف أحد مأساة حياتها، وكيف فقدت زوجها، أو كيف قتلوه، لتتكفّل لوحدها بتربية خمسة أبناء. يبدو من الظّلم أن لا يعرف أحد كيف نجت وكيف روت قصّتها في ما بعد.

عندما تخرّجتُ من كلّية الصحافة في مينسك – وقد عملتُ لاحقاً في إحدى الصحف – سافرتُ كثيراً لأستمع إلى قصص أشخاص بسطاء: لقد أحببتُ دائماً الإنصات إلى قصص الناس العاديين. ثم طرأت لي فكرة، لماذا يجب أن يكون شكل الرواية تقليديّاً، على غرار “الحرب والسلام” مثلاً؟ لقد تغيّر الزمن كثيراً عن السابق، إذاً، لماذا لا يتغيّر شكل الرواية أيضاً؟

كعادتي دائماً، كانت ذاكرتي تحتشد بأصوات هؤلاء الأشخاص الّذين حكوا لي قصصهم منذ الطفولة، فقلتُ لنفسي: لماذا يجب أن أخترع قصّة، أو أبتكر شخصيات؟ لماذا لا يمكن أن يكون هناك أناس حقيقيّون يروون قصصهم؟ لماذا لا أكتب رواية فيها أناسٌ حقيقيّون؟

من جهة أخرى، في ثقافتنا، كان لدينا دائماً تقليد عريق من القصص الإنسانية. وبما أنّ الحرب كانت تحتلّ دائماً مكاناً مهمّاً جدّاً في حياتنا، وما تزال تحتلّ مكانة مركزية في حياة العديد من العائلات، فكّرتُ في أن أكتب كتاباً مختلفاً عن الحرب، يكون كتاباً قاسياً، وفظيعاً، يزرع الخوف في القلوب.

(*) لقد خلقتِ من المحادثة مع هؤلاء الناس الموضوع الرئيس لجنسٍ أدبي جديد. إذا طُلب منك أن تقدّمي نصائح أساسية لصحافيّ أو كاتب يرغب في البحث عن معلومات حسّاسة من مصادر لا تظهر في وسائل الإعلام، بماذا تنصحين؟

أوّلاً، لسماعِ شيءٍ جديد، يجب عليكِ أن تطرحي سؤالاً جديداً، أي يجب أن تتعلّمي كيف تطرحين السؤال بطريقة جديدة. ثانياً، عليك أن تعاملي هذا الشخص كما لو كان صديقاً، لأنّك لا تحاولين أن تحصلي على المعلومات فحسب، بل عليك أن تتحدّثي معه عن الحياة بشكل عام. في كُتبي، على سبيل المثال، لا أقصد أن أسرد الأحداث الّتي وقعت فقط، ولكن خلف هذه الأحداث أشير إلى المصير، وإلى الشّخص، وإلى الثقافة، أي أنّه يوجد هناك سياق عميق. وإذا حضرتِ هذه المقابلة باعتبارك شخصاً صادقاً يرغب في الحديث مع شخص آخر مثير للاهتمام، فأعتقد أنّ هذه المحادثة سوف تسير على ما يرام.

وبالتّالي، فإنّ الفكرة ليست هي القيام بتجميع القصص، لأنّ هناك الملايين من هذه القصص، ولكن عليك أن تبحثي عن نهجٍ مختلف في روايتها. مثلاً، في كتابي الأوّل عن الحرب، قرّرتُ التفكير في كيفية سرده، لأنّني اعتقدت أنّ لا أحد يعرف ما تفكّر فيه النساء بخصوص ما حدث. بمعنى آخر، يحتاج الأمر إلى اتّباع أسلوبٍ جديد وإعادة التّفكير في الحقائق.

(*) عندما كنتِ بصدد تأليف كتاب حول “تشيرنوبيل”، هل اتّخذتِ تدابير حماية خاصة أثناء المقابلات مع الرجال والنساء الّذين كانوا من بين مصادرك؟ هل كنت خائفة من التعرّض للتلوّث؟ هل تعاملتِ معهم باحتراز، من مسافة معينة، أم تورّطتِ بلا خوف؟

لا، لا على الإطلاق، أنا لم أتّخذ تدابير حماية خاصة. مثلاً، لقد سافرت إلى هناك رفقة صحافي ياباني وآخر ألماني، كانا يرغبان في معرفة حقيقة ما جرى. لكن عندما حان موعد الغداء، قام بعض الأشخاص بدعوتنا إلى طاولتهم لتناول الغداء معهم، فقال الصحافيان: “لا، لا شكراً”، ثمّ أخرجا بعض الشّطائر والأباريق وكؤوس البلاستيك وغيرها وانتبذا ركناً بعيداً عن الجميع. لكن لو أنّني فعلت مثلهما، لكان الاتّصال انتهى هنا: لا يمكنكِ أن تطلبي من سيّدة أن تحكي لك “كيف ماتت ابنتها” من دون الجلوس معها على طاولة الطعام لتناول الغداء، إذا قامت بدعوتك لذلك. لستُ متأكّدة من أنّني فعلت ذلك أيضاً، لأنّه كانت لديّ طفلة صغيرة في تلك الفترة. لذلك لا أعرف إذا كنت قد تصرّفتُ بشكلٍ صحيح، عن طريق المخاطرة بنفسي في تلك اللحظة. لكنّني نشأتُ في حضن التقاليد والثّقافة الروسية، ولا أعرف ما إذا كان يمكننا التّعامل مع شخص ما بطريقةٍ أخرى.

عن مسلسل “تشرنوبيل”

(*) هل شاهدتِ مسلسل “تشيرنوبيل”؟ ما رأيك فيه؟ هل انزعجتِ من التغييرات الّتي أُدخلت على القصة الأصلية، وبعض الإضافات والتعديلات على بعض الحقائق؟

لا، لم يزعجني ذلك على الإطلاق: إنّه فيلم، وليس فيلماً وثائقياً، لذا من الواضح أنّ المؤلف كان له الحقّ في إجراء بعض التعديلات. ما أفتقده قليلاً في هذا الفيلم هو الجزء الفلسفيّ، لأنّ الخط الرّئيسي في كتابي، أي تصوّره الفلسفي، كان ذلك الافتقار إلى عدم الاستعداد لكوارث مروّعة من هذا الحجم، ذلك لأنّ قدراتنا التقنية اليوم صارت متفوّقة على صفاتنا الأخلاقية كأشخاص. كانت هناك الكثير من الأكاذيب في تلك الفترة، وكان هناك نقص في المعلومات وقتَ حدوث الانفجار، لكنّ الشيء الأكثر أهميّة هو أنّنا لم نكن مستعدّين لمواجهة الحقائق.

(*) ما رأيك في اختيار فاليري ليغازوف، كبير مستشاري الكرملين، بطلاً للقصة؟

أعتقد أنّ ذلك كان عادلاً تماماً. أظنّ أنّها قصة مأساوية، وأفهم تماماً لماذا تسير هاتان القصّتان جنباً إلى جنب: قصّة كتابي، وهي قصّة لودميلا، زوجة رجل الإطفاء، وقصّة ليغازوف.

(*) هل تعتقدين أنّ نجاح المسلسل يرتبط، بشكلٍ أو بآخر، بحقيقة أنّ النّاس الآن أكثر وعياً بإمكانية التّدمير الذاتي للإنسانية؟

بالطبع، أنا متأكّدة من أنّ هذا يرجع بعض الشيء إلى الضّمير البيئي الجديد. نحن نعيش وقائعَ نتحمّل مسؤوليتها بأنفسنا: البشر يطلقون شياطين لا نستطيع السيطرة عليها. أتذكّر عندما كنتُ في فوكوشيما (شمالَ شرق محطّة الطاقة النوويّة اليابانية المتضرّرة من حادث نووي وقع سنة 2011). مثلاً، قبل وقوع هذه الكارثة، كان الجميع يقول عن تشيرنوبيل: “هؤلاء الرّوس يعيشون في حالة من الفوضى”، أو “هذا لا يمكن أن يحدث إلّا للرّوس”، ثمّ حدث الأمر نفسه في فوكوشيما باليابان، لأنّه كانت هناك الكثير من الأكاذيب في فوكوشيما أيضاً. نحن لا نعلم شيئاً عن حقيقة ما يرمونه في المحيط هناك وما إذا كان من الممكن السيطرة على ما يفعلونه. لقد شاهدتُ الموقف نفسه الّذي واجهناه سابقاً: أشخاص اضطرّوا للتنقّل من أماكنهم، وأشخاص اضطرّوا إلى مغادرة منازلهم، مثلما حدث في تشيرنوبيل، كما أنّ الأشخاص الّذين كانوا يعملون في المحطّة يعانون اليوم من جميع أنواع الأمراض، وهذه هي الأكاذيب نفسها الّتي مررنا بها، دون أن ننسى أنّ الناس لم يكونوا يتوفّرون على أقلّ قدر ممكن من المعلومات حول ما حدث.

الجزء الثاني من الحوار: نعيش بمجتمع عسكري والحرّية مسلسل طويل

(*) في كتابه “إم سي مافيا”، كتب المؤلف البريطاني ميشا جليني أنّه فيما يتعلّق بالعالم الشيوعي “كانت المافيا هي قابلة الديمقراطية”. حين نتحدّث عن المافيا، فإنّنا نتحدّث عن الفساد، وأنتِ قلتِ ذات مرّة: “في تلك الفترة، كانت محاربة الدولارات من الناحية الأخلاقية أكثر صعوبة من محاربة معسكرات الاعتقال، لأنّنا لم نتمّكن من فعل أيّ شيء حيال هذه المعسكرات”. كيف يمكن للمرء أن يستوعب أنّه كان هناك فساد في الجمعيات الخيرية للناجين من تشيرنوبيل؟

إنّها مشكلة ثقافية، وكثيراً ما عاينتُها في تجربتي. أتذكّر الحالة الخاصّة لمؤسسة هولندية، قامت بجمع الأموال وجلب الأدوية للأطفال. كانوا أشخاصاً عاديين، ساعدوا وقدّموا أموالهم، وبمجرّد أن أحضروا الشاحنات محمّلةً بالمساعدات الإنسانية، دعاهم رئيس المؤسسة البيلاروسية للاحتفال في منزله. عندما وصلوا، وجدوا أمامهم قصراً حقيقياً من ذهب، ومن كريستال، قصراً فخماً بمعنى الكلمة. شاهدت كيف انذهل هؤلاء الأشخاص العاديون القادمون من هولندا: “كيف لشخصٍ كان معلّماً أن يحصل على كلّ هذا، وهل يمكن لمؤسّسته أن تحصل على هذا المبلغ من المال وعلى هذا النوع من الحياة؟”، لكنّ الأمر كان كذلك فعلاً، إنّها مشكلة ثقافية.

لهذا السبب، عندما أُلقي خُطباً أو أتحدّث إلى الجمعيات الخيرية في الخارج، أقول لهم دائماً: عليكم أن تتبعوا مهمّتكم حتّى النهاية، حتّى تصل المساعدات الّتي جمعتم إلى أيدي الناس، إلى الّذين يحتاجون إليها، لهذا أنصحكم أن لا تمنحوها إلى الحكومة البيلاروسية أو إلى منظّمي الأعمال الخيرية في بيلاروسيا.

لدينا نسبة ألمٍ أعلى قليلاً من المعتاد

(*) تقولين دائماً إنّ المجتمع الروسي والمجتمع البيلاروسي اضطرّا إلى إعدام الجلادين والضحايا وأنّ الجميع واصلوا مشاركة الحياة المجتمعية في ما يعرف بأنّه “مجتمع المخبرين”. ما هي الآثار الّتي فُرض على الناس أن يعيشوها بهذه الطريقة على مدار عقود طويلة؟

من الصعب التّراجع قليلاً والنّظر من الخارج إلى ما يحدث لأنّ هذا هو ما نعيشه، وفي حالتي هذا ما أعيشه منذ طفولتي. أتحدّث دائماً عن قصّة آبائنا الّذين ذهبوا إلى الحرب: لقد قاتلوا وقُتلوا. ثمّ أتذكّر دائماً قصة والدي. قال لي إنّه كان يدرس في الجامعة قبل الحرب، وأنّه في كلّ مرّة يعود فيها إلى المنزل، خلال الإجازة، يكتشف أنّ نصف أعضاء هيئة التّدريس قد اختفوا من الجامعة، لأنّهم سجنوا ببساطة وحلّ محلهم أشخاص آخرون. هذا يعني، أنّه كان يجد الكثير من أساتذته معتقلين. لهذا أعتقد أنّ لدينا نسبة ألمٍ أعلى قليلاً من المعتاد، وهذا هو السبب في أنّ العدوانية والكراهية شائعتان في مجتمعنا.

مثلاً، قبل أيّام كنتُ في موسكو، وشعرتُ بالدّهشة والخوف عندما مررتُ بمتجر يبيع ملابس عسكرية للأطفال من عمر 3 إلى 15 عاماً. كان هناك آباء يشترون تلك الملابس، ويلبسُونها أطفالهَم للذّهاب إلى حفلات أو ما شابه. لقد لاحظتُ أنّ كمية الألعاب العسكرية قد ازدادت، لذلك أعتقد أنّنا أيضاً نعيش في مجتمع عسكري.

(*) هناك أناس يعبّرون عن حنينهم إلى الشيوعية. فهل أنتِ شخصيّاً من الّذين يفتقدون شيئاً من تلك الفترة؟

حسناً، إنّه أمر غريب بعض الشيء، وممّا يثير الدّهشة قليلاً، ولكن هناك شيء واحد نفتقده من تلك الفترة، ونتحدّث عنه دائماً مع الأصدقاء، وهو أنّنا كنّا نلتقي في وقتٍ كان ما يزال الغولاج موجوداً، ومع ذلك كانت علاقات الصداقة عميقة جدّاً. كان النّاس يجتمعون كثيراً، لتناول الطعام أحياناً، للغناء معاً، أو لعزف الغيتار. اليومَ صار الهاجس الوحيد هو السّباق للحصول على المال. صارت للنّاس وظيفتان أو ثلاث فقط، عليهم العمل لكسب المال ولم يعد هناك اليوم الكثير من الأصدقاء، لم يعودوا يغنّون أو يقضون عطلات نهاية الأسبوع على متنِ قوارب الكانوا الّتي كانت شائعة جدّاً في ذلك الوقت. وهذا أمر مؤسف حقّاً. كنّا نعيش في زمن يسوده خوف شديد، ومع ذلك كان هناك الكثير من الناس الطّيبين.

سأحكي لك حكاية، لقد اندهشت قبل أيام حين ذهبتُ لمرافقة حفيدتي بعد خروجها من المدرسة. دخلنا إلى مطعم لأنّها كانت تريد أن أشتري لها كعكة، وكان هناك طابور طويل من النّاس، تركتُ الكثير من الأشخاص يسبقونني لشراء ما يرغبون فيه. لكنّ الفتاة عندما رأتني منتظرة، اندفعت نحو الطابور وأخرجت نقودها واشترت الكعكة الّتي تريد، ثمّ نظرت إليّ معاتبة وقالت: “سفيتلا، أنتِ رخوة جدّاً مثل كلّ شيءٍ هذه الأيّام، في هذا العصر يجب أن تكوني بطاطا مقليّة”. (تضحك)

*) الديمقراطية كنظام سياسي تعيش أزمة في كلّ أنحاء العالم. يقول البعض إنّ الروس يضعون النّظام والأمن دوماً في مرتبة أعلى من الديمقراطية. هل تشاطرين هذا الرأي؟

لا أعرف ما إذا كان بالإمكان الحكم على هذا النّحو، أي أنّ الناس يفضّلون النظام والأمن، لأنّنا كذلك نرى كثيراً من الناس يطالبون بالديمقراطية. لكن، من ناحية أخرى، نقرأ أيضاً أنّ هناك الكثير من الناس – واليومَ صار عددهم في تزايد- يحبّون ستالين.

(*) هل ما زالوا يتذكّرونَه؟

نعم، ما زالوا يتذكّرونه. سافرتُ كثيراً داخل روسيا وشاهدت وزُرت العديد من المتاحف والمعالم الأثرية الخاصّة بستالين. لم يتمّ فتح هذه المتاحف من قِبل السلطات، ولكن من قبل الناس. في التّسعينيات، عندما بدأَت البيرسترويكا، لم نكن نتخيّل أن يحدث شيء من هذا القبيل. اليومَ، على سبيل المثال، نقرأ في الصحافة الروسية الكثير من الانتقادات لمسلسل “تشيرنوبيل”، أوّلاً لأنّه أُنتج في الولايات المتحدة الأميركية، وثانياً، لأنّه لم يُظهر للنّاس أيّة بطولة، كما كانوا يتوقعون. ثمّ يقولون: “علينا أن ندافع عن ماضينا ضدّ ألكسيفيتش المعادية للرّوس وضدّ الولايات المتحدة”. أحبُّ كثيراً ما جاء في جواب الممثل الّذي لعب دور ليغازوف في المسلسل (جاريد هاريس)، الّذي قال: “ما الّذي يدافع عنه الرّوس؟ ما هو؟ ومن يدافع عن ماذا؟ هل هم يدافعون عن الأفكار الرّهيبة الّتي سادت في تلك الفترة أم ماذا؟ كنتُ قد سمعت عن فيلمين آخرين حول “تشيرنوبيل” سوف يتمّ تصويرهما في روسيا، وبعدها قرأتُ أشياء عن مؤامرة يستولي فيها عملاء المخابرات السوفييتية على جواسيس أميركيين. ثمّ فكرت: يا إلهي، لماذا كلّ هذا؟”.

هناك بوتين جماعيّ

(*) تصادف هذا العام الذّكرى العشرون لوصول بوتين إلى السلطة في روسيا. أنتِ من أشدّ منتقدي الرئيس الروسي، لماذا تعتقدين أنّ بوتين، على الرغم من مرور الوقت والأزمات المختلفة، لا يزال يحظى بكثير من الدعم الشعبي؟

لا أعتقد أنّ بوتين هو مجرّد واقع أو فكرة، وإنّما هناك بوتين جماعيّ هو الّذي يتشكّل منه الوعي. بوتين في وعي الكثير من الناس في روسيا، ليس فقط عند الأجيال القديمة ولكن حتّى عند الأجيال الجديدة، يمثّل هؤلاء الّذين لا يريدون التعرّض للمزيد من الإهانة، والّذين يريدون عودة روسيا العظمى مرّة أخرى.  ليس من الضروري أن نتخيّل أنّ الجميع كانوا متّفقين على المطالبة بالبيرسترويكا في التّسعينيات، لم يكن الأمر كذلك. لم يكن أحد في ذلك الوقت يريد الرأسمالية، على الأقلّ الرأسمالية كما ظهرت إرهاصاتها آنذاك والّتي نعيشها اليوم في روسيا. كان الديمقراطيون ساذجين بعض الشيء، واعتقدوا أنّهم يريدون ما يريده النّاس. بمعنى أنّه لا يمكننا القول إنّ الشخص الّذي غادر لتوّه معسكر اعتقالٍ سيكون حرّاً تماماً، لأنّ الحرية مسلسل طويل.

(*) قرّاؤنا يعرفون فلاديمير بوتين لكنّهم لا يعرفون كثيراً الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، وهو الّذي يحكم البلاد منذ 25 عاماً. إذا طلبت منك أن تصفي شخصيته كحاكمٍ وسياسيٍ، ماذا ستقولين؟

بكلمات قليلة: إنّه شخص من الماضي. بقدر ما يقول إنّه ليس شيوعياً، فإنّ كلّ ما يقوله ويفعله شيوعيٌّ للغاية. مع ذلك، وبإيجاز شديد: إنّه شيوعيّ من الطّراز القديم، إذا جاز التعبير.

(*) هل تعتقدين أنّ مكانة المرأة تغيّرت في المجتمع الروسي بما يتماشى تقريباً مع ما يحدث في العالم بأسره؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، ما السبب؟

إنّها عملية تحدث ببطءٍ شديد، لكنّنا بالتأكيد نلاحظها أكثر من الأجيال الشابة.

(*) عملك الأخير يحمل عنوان “ليوبوف”، ويعني الحبّ بالروسية، وهو عمل وثائقي عن الحب. هل كنتِ في حاجة للبحث والعمل على هذا الموضوع بعد سنواتٍ عديدة من الكتابة عن الحرب والعنف والموت بجميع أشكاله؟

لا، لا، لم يكن الأمر كذلك. لكن عندما انتهيتُ من المشروع الاجتماعي الّذي اشتغلتُ عليه على مدى 40 عاماً، ولم تعد لديّ أفكار بخصوصه، بدأتُ أفكّر فيما سأفعله بعد الانتهاء منه، فاخترتُ استكشاف بعض الأسئلة الوجودية، من قبيل هذين الموضوعين الرّئيسين: الحبّ والموت.

(*) على مرّ السنين، قمتِ باستجواب العديد من النساء والرجال الّذين عانوا من مواقف مأساوية جداً، أو الّذين تعرّضوا بأنفسهم إلى الاضطهاد والإدانة اللّذين كانا من أسس النّظام السياسي. هل سبق لك أن شعرتِ بالخوف على حياتك؟ وهل سبق أن خشيتِ من محاكمتك بسبب كتبك؟

لن أقول إنّني أخاف أو كنت خائفة على حياتي، لقد تقبّلتُ حياتي كنوعٍ من الفلسفة المُميتة. لأنّ وجود فنّان في وضعية صراع مع الحكومة في روسيا، أو في بيلاروسيا، هو أمر شائع جدّاً، لكنّ الفظيع والمخيف هو أن تكون في صراع مع مجتمعك، ومع شعبك. لأنّه عندما يصرخ في وجهكِ معارفك وأقرباؤك والناس الذين يحترمونك: “القرم أرضنا”، ويكرهونك على ذلك، فهذا أمر فظيع. لكنّني أملك ما يشبه كلمة مرور، أتغامزها مع أصدقائي. مثلاً، عندما ذهبتُ لزيارة صديقة لم أرها منذ فترة، دخلتُ إلى منزلها، وبينما أنا أخلع معطفي، بادرتني بالقول: “سفيتلا، القرم ليست أرضنا، ها أنا أخبرك حتّى لا تقلقي”.

*أجرت الحوار هيندي بوميرانيك. ونشر في الموقع الإخباري الإسباني “إنفوبايي” يوم 7 يوليو/ تموز 2019.

ترجمه عن الإسبانية: نجيب مبارك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق