سياسة

عن تطورات الموقف الروسي في سورية -مقالات مختارة-

الفصل الروسي من “الليل السوري الطويل”/ وضاح شرارة

“توّج” الإحجام الأميركي والغربي عن الرد على تجاوز بشار الأسد حظر استعمال السلاح الكيماوي، وقصفه غوطة دمشق الشرقية في صيف 2013، الفصلَ الأول من “الحروب” السورية الأهلية والاقليمية المتمادية (مقال الكاتب في المدن، الليل السوري الطويل… في رواية سياسية متماسكة، تعليقاً على كتاب سفير فرنسا في دمشق الليل السوري الطويل). وترتب على الإحجام والتجاوز انعطاف المواجهات العسكرية، على طول الأراضي السورية وعرضها، نحو نزاع أهلي ومذهبي تخطى الحدود السورية إلى لبنان (استيلاء “حزب الله” على القصير والقلمون) والعراق (استيلاء تنظيم “الدولة الاسلامية” على الموصل بعد الرقة وإعلانه “دولته”)، وإلى الأردن وتركيا على وجوه متفرقة. وبين أوائل 2014 وأيلول/سبتمبر 2015، تاريخ انخراط روسيا بوتين في حماية “دولة” بشار الأسد وبداية الفصل الروسي من الحروب الدائرة، تعاقبت حوادث متفاوتة الخطورة أدى بعضها إلى تعقيد المسألة السورية فوق تعقيدها السابق.

فحين زحفت قوات “داعش” على كوباني الكردية، على الحدود بين سوريا وتركيا، وصدتها قوات “حماية الشعب” الكردية، وتولى طيران الدول الغربية المتحالفة ترجيح كفة المدافعين وهزيمة المهاجمين، المنتصرين إلى يومها، نفخ الانتصار في نفوس الكرد المحليين، وكرد البلدان الأربعة الاقليمية التي تتقاسمهم، الأمل في إنشاء كيان قومي خاص على صورة من الصور الحقوقية والسياسية المتاحة. فأثارت الواقعة- وهي توجت الروافد الكردية مجتمعة، من العراق القريب ومن الجوار التركي، إلى سوريا وإيران، بأكاليل الشجاعة والصمود والمناعة- حفيظة تركيا وخوفها من الشقاق الكردي والمسلح الداخلي. وظهرت على السياسة التركية الداخلية والإقليمية، علامات تصلب حملتها على تيسير دخول الداعشيين، المتقاطرين من أوروبا والمغرب وآسيا الوسطى والقوقاز الروسي، الأراضي السورية من بوابة تركيا.

ولم يحُل ذلك، في مرحلة أولى، دون تماسك الجيش السوري الحر، وإعلانه الحرب على “الدولة”. وأسعفه اعلان الحرب ووحده وشد أواصره المتراخية، وأمكنه من انتزاع إدلب وحلب من الاسلاميين الغلاة. ويلاحظ دوكلو، آسفاً، أن هذا الانجاز لم يدعُ من يسميهم “الغربيين” إلى تقدير الجيش الحر حق قدره، ومساواته بالمقاتلين الكرد. وأتاحت الصواريخ المضادة للدروع، من طراز تاو، التي تفضلت بها قوى إقليمية على الجيش الحر، ولم يعارض الأميركيون تسليمها، اعتراض تقدم قوات النظام، ودخول إدلب، وإنشاء “جبهة الجنوب” برعاية أردنية. ولم يدم التموين الأميركي البخيل وقتاً طويلاً. ويعزوه بعضهم إلى تحفظ شطر من إدارة أوباما على سياسته السورية. فجف تدريجاً، واشترط أصحابه على السوريين قصر قتالهم على “الدولة” وترك قتال أنصار “دولة” بشار الأسد.

وتعود عولمة الحرب في سوريا إلى هذا الفصل. وعواملها ستة:

1) بروز تهديد “جهادي” عالمي (من ثمراته المباشرة العمليات الارهابية التي طاولت فرنسا وبلداناً أخرى في أوائل 2015).

2) إقدام الولايات المتحدة وبعض حلفائها على قصف وادي الفرات قصفاً متصلاً.

3) فتح جبهة حرب “تركيا على الكرد”.

4) إرسال الحرس الثوري الإيراني آلاف “المتطوعين”، بعد انخراط جماعات عراقية شيعية في القتال منذ 2012، واشتراك “حزب الله” اللبناني وبعض الهزارة الأفغان في 2013.

5) توزيع أطراف غربية وتركية وعربية مساعدات عسكرية وغير عسكرية على منظمات مقاتلة متفرقة.

6) إتمام التدخل العسكري الروسي الضخم، في أواخر صيف 2015، التوجه إلى عولمة “الحروب السورية”.

ويعلل “أصدقاء” السفير الفرنسي السابق “الروس” (يكتب: “أصدقائي الروس”، ص 122)، انخراط بوتين في الحرب الدائرة منذ 4 سنوات ونصف السنة بأسباب، متضافرة يلخصها على النحو التالي: إنقاذ بشار الأسد المتهاوي، واستباق الفوضى العارمة (“سيناريو كابول”، في 1992) التي يتوقع أن تعقب سقوط دمشق وأن ينجم عنها حرية تنقل “الجهاديين” الناطقين بالروسية بين القوقاز وآسيا الوسطى والمشرق، واختبار القوات المسلحة الروسية قدراتها الميدانية بعد تحديثها منذ الحرب على جورجيا (في آب/أغسطس 2008)، وأخيراً رد الاعتبار إلى مكانة موسكو الديبلوماسية التي امتحنها ضم القرم في 2014، ونفخ في عُظامها، وعزلها بعض الشيء معاً. ولعل بوتين لم يتوقع الحصاد الكبير الذي جناه من انخراطه، غير أنه راهن من غير شك على ربح أكيد يترتب على “عودة” روسية طرفاً في أزمة إقليمية ودولية متفاقمة.

وأدرك بوتين أن ضعف إدارة أوباما واستحواذ همّ قتال “الجهاديين” على الغربيين، فرصة في مستطاعه انتهازها من غير مخاطرة. وكان الرد الغربي الأول على التدخل الروسي هو السعي في عقد اتفاق يقضي بتجنب الصدام بين قوات الطرفين. وبسط الروس سريعاً سيطرتهم على المجال الجوي السوري، واضطر الغربيون إلى رهن طلعاتهم ومهماتهم بموافقة الروس وشروطهم. وهذه حال بالغة الغرابة إذا احتسب المراقب الخلل الكبير في ميزان القوتين: فقوة الغربيين تفوق بما لا يقاس القوة الروسية، محلياً، في الشرق الاوسط، ودولياً.

والحرب في سوريا حرب قذرة، على نحو من العسير تصوره في القرن الواحد والعشرين. فـ”دولة” بشار الأسد تتوسل بالتعذيب على نطاق قلّ نظيره، وتجوّع السوريين وتضرب الحصار على المدن على ما كان الفاتحون يصنعون في قرون ماضية، وتطهر البلاد التي تستردها تطهيراً سياسياً وإتنياً لا هوادة فيه. وسمع السفير الفرنسي السابق، على ما يروي، شخصيات بارزة تعلن أسفاً بالغاً على سكوت أقطاب عرب ومسلمين عن فظائع حرب اختصرها هؤلاء في تورط إيران وتوريطها. ولاحظ آخرون أن الإيرانيين رموا في أتون الحرب آلاف المساكين الشيعة، من باكستانيين وعراقيين وهزارة أفغان ولبنانيين، لقاء مرتب شهري يعين أسرهم على البقاء. وعلى المثال الشيشاني السابق، تكيف الروس مع حرب متوحشة، فقصفوا الأبنية المدنية والعسكرية قصفاً مدمراً، واستهدفوا أولاً الجيش السوري الحر وتشكيلاته، والمستشفيات والمدارس. وأدى القصف إلى نزوح السكان المقيمين في مناطق المعارضة. ووسع قوات الأسد، والميليشيات الشيعية المناصرة، الاستيلاء على آخر أحياء حمص في كانون الأول (ديسمبر)، وعلى داريا في آب 2016، ومعظم “سوريا المفيدة” (محور دمشق-حمص-حلب إلى الساحل المتوسطي)، تحت العباءة العسكرية الروسية.

وغاب عن الغربيين، في الأثناء، خروج السوريين على الطاغية. وعلق بأذهانهم وعقول أصحاب القرار منهم اقتصار الحرب على “داعش” وصدارة هذه الحرب. واضطرت الجماعات التي تؤيدها الولايات المتحدة وبعض الدول الاقليمية إلى كف حربها على “الدولة” ونظامها، وتحولت “حرس حدود” لبعض دول المنطقة، على قول مقاتلين من هذه الجماعات. وسيطرت كتائب الجيش الحر وجبهة النصرة (جبهة تحرير الشام) على محافظة إدلب وتحالف الفريقان نهاراً واقتتلا ليلاً.

وجمع بوتين في الحرب الهجينة التي يخوضها القوات النظامية إلى القوات غير النظامية، والعمليات العسكرية إلى العمليات الاعلامية، والقوة الخشنة إلى القوة الناعمة. وشن هجوماً ديبلوماسياً في نيويورك في موازاة هجمات طيرانه على المدن والسكان وبعض جماعات المسلحين. ونقل المفاوضات واللقاءات من جنيف إلى فيينا. وأسهم نشاط جون كيري، الأميركي، في تشبيه عمل سياسي دولي. ولاحق وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، وألح في كتابة القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن في 8/12/2015. وكان كوفي أنان، ممثل الأمم المتحدة والجامعة العربية الخاص يومها، استصدر في حزيران/ يونيو 2012 قراراً يلزم الحكم بمرحلة “انتقالية”، مؤداها الفعلي رحيل بشار الاسد. وعلى خلاف قرار 2012، خلا قرار 2015 من الاشارة الى “انتقال” السلطة وإجلاء الطاغية عنها.

ومذ ذاك، اقتصرت القرارات التالية على دعوات إلى وقف النار. وتوالت الاتفاقات في هذا الشأن، وتوالت انتهاكاتها بعد أسابيع قليلة وأحياناً بعد أيام. وانتهت مفاوضات عسيرة بين الاميركيين والروس، في النصف الثاني من 2016، إلى رسم إطار عريض يرعى هدنة متدرجة. وارتكب سلاح الجو الأميركي خطأ قضى جراءه عشرات من جنود النظام، ورد الروس بقصف قافلة إغاثة. فتخفف الفريقان من الاتفاق، ومهد التخلي عنه الطريق إلى الهجوم النظامي- الروسي – الايراني على حلب، وسقوطها في الشهر الأخير من 2016.

وأعقب الانخراطُ التركي الانخراط الروسي. وشهدت علاقات الدولتين بين تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، تاريخ إسقاط سلاح الجو التركي طائرة عسكرية روسية، وبين منتصف تموز/يوليو 2016، تاريخ محاولة الانقلاب على أردوغان، تجاذباً حاداً وعقوبات روسية كادت تؤدي إلى القطيعة على رغم حجم المصالح المشتركة الكبير. واستعجل بوتين إظهار انحيازه إلى أردوغان آن تلكأ الغربيون. والتقى الرئيسان في آب. وفي أواخر الشهر دخلت القوات التركية أراضي سورية، وبلغت عفرين، وحالت بين الكرد وبين توسيع إقليمهم، وسقطت حلب في الأثناء، وانضمت الفصائل السورية المرابطة هناك إلى الحملة التركية، وقصد بعض المحاصرين في حلب إدلب ومحافظتها.

وغداة حلب، لم يبق شاغل للغربيين غير الحرب على “دولة” الإسلاميين. وافتقروا إلى أضعف مقومات استراتيجية في المسألة السورية والحرب الأهلية الدائرة على الأرض وفي بعض الجوار. ومضى بوتين على جمع المعالجة السياسية إلى المعالجة العسكرية. فساند الأسد في بسط سيطرته على الأراضي التي ينتزعها من المعارضة. وشق مسار آستانا، ونسق بين سياسات إيران وتركيا وروسيا، وأخرج الغربيين من مناقشة المسألة السورية. وتولى ثلاثي آستانا “ضمان” خفض التصعيد في دمشق ودرعا والرستن (أيار/مايو 2017)، ورعى “مصالحات” أنكرها النظام، ووَسِع “الضامنين” التنصل منها حال وصف فريق من مقاتلي المعارضة بـ”التكفير” أو “الإرهاب”.

ونجاح موسكو العسكري لم يوازه ولا كافأه نجاح سياسي (والقرينة اليتيمة على خطوة سياسية هي الانتهاء، قبل أسبوع واحد من نشر المدن هذه العجالة، من تشكيل اللجنة الدستورية المنتظرة منذ أوائل 2018، تاريخ انعقاد مؤتمر سوتشي، ولكن الفراغ من الإجراء لا يضمن أداء اللجنة وظيفتها الحائرة: تعديل الدستور “المعدل” في 2012 أم كتابة دستور جديد). ومع سقوط الغوطة ودرعا، في ربيع 2018، أنجز الروس وضع يد “دولة” الأسد على “سوريا المفيدة”. ونظير هذا، حرر الائتلاف المناهض لـ”داعش” الرقة في تشرين الأول 2017. ويعتصم الكرد بوطن روجافا. ومنذ أوائل 2018 تَصلي أطراف آستانا بعضهم بعضاً مباشرة أو بالواسطة، معارك فرعية تخوضها قوات النظام والميليشيات الكثيرة المؤتمرة بأمر الأقطاب. وفي الأثناء، يشن سلاح الجو الاسرائيلي هجمات متصلة على مواقع إيرانية منتشرة على الاراضي السورية، ومنذ وقت وجيز على الأراضي العراقية واللبنانية المتاخمة. وعلى هذا بلغت عولمة “الحرب” السورية مدى لا تحصره قوة واحدة، ولا ائتلاف قوى. وبلغت حداً من التعقيد يفيض عن الخطوط الاستراتيجية المتماسكة والمقدرة.

*****

ولعل مصائر “الحروب” السورية في الأعوام الثمانية- التسعة المنصرمة تمثيل على مآلات النزاعات في عالم متعدد الأقطاب، خَلَف عالم “القوة القصوى” الذي تربعت الولايات المتحدة في سدته طوال العقد ونصف العقد تقريباً. ولا يخفى أن دعاة تعدد الأقطاب- ويتصدرهم دعاة روس فيهم ألكسندر دوغين، أحد “مرشدي” بوتين الاوراسي، والمحاضر في بيروت تلبية لدعوة جهة أو جهات قريبة من “حزب الله”- يحملون التعدد الذي يتصدرون الدعوة إليه على علاج الظلم الفادح الناجم عن السيطرة الغربية. ولكنهم يسكتون عن أن “الأقطاب” الخارجين على الامبراطورية (الأميركية) هم امبراطوريات شرهة وساحقة. ويترتب على “تحررهم” من الغرب، على المثال الإيراني الضعيف وقبله المثال الروسي القوي الجلف، سحق جوارهم القريب، واحتلاله واستنزافه، وتصديع مقومات اجتماعه السياسي ومجتمعه أولاً.

المدن

واشنطن ترفض شرعنة الدور الروسي في سوريا دون حلّ سياسي/ رانيا مصطفى

تسابق موسكو الزمن في تنفيذ استراتيجيتها في سوريا، لفرض نظام الأسد، كأمر واقع، رغم أنه لا يسيطر إلا على 60 بالمئة من الأراضي السورية، وذلك عبر ابتسار مقررات جنيف1، والقرار الأممي 2254، بإصلاحات دستورية، تعيد إنتاج النظام، بمشاركة صورية من المعارضة، وبالتنسيق مع أنقرة، مستغلة رفضها للأجندات الانفصالية الكردية شرق الفرات، وبعد أن حشرتها في زاوية ضيقة من ملف إدلب، بين مطرقة القبول بالشروط الروسية بفتح الطرق الدولية، وإنهاء ملف تحرير الشام وبقية الجهاديين، وسندان عودة الهجوم العنيف وقضم مناطق المعارضة والتسبب بأزمة نزوح تفوق احتمال تركيا.

في نفس توقيت الإعلان عن تشكيل لجنة دستورية، وفق وصفة مؤتمر سوتشي الروسي لـ”الحوار الوطني” المنعقد في مطلع 2018، صدرت ردود أفعال أميركية رافضة للخطوة الروسية، وإن كانت برعاية أممية؛ فقد أكد مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي، أن نظام الأسد مسؤول عن ارتكاب المجازر، وأنه استخدم غاز الكلورين في 9 مايو في هجوم على إدلب، وهو “تحت الأضواء” لاستخدامه الأسلحة الكيميائية، ويعتمد على شبكات دعم غير مشروعة للبقاء في السلطة، وأن الولايات المتحدة ستواصل الضغط على “النظام الخبيث”، خاصة بسبب العلاقات التي تربطه بالنظام الإيراني. هذا عدا ملف العقوبات على النظام السوري، والتي تنتظر توقيع الرئيس ترامب، وأهمها “قانون سيزار” و”قانون محاسبة الأسد”.

وفي التوقيت نفسه، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عن عقوبات على ثلاثة أفراد وخمس سفن شحن وشركة وهمية مقرها موسكو، شاركت في نقل الأموال والوقود إلى القوات الروسية التي تدعم نظام الأسد.

ومنذ أيام، أصدر “معهد السلام الأميركي”، عبر المجموعة الخاصة بسوريا، وبطلب من الكونغرس، توصيات حول السياسة الأميركية في سوريا، تصوب الاستراتيجية الأميركية المترنحة بين الانسحاب من سوريا والشرق الأوسط وضرورة حماية المصالح الأميركية.

حيث وجد التقرير أن الانسحاب دون تحقيق انتقال سياسي سيقوّي عودة داعش في سوريا والعراق، ويوسّع النفوذ الإيراني إلى شرق الفرات، ويساهم في فتح ممر إيراني عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

وجدت الولايات المتحدة نفسها في مأزق متعدد الجوانب حيال دورها الممكن في تغيير مجرى الصراع في سوريا باتجاه حل يحقق مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة.

فأولاً؛ كانت واشنطن تخشى من انتقال فوضى الاحتجاجات والحرب المرافقة لها إلى دول الجوار، بحيث تصعب السيطرة عليها، وهي تريد حماية مصالحها في العراق، ومصالح حلفائها في الخليج العربي، ومصلحة إسرائيل وأمنها.

وثانياً؛ تعوّل واشنطن على قوات سوريا الديمقراطية لمحاربة داعش ومنع عودتها، وبالتالي هي مضطرة لإبقاء التحالف معها، حتى التوصل إلى حل سياسي. والمشكلة أن قوات سوريا الديمقراطية وعبر مجلسها المدني، عجزت عن فرض نفسها كقوة صالحة للحكم، وما زالت حدة التوترات تتصاعد مع القبائل العربية، نتيجة سياسات التمييز والانتهاكات التي تقوم بها الوحدات الكردية في مناطق سيطرتها.

ثالثاً؛ الأزمة السورية تسببت بتوترات عميقة مع الحليف التركي، ما أدى إلى تقاربه مع روسيا، عبر تحالفات أستانة، واتفاقات خفض التصعيد والمصالحة، وصولاً إلى إتمام صفقة أس-400، والتلويح بإمكانية شراء طائرات السوخوي الروسية. في حين فشلت المحاولات الأميركية لإقناع تركيا بآلية أمنية بدلاً من المنطقة الأمنية العريضة التي تريد أنقرة خلوها من وحدات الحماية الكردية وسلاحها، وأن تكون تحت سيطرتها.

وتعيق الولايات المتحدة المضي بمنطقة آمنة، ترضي الأتراك بعد فشلهم في إدارة مناطق “عفرين” و”درع الفرات”، واستمرار انتهاكات الفصائل المرتبطة بها بحق السكان، وعدم تقديم سياسة تنموية تحقق الاستقرار.

إضافة إلى استمرار الحشد التركي على الحدود السورية، والتهديدات بشن هجوم على شرق الفرات، الأمر الذي يدفع الولايات المتحدة إلى المزيد من الدعم المالي والتسليح لقوات سوريا الديمقراطية لردع التدخل التركي، ما يعني المزيد من الانهماك الأميركي في الملف السوري، الأمر الذي سيؤثر أكثر على العلاقات الأميركية التركية خارج سوريا، خاصة شراكتهما في حلف شمال الأطلسي، واتفاقيات الدفاع المشترك، التي تتعرض لهزّات كبيرة، مع استمرار حصول أنقرة على منظومات ردع روسية.

رابعاً؛ التوغل الإيراني، العسكري والسياسي والاقتصادي والثقافي، في سوريا، والذي يبدو للولايات المتحدة أن المنافسة الروسية – الإيرانية ضمن دوائر النظام لم تصل إلى درجة حسم موسكو موقفها باتجاه منع التوغل الإيراني، ويبدو أنه ورقة بيد روسيا للضغط على أميركا لتقديم التنازلات في ما يتعلق بالموقف من النظام وسحب العقوبات وعودة العلاقات الدولية والإقليمية معه.

خامساً؛ تواجد فصائل تابعة لتنظيم القاعدة في سوريا، وترك حسمها رهناً للتوافقات التركية الروسية، ما يزيد فرصة تناميها، خاصة أن هيئة تحرير الشام – جبهة النصرة المسيطرة على إدلب، والتي شكلت حكومة إنقاذ تابعة لها، تضمّ في صفوفها جهاديين أجانب، ولم تتخلّ عن الفكر الجهادي. وقد قام التحالف بضرب مقر لتنظيم حراس الدين في إدلب، في رسالة عن نية للتدخل وإنهاء هذه التنظيمات، قبل أن تتحول المنطقة إلى أفغانستان جديدة.

تواجه واشنطن طهرانَ في سوريا عبر دعمها للضربات الإسرائيلية التي تحدّ من تجذّر القواعد والمقرات العسكرية لإيران وحلفائها في سوريا، وعبر استمرارها بسياسة العقوبات على نظام الأسد وإيران ومن يدعمهما. لكن هذا غير كافٍ لردع إيران، كما أن الصراع ينبئ بإمكانية اندلاع حرب إيرانية – إسرائيلية في الجولان لا تريدها واشنطن.

رغم تخبط الاستراتيجية الأميركية في سوريا، بين الانسحاب والمخاوف من فقدان السيطرة على المنطقة، ومن انتقال التوتر إلى بلدان أخرى، تبدو الولايات المتحدة غير مستعجلة على فرض حلّ سياسي وفق مقررات جنيف1، وهي ما زالت تنتهج سياسة وضع العصي في عجلة المحاولات الروسية لتمرير ملفات تتعلق بعودة الاعتراف بالنظام والتطبيع معه، خاصة في ما يتعلق بتمويل إعادة الإعمار. فيما تشكل المساعي الإسرائيلية للتقريب بين الروس والأميركيين باتجاه حل وسط، بطرد الميليشيات الإيرانية، والقبول بإعادة الإعمار وعودة اللاجئين في ظل نظام الأسد، بوابة لحل يحقق المصالح الإسرائيلية بإبعاد ميليشيات إيران عن حدودها مع سوريا ولبنان أولاً، وتقليص الدور التركي “الأردوغاني” في سوريا، غير المحبب لإسرائيل.

العرب

«المشهد السوري» من موسكو: الجيش والدولة في كل شبر… ثم انتخابات: أوساط روسية تؤكد أهمية «من يأتي» بدل التركيز على «من يرحل» من القصر/ إبراهيم حميدي

لموسكو «منطقها» في سوريا. يمكن الاتفاق معه، أو الاختلاف معه. لكن لم يعد ممكناً تجاهله. بعد التدخل العسكري المباشر في سوريا، بات صعباً عدم الإصغاء إلى المقاربة الروسية على تعقيداتها وقواعدها.

في الصورة الواسعة لـ«الشرق الأوسط»، لم تكن موسكو من المرحبين بما يُعرف بـ«الربيع العربي». ذكّرها بـ«ثورات ملوّنة» وتغييرات في الفلك السوفياتي قبل عقدين. بالنسبة إليها ليس مهماً «من يرحل» من الحكام العرب بفعل الاحتجاجات أو التدخل الخارجي، بل «من يأتي» حاكماً. تستخدم تجربة حلّ الجيش العراقي بعد حرب 2003 لـ«التمسك بمؤسسة الجيش وانتشارها في جميع الأراضي». تتمسك بـ«شرعية الحاكم»، وأن يكون تغييره «عبر صناديق الاقتراع». تقول إنها متمسكة بـ«سيادة الدولة على كل أراضيها».

«ما حصل» بعد الإطاحة بصدام حسين نتيجة التدخل الأميركي و«من جاء» بعد تغيير معمر القذافي بتدخل غربي، سلاح روسي في المبارزات الدبلوماسية مع الدول الغربية بالنسبة إلى الموضوع السوري. منذ بداية 2011، لم تكن موسكو متحمسة للاحتجاجات، ولم تكن منخرطة في الحوار الدبلوماسي. الرئيس فلاديمير بوتين «لم يكن يعرف» الرئيس بشار الأسد الذي كان، في المقابل، معروفاً من القادة الغربيين وفي العواصم الأوروبية. بعد 5 سنوات من تسلمه الحكم، قام بأول زيارة إلى موسكو في 2005. كان قبل ذلك قد زار باريس ولندن ومدريد وروما وبرلين. كان الدبلوماسيون الروس في 2011 و2012 يتلمسون تطورات «الربيع العربي» في تونس ومصر وليبيا وغيرها. قام مسؤولون روس بزيارة دمشق، واستقبلت موسكو مسؤولين في المعارضة السورية، خصوصاً أن كثيراً منهم من خلفيات شيوعية ويسارية، (كانت قريبة من أفكار الاتحاد السوفياتي السابق).

منذ البداية، كانت موسكو تسأل محاوريها: «هل لدى الأسد مؤيدون؟ وماذا يحصل بعد رحيله؟». أحد هؤلاء أجاب في العام 2012 بأن 10 إلى 15 في المائة فقط من السوريين يؤيدون الأسد. وكانت موسكو ترد بالقول: «الحل ليس بالبندقية، بل بصندوق الاقتراع. الانتخابات. دعونا نركز على الانتخابات، مع ضمان أعلى معايير الشفافية، برقابة الأمم المتحدة». وتضيف: «لا بد من تشجيع السوريين على الحوار فيما بينهم، للوصول إلى آلية للانتخابات بقرارهم والمفاوضات بينهم».

في يونيو (حزيران) 2012، عُقد في جنيف اجتماع دولي إقليمي، برئاسة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ووزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، والمبعوث الأممي سابق كوفي أنان.

العبارة الرئيسة في «بيان جنيف» كانت الدعوة إلى تشكيل «هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة». لكن قبل أن يجفّ حبر البيان، ظهر خلاف بين موسكو وواشنطن في تفسير البيان حول دور «الأيدي الملطخة بالدماء» في هذه «الهيئة». كان هذا واضحاً في موقف لافروف وكلينتون. وعندما «عاتبت» موسكو واشنطن في السنتين اللاحقتين عن أسباب المضي في تنفيذ «بيان جنيف»، كان الرد الأميركي: «إننا نختلف في تفسير بيان جنيف. نحن لا نقبل أن يكون للأسد دور في المرحلة الانتقالية، وأنتم متمسكون به».

الردّ الروسي كان وقتذاك: «ليس لدينا تفسير لبيان جنيف. لندع السوريين يجتمعون ويبحثون في تفسير البيان. أنتم ونحن ندعم ما يتفق عليه السوريون. دورنا تشجيع الحوار السوري – السوري». موسكو سمعت من حلفاء المعارضة أن «الأسد فقد الشرعية»، فعلّق مسؤولون روس: «القول إن الأسد فقد الشرعية يعني أن الدولة فقدت الشرعية، وتم فتح الباب للتدخلات الخارجية، ويعني أن زعيم (داعش) أبو بكر البغدادي كسب الشرعية».

«الأهم أن نعرف من يأتي قبل أن نعرف من يرحل». كانت هذه عبارة الروس خلال مسيرة «الربيع العربي» إلى أن وصلت إلى سوريا في منتصف العام 2015. القراءة الروسية كانت: «(داعش) على أبواب دمشق. سقوط النظام يعني صعود (داعش). لو ذهب الأسد، فإن البغدادي خليفته. البغدادي كان مستعداً لنقل عاصمته من الرقة إلى دمشق، ومدّ مناطق تنظيمه إلى بغداد وبيروت وبقية العواصم العربية».

«لم يكن هناك بديل من التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا لإنقاذ الدولة، ومنع سقوطها في أيدي (داعش)». في سبتمبر (أيلول) 2015، كان ذلك لـ«منع تكرار ما هو أسوأ من سيناريو العراق وليبيا»، بحسب وجهة النظر الروسية.

بالفعل، تدخلت موسكو عسكرياً، ودعمت «الجيش السوري» في استعادة المناطق الخارجة عن سيطرته، واحدة بعد أخرى، وإزالة البنـى التحتية وهزيمة المجتمع المدني في مناطق المعارضة، طالما أن موسكو لديها «حساسية خاصة من هذه المنظمات»، في ضوء تجربة أوروبا الشرقية، ذلك «أننا نفضل العلاقة عبر الدولة ومؤسساتها، وليس عبر لاعبين غير رسميين». هنا، استطراداً، فإن «من يريد إخراج (حزب الله) وميليشيات إيران من سوريا، عليه أن يقوّي الجيش السوري كي ينتشر في كل الأراضي السورية».

بين 2015 و2019، رفعت مناطق السيطرة من 10 و15 في المائة إلى 62 في المائة من سوريا. رعت موسكو اتفاقات «خفض التصعيد» في غوطة دمشق وريف حمص وجنوب سوريا. كانت تعتبرها «حلولاً موقتة إلى حين عودة سيادة الدولة». وفي جنوب سوريا، طبّقت روسيا بتفاهمات مع أميركا وإسرائيل والأردن معادلاتها؛ «إبعاد إيران يتطلب، ويتم، بعودة الجيش». جرى إبعاد «القوات غير السورية» من الجنوب، وعادت «القوات الدولية لفك الاشتباك» (أندوف) برعاية وضمانة الجيش الروسي إلى الجولان. مبدئياً، عادت معادلة ما قبل 2011. تلاشت المجالس المحلية والمنظمات المدنية والفصائل و«عادت الدولة» وانتشر الجيش على حدود الأردن كما انتشرت قوات الشرطة الروسية في مناطق من الجنوب.

التصور الروسي العام هذا، ينطبق علـى إدلب وشرق الفرات. «لا بد من عودة سيادة الدولة والجيش إلى كل شبر من سوريا عاجلاً أم آجلاً». بالنسبة إلى إدلب، يعرف الروس أن لها «خصوصية كبيرة؛ فيها 3 ملايين مدني، فيهم نازحون، عشرات آلاف المقاتلين، آلاف الإرهابيين، هناك عمق تركي عابر للحدود، انتشار إيراني في أطرافها، قريبة من قاعدتي حميميم وطرطوس، وقريبة من القاعدة الطائفية للنظام».

عليه، فقد بقي اتفاق «خفض التصعيد» في إدلب الأطول عمراً. جرى تجديده بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان في 17 سبتمبر الماضي. تضمن الاتفاق إقامة «منطقة عازلة» بين مناطق الحكومة والمعارضة بعمق 15 إلى 20 كلم، وسحب السلاح الثقيل، وإعادة تشغيل طريق «إم 4» بين اللاذقية وحلب، و«إم 5» بين حماة وحلب.

«كان هذا مقرراً أن يحصل في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنه لم يحصل. بل بالعكس، فإن (هيئة تحرير الشام) التي كانت تسيطر على 20 في المائة من مناطق الاتفاق باتت تسيطر على 80 في المائة منها». هذا هو رأي الجانب الروسي، الذي أيّد موقف دمشق ببدء حملة عسكرية. انخرط الجيش الروسي مباشرة في المعارك شمال حماة قبل أسابيع، إلى أن استعادت حكومة دمشق مناطق تصل إلى خان شيخون.

أعطت موسكو مهلة ثانية لأنقرة لـ«تطبيق اتفاق سوتشي». حصل هذا في القمة الروسية – التركية – الإيرانية في أنقرة الشهر الماضي. لكن الهدف النهائي لموسكو لم يتغير؛ إعادة إدلب إلى «سيادة الدولة» مع القضاء على «الإرهابيين». حتى الصين، كما يبدو، تدعم الموقف الروسي بخصوص إدلب، وتحضّ موسكو على القضاء على نحو 800 عنصر أوغوري من «الجيش التركستاني الإسلامي» في شمال غربي سوريا. «الحذر موجود، والتأني متوفر، لكن الهدف لم ولن يتغير»، بحسب موسكو. هو لا يشمل «بقاء تركيا في سوريا، لأن روسيا لن تقبل بضمّ مناطق سوريا كما حصل في لواء إسكندرون».

ينطبق الأمر ذاته على شرق الفرات. «الوجود الأميركي غير شرعي. لم يأتِ بناء على تفويض دولي، ولم يأتِ بناء على طلب الحكومة الشرعية». مسؤولون أكراد كانوا طلبوا السلاح من موسكو لمحاربة «داعش»، فردّ الروس: «نعطي السلاح للدولة السورية، ويجب عليكم أن تحاربوا (داعش) بالتنسيق مع الجيش السوري». وتضمن الردّ استطراداً آخر: «شرق الفرات ليس كردستان العراق. البعض يريد علماً كردياً وحكومة كردية وجيشاً كردياً وبرلماناً كردياً وحدوداً لغرب كردستان، لكن هذا لن يتم. الأميركيون سيغادرون. الموضوع مرتبط بالوقت».

«ذهب الأكراد وحصلوا على السلاح من أميركا لقتال (داعش) بشروط تناسبهم». موسكو شجّعت دمشق على «الحوار» مع الأكراد. شجّعت الأكراد على «التفاوض» مع دمشق. الظروف غير ناضجة بعد. توقعات الطرفين مختلفة. موسكو قبلت اعتراض أنقرة على شخصيات في اللجنة الدستورية السورية، لأن المرشحين مرتبطون بـ«الوحدات» الكردية. ويسأل خبراء روس: «كيف يمكن لتركيا أن تتفق مع أميركا لإقامة منطقة أمنية شرق الفرات، من دون علم الحكومة الشرعية؟».

مآلات التصور العسكري في موسكو؛ عودة سيادة الدولة و«الجيش القوي» إلى كل سوريا في إدلب وشرق الفرات، كل شبر من سوريا. مفاوضات بين أنقرة ودمشق للوصول إلى صيغة معادلة من «اتفاق أضنة» يسمح للجيش التركي بملاحقة «الإرهابيين» بعمق يزيد على 5 كيلومترات. أما عودة اللاجئين، فيتم بالتنسيق مع دمشق، وتشجيع تمويل إعادة الإعمار والبنية التحتية، «من دون شروط سياسية غربية سوى دعم تنفيذ القرار 2254».

مآلات الحل السياسي السوري بالنسبة إلى روسيا؛ تطبيق القرار 2254 الذي يقوم على إطلاق عملية تؤدي إلى انتخابات برلمانية ورئاسية برقابة دولية ومعايير الشفافية. كما كانت تطالب في 2012. البوابة إلى ذلك، هي اللجنة الدستورية. هي تشكلت بقرار الحكومة والمعارضة، بدعم «ضامني آستانة» الثلاثة. ما على السوريين إلا أن يجتمعوا ويتحاوروا للوصول إلى دستور جديد أو إصلاح دستور العام 2012. اللجنة ستعقد في جنيف في نهاية أكتوبر. «ليس هناك جدول زمني قسري، لكن بالإمكان تحقيق ذلك بسرعة، إذا توافرت الإرادة السياسية». قد يتم إنجاز الإصلاح الدستوري قبل موعد الانتخابات الرئاسية في 2021.

وقتذاك، تأمل موسكو أن تكون عرفت «من يأتي» في صناديق الاقتراع، بدلاً من تركيز الآخرين على «من يرحل» من القصر. القرار عبر الانتخابات برقابة دولية وشفافية عالية. القرار 2254 نصّ على مشاركة المخولين من اللاجئين والشتات السوري، وبدور للأمم المتحدة. لكن موسكو لم تنسَ أن «الغرب» لم يسمح بمشاركة 3 ملايين أوكراني موجودين في روسيا، في الانتخابات الرئاسية الأوكرانية الأخيرة. إشارة روسية إضافية إلى «ترابط المصير» بين سوريا وأوكرانيا.

الشرق الأوسط

روسيا وسلام سوريا العسير/ بسام مقداد

لم يخفض إعلان تشكيل اللجنة الدستورية في سوريا من صعوبة الأسئلة حول إمكانية سلام سوريا في ظل استمرار الأسد في السلطة . وقد سارع بعض الأطراف المعارضة ، فور إعلان اللجنة، إلى بلورة العديد من الأسئلة حول ما يحمله تشكيل اللجنة من مخاطر على إمكانية السلام الحقيقي في سوريا، الذي يتلهف إليه السوريون وكل شعوب المنطقة . بل وذهب بعض هذه الأطراف إلى الحديث عن ما يمثله إعلان تشكيل اللجنة ذاته من مخالفة للقرار الأممي 2254 ، وما نص عليه من تشكيل حكم إنتقالي يتولى مقاليد السلطة ووضع دستور جديد للبلاد ، تجري بموجبه إنتخابات تشريعية ورئاسية .

لكن الأصوات المعارضة هذه ، التي ارتفعت منتقدة لتشكيل اللجنة ، لم تغلق الباب أمام الإمكانيات الإيجابية ، التي قد يحملها تشكيلها على إنهاء المقتلة السورية ، إنما اعتبرت أن المعركة مع النظام وحماته الروس والإيرانيين حول الدستور السوري سوف تكون طويلة وعسيرة . ومن بين الإيجابيات ، التي تُسجل لهذه الخطوة ، تتمثل في تولي المنظمة الدولية تشكيل اللجنة والإشراف على عملها ، بعد أن كانت روسيا قد حاولت منفردة في مطلع العام 2017 فرض دستور على السوريين يلغي طائفية الرئيس، ويعترف بشرعية الرئيس الأسد حتى انتهاء مدته المقررة في دستور العام 2012 ، ويقر بحقه في الترشح من جديد وفق نصوص الدستور المقترح .

لم يتسن للمعلقين الروس بعد التعليق على اللجنة الدستورية المعلنة ، لكن ما كان كتبه بعض هؤلا، حتى في المواقع والصحف الدائرة في فلك الكرملين  قبل إعلان اللجنة بأيام ، تحدث عن صعوبة السلام في سوريا ، بل وشبه استحالته في ظل بشار الأسد . فقد كتب أحد كبار الباحثين في معهد الإقتصاد الدولي والسياسة العالمية التابع للأكاديمية الروسية في 20 من الجاري في صحيفة “NG” مقالة بعنوان ” السلام على الأرض السورية يبدو مستحيلاً” ، قال فيها ، أن الأسد يبقى أسيراً للطائفة العلوية وآيات الله الإيرانيين . وأشار إلى أن جميع محاولات القيادة الروسية في تذليل الخلافات بين الأسد والمعارضة ، والإنتقال إلى المرحلة التالية من تسوية الوضع في سوريا ، قد باءت حتى الآن بالفشل . وقال بأن الكل يحاول حشر مؤيديه في اللجنة الدستورية، التي لا تأخذ بالإعتبار مصالح 8 ملايين مهجر خارج سوريا، و8 ملايين سوري لا يعيشون في المناطق الخاضعة لسلطة دمشق و3 ملايين كردي سوري.

وبعد أن يشير الكاتب إلى بقاء الأكراد خارج عملية التفاوض ، يقول الكاتب بأنه لم تصدر حتى الآن من جانب الأسد أية إشارة إيجابية تجاه مواطنيه من الأكراد والسنة . وبدلاً من ذلك لا تصدر عن دمشق سوى التهديدات باستخدام الحل العسكري لمعالجة المسألة الكردية ، وتحرير شرق الفرات بمساعدة المرتزقة . وتواصل الخارجية السورية تكرار المقولات ، التي فقدت معناها منذ زمن بعيد حول رفض تقسيم سوريا ورفض أي شكل من اشكال الحكم الذاتي أو الفدرلة . وليس من المستبعد أن يكون الأسد والجناح الأكثر براغماتية في محيطه يدركون، أن الحل العسكري للأزمة السورية الداخلية غير موجود ، ولا يمكن أن يوجد . لكنها عظيمة ، برأيه، قوة الخمول الفكري لدى الطائفة العربية العلوية والنخبة البعثية، التي تفردت بالسلطة في سوريا . وإذ يستند الأسد إلى بعض الفرق العلوية وبقايا الجيش والأجهزة الأمنية المتعددة ، يجد نفسه مجبراً على اللعب وفق المعايير السابقة للدولة العسكرية البوليسية ، حسب الكاتب.

ويرى الكاتب أن العامل ، الذي لا يقل تدميراً لسوريا في المرحلة الراهنة ، يتمثل في التدخل الواسع لطهران وملحقاتها في الشؤون الداخلية السورية . وإذ خصص آيات الله الإيرانيون حوالي 10 مليار دولار ، حسب تقديره ، للحفاظ على عائلة الأسد وجهاز الدولة والأجهزة الأمنية ، فهم ينظرون إلى الأسد على أنه دميتهم الخاصة ، ويعتبرون أن من حقهم التدخل في سياسة دمشق الداخلية والخارجية .

ولذلك يقول الكاتب ، أنه من المستبعد أن نتوقع توقف المواجهة الشرسة في سوريا بين القوى الداخلية (الأسد ، المعارضة ، المسلمون الراديكاليون) واللاعبين الخارجيين الأساسيين (إيران ، تركيا ، الولايات المتحدة ، روسيا) . فكل مجموعة أو بلد يتوخى في سوريا أهدافه الخاصة ، التي ليس فقط لا تتطابق في ما بينها ، وبل وغالباً ما تكون متناقضة . ومسألة وقف الحرب والحل السلمي للأزمة السورية مؤجلة إلى زمن غير محدد وتغوص إلى الأعماق أكثر . وهو يرى أن الخروج من المأزق السياسي السوري يكمن في انسحاب الجميع من سوريا ، وعلى رأسهم المرتزقة والقوات الإيرانية والتابعة لها . ويقترح نشر قوات تابعة لمجلس الأمن الدولي على الحدود الدولية لسوريا وبين الجيوب، التي تتبلور عملياً في البلاد .

من جهة أخرى ، تنقل الدورية الروسية “روسيا في السياسة الدولية” ، التي تصدر بالتعاون الإعلامي مع الدورية الأميركية ” Foreign Affairs” ، عن نائب رئيس المجلس الروسي للشؤون الدولية الكسندر اكسينيونك قوله ، بأن التجربة العالمية في الحروب الأهلية تفيد ، بأن الإنتصار الشامل لأحد أطراف الحرب، لا يضمن إقامة السلام إذا ما بقيت دون حل القضايا ، التي اندلعت الحرب من أجلها ، وبقي الأطراف الآخرون على عدائهم للمنتصر ، وينطبق هذا كلياً على سوريا .

في بحث مطول له عن الأزمة السورية بعنوان “عبر الأشواك نحو السلام” نشره في الدورية المذكورة أوائل الشهر الجاري يقول الكاتب ، بأن روسيا قد حققت الكثير من أهدافها الإستراتيجية ، التي وضعتها أمام حملتها السورية . وبعد أن يذكر الكاتب عدداً من هذه الأهداف ، ومن بينها بالطبع ، تأكيد موقع روسيا كدولة عالمية، يتساءل : وماذا بعد ؟ كيف سيكون تراتب الخطوات التالية بين الدبلوماسية والعمليات الحربية؟

يقول الكاتب ، أن ميزان القوى المستجد على الأرض يشير إلى انتهاء المرحلة العسكرية من الصراع، وبروز الشروط الضرورية للتقدم في التسوية السياسية ، التي يمكن أن تكون تسوية طويلة الأمد ، أو تقليداً للتسوية يرتكز إلى إصلاحات سطحية . ومصلحة روسيا تكمن في التوصل إلى تسوية تقوم على اسس راسخة ، وذلك انطلاقاً من الإدراك أن هيكل سوريا السياسي لا يمكن أن يبقى كما كان عليه قبل الحرب. فالواقع العسكري المستجد ينبغي أن يترسخ ببناء هيكل للسلطة يرتكز إلى قاعدة واسعة تمثل مصالح الطيف العريض للقوى السياسية ، بما فيها مصالح الأكثرية السنية ، وإلا فإن ثمار النصر العسكري سوف تتبخر مع الوقت. ومن مصلحة روسيا ، برأيه ،أن تستعيد سوريا علاقاتها ليس مع محيطها فقط ، بل ومع العالم الخارجي ككل ، وأن تستند التسوية إلى توافق دولي يعترف بشرعية النظام السوري، الذي أعيد تشكيله ، ويعترف بالوجود العسكري الروسي في سوريا،علماً أن لدى موسكو، برأيه ، ما يكفي من الإمكانيات العسكرية السياسية من أجل تأمين مصالحها في سوريا ، من دون سلوك طريق المجابهة .

ويخلص الكاتب إلى القول ، بأن إذابة جليد العداء والكراهية بعد كل هذه الضحايا والمآسي الإنسانية، يستحيل دون بذل الكثير من الجهود المضنية والمتواصلة . فهل تكون اللجنة الدستورية خطوة أولى في إطار مثل هذه الجهود ، أم يبقى سلام سوريا عسيراً ، إن لم يكن مستحيلاً ، كما غالبية صراعات الشرق الأوسط؟

المدن

سوريا..لعبة روليت روسية/ ساطع نور الدين

ما بين اللهو والجدّ شعرة تجسدها لجنة صياغة دستور سوريا التي أبصرت النور قبل أيام بمخاض عسير، إمتد نحو عامين، ويمهد لولادة قيصرية يمكن ان تستغرق أقل من عامين أو أكثر من عقدين..حسب التقويم الروسي الغريب.

 اللجنة المكونة من 150 عضواً يتوزعون على ثلاث وحدات تمثيلية، النظام والمعارضة والمستقلين، هي حصيلة طبيعية لموازين القوى العسكرية والسياسية وربما ايضا الشعبية، التي شهدت في السنوات الاربع الماضية اختلالات جذرية، لم يتمكن النظام من إستثمارها حتى الآن على النحو الذي ينشده ويتمناه، بما يلغي الفريقين الاخرين في اللجنة وينكر حقهما في المشاركة، الصورية على الاقل، في إعداد نص يفترض ان يحدد مستقبل سوريا.

هي إذاً، خطوة بسيطة الى الوراء من قبل النظام الذي لم يكن يخفي رفضه الدخول في لجنة مشتركة مع معارضين ومستقلين، تعيد كتابة دستور كتب قبل سبعة أعوام فقط، ولم يجف حبره بعد..وظل حتى اللحظة الاخيرة يعارض إشراف الامم المتحدة على اللجنة، وإيراد قرار مجلس الامن الدولي  2254 كأحد مراجعها الارشادية، ويصر على ان تنعقد جلساتها في دمشق حصراً.. وسواها الكثير من الشروط، التي رحب بها الايرانيون دوما، وتحفظ عليها الروس كثيراً.

وهي أيضاً، خطوة بسيطة الى الامام بالنسبة الى المعارضة الشرعية التي تكاد تفقد حقها بالوجود، بعدما تلاشت صلتها مع البيئة السورية المعارِضة، الموزعة بين الداخل المتورط في مصالحات عجيبة مع النظام، او المنغمس في معركة إسلامية يائسة مع النظام وحلفائه الروس والايرانيين، وبين الخارج المحطم بالنفي والهجرة والضياع. اللجنة الدستورية فرصة متواضعة لتلك المعارضة الشرعية لإستعادة الاسم والدور، وربما ما هو أكثر..إذا حالفها الحظ.

واللجنة هي أيضاً مناسبة عابرة، للتعرف على تلك الشريحة الوسطية من المستقلين، التي كان حجمها يكبر او يصغر بحسب المعطيات الواردة من ميادين القتال، ونتيجة الفظائع التي يرتكبها النظام أوالمعارضة، والتي تفاقمت عندما إنحصر الصراع العسكري بتشكيلات إسلامية لا تمت الى الثورة السورية الاصلية بأي صلة، ولا تمثل من الواقع السوري سوى أشلاء صراع ثأري قديم، يعري أسوأ العلل الطائفية والمذهبية التي إستمدت من حلفاء الخارج وتنافسهم على سوريا زخماً إضافياً.

الجدل داخل جبهة النظام من جهة وفي صفوف المعارضة من جهة أخرى حول جدوى المشاركة في هذه الملهاة الجديدة يمكن ان يساعد في الحكم على مدى إستقلالية هذا الفريق من المستقلين، وشرعيته، ووظيفته، وإن كانت التجربة السورية نفسها لا تبشر بالخير، لا سيما بعدما فشلت المعارضة “الطبيعية”، طوال الاعوام الاربعة الماضية ، في الاستفادة من تلك المواجهة الطاحنة، بين اقصى التطرفين، تطرف النظام وتطرف الاسلاميين،لتقديم نفسها كبديل محتمل.

الملهاة الجديدة هي مثل لعبة روليت روسية، بالنسبة الى الفرقاء السوريين جميعا. لكنها ليست كذلك بالنسبة الى روسيا التي ليس هناك دليل على أنها خضعت لضغوط خارجية من الاميركيين او الاوروبيين أو لضغوط إقليمية من الاتراك او العرب او لضغوط داخلية من الميدان السوري، لكي تطلق عملية سياسية، نظرية حتى الآن، هدفها النهائي اصلاح النظام السوري أو تطويره أو تحديثه. الامر أشبه بحملة علاقات عامة، هدفها الزعم أن روسيا لا تقتل فقط ، لكنها تمارس السياسة أيضاً. وهنا يمكن الافتراض أن أي عمل سياسي روسي في سوريا، مهما كان شكلياً، ينزع من الحليفين الايراني أولاً والتركي ثانياً، القليل من المبادرة، والكثير من المستقبل السوري.

وحسب السلوك الروسي الذي لم تكن انتهازيته بحاجة الى أدلة طوال الاعوام الاربعة الماضية، يمكن التكهن في أن روسيا تفتتح تلك المسرحية السورية الجديدة، على أمل أن تعثر على سبل جديدة للتفاوض مع جميع المعنيين بالشأن السوري، شركاء وحلفاء وخصوم، وتوسع البازار السياسي على بلد منهارٍ ونظام متهاوِ وشعب بائس..وهي بذلك لن تخسر شيئاً إذا ما فشلت اللجنة في عملها، وتفككت بعد أسابيع، او إذا نجحت في صياغة ورقة نوايا جديدة، تشبه تلك التي كتبها الكرملين قبل عامين، وكانت تعد المعارضة بدستور يحد من صلاحيات رئيس الجمهورية، وتعد بشار الاسد بالبقاء رئيساً حتى العام 2035.

المدن

هل تقبل روسيا بأبوظبي في شمال سوريا مقابل دفع تكاليف «الإعمار»؟/ وائل عصام

كان من المعروف أن الأمريكيين يبذلون جهودا مع أبوظبي والرياض، للعب دور في شمال سوريا بحماية مناطق الأكراد، في ضوء ترتيبات الأمريكيين للانسحاب بعد قرار ترامب .

لكن يبدو ان موسكو دخلت على الخط هي الأخرى! فباتت لا تمانع من تواصل الإماراتيين مع الأكراد شمال سوريا، مقابل مبادرات أبوظبي الإيجابية تجاه دمشق، المتمثلة في المساهمة بإعادة الإعمار، ودفع الرياض وتشجيع الدول العربية لاتباع المسار نفسه تجاه التطبيع مع الأسد، خصوصا بعد الإعلان عن إعادة العلاقات الدبلوماسية بين ابوظبي ودمشق.

بداية، علينا أن نتذكر أن الأمريكيين زجوا السعودية والإمارات في شمال سوريا، منذ نحو العامين، وكان الهدف المشترك هو إيجاد داعم إقليمي للقوى الكردية، بوجه أنقرة، الراغبة بمسح مشروع روجافا من حدودها الجنوبية، وقد ظهرت للعلن عدة نشاطات في هذا الإطار، ففي نهاية شهر مايو/أيار من العام الماضي، ظهرت أنباء عن اجتماع عقد في قاعدة «خراب عشك» الأمريكية قرب مدينة عين العرب «كوباني»، ضم ضباطا من السعودية والإمارات مع الأمريكيين، وكان الحديث يدور حينها، عن تشكيل قوات «حرس حدود» على الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا، وأثار هذا الاجتماع حفيظة الأتراك، ووتر العلاقات المتوترة حتى اليوم مع واشنطن .ولعل الاجتماع الاشهر، هو الذي عقده الوزير السعودي السبهان قبل نحو ثلاثة أشهر، في القاعدة الأمريكية داخل حقل العمر النفطي في ريف دير الزور، حيث التقى ممثلي عشائر عربية وأعضاء المجلس المدني لدير الزور التابعين لـ»قسد».. ولم تفت السبهان ممارسة طقوس البترودولار في الدبلوماسية السعودية، إذ وزع مبالغ نقدية على من التقاهم..

حتى الان، يبدو سياق هذا النشاط السعودي الإماراتي واضحا، إذ أنه يدور في الفلك الأمريكي، الهادف لإيجاد قوة إقليمية تعزل الأكراد عن حدود تركيا.. ولكن الدور الروسي جاء كعامل دولي جديد، يهدف على ما يبدو، لسرقة أوراق اللعبة في الشمال السوري من الأمريكيين، وتوجيهها لصالح الرؤية الروسية بدعم نظام الأسد، مقابل تفهم مطالب الأكراد شمال سوريا .

يلاحظ طالب الدكتوراه في جامعة أكسفورد صامويل راماني، في مقال كتبه لمركز كارنجي، أن روسيا ترى فرصا للتعاون مع الإمارات في سوريا بعد قرار إعادة العلاقات الدبلوماسية، ويشير للنقاش المثار داخل أروقة الكرملين حول هذا الأمر، فنائب رئيس مجلس الشؤون الدولية الروسي (RIAC)، ألكسندر أكسينينوك، كان يأمل أن تؤدي سياسة الإمارات إلى تحسين موقف الدول العربية والسعودية، خصوصا من الأسد. ويتحدث راماني عن اجتماع عقده أمين مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف مع مستشار الأمن الوطني الإماراتي الأمير طحنون بن زايد آل نهيان، وتم تخصيصه لشمال سوريا، وهو إشارة اخرى، لرغبة موسكو ايضا سحب الورقة الكردية بالعمل على التعاون مع الإمارات في احتواء النفوذ التركي شمال سوريا، والأهم دفع ابوظبي لتقديم خدمات مالية وتطبيقية لنظام الاسد، الذي تسعى موسكو لإعادة تأهيله عسكريا وسياسيا. ولعل اللافت هو الاستجابة الإماراتية السريعة والحماسية إذ ذاك، فكان قرارها بمشاركة رجال الأعمال الإماراتيين في معرض دمشق الدولي نهاية الشهر الماضي، وسط حديث عن احتمالية أن توجه موسكو دعوة لابوظبي المشاركة كمراقب في اجتماعات أستانة.

ولعل الموقف البارز الآخر للدبلوماسية الاماراتية في هذا الشأن، هو تبني ابوظبي خطاب النظام السوري، في ما يتعلق بالمنطقة الآمنة المزمع إنشاؤها شمال سوريا، إذ خرج وزير الدولة الإماراتي قرقاش بتصريحات يرفض فيها إقامة تركيا منطقة عازلة شمال سوريا، داعياً لتوفير حماية للأكراد، مؤكدا رفض بلاده للوجود التركي في سوريا .كانت تصريحات قرقاش تصدر حينها، وسط أنباء نشرها موقع ديبكا الإسرائيلي، عن احتمالية ضغط روسي على الأسد، لقبول نشر جنود إماراتيين ومصريين، مقابل تمويل أبوظبي لعمليات إعادة الإعمار .

لا تزال موسكو اذن، تحاول مسك خيوط اللعبة كاملة في سوريا، فبعد علاقاتها التحالفية مع طهران ودمشق وأنقرة، ها هي تحاول إنجاز تسوية مع الأكراد وتقديم نفسها كبديل يراعي مصالحهم بدلا من واشنطن، وقبول تواجد سياسي للاماراتيين شمال سوريا وإرضاء تركيا، بان هذا التواجد سيمثل فاصلا «عربيا» يؤمن عزل أكراد سوريا عن أكراد تركيا، ومنح تركيا مساحة لإبعاد النازحين السوريين الذين سيشكلون أيضا شريطا ديمغرافيا عربيا عازلا بين الاكراد، وبالمقابل استثمار المال الإماراتي لإعمار ما دمره الأسد، هذه كلها نوايا مفترضة لموسكو، لكن تطبيقها قد لا يسير بشكل سلس وسط عواصف سوريا الهوجاء.

كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق