شهادات

دجاج هذا الزمان مربع/ وائل السوّاح

البطولة شرف لا أدعيه. كنت أتألّم لا كما يتألّم الأبطال، مع كلّ مرّة كان الكابل الرباعي يهوي على قدمي، كان قلبي يهوي إلى القاع، ثمّ يبحث عن قاع آخر يهوي إليه. قال لي أحد الرفاق، “إذا اعتقلت، تحت التعذيب تذكّر أحدا تحبّه كثيرا. سيخفف ذلك من أثر التعذيب.” تذكّرت كلّ من أحب، واحدا واحدا، ولكن أثر الكابل الهاوي على قدمي لم يخفّ. تذكرت القضية الكبرى. سوريا. الثورة. الطبقة العاملة. أمي. أختي مها. غادة. تذكرتهم جميعا؛ أحضرت صورهم إلى عيني المغلقتين تحت “الطميشة” من الرعب والألم، ولكن الصور كانت تفرّ مني خائفة هي الأخرى، فأبقى وحيدا بين عصبة من المهووسين المتعصّبين الذين يعتقدون أنهم كلّما شدّوا من عزم الجلدة، خدموا البلد والقائد والحزب أكثر.

بعد منتصف الليل اعترفت على البيت الذي كنت أسكنه، في المزّة جبل. حين قلت لهم إنني سأدلهم على فاتح جاموس، توقفت الحفلة فورا. خلعوا عني دولاب السيارة الذي كانوا ألبسوني إياه كسروال داخلي، وصاح بي كبيرهم أن أنهض. حاولت، فلم أفلح. هويت على الأرض ثانية.

“جيبوه!” قال الكبير، فحملني اثنان من إبطيّ وجرّاني إلى الخارج؛ أنزلاني الدرج، ثم إلى الخارج. كانت الساعات الأولى من فجر 9 من آب قد أهلّت، حاملة معها بعض النسمات المنعشة التي خفّفت قليلا من خوفي ووحشتي. وضعوني في سيارة، ورفعوا الطماشة عن عيني بعد أن ابتعدنا قليلا عن الفرع. أدهشتني رؤية الأشياء. العسكر من حولي كانوا يدخنون، فأخذت أتأمل دوائر الدخّان التي كانت تنبعث من شفاههم، وتهرب من شبابيك السيارة المفتوحة. في الخارج، كانت أعمدة الكهرباء والأشجار تركض مبتعدة إلى الخلف بسرعة، والسيارة تنهب الطريق نهبا. وصلت السيارة إلى آخر خطّ المزة جبل، وانعطفت يسارا باتجاه مستشفى الأسدي حيث أرشدتهم.

“البناية الثانية، الشقّة الأرضية.” قلت لهم. توقفت السيارة، وانتبهت أن سيارة ثانية كانت تسير وراءنا توقفت أيضا. ثمانية رجال أشداء تنبعث منهم رائحة عرق ودخان نزلوا من السيارتين، أعطيتهم مفاتيح الشقّة وأنا أصلي لكلّ آلهة الجحيم أن تكون الشقّة فارغة. كنت آمل أن يكون منيف وحنان قد أبلغا فاديا والجميع باعتقالي، كما ينبغي.

كانت الشقّة فارغة – من البشر. ولكنّها لم تكن فارغة من كتبي وأوراقي وصوري.

“أين هم؟” سألني من سأعرف لاحقا اسمه: يوسف العبدو، أحد أكثر ضباط الفرع رعبا وهولا.

“عم تضحك علينا، يا –” لم يكمل شتيمته. سأدرك لاحقا أن تعليماته لم تكن تسمح له بأكثر من ذلك. بعد سنوات سيصبح يوسف العبدو جلاد فرع المخابرات العسكرية في بلدة عنجر اللبنانية قرب الحدود السورية، وسيكون مجرّد ذكر اسمه كافيا لإثارة الرعب لدى عملاء حافظ الأسد في لبنان قبل معارضيه.

قشطوا كلّ شيء؛ كلّ شي: الأوراق والدفاتر والكتب الصور. حين اعترفت على بيتي لم أكن أعلم أنهم سيسرقون ذاكرتي. ولكنّ هذا بالضبط ما حدث. عدنا إلى الفرع مرّة ثانية. عادت الطميشة لتعصب عيني، وعاد التحقيق مرّة ثانية. يبدو أن الضباط الكبار قد آووا إلى عشيقاتهم، لأنني كنت في غرفة أخرى، لم يكن فيها سجّاد ولا كراسي من خشب. بدأ محققون صغار يتذاكون معي، يريدون أن يثبتوا لرؤسائهم أنهم جديرون بوظيفتهم. ثمّ رغب هؤلاء الصغار في الذهاب إلى بيوتهم أو أسرتهم أو طاولة الطرنيب التي تنتظرهم. فجأة توقف كلّ شي.

بورقة صغيرة عثروا عليها في البيت ستغير مجرى التحقيق مؤقتا.

“اشرح لنا الشيفرة،” قال أحد المحققين الصغار.

ودسّ تحت الطميشة مباشرة قصاصة ورق صغيرة، كتب عليها عبارة “دجاج هذا الزمان مربع”. الورقة كان صديقي جبرائيل غربي تركها على الباب. في عالم ما قبل الهاتف المحمول، وما قبل الهاتف الأرضي بالنسبة لنا، كان صديقك يمرّ بك دون سابق إخطار، فإن لم يجدك سيترك ورقة صغيرة تقول: “حضرت ولم أجدك.” بدل هذه العبارة، اختار جبرائيل عنوان قصيدة كانت شائعة: “دجاج هذا الزمان مربع”. كان العنوان إشارة إلى أقراص ماجي المربعة المصنوعة من مرق الدجاج.

“شو معنى هالحكي؟”

انطلقت من شفتي ضحكة صغيرة عبرت الألم والخوف والترقب.

“عم ضحكك ولا؟”

حاولت أن اشرح له القصة، ولكن كلامي كان بالنسبة إليه كالطلاسم. شعر ودجاج ومربعات وماجي. كانت الجولة الثانية من التعذيب بلا معنى، فالورقة لم يكن فيها سر ولا شيفرة. وأنا لا أستطيع أن أوقف التعذيب باعتراف، لأنه لم يكن لديّ واحد. سيعذبني الجلادون الصغار حتى يحين موعد نومهم أو ذهابهم على بيوتهم أو طاولة الطرنيب التي تنتظرهم.

فجأة توقف كلّ شي.

“قم!” أمرني صوت أسمعه لأول مرّة. نهضت، وقادني من ذراعي إلى الردهة، فتح بابا وبدأنا نهبط درجا طويلا. جدا. في نهاية الدرج، سمعت قرقعة مفتاح يدخل في قفل حديدي، ثمّ قرقعة باب حديدي يفتح، شدني الرجل من ذراعي، فسرت معه، وراء الباب، وسمعت الباب يقفل عليّ من جديد.

“شيل الطمّاشة،” سمعت صوتا يقول. تردّدت، وسألت بصوت واهن:

“أنا.”

“إي إنت. مانك متسمع؟”

أسمع، بلى! رفعت يدي أريد أن أزيل قطعة الكاوتشوك الأسود الكريهة، ولكن يديّ هبطتا. كان ثمة دمع في عيني، ربما لم أشأ أن يروه.

شعرت بيد تمتدّ صوب رأسي وتزيل الطماشة بقوة. ردهات وممرات وأبواب حديدية كانت تحيط بي من كلّ جانب. جدران وأبواب وبلاط. أمامي مكتب ضيق فيه طاولة معدنية وكرسي معدني، وجلس وراءه رجل معدني له صوت معدني.

“فضي جيوبك.” قال بصوت محايد. لم يكن عدائيا. بدا لي كأي موظف في البريد أو السجل المدني، يؤدي عمله بحياد. أفرغت جيوبي: حافظة نقود فيها ثلاثون ليرة، ساعة يد من نوع رادو أهدتها لي فاديا بعد أن صدمتني قبل ثلاث سنوات سيارة، سلسلة مفاتيح فيها مفتاح واحد، علية سجائر جيتان قصيرة دون فلتر، وقداحة. وضع الرجل أشيائي في مغلف، ورمى المغلف في خزانة، وقفل عليها. شعرت بغصة في حلقي، وأنا أرى أشيائي تختفي في خزانة مهملة. نادى الرجل وراء الطاولة على مرافقي، وقال له: “ع الـ 37”.

شدني مرافقي مرة أخرى، وسار بي نحو عشرين مترا، دخل بي في ردهة أخرى، فيها غرف مغلقة بأبواب حديدية على اليسار وممرات على اليمين. دلفنا الممرّ الأول، وتوقفنا عند الباب الثالث والأخير. رأيت الرقم على الباب. 37. أخرج الرجل حلقة مفاتيح ضخمة، واختار منها واحدا، أدخله في القفل، قرقع الباب وفتح.

“ادخل!” قال لي آمرا. ودخلت. أقفل الباب علي. طيق. طيق. طق. طق. ودخلت في عالم آخر.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق