الناس

خراب لا ينقصه سوى انتصار اقتصادي/ علي سفر

يهوّل إعلام النظام هذه الأيام في طبيعة الإجراءات التي ستشن في الفترة القادمة ضد الفاسدين ممن أصابهم الثراء، أو تضاعفت ثرواتهم بشكل فاحش خلال السنوات الثمانية الماضية، بعد أن حازوا رخص أعمال السلب والنهب من النظام نفسه! وها هو ينوي الآن أن يضخ بعض الدم في ملامح وجهه الأصفر المقيت أمام السوريين الذين بقوا تحت سيطرته وتحت حكمه الذي أفقرهم واستنزف مواردهم، وحول سوريا إلى واحدة من أفقر وأسوأ بلدان العالم!

وفي السردية التي يتداولها كتبة النظام وطبالوه وزماروه في صحفه ومواقعه الإلكترونية، وصفحات التواصل الاجتماعي، ستستدير أيام القهر اليومي المعتادة ضمن مرحلتها القادمة لتصبح منعطفاً قاسياً مهماً في حياة السوريين، سيختلف كل ما بعده عما قبله، فالتخلص من العصبة المجرمة والفاسدين سيحيل عيشة السوريين إلى رغدٍ كان يعيشونه في سنوات ما قبل “المؤامرة الكونية” التي تعرضت لها قلعة الممانعة! وهكذا يتم تعليق الخراب اليومي الذي يعيشه مؤيدو النظام ولاسيما في الحياة الاقتصادية غلاءً وفقراً، على مشجب رجال الأعمال الذين ظلوا طيلة السنوات الماضية خواتم في أصابع الأسد وحاشيته المقربة!

استباق هذه الحملة العتيدة بالحديث المتداول صحفياً على مستوى العالم عن الخلاف الذي دب بين الأسد وابن خاله رامي مخلوف، يساهم في جعل القصة التي يروج لها مقبولة من جهة كونها ممكنة التنفيذ نظرياً، فمن يطيح بسيطرة آل مخلوف على الاقتصاد (بحسب الزعم الرائج حالياً) لن يكون عاجزاً عن لجم الأصغر منه، من رجال الأعمال الذين كانوا ومازالوا حاشية النظام ورجاله الخلّص!

وفي سياق الحملة المزلزلة الآتية، كان لابد من أن يتم التمهيد لها عبر فتح ملفات الفساد الحكومي؛ وبدلاً من أن ينزل وزير الداخلية الحالي على طريقة سلفه ليحاسب معقب معاملات على مبلغ خمسين ليرة أخذها من دون حق من أحد المراجعين، افتتحت الحكومة بازار الفساد المعشعش بين ظهرانيها بملفين حاميين أولهما في وزارة الاتصالات، وثانيهما في وزارة التربية، وبدلاً من وضع الحقائق

أمام الجمهور، انطلقت صفحات التواصل الاجتماعي لتتحدث عن قيم مالية غير معتادة بالمقاييس الحكومية فصارت قيمة المال المنهوب في الملفين تناهز 500 مليار ليرة سورية!! وبينما تمت شيطنة كل من صاحبي الملفين بكر بكر المدير السابق للشركة السورية للاتصالات وهزوان الوز وزير التربية السابق أيضاً، سيلاحظ المتابع الفضولي الذي تهمه التفاصيل أن الشيطنة لم تنل من رامي مخلوف في فردوس صحافة النظام، وفي الوقت نفسه لم نلمس حديثاً بطريقة سيئة عن أي من الشخصيات التي يروج أن هيمنتها وسيطرتها الاقتصادية ستنحر بيد زوجة رأس النظام، التي انتصرت على السرطان، كما انتصر زوجها على المؤامرة الكونية، وبات عليها أن تسجل عليه نقطة إضافية عبر انتصارها على الفاسدين!

المشكلة التي يواجهها إعلام النظام أن الجمهور الذي يتوجه إليه لا يصدقه، وهو مضطر في كل مرة لأن ينحت سردياته التهويلية نحتاً، ولكنه ما إن ينفخ في القصة حتى تتالى الدبابيس التي تفرغها من الهواء، فمثلما تم “استنحار” رئيس الوزراء الأسبق محمود الزعبي بسبب ملف فساده الكبير في نهايات حكم الأسد الأب، ومعه رهط من الوزراء الذين تم سجنهم لمدد متفاوتة، يتوقع الجمهور الذي اعتاد

صور المنحوتات الإعلامية الساذجة كما اعتاد كذب نظام آل الأسد، أن يتوقف قطيع الثيران عند الحدود المرسومة له، وأن تكون مليارات الفيس بوك (والتي استغربها رئيس حكومة النظام الحالي نفسه) هي سقف الحكاية، بعد أن تم الترويج في اليومين الماضيين عن وجود سيناريو (كارلتون سوري) على غرار سياسة محمد بن سلمان وحملته ضد الفاسدين، يقدم فيه رجال الأعمال -الذين يحكى أنهم سيحاسبون بشدة- الأموال المطلوبة منهم لملء خزينة الدولة المفلسة!!

يظن البعض ممن يخططون لإخراج مسرحيات النظام إعلامياً أن ذاكرة الجمهور قصيرة، وأنه يمكن تسويق مثل هذه الحبكات بيسر، ولكن ما فات هؤلاء يفشلهم، فهم يعانون من مرض مستدام هو الإنكار، يوهمهم بأن حدود العالم تبدأ وتنتهي عند ما يعرفون ويدركون، فسوريا بالنسبة لهم ما زالت بخير ويحكمها نظام انتصر على خصومه، في معركة أعلن وزير الخارجية الروسي انتهاءها قبل عدة أيام! ولكن سوريا الحقيقية اليوم ليست سوى تفاحة نخرها الدود، ولم يبق فيها سوى اللب الذي يحمل بذورها، وربما إن ظل حال السوريين هكذا، لن يبقي الأسد وحاشيته من البلد سوى فتات من كل شيء متروكٍ كالعصف المأكول!

تلفزيون سوريا

نصرالله ودعوته أهل القصير للعودة.. الاحتلال السافر/ يوسف بزي

دعا حسن نصرالله، مساء يوم الجمعة 20 أيلول الحالي، أهالي مدينة القصير والقرى المجاورة، اللاجئين إلى لبنان، للعودة إليها، معلناً أن حزبه قد أنجز الترتيبات هناك بما يناسب هذه “العودة”.

وأرفق نصرالله دعوته هذه بتعليمات واضحة للاجئين كي يسلكوا مسار عودتهم إلى أرضهم وديارهم ووطنهم، فمنَّ عليهم إعفاهم من مراجعة مكاتب “حزب الله” من جهة، ونبههم إلى إلزامية تسجيل أسمائهم في لوائح يدبجها “الأمن العام” اللبناني، تمهيداً لرفعها إلى السلطات السورية.. التي، كالعادة، ستنتقي من هو المسموح له بالعودة ومن هو غير مرغوب فيه ومن هو مطلوب للعقاب والاعتقال ومن هو غير معترف به مكتوم الهوية..إلخ. بمعنى آخر، تحمل دعوة نصرالله هذه افتراضاً منه أن اللاجئين السوريين، أهل القصير وقراها، قد ارتضوا أصلاً بوجوده واحتلاله لأرضهم، وأنهم قد تغاضوا وتناسوا أنه هو وميليشياته قاموا أولاً بالاعتداء والهجوم المسلح عليهم وأعملوا مدافعهم وراجماتهم ورشاشاتهم في بيوتهم وممتلكاتهم ومنشآتهم وبأجسادهم، وقتلوا منهم شبانهم ورجالهم ونساءهم وأطفالهم.. ومن بقي حياً منهم، إما هُجِّر أو اعتقل.

يريد نصرالله من أهل القصير وجوارها (والسوريين كلهم) أن يركنوا ويستكينوا لاحتلاله أطلال بيوتهم ومساجدهم ومدارسهم ومستشفياتهم ومرافقهم العمومية وبساتينهم وحقولهم وآبار مياههم.. ويرتضوا به وصياً على حياتهم ومصيرهم وأمنهم بل وصي على ضمائرهم وعقولهم وعواطفهم، فيعودون إلى بلادهم هكذا بشرط رضى النظام عليهم وخضوعهم له من غير اعتراض مستكينين له، غافلين عما حل بهم وما اقترفه هذا الحزب وذاك النظام بحقهم.

يدعو نصرالله أهل القصير إلى “العودة” من غير أن يقرن ذلك بالإعلان مثلاً عن انسحابه منها على الأقل. أي أنه يطلب منهم إسداء خدمة تبييض صفحته، بقبولهم الطاعة والاستسلام لاحتلاله وجثومه على أرضهم وحياتهم. وكأنهم هربوا ونزحوا ولجؤوا من أشباح غامضين ومن كارثة طبيعية لا من جحافل ميليشياته التي أوقعت الدمار والموت فيهم وعليهم. كأنهم مجرد “مدنيين” فروا بسبب الخوف ليس إلا، وليس بسبب أن حزب الله قرر مناصرة بشار الأسد وأن يشاركه ذبح مئات الآلاف من السوريين وتهجير الملايين منهم وتدمير مئات ألوف المنازل وحرق مدن بأكملها.

يريد نصرالله من الضحايا، ضحاياه هو بالذات، أن يمنحوه صك البراءة، علاوة عن منح النظام توبتهم. ويريدهم أن يعودوا “متطهرين” من ذنب التمرد والثورة على الطاغية، فيقدمون أسماءهم وأوراقهم الثبوتية لأجهزة النظام التي وحدها تقرر من يستحق “امتياز” العودة ومن لا يستحق!

الأفدح في خطبة نصرالله، ليس فقط ما تقوله ضمناً أن حزب الله هو سلطة تهجير منعت على مدى سبع سنوات الأهالي من العودة أو حتى البقاء أصلاً، بل هي اعتراف مريع أنه يقاسم “الدولة السورية” نفسها السيادة على الأرض وعلى السكان، إلى حد أن نصرالله أظهر في “مبادرته” هذه ازدراءً فاضحاً للنظام، وسلوكاً مشابهاً لقوة احتلال عسكري تحيل “الحكومة المحلية” إلى دمية ذليلة. فلم يمنح حسن نصرالله هذا النظام أي فرصة لحفظ ماء وجه الأسد كأن يترك له “شرف” دعوة مواطني القصير وجوارها للعودة. تصرف حسن نصرالله بوصفه هو الذي يتحكم بمصير هؤلاء السوريين، وبوصفه محتلاً أمراً ناهياً على هذه الأرض السورية.

بالطبع يعرف نصرالله أن مدينة القصير وقراها وحقولها وبساتينها باتت خراباً.. يعرف أيضاً أنه لا هو ولا إيران ولا نظام الأسد المسؤولين المباشرين عن هذا الخراب قادرون على بناء واحد من المئة مما دمروه. ويعرف أن أهلها اللاجئين في لبنان هم أفقر من ترميم خيم لجوئهم ناهيكم عن ترميم بيوتهم، وقد حرموا منذ العام 2012 عن تحصيل رزقهم ومن أعمالهم وسبل عيشهم واقتصادهم. يعرف نصرالله أن حزبه وجيش النظام معاً قد أنزلوا الموت والفقر والتشرد بهذا الشعب الذي يطالبونه الآن أن يستأنف حياته ويعود إلى دياره وكأن شيئاً لم يكن.

بهذا المعنى، يعرف نصرالله أن دعوته هذه هي مجرد دعاية سياسية مخاتلة وخبيثة تتماشى مع دعاية النظام الذي يروج لمقولة أن ملايين السوريين الذي فروا من وحشيته إنما هم “أقلية” أو مضلل بهم أو مجرد هجرة تلقائية وطوعية، أو أنهم فروا من “داعش” و”التكفيريين”..

في معرض دعوته هذه، يقول نصرالله ما مفاده أن بادرته تأتي كتأكيد أن لا تغييراً ديموغرافياً يحدث في سوريا ولا تطهيراً سكانياً طائفياً. لكن ولأنه يدرك أن كل “العودات” التي تم تنظيمها كانت رمزية جداً وبأعداد قليلة، فهو يغالط عمداً حقيقة التطهير والتغيير الديموغرافيين، ويغلفهما (مع النظام) بصور قوافل باصات عودة تتسع لمئات وحسب من أصل ستة ملايين سوري لجؤوا خارج بلادهم، وخمسة ملايين سوري نزحوا وهاموا على وجوههم داخل سوريا ومنعوا حتى اليوم أن يعودوا إلى مواطنهم الأصلية.

وهناك وجه آخر، أشد خبثاً لهذه الدعوة، هو المردود الداخلي اللبناني لها. فنصرالله الذي يحالف التيار الشوفيني الفاشي المهووس بكراهية اللاجئين أياً تكن جنسيتهم، والمصاب بخوف الموازين الديموغرافية الطائفية في لبنان.. يحاول أن يحل التناقض بين تحالفه هذا وتسببه ببقاء اللاجئين في لبنان. كما يحاول استرضاء جمهور هذا التيار عبر الإيحاء له أن حزب الله يسهل عملية “التخلص” من هؤلاء اللاجئين. وبالتالي يمنح هذا التيار المزيد من الشعبية داخل البيئة المسيحية تحديداً، ويتيح له القول أن التحالف مع حزب الله يأتي لمصلحة لبنان والمسيحيين.

وفي المضمون الأخير أيضاً، يسعى نصرالله إلى تقديم إجابة مقنعة حتى داخل بيئته الشيعية. فالكثيرين منهم والتي تؤمن بسردية أن حزب الله إنما اضطر للقتال في سوريا لمحاربة الإرهابيين التكفيريين كي لا يصلوا إلى داخل لبنان، كانوا يتساءلون بدهياً: إذا حزب الله انتصر ودحر الإرهابيين وانتهت معاركه، فلماذا لم يهلل السكان السوريون لـ “تحرير” مدنهم وقراهم من أيدي أولئك الإرهابيين؟ ولماذا ما زالوا لاجئين؟ ولماذا منع الحزب بوضوح على مدى سبع سنوات عودة الذين هربوا من المعارك؟ غياب الجواب الحقيقي كان يبث الريبة والشكوك المكتومة في نفوس “المؤيدين” للحزب. ويجعل سردية القتال في سوريا ركيكة وغير مقنعة بتاتاً. وهؤلاء أبناء “البيئة الشيعية” سيجدون أخيراً في دعوة نصرالله ما يلحم سرديتهم قليلاً لكن من غير ستر عوراتها الفاضحة التي تماثل العار التاريخي.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق