نصوص

ضفدعة في حلق غوغل/ نائلة منصور

عن قريتي البيزنطية وأشياء أخرى..

ترادفَ جفاف المناخ في جسدي وحواسّي بوضوح الرؤية في الجوّ وبرائحتَي الصخور الجَرَدية والتين البعل. كما في مشاهد الأفلام التي تتخايل فيها للتائهين في الصحارى صورُ واحاتٍ بعيدة، ويصبح الهواء سائلاً لزجاً تصعب الرؤية عبره، تصلني عبر الشاشة رائحة عفونة ما. لم أحب يوماً المدن البحرية، وما زلت أرى الجبال مسكن الإنسان الأكثر وداعة وحناناً في يوم قيامي يُنْبئوننا بأنه لا محالة آتٍ قريباً جداً. الرطوبة سِلّ – وربما كوليرا وعفَن – في الجبال. لا ريب أن الجثث لا تتعفن بعد أن تُوارى في مقبرة «بربارة» شرقي البلدة، حيث تظلل أشجار «الميس» والبطم مقابر العائلات.

أُسنِد رأسي وظهري إلى الجدار الخلفي لدير التجلّي للروم الأرثوذكس في شرق جنوب البلدة، على صخرة كبيرة جداً تستند في قاعدتها على صخرات أصغر أتسلّقها لأصل، وتبرز على مساحة صغيرة من سطحها بعض الإشنيات الرمادية المخضرة. في تلك الكنيسة الصغيرة جداً، كان يُصلّى على العنب في موسمه حسب ما تبقى من ذاكرة. أنظر باتجاه سهل ممتد نحو القلمون الشرقي. كان للجزء الأقرب إلى القرية من هذا السهل اسمٌ اعتاد جدي على ترداده؛ برّيّة قريبة أرافقه إليها لنجمع عناقيد السمّاق لطبخة جدتي عند الظهيرة. كان يمكننا أن نذهب ونعود بسرعة حتى لو انتصف النهار واحتدت الشمس دون المخاطرة بضربة منها. مشاوير السمّاق «خُلَّبية» نسبة لمشاوير «تحويش» التين، والتي تتطلب الاستيقاظ قبل طلوع الشمس ليكون التين البعل نَدِيّاً ولتجنّب غدرات الشمس. تلك الشمسُ قتلت لجدتي مريم من بين «بطونها» السبعة رضيعةً شاهقة الجمال؛ «جميلة وليست للحياة» كما كانت تقول جدتي في تقبّلها الملحمي للأقدار. لم أكن أفهم لماذا الجمال ليس للحياة، ولماذا لم يمت باقي أولاد جدتي من خالات وأخوال وأمي معهم، رغم جمالهم الذي يقطع الأنفاس في عينيّ؟ والشمس قتلت عمةً لأمي لم أعرفها في ثلاثينات أو أربعينات القرن الماضي. بعد أربعين يوماً من الحزن على شابّ توفي في العائلة، لم تُغسل خلالها أية قطعة ثياب، أرسلوها إلى نبع ماء لغسيل ثياب العائلة كلها لوحدها فتوفيت بضربة شمس. لم أعد أذكر اسم السهل الذي يبتدئ مدّ النظر من خلف كنيسة التجلي للروم نحو الشرق. ليس «قلعة الحمرا» حتماً، فتلك القلعة الصخرية المتخيلة تقع شمالاً على حدود جبال لبنان. «حْرارة» بحاء ساكنة؟ ألقّم غوغل: ح.ر.ا.ر.ة مرفقةً باسم بلدة جدتي مريم وأهلي كلهم: ص.ي.د.ن.ا.ي.ا. ينفرد المضلع الرمادي لسجن صيدنايا بأول ثلاث صفحات من غوغل؛ مضلّع دميم، مرسيدس قاتلة أو «فدجت سبنر» ينطلق محوره ليقصَّ عنقي بمساعدة غوغل. على التلة عينها التي كان فتية القرية يطلقون عليها اسم «الكوز».

هي «حْرارة» إذاً، إذا ما أسعفتني ذاكرتي. في أصياف النصف الأول من الثمانينات، كان هذا هو المشوار المسائي إلى تخوم البلدة من بيت جدي لأمي في شرق البلدة، الذي لا يبعد أكثر من 200 متر عن كنيسة التجلي للروم. على مسار المئتي متر، نمرّ بمار بطرس، المكعب الروماني المصمت دون نوافذ، ونمر بمار نقولا الملقب بـ«الحاجّ» الأعرج والغضوب على ما يُتداول، وهو مقام متواضع ترعى حوله دائماً بعض الماعز، ولا أحد يعرف أنه مقام.

كنا في تلك البلدة نتعثر بالكنائس والمقامات والمزارات الخمسة والثلاثين. ولكن لدير السيدة العذراء الذي بناه جوستنيان البيزنطي في القرن السادس علاقة غامضة بجدتي مريم، وله علاقة بأمي التي ولدت في منتصف القرن الماضي تماماً عشية عيد السيدة، عيد سيدة صيدنايا، وهي من بين ثلاث إخوة لها ولدوا في بلدتهم بينما توزعت مساقط رؤوس الآخرين بين الميماس وكفر زيتا في حماة والديماس في ريف دمشق ضمن رحلات عمل جدي الدَّرَكي. ولدت أمي على يدَيْ القابلة نفسها التي أنزلت أبي؛ «أملية» قابلةٌ يداها «مثل المخباط»، تُدخلهما في أرحام النساء المستعصيات الولادة، فتفك حبال الخلاص عن رقاب الأجنة المزرقة و«تفتل الرحم فتلاً» لتطويع الرؤوس الشيماء الرافضة للنزول.

للدير صلة غامضة بجدتي وبأمي، مع أنهما لم يكونا من مصلّيات يوم الأحد المواظبات. كانتا تعرفان كنيسة الدير في الجنازات، وأحياناً في الأعراس والعمادات، ولكن غالباً في الجنازات وفي زيارات إيفاء النذور التي تتبادلان فيها مع القديسين والله صفقات حول صحة الأولاد والأحفاد وتوفيقهم في أعمالهم ودروسهم وزواجاتهم، وما إلى ذلك من أمور الدنيا. تلك الصلة الغامضة بالدير هي صلتي الغامضة بالدين. في دروس الدين المخصصة للتلامذة المسيحيين في مناهج وزارة التربية السورية، كانت اللغة المستخدمة ركيكة وغير جاذبة إطلاقاً، وكانت الخلاصة في نهاية كل درس والمؤطرة بمستطيل غامق أصعب من الدرس نفسه، تحكي عن ملكوت الله، والملكوتُ كلمة غامضة غريبة الوزن ولا يستخدمها أترابنا المسلمون. في الخلاصات المستطيلة عينها، أذكر شيئاً عن شدة الإيمان الذي يحقق المستحيل، وكنت أتمثل شدة الإيمان بإغماض العينين وجعل المحاجر مهوى لكرات العين؛ الإيمان كشيء يُستدخَل ثم يَخرج كقوة محقِّقة للأشياء؛ شيء يشابه قوة الجنّيّة الخيّرة في قصة سندريلا. وإلا فما هو ذاك الإيمان؟ في المستطيلات الغامقة خلاصة عن حياة أيوب المخيفة، أذكر منها شيئاً واحداً هو أنه صَغُر حجماً حتى أصبح يوضع في سلّة، وأذكر رسائل بولس غير المفهومة لأهالي رومية. الرعب الأكبر في المراهقة كانت المستطيلات التي تحكي عن الزنا بِالعَين. كيف يمكن للعين أن تزني؟ معادلة شبه مستحيلة جعلت من اللغة غير الجزلة التي تُرجم إليها الإنجيل ورسائل بولس ورؤيا يوحنا القيامية وقسوة حياة المجذومين والمشلولين من أليعازر وأمثاله مزحة في قسوتها. الشخصية الوحيدة الدافئة في كل تلك المعمعة هي مريم زوجة يوسف النجار، مريم التي سُميّت جدتي أم أسعد على اسمها، مريم الحنونة بأيقوناتها أمام الِمذود والمرتبطة في ذهني بالطعام والنبيذ في عرس قانا الجليل. لم يختلف اقتراح الأم على ابنها تكثير السمك وتحويل الماء إلى نبيذ عن صورة جدتي المنهمكة دوماً بإطعام الآخرين، والتي قد تقترح على أخوالي ألا «يجرّصونا» في أداءٍ ما أو قلةِ حيلةٍ ما. وكنت أتخيل أن مريم العذراء قالت للمسيح الناصري «لا تجرّصنا، الأكل ما بيكفي، اعميل شي!».

وهكذا تماهت جدتي مع مريم العذراء ومع الدير بطريقة ما. كان يقع بيت جدي في سفح الجبل الصغير الذي يتربع عليه الدير. بين بيت ستي مريم و«الشاغورة» درجٌ طويل وبعض عشرات الأمتار، نمشيها خاصة يوم الأحد مع جدي لحضور قداس كان يبدو لي لا متناهي الطول، أستدير خلاله مئات المرات لأرى مَن القادم من باب الكنيسة وأُوبَّخ على هذه الالتفاتات، ولكني أعاود الالتفات علّ القادم يكون مسلياً أكثر من الصبايا المتشجنات تحت شعورهن المصفّفة بانتظار عريس؛ و«نغشاً» أكثر من وجهاء وكبار القرية من الرجال الذي يتخذون المقاعد الطولانية والجانبية من الكنيسة وكأنهم حراس مارلون براندو في فيلم العرّاب، يبالغون في إبعاد سيقانهم عن بعضها ليشيروا ربما كم أن أعضاءهم مربكة بكبرها. «التِئِل» سمة أساسية في أداء هوية الذكور كمناقض لـ«الخفة»، أي التكلم فيما ندر وبصوت خشن وما إلى ذلك من طقوس. والأداء الأعلى لتقاسم الهويات بين ذكورة وأنوثة كان يتم في الجنازات، حيث لا يجتمع الرجال مع المتوفى المسجى في تابوت، وحوله النساء باكيات يطلبن من المرحوم السلام على فلان وفلانة، إلا قبل حمل التابوت إلى المقبرة بقليل، وإن كانت المتوفى أو المتوفاة من أقرباء الرجل، يردد عبارة: «وا آسفاه يا أبو فلان أو يا أم فلان»، و هناك أيضاً الجلوس في القهوة التي تنصفّت السوق، سوق البلدة، مهوى للمصلي النازل من الدير.

قبل أن يُهدم ذلك البيت الضخم أوائل الثمانينات، لتقوم على أنقاضه بناية بليدة رمادية، كان يتمركز في واجهته، بعد ولوج الباب الكبير ذي المطرقة المعدنية، درجان متناظران يلتقيان عند «مشرقة» واسعة مرصوفة بحجارة بيضاء مصفّرة بعض الشيء، منحوتة تشبه حجارة الدير ولها الرائحة نفسها. نعم، للصخور رائحة، رائحة الجفاف الطيّبة. على طرفي الدرجين وعند المدخل، تتغاوى شجيرات «الشب الظريف» الصفراء والفوشيّة. الشب الظريف ورد جدتي مريم حتماً، يُفيق صباحاً مشدوداً وكأنه غُسل بالشبّة، ويتناعس مساءً حتى يُغمض تماماً عندالغروب بانتظار الصباح. على يمين الباب والدرج، كانت تقع غرفة المرجوحة، وهي غرفة يختلي فيها جدي غريب الأطوار ويسمع راديو لندن وإسرائيل، وفي جزئها الداخلي نَصَب أرجوحة لتسلية الأحفاد من حبال ووسائد عُلّقت بالأوتاد الخشبية العريضة في السقف، حيث تشلح الأفاعي أثوابها سنوياً حسبما تروي جدتي وتدلّنا. ولكني لم أتبين يوماً في نهاية السبعينات قبل هدّ ذلك البيت أياً من تلك الأثواب. وفي ركن من تلك الغرفة المينيماليست، المقتصرة على السرير المعدني والأرجوحة والراديو والأرضية غير المنتظمة، الإسمنتية دون بلاط والنظيفة دائماً، هناك «مَطَرة» ملفوفة بأقمشة كثيرة، تُرش بشكل دوري وتسقينا ماءً بارداً لم أذق مثله فيما بعد. كانت تُركن المطرة على مساحة تتقدم النافذة المطلة على الشارع. مساحة نصف متر أو أكثر كانت سماكة الجدران الحجرية. عندما كانت تتعالى موسيقى الكشاف الجنائزية معلنةً عن وفاة شخص في البلدة كنتُ أتكور مهابةً من الألحان فوق مسطبة النافذة الداخلية، وأراقب بنات ميتم الدير يتقدمن الموكب ويحملن صلباناً ضخمة. من تلك النافذة، شهدتُ بعد سنوات قليلة امرأة تتراقص بقميص زوجها المدمّى، تتقدمها بنات الميتم؛ زوجها المقتول في سلسلة من الثارات العائلية التي كانت تستهدف شباب العائلات الرجال. ما كان اسم العائلتين؟ لن أسأل غوغل بأي حال. على يسار باب الدار غرفةٌ صغيرة خُصصت قديماً للحطب، ودرج طَرَفي يصل إلى السطح حيث تُطوى فُرُشٌ ولُحُفٌ بوجه كتاني ووجه ساتان ملون مدروز بخيوط تصنع معيَّنات متخيلة. كان الرجال والأطفال هم من يستمتعون بمراقبة درب التبانة ونجمة الزهرة قبل النوم. نادراً ما رأيت في طفولتي نساء «يلتحفن النجوم» مع أن روايات كثيرة سمعتها تحكي عن عشاق كانوا يتسللون إلى فراش عشيقاتهم المتزوجات. في الواجهة المطلة على المشرقة، هناك المربع، وغرفة نوم كبيرة تتوسطها ناموسية معلقة من السقف ومطبخ وبيت مونة كبير يكتنز طعام أهل الجنة. كانت أهم القطرميزات البلورية الغامقة ويدوية الصنع تحتوي على مربى التين المشروح، وهو مربى يُحضَّر فيه التين بعد فتحه وصلبه تحت الشمس ويباسه تماماً. يضاف إليه الجوز والقرفة وأكباش القرنفل وبذور الشمرا. حين أصيبت مريم بالسكري، لم تعد تتذوق أياً من مربياتها، وازدادت الطعوم لذة مع ذلك. أصيبت بالسكري حين كان عمرها في عمري الآن، ولا أعتقد أني سأكون منضبطة مثلها في حِميتها العسكرية. في بيت المونة إياه، كانت «جساطر» الفخار المحتوية على لبن الماعز تنتظر دورها بالتناوب بين لبن اللبنية واللبنة المدعبلة والجبنة التي تخزَّن في مغارة صخرية تابعة للبيت، وكان التين اليابس الذي يصنع لي جدي منه فتّة مع الخبز قبل أن أعرف معنى «الموسلي» و«الكورن فليكس» بسنوات طويلة. إلا أن جنّة ستي وحياتها على العموم كانت تحتوي على الكثير من العقارب. والعقارب بحسب مريم خطيرة ولا تؤتمن على عكس الأفاعي: «حدّ العقرَب لا تِقرَب وحد الحيّة فروش ونام». في ليلة صيفية طويلة من منتصف الأربعينات سهِرَت فيها على ولدها البكر «المْحَمِّر»، خالي الأمريكاني الذي لا أعرفه، حتى الفجر، غفت لثوانٍ في استراحة من شواشي المياه الباردة لإنزال حمّى الطفل، فصرخ صوت في أذنها في تلك اللحظة بالذات «مريم مريم مريم!» لتستيقظ وترى عقرباً بين ساقي ولدها المحمومتَين والممتدّتَين إلى الحائط بغية القليل من البرودة، فتردّ الساقين بسرعة نحو الخلف تجنباً لعقصة العقرب. كنت أطلب منها في كل مرة أن تعيد عليّ تلك القصة المقتضبة جداً، ولم يكن يهمني ما تضيفه من تفاصيل ولكني كنت أستعد بقطع نفسي حين تأتي جملة «مريم مريم مريم!» وأرتعش. من المؤكد أن ستي هي مريم العذراء. وأمي كامتداد لستي هي مريم العذراء. وفي الخبرة الطويلة لجدتي مع العقارب، عرفت منها فيما بعد أنها في أحد تجوالاتها الطويلة مع جدي في أنحاء سوريا كدركي وركوبها على حمارة وهي حامل للوصول إلى دير الزور، نزلت في قرية من قرى إدلب، وكان من حسن ضيافة أهل القرية، وترحيباً برئيس المخفر الجديد، أن ملأ الأهالي غرفة كاملة من النُزُل بالبطيخ الأصفر، فاكتشفت جدتي بين بطيخة وأخرى عقرباً، فتلك الكائنات المؤذية تعشق رائحة البطيخ الأصفر.

«سنة نام سنة فيق» كانت شخصية وحش أو غول في حكايات مريم التي لم أشبع منها بعد. لم أعد أذكر في أي قطعة أو جزء من القصة كان يظهر سنة نام سنة فيق، بعد وقت طويل، وللأسف بعد أن غادرت مريم الحياة، فهمتُ وربطتُ شخصية سنة نام سنة فيق بهرمس في الأسطورة الإغريقية، هرمس رسول العالم السفلي. وكان على بطل قصة جدتي ألا يستدير إلى الوراء، وراء ما، كي لا يُقتل في تحدٍّ ما… ما كانت القصة؟ كتبت «سنة نام سنة فيق» في باحث غوغل ولم أجد شيئاً إلا عن نوم أهل الكهف. عدم الالتفات إلى الوراء ساعدني كثيراً على تحدي خوف الظلمة في صغري. كنت أُقنع نفسي أن عدم المتابعة في مسيري والالتفات خلفاً سيعرضني لعقاب «سنة نام سنة فيق». «جنفييف» تشبه في مصيرها وحياتها بينولوبيه المخلصة لعوليس. لم تذكر ستي يوماً اسم بينولوبيه، كانت تتحدث عن جنفييف ولا تلفظها على طريقة الخنة الفرنسية، بل بتكسير الجيم: «جينفييف»، وهناك مقطع في تلك القصة التي تحكي عن وفاء جنفييف يتطرق لغزالة آوت بطلتنا في مغارتها في غابة ما. لم تكن حكايا جدتي الخيالية كثيرة في صغري، إلا أنها كانت تكفي في استعاداتها لتغلّفني أماناً في كل مرة نبقى وحيدتين في دمشق شتاءً أو في بلدتنا صيفاً، لا نزور أثناءها أحد الجيران، يقرب منا «عرق ريحان» ويهزه ليطلق رائحته أمامنا ويقدم لنا شراب التوت – هدفي الأساسي من الزيارة – أو ننتظر عودة الكهرباء مع ساعات انقطاع طويلة تصل إلى ثماني ساعات أثناء تقشف منتصف الثمانينات، وحين تعود الكهرباء تبدأ مريم بالترنيم مع آخر مقطع من مسلسلنا المفضل: «ليه يا زمان ما سبتناش أبرياء / وواخدنا ليه في طريئ ما منوش رجوع / أئسى همومنا يفجر السخرية / وأصفى ضحكة تتوه في بحر الدموع / ما تسرسبيش يا سنيننا من بين ايدينا / ولا تنتهيش ده احنا يا دوب ابتدينا / واللى له أول بكرة حيبان له آخر». لم نكن نهتم أنا وجدتي بما يقوله خالي مهندس البترول عن «الإسقاطات» في المسلسل. كلمة غريبة «إسقاطات»، أعتقد أنها لم تعد تُستعمل بعد التسعينات. كنا مهتمتين بمصائر النساء والحب في المسلسل، وكانت حركات نازك السلحدار تُضحك مريم وتقول عنها «الأرمية المدهرنة»، تقولها بضم الهمزة على طريقة أهل دير عطية. حين شببتُ قليلاً بعدها، بدأت الحكايات تصبح أكثر واقعية، تحكي فيها عن حياتها وزواجها وليلة عرسها الصعبة وكيف احترم جدي آلامها ولم يقربها لمدة شهر بعد ليلة العرس إياها، وعن ظلم الحياة وقسوتها. كنت أتعجب وأتخيلها تقوم لتعجن وتخبز بعد ثالث يوم من ولادتها، في ظلم شديد من حماتها التي لم تكن تدعها تتمتع بالأربعين يوماً، «عيار النَفَسِة».

سافر جد ستي مريم من صيدنايا إلى دير عطية في القرن التاسع عشر ليصبح معلماً في بلدته الجديدة، ولُقِّب هذا الفرع من العائلة باسم مهنة الجدّ، «المعلم». أُدخلت مريم إلى «المدرسة الإنكليزية» لتتعلم، والحقيقة أن المدرسة الإنكليزية لم تكن إنكليزية بل بعثة تبشيرية دانماركية، ولا أحد يعرف متى ولماذا بدأ أبناء البلدة القلمونية الشرقية يطلقون عليها لقب الإنكليزية، ولا أحد يعرف لماذا تواجد دانماركيون في القلمون الشرقي. درست مريم المرحلة الابتدائية في المدرسة، وكانت تأتي في رواياتها على ذكر معلمة أو موجهة يبدو أنه كان لها دور أساسي في تلك المرحلة هي «مس بسمبارك». بعد سنوات كان جدي يفسر ميل جدتي إلى قراءة مجلة ريدرز دايجست المعربة المختار، بعلة التأثير البروتستانتي للمعشر الدانماركي. تزوجت جدتي مبكراً من جدي، المسافر القادم لزيارة العائلة وأبناء العم البعيدين. لم تذكر جدتي شيئاً عن حبها لجدي، جدي الهيوب الطويل والعريض، ذي الجبهة العريضة التي ورثتها العائلة بأكملها حتى أن ابني يتهكم علينا بقوله إن جبهاتنا تصلح كمنصة لرياضة التزلج، السْكي. جدي الذي كان والده قاضياً في محكمة دوما، عاصمة ريف دمشق، في أوائل القرن العشرين كان جسوراً وشجاعاً يقفز من سطح إلى آخر في البلدة لإنقاذ أحد المتورطين في مصيبة ما ويصالح الأطراف المتنازعة كما يليق بفارس. الهيبة مرتبطة دوماً بقسوة شديدة، أو على الأقل هذا ما عرفته في جدي المخيف. لم نعرف كل إخوته الأشقاء وغير الأشقاء في عائلته المتشعبة، خاصة أن جزءاً من إخوته الأشقاء وكل إخوته غير الأشقاء هاجروا إلى الولايات المتحدة في الثلاثينات، حتى أنها زارتهم مسافرة بباخرة ومرتدية برنيطة أمريكانية. عرفنا له أخاً شقيقاً، علّمه جدي في باريس بعيد الحرب العالمية الثانية ليصبح من أهم أطباء القلب في دمشق ومن مؤسسي قسم القلبية في مستشفى المواساة. انتقلت مريم إلى صيدنايا لتعيش هناك وتتنقل ضمن كل مناطق سوريا حسب تنقلات عمل زوجها. والحال أنها لم تكن لتجد وقتاً يسيراً لقراءة المختار إلا فيما ندر، فالحمل والولادة والأطفال والعناية بعائلة وتربيتهم في مطحنة اجتماعية وعائلية قاسية لم تُتِح لها متنفساً. ذلك المزيج العجيب، السوري الأصيل من دَعَة الحنان والعنف والقسوة الهائلين اختبرتُه عبر حياة مريم. أنجبَتْ وربَّت ستة أطفال تعلموا جميعهم علماً عالياً جداً، إلا أنبغهم، خالي الصغير الحبيب – والذي سُمِّي تيمناً بأكرم حوراني في فترة كان أحد أفراد العائلة متابعاً لصيقاً للأجواء السياسية السورية – الرياضيّ الذي كان يصل من مدرسة أُميَّة قرب شارع الملك فيصل في دمشق إلى بيته في التجارة شرقاً مشياً على اليدين، فهو لم يستطع تجاوز البكالوريا. علمتني مريم واحداً من دروس الحياة المهمة، وهو أن الذكاء الشديد الملازم للحساسية العالية خطر على الحياة ولا يعني أبداً النجاح. وكانت تردد لي أنها تفضل الناس متوسطي الذكاء والحساسية في الحياة؛ يصمدون أكثر. كانت في أحيان كثيرة تضطر لأن تربط طفلاً من أطفالها الصغار إلى عامود المشراقة لتتابع عملها مع الأصغر أو لتطبخ وتنظف وتغسل. في يوم يشبه أيامها هذه جاءها خبر أن خالتي الكبيرة أوقعت أحد أخوالي في نبع أو بحيرة – لم أعد أذكر – وأنها نشرته في الشمس حتى يجفّ. جُنَّت مريم وهُرعت لإنقاذ الطفل المنشور في الشمس وبقيت ليوم كامل تحاول إفراغ المياه من رئة الطفل، وحين ترتاح ترجع لضرب خالتي «النايطة». وفي ذلك البيت عرفتُ قصصاً عجيبة عن نساء عازبات لم يُفصِحن عن شوقهن لرائحة الرجال إلا قبل موتهنّ بقليل، بعد سن الثمانين.

المهم أن جدتي والعذراء صاحبة الأيقونة في «شاغورة» الدير المفعم برائحة الميرون الزيتوني، كانتا واحداً في مخيلتي، في الأيقونة التي يُفترض أنها رُسمت على يدي لوقا الأنطاكي، وبالمناسبة يبدو أن هناك الكثير من الأديرة البيزنطية وغير البيزنطية في العالم التي تدعي وجود أيقونة للعذراء رسمها الطبيب لوقا، تلميذ بولس. في تلك الأيقونة كنت أرى أن ستي أجمل من مريم العذراء. ولكن ذلك ليس الأهم في الموضوع، الأهم هو أن ستي كانت بطارية القلب – قلبي – التي لا تنضب. في كل مِحن حياتي الأشد، كنت أستنهض همتي بمناداتها حتى بعد رحيلها. في آخر حياتها تغيّرَ مزاجها، هي المهذبة الوديعة حتى الاستكانة، هي التي كانت تقول عن التواليت «بيت الأدب» ولم نسمع منها يوماً كلمة نابية، أصبحت تشتم أقرب المقرّبين منها. كنا نحن الأحفاد نضحك كثيراً بالخفاء من تغيُّر جدتنا، ولكن الحزن أدركنا حين فهمنا أن الشتيمة هي ترجمة لجملة أخرى: «تأخر الوقت كثيراً قبل أن أعرف أنك لست بتلك القوة وذلك الجبروت». توفيت مريم في 1996، ويبدو أنها ولدت عام 1920. توفي جدي بعدها بسبع سنوات. قبل رحيلها بقليل، انقطعت زياراتي لها في البيت والمستشفى وكانت تسأل عني بعتب. لم تكن تدرك بعد أن الهروب من الموت هو هوايتي المفضلة، ولكني أشعر أنها سامحتني فهي تعرف كل حالات هشاشة الإنسان.

بيت جدتي «هيلانة» أم أبي، التي أحمل اسمها في المعمودية، يقع في حارة الفوقا في حضن الصخور تماماً بين كنيسة مار أندرواس الخفورة وغير المعروفة وبين جامع البلدة الوحيد، على منحدر، الجامع الأنيس الذي ركّبوا لمئذنته الجميلة اللطيفة متوسطة الطول والعريضة الثابتة المصنوعة من الحجارة البيضاء التي ينحتها حجّارو القرية – ركبوا لها قبل بضعة سنوات مئذنة منافسة طويلة ورفيعة كأنها خازوق. المئذنة القديمة كانت تجسيداً لثبات ما، مثلاً ثبات أن المسلمين في تلك القرية لم يشكلوا في مخيالنا آخَراً، ربما بسبب قلة عددهم ونمط عيشهم الذي لا يكاد يتمايز، على الأقل ظاهرياً، عن نمط عيشنا، وليس بالضرورة بسبب التسامح والتعايش الديني الأصيل – لم أعد أعرف. هم لا يتجاوزون ثلاث عائلات أساسية: ياسمينة وسريّة وضاهر، وعائلة صغيرة تحمل اسم النميري على ما أذكر. الآخر الخارجي كان الشامي المتعالي على أهل ريف دمشق، الشامي الذي يطلق صوراً نمطية متهكمة على أهل القلمون عموماً، أهمها أن رؤوسهم يابسة مثل صخورهم. والآخر أيضاً هو ابن القرى القلمونية الأصغر، والتي كانت تعتبر متخلفة اجتماعياً، وهناك آخرون داخليون يصنعون التمايزات الداخلية بين متعلم وغير متعلم، وبين صاحب ثروة أو عزوة وعلاقات في العاصمة وآخر قليل الحيلة. والتمايزات تتغير بحسب مكان التواجد لأهالي البلدة، فحين استوطن كثيرون منهم العاصمة دمشق بين الخمسينات والستينات من القرن الماضي، أصبح التمايز هو لمن يسكن أبعد عن موقع الكراجات، التي تقع في الزبلطاني شرقي دمشق، فالكتلة الكبيرة منهم ما زالت تسكن في أحياء العباسيين والزبلطاني والتجارة، والقليل منهم سكنوا في القصور مثلاً، وهم الأغنى.

حارة جدي جرجي وجدتي هيلانة كانت تعج بالحكايات والشخصيات الطريفة التي نقلها لنا والدي. بقيت نتف منها في ذاكرتي عن امرأة ساذجة تنشر أمام جاراتها الكيلوتات الملونة متباهية بما يشتريه لها زوجها، وعن امرأة فنانة بالبخل وأخرى فنانة بالكرم، وعن راهب روسي لا يتكلم العربية، متشرد كان يجوب أديرة الشرق الأرثوذكسية ليموت في يوم مثلج بجوار تنور خبز وبيده الأنجيل مكتوباً بالروسية، وعن امرأة كانت تمارس الحب زكاةً لمن يريد، ولم تمنح زكاتها لأحد خوارنة البلدة نكايةً بالنفاق الاجتماعي، وعن مواسم كروم العنب والعناية بها وتزبيب العنب والمَعاصر التاريخية التي شهدتُ آخرها قبل أن تُدمَّر تماماً. أكثر ما انطبع في مخيلتي من مرويات عن تلك الحارة هو الثلج، فأنا لم أعش شتاءً أبداً هناك، ولكني أعرف أن الثلج غمر البيوت عدة مرات في الأربعينات، وأن والدي وإخوته وأبويه حُبسوا لأيام يأكلون من المؤن المتوفرة في البيت الذي كان يستضيف سلحفاة عاشت معهم عشرات السنوات ليمتد معها الزمن أماناً. والثلج رافق أبي في رحلته من الإيمان الشديد إلى الإلحاد والالتحاق بالحزب الشيوعي في الخمسينات. في سنوات الإيمان الحار كان يتحدى أبي الثلج ليصعد إلى الدير عشية 6 كانون الثاني ليؤدي صلاة عيد الغطاس مع عدد قليل جداً من عجائز القرية، بعد تحضير «البخوت» لساعات مع جدتي وجدي، وفي آخر سنة أعلنت إلحاده استسلم أبي لدفء الموقد ولم يصعد إلى الدير.

جدي الذي توفي بعد أربعة أشهر من ولادتي اشتغل كحرفي في أعمال كثيرة، أهمها النسج على النول، وكان النول موجوداً في بيتهم المربع الذي ما زلت أذكره. ساهمت العائلة كلها في مساعدة جدي على نوله، وخاصة والدي، وربما تلك الصداقة هي التي نقلت عدوى الشيوعية من جدي، واحد من أوائل الرفاق في القرية، إلى والدي. وكانت جدتي هيلانة خيّاطة ماهرة تستطيع تجهيز العروسات خلال أيام معدودة، وكانت مدبِّرة لعائلة كبيرة وليست بذات يسر، فقد بقي من بطونها العشرة ستة أولاد، الأربعة توفوا جراء أمراض الطفولة من حصبة وتيفوئيد وما إلى ذلك. أكثر ما رُوي عن جدتي هو احتقارها للمال، رغم قلة الحال وكثرة التدبير، فحين يمرض طفل من أطفالها، يرمد أو يُجرح أو يقع من شقاوته من سطح بيت ما، تُهرع لاستئجار بوسطة على حسابها من بوسطات القرية القليلة لتصل إلى دمشق إن لم يكن هناك طبيب في المستوصف الانكليزي للقرية أو بعد إغلاق المستوصف، منفقةً بذلك كل ما ادّخرته العائلة خلال أسابيع. مع كل تلك المغامرات تمكنت هيلانة من تأسيس عائلة، علّمتها بالكامل، هي التي لم تتمكن من التعلم يوماً، وكانت فخورة بذلك. لم يعكر فخرها إلا انتظار ابنها الذي اعتُقل في بداية الثمانينات لمدة أربعة عشر عاماً كانت قد أصيبت خلالها بالباركنسون – لم نتبيّن بسببه تعابير سرورها حين خرج من المعتقل عام 1994.

ما زال هناك الكثير من النُتف عليّ ترتيبها في جداول في دماغي، وما زالت هناك قصص جيل أخوالي وخالاتي وأعمامي وعماتي. ولكني تعبت. وغوغل سريع جداً نسبة لحركة دماغي الحلزونية.

الصفحة الأولى، الصفحة الثانية، والثالثة: «تقرير الأمنستي عن المسلخ البشري في سجن صيدنايا»، «30 إعداماً ميدانياً في سجن صيدنايا»، «شهادة عمر الشغري»، «إعدام عالم الكمبيوتر باسل الصفدي في سجن صيدنايا»، صورة صفراء ورمادية بشعة، صورة رادار فضائي يحاول التثبت من وجود محرقة للأجساد.

أتلمّسُ الشال الصوفي الأخضر المورّد الذي أخذته من بقايا مريم الحبيبة حتى مُغترَبي الأخير، أجد فيه ثلاثة ثقوب صغيرة خلّفها العث على مرّ السنين، ولن أستطيع أن أرفوها بعد الآن.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق