مراجعات كتب

أشكال الشرّ المعاصر:انتقائية التعاطف والعمى الأخلاقي

“من يمتلك القوة يملك الحقيقة، ومن يملك القوة يملك تزييف الوعي، فالأفعال الواحدة قد توصف بأنها أفعال ثائرين أو أفعال إرهابيين، والمنتصر هو الذي يكتب التاريخ، وهذا ما يتناوله هذا الكتاب بالتفصيل”

ضمن سلسلة مؤلفات الفيلسوف وعالم الاجتماع زيغمونت باومان، تقدم “الشبكة العربية للأبحاث والنشر”، كتاباً جديداً له يجمعه في حوار صمم ليكون منشوراً، مع الفيلسوف ليونيداس دونسكيس، تحت عنوان “الشر السائل، العيش مع اللابديل”. يقدم له المترجم حجاج أبو جبر على أنه ليس كتاباً في لاهوت الشر، ولا في دراسة الشياطين، ولا هو من المعالجات الأدبية والسينمائية للشيطان، بل يقول إنه كتاب في سوسيولوجيا العمى الأخلاقي. 

يراه أبو جبر كتاباً ذا أهمية خاصة لنشره في المرحلة الراهنة، حيث تندلع ثورات لإسقاط أنظمة، في محاولة لبعث الأمل بوجود بديل، ولكن لا تلبث أن تقابلها ثورات مضادة تجرد الناس من أحلامهم، وتسلبهم فرصة البديل، وتؤكد حتمية الاستسلام للنظام القائم، وتدفع الثائرين إلى فقدان الإيمان بأن الإنسان يمكن أن يغير شيئاً في العالم. أما الكاتبة هبة رؤوف عزت، والتي تشارك في مقدمة خاصة للكتاب تستخلص أن الشر يكمن في التفاصيل اليومية حتى يبلغ حد الاعتياد، وأن المدن الحديثة هي البوتقة المركزية لصهر القيم والأخلاق والتطبيع مع الشر.

زيغمونت باومن

من الشر الصلب إلى الشر السائل

إذاً، الكتاب هو حوار بين فيلسوفين معاصرين، علماً أن دونسكيس توفي عام 2016، وفي العام التالي، 2017، غادرنا باومان. كأن هذا الحوار وصيتهما، فيركزان بشدة على الانطلاق أولاً من مسألة العمى الأخلاقي، ليصلا تالياً إلى الحديث عن الشر المعاصر في صورته الحديثة السائلة على وجه الخصوص، وهي صورة أكثر رهبة وخطورة من التجليات التاريخية الأخرى للشر، لأنها تتسم بالتمزق والتفكك والانفصال والانتشار. إنها تختلف بشدة عن الصور السابقة التي كانت تتسم بالتركيز والتكثيف والتمركز. لذلك، فكلاهما، باومان ودونسكيس، يرى بأن الشر الحالي السيال لا تدركه الأبصار، بل يتوارى عنها، ويخفي طبيعته وما ينذر به. ويؤكدان أن للشر السائل تلك القدرة الرهيبة على ارتداء أقنعة فعالة، وعلى حشد الهواجس والرغبات الإنسانية في خدمته تحت دعوات زائفة، إنما يصعب للغاية دحضها وإثبات زيفها، في ظل كثرة المتطوعين لخدمتها.

يبدأ دونسكيس بالسؤال عن معنى مفهوم الشر السائل، فكيف يمكن فهمه على أحسن وجه، خصوصاً أنه اليوم يتألف من ظواهر كثيرة ذات سمات وخصائص متعارضة؟ فالشر السائل يرتدي ثوب الخير والحب، وهو يستعرض نفسه كأنه تقدم الحياة المحايد والمتجرد من الأهواء، وكأنه سرعة الحياة غير المسبوقة والتغير الاجتماعي، بما ينطوي عليه من نسيان ومن فقدان للذاكرة الأخلاقية. كما أن الشر السائل يرتدي عباءة غياب البدائل وامتناعها. ويحوّل المواطن مستهلكاً.

الاختلاف الأساسي الذي يراه دونسكيس، بين العقود السابقة والزمن الذي نعيشه، هو أنه سابقاً، كان القول الفصل لدى العالم والباحث في الطب النفسي سيغموند فرويد أن “البيولوجيا هي القدر”. أما الآن فإن القول الفصل لدينا ينطوي على أن “الاقتصاد هو القدر”. لذلك فإن مجتمعنا الحالي تستحوذ عليه نزعات الحتمية والقدرية والتشاؤمية والخوف والهلع، وهو مجتمع ما زال يميل إلى تمجيد إنجازاته الديموقراطية الليبرالية العتيقة، وإن كانت قديمة وخادعة.

يكتب دونسكيس بهذا الخصوص: “إن حريتنا اليوم تنحصر في الاستهلاك والوجاهة. فقدت حريتنا الارتباط بأهم شيء، ألا وهو الإيمان بأنك يمكن أن تغير شيئاً في العالم. نجد أن الاستغلال عبر الدعاية السياسية قادر على اصطناع حاجات الناس ومعايير سعادتهم، بل وعلى اصطناع أبطال العصر والتحكم في خيال الجماهير عبر السير الذاتية الناجحة. لقد صرنا نقول إن موت شخص واحد إنما هو مأساة، أما موت ملايين الناس فهو عملية إحصائية”.

هنا يتدخل باومان، مؤكداً أن الناس فقدوا الاهتمام بالانتخابات والجدل السياسي، لأن ثمة شكوكاً كبيرة لديهم في أن ما يحصل هو لعبة المظاهر الكاذبة، فالساسة يتظاهرون بأنهم يحكمون، بينما أصحاب السلطة الاقتصادية يتظاهرون بأنهم حكام. وحتى تكتمل اللعبة فإن الناس يدفعون أنفسهم مرة كل بضع سنين إلى لجان الانتخابات، ويتظاهرون بأنهم مواطنون. فلا يبقى للحكومات المنتخبة إلا إدارة الإقتصاد.

“إننا نحبذ أن نذوق بؤس الواقع الذي صنعناه على أن نصنع معاً واقعاً توافقياً جديداً” يقول الروائي جون كويتزي.

عام 1942، كتب الروائي الإنكليزي جورج أورويل في مذكرات الحرب، عن انتقائية العدالة الإنسانية والذاكرة والإحساس، قائلاً: “الكل غير أمين، والكل لا يشعر بأي رحمة تجاه من هم خارج النطاق المباشر لمصلحته. والأدهى هو إمكان فتح الرحمة وغلقها مثل الصنبور وفق المصلحة السياسية”.

ببراعة، يصف أورويل عبر أعماله الأدبية والفكرية الانفصال المعاصر عن القيم والأخلاق، أي القدرة المعاصرة على الانتقائية في التعامل مع الألم والمعاناة الإنسانية، والذي يكمن أيضاً في الاستعداد إلى فتح الإحساس وغلقه، كما لو أن التعاطف آلة يشغلها عامل ماهر لا إنسان مدرك وحساس. ويصف أورويل جوهر انتفاء الاستجابة الأخلاقية، adiaphora، بأنه القبول الصامت بالتخلي عن البعد الأخلاقي ورفضه في المعاملات البشرية. أما الفيلسوف إيمانويل ليفيناس، فينبه إلى عدم جواز استخلاص أخلاقية الأفعال من حاجات المجتمع، وضرورة وضع المجتمع في قفص الاتهام في محكمة الأخلاقيات. وهذا هو ما دفع الباحثة السياسية اليهودية حنة آرندت أيضاً إلى القول إن الطريق الوحيد إلى الحفاظ على الأخلاق هو العصيان، أي أن توضع أوامر الأخلاق فوق جميع الأوامر الأخرى مهما كان الثمن.

لكن برأي باومان، حدثت تطورات جوهرية مذ قال ليفيناس ما قاله أو مذ قالت آرندت ما قالته. إن ما حدث منذ ذلك الوقت شيء مهم، وهو الانتقال من الحداثة الصلبة إلى الحداثة السائلة، من مجتمع المنتجين إلى مجتمع المستهلكين، من الكيان السياسي الجامع إلى الاحتفاء بالنزعة الفردية، ومن مجتمع الضبط والانضباط إلى مجتمع نزع الضوابط والقيود. إن الأزمنة التي نعيشها هي أزمنة أزمة السيادة، سواء في صورتها الإلهية الأصلية أو في أصواتها المُعلمنة المعدلة.

مقولات مثل، “اصطد ما يمكنك أن تصطاده واستعن بذلك بكل الطرائق والوسائل”، “الفائز يصطاد كل شيء”، “اعتنِ بصيدك ولا تبال بغيرك”، تجعل الشر اليوم يسكن في بيوت آمنة، ويصعب تحديد موقعه وكشفه وإخراجه وطرده. الشر يظهر فجأة بلا سابق إنذار، ويضرب بعشوائية بلا منطق أو نظام. والنتيجة هي بيئة اجتماعية تشبه حقل ألغام نعلم أنه يعج بمواد متفجرة، ونعلم يقيناً أن المتفجرات ستنفجر عاجلاً أم آجلاً، لكننا لا نستطيع أن نخمن زمان انفجارها ولا مكانه.

صناعة الأسلحة وصناعة الإعلام

يقدم باومان مثالاً من واقعنا الراهن، وهو مجال صناعة الأسلحة التي تطمع إلى تحقيق الأرباح، وتلقى تأيداً كبيراً من الساسة الطامعين في تحقيق أرقام عالية من الناتج القومي الإجمالي. كذلك مجال صناعة وسائل الإعلام المتقدمة التي تطمع أيضاً إلى تحقيق أعلى الأرباح، وأعلى نسب المشاهدة، يكتب باومان في هذا الخصوص: “صور العنف وقصصه هي من بين أكثر البضائع الرائجة التي تعرضها صناعة وسائل الإعلام، وكلما زادت تلك الصور والقصص وحشية وفظاعة ودموية، كان ذلك أفضل”.

في كتابه “تأمل آخر لخطورة الأخطار الراهنة”، يبرهن الفيلسوف النرويجي “آرن فتليزن”، أن الإنسانية لطالما تعاملت مع الطبيعة على أنها مجرد وسيلة لغايات متمركزة حول البشر، وبيّن أن التطورات في المعرفة العلمية والخبرة التكنولوجية التي نسميها اختصاراً “التقدم”، إنما تدمر الظروف اللازمة للبقاء البشري الجمعي.

ليونيداس دونسكيس

دور الكاتب في الأخلاق الإنسانية

أما الروائي والباحث الألماني إلياس كانيتي فيستشهد بعبارة قالها كاتب مجهول عام 1939: “انتهى الأمر، فلو أنني كاتب حقيقي لكان بوسعي أن أمنع الحرب”. إن هذه العبارة تجعل من الكاتب الحقيقي هو ذاك الذي يسعى بكلماته إلى التمييز بين السلام والكارثة، فما يجعل الكاتب كاتباً حقيقاً هو تأثير كلماته في الواقع المعيش، أو كما يكتب كانيتي: “الرغبة في تحمل المسؤولية عن كل شيء يمكن التعبير عنها بالكلمات، والتكفير عن فشل الكلمات”. ويضيف: “إن عالمنا لا يبدو مرحباً بالكتاب الحقيقيين، بل يبدو محصناً جيداً، لا ضد الكوارث، بل ضد رسلها المنذرين النادرين للغاية”.

بين الشمولية الخشنة والديموقراطية الناعمة

في حوارهما، يحاول باومان ودونسكيس تحليل طرائق التلاعب بالمواطنين، كيفية اختلافها بين المنظومتين الديكتاتورية والديموقراطية، وهو الفرق بين القوة الخشنة والقوة الناعمة. القوة الخشنة في الأنظمة الديكتاتورية، هي قوة الإكراه والقسر، وهي تقوم على تقليص الاختيارات المتاحة وزيادة العراقيل أمام تلك غير المرغوبة واستخدام القوة والتهديد. أما في النظم الديموقراطية، فتُبنى القوة الناعمة عبر الإغراءات التي هي السمة المميزة لاستراتيجية السيطرة التي تمارسها. إذاً، في النظم الديكتاتورية، استخدام القوة هو المكون الأساسي لاستراتيجية السيطرة. أما النظم الديموقراطية فتحبذ القوة الناعمة للسيطرة الأقل كلفة إلى حد كبير، وهي قوة الإغراء والإغواء.

يتفق باومان ودونسكيس على بأن أورويل هو النبي الحقيقي الذي أنذر بقدوم الشمولية. كان أورويل يؤمن بأولوية الإنسانية على الأيديولوجيا وعلوها عليها، وليس العكس. لقد صارت نبوءاته الثاقبة في روايته “1948” تاريخاً واقعياً، جسد رؤيته السوداوية لموت الخصوصية واستعمار الحياة الجنسية الإنسانية، والسيطرة النهائية على الناس عبر طغيان شاشة التلفزيون. أما في مذكراته فيسأل أورويل: “متى وكيف فقدنا إيماننا بالإنسانية؟”، ليستخلص أن أحد أفظع الأمور التي يمكن أن يمر فيها الإنسان هو انهيار المثل العليا التي يؤمن بها. ويرى أورويل في الخوف أشد تهديد ينزع إنسانية الإنسان، ويمكن أن يفضي الخوف إلى انهيار المجتمع باعتباره نقطة التقاء وجودية. أما باومان فيضيف في عبارة عن دور الخوف في السياسات الحديثة: “الخوف والكراهية كالتوائم السيامية الملتصقة، ولا يستطيع الواحد أن يمشي دون الآخر”.

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق