سياسة

مقاربة أولية لسياسة تركيا السورية -مقالات مختارة-

حصلت على درع الفرات مقابل شرق حلب وعفرين مقابل ريف دمشق: تركيا وحلف الشرق الجديد/ براء صبري

لا تمضي الأيام كما ترغب تركيا. تفاهمات مرفوضة، وتطلعات مخيبة للآمال، واهتزازات في المواقف والتحالفات، وهو مسار كان من المتوقع من قبل تركيا أن يكون الواقع معاكسه في معركة حامية الوطيس، ومديدة التصادم، ومتداخلة الجهات، وكثيرة الضحايا، وواقعة خلف الحدود الجنوبية للبلاد. الحرب السورية التي مر عليها أكثر من ثماني سنوات كانت جزءا رئيسيا من الحياة السياسية التركية. على مر هذه السنوات حُجمت تركيا عن المشهد العام السوري، وظهرت بوجود قوة دولية كبرى كواشنطن وموسكو دولة من الحجم المتوسط رغم حاجة العاصمتين لها في الوصول للحل الشامل للبلاد التي قسمت على شكل كتل نفوذ حصلت روسيا على الحصة الأكبر فيها من حيث المساحة الجغرافية والبشرية، وحصلت الولايات المتحدة على حصة الأسد في مواردها، وكانت لإيران فيها بقع ونقاط عسكرية تحتاج إلى أن تكون مموهة بشكل دائم نتيجة الملاحقة الجوية الإسرائيلية لها. هذه التشابكات التي لا تنتهي في بلد أصبح أكثر من ثلث سكانه متوزعا بين نازح داخلي ولاجئ خارجي أصبحت محددة الملامح أكثر. تصادمات تسخن مع الوقت وتبرد في الشمال الغربي من البلاد ضمن طبيعة التقاربات بين روسيا وتركيا، وهجمات غير رسمية على قواعد إيرانية على الحدود العراقية وفي أطراف دمشق يكون ردها كسر حاجز الصمت على الحدود مع الجولان باختراقات جوية تُتهم إيران بها. وأخيراً، شمال الشرق السوري المارق في نظر النظام، والعميل لواشنطن في نظر إيران، وغير الخاضع للمركز في نظر الروس، والحاضن والباعث للإرهاب في نظر تركيا. هذا الشمال الشرقي الذي يسير نحو مصيره بغطاء أمريكي، وبملحق دولي مساعد وغير متحمس للعب دوره المطلوب، يعاني من عقبة رئيسية في اكتمال صورته وهو الضجيج المستمر للكيان الإقليمي “تركيا” الواقف كممانع لمسيرة نمو كيان إداري يعتبره خطرا على داخله، وإن كان يعلن التزامه بالتوافقات التي تعرضها واشنطن، وينفذ على الأرض التفاهمات الأمنية التي قدمتها واشنطن لإرضاء أنقرة، وإن كان أصلاً ينظر إلى تركيا كونه المنفذ للحياة في قادم الأيام، وإن لم يصرح بذلك بعد.

تفاهمات أمنية أمريكية

مع استنفاد الروس لعروضهم ومقايضاتهم الكبيرة لصالح تركيا التي جل همها ردع الأكراد وحلفائهم العرب عن بناء كيان ذاتي في شمال وشرق البلاد، بعد حصول تركيا على منطقة درع الفرات مقابل شرق حلب، وعلى عفرين مقابل ريف دمشق، أصبح الطريق مفتوحا للأمريكان للتواصل من جديد مع تركيا لعودتها إلى حضنها. جاء التواصل الأمريكي في الوقت الذي بدأ الأتراك يصعدون من لهجتهم ضد قوات سوريا الديمقراطية حليفة التحالف الدولي ضد “داعش”. الفرصة السانحة الأخيرة للأمريكان، وإدراك الأتراك أن خسارتهم لأمريكا سيكون لها ثقل على داخلها الاقتصادي والسياسي، وعلى مسيرة الساسة الحاكمين فيها، دفعها لفتح الباب للحوار مع واشنطن التي تعلم مدى ضرورة تجاوز العقبة التركية في مسألة شرق الفرات ومنبج. بدأ الطرفان جولة مفاوضات ساخنة لوضع حد للتهديد التركي باجتياح المنطقة، ولوضع حد في ذات الوقت لمخاوفها الطبيعية مع الحفاظ على قوات سوريا الديمقراطية بصفتها المسؤولة الرسمية على إدارة الملف العسكري والأمني لكامل شرق الفرات ومنبج بالطبع.

دخل الطرفان المفاوضات بعد التحشيد التركي على الحدود، وبعد ثلاثة أيام توصلا إلى تفاهمات أولية. وأفادت وكالة “الأناضول” التركية حينها أن أنقرة وواشنطن توصلتا لاتفاق يقضي بتشكيل مركز عمليات مشتركة في تركيا خلال أقرب وقت لتنسيق وإدارة إنشاء “المنطقة الآمنة” في شمال سوريا. ونقلت الوكالة عن وزارة الدفاع التركية أنه “تم الاتفاق مع الجانب الأمريكي على جعل المنطقة الآمنة ممر سلام، واتخاذ كل التدابير الإضافية لضمان عودة السوريين إلى بلادهم”.

وقالت وزارة الدفاع التركية في 7 آب/أغسطس الماضي إنها اتفقت مع الولايات المتحدة على تأسيس مركز عمليات مشترك في تركيا للتنسيق وإدارة المنطقة الآمنة المزمع إقامتها في شمال سوريا.

وأكدت السفارة الأمريكية في أنقرة في بيان في ذات التاريخ أن وفدين عسكريين أمريكي وتركي اتفقا على إنشاء “مركز عمليات مشتركة في تركيا في أقرب وقت ممكن لتنسيق وإدارة المنطقة الآمنة” في شمال سوريا. وأضافت أن الطرفين اتفقا على جعل المنطقة الآمنة “ممرا للسلام”.

ورغم ان وسائل الإعلام تحدثت عن أن هناك اغترابا كرديا عن الاتفاقية بعد ان ذكرت مصادر إخبارية ان ألدار خليل كان قد وصف تفاصيل الاتفاق بالغامضة، ومع حديث إلهام أحمد الرئيسة المشاركة لـ”مسد” عن إنه “لا توجد خريطة واضحة بما يخص المحادثات حول المنطقة الآمنة” ومطالبتها في تصريحات لقناة “روناهي” الكردية، بإشراك “قسد” في أي اتفاق أمريكي-تركي حول المنطقة الآمنة، إلا ان الوقائع بدأت تتكشف عن ان القبول الكردي الكلي للاتفاق لم يناظره قبول تركي مماثل رغم أن تركيا وأمريكا وضعا وشكلا الاتفاقية معاً. أي بالمختصر أن المغترب عن الاتفاق نجح بالتعامل معها عكس المشارك في تكوينه.

فبعد أن بدأت بعض الدوريات المشتركة، وسير الطرفان طائرات في المنطقة المُبتغاة، وبعد ان هدمت وحدات حماية الشعب عدة أنفاق، وأعلنت انسحابها من المنطقة، عادت تركيا للرفض.

في الثامن من أيلول/سبتمبر سمع العالم كيف أن تركيا تتهم واشنطن مجدداً بالتلاعب بها، واتهم اردوغان واشنطن بالسعي لتأسيس منطقة آمنة لصالح “منظمة إرهابية” في إشارة إلى وحدات حماية الشعب الكردية التي تصنفها تركيا إرهابية، مؤكدا رفض بلاده التوجه. وأضاف في تصريح لوكالة دولية بريطانية في 13 أيلول/سبتمبر أن “في كل خطوة نخطوها، نرى أن هناك اختلافا بين ما نريده وبين ما تصبو إليه الولايات المتحدة. فبينما نريد أن نزيل المنظمة الإرهابية من المنطقة إزالة تامة، فإن الولايات المتحدة تنتهج نهجا لإدارة الأمور معنا ومع المنظمة الإرهابية أيضا، وتريد وضعنا مع المنظمة الإرهابية في الخانة ذاتها”. وكان التصريح الأخير عبارة عن رسالة واضحة عن ان التفاهمات الأخيرة قد ماتت رغم تمسك قادة قوات التحالف بالاتفاقية، وتصريحهم خلال لقائهم بتاريخ 14 أيلول/سبتمبر لوجهاء محليين في بلدة تل أبيض بإنهم ملتزمون بتنفيذ البنود كاملة.

بالتوازي مع موقف قادة التحالف الدولي علق رياض ضرار الرئيس المشترك لمجلس سوريا الديمقراطية، المظلة السياسية لقوات سوريا الديمقراطية على تصريحات اردوغان الأخيرة قائلاً لـ”القدس العربي”: “من حق كل طرف أي يقول إنه يفهم الاتفاق على النحو الذي يراه، ولكن ما يجري على الأرض هو الفهم الحقيقي للتفاهمات”.

وفي محاولة لفهم التطورات من واشنطن عن التصريح الأخير لاردوغان، وعلاقة واشنطن بأنقرة ومع “قسد” قالت الكاتبة المعنية بالشأن السياسي السوري هديل عويس من مقرها في واشنطن لـ”القدس العربي”: “العلاقة الأمريكية التركية تاريخية، وتسعى أمريكا للحفاظ عليها، ولكن ليس على حساب مقاتلة تنظيم ترى واشنطن أنه منبثق عن العدو الأول، القاعدة. كما أن داعش استهدفت المصالح الأمريكية ما دفع أمريكا الانعزالية في عهدي اوباما وترامب للانسحاب أمام ما تراه تهديدا وجوديا ومتفقا على قتاله على اختلاف التوجهات السياسية. مشاكل تركيا مؤخراً مع واشنطن لا تقتصر على سوريا بل تمتد إلى العلاقات التركية مع روسيا وما يراه (بعض) سياسيي واشنطن من انحراف تركيا عن مسارها الديمقراطي المعهود” وأضافت: “واشنطن رأت في قسد تجربة مثالية لتحارب الإرهاب وتحافظ في آن معاً على مسارها الانعزالي وعدم رغبة الأمريكيين بإرسال جنودهم ومواردهم للقيام بحروب في الشرق الأوسط، فقسد تقاتل كقوات محلية ودول التحالف تساعد الولايات المتحدة في دفع تكاليف الحرب”.

عجز تركي والتزام أمريكي

كان لتركيا موطئ قدم ثابت ومنشود في السياسات الأمريكية المتعلقة بشؤون الشرق الأوسط، ولم يكن للكتلة الضاغطة الداعمة لتركيا في واشنطن منافس يعتد به عندما كان الوضع يتعلق بالحدود الجنوبية والشرقية للبلاد. لكن، الغضب التركي المستمر من تحركات واشنطن، وعملها لصالح أجندة تخدم الإسلام السياسي، ومراقبتها لولادة وحش من طينة داعش على حدودها الجنوبية من دون حراك، وملفات أخرى عديدة حجّم دورها في ما وراء الأطلسي. عندما وجه السؤال إلى رياض ضرار الخطيب والمدرس السابق عن احتمال نجاح تركيا من خلال جماعات الضغط في واشنطن بزيادة خسائر قوات سوريا الديمقراطية في سوريا بعد ان نجحت تركيا بالحصول على “عفرين الكردية” من خلال روسيا قال: “في الحقيقة نحن مدركون أن هناك ضغطا تركيا مستمرا على أمريكا، وهناك مصالح كبيرة سابقة بينهما، ولهما تاريخ طويل من العمل المشترك، ولذلك تفاوض أمريكا تركيا رغم انحياز تركيا للموقف الروسي” وأعقب “إذاً، الكل في سوريا يتعامل مع ما يجري من أجل مصلحة عامة للجميع” وان تم فهو في حد ذاته مكسب للجميع من منظور الكثير من المتابعين للحرب السورية.

ومع ان الكثير ينظرون إلى تركيا كونها ما زالت تملك العديد من الأوراق في لعبتها مع واشنطن تصر الباحثة السياسية كريستيان واكد المختصة بالشأن الكردي والعاملة مع الصحف الناطقة بالإنكليزية والإسبانية على أن “تركيا لا تملك حالياً أي ورقة ضغط” ولكونها تنظر إلى الأوضاع من خلفية ذات روابط مع الغرب الأوروبي تقول “إن فقدان تركيا لأوراق الضغط يدفعها للتهديد بإرسال اللاجئين وفتح الحدود لهم بإتجاه أوروبا مجدداً” وذلك، والقول لها: “سيدفع أوروبا للعب دور الوسيط بين تركيا وأمريكا نتيجة خوفها من قضية اللاجئين” مع العلم أن الدور الأوروبي أصبح يخفت كثيراً في تحديد المسار المستقبلي لسوريا، وأصبح بمعظمه ملحق سياسيا بالموقف الأمريكي، وإن كان للفرنسيين البعض من الحراك الذاتي هنا وهناك.

لم تكن تلك الردود تلك كافية لفهم الحراكات التركية في واشنطن، ومع وضوح إن حلفاء “قسد” والإدارات الذاتية ضعاف جداً بالمقارنة مع جماعات موالية لتركيا، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة ان “قسد” تسير في مسار يكون للأتراك النصر الشامل بالملف السوري، كون أن تلك العلاقات لا تعتمد فقط على اللوبيات بقدر ما تعتمد على المصالح المشتركة، وعلى الالتزام بالتعهدات. في ذلك السياق قالت الكاتبة السياسية هديل عويس التي تعمل حاليا مع وكالة معنية بالشأن السوري، وقريبة من التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب في سوريا: “الدعم لقسد مرتبط بقناعة أمريكية متجذرة، أن التجربة التركية وغيرها من التجارب التي أتيح لها المجال والدعم الأمريكي لسنوات طويلة لتبلور نفوذ معارض يكافح الإرهاب والعدو الإيراني ويرسي الاستقرار قد فشل. فالمسؤولون الأمريكيون في حواراتهم يذكرون ويتذكرون بأن مناطق كثيرة كانت بيد جماعات مرتبطة بمن تدعمهم تركيا اليوم ذهبت مع السلاح الأمريكي الذي دُعمت به إلى يد (القاعدة) وهذا أمر مجمع عليه، وبعيد عن تأثير قسد أو أي علاقة أمريكية شخصية معها، وبعيد أيضاً عن قدرة تأثير اللوبيات التركية”. وفي هذا السياق لفتت الكاتبة بمفارقة ذات أبعاد متعددة، وهي أن: “مرشحة ديمقراطية ويسارية جداً في مواجهة ترامب في انتخابات 2016 اليزابيث وارن انتقدته حين قال إنه سينسحب أو يخفف النفوذ في سوريا لما يراه هؤلاء من امكانية العودة الحتمية لداعش في حال تخلت أمريكا عن التجربة التي ترسي اليوم الاستقرار تحت علم واحد من البوكمال إلى القامشلي”.

حلف الشرق ولحاف الجار القوي

تأتي هذه التطورات مع اجتماع ثلاثي جديد هو الخامس بين القادة الثلاثة (بوتين، اردوغان، روحاني) حول سوريا. الاجتماع الذي كان هذه المرة في أنقرة أكد من جديد الخطوط العريضة نفسها. ومع ان الظهور العلني المستمر للرئيس التركي مع بوتين وروحاني هو بحد ذاته رسالة فيها الكثير من العدوانية تجاه الغرب، إلا أن الهدوء عنوان التعامل الأمريكي مع تركيا. هذا التعامل الثلاثي، والذي ينتهي بتهديدات للقوات المحلية في شرق الفرات كان متوازيا مع تهديدات واتهامات جديدة للنظام السوري لتلك القوات. حيث ذكرت وكالة الأنباء الرسمية “سانا” ان الخارجية السورية قدمت شكوى في رسالة وجهتها 15 أيلول/سبتمبر إلى كل من الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن قالت فيها “تواصل الميليشيات الإرهابية الانفصالية التي تسمى قسد ممارساتها الإرهابية والإجرامية والقمعية بحق أبناء الشعب السوري في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور وحلب مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية ومن قوات التحالف الدولي” ولم يفهم من تلك الرسالة العدوانية التي جاءت قبل يوم واحد من اللقاء الثلاثي في تركيا إلا أنها وسيلة تبتغي منها روسيا كسب تركيا المعادية لقسد من خلال تحريك النظام ضدها.

الاجتماع الذي واكب الرفض التركي لشكل المنطقة الآمنة التي يصر الأمريكان تسميتها بالآلية الأمنية اسماه رياض ضرار بـ”حلف الشرق” حيث يعتبره “توافقا ثلاثيا هدفه مواجهة أمريكا في سوريا” و “تركيا خاطئة في ذلك”.

التصعيد الثلاثي ضد حلفاء واشنطن في سوريا له أبعاد وخلفيات أخرى، وهو حسب كريستيان واكد “مصالح اقتصادية تركية إيرانية تظهر من خلال تهريب النفط والتجارة المتبادلة” وكذلك طبيعته بين تركيا روسيا هي علاقة الجار القوي “أي أنه لا خيار لدى تركيا سوى مسايرة الجار القوي” ورغم أنها تسرد مثالا على حاجة تركيا لروسيا، وضرورة بقائها قريبة منها، وهو أن “روسيا تستطيع منع جيش النظام السوري من القيام بإي عملية عسكرية في مناطق سيطرة الأتراك في سوريا” إلا أن الكاتبة تنسى ان جاراً قويا آخر أصبح حالياً على حدود تركيا الجنوبية هو أمريكا، وتسهو عن السرد التاريخي الطويل الذي كانت فيه تركيا الحاجز في وجه السوفييت في المنطقة رغم ان الجار الشمالي حينها كان أكبر ثقلا عن الوقت الحالي.

لا عفرين جديدة وملامح محلية للحكم

لا تنتهي التسميات في شمال شرقي سوريا للكيانات الناشئة في المنطقة. مسيرة طويلة من التسميات لشكل الحكم في منطقة رغم قصر فترة الحكم المحلي نفسه. ورغم ان الكثير يلاحظون ان تعزيز التواجد الأمريكي سيمهد الطريق لولادة إقليم على شاكلة إقليم كردستان العراق، إلا أن التهديدات التركية المستمرة والعدوانية الصادرة من دمشق وتركيز واشنطن الرسمي على داعش يقلق القائمين على الأمور، ويؤثر على الاستقرار المجتمعي في المنطقة. التجربة الحالية للإدارات المحلية تعاني الكثير من الضعف والفوضى الإدارية حسب الباحثين، وهي لا تواكب التسارع في الأحداث السياسية والعسكرية المحيطة، ولكنها “نموذج يمكن ان يعمم على كل سوريا وهي تعمل على حل مشكلات التنمية والإدارة بنفسها دون الاعتماد على المركز” حسب ضرار الذي يعتبر جزءا منها. ورغم ان الطموح القومي الكردي العام هو الوصول إلى كيان شبيه بإقليم كردستان العراق، إلا أن قوة الضغط التركي ومعرفته أن فشله في منع ولادة كيان ذاتي كردي في شمال العراق قد دفع الآخرين للطلب بمثله يعقد الأمور على الجهات المحلية.

من المفهوم ان تركيا تعادي كل شيء له صلة بولادة كيان ذاتي جديد على حدودها، إلا أن ملامح القبول لم تعد مستحيلة، خاصة ان تركيا تعتبر نفسها قطعت الحلم الكردي بالوصول إلى البحر، وقطعت جسده من خلال منع الوصول إلى عفرين، وأخيراً سلب جزء رئيسي منه هو عفرين نفسها. وعن الحل النهائي لهذا الصراع قالت هديل عويس “واشنطن ترى التهديدات التركية الأخيرة أقل تصعيداً من الاعتراضات السابقة وأعتقد أن الرؤى بدأت تتلاقى بشكل أكبر ولو رأينا الأوراق الأخرى الموضوعة على الطاولة في لقاء اردوغان ترامب لعرفنا أن التوافق اقترب” وقالت عن تكرار نموذج عفرين “أما نموذج عفرين فكانت واشنطن واضحة من اللحظة الأولى لا شأن لها في غرب الفرات التي لم تدخلها أصلاً أما في شرق الفرات فنموذج عفرين خط أحمر”  وهو رأي شبيه برأي كريستيان واكد التي أكدت “ان الوصول إلى تفاهم نهائي يحتاج إلى أن تقدم واشنطن ضمانات وتعهدات لتركيا بأنها لن تسمح للمسلحين الأكراد ان يقوموا بأي تحرك عسكري ضد تركيا” وهو ما يصر قادة “قسد” أنهم ملتزمون به مسبقاً.

لى ما يبدو إن اللقاء القادم بين الرئيس الأمريكي ونظيره التركي المفترض على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية هذا الشهر قد يكون له دور ما في الترتيبات التي تتم لمصير شمال وشرق سوريا، ولكن ليس بالضرورة هو اللقاء المفصلي لتحديد مصير تلك المنطقة على اعتبار ان الترتيبات النهائية يكون للقوى على الأرض واللجان المعنية بالأوضاع دور فيها. ومع الوقت يدرك العارفون إن تركيا تتجه إما للتقبل المشروط للوقائع أو الانزياح كلياً إلى اللاعبان الآخران المناهضان لواشنطن وهو خيار ان تم سيكون بدوره له تداعياته مدوية أقله على الداخل التركي.

القدس العربي

نحو إعادة رسم الخارطة السياسية التركية

أعلن أحمد داود أوغلو، رئيس الوزراء السابق في عهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في 13 سبتمبر/أيلول 2019، استقالته من حزب العدالة والتنمية، مستبقا بذلك قرارا منتظرا من جانب إدارة الحزب بفصله، وكشف أنه سيشكل قريبا حزبا سياسيا منافسا.

وقد كانت اللجنة التنفيذية لحزب العدالة والتنمية التركي قد أعلنت عقب اجتماع عقدته في 3 سبتمبر/أيلول 2019، أن اللجنة قررت التوصية بفصل د. أحمد داوود أوغلو، رئيس الحكومة الأسبق، وعدد آخر من كوادر العدالة والتنمية، من الحزب. طبقًا لقانون الحزب الداخلي، ترسل توصية اللجنة التنفيذية إلى لجنة التأديب للنظر في معطيات القضية؛ حيث يُسمح للعناصر التي طُلب فصلها بالدفاع عن أنفسها، إن رغبت في الظهور أمام اللجنة، ومن ثم يُتخذ القرار النهائي.

عُقد اجتماع اللجنة التنفيذية برئاسة الرئيس أردوغان، وما كان لمثل هذا القرار أن يصدر بدون دفع منه أو على الأقل رضاه. أحمد داوود أوغلو، وزير الخارجية ورئيس الحكومة الأسبق، ليس مجرد عضو عادي، وما دام الرئيس لم يعد يرغب في استمراره في الحزب، فمن الصعب عليه البقاء عضوًا فاعلًا.

لم يكن خروج داوود أوغلو من العدالة والتنمية غير متوقع؛ ما فاجأ الكثيرين كانت الطريقة والتوقيت. ثمة تقارير متزايدة حول عزم علي باباجان، الاقتصادي البارز وأحد مؤسسي العدالة والتنمية، على إطلاق حزب جديد. وكانت ثمة تقارير متضاربة حول ما إن كان داوود أوغلو سيلتحق بهذا الحزب أو أنه سيقوم منفردًا، وبمعزل عن باباجان، بإطلاق حزب آخر؛ أو أنه يرفض فكرة الانشقاق عن العدالة والتنمية وقرر أن يكرس جهده للإصلاح الداخلي والترويج لآرائه من بين صفوف الحزب، الذي سبق أن ترأس حكومته لما يقارب العامين. ولذا، يبدو قرار اللجنة التنفيذية التوصية بفصله من الحزب وكأنه يصنع حالة انشقاق جديدة، وأن داوود أوغلو لم يعد لديه خيارات أخرى، سواء أراد أو لا.

مهما كان الأمر، فمن الواضح أن الخارطة السياسية التركية في طريقها إلى إعادة التشكل من جديد. فإلى أي حد تبدو جدية الجهود لإطلاق أحزاب جديدة، سيما في الجانب المحافظ من الخارطة السياسية التركية؟ وإن نجحت قيادات منشقة عن العدالة والتنمية في إطلاق حزب أو أكثر، فهل ستنجح في معركة البقاء في مواجهة آلة الحزب الحاكم الهائلة؟ وهل ستترك تأثيرًا ملموسًا على مصير العدالة والتنمية، سلبًا أو إيجابًا؟

ما وراء داوود أوغلو وعلي باباجان

كان الرئيس أردوغان، في اليوم السابق لاجتماع لجنة الحزب التنفيذية، وصل في جولته عبر الولايات التركية إلى مدينة قونية، حيث كان سيلقي خطابًا جماهيريًّا. ولكن، وما إن حان موعد كلمة الرئيس حتى تبين أن عدد الموجودين في ميدان المدينة المركزي كان قليلًا بصورة ملحوظة؛ الأمر غير المعهود على لقاءات أردوغان الجماهيرية، التي تجذب عادة عشرات، بل ومئات الآلاف، سيما في مدينة معروفة بأنها من قلاع العدالة والتنمية الشعبية. في النهاية، وبعد تأجيل الموعد، بدون أن تقع زيادة ملموسة في عدد المحتشدين، ألقى الرئيس كلمته فيمن كان موجودًا. ولأن قونية هي أيضًا مدينة داوود أوغلو، ظن البعض أن تأثير الأخير ونفوذه في فرع العدالة والتنمية بالمدينة كان السبب خلف ضعف الحشد الشعبي للاستماع إلى خطاب الرئيس.

حادثة قونية، يقول البعض، كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، وأدت إلى صدور قرار اللجنة التنفيذية للحزب بالتوصية بفصل داوود أوغلو. استمرار وجود الأخير في الحزب، يقول خصومه، يوفر له فرصة العمل على إضعاف وحدة الحزب الداخلية، وصناعة بؤر معارضة انشقاقية.

قد يكون هذا التفسير صحيحًا، بالطبع، ولكن الصحيح، أيضًا، أن معدلات التوتر داخل حزب العدالة والتنمية تتصاعد باطراد منذ عامين، على الأقل.

بدأت المؤشرات الأولى على خلافات داخلية في حزب العدالة والتنمية في البروز منذ توجه البلاد لإجراء استفتاء شعبي على تعديلات دستورية جذرية في ربيع 2017، استهدفت تحول نظام الحكم من البرلماني إلى الرئاسي. وبالرغم من أن الرئيس السابق للجمهورية، عبد الله غول (ترأس الجمهورية من 2007– 2014)، أحد القيادات المؤسسة للعدالة والتنمية، وأحمد داوود أوغلو، رئيس الحكومة الأسبق (ترأس الحكومة من 2014– 2016)، لم يعارضا التحول إلى نظام رئاسي، فقد تقدما للرئيس أردوغان بمذكرة ضمَّت تصورًا للنظام الرئاسي، مختلف إلى حد ما عن التعديلات الدستورية المقترحة، التي وُضعت مسودتها من قبل لجنة في الحزب. ولكن أردوغان لم يأخذ بمقترحات غول-داوود أوغلو، وظل على التزامه بمسودة التعديلات التي أقرتها اللجنة الحزبية؛ وهي التي طُرحت بعد ذلك بالفعل للاستفتاء.

في يوليو/تموز 2018، اكتملت عملية الانتقال للنظام الرئاسي، وأعلن الرئيس أردوغان حكومته الجديدة. ولم يكن خافيًا أن تركيبة الحكومة لم تجد تأييدًا في عدد من أوساط الحزب، لاسيما تلك الملتفة حول غول وداوود أوغلو. خلال الشهور القليلة التالية، سيما بعد أن ازدادت المؤشرات على مواجهة البلاد أزمة اقتصادية-مالية، اتضح` أن غول، وعلي باباجان، وداوود أوغلو، إضافة إلى عدد آخر من قيادات العدالة والتنمية التاريخية وكوادره، اتخذوا موقفًا معارضًا لسياسات الحكومة والحزب، وليس تلك المتعلقة بالجانب الاقتصادي، وحسب. أصبحت هذه المعارضة أكثر وضوحًا بعد انتخابات 31 مارس/آذار 2019 البلدية، التي كشفت عن تراجع واسع النطاق في حظوظ العدالة والتنمية الانتخابية، بالرغم من خوضه الانتخابات في تحالف مع حزب الحركة القومية.

خلال الأسابيع التالية، نُشرت تقارير حول عزم علي باباجان، الذي يوصف بصانع المعجزة الاقتصادية للعدالة والتنمية، نائب رئيس الحكومة السابق للشؤون المالية والاقتصادية (2009 – 2015)، وأحد مؤسسي الحزب، بالتعاون مع رئيس الجمهورية السابق، عبد الله غول، على الانشقاق عن حزب العدالة والتنمية وتأسيس حزب محافظ جديد. في الوقت نفسه، وفي نهاية أبريل/نيسان 2019، أصدر داوود أوغلو بيانًا شاملًا، تعليقًا على التراجع الانتخابي للعدالة والتنمية في انتخابات مارس/آذار البلدية. ضم البيان رؤية نقدية لتراجع منظومة القيم التي ارتكز إليها العدالة والتنمية منذ تأسيسه، وتقلص الدائرة الاجتماعية التي تلتف حول منظمات الحزب، وأزمة الثقة المتفاقمة بين الحزب وقاعدته الشعبية، وبنية النظام الرئاسي الجديد، وعدد من المسائل الأخرى. وبالرغم من أن البيان عبَّر عن روح التزام بالحزب، باعتباره مشروعًا تاريخيًّا لإعادة بناء الدولة الجمهورية، لم يكن ثمة شك في أن المقولات التي حملها البيان تعكس خلافًا جوهريًّا بين داوود أوغلو والرئيس أردوغان.

في البداية، ساد اعتقاد بأن باباجان، وداوود أوغلو، وعبد الله غول، يتشاطرون رؤية واحدة لأوضاع البلاد وحزب العدالة والتنمية، وأنهم يعملون سويًّا، ربما، باتجاه إطلاق مشروع سياسي جديد. ولكن، سرعان ما اتضح أن الأمور ليست كذلك، وأن المعارضة داخل العدالة والتنمية تتمثل في اتجاهين وليس اتجاهًا واحدًا.

الاتجاه الأول، ويضم علي باباجان، وبشير أطلاي، وزير الداخلية الأسبق، وسعد الدين أرغن، وزير العدل الأسبق، ونهاد أرغن، وزير الصناعة الأسبق، ورئيس المحكمة الدستورية السابق، هاشم كليتش (ويقال: إن محمد شيمشك، وزير المالية السابق، سيلتحق بهؤلاء بعد نهاية عقد عمله الحالي). يدعم هذه المجموعة الرئيس السابق، عبد الله غول، الذي يُعتقد أنه صاحب فكرة الحزب الجديد. تقدم باباجان باستقالة مسبَّبة ومعلنة من العدالة والتنمية في يوليو/تموز 2019، ولم يلبث أن لحق به أعضاء المجموعة الآخرون. كليتش لم يكن عضوًا في الحزب؛ وكذلك حال غول، الذي لم يعد إلى صفوف الحزب بعد أن انتهت ولايته رئيسًا للجمهورية في 2014.

طبقًا لمصادر قريبة من هذه المجموعة، يتجه هؤلاء إلى إطلاق حزب محافظ جديد، يُحسب على يمين وسط، بدون أن يتبنى أية توجهات إسلامية؛ مع العلم بأن أغلب أعضاء المجموعة معروفون بتوجهاتهم الإسلامية، بما في ذلك أطلاي، الذي اعتُبر دائمًا الأكثر إسلامية بين مؤسسي العدالة والتنمية. وبالرغم من أن غول هو الشخصية المحورية خلف هذا المشروع، فالمفترض أن يقود الحزب الجديد علي باباجان، الذي لا يُنظر إليه باعتباره زعيمًا سياسيًّا، ولكنه أقل مدعاة للاستقطاب السياسي والجدل. والمعروف أن هذه المجموعة تعقد لقاءات مصغرة، منذ يوليو تموز، للعمل على بناء رؤية الحزب الجديد السياسية واستراتيجية عمله.

بيد أن ما يشاع من أن الحزب سيسعى لإقامة علاقات تحالفية مع حزب الشعب الجمهوري المعارض، وإعادة النظر في علاقات تركيا الخارجية، إقليميًّا ودوليًّا، يوحي بأن المجموعة لا تحمل مشروعًا إصلاحيًّا بديلًا للبلاد وأن الحزب الذي ستؤسسه لن يكون سوى أداة لإيصال عبد الله غول لرئاسة الجمهورية، مرشحًا لكافة القوى الداخلية والخارجية التي ترغب في وضع نهاية لحقبة أردوغان وهيمنته الطويلة على الحياة السياسية التركية.

الاتجاه الثاني، ويقف في مقدمته داوود أوغلو، الذي يلتف حوله عدد من أكثر كوادر العدالة والتنمية النشطة دينامية في العقدين الماضيين، ليس في أنقرة وحسب، بل وعدد من فروع الحزب في أنحاء الجمهورية المختلفة. ويبدو أن محاولات توحيد جهود المجموعتين معًا لم تنجح، نظرًا للحساسيات الشخصية بين غول وداوود أوغلو، من جهة، ورغبة المجموعة الأولى في التحرر من أعباء الهوية والمواقف السياسية والإقليمية التي تثقل العلاقة مع داوود أوغلو. الأخير، من ناحيته، بات يرى أن المجموعة الأولى لا تحمل مشروعًا إصلاحيًّا، وأنها تعمل لمجرد بناء أداة للصراع السياسي الداخلي.

بيد أن داوود أوغلو، الذي أراد طرح رؤية إصلاحية شاملة في بيان أبريل/نيسان الماضي (2019)، لم يكن واضحًا في توجهاته تمامًا. بمعنى أنه حتى الإعلان عن توصية اللجنة التنفيذية للعدالة والتنمية بفصله لم يكن حاسمًا في ما إن كان سيستمر في التعبير عن الصوت المعارض داخل الحزب، أو أنه يمضي نحو تأسيس حزب جديد.

حسم داوود أغلو هذه التكهنات بإعلانه الاستقالة من حزب العدالة والتنمية، وتشكيل حزب سياسي جديد.

احتمالات المواجهة والبقاء

ثمة مؤشرات قليلة، وليست واضحة تمامًا، لما يعنيه تشكيل حزب أو حزبين جديدين في المعسكر المحافظ للسياسة التركية. كافة أعضاء المجموعة الملتفة حول باباجان تعتبر من القيادات السابقة الكبرى للعدالة والتنمية، عدد بينهم من مؤسسي الحزب الأصليين في 2001. وهؤلاء جميعًا من كبار السن أو متوسطي العمر، الذين يمكن أن يوفروا للحزب الجديد شرعية سياسية ما، ولكنهم ليسوا من الكوادر والنشطين الحزبيين، الذين يمكن أن تستند إليهم منظمة حزبية قابلة للبقاء والاستمرار والانتشار. في جهة داوود أوغلو، ليس هناك ما يشير إلى وجود قيادات كبرى من العدالة والتنمية إلى جانبه، مؤسسين أو غير مؤسسين؛ بل عدد من الكوادر الوسطى والنشطين السياسييين، الذين يمكنهم العمل فعلًا على تأسيس منظمة حزبية، ولكنهم لا يتمتعون بالثقل التاريخي والزعامة السياسية الضرورية لتوفير شرعية جماهيرية كافية لحزب جديد.

من يقول بقدرة المشروعين على البقاء والمنافسة يعيدون التذكير بتجربة العدالة والتنمية نفسه في 2001، الذي مثَّل انشقاقًا على حزب السعادة ونجم الدين أربكان، الزعيم التاريخي للاتجاه المحافظ ذي التوجه الإسلامي في تركيا، وانشقاق ميرال أكشنر في أكتوبر/تشرين الأول 2017 عن حزب الحركة القومية، الممثل التاريخي للتوجه القومي في تركيا، وتشكيلها الحزب الجيد. في كلتا الحالتين لم يستطع المنشقون البقاء، وحسب، بل والازدهار، أيضًا، بحيث نجح العدالة والتنمية في حكم البلاد طوال العقدين الماضيين، وتحول الحزب الجديد إلى قوة معتبرة في البرلمان التركي.

الحقيقة، بالطبع، أن الأمور تبدو مختلفة نوعًا ما هذه المرة، وأن القياس قد لا يكون صحيحًا. عندما خرجت المجموعة التي أسست العدالة والتنمية على أربكان، خرج معها معظم قيادات حزب أربكان وكوادره؛ بمعنى أن الأغلبية هي التي انشقت على الأقلية، إن صحَّ تعبير الانشقاق. كما أن أربكان كان حينها مطاردًا من القضاء، وحزبه الوسيط بين الرفاه والسعادة، الفضيلة، قد حُلَّ بالفعل. كما أن خروج أكشنر عن الحركة القومية لم يكن خروجًا لمجموعة من القيادات والكوادر، بل انشطارًا رأسيًّا في الحركة القومية، طال معظم فروع الحزب ومنظماته.

ما قد يقوم به داوود أوغلو وباباجان، في المقابل، هو العمل على تأسيس حزب أو حزبين جديدين في انشقاق على حزب حاكم، بل وحزب يحكم منذ 2002، لم يزل يتمتع بأغلبية برلمانية، بدعم شعبي واسع النطاق، ومنظمة حزبية هائلة ومجربة، وزعيم كاريزمي، هو رئيس الجمهورية في الوقت نفسه. وكون الحديث يجري حول حزبين وليس حزبًا واحدًا، فهذا في حد ذاته مدعاة للشك في قدرة أي من المشروعين على كسب دعم شعبي كاف. هذا، ناهيك عن الغموض الذي يحيط ببرنامج الحزب الذي يعمل باباجان على تأسيسه، وما إن كان سيستطيع بالفعل جذب قطاع ما من القاعدة الجماهيرية للعدالة والتنمية. كانت السياسة التركية دائمًا أقرب إلى ساحات القتال منها إلى ساحة المنافسة التقليدية، ويجب ألا يوجد شك في الروح القتالية التي سيدافع بها العدالة والتنمية عن وجوده وموقعه.

من جهة أخرى، وإضافة إلى الأزمة الاقتصادية-المالية، التي يصعب التنبؤ بنهايتها السريعة، ليس ثمة شك في أن العدالة والتنمية يشهد تراجعًا في الدعم الجماهيري، سيما في أوساط المهنيين، من أبناء الطبقة الوسطى المحافظة، وسكان المدن الكبرى. انفضاض هذه الكتلة التصويتية الترجيحية عن العدالة والتنمية بدأ في البروز في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، واستمر في الانتخابات البرلمانية والرئاسية والبلدية بعد ذلك. كما يوجد تراجع ملموس، لا يقل أهمية، في حجم الصوت الكردي المؤيد للعدالة والتنمية. استرداد هاتين الكتلتين لن يكون شأنًا يسيرًا، كما أن الصراع عليهما سيزداد احتدامًا ببروز أحزاب جديدة في المعسكر المحافظ للسياسة التركية.

حقبة جديدة من التشظي السياسي

كانت ولادة حزب العدالة والتنمية في 2001، ومن ثم فوزه في الانتخابات البرلمانية في خريف العام التالي وتشكيل حكومته الأولى، تطورًا بارزًا في تاريخ السياسة التركية منذ بدأت التعددية السياسية في منتصف القرن العشرين. فاز العدالة والتنمية في كل الجولات الانتخابية التالية، بدرجات متفاوتة، سواء البرلمانية منها، أو المحلية، أو الرئاسية. ولم يتعهد العدالة والتنمية في حكوماته المتعاقبة مشروع نهوض شامل للبلاد، وحسب، بل وصنعت هيمنته على الحياة السياسية نوعًا من استقرار الخارطة السياسية، التي طالما عانت من التشظي الحزبي وهشاشة الحكومات الائتلافية.

خلال السنوات منذ 2002، هُمِّشت كافة أحزاب اليمين ويمين الوسط المحافظة الأخرى. ولأن أكبر أحزاب يسار الوسط، حزب الشعب الجمهوري، بكل ثقله التاريخي، لم يستطع طوال العقدين الماضيين تحقيق نسبة أصوات تصل حتى إلى الثلاثين بالمئة، لم يعد هناك مكان لأي من أحزاب يسار الوسط الأخرى. لم تزل أحزاب مثل السعادة، والوحدة الكبرى، والديمقراطي، واليسار الديمقراطي، موجودة، وتخوض الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ولكن حصيلة جهودها محدودة ولا تترك تأثيرًا ملموسًا على التوازنات السياسية في البلاد. وحدهما، الحزب القومي التركي، وحزب الشعوب الديمقراطي، الكردي القومي في توجهه، من استطاعا البقاء وتحقيق موقع انتخابي ملموس إلى جانب العدالة والتنمية والشعب الجمهوري.

كان لهذا الاستقرار في الخارطة السياسية أثر بارز ومباشر في استقرار الحياة السياسية، سواء في مرحلة النظام البرلماني حتى 2017، أو الرئاسي بعد ذلك. انشقاق الحزب الجيد في خريف 2017 عن حزب الحركة القومية، ونجاحه الانتخابي، أثار مخاوف حول بداية مرحلة أخرى من التشظي السياسي. الجهود الحالية لإطلاق حزب أو حزبين محافظين جديدين تنذر بتحول هذه المخاوف إلى واقع ملموس.

هناك من يقول بأن النظام الرئاسي كفيل بحماية البلاد من عدم الاستقرار الذي يمكن أن ينجم عن التشظي السياسي. كما أن الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة لن تُعقد قبل 2023، وفي السنوات الأربع المقبلة فسحة كافية من الزمن لينهض العدالة والتنمية لمستوى التحديات، ومعالجة الأسباب التي أدت إلى تراجع حظوظه الانتخابية مؤخرًا. المشكلة في وجهة النظر هذه أن أحدًا لا يعرف ما إن كانت المعارضة للنظام الرئاسي ستولد مزاجًا شعبيًّا خلال الفترة المقبلة يؤدي للعودة إلى النظام البرلماني، بهذه الطريقة أو تلك. وحتى إن استمرت إدارة البلاد بالنظام الرئاسي، فإن المخاوف من وجود رئيس لا يتمتع بأغلبية برلمانية كافية أصبحت مخاوف جدية. هذا، إضافة إلى أن أحدًا لا يمكنه الجزم بأن ظروفًا طارئة لن تدفع إلى إجراء انتخابات مبكرة.

مهما كان الأمر، فمن الصعب تجاهل حقيقة أن الحراك السياسي الحالي، والجدل المصاحب له، يُدخلان الساحة السياسية التركية ما يشبه المرحلة الانتقالية، مرحلة مفتوحة على عدة احتمالات.

تركيا تسير على حبل رفيع

تسعى تركيا، منذ اندلاع الصراع السوري، للتوصل إلى ترتيبات دبلوماسية هناك مع روسيا والولايات المتحدة على السواء. وفي حين يتطلب ذلك توازناً صعباً بين قوتَين تملكان مشاريع متعارضة، تمكنت أنقرة من الحفاظ على هذا التوازن، وإن كانت التصورات حيال التهديدات داخل الحكومة تُشير إلى أن تركيا قد تفضّل موسكو إذا اضطُرَّت إلى الاختيار بين الاثنتَين.

والسبب هو أن المسؤولين الأتراك يعتبرون أن الممارسات الأميركية في سورية تهدّد الأمن الداخلي التركي. فواشنطن تدعم وحدات حماية الشعب التي تتألف بصورة أساسية من الأكراد في سورية. لكن تركيا تنظر إليها كامتداد لحزب العمال الكردستاني المتشدد، الذي تصنّفه أنقرة وأميركا والاتحاد الأوروبي تنظيما إرهابيا.

في المقابل، لم تشكّل الممارسات الروسية، حتى تاريخه، تهديداً أمنياً داخلياً، حتى لو اختلفت تركيا وروسيا حول مستقبل سورية ودعمتا أفرقاء متخاصمين هناك. ويبدو أن للجانبَين سجلاً مثبتاً من الإنجازات التي حققاها من خلال التعاون معاً في سورية.

فبالنسبة إلى تركيا، يساعدها انخراطها مع روسيا في تحقيق أهدافها السياسية، في حين أن تعاملها مع أميركا جلبَ لها الإحباط والخيبة.

وقد ألمح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخراً إلى أن بلاده تعتبر أن الاتفاقات التي جرى التوصل إليها مع أميركا لإنشاء منطقة آمنة في المنطقة الحدودية شمال شرق سورية لمنع الأكراد من التسلل، لم تلقَ طريقها نحو التنفيذ.

وفي 15 سبتمبر/أيلول، صرّح أردوغان في قمةٍ عُقِدت في تركيا مع نظيرَيه الروسي والإيراني أن بلاده ستتصرف أحادياً في حال عدم إنشاء المنطقة الآمنة.

وكانت الولايات المتحدة وتركيا قد اتفقتا سابقاً على إنشاء مركز عمليات مشتركة خاص بالمنطقة الآمنة، لكن النظرة السائدة في هذا الصدد هي أن الاتفاق لم يكن ليبصر النور لولا الضغوط التركية.

وقد رسم التعامل التركي مع روسيا معالم ساحة المعركة في شمال سورية، وحدّد أطر مفاوضات فض النزاع من خلال عملية أستانة، حيث تُعتبَر تركيا شريكاً لا غنى عنه. وقد أدّت أنقرة دوراً أساسياً في دفع المجموعات السورية المعارِضة التي تمدّها تركيا بالدعم إلى المشاركة في المباحثات.

وساهمت عملية أستانة أيضاً في تسهيل التوصل إلى عدد من الاتفاقات الروسية-التركية لمعالجة القتال الدائر في محافظة إدلب. ويُعتبَر ذلك حيوياً للمصالح التركية نظراً إلى أن نحو مليونَي سوري معظمهم من النازحين داخلياً، يُقيمون في المحافظة، وإلى أنهم قد يُدفَعون باتجاه الحدود التركية مع تقدُّم الجيش السوري شمالاً.

وتقضي عملية أستانة أيضاً بتشكيل لجنة لوضع دستور جديد لسورية، عملاً بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.

وتعتبر أنقرة أن دورها في عملية أستانة يمنحها نفوذاً يتيح لها استبعاد جميع الشخصيات التابعة لوحدات حماية الشعب من المفاوضات بشأن مستقبل سورية، بما يؤدّي إلى حرمان هذه الوحدات من أي وضع قانوني يمنحها حكماً ذاتياً في شمال شرق سورية. ولهذا تنظر تركيا إلى وحدة الأراضي السورية بأنها أولوية.

وتوافقها موسكو الرأي في هذا المجال، وقد أعادت تفسير مفهوم وحدة الأراضي كي يتناسب مع السياسة التركية. وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تصريح علني إن بلاده تنظر إلى التوسيع التركي للمنطقة الآمنة في شمال شرق سورية بأنه يساهم فعلياً في حماية وحدة الأراضي السورية.

لكن التعاون التركي-الروسي في سورية تعتريه مشاكل. فالفريقان يختلفان في الرأي بشأن مستقبل الرئيس بشار الأسد والانتقال السياسي. ففي حين تعتبر روسيا أن نظام الأسد هو الحكومة الشرعية في سورية، تجادل تركيا بأن السلام لن يحل في البلاد من دون رحيل الأسد.

بل ويُشكّل الوضع في إدلب وتل رفعت مصدر تصعيد محتمل. لقد نصّت مذكرة سوشي في أيلول/سبتمبر 2018 على إنشاء منطقة منزوعة السلاح على طول الجبهة الأمامية في إدلب، التي كان يُفترَض أن تنسحب منها المجموعات المتشددة على غرار هيئة تحرير الشام. ولكن هذه الأخيرة لاتزال في مكانها، وتعتقد روسيا أن تركيا لم تبذل جهوداً كافية لطردها.

في المقابل، يعترض الأتراك على عدم تصدّي الروس لقوات وحدات حماية الشعب في تل رفعت علماً بأن هذه القوات شنّت هجمات على المناطق الخاضعة للحماية التركية في عفرين وشمال حلب.

وحالت روسيا أيضاً دون شن عملية مدعومة من تركيا في منبج في تشرين الأول/أكتوبر 2017، بعد قيامها بنشر قوات في بلدة العريمة من أجل تعطيل شنّ حملة ضد وحدات حماية الشعب. وقد أقدمت على ذلك بهدف الحفاظ على التوازن في المنطقة. فمن مصلحة روسيا استخدام وحدات حماية الشعب ضد الأتراك.

ولم يكن السلوك التركي مغايراً. فقد استغلت تركيا علاقتها بأميركا لتحقيق بعض أهدافها في سورية. فمثلا، ساعد دعم دبلوماسي أميركي وألماني وفرنسي تركيا على إقناع روسيا بإعلان وقفٍ لإطلاق النار في إدلب من شأنه أن يُفضي إلى تطبيق مذكرة سوشي، علمًا بأن روسيا وإيران كانتا قد أعربتا عن رفضهما لهذا الأمر خلال قمة عُقِدت في طهران في 7 أيلول/سبتمبر 2018.

وكذلك، حصل الموقف التركي على جرعة زخم من خلال رفض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تمويل إعادة الإعمار في سورية من دون حدوث انتقال سياسي حقيقي، ومن خلال دعمهما الدبلوماسي لتركيا في الأمم المتحدة.

لهذه الأسباب وسواها، تحتاج تركيا إلى أميركا والاتحاد الأوروبي لإرساء ثقل موازن لروسيا في سورية، مثلما تحتاج إلى روسيا للضغط في وجه الأميركيين.

لكن هل سيدوم هذا التوازن؟

فإذا اضطرت تركيا إلى حسم خيارها بالوقوف إلى جانب هذا الطرف أو ذاك، قد تكون روسيا خياراً أكثر براغماتية، شرط ألا تمثّل موسكو تهديداً للأمن القومي التركي من خلال دعمها لهجوم يشنّه النظام السوري في إدلب، ويدفع بملايين السوريين النازحين إلى التدفّق نحو تركيا.

علاوةً على ذلك، ولكي تستمر العلاقات التركية-الروسية على قدم وساق، قد تُضطر أنقرة إلى التخلّي عن فكرة الانتقال السياسي في سورية، مقابل التوصل إلى تسوية تُستبعَد منها وحدات حماية الشعب.

وتُفضي إلى إنهاء الإدارة الذاتية بحكم الأمر الواقع في المناطق الخاضعة إلى سيطرة هذه الوحدات، وإلى تسهيل عودة اللاجئين السوريين من تركيا. لكن أنقرة ستواصل، في الوقت الراهن، السير على حبل رفيع لأطول فترة ممكنة.

د. مهنّد الحاج علي – مدير الاتصالات وباحث مقيم بمركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت

عمر أوزكيزيلجيك – كاتب وباحث تركي في العلاقات الدولية

مركز كارنيغي للشرق الأوسط

انتهاء حماسة استضافة اللاجئين في تركيا: تركيا تريد إعادة اللاجئين إلى منطقة آمنة في سوريا محذرةً أوروبا من موجة لجوء جديدة

يهدد الرئيس التركي إردوغان بإلغاء الصفقة حول اللاجئين مع الاتحاد الأوروبي، والسبب وراء هذه التهديدات يعود لتحديات السياسة الداخلية بحيث أن النبرة في أنقرة تجاه اللاجئين السوريين تغيرت بشكل واضح. دانييل هاينريش والتفاصيل.

إذا توخينا الدقة فإن رجب طيب إردوغان لم يصدر أي تهديد عندما قال في أنقرة بأن تركيا قد تصبح مجبرة “على فتح أبوابها” إذا لم تستمر المساندة من أوروبا في إعالة اللاجئين وإيجاد “منطقة آمنة” في شمال سوريا.

وخلفية مطلب إردوغان تكمن فيما يُسمى صفقة اللاجئين التي تم الاتفاق عليها في مارس/ آذار 2016. حينها وعد الاتحاد الأوروبي تركيا بتقديم ستة مليارات يورو خلال عدة سنوات لتمويل اللاجئين السوريين. وبحسب المفوضية الأوروبية تم تحويل 2.4 مليار، و 3.5 مليار يورو إضافية تم الالتزام بمنحها عبر الاتفاق.

وعلى عكس النبرة الحادة من أنقرة، فإن المفوضية الأوروبية في بروكسيل تتحلى بقدر من الاسترخاء من خلال بيان صحفي له جاء فيه: “نعتقد أنه بإمكاننا مواصلة التعاون مع شركائنا الأتراك بثقة جيدة”، كما ورد في البيان.

إعادة اللاجئين إلى سوريا

وحتى كريستيان براكيل، مدير مؤسسة هاينريش بول في إسطنبول لا يعتقد بأن إردوغان سيتخلى فعلا عن الصفقة مع الأوروبيين. وقال براكيل لدويتشه فيله بأن “لديه خيارات أفضل قليلة”.

ويرى الخبير في الشؤون التركية بأن المشاكل الحقيقية في التعامل مع اللاجئين في تركيا موجودة في مكان آخر. ففي الأسابيع والشهور الماضية ارتفعت عمليات ترحيل اللاجئين من تركيا إلى بلدانهم الأصلية. وفي حال اللاجئين من أماكن الحرب الأهلية في سوريا، كما يقول براكيل، إلى مناطق صراع مثل إدلب.

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يوم الإثنين 28 / 01 / 2019 إن بلاده تهدف إلى إقامة مناطق آمنة في شمال سوريا حتى يتمكن نحو أربعة ملايين لاجئ سوري تستضيفهم تركيا من العودة لبلادهم. وذكر إردوغان الذي كان يتحدث في اسطنبول أن نحو 300 ألف سوري عادوا بالفعل وأنه يتوقع عودة ملايين السوريين إلى المناطق الآمنة.

وفي أنقرة لا يتم نكران أن نحو 320 ألفاً من السوريين اللاجئين في تركيا عادوا إلى وطنهم. لكن السلطات التركية تتحدث عن “عائدين طوعيين”. بيد أن الخبير براكيل يشك في هذا، إذ توجد سلسلة من التقارير الموثوق بها من أشخاص طلبوا في مراكز الشرطة تمديد رخص إقامتهم.

“وهناك تم تقديم وثيقة لهم للتوقيع يؤكدون من جرائها سفرهم الطوعي” على عكس ما يرغبون. ويبدو أنه تحت استخدام العنف الجسدي تم إبلاغهم بأن الرفض لن يُقبل. وتحت هذه الظروف، كما يقول براكيل “لا يمكن الحديث عن مغادرة طوعية”.

دور تركي خاص في سياسة اللجوء

وأسلوب التعامل هذا يفاجئ للوهلة الأولى. والرئيس التركي إردوغان وكذلك أعضاء من حزبه الحكومي أكدوا باستمرار على استعداد الحكومة التركية لتقديم المساعدة.

وعلى هذا النحو قالت فاطمة شاهين من حزب العدالة والتنمية الحاكم، وهي منذ 2014 رئيسة بلدية غازي عنتاب على الحدود مع سوريا في خريف 2017 أثناء حديث مع دويتشه فيله:” منذ سنوات نحاول تقديم المساعدة للمنكوبين من سوريا. هذا له تقليد هنا وهذه هي ثقافتنا. فإذا كان جارك يتضوّر جوعا، فوجب عليك مساعدته. أعتقد أننا أصبحنا بسلوكنا نموذجا بالنسبة إلى العالم بأسره. نحن تحولنا إلى ضمير العالم”.

وبالفعل لعبت تركيا فيما يخص اللاجئين السوريين دورا مميزا، إذ أن أكثر من 6.3 ملايين شخص هربوا من سوريا وأُجبروا على البحث عن مأوى في البلدان المجاورة. وأكثر من نصف هذا العدد استقبلته تركيا.

مخاطر موجات جديدة من اللاجئين

الحماسة التي سادت في البداية تجاه الوافدين الجدد طرأ عليها الفتور في الكثير من المناطق. فالأمر الذي كان سائدا والذي يسمح بقبول السوريين غير المسجلين في اسطنبول بالعيش في المدينة الكبيرة لم يعد مقبولا، فاللاجئين المعنيين وجب عليهم مغادرة المدينة.

وكريستيان براكيل يرى تغير الأسلوب الخطابي لإردوغان على خلفية الانتخابات الخاسرة في السنوات الماضية في اسطنبول:” بالتحديد في الأحياء التي يعيش فيها الكثير من اللاجئين خسر حزب العدالة والتنمية نسبة من الأصوات.

هذه الأحياء كانت في السابق معاقل لحزب العدالة والتنمية، إذ تمت معاقبة الحزب فيها”. كما أن الوضع الاقتصادي المتوتر سبب في ذلك. وبشكل عام يُلاحَظ أن الرفض تجاه اللاجئين، سواء أكان ذلك من خلال العنصرية الظاهرة أم عبر ممارسة العنف زاد بقوة. والأسلوب الخطابي المتغير هو محاولة واضحة لإعادة التحكم مجددا في الوضع”.

قالت فاطمة شاهين من حزب العدالة والتنمية الحاكم، وهي منذ 2014 رئيسة بلدية غازي عنتاب على الحدود مع سوريا في خريف 2017 أثناء حديث: ” منذ سنوات نحاول تقديم المساعدة للمنكوبين من سوريا. هذا له تقليد هنا وهذه هي ثقافتنا. فإذا كان جارك يتضوّر جوعا، فوجب عليك مساعدته. أعتقد أننا أصبحنا بسلوكنا نموذجا بالنسبة إلى العالم بأسره. نحن تحولنا إلى ضمير العالم”. وبالفعل لعبت تركيا فيما يخص اللاجئين السوريين دورا مميزا، إذ أن أكثر من 6.3 ملايين شخص هربوا من سوريا وأُجبروا على البحث عن مأوى في البلدان المجاورة. وأكثر من نصف هذا العدد استقبلته تركيا.

وفي مدى صعوبة ذلك، هذا ما يظهر جليا عن النظر إلى سوريا المجاورة. ففي الأسابيع الماضية حصل تصعيد لعمليات القتال في آخر معاقل المعارضين الكبيرة، أي إدلب المتاخمة لتركيا. يعيش في المنطقة نحو ثلاثة ملايين لاجئ. وفي حال استمرار التصعيد في المنطقة، فإن هؤلاء الناس سيحاولون العبور إلى تركيا.

وجاء رد فعل الحكومة التركية على ذلك، إذ أنها أعلنت عن عقد قمة حول سوريا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني حسن روحاني.

دانييل هاينريش

ترجمة: م.أ.م

حقوق النشر: دويتشه فيله 2019

ar.Qantara.de

قمة أنقرة: تثبيت مذكرة سوتشي في إدلب وتقارب في المواقف شرق الفرات/ رانيا مصطفى

قمة الدول الثلاث الضامنة التي انعقدت في أنقرة الاثنين الماضي، كانت كما سابقاتها، منصّة لترسيخ الحلف الثلاثي، الروسي والتركي والإيراني، في سوريا، ونقاشات وتصريحات من الزعماء الثلاثة تخفي وراءها الكثير من الخلافات التي لم تحسم بعد حول الملفات الرئيسية في سوريا، كملف العملية السياسية والذي اختصر إلى عقد لجنة دستورية، وملف خفض التصعيد في إدلب وتسيير دوريات مشتركة وفتح الطرق الرئيسية وإنهاء المجموعات الجهادية، وملف شرق الفرات، الذي تتفق الأطراف الثلاثة، في بيان القمة، حول رفض قيام كيان انفصالي بزعامة قوات سوريا الديمقراطية الذي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية العصب الرئيسي فيه؛ بينما لا تحظى تركيا بدعم روسي وإيراني كامل بخصوص أن يكون الشريط الحدودي، وبعمق 32 كم، منطقة نفوذ لها.

تلاقت مصالح كل من موسكو وطهران مع أنقرة بخصوص الرغبة في تشكيل ضغوط على واشنطن عبر تحالف أستانة. فروسيا ترى الطرف الأميركي منافساً لها في سوريا، ويسيطر على الثلث الأغنى من مساحة سوريا، عبر دعمه قوات سوريا الديمقراطية، واستجابته للنوايا الانفصالية للأطراف الكردية، بعد تراجع قنوات التواصل بين هذه الأطراف مع روسيا وحكومة دمشق، نتيجة الاستقواء بالدعم الأميركي؛ وكانت هذه القنوات تنشط في فترات التراجع الأميركي وتصريحات التخلي الأميركي عن دعم قوات سوريا الديمقراطية، خاصة حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، نهاية العام الماضي 2018، نيته سحب قواته من سوريا.

المفاجئ والجديد في الموقف من القوات الكردية هو إعلان النظام السوري، في رسالة وجهها مندوبه في الأمم المتحدة، بشار الجعفري، إلى المنظمة الدولية، وفي توقيت انعقاد قمة أنقرة، معتبرا فيها أن قوات سوريا الديمقراطية وحزب العمال الكردستاني ومتفرعاته هي “منظمات إرهابية”، يضاف ذلك إلى بيان لوزارة الخارجية حول اعتبار النوايا الانفصالية للجماعات الكردية “تخدم المخططات الأميركية والإسرائيلية، وإدانة للممارسات القمعية بحق أبناء الشعب السوري، وسرقة ممتلكاتهم، وسوقهم إلى التجنيد الإجباري غير الشرعي لديها”؛ وهو انقلاب في الموقف، ويلتقي كلياً مع الموقف التركي من الجماعات الكردية، والذي لا بد أنه جاء بتوجيه وطلب روسي من النظام.

وبالتالي تفضل روسيا دعم الطرف التركي بغرض تشكيل ضغوط على واشنطن، أي هي تستثمر في الخلاف الأميركي التركي حول ترتيبات المنطقة الحدودية؛ حيث ترى موسكو أن أنقرة باتت طرفاً ضعيفاً في سوريا، ومن الممكن التوصل إلى صيغ تفاهم معها تمكن روسيا من عبور الفرات شرقاً، بعد الانسحاب الأميركي، والاستفادة من ثروات المنطقة. لكن الدعم الروسي للموقف التركي لم يصل إلى حدّ القبول بأن يكون الشريط الحدودي مع تركيا بطول 450 كيلومتراً، من نهر الفرات إلى فيشخابور، هو منطقة نفوذ لأنقرة على غرار عفرين وجرابلس، أو أن تجري فيها تركيا تغييرات ديموغرافية بحجة إعادة اللاجئين من تركيا وأوروبا.

وما زالت التصريحات الروسية والإيرانية حول شرق الفرات تقول بالعودة إلى اتفاق أضنة لعام 1998، والذي يسمح لتركيا بالتوغل داخل الأراضي السورية بعمق 5 كيلومترات فقط.

أما طهران، التي تعاني من ضغوط دولية وإقليمية كبيرة، خاصة بالتزامن مع حادثة الاعتداء على منشآت “أرامكو” السعودية في 14 الشهر الجاري، فهي حريصة على بقاء الحلف الثلاثي قويا، ومهتمة بأن يكون موجها أكثر ضد واشنطن، وقد سعى روحاني إلى ضمان أن تعقد قمة الدول الضامنة القادمة في طهران.

إذا كانت تركيا قد تمكنت من جعل قمة أنقرة أرضية دعم لموقفها شرق الفرات، فإنها عجزت عن تحقيق تقدم في الملفات الأخرى؛ فملف العملية السياسية يراوح مكانه، عدا عن إنجاز هزيل يتعلق باكتمال القائمة النهائية للجنة الدستورية بعد موافقة تركيا على شخصية مغمورة ممثلة للعشائر رشحها النظام، ودون تحديد موعد انعقاد هذه اللجنة، أو التوصل إلى قواعد عملها، وترك هذه المهمة لجولة بيدرسون القادمة، ومساعيه خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في النصف الثاني من الشهر الحالي، حيث ستعقد على هامشها اجتماعات وزراء خارجية دول “المجموعة الصغيرة” الخاصة بسوريا.

في حين أن هدنة إدلب مستمرة، رغم أن خروقاتها من قبل روسيا والنظام مستمرة أيضاً، مع اتفاق على فتح الطرق الدولية، وتسيير دوريات تركية- روسية مشتركة، في حين تعهدت إيران بعدم مشاركة ميليشياتها في الهجوم على إدلب حالياً.

لكن هذه الهدنة هشة بالنسبة للروس، فرغم تراجع قوة الموقف التركي، وقبوله باحتفاظ النظام بالمناطق التي سيطر عليها، لكن موسكو مستعدة لاستكمال الهجوم على إدلب باسم محاربة المجموعات الإرهابية، وبالتالي هي قادرة على تشكيل ضغوط على أنقرة، والتي تقع على عاتقها مهمّة حلّ هيئة تحرير الشام، وإحلال الحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف الوطني المعارض محل حكومة الإنقاذ التابعة للهيئة، والتفرغ لتنسيق أعلى مع الروس، وربما بمشاركة التحالف الدولي لإنهاء التنظيمات الجهادية المتشدّدة.

فيما تسعى أنقرة إلى إقناع حليفيها بخطتها لإعادة 3.5 ملايين سوري في تركيا وأوروبا، عبر إقامة منطقة أمنية على كامل الحدود السورية بطول 911 كيلومترا، ما يعني الاعتراف بضم لواء الإسكندرون، وأن يتم إقناع المنظمات الإنسانية الدولية، بتقديم الدعم لإعمار شريط حدودي بعرض يتراوح بين 5 و30 كيلومتراً، ويبدو أن الرئيس التركي يسعى للحصول على دعم أوروبي وعربي، إضافة لتأييد حليفيه في أستانة، لخطته هذه، والتي يريد حملها إلى القمة الرباعية، التركية الروسية الفرنسية الألمانية، في فرنسا بعد أسابيع.

وإذا كانت نية تركيا إجراء تغيير ديموغرافي على حدودها مع سوريا، خاصة في المدن والبلدات ذات الغالبية الكردية، ما يبدد المطالب الانفصالية الكردية، فإن الأطراف الأوروبية وكذلك الولايات المتحدة ما زالت ترفض هذا المسعى، وتنظر لقوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية، كحليفين محليين، وما زالت تقدم الدعم لهما لمنع عودة تنظيم داعش إلى المنطقة.

تركيا تهدد الولايات المتحدة بشن هجوم شرق الفرات، وإقامة المنطقة الأمنية بمفردها، إذا لم تقبل واشنطن شروطها، وقد أعطى الرئيس أردوغان مهلة حتى نهاية الشهر، وما زالت تهديداته تعلو رغم عدم واقعيتها، لكنه يراهن على لقائه المرتقب مع الرئيس دونالد ترامب، لحثّ البنتاغون على التساهل أكثر مع الشروط التركية.

كاتبة سورية

العرب

اللامعلن في قمة أنقرة/ سمير صالحة

في العلن كل تصريحات ومواقف قيادات الدول الثلاث المشاركة في قمة أنقرة تصب في مصلحة وحدة البلاد وسيادتها وتماسكها وضرورة الإسراع في ترتيب طاولة الحل السياسي انطلاقا من تفعيل أعمال اللجنة الدستورية تحت سقف آلية الأستانة  الأكثر جدية وتماسكا والأوفر حظا بالمقارنة مع بقية المبادرات الإقليمية والدولية.

الدول الضامنة الثلاث تستفيد من دعم الأمانة العامة للأمم المتحدة واستعداد بعض العواصم الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا للتنسيق والتعاون وترتيب طاولة التفاهمات الأميركية الروسية الإسرائيلية التي تجتمع في تل أبيب بين الحين والآخر، وانعدام وجود أية بارقة أمل عربية نحو إنقاذ سوريا لتكون هي الأقوى على الأرض رغم الكثير من نقاط الخلاف والتباعد في الطروحات والمطالب والتطلعات بين أطرافها.

كيف ولماذا نجحت الهدنة العسكرية على جبهات إدلب رغم أن النظام المدعوم روسياً وإيرانياً كان يؤكد أنه يتقدم لاسترداد المدينة والقضاء على مجموعات النصرة حتى ولو كان الثمن التسبب في فاجعة إنسانية تتحول إلى كارثة تطيح بكل جهود التنسيق التركي الروسي، وتقود في أضعف الاحتمالات إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين أنقرة ودمشق طالما أن ما يجري يهدد مباشرة أرواح العشرات من الجنود الأتراك في المكان؟

هي حتما خارطة التفاهمات الجديدة والتعديلات الملحقة بالاتفاقيات القديمة وتوسيع رقعة التحرك لتشمل أكثر من ملف ميداني وعسكري وسياسي على أكثر من جبهة. من أنقذ الموقف بعدما كان الرهان على أن يكون لقاء العاصمة التركية ساحة انفراط العقد وتبعثر الحبات على الأرض لتتحول سريعا إلى قنابل تفجر الوضع بأكمله؟

القيادات المشاركة في قمة أنقرة أشارت أمام العدسات إلى الكثير من القضايا والقرارات المتفق عليها لكن الخلاصة حتى ولو نسمعها هناك كانت:

– إعطاء فرصة جديدة لوحدات النصرة لحسم موقفها وقبول خيار التفكك والانسحاب من المشهد سلميا طالما أن الخناق يضيق على الجميع في إدلب.

– دعم خطة المنطقة الآمنة التركية لتشمل كافة الحدود التركية السورية كونها تساهم في منع خطط التقسيم وحماية وحدة الأراضي السورية وتماسكها.

– تمويل مشروع المنطقة الآمنة ينبغي أن يكون في إطار خطط إعادة إعمار سوريا مجددا وضمن برنامج الدعم الإقليمي والدولي شرط عدم المساس بالبنية الديمغرافية والتركيبة العرقية للمكان.

– تفهم وانفتاح السلطة السياسية في تركيا على مطلب الداخل والخارج في تليين المواقف حيال دمشق وقبول طروحات المرحلة الانتقالية السياسية والدستورية في سوريا.

– المرحلة الانتقالية في سوريا هي أكثر ما يمكن تقديمه لواشنطن مقابل تخليها عن مشروع بناء شمال عراق جديد في شرق سوريا.

– أن يتكفل الرئيس التركي بنقل نتائج قمة أنقرة إلى نيويورك لبحثها مع الرئيس الأميركي وإقناعه بقبولها ودعمها كونها رزمة حل شامل للأزمة السورية.

الكرة الآن في ملعب أكثر من طرف محلي وإقليمي واستعداده لقبول هذه الاتفاقية أو رفضها مع أن الخيار الثاني سيكون مكلفا على رافضيه حسب رسائل لقاء أنقرة. ما الذي ستفعله واشنطن إذا ما قرر النظام التحرك عسكريا بدعم روسي إيراني لاسترداد شرق الفرات من “الجماعات الإرهابية الانفصالية” كما وصفها في رسالته إلى الأمم المتحدة؟

كيف سيكون رد ترامب وقيادة البيت الأبيض على ما سيقوله أردوغان خصوصا في موضوع شرق الفرات ومستقبل خطة “قسد” الأميركية. البعض في تركيا ما زال يردد أن لقاء القمة بين الرجلين قد لا يتم لأن جدول أعمالهما يتضارب.

تضارب الحسابات والمصالح هو حتما من سيعرقل اللقاء أو يسهل انعقاده. أردوغان قلق في موضوع شرق الفرات لذلك نراه يكرر أن تخلي أنقرة عن عمليتها العسكرية هناك مرتبط بتراجع واشنطن عن فكرة تحويل التحرك التركي إلى خط فصل بين القوات التركية وحلفاء أميركا المحليين في قسد. الذي يقلق الرئيس التركي أكثر هو سماعه الإشادة الأميركية بخطط التنسيق العسكري التركي الأميركي والدوريات المشتركة في المناطق الحدودية، لكنه يسمع أيضا تمسك البنتاغون بمواصلة مهام الدوريات العسكرية المشتركة بين الجنود الأميركيين و”وحدات حماية الشعب” في إطار الحرب على بقايا  “داعش” في المنطقة.

ترامب قلق أيضا من الطرح التركي الأخير “جاهزون لتوسيع رقعة المنطقة الآمنة لتصل إلى الرقة ودير الزور وتشمل عودة 3 ملايين سوري على الأقل إلى هذه المنطقة” وهو يريد أن يفهم ذلك أنها محاولة تركية لرفع سقف المطالب للقبول لاحقا بالممكن والمعقول. لا يمكن حسب واشنطن تجاهل “الاستثمار” الأمني والسياسي لأميركا وبعض العواصم العربية في شرق سوريا بمثل هذه البساطة. واشنطن تريد ضمانات وتعهدات كافية أن جهودها في شرق سوريا خلال العامين الأخيرين لن تذهب هباء وأن رحيل الأسد ينبغي أن يرافقه تضييق الخناق على إيران وحلفائها المحليين هناك.

“البلوف” التركي الأميركي قد يكون صعباً هذه المرة بالمقارنة مع الحالات السابقة. أردوغان يذهب للقاء ترامب مسلحا بالدعم الروسي الإيراني ربما ، وهو سيحذر نظيره الأميركي من محاولة دفعه نحو موسكو وطهران أكثر من ذلك ، وسيكرر على مسامعه أن مصالح تركيا قد تقتضي إنشاء قواعد عسكرية في شرق الفرات كما هو الحال في شمال العراق كما قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار قبل أيام. لكن ترامب أيضا قادر على قلب الطاولة بموقف بسيط لن يكون مفاجئا لأحد ” بناء على توصية المؤسسات والأجهزة الأمنية والعسكرية والسياسية الأميركية قررنا التراجع عن قرار سحب القوات من سوريا وفعل العكس هذه المرة. عروض الصفقة لم تكن مغرية بما فيه الكفاية “. نتائج لقاء القمة المرتقبة في نيويورك بين الرئيسين التركي والأميركي  مفصل هام في هذه المرحلة خصوصا وأن الرئيس أردوغان هو الذي تكفل بنقل قرارات قمة أنقرة إلى ترامب وإقناعه بدعمها وقبولها؟

تلفزيون سوريا

تركيا.. المنطقة الأمنية ليست حلاً/ علي العبدالله

على الرغم من اتفاق الولايات المتحدة وتركيا يوم 7 الشهر الماضي (أغسطس/ آب) على خطوات ميدانية، آلية أمنية، وفق الوصف الأميركي، فإن الاتفاق النهائي حول شرق الفرات ما زال بعيدا في ضوء التباين في منطلقات الطرفين، فالولايات المتحدة تقارب الموضوع من زاوية معالجة الهواجس والمخاوف الأمنية التركية، في حين تريد تركيا إقامة منطقة سيطرة ونفوذ خاصة بها على طول الحدود التركية السورية من نهر الفرات إلى فيش خابور على الحدود التركية العراقية السورية المشتركة بطول 450 كيلومتراً وعرض 32 كيلومتراً. الأولى تريد إخلاء “المنطقة” من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، من دون إعطاء دور لتركيا في إدارتها، في حين تريد الثانية منطقة تحت إدارتها هي فقط كي تنفذ فيها تصورها القائم على إجهاض مشروع الإدارة الذاتية؛ وقطع الطريق على ما تقول إنه مشروع أميركي لإقامة إقليم كردي شرق الفرات. وهذا فتح الباب لتقديرات متباينة بشأن فرص النجاح في الاتفاق على صيغة نهائية ترضي جميع الأطراف؛ وأثار المخاوف من تعثر العملية والعودة إلى الاشتباك السياسي والتوتر الميداني.

لم تعكس تعليقات الطرفين وتلميحاتهما بعد الإعلان عن الاتفاق الأولي، منطقة آمنة؛ هي شريط منزوع السلاح طوله 140 كيلومتراً وعمقه 5 كيلومترات؛ تعزّزها منطقة إضافية خالية من الأسلحة الثقيلة عمقها 9 كيلومترات، مدى الاختلاف في وجهات النظر فقط بل وعكست توجها أميركيا لاحتواء الموقف، عبر تهدئة التوتر التركي المتصاعد، واستدراج تركيا إلى صيغة ترد على مخاوفها الأمنية، وفق منظور أميركي، وتقيّد، في الوقت نفسه، حركتها، حماية لـ”قسد”، عن طريق إقامة قواعد عسكرية أميركية قربها، وتزويد “قسد” بالأسلحة والذخائر، تكثّفت العملية بعد الاتفاق الأولي على خلفية تطمين “قسد” ودفعها إلى الالتزام ببنود الاتفاق، ونشر قوات حليفة، فرنسية وبريطانية، في “المنطقة” وجوارها. ما يجعل تنفيذ عملية عسكرية تركية مكلفا من الناحيتين، السياسية والعسكرية. وهذا أثار حفيظة تركيا فعادت إلى التهديد بشن عملية عسكرية وإقامة منطقة أمنية بمفردها، ما لم تلب مطالبها، حدّد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، موعداً لإقامة المنطقة الآمنة نهاية شهر سبتمبر/ أيلول الحالي، قال “لن يكون لدينا خيار سوى تنفيذ خططنا الخاصة”، في إشارة إلى عملية عسكرية من جانب واحد، من جهة، والعمل، من جهة ثانية، على استمالة روسيا وكسب دعمها بالإعلان عن رغبتها بإعادة مليون لاجئ إلى “المنطقة”، استجابة لموقفها الداعي لإعادة اللاجئين وإطلاق عملية إعادة الإعمار. حقيقة الأمر أنها تسعى إلى توظيف هؤلاء اللاجئين في عملية تغيير سكاني، ينهي الأكثريات الكردية في مدن وبلدات سورية حدودية، بحيث تقضي على مبرّر المطالبة الكردية بكيان خاص هناك، وهو ما رفضته الولايات المتحدة التي باركت عودة أبناء “المنطقة” فقط.

تكمن مشكلة تركيا في طموح قيادتها الكبير، وضعف إمكانات الدولة وقدراتها على تحقيق هذا الطموح. طموح واسع يبدأ من العمل على تحقيق مستوى متقدّم من الاستقلال عن التبعية للغرب عامة، والولايات المتحدة خاصة، جاءت صفقة إس -400 مع روسيا، اعتبرتها الولايات المتحدة تمرّدا يستدعي العقاب، والعمل على الحصول على تقنيةٍ عسكريةٍ متطوّرة، وامتلاك قدرات صناعية عسكرية، بما في ذلك أسلحة نووية، في هذا السياق. لعب دور قوة إقليمية عظمى بالسعي إلى كسب نفوذ إقليمي ودولي، وأقامت قاعدتين عسكريتين في الخارج، واحدة في قطر وأخرى في الصومال، كانت في طريقها إلى إقامة قاعدة ثالثة في جزيرة سواكن السودانية على البحر الأحمر، لولا سقوط نظام جبهة الإنقاذ ورئيسه عمر البشير، ونشرت قوات في العراق، معسكر بعشيقة، وسورية، في الشمال والشمال الغربي، وانخرطت في الصراع الليبي من خلال دعم فصائل مسلحة إسلامية، إخوان مسلمين. السعي إلى قيادة دول الإسلام السنّي، فاستثمرت علاقاتها مع جماعة الإخوان المسلمين وتبنّيها لها لتحقيق هذا الهدف، ودول العرق التركي الممتد من حدودها الشرقية إلى الإيغور في الصين. السعي إلى التوسع في الشراكات التجارية، وتحقيق فائض تجاري يعزّز قدراتها على تمويل خياراتها السياسية في دول الجوارين، القريب والبعيد.

لقد تجلى تواضع الإمكانت التركية في عدة ميادين وعدة حالات، بدءا من انكشاف ضعفها خلال أزمة إسقاط القاذفة الروسية سوخوي 24 يوم 24‏/11‏/2015، واضطرارها للاعتذار لروسيا والتسليم بشروطها لطي القضية، وعانت خلال فترة القطيعة من انعكاسات اقتصادية كبيرة، إن عبر توقف تصدير الخضار والفواكه إلى روسيا أو توقف أعمال مائتي شركة تركية تعمل في روسيا، وتوقف حركة السياحة الروسية إليها، أربعة ملايين سائح في العام، بلغت خسائرها عشرة مليارات دولار خلال فترة القطيعة التي دامت سبعة شهور، وفي أزمة القس الأميركي أندرو برونسون حيث انهارت عملتها أمام الدولار الأميركي، من 2.5 ليرة للدولار الواحد إلى ست ليرات للدولار الواحد، بعد فرض عقوبات اقتصادية أميركية عليها. اضطرارها للتنازل لروسيا في حلب والغوطة الشرقية، وبيع المعارضة السورية في الحالتين من أجل الحصول على ضوء أخضر روسي للهجوم على منطقتي جرابلس وعفرين. رد فعلها الفاتر على قمع شعب الإيغور التركي من النظام الصيني، اعتقالات وبطش واسعين وحجز مليون إيغوري في معسكرات إعادة برمجة، حفاظا على حصتها من مشروع الحزام والطريق. وقوعها بين حجري رحى أميركي روسي، كلما اختلفت مع أميركا، ابتزتها روسيا، وكلما  اختلفت مع روسيا ابتزتها أميركا. عجزها، على الرغم من التنافس الأميركي الروسي على استمالتها، عن استثمار الخلاف بينهما، ما أفقد تهديداتها بعمل عسكري شرق الفرات كل تأثير، فتحولت إلى لغو إعلامي، وجعلها عرضةً لنيران عديدة في الوقت نفسه. فشلها في ترشيد حكم الإخوان المسلمين في مصر، فشلها في إدراك ضعف نظام جبهة الإنقاذ في السودان وعقد صفقات معه، ما أفقدها فرصة التأثير في الوضع الجديد هناك. حتى الورقة التي كانت نقطة القوة الرئيسة لنظام حزب العدالة والتنمية: الاقتصاد، تآكلت وغدت قريبة من التحول إلى كعب آخيل في ضوء المعطيات الجديدة: تراجع الناتج المحلي من 851 مليار دولار عام 2017 إلى 784.67 مليار دولار عام 2018، فظهرت بوادر انهيار الاقتصاد التركي نهاية 2018 بانكماش الناتج المحلي الإجمالي 3% أكثر من المتوقع، معدل النمو 7.4% في الربع الأول من 2018، تراجع إلى 5.3% في الربع الثاني من العام ذاته، وإلى 1.8% في الربع الثالث، لم تظهر حتى الآن معدلات الربع الأخير، وحسب البيانات الرسمية للبنك المركزي التركي، إجمالي الديون الخارجية صعد إلى مستوى 453.42 مليار دولار خلال الثلاثة أشهر الأولى من العام الجاري مقابل 444.81 مليار دولار في الربع السابق، بحسب بيانات منشورة على موقع وزارة الخزانة والمالية التركية.

مشكلة القيادة التركية أنها بالغت في تطلعاتها وطموحاتها، وتجاهلت أن من أولويات نجاح الدور الخارجي، بناء قاعدة داخلية مستقرة قوية ومتماسكة، وأن الانقسام الداخلي العميق على خطوط قومية ومذهبية واجتماعية يستدعي العمل على تعميق الاندماج الوطني، وتكريس توافق سياسي واجتماعي، بإزالة أسبابه قبل التوجه إلى لعب دور خارجي وازن، فالمنطقة الآمنة، حتى لو نفذت بشروط تركية، لا تحل المشكلة الكردية فيها؛ لأنها لا تقدّم للكرد فيها حلا لمعاناتهم القومية والاجتماعية والاقتصادية، بل تزيد من شعورهم بالاضطهاد والقهر وتعمق الهوة بينهم وبين النظام التركي، لأنها ستضيف إلى المظلومية الكردية فصلا جديدا. التخوف من الكرد في سورية والعراق وإيران حله بإنصاف الكرد في تركيا ذاتها.

العربي الجديد

“المنطقة الآمنة” التركية وطموحات أردوغان المتعلقة بالأراضي/ جون صالح

اتفقت واشنطن وأنقرة حتى الآن على “منطقة آلية أمنية” لنزع فتيل التوتر، والتركيز على 75 – منطقة عازلة طولها ما بين تل أبيض ورأس العين، مع قيام الجيشين بإنشاء مركز مشترك للعمليات في أنقرة. وفي نهاية الأسبوع الماضي، وبعد أربع جولات استطلاعية في المنطقة، أجرت القوات الأمريكية والتركية أول دورية برية مشتركة. لكن تلك الجهود المشتركة لم تمنع أردوغان من انتقاد الولايات المتحدة منذ ذلك الحين، حيث اتهم واشنطن بالسعي لإقامة منطقة آمنة لـ “منظمة إرهابية”، في إشارة إلى وحدات حماية الشعب الكردي، التي تصنفها تركيا كجماعة إرهابية. وأوضح أردوغان أنه ” إذا لم نبدأ بتشكيل “منطقة آمنة” مع جنودنا في شرق الفرات قبل نهاية سبتمبر فلن يكون لدينا خيار سوى تنفيذ خططنا الخاصة”.

ومنذ ذلك الحين انتقد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلوا الولايات المتحدة، قائلاً إن مواقف الولايات المتحدة من المنطقة الآمنة في سوريا لا تطمئن تركيا. وقال “أن الخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة كانت “تجميلية” فقط”. تعكس هذه التصريحات التركية المناهضة للولايات المتحدة عدم الثقة بين الجانبين، مما يوحي بأنه سيكون من المستحيل منع عداء أردوغان تجاه واشنطن ونواياه تجاه الأكراد السوريين من خلال الحفاظ على السياسات الحالية تجاه تركيا، خاصة وأن بوتن يدفع أردوغان نحو المواجهات والعنف مع الأكراد، وخاصة في إدلب. كما عبر المسؤولون الأمريكيون عن شكوكهم في قدرة الجيش التركي على مواصلة هذه العملية المكثفة والمعقدة في شمال شرق سوريا، لكنهم في نفس الوقت ما زالوا قلقين من أن أي غزو تركي سوف يتعارض مع أهداف وجهود مكافحة الإرهاب الأمريكية وعلاقاتها مع الحليف الناتو. ونتيجة لتلكك المخاوف، يقال إن البنتاغون يستعد حاليا لإرسال حوالي 150 جنديًا إلى شمال شرق سوريا للقيام بدوريات حراسة على الأرض إلى جانب القوات التركية. هذا الانتشار الجديد، الذي كان قد أبقى في السابق سراً، هو جزء من سلسلة من الخطوات العسكرية والدبلوماسية المتنامية التي اتخذتها الولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة لنزع فتيل التوترات المتزايدة مع تركيا حليفة الناتو بشأن دعم الولايات المتحدة للمقاتلين الأكراد السوريين، وهي تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح نحو كبح جماح المصالح التركية في شمال شرق سوريا.

وتتمحور التحديات التي تطرحها هذه المنطقة الآمنة حول بعض ساكنيها الحاليين، السوريون الأكراد. ففي العام 2014، التزمت إدارة أوباما وحلفاؤها في التحالف بدعم أكراد سوريا في حربهم ضدّ تنظيم “داعش”. غير أن خطاب أردوغان اللاحق وتصرفاته أججت بشكل مستمر التوترات ومارست الضغوط على الأكراد في كردستان العراق وسوريا على السواء. وفي 2014 على أقرب تقدير، شملت استراتيجية الرئيس التركي ترك سكان كوباني – مدينة سورية تأوي شريحة كبيرة من الأكراد على مقربة من الحدود التركية – لمواجهة “داعش” بمفردهم. وشوهد الجنود الأتراك وهم لا يحركون ساكنًا بينما يتمّ تسوية كوباني بالأرض. فضلًا عن ذلك، استمر أردوغان في تطبيق سياسات تستغل الوجود المتواصل للتطرف في سوريا من أجل تحقيق مكاسب جيوسياسية، كل ذلك سعيًا إلى الحدّ من الطموحات الكردية على الحدود الجنوبية لتركيا وتقويض التعاون بين الأكراد والقوات الأمريكية في الحرب ضدّ تنيم “داعش”. 

 لكن حدة سياسات أردوغان وخطاباته التحريضية ضد أكراد سوريا تصاعدت في أعقاب قرار الرئيس ترامب الانسحاب من سوريا. فرغم أن الولايات المتحدة واصلت تحيّزها لحلفائها الأكراد خلال هذه الفترة، كان وقوفها ضدّ التدخل التركي غير فعال، ما عزّز بشكل أكبر استعدادات أردوغان لتوجيه ضربة ضد أهداف كردية في سوريا. في ذلك الوقت، لم يساهم غياب رسالة واضحة من الإدارة سوى في ترسيخ عزم أردوغان على اجتياح المناطق الكردية، مبررًا أفعاله هذه بمزاعم أن الأكراد يطرحون تهديدًا على الأمن القومي التركي. ولاحقًا، حوّل أردوغان أقواله إلى أفعال من خلال التآمر مع روسيا وإيران في غزو الجيب الكردي السوري في عفرين، الأمر الذي سمح في نهاية المطاف للمجموعات المتطرفة السورية المرتبطة بتحالف المعارضة السورية بارتكاب جرائم حرب لا تحصى بحق الأكراد واليزيديين.

وفي ظل مساعيها إلى إلغاء الوجود الكردي على الحدود السورية، سلّحت تركيا أكثر من 40 ألف مقاتل سوري، ودعمت منظمات متطرفة إسلامية وتلقت الدعم من المعارضة السورية من أجل فرض حصار على مناطق الأكراد. ومنذ ذلك الحين، يطالب الأكراد الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بإنشاء منطقة حماية أو “منطقة حظر جوي” في وجه هذه الجماعات المعارضة العنيفة. غير أن أمن أكراد سوريا سيتحسن فقط من خلال تغيير أطر المنطقة الآمنة القائمة حاليًا.

وخلال المفاوضات مع الولايات المتحدة، سعت تركيا إلى إقامة خط بعرض 40 كيلومترًا وبطول 380 كيلومترًا، في حين كان عرض الولايات المتحدة أقل بكثير حيث اقترحت إنشاء خط بعرض يتراوح بين 7 و 10 كيلومترات وبطول 140 كيلومترًا من كوباني إلى القامشلي. وبعد الكثير من النقاش من جانب الطرفين، تمّ تعليق القرار بشأن الأبعاد الفعلية للمنطقة، حتى لو كانت عملية إقامة المنطقة بحدّ ذاتها تحرز تقدمًا.

لكن مع تبلور العملية، من الضروري ألا تغيب طموحات تركيا في المنطقة عن بال الولايات المتحدة. فدور أردوغان وروحاني وبوتين في عرقلة التوصل إلى أي حل سياسي للنزاع السوري، ومساهمة تركيا في انتشار التطرف في سوريا من خلال توفير الدعم اللوجستي للجماعات المتطرفة وسيطرتها على جماعات جهادية راديكالية في إدلب وجرابلس والباب وعفرين، كلها عوامل أظهرت تركيا بمظهر الحليف غير الموثوق، وهو أمر يجب أخذه في الحسبان خلال إقامة المنطقة الآمنة.

فأردوغان ينفذ تكتيكاته المخادعة أساسًا، حيث أعلن وزير الدفاع التركي مؤخرًا أن روسيا ستستأنف تسليم منظومة الدفاع الصاروخية أس-400 إلى تركيا – معارضةً بذلك رغبات الولايات المتحدة. ورغم تبرير هذه المشتريات بالمخاوف الأمنية، انحرفت ممارسات تركيا الأخيرة جدًا عن الأفعال التي من شأنها تحقيق هذا الهدف، ما يشير إلى أن هذه الأسلحة قد تُستخدم لتوسيع الهيمنة التركية.

في المقابل، هدّدت الكثير من الأفعال التي نفذتها تركيا في سوريا تحت راية حماية أمنها القومي الأمن من خلال تعريض البلاد لمخاطر أمنية ومالية بسبب تدخلها في سوريا. وإلى أن تردّ الولايات المتحدة وتتصدى لجهود أردوغان، سيواصل هذا الأخير اللجوء إلى الخداع للفوز بالامتيازات وكسب الوقت.

وإن أقيمت المنطقة الآمنة في سوريا وفق شكلها الحالي المتفق عليه، سيعاني حلفاء الولايات المتحدة الأكراد من دون أن يعود ذلك بفائدة حقيقية على أمن تركيا. عوضًا عن ذلك، ستسهّل المنطقة الآمنة قمع أردوغان المستمر للأكراد من خلال سياسته المتشددة المعارضة لأي مكاسب سياسية قد يحققها الأكراد، في وقت يسرّع فيه التدخل التركي في سوريا. وفي الواقع، قد يؤجج توسيع المنطقة الآمنة، إلى جانب سياسة تركيا القائمة على تعزيز سيطرة الجماعات المتطرفة والمعارضة على شمال شرق سوريا، شرارة نزاع آخر – هذه المرة بين السوريين العرب والأكراد.

ومن شأن نزاع مماثل أن يعقّد الأزمة السورية بشكل أكبر. غير أن صمت الولايات المتحدة إزاء المسألة منح أردوغان الدعم الذي يحتاجه للمضي قدمًا في تنفيذ أجندته في سوريا، بما في ذلك من خلال اعتماد سياسات بغيضة معادية للمهاجرين محليًا، التي ربما صُمّمت لتنذر بإعادة توطين الملايين من المهاجرين السوريين الذين يعيشون حاليًا في تركيا في مدن كردية. وستشرد هذه العملية سكان المنطقة الحاليين وتكون بمثابة تكرار واسع النطاق لما حصل في عفرين. كذلك، قد تسهّل سيطرة تركيا على المنطقة الآمنة نقل إيران للأسلحة والمال إلى “حزب الله” ونظام الأسد، ما يساهم في استمرار النزاع في مناطق أخرى من سوريا أيضًا.

هذا وقد تساهم سيطرة تركيا على المنطقة الآمنة أيضًا في الالتفاف على العقوبات الأمريكية على إيران. فإن خضعت هذه المنطقة الآمنة لسيطرة تركيا، سيحصل أردوغان على منفذ إلى مصادر رئيسية للطاقة والغاز والنفط. كما قد تستخدم تركيا حدودها المشتركة مع سوريا والعراق لشراء الغاز الإيراني وتهريب السلع من طهران إلى أنقرة عبر سوريا بغية الالتفاف على العقوبات الأمريكية. يُذكر أنه سبق لتركيا أن تجاهلت العقوبات الأمريكية في الماضي، بما فيه عام 2012 عندما ساعدت إيران على تهريب 85 طنًا متريًا من الذهب عبر دبي – التي تعتبر مركز شحن معروفًا إلى إيران.

وكي تحافظ الولايات المتحدة على مصالحها في سوريا وتواصل مكافحة الإرهاب، عليها حماية حلفائها الأكراد من التهديدات التركية في المنطقة الآمنة. وبإمكانها القيام بذلك من خلال ضمان أمن الحدود بين تركيا والأكراد داخل سوريا، وتفويض مراكز الجيش بمراقبة المنطقة، وممارسة الضغط على تركيا للانسحاب من المدن السورية، ودعم حل سياسي برعاية الأمم المتحدة. وعلى الولايات المتحدة السعي إلى منح أكراد سوريا استقلالية لضمان مصالحهم ومستقبلهم في المنطقة. ففي النهاية، اتضح أن حلفاء الولايات المتحدة الأكراد في سوريا أكثر ولاء لمصالح الولايات المتحدة وحلف “الناتو” من تركيا.

مقاربة أولية لسياسة تركيا السورية/ موفق نيربية

ذكر سليم سازاك، في مقالة في «فورين بوليسي» في 27 أغسطس الماضي، أن هنالك 4 ملايين لاجئ سوري مسجلين في تركيا، ومليوناً غيرهم من غير المسجلين، وأن كلفتهم الإجمالية حوالي 35 مليار دولار، كان مصدر معظمها محلياً.

هذا الأمر جعل تركيا بين صخرة وجدار، حسب تعبير باحث شاب في «مؤسسة القرن» ذات الميول الليبرالية في أمريكا، ما دفعها نحو نقطة الانهيار التي ابتدأت شروخها بالظهور، لأنها بالطبع لا تستطيع فتح باب المواطنة على مصراعيه، والشعب لن يقبل ذلك، وسيكون فرضه من الأعلى عملية «كاميكاز» لمن يحاول القيام بها.

ولم يتوقف المهتمون بالقضية السورية طويلاً للأسف أمام نتائج استطلاع الرأي، الذي قامت به جامعة بيلجي اسطنبول في العام الماضي، حين وجدت أن حوالي 85% من الأتراك يؤيدون ترحيل اللاجئين، حتى بين جمهور «حزب الشعوب» المعروف بمواقفه الخاصة في المسائل الإنسانية، ولأسباب متناقضة، وبشكل مفاجئ بين جمهور «حزب العدالة والتنمية»، وبنسبة كبيرة وصادمة نسبياً.

جاءت نتائج انتخابات بلديتي اسطنبول وأنقرة لتزيد الطين بلةً، وتدفع المسؤولين الأتراك لبعض الفوضى باتجاه مزايدات الموقف السلبي من اللاجئين السوريين، الذي تجاوز أيضاً بعض ثوابت ما تفرضه القوانين الدولية، خصوصاً المادة 31 من معاهدة اللاجئين، حين قامت السلطات، وربما بشكل مقصود إعلامياً، بإبعاد لاجئين سوريين مخالفين، وغير مخالفين أحياناً، الأمر الذي شكّل صدمة غير محسوبة للسوريين. وتمّ بعد ذلك تخفيف الأمر بتأجيل تنفيذ الإجراءات بشكل أوسع لمرتين، بدون تقديم أيّ حلٍّ جذري وإيجابي واضح، خصوصاً لأولئك الذين أُبعدوا بالفعل إلى داخل الحدود السورية، الأمر الذي لا يحمل تأثيراً مأساوياً على حياتهم وحياة عائلاتهم وحسب، بل يهدد تلك الحياة بالخطر مع الفوضى القائمة داخل المناطق المعنية التي يتم الترحيل إليها.

ينبغي ألا يعني ذلك عدم تفهم الأزمة، التي تجد الحكومة التركية نفسها فيها، تلك التي تؤكد أن هنالك موجة قوية من العداء الدارج عالمياً للاجئين. لأنه لا بدّ من الالتفاف حولها ببراعة وقدرة على الإقناع، قبل أن تجد «سالفيني» تركياً يقودها؛ كما قال البعض؛ ويقود تركيا إلى فضاء مجهول. من جهة أخرى، نلحظ حالة عدم ثباتٍ استطالت قليلاً في السياسة الخارجية التركية، بعد أن انتهت سياسة «صفر مشاكل» مع رحيل داود أوغلو كما يبدو، أو مع اندلاع الثورة السورية، وما حدث من تفاعلات خاصة بها، ولم يبق من تلك السياسة الصفرية إلا طبيعة العلاقة الناشئة مع روسيا الاتحادية، وبشكل أقل مع قطر، وأقل مع إيران. ابتدأ التقارب مع روسيا عام 2004، وفاق حجم التبادل التجاري معها ذاك الذي مع ألمانيا عام 2008 كما كان متوقعاً وصوله إلى 100 مليار دولار عام 2015. ومرّت مشاريع نقل الغاز من روسيا والقوقاز إلى أوروبا بعدة مراحل وتقلبات، لم تستقرّ تماماً حتى الآن. الأمر الذي يعكس أيضاً بعض القلق وعدم الثبات عميقاً، بما يكفي لتأمين تلك العلاقة، مع استمرار تعارض بعض عناصرها- مثلاً- مع انتماء تركيا لحلف الناتو، خصوصاً في حقل العلاقات ذات الطابع العسكري، سلاحاً واستراتيجية وعلاقة روسيا العضوية مع النظام السوري، وربما أيضاً مع إيران.

جاء مشروع «مؤتمر أستانة» ومساره تطبيقاً لرغبة لدى الطرفين في تنمية تلك العلاقة، ولوضع القضية السورية في قبضة مشتركة بينهما، تمنح بعض التحصين لكلٍ منهما في تعارضه مع السياسات الغربية، والأمريكية خصوصاً، مع أن ذلك المسار بدا للعالم وكأنه قد تخلّق في مواجهة المسار الدولي الرسمي، أو الشرعي الذي يتمثّل في مسار جنيف. وكذلك كان لتلك العلاقة مكان مهم في تراجع الاهتمام بالقضية السورية، أو تراجع دور الانتقال السياسي والتغيير السياسي في كتلة الاهتمام والمتابعة الإقليمية والدولية للقضية السورية. وكأنما كانت حادثة إسقاط الطائرة الروسية بعد التدخل الروسي الواسع في سوريا بأقل من شهرين، ليكون نقطة فارقة على مسار السياسة التركية في المسألة السورية، استغرق فيها رَصف طريق أستانة أكثر من عامٍ كامل، وربما سيجري التوقف أمام ذلك ودلالاته في المستقبل كثيراً.

حدث تغيّر في طبيعة سياسة تركيا السورية، داخل هذه القضية والموقف الرسمي المبدئي منها. وبالنسبة لي، كان ذلك متنافراً مع ما في ذاكرتي من منظر لمجموعة سفراء الدول الداعمة للثورة السورية، وكنت ما أزال في سوريا في عاميها الأولين، ونجمهم كان عمر أونهون، السفير التركي المتميز في دمشق آنذاك، نجمهم بالاهتمام العضوي والمتابعة والموقف الحاسم، على عكس ما كان يظهر حتى من السفير الأمريكي فورد، وأقرب ما يكون إلى متابعة شفالييه السفير الفرنسي الدائب الحركة والعالي المردود نسبياً.

دعمت تركيا الدولة، بقيادة حكومة حزب العدالة والتنمية، قضية السوريين منذ البداية. وكذلك كانت أفضل من استضاف اللاجئين السوريين في المنطقة، وبفارق ملموس. ولكن ذلك في سياسات الدول، ليس مجرد التزامٍ أخلاقيٍ وحسب، مفترقٍ عن المصلحة القومية، بل هو خاضع لهذه أولاً وأخيراً، وليس هذا عيباً. فلابدّ أن تركيا نظرت إلى الثورة كمدخل لقيام حكومة صديقة في دمشق، صديقة بشكل حاسم ولا تتعرض للهواء الفاسد بين الحين والآخر، كما كانت العلاقة مع حكومة الأسد. ولا بدّ أن مصلحة الأتراك القومية تفترض أمن حدود بلادهم من أي سيطرة لحزب العمال الكردستاني، العدو الملموس الأول على الأرض للحكومة، أو الحكومات التركية المتعاقبة. وحين يحدث أي تناقض بين هاتين المصلحتين، سيكون الحسم بينهما للثانية بالتأكيد.

في مسار الثورة اللاحق، راهنت السياسة التركية على أولوية العمل المسلح، ودعمت تنظيمه وتسليحه وتذخيره، الأمر الذي ساعد على ازدهاره وتقدمه إلى الواجهة. ولكنها مع قوى إقليمية أخرى، رأت البؤرة الأهم في الرايات الإسلامية أولاً، ثمّ في الرايات الأكثر قتامة وشراسة في الرأي والقتال، في سباق الفاعلية والنفوذ. وكان هذا مساراً خاطئاً، غرقت فيه أيضاً وبالأساس المعارضة السورية، بعضها أو معظمها. وعلى الطريق ذاته، تزايد إغراء الهيمنة على المعارضة السياسية، بوجود المجلس الوطني ثم الائتلاف في اسطنبول. وكان هذا الأمر واحداً من أسباب تراجُع قوة وتأثير تلك القوى شكلاً ومضموناً، عدداً وعدة. أصبح الاسم الكبير «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في سوريا» مجرد خيالٍ لا ينفع حتى لإبعاد الطيور المتطفلة عن البذار في الأرض. تحققت تلك الهيمنة من خلال الجزء الإسلامي في تلك المعارضة خصوصاً، الذي كان الإخوان المسلمون واجهته وشيوخه، وكان لهذا الأمر أيضاً عقابيله السلبية في تشويه صورة الثورة والمعارضة، المرتبطتين بالمدنية والحرية والديمقراطية، ليضعف ترشيحها كبديل للنظام الاستبدادي، ويتراجع دعم القضية السورية إقليمياً، وتتشوه ملامحها دولياً.

ليس من سوريٍ لم يشعر بالامتنان للحكومة والدولة والشعب في تركيا، ولكن اتساع ظلال الطائرة الروسية لتشمل المساحة السورية كلها، وما سبق ذكره من تغيّرات، وآخرها احتلال عفرين والسلوك العملي فيها؛ مع ما يجري من مراجعات لقضيتنا وقوانا؛ يقتضي مواجهة الحقائق وكشف عيوبها بصراحة ووضوح، وربما بالتداخل بين المراجعتين: الذاتية والموضوعية، الداخلية والخارجية. والحديث ذو شجون تستطيل، وله بقية!

كاتب سوري

القدس العربي

رمال الشام المتحركة.. هل تبتلع طموح إيران وتركيا؟

جاءت تصريحات وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، مؤيَّدة ببيان من السفارة الأميركية في أنقرة، 7 أغسطس/آب 2019، حول توصل الطرفين، التركي والأميركي، لاتفاق حول المنطقة الآمنة شرق الفرات، مفاجئة لكل المتابعين لاشتباك الدولتين الحليفتين في سوريا. بدأت هذه الجولة من مباحثات الطرفين حول خلافاتهما في سوريا قبل يومين فقط؛ وكما الجولات السابقة، كانت التوقعات ترجِّح الفشل في التوصل لاتفاق، وتنتظر ردَّ فعل أنقرة، سيما بعد أن كان الرئيس التركي قد أكد في اليوم السابق لإعلان الاتفاق على أن عملية تركية عسكرية شرق الفرات أصبحت وشيكة، وأن أنقرة أبلغت واشنطن وموسكو بذلك.

في 24 أغسطس/آب، أعلن وزير الدفاع التركي أن مركز العمليات المشتركة، التركي-الأميركي، (الذي يُعتقد أنه يتخذ من مدينة أورفة مقرًّا له، ويُفترض أن يدير ويشرف على المنطقة الآمنة) قد بدأ العمل فعلًا. في الوقت نفسه، نشر الأميركيون صورًا تكشف عن قيام قوات سوريا الديمقراطية (التي تشكل الميليشيات الكردية التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني، PYD، عمادها وقيادتها) بتدمير أنفاق وتحصينات كانت أقامتها على الحدود التركية.

ولكن ما بدا تقدمًا ملموسًا على صعيد الخروج من أزمة العلاقات التركية-الأميركية في الشمال السوري لم يضع نهاية للأسئلة التي لم تزل تحيط بالاتفاق بين حليفتي الناتو لاحتواء خلافاتهما في الشمال السوري. كما أن مؤشرات التهدئة التركية-الأميركية لم تضع نهاية للصعوبات التي تواجه تركيا في سوريا. فما إن تراجع مستوى التوتر التركي-الأميركي حتى وجدت أنقرة نفسها في مواجهة تعقيدات مستجدة في العلاقة مع أصدقائها الروس في الساحة السورية. خلال الشهور القليلة الماضية، وبالرغم من الاتفاق حول منع التصعيد في مناطق اشتباك النظام والمعارضة في سوريا، بدأت قوات نظام الأسد قصفًا متقطعًا لمواقع قوات المعارضة المسلحة في ريف حماة وأطراف محافظة أدلب؛ كما شهدت المنطقتان مواجهات محدودة بين المعارضة والميليشيات المؤيدة للأسد، سيما تلك التي شكلتها وتشرف عليها القيادة الروسية في سوريا. في الأسبوع الثالث من أغسطس/آب، تحولت المواجهات المحدودة إلى هجوم وحشي للسيطرة على مدينة خان شيخون ومحاصرة المعارضة في ريف حماة.

إيران، جارة تركيا الإسلامية ومنافستها الرئيسة في الجوار العربي، تواجه هي الأخرى تحديات لا تقل خطرًا في سوريا والعراق. الهجمات الإسرائيلية على مواقع التمركز والتخزين، التابعة لإيران أو لحلفائها، في سوريا مستمرة بلا هوادة منذ أكثر من ثلاثة أعوام. ولكن الجديد أن الهجمات الإسرائيلية أصبحت تطول الآن أهداف إيران وحلفائها في العراق، الذي تعمل حكومته (الصديقة لإيران والولايات المتحدة معًا) على تجنب الصدام المحتمل بين إيران وأدواتها الإقليمية، من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، من جهة أخرى، على أرضه.

حتى وقت قصير، كانت سوريا تعتبر ساحة مواجهة مسلحة، وإن بصورة غير مباشرة، بين تركيا وإيران. كما كان العراق ساحة مافسة حادة بين حلفاء الدولتين من القوى السياسية السنية والشيعية. فأي تحديات تواجهها الدولتان اليوم في سوريا والعراق؟ ثمة تهدئة ملموسة في التنافس الذي احتدم طوال السنوات القليلة الماضية بين أنقرة وطهران، فلماذا تبدوان وكأنهما تُدفعان للخروج من سوريا والعراق كلية، أو على الأقل إلى تراجع مفروض لنفوذهما؟

تركيا، وروسيا، والولايات المتحدة

لم تصبح تركيا، التي حافظت على علاقات وثيقة بنظام الأسد منذ 2004، طرفًا مباشرًا في الأزمة السورية إلا في العام الثاني من الثورة السورية. خلال معظم 2011، حاولت حكومة العدالة والتنمية التركية دفع الرئيس السوري إلى تعهد إصلاحات جذرية، ومقابلة شعبه في منتصف الطريق. ولكن تصاعد وتيرة عنف النظام ضد المتظاهرين، وفقدان الأمل في عزم الأسد الاستجابة لمطالب الإصلاح الديمقراطي، أديا إلى تبني أنقرة سياسة دعم الحركة الشعبية ومطالبها بتغيير النظام. خلال السنوات القليلة التالية، قدمت تركيا وقطر والسعودية، بتأييد أميركي، دعمًا ملموسًا لقوى المعارضة السورية، واستقبلت تركيا أعدادًا متزايدة من اللاجئين السوريين. ولأن إيران وقفت، بصورة مباشرة، أو عبر حزب الله اللبناني، إلى جانب الأسد، كان واضحًا أن سوريا أصبحت ساحة صراع بين تركيا وحلفائها العرب، من جهة، وبين إيران وأدواتها الشيعية المسلحة، من كافة الجنسيات، من جهة أخرى.

منذ 2015، دخلت الأزمة السورية مرحلة جديدة. دخلت روسيا طرفًا مباشرًا لتوفير الدعم العسكري لنظام الأسد وحلفائه؛ ودخلت الولايات المتحدة لدعم الميليشيات الكردية السورية في المعركة مع تنظيم الدولة في شمال، وشمال شرق، وشرق سوريا. وكان طبيعيًّا، ولأسباب مختلفة في الحالتين، أن يتفاقم التباين بين السياسة التركية في سوريا، والسياسات الروسية والأميركية.

بتوقيع اتفاق عدم التصعيد في سبتمبر/أيلول 2017، بدا كأن أنقرة وموسكو وجدتا وسيلة للتوافق على تنظيم العلاقة في سوريا، سيما بعد أن تسارعت وتيرة التقارب التركي-الروسي عقب محاولة الانقلاب التركية الفاشلة في يوليو/تموز 2016، واتسع نطاق الخلافات التركية-الأميركية خلال ولاية أوباما الثانية، في سوريا وفي الإقليم ككل. وقد تعزز التقارب بين أنقرة وموسكو بتوقيع الأولى عقد شراء منظومة إس 400 الروسية المضادة للطائرات، وموافقة روسيا على عملية غصن الزيتون، 2018، التركية ضد الميليشيات الكردية في منطقة عفرين.

بيد أن التباعد التركي-الأميركي في سوريا ازداد اتساعًا. أمَّلت أنقرة أن تجد حلًّا للخلافات مع واشنطن بتولي ترامب مقاليد الرئاسة؛ وقد بدا ترامب أكثر تقبلًا لوجهة النظر التركية وأكثر رغبة في الانسحاب من سوريا، بعد أن أُوقعت الهزيمة بتنظيم الدولة ولم يعد ثمة مبرر للدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة للميليشيات الكردية، عسكريًّا، وماديًّا، وسياسيًّا. ولكن الرئيس الأميركي، وتحت ضغط من أركان إدارته، سرعان ما تراجع عن وعود الانسحاب الكامل من سوريا وتسليم تركيا مسؤوليات الحفاظ على أمن الشمال السوري شرق الفرات والتعامل مع ما تبقى من مجموعات تنظيم الدولة المتفرقة في أرياف الشرق والشمال الشرقي السوري.

منذ ربيع 2019، بدأت تركيا، في المقابل، حشد قواتها على الحدود مع سوريا، وأعلنت بصورة قاطعة أن قواتها ستقوم بعملية شاملة شرق الفرات للقضاء على الميليشيات الكردية، وثيقة الصلة بحزب العمال الكردستاني، بغض النظر عن الموقف الأميركي. تقدير واشنطن لجدية الموقف التركي هو الذي أطلق المفاوضات المديدة، التي استمرت لأكثر من ثلاثة شهور، وانتهت بتوقيع اتفاق المنطقة الآمنة، الذي لم يزل الغموض يحيط بكثير من جوانبه.

ليس ثمة شك في أن تأسيس مركز العمليات المشتركة، المقرر أن يشرف على المنطقة الآمنة، بقيادة جنرالين، تركي وأميركي، هو مؤشر إيجابي على فعالية الاتفاق ومصداقية الجانب الأميركي. كما أن تركيا بدأت بالفعل تسيير طائرات بدون طيار لمراقبة الشريط الحدودي ونشاطات الميليشيات الكردية في المنطقة. إعلان الناطق باسم قوات سوريا الديمقراطية عزم القوات القيام بكل ما هو ضروري لتحقيق التوافق مع تركيا مؤشر آخر على استجابة الميليشيات الكردية للضغوط الأميركية. ولكن ثمة أسئلة عالقة، لا يبدو أن هناك إجابة واضحة عليها بعد.

طالبت تركيا من البداية بإبعاد الميليشيات الكردية عن منطقة بعمق ثلاثين كيلومترًا في الجانب السوري من الحدود، ولكن ما يجري الآن هو العمل في عمق خمسة كيلومترات فقط. فهل هذه مرحلة أولى، ستتبعها مراحل أخرى للاستجابة للمطالب التركية، أم أن الجانب الأميركي يستخدم عامل الوقت، بهدف منع تركيا من تعهد عملية عسكرية شاملة وعميقة شرق الفرات؟ المسألة الأخرى، أن الجانب التركي أراد إقامة إدارة محلية في المنطقة، من أبناء المدن والقرى السورية شرق الفرات، ذات الأغلبية العربية السنية، ولكن الجانب الأميركي لم يتحدث مطلقًا، منذ توقيع الاتفاق، عن إدارة محلية، وليس ثمة ما يشير إلى إجراءات لتنظيم هذه الإدارة، حتى في شريط الكيلومترات الخمسة التي يبدو أن الميليشيات الكردية ستُخْلِيها في المرحلة الأولى.

المسألة الثالثة، والتي لا تقل أهمية، أن مشروع أنقرة شرق الفرات يرتكز إلى فكرة منطقة آمنة، تصلح لاستقبال مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، بينما لم يرد مصطلح “المنطقة الآمنة” حتى الآن في تصريحات المسؤولين الأميركيين، وليس من الواضح ما إن كانوا سيعملون على تأهيل لمنطقة الإشراف المشترك بحيث تشجع اللاجئين السوريين على العودة، كما حدث في جرابلس والباب وعفرين.

الغموض الذي يحيط بالاتفاق مع الأميركيين وعدم وضوح عمق وحجم وطبيعة المنطقة الآمنة ليس التحدي الوحيد الذي تواجهه السياسة التركية في سوريا؛ فمنذ بدأت المفاوضات التركية-الأميركية حول شرق الفرات، أخذت الشكوك في الاتفاق التركي-الروسي-الإيراني حول عدم التصعيد في التزايد باندلاع الاشتباكات بين الميليشيات السورية الموالية لروسيا وقوات المعارضة المسلحة في ريف حماة وجنوب إدلب. والحقيقة، أن روسيا وإيران ونظام الأسد كانوا قد أخلُّوا بصورة فادحة باتفاق عدم التصعيد في ريف دمشق، بدون أن تجد تركيا وسيلة لإيقاف شركائها في الاتفاق. ولكن تقويض الاتفاق في إدلب وجوارها مسألة أخرى مختلفة تمامًا، نظرًا لأن هذه المنطقة تخضع لإشراف تركي-روسي مشترك، ولوجود نقاط مراقبة عسكرية تركية في محيطها.

ما يقوله الجانب الروسي أن تركيا لم تنجح في إبعاد جبهة النصرة من منطقة عدم التصعيد، وأن تركيا، بالتالي، هي المسؤولة عن الإخلال بالاتفاق. ولكن الأرجح أن روسيا (ونظام الأسد) خشيت من عواقب عملية تركية منفردة شرق الفرات، أو من اتفاق تركي-أميركي محتمل، يمنح تركيا تحكمًا إضافيًّا في طريقي 4 و5 السوريين السريعين. ولذا، ولتأمين الطريقين في المنطقة غرب الفرات، أطلقت روسيا عملية عسكرية واسعة النطاق لإبعاد قوات المعارضة المسلحة من ريف حماة كلية، ومن مدينة خان شيخون في محافظة إدلب؛ وهو الهدف الذي تحقق بالفعل، بعد سلسلة من المعارك المحتدمة والهجمات الدامية على البلدات والقرى في المنطقة، في نهاية الأسبوع الثالث من أغسطس/آب.

المدهش في كل هذا هو المماطلة الأميركية غير المفهومة في القبول بالمطالب التركية المنطقية، استراتيجيًّا وإنسانيًّا، شرق الفرات، بالرغم من أن مبرر الدعم الأميركي للميليشيات الكردية لمواجهة تنظيم الدولة، لم يعد مسوَّغًا. وفي الوقت الذي توجِّه فيه روسيا ضربات مؤلمة للنفوذ التركي في إدلب وجوارها، ليس ثمة نشاط عسكري روسي، أو لنظام الأسد وحلفائه من الميليشيات الشيعية، في المنطقة الواسعة شرقي الفرات، التي تسيطر عليها الميليشيات الكردية، حتى بعد أن انخفض الوجود الأميركي العسكري في المنطقة لعدة مئات من الجنود.

إيران في سوريا والعراق

كانت إيران هي الحليف الأول والأساس لنظام الأسد في حربه ضد شعبه؛ وبدون دعم إيران والميليشيات الشيعية، كانت المعارضة السورية أسقطت النظام بالفعل في صيف وخريف 2013. وإيران، أيضًا، هي من دعت وشجعت روسيا على الدخول العسكري المباشر في سوريا، في خريف 2015، عندما أصبح واضحًا أنها ونظام الأسد في طريقهما لخسارة المعركة مع المعارضة.

ولكن، ومنذ ربيع 2019، بدأ الإيرانيون يلحظون جهدًا روسيًّا حثيثًا لإخراجهم من، أو على الأقل إضعاف نفوذهم في سوريا. نظَّم الروس ميليشيات سورية موالية لهم، سُلِّحت وتتلقى أوامرها من القيادة الروسية في قاعدة حميميم. كما دفع الروس النظام لإجراء تغييرات واسعة النطاق في قيادات الجيش السوري وفي أجهزة النظام الأمنية والاستخباراتية، بهدف استبعاد حلفاء إيران وأصدقائها. وفي أكثر من حالة، سيما في العلاقة مع تركيا والولايات المتحدة، أجرى الروس اتفاقات حول سوريا، بدون استشارة الجانب الإيراني، ولا النظام. ولا يخرج عن هذا التوجه الشراكات واسعة النطاق بين الشركات والبنوك الروسية مع رجال الأعمال السوريين، والسُّنَّة منهم على وجه الخصوص، ودفع هؤلاء لمعارضة النفوذ الإيراني في بلادهم. الأخطر من ذلك كله، التفاهم الضمني بين روسيا وإسرائيل، الذي سمح للأخيرة بتوجيه ضربات موجعة لمواقع إيرانية، بما في ذلك مستودعات عسكرية نوعية، في كافة أنحاء سوريا، وبدون أي رد فعل من الجانب الروسي الذي يتحكم كلية في الأجواء السورية.

كان الخروج الإيراني من سوريا أحد المطالب الأميركية الرئيسة التي أعلنتها إدارة ترامب ضمن شروط التفاوض مع إيران وبدء مرحلة جديدة من العلاقات. وتزداد المؤشرات لدى طهران على أن روسيا لا تعارض هذا المطلب الأميركي (-الإسرائيلي، بالطبع)، بل وتعمل جاهدة على تحقيقه، سعيًا من روسيا للانفراد بالشأن السوري، وإدراكًا من موسكو لأن الغرب لن يقدم على التعاون في إعادة بناء سوريا بدون خروج إيراني عسكري منها. بمعنى، أن طهران باتت ترى تفاهمًا روسيًّا-أميركيًّا، مؤيدًا من الدولة العبرية، حول إخراجها، أو إضعاف نفوذها بصورة كبيرة، في سوريا.

خلال الشهور القليلة الماضية، وبعد أن ظنَّ الإيرانيون أن الموقف العسكري لحلفائهم في اليمن في المعركة مع السعودية قد تحسن بصورة ملموسة، أخذ نطاق التهديدات للنفوذ الإيراني في الإقليم في الاتساع، وليس فقط بفعل إجراءات الحصار الأميركية ثقيلة الوطأة. بصورة مفاجئة، وبدون توقعات مسبقة، تعرضت قاعدة عسكرية لقوات الحشد الشعبي العراقية في محافظة صلاح الدين للقصف، في 19 يوليو/تموز. وقد تبين لاحقًا أن عددًا من ضباط الحرس الثوري الإيراني، كانوا في القاعدة، أصيبوا أو قُتلوا، وأن القاعدة ضمَّت مستودعات سلاح إيراني. لماذا يقوم الإيرانيون بتخزين السلاح في معسكرات للحشد الشعبي؟ ليس واضحًا تمامًا. أحد الاحتمالات أن إيران تقوم بتخزين السلاح في العراق استعدادًا لمواجهة محتملة في الإقليم مع الأميركيين. الاحتمال الآخر أن هذا السلاح يفترض أن يُنقل في توقيت ملائم إلى سوريا، وأن العراق اختير كمحطة تخزين آمنة من القصف الإسرائيلي بصورة مؤقتة.

لم يوجه المسؤولون العراقيون الاتهام لأحد، بل أعلنوا عن قرار بتشكيل لجنة للتحقيق في الحادثة؛ وربما وجدت رئاسة الحكومة العراقية حرجًا في الاعتراف باستخدام الحرس الثوري الإيراني لمعسكرات قوات الحشد الشعبي كمستودعات سلاح. ولكن الأجهزة العراقية كانت متيقنة من أن الطائرات المسيَّرة التي قصفت قاعدة الحشد هي طائرات إسرائيلية.

بعد أيام قليلة من حادثة القاعدة في محافظة صلاح الدين، تعرضت قاعدة أخرى للحشد على الحدود الإيرانية للقصف، وأيضًا بفعل طائرات مسيرة. في 12 أغسطس/آب، قُصفت قاعدة الصقر الضخمة، جنوب بغداد، التي تشغلها ميليشيات “سيد الشهداء” في الحشد الشعبي، وثيقة الصلة بالإيرانيين. في 20 أغسطس/آب، قصف معسكر للحشد بالقرب من قاعدة بلد الجوية، شمالي بغداد. وفي 25 أغسطس/آب، وفي خامس حادثة خلال شهرين، قصف معسكر آخر للحشد الشعبي قرب مدينة القائم العراقية الحدودية مع سوريا. في كل هذه الهجمات، يُعتقد وقوع إصابات بين عناصر من الحشد ومن الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى الدمار الواسع الذي أوقع بمستودعات السلاح في القواعد المستهدفة.

بتكرار استباحة الأجواء العراقية، وعمليات القصف، التي لم يعد من الممكن إخفاؤها، لمعسكرات الحشد الشعبي العراقي، تباينت مواقف المسؤولين العراقيين بين من وجهوا الاتهام للإسرائيليين، ومن أشاروا إلى مسؤولية الأميركيين. في المقابل، كان رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أكثر وضوحًا في مقابلة إعلامية، 23 أغسطس/آب 2019، عندما قال إنه أصدر الأمر لملاحقة الإيرانيين في كافة أنحاء الإقليم، وإن على إيران أن تدرك أن لا حصانة لها في الجوار.

ولكن، إن لم يعد هناك شك في تحديد المسؤول عن هذه الهجمات، فكيف استطاعت الطائرات الإسرائيلية المسيرة الوصول إلى العمق العراقي؟ خبراء إسرائيليون ومعلقون مقربون من الدوائر الإسرائيلية حاولوا تقديم إجابات مضللة على هذا السؤال، مثل القول بأن الطائرات أُطلقت نحو العراق من أذربيجان عبر الأجواء الإيرانية، أو من إسرائيل نفسها وعبر الأجواء السورية أو الأردنية. كلا الاحتمالين لا تؤيده الوقائع، نظرًا للمخاطر الكبيرة التي يمكن أن تواجهها الطائرات المسيرة في أجواء سوريا أو الأردن أو إيران. الأرجح، طبقًا لمصادر عراقية، أن الطائرات أُطلقت من مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية في شمالي شرق وشرق سوريا، وأن السعودية لا تمول العملية وحسب، بل وكانت من أَسَّسَ للاتفاق بين القوى الكردية السورية والإسرائيليين.

مهما كان الأمر، ونظرًا للقدرات التي تحتفظ بها روسيا في سوريا، والولايات المتحدة في العراق وفي مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية في سوريا، يصعب تصور قيام إسرائيل بهذه السلسلة من الهجمات على أهداف عراقية، بدون معرفة وقبول، وربما تأييد، كل من روسيا والولايات المتحدة.

احتدام التدافع الدولي والإقليمي في المشرق

يذكر أحد مساعدي الرئيس الراحل، د. محمد مرسي، رافقه في زيارته لروسيا ولقائه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في سوتشي، أبريل/نيسان 2013، أن د. مرسي أصرَّ على وضع المسألة السورية على جدول المباحثات. وفي لحظة مناسبة من اللقاء، توجه مرسي إلى بوتين قائلًا: “أنا عازم على العمل لإيجاد حل للنزاع السوري، وأريد أن أعرف من الرئيس بوتين طبيعة المصالح الروسية في سوريا”. أجاب بوتين: “هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها حديثًا جادًّا حول الأزمة السورية؛ وما أريد أن أوضحه أن روسيا ترى أن ثمة توجهًا غربيًّا لاقتسام النفوذ في الشرق الأوسط، بمعزل عن روسيا، ونحن لن نسمح بذلك”. كان هذا، بالطبع، قبل فترة طويلة من دخول روسيا طرفًا مباشرًا في الصراع على سوريا، وقبل إعادة الانتشار العسكري الأميركي في سوريا والعراق، بعد التوسع الجغرافي الكبير لتنظيم الدولة في البلدين.

لم ينطلق دور موسكو بوتين في سوريا، من زاوية النظر هذه، من التزام أيديولوجي أو أخلاقي بالحفاظ على نظام الأسد. سوريا هي ركيزة الحسابات الروسية، وليس النظام. وسوريا هنا لا تعني موطيء قدم روسيًّا في قلب الشرق الأوسط، وحسب، بل ثقلًا جيوسياسيًّا ضمن حسابات أوسع وأكبر، تبدأ في أوكرانيا ولا تقف على شواطيء الخليج. تمامًا، كما ترى الولايات المتحدة نفوذها في الخليج، وفي مصر، وحتى شمالي سوريا والعراق. ولأن الدول الكبرى تفترض أن مناطق نفوذها لابد أن تكون حكرًا عليها، تمارس فيها، بحرية كاملة، السياسات التي تخدم مصالحها، فمن المنطقي ألا ترحب بشركاء إقليميين، أو غير إقليميين، في هذه المناطق.

ويجب ألا يكون هناك شك في أن إيران وتركيا أصبحتا مصدر صداع مستمر لنفوذ القوتين الكبريين الرئيسيتين في تدافعات المشرق السياسية. وقد تحولت سوريا، سواء لتعدد اللاعبين على ساحتها، أو لتأزمها المديد، إلى مرآة ساطعة للكيفية التي تحاول بها القوى الغربية الرئيسية كبح طموحات القوى الإقليمية، وإجهاض سعيها لتوكيد ذاتها ودورها في الإقليم.

خلف هذا الإطار لعلاقات القوى، يمكن رؤية سلسلة من التدافعات المحتدمة في كل من سوريا والعراق. كلتا القوتين الكبريين، الولايات المتحدة وروسيا، تريدان إخراج إيران وتركيا من سوريا والعراق، أو على الأقل تهميش دورهما. أحد الأسباب المباشرة لهذه السياسة هو الحفاظ على أمن الدولة العبرية وتفوقها. السبب الآخر يتعلق بالقلق المتزايد من سياسة التوسع الإيراني في أكثر من دولة من دول المشرق. ولا يقل أهمية سعي روسيا لوضع نهاية للأزمة السورية، وتجنب تحولها إلى مستنقع ومصدر إرهاق للعسكرية والسياسة الروسية؛ والعمل من ثم على توكيد سيادة الدولة السورية على أرضها.

لهذا، لابد أن يُرى الاتفاق الأميركي مع تركيا باعتباره بداية طريق طويل ومتعثر، لا استجابة مخلصة للمطالب الأمنية التركية. هدف الولايات المتحدة الأساس في سوريا الآن هو منع تدخل عسكري تركي واسع النطاق شرق الفرات، والحفاظ على الميليشيات الكردية وسيطرتها على أكبر مساحة ممكنة من الشرق السوري، ليس فقط للقيام بمهمات مواجهة خلايا تنظيم الدولة في المنطقة، ولكن أيضًا لاستهداف إيران في الجوار، ومنعها من تأمين خطوط اتصال من الغرب الإيراني إلى ساحل المتوسط. روسيا، في الحقيقة، تتفق وهذه الأهداف الأميركية-الإسرائيلية، سواء فيما يتعلق بإيران أو بتركيا. وربما كان هذا التقدير للموقف الأميركي ما دفع أردوغان، في خطاب له يوم 26 أغسطس/آب، إلى التحذير من التباطؤ في تنفيذ الاتفاق والإشارة إلى أن القوات التركية لم تزل جاهزة لدخول شرق الفرات منفردة.

بيد أن روسيا، وإن رحبت بالضغوط الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وجهود واشنطن لمنع اجتياح تركي لشرق الفرات، تأمل في ألا يستمر الوجود العسكري الأميركي في الشمال الشرقي السوري طويلًا. في تصور موسكو للأمور، سيكون على الميليشيات الكردية التوصل إلى تفاهم سياسي سريع مع دمشق، في اللحظة التي سيقرر فيها الأميركيون الخروج من سوريا، أو سيتم التعامل مع هذه الميليشيات بقوة السلاح وعودة دمشق للسيطرة على المنطقة.

الجديد في هذا الوضع المتداخل والمتحرك كان الدخول السعودي، الذي بدأ، على الأرجح، بصورة جدية بعد زيارة تامر السبهان، وزير الدولة السعودي، (قادمًا عبر كردستان العراق، وليس تركيا)، لمنطقة السيطرة الكردية شمال شرقي سوريا ولقائه القيادات الكردية في 19 يونيو/حزيران الماضي (2019). ويبدو أن الصلات السعودية مع الجماعات الكردية السورية المسلحة (بتشجيع أميركي)، قُصد بها ليس مناكفة تركيا، وحسب، بل وصنع الظروف الملائمة لتوسيع نطاق الضربات الإسرائيلية لنقاط التمركز والمستودعات الإيرانية في العراق، والوقوف في وجه محاولات طهران تعزيز موقفها الجيوسياسي في سوريا.

بصورة عامة، يجري هذا التدافع للقوى، إقليميًّا ودوليًّا، تحت سقف الحرب الشاملة أو المواجهة العسكرية واسعة النطاق. بمعنى، أن كافة أطرافه تعمل على إيقاع ضربات موجعة، ولكن محدودة، بالخصم، أو الخصوم، بدون الذهاب بعيدًا. ما يبدو أن طرفًا من الأطراف لا يريد حربًا، بل إن كافة الأطراف تعلن صراحة رغبتها تجنب التصعيد إلى مستوى الحرب. ولكن مثل هذا الاشتباك التدافعي لقوى متعددة لم تشهده منطقة أخرى من العالم منذ عقود؛ وقد تصل الأمور إلى لحظة يصبح فيها من الصعب على النوايا المسبقة ضبط الإيقاع المتسارع، سيما إن وجدت القوى الإقليمية الرئيسة، تركيا وإيران، صاحبة المصلحة المباشرة في جوارها الإقليمي، أن ليس ثمة وسيلة أخرى لوضع حد لخسائرها.

———————————————————

هذا الموضوع مأخوذ عن مركز الجزيرة للدراسات

قمة أنقرة الثلاثية: قراءة مغرضة/ بكر صدقي

استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نظيره الروسي فلاديمير بوتين بعبارة: «nice to meet you, how are you». لا نعرف ما إذا كان أردوغان تعمد أن يتظاهر بأنه يلتقي بضيفه الروسي للمرة الأولى، أم أن إنكليزيته لم تسعفه في التعبير.

أما بوتين فقد حرص، في المؤتمر الصحافي الذي عقده الرؤساء الثلاثة في ختام مباحثاتهم، على الوشاية بأردوغان باعتباره كان هو المعرقل للانتهاء من تشكيل اللجنة الدستورية، من خلال إفصاحه عن أن الرئيس التركي قد أفرج عن الاسم الأخير في قائمة أعضاء اللجنة الدستورية، فاكتملت القائمة بهذا الاسم، وأصبح بإمكانها البدء بعملها في أسرع وقت في مدينة جنيف.

واتفق الرؤساء الثلاثة (+ واحد) على رفض أي حالة تنتقص من سيادة سوريا ووحدة أراضيها في شرقي الفرات، وتشكل تهديداً للأمن القومي لدول الجوار، في إشارة إلى «قوات سوريا الديمقراطية» بما في ذلك الإدارة الذاتية. أما الرابع المقصود بعبارة 3+1 فهو النظام السوري الذي أهدى القمة، بصورة متزامنة مع انعقادها، رسالة وجهها مندوبه في الأمم المتحدة بشار الجعفري إلى المنظمة الدولية اعتبر فيها «قسد» وحزب العمال الكردستاني ومتفرعاته منظمات إرهابية، مع وجوب التنويه إلى أن هذه الهدية موجهة إلى تركيا أساساً، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تعتبر «قسد» ومكوناتها السياسية والعسكرية منظمات إرهابية. مع رسالة الجعفري أصبحتا دولتين تتفقان على هذا التصنيف.

أما الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي جاء إلى أنقرة وفي جيبه ضربة عسكرية مؤلمة لمنشآت نفطية مهمة في السعودية، فقد أعرب عن سعادته بإنجاز قائمة اللجنة الدستورية ووضع موعداً أولياً للانتخابات في سوريا بين العامين 2021 ـ 2022.

أردوغان الذي يهتم، قبل كل شيء، بإنشاء المنطقة الآمنة الموعود بها من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، استفاض في الحديث عن مشروعه: نوّه أولاً بأنه ضرب صفحاً عن طول المنطقة الآمنة التي كان يجب أن تمتد على طول الحدود بين تركيا وسوريا (911 كلم)، ليكتفي فقط بطول 450 كلم وعمق 32 كلم (2 ميل) حسبما وعده ترامب في المكالمة الهاتفية الشهيرة بينهما، أواخر العام 2018، تلك المكالمة التي قرر ترامب، بعدها مباشرةً، أن يسحب القوات الأمريكية من سوريا.

في تلك المنطقة الآمنة، بضمانة أمنية أمريكية، ستقيم شركات البناء التركية منازل من طابقين تحيط بها حدائق لزراعة الخضار، على مساحة إجمالية 500 متر مربع، نصفها للمبنى ونصفها للحديقة المحيطة به. بإقامة هذا المشروع يمكن إسكان مليونين من اللاجئين السوريين في تركيا بعد عودتهم الآمنة إلى بلدهم. (في تصريح سابق تحدث أردوغان عن مليون واحد).

أما بالنسبة لتمويل هذا المشروع فيكون، بحسب أردوغان، بتضافر جهود عدد من البلدان المقتدرة. وذكر أنه تحدث، بشأن هذا التمويل، مع الرئيس الفرنسي ماكرون والمستشارة الألمانية ميركل، واحذروا مع من أيضاً؟ مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان! (هل تم طي صفحة التوتر بين قيادتي الدولتين، يتساءل مراقبون)

ووضع الرئيس التركي ضيفيه الروسي والإيراني في صورة خلافاته مع واشنطن بشأن المنطقة الآمنة، فأخبرهما أن تركيا ستنتظر، إلى نهاية شهر أيلول/سبتمبر الجاري، من الأمريكيين تنفيذ التزاماتهم وفقاً لما اتفق عليه، مؤخراً، بشأن المنطقة الآمنة، وإلا فستضطر لوضع خطتها العسكرية المنفردة بشأنها موضع التطبيق.

أما الرئيس الروسي فانتهز فرصة الحديث عن الاعتداء الذي تعرضت له المنشآت السعودية، ليعرض عليها شراء صواريخ دفاع جوي روسية قادرة على حماية كل منشآتها الحيوية، فكما اشترت منها إيران صواريخ إس 300، وتركيا صواريخ إس 400، يمكن للسعوديين أيضاً أن يقتدوا بهاتين الدولتين! وهذه رسالة بوتينية مؤلمة لواشنطن فحواها أن الدولة العظمى الوحيدة فشلت في حماية حليفتها السعودية.

من عجائب حوار الطرشان الذي سمعناه في المؤتمر الصحافي للقادة الثلاثة تأكيد أردوغان على وحدة الأراضي السورية وسيادتها (وهو ما اتفق عليه في صيغة البيان الختامي أيضاً) في وقت يطالب فيه بإقامة منطقة آمنة شرقي نهر الفرات مع سيطرة القوات التركية هناك، إضافة إلى الوجود العسكري التركي في كل من مثلث «درع الفرات» ومنطقة عفرين.

أما روحاني فكان له رأي آخر في ذلك لم يتمالك نفسه من الإفصاح عنه، على رغم جو التوافق والوئام الذي رأينا انعكاسه في البيان الختامي، بل على رغم حلاوة التين التركي الذي استمتع بأكله: فقد تحدث عن وجوب خروج جميع القوات الأجنبية من سوريا، باستثناء تلك التي جاءت بناء على طلب الحكومة السورية! (نحن نعرف أن القوات التركية لم تدخل الأراضي السورية بناء على طلب نظام دمشق الكيماوي).

وقال روحاني إن الولايات المتحدة تسعى إلى تقسيم سوريا. وتتضح نواياها السيئة من واقع تبرعها بأرض الجولان لدولة الاحتلال الإسرائيلي. كما أشار الرئيس الإيراني إلى الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية التي دمرت البنية التحتية لهذا البلد. وهذا ما يتعارض مع مبدأ السيادة السورية، قال. وعبر عن التزام القادة الثلاثة بمواصلة مكافحة المنظمات الإرهابية في سوريا التي يعاني الشعب السوري من أذاها. ونحن نعرف، قال، من يدعم تلك المنظمات. علينا أن نساعد الدولة السورية في جهودها لمكافحة الإرهاب.

وقال بوتين إن أعضاء اللجنة الدستورية يجب ألا يتعرضوا لأي ضغوط خارجية، مع العلم أن ثلاثي آستانة المجتمع في أنقرة هو الذي شكل اللجنة الدستورية وحدد لها مهمتها، وهي إدخال إصلاحات على الدستور النافذ.

هذه بعض شذرات من كلام القادة الثلاثة في المؤتمر الصحافي، في طريقة مختلفة لقراءة نتائج القمة الثلاثية. هل اتفقوا على قرارات معينة؟ لا أحد يعرف شيئاً عنها باستثناء ذلك «الاسم الأخير» الذي اكتملت به اللجنة الدستورية.

كاتب سوري

القدس العربي

قمة أنقرة:أحلام وأوهام/ عائشة كربات

الآلية الثلاثية بين تركيا وروسيا وإيران بشأن سوريا ناجحة كما ثبت بالأمس في أنقرة بطريقة مثيرة للاهتمام للغاية. لا تزال هذه القوى الثلاث التي تتناقض حول نهاية اللعبة في سوريا، والتي تتضارب مصالحها في الميدان، قادرة على اللقاء. كلما أعلن الخبراء أن هذه الآلية ميتة، وقادرة على تحقيق بعض النتائج.

في الاجتماع الخامس للآلية، كانت هناك نتيجة ملموسة: بعد 18 شهراً من المناقشات، تم في النهاية تشكيل اللجنة الدستورية.

تشكيل اللجنة يعني أن العملية السياسية لمستقبل البلاد قد تبدأ. أنقرة تريد المزيد من التدخل الغربي من الآن فصاعداً لأنها تعلم جيداً أن الأموال اللازمة للعملية سياسية وإعادة تأسيس سوريا سوف تأتي من هناك. لكن كما أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يجب أن تكون اللجنة قادرة على الابتعاد عن ضغوط الغرباء.

أثار الرئيس الإيراني حسن روحاني رأياً مختلفاً تماماً؛ ستكون بعض “المراجعات” في الدستور السوري كافية، مما يعني أنه يعارض الدستور الجديد. إلى جانب ذلك، فكيفية عمل اللجنة الدستورية وعلى أي مبادئ، ليست واضحة على الإطلاق. والأسوأ من ذلك، أن النظام السوري، بينما كان يستولي على إدلب قطعة قطعة، ليس جاهزاً لتقديم تنازلات على الطاولة.

أحد الأشياء التي لم تكن متوقعة قبل الاجتماع، ولكنها حدثت بالفعل، هي اتخاذ أي قرار يتعلق بإدلب. قبل أيام قليلة من القمة، قال أردوغان ل”رويترز”، إن تركيا ستحتفظ بمواقع عسكرية في إدلب. بقوله ذلك يكون قد منع بوتين وروحاني من طلب سحب الجنود الأتراك في إدلب من أجل فتح الطريق لجيش النظام. لكن كما أشار بوتين في القمة، فإن الكفاح ضد “الإرهاب” في إدلب يعني أن هجمات النظام ستستمر. لكن الجنود الأتراك سيكونون في أمان، الإعلان المشترك للقمة يؤكد أن الأطراف ستتخذ تدابير ملموسة لحماية جنود بعضهم البعض في الميدان.

توفر القمة أيضاً منبراً للقادة لإثارة مشاكلهم الأكثر إزعاجاً في ظل النظرات المريحة للآخرين. على سبيل المثال، أثار أردوغان مسألة المنطقة الآمنة في شرق الفرات التي يحاول تأسيسها مع الولايات المتحدة. في المؤتمر الصحافي، لم يشر إلى “المنطقة الآمنة” كثيراً، بل استخدم عبارة “ممر السلام” أو “القتال ضد الإرهاب”. لكنه قال إنه إذا لم يتمكن من الاتفاق مع الولايات المتحدة في غضون أسبوعين، فستنفذ تركيا خطتها.

كان يعلم جيداً أن الزعيمين الآخرين يعارضان تماماً الوجود الأميركي ولا يخفيان أنهما حساسان لكلمة المنطقة الآمنة. لكنها يدركان أيضاً أنه في ظل الظروف الحالية، ليس من السهل على أنقرة أن تنفذ خطتها وأن تفعل شيئاً ضد رغبات الولايات المتحدة، خاصة وأن الاقتصاد التركي لا يسير على ما يرام والولايات المتحدة تهدد تركيا بفرض عقوبات بحال القيام بأعمال من جانب واحد في شرق الفرات.

هذه القمم الثلاثية هي أيضاً منصات مناسبة لمشاركة أحلامهم. كرر أردوغان مرة أخرى حلماً آخر يتحدث عن بناء منازل للاجئين السوريين في تركيا في المنطقة الآمنة المزعومة، على مساحة 250 متراً مربعاً لكل عائلة مع مساحة أخرى تبلغ 250 متراً مربعاً مناسبة للزراعة. وأضاف أنه لهذا الهدف تحدث إلى ميركل وماكرون وحتى ولي العهد السعودي. وأضاف أردوغان أنه إذا أمكن القيام بذلك، فقد يذهب مليونان من اللاجئين السوريين في تركيا إلى هذه المنطقة الآمنة. لقد ذهب بحلمه أبعد وتحدث عن حملة دولية لإنجاحه. تحدث مثل مقاول تركي حقيقي.

تعد قمم الآلية الثلاثية هذه مثالية أيضاً لمن لا يزالون قادرين على الحفاظ على قدرات التعلم والشعور بالحرج. كانت اللحظة التي أشار فيها بوتين إلى القرآن، إحدى تلك اللحظات. تحدث عن اليمن، فذكر أن الكتاب المقدس يطلب من المسلمين التوصل إلى اتفاقات سلام في ما بينهم. بعد ذكر هذا، أضاف بوتين على الفور أنه مستعد لبيع الأسلحة للمساهمة في السلام في المنطقة.

كان هذا هو درس القمة، ألم نصل إلى هذه النقطة الدموية بسبب مصالح القوى الإقليمية والعالمية على أي حال؟.

المدن

قمة أنقرة.. إنجاز هزيل وتوافقات مضمرة/ عمر كوش

تبدّد الرهان على مخرجات قمة أنقرة التي جمعت الرؤساء التركي أردوغان والروسي بوتين والإيراني حسن روحاني على مائدة الوضع السوري، خصوصا فيما يتعلق بالوضع الملتهب في إدلب، حيث لم تخرج القمة بتوافقاتٍ معلنة حوله، سوى التعبير عن قلقهم من “خطر تدهور الوضع الإنساني في إدلب السورية وحولها، والاتفاق على خطوات ملموسة لتقليص خرق الاتفاقات”.

وتضمّن البيان الختامي للقمة الثلاثية، التي تعدّ الخامسة من نوعها، تعميماتٍ سبق وأن تضمّنتها البيانات الختامية للقمم السابقة بين الرؤساء الثلاثة أنفسهم، مثل التأكيد على عدم إمكانية حل الأزمة السورية بالوسائل العسكرية! والتأكيد على سيادة سورية واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها! إلى جانب التشديد على الالتزام القوي بمبادئ الأمم المتحدة! والتأكيد أيضاً على ضرورة التسوية السياسية، والتمسّك بمسار أستانة، وسوى ذلك من عمومياتٍ مكرورة، يفنّدها سلوك الدول التي يترأسها الزعماء الثلاثة، وتفندها أيضاً المعارك والوقائع على الأرض، في ظل استمرار هجمات مليشيات النظام الروسية على مناطق إدلب، والتهديدات بعملية عسكرية واسعة فيها.

ولعل الإنجاز الوحيد في قمة أنقرة هو الاتفاق، أخيراً، على أسماء أعضاء اللجنة الدستورية، والذي اعتبره البيان الختامي من القرارات التي “من شأنها إنعاش آمال الحل السياسي في سورية”، مع أنه إنجاز هزيل بكل معنى الكلمة، إذ لم تر هذه اللجنة النور بعد، على الرغم من أنها كانت أحد أهم مخرجات ما عُرف بـ”مؤتمر الحوار السوري” الذي دعت إليه موسكو، ونظمته ورعته، وعُقد في 30 يناير/ كانون الثاني 2018 في مدينة سوتشي الروسية. كما أن هذا الإنجاز الهزيل غير مكتمل، لأن الرئيس بوتين وضع شروطه للسماح ببدء عمل اللجنة الدستورية، المتمثلة في “الاتفاق حول آليات عمل اللجنة، وقبل كل شيء استقلالية كافية في عمل أعضاء اللجنة، من دون أن يتعرّضوا لأي ضغوط خارجية”، وهذه الاشتراطات بمثابة عقبات وموانع، يحتاج تذليلها إلى عقد قمم ثلاثية عديدة لرؤساء محور أستانة، إذ مجرد الاتفاق على أسماء أعضاء اللجنة يتطلب عقد خمس قمم ثلاثية، فضلاً عن قمم ثنائية عديدة.

وقد سادت أجواء، قبيل انعقاد قمة أنقرة الثلاثية، تشي بأنها ستخرج بوقف إطلاق نار، أو تثبيت الهدنة الهشة التي أعلنها الروس في 31 أغسطس/آب الماضي، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، على الرغم من أن البيان الختامي أفاد بأن الزعماء بحثوا “بدقة الوضع في منطقة خفض التصعيد في إدلب”، وأكدوا “تصميمهم على ضمان التهدئة على الأرض، من خلال تنفيذ جميع عناصر اتفاقيات إدلب، لا سيما مذكرة 17 أيلول/سبتمبر 2018″، والمقصود “اتفاق سوتشي لتثبيت خفض التصعيد”. غير أن ما ينسف التصميم لدى الرؤساء الثلاثة على “ضمان التهدئة على الأرض” هو قلقهم البالغ حيال وجود منظمة هيئة تحرير الشام الإرهابية في المنطقة، حسبما ذكر البيان، والأدهى ليس “الوضع المتوتر في إدلب” الذي يثير قلق فلاديمير بوتين الشديد! بل تأكيده على “ألا تبقى إدلب ساحة لنشاط الجماعات الإرهابية”.

ولعل المنطلق الذي يراه بوتين مبرّراً مقنعاً أن “إدلب موجودة في أيدي تنظيمات إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة”، وبالتالي يجب استهدافها وقتل من فيها. ولذلك تفيد تقارير دولية وأممية عديدة بأن التدخل الروسي لم يكن يوماً يستهدف تنظيمي داعش أو جبهة النصرة، وسواهما من تنظيمات في فلكهما، بل كان يستهدف فصائل المعارضة التي ناصرت الثورة السورية، كما استهدف على الدوام مناطق الحاضنة الشعبية للثورة السورية، وحصد أروح آلاف من المدنيين السوريين، ودمّر أماكن سكناهم وأرزاقهم.

ولم يخفِ بوتين أنه “تّم اتخاذ قرار مع تركيا وإيران بمواصلة مكافحة الإرهاب في إدلب”، ما يعني استمرار معاناة أهالي المدينة ونازحيها، واستمرار التدخل الروسي العسكري المباشر في  سورية، ومساندته مليشيات النظام والمليشيات الإيرانية في الهجمات على مناطق إدلب. وهذا ما دأب على القيام به النظام الروسي، منذ تدخّله العسكري المباشر في سورية نهاية سبتمبر/أيلول 2015، بغية تغيير موازين القوى لصالح نظام الأسد الإجرامي، ثم تمكينه من إعادة سيطرته على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية وسواها. وعليه، تحولت “مناطق خفض التصعيد” إلى مناطق سيطرة للروس والنظام بالتدريج، باتباع نهج متشابه، يقوم على القصف الوحشي والعنيف، ثم الحصار والتجويع، وتدمير البنى التحتية والمرافق العامة، من أسواق ومدارس ومستشفيات، لفرض التسليم والترحيل. ولا ينظر الرئيس الروسي إلى منطقة خفض التصعيد في إدلب إلا بالطريقة نفسها، ويمارس النهج نفسه، على الرغم من وجود أكثر من ثلاثة ملايين مدني فيها.

وإذا كانت قمة أنقرة الثلاثية قد خرجت بإنجاز هزيل، إلا أن ذلك لا يعني وجود توافقات واتفاقات مضمرة، وغير معلنة، ولا تعدو كونها خارجة خطوط ضامنة لتقاسم مناطق النفوذ في سورية بين الدول الثلاث، ولو مرحلياً، بما يعني إرضاء تركيا وتطمينها بعدم السماح بتدفقات كبرى أو موجات تهجير كثيفة نحوها، وتنفيذ بنود اتفاق سوتشي الموقع بين أردوغان وبوتين في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، حول المنطقة العازلة بعمق يتراوح بين 15 و20 كلم، وفتح الطرق الدولية بين حلب وكل من اللاذقية وحماة وصولاً إلى دمشق.

في المقابل، كانت أنقرة تنتظر أن تخفف موسكو موقفها الممتعض من اتفاق المنطقة الآمنة، المبرم بين تركيا والولايات المتحدة، وتخفيف حدّة المعارضة الإيرانية، ولكن البيان الختامي أكد “على وحدة سورية!”، ولم تلق فكرة أردوغان بناء مدينة تستوعب أعدادا من اللاجئين السوريين آذاناً صاغية. ولذلك لن يكف الروس والإيرانيون عن دعواتهما إلى تطبيق اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق، والمقصود من ذلك معروف تماماً.

العربي الجديد

كي تكون اللجنة دستورية/ ميشيل كيلو

في لقاء أنقرة الذي جمعه، يوم 16 سبتمبر/ أيلول، مع الرئيسين الإيراني روحاني والروسي بوتين، أعلن الرئيس التركي أردوغان أنه تم الانتهاء من تشكيل اللجنة الدستورية (السورية)، وصار باستطاعتها مباشرة عملها.

بعد نحو عامين من مماطلة روسية/ أسدية، تم أخيرا بلوغ هذه النتيجة التي يشك سوريون كثيرون في أهليتها لبدء العمل، لأسبابٍ تتصل بالتطورات الميدانية التي تواكبها، واحتمال حسم الأوضاع في إدلب ومحيطها، بالافادة من موقف جبهة النصرة بمسمّياتها المختلفة، وما تبنّته من سياساتٍ أسدية عبرت عن نفسها بشعار “النصرة إلى آخر سوري”، وبتمسّكها بتنظيمها وسيطرته على إدلب، على الرغم من عجزها الفاضح عن حمايتها، وتخليها، من دون قتال، عن بعض مناطقها، ووجود قرار دولي بالتخلص منها بوصفها تنظيما إرهابيا، أصر بوتين، في لقاء أنقرة، على تنفيذه، وأعلن أن وجود جبهة النصرة يعتبر مصدر قلق لروسيا، بينما أعلن أردوغان الاتفاق على تشكيل اللجنة الدستورية التي ستبدأ عملها في أجواء التعهد الروسي بشن حرب يستعيد فيها الأسد إدلب أو مناطق واسعة حولها. لذلك يمكن القول إن هيئة التفاوض ستذهب إليه، وهي في حال غير مسبوقة من الضعف، فكأن التلازم بين المعركتين، العسكرية والدستورية، مقصودٌ ومبيّت، بما أن نجاح التفاوض يتوقف على قوة الأطراف المنخرطة فيه، والهيئة لن تجد ما تستند إليه من قوة، في حال شنت روسيا هجومها الجديد، أو واصلت جهودها لمنع تطبيق القرارات الدولية، وخصوصا منها الداعمة مطالب السوريين في التغيير الديمقراطي، علما أنها ستحاول ترجمة النتائج العسكرية، المترتبة على ما أحرزه جيشها من غلبة ميدانية، إلى حل دستوري يثبت رئاسة ربيبها بشار الأسد، ويحافظ على نظامه في أقرب الصور إلى وضعه الحالي.

سيجعل الوضع القائم مهمة الهيئة صعبة، فبينما تقول القرارات الدولية بالانتقال الديمقراطي مرجعية للحل السياسي، يقاتل الروس والإيرانيون لمنع اعتماده تفاوضيا، لأن ذلك سيطيح الأسدية ونظامها، ويرجح أن ينجح سعيهم، لافتقار الهيئة إلى قوة الضغط الضرورية لإقرار الانتقال الديمقراطي في الدستور، وانتقال مركز ثقل الصراع على المنطقة إلى الخليج، حيث يُرجح أن لا تسمح واشنطن بتهديد مصالحها، بينما تتأزم العلاقات التركية الأميركية بسبب منطقة شرق الفرات التي أعلن أردوغان أن أميركا إما أن توافق، خلال خمسة عشر يوما، على انفراد جيشه بالإشراف عليها، أو تعاون مع روسيا وإيران.

ستضعف هاتان الأزمتان الاهتمامين، الأميركي والتركي، باللجنة الدستورية، والدعم المفترض لهيئة التفاوض. وفي المقابل، يرجح أن تضغط روسيا لإنهاء عملها في أقرب وقت، بقبول الحل الذي تريده، لوضع واشنطن أمام أمر واقع، وتحويل الحل إلى أداة ضغط على وجودها العسكري في منطقة شرق الفرات، بالتعاون مع تركيا.

بتلازم هذه التطورات مع الإعلان عن إقرار اللجنة الدستورية، سيغدو الانتقال الديمقراطي كمرجعية للحل السياسي محل صراع تفاوضي بالغ الصعوبة، وستواجه هيئة التفاوض ضغوطا ستكون بدائلها أشد سوءا منها، وستفرض نتائج الحرب نتائج التفاوض، ما لم يقدّم السوريون، حيثما وجدوا، دعما ملموسا، شعبيا وسلميا، لها، ويعزّزوه بمذكراتٍ رسمية، ترسلها الدول المناصرة لحقوقهم، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، إلى مبعوث الأمم المتحدة، بيدرسون، وأمين عام الأمم المتحدة، مساندة لتنفيذ القرارات الدولية المؤيدة لحقهم في بناء نظام ديمقراطي/ تعدّدي.

سيحدّد الدستور نمط الحل السياسي في سورية، وهوية الدولة القادمة ونظامها، وبالتالي هوية المنتصر والمهزوم، ونمط التسويات المحتملة بينهما، إن كان هناك تسويات. لذلك، يجب مواكبة مفاوضات “اللجنة” بأعلى قدر من التصميم والوحدة، لمنع الالتفاف على القرارات الدولية، وضمان مشاركة فاعلة للأمم المتحدة في إقرار دستور ديمقراطي، ثم انتخاب رئيس، اختياره آخر خطوة في إجرائيات الحل التي إما أن يفيها السوريون حقها من الاهتمام، أو أن تكون تتويجا نهائيا لهزيمتهم.

العربي الجديد

قمة التين في مواجهة واشنطن/ عمر قدور

في ما يبدو استكمالاً لقمة أنقرة التي جمعت ثلاثي أستانة، استخدمت موسكو حق الفيتو في مجلس الأمن ضد قرار أممي يطالب بالهدنة في إدلب، ويطالب بالامتثال للقانون الدولي والإنساني عند اتخاذ تدابير لمكافحة الإرهاب. نص القرار صيغ بطريقة لا تحرم موسكو من مهاجمة الفصائل المسلحة في إدلب، لكنه يلحظ استهداف المدنيين وسياسة الأرض المحروقة التي تعتمدها موسكو. وكان بوتين في قمة أنقرة قد أظهر عزمه على متابعة ما يسميها الحرب على الإرهاب، مع التعهد فقط بتجنب التعرض لنقاط المراقبة التركية المنتشرة هناك، من دون أي التزام يخص ما يقدّر بثلاثة ملايين مدني يقيمون في المنطقة.

كان ينقص أن يستخدم السفير الفرنسي في الأمم المتحدة لغة المقاولات، فيركز في تصريحه إثر الفيتو الروسي على أن من يدمّرون إدلب بالقصف سيتوجب عليهم إعادة إعمارها، وأن بلاده وأوروبا لن تشاركان في إعادة الإعمار، مع إشارة جانبية “لا تخلو من الطرافة” إلى محاسبة المسؤولين عن القصف. فضلاً عن مجانية الإشارة إلى المحاسبة، تشير لغة السفير الفرنسي إلى نوعية المساومات والمقايضات المطروحة، والتي لا تلحظ ولا تكترث بالجانب الإنساني. والحق أنه يتجاهل عمداً الإشارة أيضاً إلى مقايضة مطروحة على هذا الصعيد، أي ما يخص اللاجئين من إدلب في حال اقتحامها، اللاجئين الذين يسعى أردوغان وبوتين إلى توطينهم شرق الفرات.

لتصريح السفير الفرنسي مغزى خاص لأن باريس تقوم بالوساطة بين واشنطن وطهران، ولا يُستبعد أن يكون مطلوباً منها التوسط لدى واشنطن لإقناعها بمشروع المنطقة الآمنة الذي يروّج له أردوغان شرق الفرات. الأخير كان قد قدّم ثمار التين لضيفيه في أنقرة، ونُقل المشهد إعلامياً للدلالة على العلاقة المميزة التي تربطه بهما. والأهم أنه تخلى عن اعتراضه على العضو الأخير فيما يسمى اللجنة الدستورية، على تهافت موضوع اللجنة ومكانة عضو فيها، والاتفاق على اللجنة يعني مضي أطراف أستانة في رؤيتها للحل في سوريا وإحراج الغرب وواشنطن اللذين لا يظهران اهتماماً لا بالمسار العسكري ولا السياسي.

الحل وفق ثلاثي أستانة لن يتقدم طالما بقيت المظلة الأمريكية شرق الفرات، وطالما بقيت واشنطن على موقفها المكتفي بمنطقة نفوذها، من دون تسهيل أو عرقلة للاعبين فيما تبقى من سوريا. لذا من مصلحة الثلاثي قضم مساحة من منطقة النفوذ الأمريكي بذريعة المنطقة الآمنة أو التهديد الكردي، مع إدراك بوتين وروحاني على الأقل أن تلك المنطقة الآمنة ستؤول فيما بعد إلى سيطرتهما سلماً أو حرباً. أردوغان من جهته يريد مكسباً “ولو مرحلياً” يعوض مأزقه في إدلب، فهو يدرك أن الهجوم على إدلب قادم لا محالة، وسيدفع الثمن معنوياً على صعيدين؛ أولاً الانهيار الكلي لسمعته كضامن للمنطقة، وثانياً باضطراره إما لاستقبال العدد الضخم للاجئين أو إغلاق الحدود أمامهم وتركهم لمقتلة كبرى.

الملفت في طرح أردوغان عن المنطقة الآمنة هو الحديث عن إقامة مساكن وبنية تحتية لمليوني لاجئ، هذا التصور يعكس قناعته بعدم وجود حل سياسي في المدى المنظور، وتالياً عدم وحدة الأراضي السورية بخلاف التمسك بها الذي أعلنه الزعماء الثلاثة لقمة التين. وإذا افترضنا تحول طموح أردوغان إلى واقع فالسبيل الوحيد لجعلها منطقة آمنة حقاً هو بقاؤها تحت الحماية الأمريكية، ما يقتضي إعادة تموضع كبرى لسياسات أردوغان الخارجية، وهذا الاحتمال مستبعد لأن واشنطن غير متلهفة لاستعادة الحليف القديم.

من دون أن تحرك ساكناً، تبقى واشنطن هي العقبة أمام الحل الروسي في كامل الأراضي السورية، وهي أقل الأطراف استعجالاً للحل. الوجود الأمريكي متصل بالملف الإيراني أكثر من أي اعتبار آخر، وربما من نتائجه غير المقصودة إحكام الخناق الاقتصادي على الأسد بحكم حاجته إلى النفط والغاز الموجودان تحت المظلة الأمريكية.

موضوعياً، الوجود الأمريكي ورقة القوة الوحيدة التي يمكن الرهان عليها نسبياً لفرملة الحل الروسي-الإيراني، والمفارقة أن الترحيب به محلياً يقتصر على الأكراد الذين لا يحملون عداء لطهران أو موسكو على غرار نظرائهم في المعارضة العربية. بالطبع يعود الترحيب الكردي إلى كون ميليشيات الحماية الكردية هي التي تسيطر على المنطقة وتتحكم بها تحت الإشراف الأمريكي، ويعود موقف المعارضة العربية إلى العداء المستحكم بينها وبين الميليشيات الكردية.

أقل ما يمكن قوله أن أداء الميليشيات الكردية فيه من الحنكة التي يفتقر إليها أداء الجانب العربي، ورغم أن المناخ السائد في هذا الجانب يقرّ بأن الكلمة الفصل هي للقوة الدولية الأعظم إلا أن المعارضة تلتزم بالتوجهات التركية حرفياً. تبرير هذا الاصطفاف من خلال اتهام الأكراد بالنزوع الانفصالي لا يستقيم، لا لنفي هذا النزوع بالمطلق لكن لو شاءت واشنطن الشروع حقاً في إقامة كيان كردي فلن تجد رادعاً لها، ولو كانت محابية للأكراد على نحو خاص لاعترفت بالاستفتاء الذي جرى على انفصال إقليم كردستان العراق حيث الظروف أنضج بما لا يُقاس.

كأن المعارضة السورية تستأنف تقليداً عربياً مفاده القناعة بأن أوراق الحل والربط في واشنطن، وفي المقابل معاداة أمريكا لأنها لا تقدّم الحل الذي نريد، وإذا كانت ظاهرة الحرَد من أمريكا مفهومة على الصعيد الفردي فهي ليست كذلك على صعيد العمل السياسي. صحيح أن واشنطن خذلت الثورة السورية في محطات مهمة، وصحيح أيضاً وافقت ضمنياً على الاحتلالين الإيراني والروسي، إلا أن السياسة التركية منذ انطلاق مسار أستانة لا تمضي سوى إلى تسهيل عمل الإيراني والروسي، وهي خدمت وتخدم سلطة بشار بالتعاون المباشر مع حلفائه. وللحق أثبتت السياسة التركية علوها على نظيرتها الأمريكية، فيوماً ما لم تستطع واشنطن إقناع المعارضة بالعمل كمرتزقة لديها لقتال داعش حصراً، بينما استطاع أردوغان بجدارة تجنيدها لخدمته.

المدن

غوتيريش: الأطراف السورية توصلت إلى اتفاق على تشكيل اللجنة الدستورية

أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، يوم أمس (الأربعاء) أنّ الأطراف السورية توصّلت إلى «اتفاق» على تشكيل لجنة لإعداد دستور جديد للبلاد في خطوة تعتبرها المنظمة الدولية مدخلاً أساسياً للعملية السياسية الرامية إلى حل النزاع المستمر منذ أكثر من ثمانية أعوام.

وقال غوتيريش خلال مؤتمر صحافي في مقر الأمم المتحدة في نيويورك: «يوجد الآن اتفاق بين جميع الأطراف على تكوين اللجنة، و(المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا) غير بيدرسن يضع اللمسات النهائية مع الأطراف فيما يتعلق بالاختصاصات». وعبر عن أمله في أن «تكون هذه خطوة مهمة للغاية في تهيئة الظروف لحل سياسي لهذا الصراع المأساوي».

وذكرت وسائل إعلام محلية سورية مقربة من النظام، اليوم (الخميس) أن غير بيدرسون سيصل الأحد المقبل إلى دمشق حيث سيلتقي الاثنين وزير الخارجية وليد المعلم. وإن «بيدرسون سوف يبحث في الإجراءات وآلية عمل (اللجنة الدستورية)، بعد الاتفاق على أسماء هذه (اللجنة) كاملة، وأعضائها ونسب توزع الأطراف المكونة لها».

وتعمل الأمم المتحدة منذ أشهر عديدة على تشكيل هذه اللجنة التي يفترض أن تضم 150 عضواً، يختار النظام خمسين منهم والمعارضة خمسين آخرين بينما يختار المبعوث الخاص للأمم المتحدة الخمسين الباقين لأخذ آراء خبراء وممثّلين للمجتمع المدني في الاعتبار.

ولم يتم الاتفاق بعد على الأسماء في اللائحة الثالثة التي تثير خلافات بين دمشق والأمم المتحدة. إلا أنّ دبلوماسيين أفادوا بأنّ الخلاف بين الطرفين تقلّص خلال الصيف ولم يعد يتعلق سوى باسم واحد فقط على هذه اللائحة.

وتطالب المعارضة بصوغ دستور جديد لسوريا، يرفض النظام ذلك مقترحاً مناقشة الدستور الحالي وإدخال تعديلات عليه.

ويأمل مبعوث الأمم المتحدة الذي تولى مهامه في يناير (كانون الثاني) 2019. أن يتمكن من إحياء عملية السلام المتعثرة بعد أكثر من ثماني سنوات من الحرب في البلاد.

تركيا تحيل عقدة “تحرير الشام” إلى فصائل المعارضة العاجزة/ منهل باريش

اختلف معارضون عسكريون وسياسيون حول تفسير الطرح التركي خلال اجتماع مسؤولي الملف السوري بقادة الفصائل العسكرية في العاصمة أنقرة، الثلاثاء الماضي. وتباينت قراءة الرؤية التركية نفسها للوضع في إدلب واتفاق سوتشي وهو ما يشير إلى أن كلام المسؤولين الأتراك كان في العموميات وفي الإطار العام وهذا مرده إلى أن القمة الثلاثية الروسية التركية الإيرانية ولجانها التقنية الموازية لم تتوصل إلى اتفاق نهائي يخص منطقة خفض التصعيد الرابعة في إدلب وجوارها، أو أن تركيا لا تريد إخبار قادة الفصائل بتفاهماتها الجديدة.

وحذر المسؤولون الأتراك من انهيار اتفاق سوتشي في حال لم يطبق بشكل جدي وتحديدا سحب السلاح الثقيل وخروج الفصائل “الراديكالية” و”المتطرفة” من المنطقة منزوعة السلاح الثقيل.

ونبهوا إلى أن “هيئة تحرير الشام” هي عقدة يجب حلها وعلى الفصائل إيجاد مخرج لها، وهو ما يشير إلى بداية تحول في الموقف التركي وزيادة الضغط السياسي على الهيئة. وهذا يذكّر بموقف تركيا الحازم عندما رفضت “تحرير الشام” نشر نقاط المراقبة التركية، حيث هددت أنقرة بعملية عسكرية ونشرت جيشها على حدود ولاية هاتاي وبدأت بتفكيك الجدار الأمني بين البلدين، ما أجبر قيادة “تحرير الشام” على التراجع وقبول دخول القوات التركية مطلع تشرين الأول (أكتوبر) 2017.

خلافاً لما تم تداوله، فإن أنقرة لم تطرح فكرة التعامل العسكري المباشر مع الرافضين لتطبيق الاتفاق نهائياً. واكتفت بتحميل الفصائل الحرج الذي وضعتها فيه مع موسكو كونها لم تنجح بتطبيق الاتفاق بسبب بقاء المجموعات المتطرفة في المنطقة منزوعة السلاح الثقيل أو ما يعرف بمنطقة الـ20 كم. وحذر المسؤولون من استمرار روسيا في عملية القضم التدريجي إذا لم تلتزم الفصائل بتطبيق الاتفاق وتفتح الطرق الدولية أمام حركة الترانزيت.

وتشترط روسيا وجود قواتها على الطرق الدولية وتسيير دوريات مشتركة مع القوات التركية في المنطقة منزوعة السلاح، بهدف التأكد من إخراج فصائل المعارضة المعتدلة لسلاحها الثقيل من دبابات ومدافع وراجمات الصواريخ، وكذلك استطلاع تبعية المقرات العسكرية والتثبت من أنها تضم مقاتلين يتبعون لـ”الجبهة الوطنية للتحرير” وليس للفصائل “المتطرفة”. ويتطلب هذا الشرط إنضاج آلية معقد ة للغاية تحتاج إلى حصول موسكو على كامل بيانات الفصائل وأسماء مقاتليها، وهذا لن يتم إلا إذا قامت أنقرة بمشاركة قوائم فصائل الجبهة الوطنية التي تدعمها. بذلك فقط تستطيع الشرطة العسكرية الروسية تمييز المقاتلين وانتمائهم، فمسألة تغير الأشكال وإنزال الرايات السوداء للفصائل المصنفة على لوائح الإرهاب أو تغيير لباسها وحلق ذقون مقاتليها لن يجدي نفعاً مع صعوبة المطالب الروسية.

وسيشكل قبول فصائل الجبهة الوطنية تسيير الدوريات المشتركة في المنطقة منزوعة السلاح وعلى الطريقين الدوليين، بداية التطبيع الحقيقي مع القوات الروسية في المرحلة الأولى وقوات النظام في المرحلة الثانية. فتسيير الدوريات وحمايتها سيتم كما جرت العادة مع أمنية فيلق الشام أو فصائل الجبهة الوطنية حسب توزع القطاعات.

ويضاف إلى ذلك، إخطار قادة فصائل “الجبهة الوطنية” إصرار روسيا على تعديل عمق المنطقة منزوعة السلاح الثقيل لتصبح 20 كم طبقا للمتغيرات العسكرية الأخيرة بعد قضم ريف حماة الشمالي وخان شيخون، أي اعتبارا من خط الجبهة الجديد وليس خط ما قبل 5 أيار (مايو ) 2019 قبل بدء العملية العسكرية المشتركة للنظام وحلفائه.  وهو ما يتفق إلى حد كبير مع الشرط الروسي بتوسيع عمق المنطقة الآمنة مطلع الشهر الجاري إلى 30 كم اعتبارا من خط الجبهة الجديد.

بطبيعة الحال، سواء تم التوافق بين الضامنين التركي والروسي على أن تكون المنطقة المعنية 20 كم أو 30 كم، فهذا يعني إعطاء روسيا الحق بتفتيش أكثر ما تبقى من سهل الغاب وريف حماة وريف إدلب الشرقي وريف معرة النعمان وكل الأراضي شرق طريق حلب – دمشق الدولي (M5). هذا فضلا عن جبل التركمان والأكراد وريف حلب الغربي والجيب الصغير الذي يضم عندان وحريتان في ريف حلب الشمالي، وضمان طرد الفصائل المتشددة منها بشكل نهائي، وحصر الفصائل التي لا تقبل بالاتفاق في جيب حدودي صغير شمال مدينة إدلب يشمل سرمدا وحارم وسلقين وكفر تخاريم وجوارهما ومنطقة جبل السماق ذات الغالبية السكانية الدرزية.

على صعيد الحكم المحلي، نقل بعض المعارضين قبول روسيا إدارة منطقة إدلب من قبل الحكومة السورية المؤقتة التابعة للائتلاف الوطني المعارض. في حين أن النظام يصر على عودة مؤسسات “الدولة السورية” إلى كامل منطقة خفض التصعيد، ويشترط كذلك دخول الشرطة المدنية بصفتها السيادية مقابل التخلي المرحلي عن نشر قوات الجيش والمخابرات.  وهذا ما يدفع إلى الاعتقاد أن الحديث عن دخول الحكومة المؤقتة هو مجرد أوهام في رأس بعض المعارضين السوريين، الذين مازالوا يعيشون حالة نكران الهزيمة الحاصلة والواقع الجديد. فنقطة المراقبة التركية في مورك أصبحت محاطة بقوات النظام وطريق إمدادها يمر بين جنود برعاية روسية، وسيكون ذلك حال النقاط الأربع شرق طريق حلب – دمشق. ويغيب عن ذهن الناطقين بهذا الادعاء أن تركيا هي الطرف الضعيف في ذلك الاتفاق، وأنها غير قادرة على تنفيذه حسب ما خبر الجميع منذ توقيعه حتى اليوم.

من الواضح أن ملف إدلب أصبح معلقاً ببقاء هيئة “تحرير الشام” بشكل كامل. لكن تلك الأخيرة تدرك عدم مقدرتها مواجهة الهجوم المدعوم من روسيا، وأن المواجهة هي معركة استنزاف ضدها بشكل رئيسي، فحاولت الزج بالفصائل القاعدية الأخرى كما فعلت في محور سكيك والتمانعة شرق خان شيخون عندما أوكلت مهمة الدفاع عنه لفصيلي حراس الدين وأنصار التوحيد بهدف استنزاف قوتهما هناك، وهو ما حصل بالفعل. وتحاول تحرير الشام تخفيف خسائرها في هذه المرحلة، ويرجح أنها لن تقاتل فيما لو استكمل النظام وروسيا حربهما للسيطرة على ريف إدلب الشرقي ومدينتي سراقب ومعرة النعمان وكامل طريق حلب – دمشق، وهو ما بدأته بسحب مواردها من شرقي الطريق مع وصول النظام إلى خان شيخون.

لقد أصبحت معادلة إدلب بمجاهيل كثيرة، إن لم تصبح مستحيلة الحل. فالصمود في وجه روسيا غير ممكن، والتطبيع معها مرفوض وتطبيق الاتفاق متعلق بخروج تحرير الشام وأخواتها، وفي حال رفضها فإنها لن تستطيع الصمود. كل ذلك سيؤدي إلى استعادة النظام لإدلب، لكن بعد تدميرها وتهجير غالبية سكانها.

القدس العربي

اللجنة الدستورية: بيدرسن يمنح النظام فرصة أخيرة

علمت “المدن” من مصدر ديبلوماسي في نيويورك، أن النظام السوري يضع خمسة عراقيل أمام تشكيل اللجنة الدستورية، قبيل زيارة مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسن، الإثنين، إلى العاصمة دمشق. وذلك، في الوقت الذي طلبت فيه واشنطن والمجموعة المصغرة من بيدرسن، إعلان تشكيل اللجنة وفق تصور الأمم المتحدة، بغض النظر عن موافقة النظام.

وقال الديبلوماسي المطلع على تفاصيل المحادثات الجارية في نيويورك، إن كل الأطراف المعنية بالملف؛ الأمم المتحدة والمجموعة المصغرة والدول الضامنة لأستانة والمعارضة، موافقة على تشكيل اللجنة الدستورية، في حين أن النظام هو الوحيد صاحب الاعتراضات.

ويشير الديبلوماسي إلى أن النظام وضع خمسة عراقيل جديدة أمام الأمم المتحدة في ما يخص اللجنة. وأولى العراقيل تتعلق بأسماء الثلث الثالث من اللجنة، أي قائمة الأمم المتحدة التي تضم مستقلين وممثلين عن المجتمع المدني، بعدما أعلنت موسكو أنه تم التفاهم عليها. النظام أبلغ بيدرسن بعدم موافقته على القائمة الحالية، وأرسل له قائمة بأسماء مقترحة من قبله، بينها وزير واثنان من أعضاء مجلس الشعب.

أما ثاني العراقيل، فهو ما يتعلق بالقواعد الإجرائية، حيث اشترط النظام ألا يكون هناك أي إشارة إلى القرار 2254 ضمن مهام اللجنة، وألا تتم الإشارة إلى أن مهمة اللجنة وضع دستور جديد، ودون ذكر وجود انتخابات بإشراف الأمم المتحدة، ويزعم النظام من خلال هذه الشروط أن هذه القضايا سياديّة، وهو ما يعني إخراج اللجنة من مسار السلام الذي وضعته الأمم المتحدة.

وبحسب ما ذكره المصدر لـ”المدن”، فإن ثالث العراقيل ما يتعلق بدور اللجنة وتأثيرها، إذ أخبر النظامُ بيدرسن أنه يريد اللجنة تحت رعايته هو، لا تحت رعاية الأمم المتحدة، كما أنه لا يريد أن تكون اللجنة الدستورية صاحبة قرار نافذ، بل بمهام استشارية. أما القرار النهائي فيؤخذ في دمشق.

ورابع العراقيل، هو مكان عمل اللجنة، فالنظام لا يريد أن يكون مقرّ عمل اللجنة في جنيف، بل يريد أن تعمل من دمشق، وتنحصر مهمتها باقتراح تعديلات على الدستور الحالي، ووفق الآلية الموجودة الموجودة في الدستور القائم، أي من خلال مجلس الشعب.

في حين أن آخر العراقيل هو رفض النظام في أن يكون للجنة رئاسة مشتركة، واشترط أن تكون الرئاسة له، ومن قائمته.

ووفق معلومات “المدن”، فإن واشنطن والمجموعة المصغرة طالبت بيدرسن أن يعلن تشكيل اللجنة الدستورية نهاية أيلول من منظور دولي، وطالبته أيضاً بأن يدعو إلى اجتماعها الأول في تشرين الأول/أكتوبر، ويكون الاجتماع بمن حضر.

لكن بيدرسن والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، كان لهما رأي آخر، بأن يحاول بيدرسن للمرة الأخيرة مع النظام، الإثنين، ويتبعه لقاء مع هيئة التفاوض في نيويورك، وتكون المعادلة كالتالي: بيدرسن يزور النظام ويُطلعه على تصور الأمم المتحدة، إذا وافق سيتم إعلان اللجنة بموافقة الجميع، وفي حال رفض النظام، فإن بيدرسن يعود إلى نيويورك لإعلان اللجنة وفق تصور الأمم المتحدة.

ويرى الدبلوماسي، أن العلاقة بين النظام والروس في هذا الملف متوترة، خصوصاً أن الروس ذهبوا إلى دمشق لإقناع النظام بقبول تشكيل اللجنة بالتزامن مع مباحثات الدول الضامنة في أنقرة، ويبدو أن موسكو تركت النظام في هذا الملف في مواجهة المجتمع الدولي حين أعلنت من أنقرة أنه تم التوافق على كل ما يتعلق بتشكيل اللجنة الدستورية، وأن إعلانها وبدء عملها سيكون في أقرب وقت.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق