شعر

“ضوء الرعشة المكسور” قصائد للشاعر الإسباني أنخل جيندا

ترجمة أحمد يماني

Angel Guinda

ولد الشاعر الإسباني الكبير أنخل جيندا Ángel Guinda في سرقسطة، إسبانيا عام 1948 ويعد واحدا من أكبر شعراء اللغة الإسبانية في الوقت الراهن. بدأ في دراسة الطب لكنه سرعان ما هجره ليصبح بعد ذلك مدرسا للغة والأدب الإسبانيين. ظهر كتابه الأول في أواخر السبعينات ثم قام بجمع شعره في أوائل الثمانينات ونشره في ديوانه “حياة نهمة”. انتقل بعد ذلك للعيش في مدريد عام 1987 وظل بها حتى الآن. المرحلة المدريدية أضافت إلى شعره بعدا أكثر وجودية وانشغالا بالقلق إزاء الشعور بالوحدة و مرور الزمن. من هذه الفترة يبرز ديوانه “السيرة الذاتية للوفاة”. له أكثر من ستة عشر ديوانا منشورا.

كذلك ترجم عدة كتب عن الفرنسية والبرتغالية ونشر مقالات عن الفن والأدب في مختلف الصحف والمجلات الإسبانية. وقد حصل عام 2010 على جائزة الآداب الأراجونية على مجمل عمله الشعري، كما أقيمت له ساحة باسمه عام 2016 تكريما له في أحد ميادين مدينة سرقسطة، مسقط رأسه.

لقد دخنت الحياة

لقد دَخّنْتُ الحياة

كما دخنني الزمن.

انظروا إلى هذه الحنجرة، هذه القصبة الهوائية،

هذه الشعيبات الهوائية، هذه الرئة

وهي مقصوفة بالنيكوتين.

لقد دخنت على أرصفة المترو

الغازات تحت الأرضية؛

هواء مدريد الوسخ

كخيانة للضوء الأجمل؛

صقيعا من الجبس على السبّورات،

النار السوداء لأنابيب العادم،

الأوراق الجافة للماريجوانا،

الأسفلت، الضباب، الرطوبة،

البندقة الأكثر لينا للبظر،

الغبار الكثيف للشؤم

عندما كنت أهرب من ظلي،

وحياتي حطام من الغبار

والغبار الذي سأصيره

تحت الشجرة السرية للموت.

ردّا على شابة

على مرّ السنين كانت لوحة ألوان جويا تصير أكثر قتامة.

على مر السنين يبدأ الواحد في التخفف من حمولته:

يفقد طولا، سمعا، شَعرا، ذاكرة، اندفاعا وحتى الرغبة في الخروج إلى رحلة.

على مر السنين تكونين أقل اشتباها في الآخرين، ولا شيء تقريبا يثير استنكارك،

لا تنتظرين أية معجزة ويراودك الشك أنك أيضا ستموتين.

على مر السنين كل مرة يصير نومك أقل والهوس أكثر وخيبات الأمل

والمخاوف أكثر.

على مر السنين يتدهور كل شيء: يتداعى العالم.

لكن لا تقلقي، هذا يحدث فقط على مر السنين.

 شطرنج

شطرنج المفاهيم الخفية. أين أنا؟ الشارع الذي يدعوني يختلج كثيفا، نصف شفاف، مقوسا. أدوس الأرضية المدهشة هذه وأطفو! حبوب لقاح، نسر أمريكي كبير، رائحة، تنفس. يتحرك كل شيء عندما أكون هادئا! كل شيء هادئ عندما أتحرك! من كثرة الاختلال أتوازن! فرن الجليد الذي هو جلدك، مكابح ريح الغياب. النجوم لا تسأل من هي أو ما أنا! أنا الرادار الذي يكشف ما لا يقوله الرعد، اختفاء لشبونة عندما ظهرت أنتِ. أنت عطش الرغبة لما يضيء، نزوح الممكن، خفاء الخفقان، ضوء الرعشة المكسور!

رأسي تملؤها الأصوات

رأسي تملؤها الأصوات! أصوات أشباح، أصوات جديدة، للقدر، مجهولة أو تنبؤية، أصوات من مركز الأرض، أصوات قلقة، مكممة، معدنية، من الزجاج، أصوات من الغاز، من الكلوروفورم، أصوات جوفاء من سراديب الموتى، من الروبوتات، من الأسلاك، أصوات مقطعة الأوصال. رأسي طبق رنّان، برج جرس، قرع طبول من الأصوات! أسمع أصواتا تتراكم، تدهس، تكسر سكوني، تترنح. أصوات من العطش، من الحجر، من الخشب، أصوات من الأبدية، مطمورة، أصوات من الزمن، من الهاوية، أصوات من الظلام، والزلازل والبراكين والإنذارات. رأسي مرصد أصوات مسحورة، وحيدة، أصوات من الشقق والقصور، من المخابئ، من الأكواخ، من الحانات، أصوات مفقودين، من الإنهاك، من الحرب، من النجدة، من غرقى يهدؤون الغيوم. أرى أصوات الكوابيس. ألمس أصواتا من الأكسجين، سرية، مهاجرة. أصوات تنزف، أصوات هيكل عظمي، أصوات من الزهور، من الصخور، من الحيوانات، أصوات بلا مقبرة، أصوات دون أصوات منفية. لكن دائما أسمع أصواتا، أصواتا ، أصواتا. صوتي نتاج كل الأصوات تلك.

صناديق

يمكن أن تقول ذلك هندية حمراء وتكون على حق.

“حياتكم منظمة في صناديق.

تولدون ويضعونكم في صندوق صغير،

بيتكم صندوق والغرف صناديق أصغر،

تصعدون إلى البيت في صندوق

وتهبطون منه في صندوق.

تسافرون في صندوق.

تنامون وتمارسون الحب فوق صندوق.

ترون العالم عبر صندوق.

تغيرون البيت: وتضعون كل شيء في صندوق.

المصارف وصناديق التوفير تجني الصندوق (1)

وعندما تموتون يدخلونكم في صندوق.”

كل شيء تم من أجل أن نتصندق.

تصندقنا الحياة.

بعضنا لا يتوافق ويتفسخ.

(1) في الأصل إشارة إلى جني الأموال، باستخدام كلمة صندوق في التعبير الاسباني Hacer caja

 سيرة ذاتية

إذا لم تكن حياتي هي هذا

فماذا تكون الحياة؟

    مارتن آدم

تسألني بغتة عن حياتي.

بماذا يمكن أن أجيب؟ بماذا وبأية طريقة؟

ما أعرفه عن حياتي تمحوه بقدر ما أعرفه عنها:

الكلمات لا تصل، الذكريات تتضبب.

حياتي هي ما فعلته،

ما لم أفعله وما تركت فعله.

كي تعرفي حياتي فكري في الموت؛

فكري فيك أنت الحيّة وعليك إنقاذي.

لا أعرف هل سيكون لدي وقت

كي أحيا ما لم أحياه، كي أقتل ما حييته،

كي أحيا الموت قبل أن أموت.

حياتي تتلقى تعليمات من حيوات أخرى قبلي،

والتي أخدمها كوارث أمين، وتحيا في من جديد

ليس لدي عينان إلا لتريا ما لا أرى.

حياتي ليل لا يتواءم مع النور،

نجم هارب هائم في البريّة؛

إنها كذلك الكلمة التي لم تجدني بعد،

الرسالة الغامضة التي لن أفض رموزها.

رغم أن حياتي الحقيقة ربما ستخترع نفسها.

الموت

الموت هو ألا تعود موجودا

في الساعة نفسها،

في الأماكن نفسها،

مع البشر نفسها.

لا تظهر كل صباح

مثل ذلك الضوء الجديد العظيم

الذي يحل بين الأشياء؛

ترك العمل يتعطل،

السفر في طريق مسدود

بعيدا عن البحار والنجوم.

الموت أن تكون ساكنا، أصما

كفيفا، أبكم، في عداد المفقودين،

مقطوعا عن الجميع وعن كل شيء،

عنا أيضا؛

عدم العودة إلى البيت نهائيا.

ألا ترسل إشارات وألا تستقبلها كذلك.

الموت هو ألا تعود.

الساعاتي

يوما ما طرح القط أرضا ساعتي وهو يلعب

كفت آلاتها الدقيقة عن الحركة.

الساعاتي، متذمرا ومتأففا، بينما يفحص عقاربها،

غمغم، بتهكم: “الأفضل أن نشغل الزمن

بدل أن نفرغه”.

تلك الكلمات، منذ ذلك الحين،

لم تدعني في سلام.

الخيول

تدوي في زنزانتي دعسات تتقدم إلى الأمام، تتقدم إلى الأمام.

(لعله خبب حوافر الخيل الجامحة والتي هي أفكاري

تشق لها طريقا بين الصفاء والعدوانية والاكتظاظ.)

في تلك الزنزانة ثمة العديد من التلاقي ومن الهجر، العديد من الصخب، من السيول، من العوالم؛

العديد من الفيضان ومن وابل الثلج، والتي سوف تفجر قضبانها رأسي التي هي زنزانتي.

إلى أين يحمل الفزع هذه الخيول؟

تخب وتخب الخيول متقدمة نحو البعيد، مربوطة إلى ظلها، بلا وجهة محددة، تعميها الشمس.

المهاجرون

المهاجرون يسيرون في الشوراع بأكفان على أكتافهم،

بشواهد قبر على أكتافهم، بالصلبان على أكتافهم،

بالدموع على أكتافهم، بقلوب في أيديهم. السماء فوق الصحراء

في نظرتهم. بعائلة وبلد مخبأين في رؤوسهم.

للمهاجرين الكثير من الأكتاف، الكثير من القلوب، الكثير من الأيدي،

الكثير من الأرجل.

يدخلون المتاجر، البنوك، محلات المكالمات الهاتفية، البارات:

بصور مؤطرة تحت ذراع وتوابيت تحت الذراع الأخرى.

لا أحد يرى تلك الأكفان، تلك الشواهد، تلك الصلبان،

تلك الدموع، تلك القلوب، تلك العائلات، تلك البلاد، تلك الصور،

تلك التوابيت ولا تلك السماوات ولا الصحارى.

إنهم لا ينظرون في عيوننا، يعرفون أننا عميان.

قصة حب

صحيح أنني أحببتك

حبا واسعا

كان يسع المدينة كلها داخله

بأنفاقها وحدائقها وناطحات سحابها،

بقبل شبابها في الشوارع،

بأنوارها شاجّة الحياة.

صحيح أنني أحببتك

حبا كبيرا

كان يسع القارة داخله

بغاباتها ومحيطاتها وجبالها

وبلادها وحقائقها وأسراها.

صحيح أنني أحبتك حبا راسخا

كان ثابتا أمام الزلازل.

الحب حقيقة

وحقيقة أنا أحبتك

حبا شاسعا

كان يسع العالم داخله،

عالمي المليء بحبي لك.

صحيح أنني أحببتك

حبا قويا

لدرجة أنني الآن ضعيف لأنني فارغ.

عالمك لم يستطع أن يسعه.

صحراء

أمشي

فوق مشاعل

من الصمت.

أسمع ظلالا:

إنها خطوات الشمس.

صياغة

لا يمكنني أن أنحت الهواء.

لا يمكنني أن أنحت الماء.

لا يمكنني أن أنحت الضوء.

سأصنع لؤلؤة من الصمت.

كشف

الماء الذي كان ينقط نارا!

منفى

لقد تركت كل شيء هناك.

ألقيت بنفسي داخل نفسي!

الأسفار

سوف تسافر

بحثا عن الكمال.

سوف تسافر إلى الأمس.

سوف تسافر إلى الأصداء.

سوف تسافر إلى الغد.

سوف تسافر إلى ما فقدته.

سوف تسافر إلى الأفق.

سوف تسافر إلى الأبدية.

رغم أنك لن تصل إلى تلك الوجهات أبدا،

فلا تتوقف عن السفر!.

ترجمة عن الإسبانية: أحمد يماني

كيكا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق