ثقافة وفكر

ما هي الشعبوية؟ -مقالات وتحليلات-

الشعبوية: “نحن الشعب، فمن أنتم؟”.. من المصطلح إلى المفهوم/ حسام أبو حامد

(1)

بات من المسلم به في الفكر السياسي المعاصر اعتبار القرن التاسع عشر إطارا زمنيا لولادة مصطلح “الشعبوية” (populism). ففي روسيا انطلقت العام 1870م حركة زراعية بميول اشتراكية هدفت إلى تحرير الفلاحين، وفي الفترة ذاتها، انطلقت في الريف الأميركي حركة احتجاجية ضد البنوك وشركات السكك الحديدية.

وقد تُفهم الشعبوية عموما على أنها نزعة سياسية تقوم على تقديس “الشعب”، وتؤمن بالتعارض بين الشعب والنخب، وأن الناس على حق والنخب الحاكمة على خطأ، تتوسل بمحورية دور الشعب في الممارسة السياسية، وتنتعش بتوظيفها مشاعر الغضب عند عامة الناس، خاصة في أوقات الكوارث، والأزمات الاقتصادية، والاضطرابات السياسية. لكن بسبب تنوع السياقات التاريخية والاجتماعية، السياسية والاقتصادية، التي تواجدت بها، ونتيجة تنوع دلالات مفهوم “الشعب” المتغيرة من شعبوية لأخرى، لم تحافظ الشعبوية منذ ظهور المصطلح على جوهر ثابت. فاكتسبت في المراحل اللاحقة مضامين مختلفة، فاختلفت شعبوية جورج بولانجيه إبان الجمهورية الفرنسية الثالثة عن شعبوية موسوليني في إيطاليا، وعن نازية هتلر في ألمانيا، واختلفت شعبوية ستالين في الاتحاد السوفييتي السابق عنها في “ثورة” ماو تسي تونغ الثقافية الصينية.

انكفأت الشعبوية في أوروبا بعيد الحرب العالمية الثانية، لتنشط في دول العالم الثالث، مكتسبة مضامين جديدة مع قومية عبد الناصر، وجماهيرية القذافي، وتحولت الى حركات شعبية بإيحاءات وطنية واجتماعية أسقطت من حساباتها النضال الطبقي، مع خوان بيرون في الأرجنتين، وغيتوليو فارغاس زعيم حزب العمال غير الاشتراكي في البرازيل، وغيرهما. واستمر مصطلح الشعبوية في ثمانينيات القرن الماضي، مع عودة المحافظين إلى الحكم في عهد مارغريت تاتشر (بريطانيا) ورونالد ريغان (الولايات المتحدة الأميركية) وفي الردة العنيفة تجاه موجة التعدد الثقافي التي عرفتها الجامعات آنذاك. وفي تسعينياته، حمّل مفكرون العولمة مسؤولية صعود التيارات الشعبوية الذي يترافق مع إنشاء منظمة التجارة العالمية، وتحرير التدفقات المالية الدولية، وتباطؤ النمو العالمي، وتفاقم عدم المساواة في الدخل والثروة، وانعدام الأمن الاقتصادي، وتزايد موجات الهجرة العالمية.

مع مطلع الألفية الثالثة، تقدمت الحركات الشعبوية في الاستحقاقات الانتخابية متشاركة قضايا: الهجرة واللجوء، سياسات التقشف المالي التي أثّرت على الانفاق الحكومي والخدمات الحكومية، النزعة القومية، الدفاع عن الهوية الوطنية، التركيز على سياسات الدفاع، والموقف السلبي من حقوق الإنسان.

في العام 2016 تردد المصطلح بشكل غير مسبوق في المنابر الإعلامية عند كل عملية اقتراع، بدءا من الاستفتاء البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي، مرورا بحملة دونالد ترامب الانتخابية، ولما ينتهي الجدل حوله بعد الاستفتاء حول التعديلات الدستورية في إيطاليا، إثر فوز حركة خمس نجوم الشعبوية الرافضة لهذه التعديلات. ولا يزال البعض يرى شعبوية في أي خطاب سطحي يهدف الى تعبئة الجمهور واستثارته عاطفيا بعيدا عن أي حكم نقدي، كما في خطاب الجبهة الوطنية الفرنسية، وأحزاب البديل الألماني، ويوديموس الإسباني، والحرية النمساوي، وحركة النجوم الخمس في إيطاليا، وحزب الاستقلال البريطاني. وتمثلت لدى البعض في أشخاص كاريزميين يمتلكون مهارات خاصة في القيادة وقدرة على السيطرة على توجهات الجمهور وفق دعاياتهم وخطابهم الثقافي البسيط، فوصف بالشعبوية كل من: دونالد ترامب في أميركا، وفلاديمير بوتين في روسيا، وأردوغان في تركيا.

المصطلح

المصطلح لا يزال غامضا، تتعدد دلالاته حد التناقض أحيانا، وإن وجد مارك فلورباني أن الشعبوية تتمثل في بحث سياسيين يحظون بكاريزما عن دعم شعبي مباشر في خطاب عام يتحدى المؤسسات التقليدية، يقدمون أنفسهم ممثلين للمواطنين العاديين، أو ما يسمى الطبقات المنسية، فإن جان فيرنر مولر يعتبر العداء للبحث والمؤسسة معيارا غير كاف، لأنه يصم كل من ينتقد الوضع القائم بأنه شعبوي، مما يؤدي إلى مزيد من التشويش، فهناك أوضاع كثيرة قائمة لا تستحق النقد وحسب، بل والنقض أيضا. لذلك يقترح أن أهم ما في الشعوبية هو عداؤها للتعددية وزعمها أنها هي وحدها تمثل الشعب الحقيقي. وعلى ذلك يمكن أن نصم بالشعبوية تلك الصرخة التي صدح بها نايغل فاراغ، زعيم حزب الاستقلال البريطاني، بعد بريكسيت، بأن النصر تحقق لـ”الشعب الحقيقي” طاردا من خانة الجماعة السياسية وعضويتها 48% من البريطانيين الذين صوتوا ضد بريكسيت. إن منطق الشعبوية عموما هو “من لم يؤيدنا ويوافقنا الرأي ليس من الشعب”، فحين رد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على منتقديه قال في إحدى خطبه: “نحن الشعب. من أنتم؟”.

أوليفييه إيهل لا يزال يرى صعوبة في تحديد معنى الشعبوية، لكونها ليست مفهوما بل مصطلح، لا يستخدم للتحديد بقدر ما يتم استخدامه للتنديد (صعوبات تعريف المصطلح تتعلق في أحد وجوهها بالتوصل إلى تعريف إيجابي للشعبوية). هذا الاستخدام بالنسبة لإيهل أيضا، يختلف بحسب التقليد، فبينما تشير الشعبوية في أميركا اللاتينية إلى الحركات اليسارية، فإنها في أوروبا تعني عادة اليمين المتطرف. وفي تحليله للشعبوية، متناولا النموذج البريطاني، يميز جون أستوري بين الثقافة المشتركة التي تتقاسمها جميع الطبقات، وثقافة منفصلة تنتهجها الطبقة المسيطرة في المجتمع. ويرى أن ثقافة النخبة لم تعد هي الثقافة السائدة، فهناك ثقافة شعبية يمكن ملؤها بمفاهيم مغلوطة ومتناقضة تبعا لسياق الاستعمال.

أسهمت هيمنة الاتحاد الأوروبي على السياسات العامة للدول الأوروبية، والقلق الاجتماعي حيال تدفق المهاجرين، في إيجاد مدخل لليمين المتطرف لانتقاد الديمقراطية الليبرالية. وقد دق صعود الحركات الشعبوية ناقوس الخطر لدى المدافعين عن الديمقراطية الرافضين لتك السياسة المبنية على أسس تمييزية، التي يمكن برأيهم أن تزلزل مستقبلا القاعدة السياسية المؤسسة للنظم الغربية المستقرة، وتهدد بالانزلاق في الكراهية والتحيز، بسبب تحمل مجموعات “من الغوغاء” مسؤولية رسم سياسات، ومعالجة مشكلات، قد تواجهها كافة طبقات المجتمع.

ما هي ماهية الشعبوية؟ هل هي خطاب فكري، أم مهارة معينة في اجتذاب الناس؟ هل نحن أمام شعبوية أم شعبويات؟ هل الحركات الموصوفة بالشعبوية هي حقا كذلك، وتشكل خطرا على الديمقراطيات الغربية، أم أن الحركات الموصوفة بالشعبوية في تلك الساحة السياسية إنما هي في حقيقتها حركات نتجت عن أزمة الديمقراطية التمثيلية لانتزاع مزيد من المطالب الجماهيرية؟ ماهي ملامح الشعبوية السياسية عربيا وإسلاميا وكيف تختلف عن الشعبوية في الغرب؟ ما هي امتداداتها إعلاميا وثقافيا (فنيا وأدبيا)، وهل تلغي الشعبوية في هذا السياق القيمة الأدبية؟

نفتح في “ضفة ثالثة”، بدءاً من هذا الجزء، ملفا حول الشعبوية سياسيا وثقافيا، فقصدنا عددا من الباحثين والكتاب المهتمين بالظاهرة في تجلياتها المتنوعة، وما يتصل بها نظريا وعمليا، وطرحنا عليهم تلك التساؤلات، وغيرها، بهدف مزيد من التأمل الفكري يكون مفيدا على طريق التأسيس لجهد بحثي قادر على الانتقال بالشعبوية من مستوى المصطلح إلى مستوى المفهوم، حتى يتيح القبض المفهومي على الظاهرة القدرة على التعامل معها وتوجيهها.

وهي دعوة مفتوحة لكل من يرغب في إثراء هذا النقاش.

الشعبوية: إشكاليات التعريف والمنهج

في كتابها “رجال الشرفات” (بيروت: دار الفارابي، 2012) تذهب منى خويص إلى أن المصطلح لم يحظ بالاهتمام الكافي مقارنة بغيره من مصطلحات العلوم السياسية، مما أعاق استنباط تعريف محدد وواضح له، وبقيت معظم التعريفات التي تصدت لتحديده ضبابية، ولم تنل الشعبوية، حتى اللحظة، تعريفها المحدد في البحث التاريخي وبقي تعريفها عاماً، ولم ينفد إلى كنهها الخاص. إنَّ هذا النقص يحفّز على بذل جهد إبداعي للمؤرخين لإدراك سبل غير نمطية تساعد على لحظ تعريف محدّد للشعبوية، تعريف إيجابي، وليس سلبياً يشوبه الخلط بينها وبين تعريفات ظواهر أخرى. يقود هذا التفكير لطرح منهجية التأمل التاريخي، لتوّسل إيجاد التعريف الإيجابي والواضح لهذا المصطلح أو المفهوم. فالمنهجية البحثية التاريخية التقليدية هي مسار من الربط والمقاربة وإيجاد صلات العِبَر التاريخية بين الأحداث، مع أنّ ما نسميه اصطلاحاً بالمنهجية التأملية التاريخية، كما تذهب خويص، يعني الانقياد المتأني وراء الحدس التاريخي. ووفقاً لهذه المنهجية الأخيرة، يصبح للظاهرة التاريخية جانبان اثنان، جانب علمي في النظر إليه، وجانب تأملي في قياس خاصياته.

انكفأت الشعبوية في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، لتزدهر في معظم دول العالم الثالث، التي كانت بحاجة إلى خطاب عاطفي بغية حشد الجماهير في معارك من أجل الوطن والاستقلال عن المستعمر. أما مأزق الشعبوية اليوم في أوروبا فيتمثل في ترافقها مع خطاب يميني وديني متطرف، ينزع نحو تفتيت لحمة المجتمعات بالإساءة إلى بعضها المختلف. وتدعو خويص إلى إدانة هذه الظاهرة المرضية المتكررة والمتجددة في سلوك القادة الحديثين السياسي والثقافي والاجتماعي، محصنين من اللوم التاريخي الإنساني في غياب مفهوم تاريخي إنساني يؤبّد إدانتها، حين ترك البحث التاريخي الوجه التعريفي للظاهرة ملتبسا، وخلط بينه وبين ظواهر أخرى وأيديولوجيا شمولية.

لتظهير المصطلح قدمت منى خويص في كتابها دراسة تحليلية للظاهرة عبر تتبع الحركات الموصوفة بالشعبوية التي ظهرت على مجمل الخارطة السياسية العالمية لتحفر في الخطب السياسية، وأشكال الحكم، والشخصيات القيادية، بحثا عن مكونات تلك الظاهرة المركبة، التي يتداخل فيها الإنساني بالسياسي والثقافي بالوجداني، وتداهمها ملامح ديكتاتورية وفاشية، فهي ليست ظاهرة داخل التاريخ فقط، بل هي أيضا حياة داخله.

الشعبوية: الشر السياسي

في كتابه “الهوية: المطالبة بالكرامة وسياسات النقمة”، يربط فرنسيس فوكوياما بين صعود سياسات الهوية وانحطاط الديمقراطية. فهل تهدد فعلا الشعبوية السلطوية مستقبل الديمقراطية الليبرالية، أم هي نتيجة لتراجع تلك الديمقراطية؟

توجهنا بهذا السؤال إلى الباحثة والإعلامية اللبنانية منى خويص، فأجابتنا:

لطالما تمَّ التعاطي مع الشعبوية كأحد مكونات الفاشية والديكتاتورية وحتى الديمقراطية الشعبية. ولكن البحث في هذه الظاهرة توصَّل أولاً إلى أن الشعبوية تتضمن ملامح من كل ما ذكرناه، هي خطاب سياسي تستعمله الحركات المتطرفة كما تستعمله أيضا الحركات السياسية على الضفة الأخرى المقابلة لها، والشعبوية كحركة تتجلى بأبهى صورها عندما تتمكن القوى التي تتبنى الخطاب الشعبوي من الإمساك بالسلطة وفرض نفسها كمناخ عام يسود المجتمع، وتلك الصورة نجدها في المجتمعات التي تتحقق فيها وحدانية انقياد المجتمع خلف قادته، في المجتمعات التي تتشابه فيها الملايين داخل مفهوم واحد للثقافة والسياسة والاجتماع.

الشعبوية قائد ملهم وجمهور منقاد بشكل أعمى خلفه ومجتمع منغلق على نفسه، هي قيادة تكرر التاريخ، والأمس الذي يعاد إنتاجه. أما القائد الشعبوي فهو القائد الآتي من الماضي مما يعتبر مقدساً في الوجدان الجماهيري. والشعبوية لطالما كانت حركة تقف بوجه الدولة والمؤسسات لتحل محلها كما أنها حركة تقف بوجه كل النخب في المجتمع من فكرية وتكنوقراطية وبيروقراطية، كما أن أخطر ما فيها أنها حركة إلغائية لا تعترف بالآخر فحسب، بل تصب كل جهدها لإلغائه وتصفيته بكل الوسائل المتاحة.

تعتبر الظاهرة الشعبوية أحد أبرز أمراض الأنظمة الديمقراطية في واقعنا الراهن، وتقوم على سياسات وشعارات وحملات تحريض باسم «الشعب»، لكنها بالنتيجة تؤدي إلى تخريب الواقع السياسي والاجتماعي وإلى هدم مؤسسات الدولة.  فالسياسات الشعبوية تضع رجلاً أو فئة معينة حزبية أو طائفية أو عرقية محل الدولة ومؤسساتها، وهي تريد تجاوز الدولة والدساتير والقوانين باسم «إرادة شعبية» مزعومة، وطبعاً أبرز النتائج الكارثية هي تهديم الدولة ليحل محلها «قائد أو عائلة أو قبيلة أو طائفة أو عرق»، وفِي التاريخ أمثلة كثيرة عن القادة الشعبويين على مجمل خارطة العالم.

“تعتبر الظاهرة الشعبوية أحد أبرز أمراض الأنظمة الديمقراطية في واقعنا الراهن، وتقوم على سياسات وشعارات وحملات تحريض باسم «الشعب»، لكنها بالنتيجة تؤدي إلى تخريب الواقع السياسي والاجتماعي وإلى هدم مؤسسات الدولة”

منذ الحرب العالمية الثانية، انكفأت الشعبوية في أوروبا وانتعشت في دول العالم الثالث. أما اليوم فيبدو أنها عادت الى الواجهة في الغرب مع صعود حركات اليمين المتطرف وتمكنها من الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات، الأمر الذي أقلق النخب هناك. والجدل مثار حتى الآن بين المفكرين حول مخاطر صعود الشعبويين وإمكانية تهديد الديمقراطية في الغرب وهم ينقسمون بين من يحذرون من خطرها على الديمقراطية هناك، وبين من يتطلعون إلى الحركات التي يصفونها بالشعبوية كحركات نشأت عن أزمة في الديمقراطية التمثيلية، وهي تهدف إلى انتزاع مزيد من المطالب التي يشعر المواطنون أنهم بحاجة إلى تحقيقها. كذلك ثمة تيار آخر يرى أن الغرب يعاني اليوم فعلاً من عودة للشعبوية إلا أنها عودة غير مقلقة، ولا تنذر بأي مؤشرات خطرة، ولا تستدعي المخاوف، لا على الديمقراطية ولا على الحياة السياسية، بحيث أن الذين ينتمون إلى اليمين المتطرف في الغرب ويتمكنون من حصد أصوات الناخبين للوصول إلى السلطة يستخدمون الخطب الشعبوية، ويتلاعبون بعواطف الناس وغرائزها ويطلقون وعوداً كثيرة بالتغيير إلا أنهم لا يحققون منها إلا القليل، كما أن أحداً منهم لم ولا يتجاوز المؤسسات والدولة وهذا الأمر يشكل صمام أمان للديمقراطية. فبريكسيت في بريطانيا حتى مع إصرار رئيس الحكومة الجديد بوريس جونسون على تطبيقه دون اتفاق مع الاتحاد الأوروبي قرار أسقطه البرلمان وصدق في الوقت نفسه على قانون يمنع رئيس الحكومة من إخراج البلاد من الاتحاد الأوروبي المقبل دون اتفاق. كما منحت ملكة بريطانيا موافقتها الرسمية على القانون الذي يُرغم الحكومة على تأجيل بريكسيت إذا لم تتمكن من التوصل إلى اتفاق مع بروكسل للخروج من الاتحاد الأوروبي.

إذاً وجود الدولة والمؤسسات في الغرب يقف كجدار صلب بوجه الشعبويين والشعبوية، كون هذه الأخيرة هي حركة تقف بوجه الدولة وهي قادرة على تقويضها إذا لم تكن مؤسساتها محصنة كما هي الحال في منطقتنا، على سبيل المثال، بحيث تمكن عدد كبير من شعبويي المنطقة من الانتصار على الدول لضعف هذه الأخيرة وهشاشة مؤسساتها. والأمثلة كثيرة على مجمل الخريطة العربية، فلنأخذ لبنان على سبيل المثال الذي تستفحل فيه الظاهرة الشعبوية نتيجة تغييب الدولة منذ أكثر من أربعة عقود، ولأن اتفاق الطائف لم تتم ترجمته بمؤسسات قوية، إضافة إلى فشل مشروع بناء الدولة بعد انتهاء الحرب، استطاعت الشعبوية أن تحضر وبقوة في الواقع اللبناني، فثمة تيارات وأحزاب وحركات كثيرة تهيمن على سلوكياتها وسياساتها وشعاراتها والأهم على «خطابها» الشعبوي، بمعنى تغييب مصلحة الدولة ومؤسساتها باسم الشعب أو الطائفة أو المذهب أو العشيرة، وفي السنوات الأخيرة من حياتنا السياسية اقتربت المذهبية كثيراً من الشعبوية كمرجعية في السلوك السياسي لكثير من القيادات والمرجعيات الأمر الذي سيعطل قيام مشروع الدولة.

في المحصلة الشعبوية كحركة يصح أن يطلق عليها توصيف “الشر السياسي” كونها تقوم على تضليل الجماهير والتعمية على الحقائق وتسعى إلى ضرب الدولة والمؤسسات فيها وتقف بوجه كل النخب في المجتمع وتخنق كل صوت فيه لتبقي فقط صوت المعركة وحده عالياً.

(2)

سامي داوود، باحث وناقد كردي سوري: الشعبوية في علاماتها البنيوية

لا، مفهوم الشعبوية ليس ملتبسا بالنسبة لي، رغم وجود رؤى متعارضة، تسحبُ كل منها تعينات الشعبوية إلى دلالات فضفاضة وفقا لأطر تاريخية ومجتمعية غير متماثلة، كالتعارض القائم في شعبوية الأميركيتين الجنوبية والشمالية، أو مقارباتها التي تحاول عزلها عن الإرث الديماغوجي الأوروبي، الذي زاوج بين الإرهاب المسلح والحدّة الأخلاقية، من أجل غايات لاعقلانية.

تنتظم الشعبوية في علامات تتكرر كبنية: مجموعات بشرية مصابة بحالة من التمركز على الذات (هيغل). لديها خطاب كراهية موجه. ومتوهمة بتوفرها على تجانسٍ كتلوي، مهما كانت صيغه المختلطة، عرقية – أيديولوجية، كشعارات مارين لوبين حول إحساسها بـ “البيت الفرنسي”. أو خليط ديني عرقي، كالتحديث العثماني في شعبوية أردوغان. وترتبط هذه المجموعات بعلاقة تنويمية مع زعيم كاريزمي عنيف دون شفقة. يقدم خطابا أهبل، ويكتشف علاقات غيبية بين الانتكاسات الاقتصادية المحلية، وبين عدوهم المتربص بهم، الذي يتكفل اليوم البحر المتوسط في توفير إحدى أكثر تجلياته “العدو القادم عبر البحر”، المهاجر الذي يأتي من بلادٍ تحكمها نُخب فاسدة، وتشتغل كعصابات في خدمة الاقتصاد الغربي أو الصيني. مع وجود إحساس بالانضواء في ظل بابوية قمعية مُلهمة، تجلت في ارتماء قادة هذا التيار في عباءة المثال الروسي، بوتين، هذا الوجه المجرد من الشعور بأي شيء، والذي يضع قائمة أسعار أسلحته فوق مأدبة كل إبادة.

لذلك أجد تناقضا في مقاربة آرنيستو لاكلاو حول هذا المفهوم، إذ أنه يخلط بين الشعبوية كتنظيمات “ولاؤها هو شرفها” كما كان ينادي هملر، وبين مفهوم الشعب الذي يعتبره تجريدا يأخذ زخمه الجماهيري من خلال ما يتكون في حالة التنازع السياسي، إذ ينطبق هذا الأمر على الأحزاب السياسية أكثر من تمثيلها لتصورنا عن الشعب. ورغم ادعاء الشعبويين أنهم يمثلون الشعب، كعبارة أردوغان التي استخدمها ضد خصومه السياسيين، بعد اعتبارهم أعداء بالقول: “نحن الشعب، من أنتم”، إلا أن الشعب كمفهوم سياسي مرتكز بالضرورة على فكرتي الحق والعدل، لا يتقاطع مع الشعبويين.

لقد سبقت الأحزاب مفهوم الشعبوية في الظهور، حينما ظهرت هذه الهيكليات بالتزامن في كل من فرنسا وأميركا سنة 1800، كضرورة لتنظيم المشاركة الجماهيرية في الحياة السياسية عبر فكرة التمثيل، ما حصل لاحقا في تطور الدول، واقتصاداتها، وفشل الديمقراطية في لجم جشع النخب الفاسدة في السلطة، وظهور حركات أكثر فسادا بذريعة المطالبة بتعويض الشعب عبر تنظيمات شعبوية. في هذه المجابهة فسدت فكرة التمثيل السياسي، ومعها أيضا مفهوم التنازع السياسي المنتج للسلطة.

أجد المقاربة الأدق لهذا المفهوم في القراءات التي تناولت مجمل الأنساق المؤسسة لما أطلق عليها إدغار موران “بربرية أوروبا”. ودعوته إلى عدم التفكير في النازية والفاشية كتمثلات وحيدة لمنتهى الإرهاب المنظم. وكذلك فيما ذهب إليه بورديو في” الرمز والسلطة” حول الكيفية التي حلَّ بها استخدام اسم” الشعب” محل اسم “الله” لإيجاد مسوغات مخادعة، لتكريس المصالح الذاتية. وكذلك في قراءة كاستورياديس في استعادته لجملة سقراط الذي أصبح رئيسا لمدة يوم واحد، وواجه فيه شعبه المهتاج لإعدام بعض الضباط، قائلا “أيها الشعب، أنت على خطأ”، وذلك حينما تكون مطالب الشعب متوافقة مع كراهية العقل. لذلك كانت قوانين صولون (400 ق.م) تعاقب من يستغل عواطف الجماهير من أجل مصلحته الخاصة. وكذلك في قراءة آرندت لتحالف الرعاع والنخب، واستثمار الفشل السياسي والاقتصادي من أجل استمالة الجماهير المستلبة.

يظهر الخطاب الشعبوي في العالم العربي كامتياز انتخابي. لاحظ فقط الخطاب الانتخابي في المنطقة ككل، سيظهر كأنه كاسيت مسجل لهتلر وهو يخاطب الشرطة قائلا: “كل ما أنتم عليه، تكونونه عبري، وكل ما أنا عليه، أكونه من خلالكم”.

محمد حلاّق الجرف، باحث سوري: التأسيس لأيديولوجيا لا أساس لها

لا يمكن الحديث عن الشعبوية بدون تذكّر كتاب “سيكولوجيا الجماهير” للفرنسي غوستاف لوبون، الصادر في العام 1895، فهذا الكتاب كان عبارة عن دراسة نفسية لـ “الجموع” لفهم طبيعتها أولاً، ومن ثمّ توجيهها من خلال الخطابات التي تستثير غرائزها الروحية والحسيّة، ذلك أنّ لوبون أدرك أنّ الأفكار لا تكون فاعلة إلاّ إذا تحولت إلى عواطف، ولا يمكن للقائد أن يحرّك الجمهور إلا عبر عاطفته المتطرفة، وبأنّ النّاس لا يمكنها أن تعيش بدون وهم، أو أمل. وفي لحظات كثيرة فإنّ النّاس لا تفضّل معرفة الحقيقة.

مرّ وقتٌ طويل ما بين كلمات لوبون وظهور وسائل التواصل الاجتماعي (FTY)، لكنّ “التقنية” بقيت نفسها، وبقيت الكلمات التي تمتلك القدرة على التأثير والفعل هي الكلمات التي يصعب تحديد معانيها بشكل دقيق، فالوقوف مع أو ضد مصطلحات كالديمقراطية، والعلمانية، والمواطنة، وحقوق الإنسان يجعلها ذات أثرٍ سحري ويُعطي إحساساً وكأنّها الحل المناسب لكلّ المشاكل، والتأكيد والتكرار يحوّل هذه المقولات إلى حقائق غير قابلة للجدل والشكّ. ويصبح العقل النقدي معطلاً لحركة الجماهير ووعيها!

بالعموم يتمّ النّظر إلى هذا المصطلح من خلال ثلاث زوايا: أولها يرى أنّ الشعبوية هي أسلوب، فيما يتعامل معها آخرون على أنها استراتيجية، فيما يقترح كاتب هذه السطور القول بأنّ الشعبوية هي مجموعة أفكار تشكّل أساساً لأيديولوجيا بلا أساس! مع التناقض الظاهري لهذا التعريف المقترح إلاّ أنّ تفكيكه يبدو سهلاً، فمجموعة الأفكار التي يتعامل بها الشعبويون تبدو هشّة للدرجة التي لا يمكن لها أن تُنتج أيديولوجية ثابتة أو متماسكة. وبالنهاية فإنّ الشعبوية هي شيئان اثنان: اعتبار النخب فاسدة حكماً في مقابل شعب مثالي حكماً (وذلك بغضّ النظر عن كون هذه النخب هي نخب ثقافية أو سياسية، معارضة أو في موقع السّلطة)، وتالياً لا مكان سوى للإرادة الشّعبية. والغريب في هذا السياق أنّ الشعبوية تُفرز نخبها، وأنّ نخب الشعبويين يتهمون خصومهم بالنخبوية، ويتهرّبون هم منها!

يعتبر الكثيرون من متابعي الشأن الغربي أنّ “الشعبوية” عادت للظهور بقوة في أوروبا مع انتخابات مايو/ أيار العام 2014، فقد تميّزت هذه الانتخابات بتراجع الأحزاب الحاكمة الرئيسة وصعود القوى السياسية “الطرفية”، وفي بلدان مثل فرنسا، والمملكة المتحدة، والدانمارك، والنمسا، أدّت هذه الظاهرة أساساً إلى بروز اليمين المتطرّف الشعبوي مثل الجبهة الوطنية FN، وحزب استقلال المملكة المتحدة UKIP، وحزب الشعب الدانماركي DF، وحزب الحرية النمساوي FPÖ، وبما أنّ هذه البقعة المحظوظة من العالم تحظى بمعظم التغطيات الإعلامية فإنّ ذلك أعطى الانطباع بأنّ الشعبوية هي صنو اليمينية.  ولكن بقليل من التأنّي نستطيع أن نرى أنّ ميكانيزمات الشعبوية هي واحدة تقريباً لدى اليمين واليسار. ففي الأساس نستطيع فهم صعود الشعبوية في أوروبا من خلال العلاقة بين الناخبين والمؤسّسات السّياسية إذ يُشكّل عدم الرّضى المؤسّسي لدى ناخبي اليمين واليسار المؤشّر الأساس للتصويت الشعبي، وبحسب الصحف الفرنسية في فترة الانتخابات الماضية فإنّ الناخبين الشعبويين، يساراً ويميناً، أقلّ ثقةً بالأحزاب والمؤسّسات وأجهزة الدولة في مقابل ناخبي أحزاب وسط اليمين واليسار. إذاً لدينا مؤشّر مهم لا يتعلق بأيديولوجية المرشحين.

يعتقد شعبويو اليمين الأوروبي أنّ التصدّي للتهديد الثقافي هو ما يجب أن يحتل الأولوية، لذا فإنّهم يطالبون بفكّ الارتباط مع أوروبا لأنّ البقاء فيها يُشكّل خطراً على الهوية القومية، خصوصاً في ظلّ الحدود المفتوحة، وما يرونه تساهلاً حكومياً في موضوع الهجرة. فيما يعارض شعبويو اليسار استمرار الاتحاد الأوروبي لأنّ سياسات قاطرة أوروبا، ألمانيا وفرنسا، تنتهج طريقاً اقتصادياً نيوليبرالياً سيؤدي في نهاية المطاف إلى ترسيخ حكم الأثرياء، أو ما يُعرف بالبلوتوقراطية Ploutocratie، ويتخذون من وصول ماكرون لسدّة الرئاسة دليلاً. مرة أخرى نرى أنّ الأساسيين مختلفين لكنّ النتيجة واحدة: لا لأوروبا.

الأمثلة الأوروبية طازجة وكثيرة، ولكن في سورية من الأمثلة ما لا يُمكن حصره أيضاً. فعند انفجار الحدث الكبير قبل تسع سنوات، سمح النظام السّوري – في خطوة بدت غريبة- للسوريين باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي (FTY)، وباتت المعلومات والتحليلات، والجرائم أيضاً، تُبنى مباشرةً على بوستات وتغريدات لا تتجاوز السطرين أحياناً. وباتت الشعبوية ثقافة مسيطرة في ظلّ تنامي لغة الكراهية والمظلومية واختفاء الخطابات النقدية. لا يملك السوريون ترف الأوروبيين في مناقشة الوحدة أو الانفصال القوميين، أو دولة العدالة في مقابل توحش النيوليبرالية. ولكنّ نقاشاتهم بين العلمانية والإسلام، بين اليسار والجهاد لا تقلّ شعبوية عن خطابات الأوروبيين، وتستخدم ذات الميكانيزم: كلمات فضفاضة بلا معنى واضح، كلمات تقول كلّ شيء ولا شيء في الآن نفسه، ورفضٌ للنقد والثقافة والنخبة في مقابل شعار “الشعب على حق دائماً”.

عمار ديوب، كاتب سوري: كلام عن الشعب وصمت عن الرأسمالية

هناك استسهال في استخدام المصطلح في وسائل الإعلام، حيث يتم تعميمه ليشمل أحداثاً تاريخية ومن عدّة قرون. أخيرا، وبعد أن كان التوصيف يتكلم عن أنظمة قومية تمثل رأسمالية متوسطة صاعدة، صارت صفة الشعبوية تشمل بعطفها أنظمة عبد الناصر والقذافي وصدام حسين وحافظ الأسد وسواهم. هذا النمط للمصطلح، يوضّح ضرورته عند مطلقيه، أي هو من أجل إخفاء مفاهيم أخرى، وهي بالتحديد الاشتراكية والرأسمالية، وما تعنيه من رؤى ومشاريع وبرامج وصراعات كلية. تزايد الكلام عن الشعبوية، بعد التسعينيات، عندما انهار الاتحاد السوفييتي، وتعاظمت العولمة وطبقت سياسات الليبرالية الجديدة عالمياً. العالم إذاً يفتقد “شيوعية” ديمقراطية، والرأسمالية لم تعد معنية بالديمقراطية والمكتسبات الاجتماعية، وصارت تتململ من كل آثار الحرب العالمية الثانية والتزاوج غير الشرعي بين الرأسمالية والطبقة العاملة (الخروج عن الرأسمالية كتشكيلة إنتاجية)، وبالتالي لا بد من التراجع عن تلك الحقوق، والعودة إلى علاقة مباشرة بين الرأسمالي والعامل، الليبرالية الجديدة وكل سياساتها تتجه نحو ذلك بالشق الاجتماعي، ونحو تتفيه الديمقراطية بالشق السياسي، ونحو الرأسمال المالي والمضاربات ونهب العالم بالشق الاقتصادي، وضمن ذلك لا بد من العودة إلى الأحاديات، والشعبويات، وسياسات الأعراق والهويات والأديان؛ الشعبوية كما أرى تخدم السياسات الليبرالية الجديدة، ومن الخطأ، إعادتها إلى حوادث قديمة، ويتم هذا لتمييع النقاش، ومنع ضبط المصطلح، والأخير يفيد، وبوضوح شديد وإضافة لما ذكرنا، في ضرورة الاستعانة بمفاهيم جديدة، وذلك لإنقاذ الرأسمالية وليس المالية منها فقط من أزمتها، التي بدأت في 2008، ولم تنته بعد، ولن نتكلم عن الاشتراكية والشيوعية فأزمتهما سابقة، وهي تتهمش تباعاً. الشعبوية ليست بديلاً عن الحداثة والليبرالية والديمقراطية والعقلانية والنخب، وليست بديلاً عن الاشتراكية المتحققة والمفلسة بآن واحد، هي حركات سياسية تتوسل مفاهيم كبرى، لإثارة غرائز الناس وشحذهم، والسيطرة عليهم وضبطهم وتفريغ مطالبهم الحقيقية، سيما أنهم يغرقون أكثر فأكثر بأزمات اجتماعية وسياسية كبرى. الكلام عن التمثيل الحقيقي للشعب، وعن فساد النخب، يقابله صمتهم عن الدولة الرأسمالية بكل منظوماتها، وكافة الشعبويات لا تعارض ذلك بالأصل.

ربما يظل المصطلح قيد التداول، وسيظل ضمن الفكر السياسي. لكن أن يصبح مفهوما سياسياً، وبواسطته نحلل ونقيم حوادث تاريخية، أو يتضمن برنامجاً تتمثل فيه مصالح الشعب، فهذا استخدام خاطئ كما أظن، والأفضل العودة لربط الشعبوية بأزمة الرأسمالية من الناحية الثقافية والسياسية والاقتصادية، ولنقل بعامة، والأمر ليس مرتبطاً فقط بنتائج العولمة الكارثية، وكل فصل بينهما، وتصوير الشعبوية بأنها تمثل الشعب، يعمي العقل عن تفسير الظواهر الثقافية والاجتماعية التي تظهر هنا وهناك.

هناك من يصف بوتين وترامب وأردوغان بالشعبوية، وكذلك رئيس البرازيل وسواه، أليس هذا التوصيف تعمية عما يدور من أزمات اجتماعية واقتصادية عاصفة؟ أليس تعمية عن استخدام أدوات التحليل الماركسية خاصة، ومفاهيم علم الاجتماع والعلوم الإنسانية الحديثة عامة، لفهم ما يجري من أزمات عالمية؟

ما سمح بتلك السيادة للمفهوم، بالإضافة إلى ما تقدم، هو غياب اليسار، وضعف المنظمات المناهضة للعولمة، وفشل الديمقراطيات الحديثة، والثورات العربية، عن الانتماء لمشروع تاريخي جديد، يقدم أفقاً للبشرية خارج إطار الثنائية “رأسمالية اشتراكية”.

سيظل المصطلح مستخدماً، طالما يتم تعميم مستمر لسياسات الهوية العرقية والدينية، ولن يتوسع ليشمل التعددية الثقافية، فهو بالأصل ضد النخب والديمقراطية والسياسة عامة. هذه الشعبوية ستسقط حينما تتقدم الأحزاب والقوى والثقافة بمشاريع تاريخية جديدة، وببرامج واضحة، وتمثل مصالح ليس الطبقات فقط، وإنما كذلك الشعوب والعالم.

بناء على كل ما سبق، لا يستحق مصطلح “الشعبوية” أن يصبح مفهوماً.

جمانة دحمان، كاتبة فلسطينية: فنّ الخطاب الشعبوي

رومانسيّة ثوريّة، دغدغة مشاعر الشعب، دونيّة، فلسفة سياسيّة.. الخ، تتعدد الإجابات في الإجابة على سؤال: ما هي الشعبويّة؟ ويغيب تعريف يوضح دلالة مصطلح ” الشعبويّة” الذي يشتق عموما من “الشعب”، فتحيلنا الشعبويّة إلى الشعب أولاً، أو هي وسيلة استخدمها البعض للتحدث باسم الشعب عامةً.

وحين نتحدث عن الشعبويّة، نخصَّ بالذكر الحملة الانتخابية التي فازَ بها رئيس الولايات المتحدة الحالي دونالد ترامب، الذي تعمد في خطبه الانتخابية دغدغة مشاعر الشعب، ومحاكاة الطبقة المتوسِّطة الغالبة، ولم يتكبد عناء التحدث بلغة سياسيّة ومصطلحات قد يصعب على البعض فهمها، أو يسأم البعض الآخر من جملها المعقّدة، وطريقة إلقائها المملّة والمكررة، مثلما يسأم الطلبة، ولا يثير فضولهم، محاضر يلقي عليهم محاضرة يشبه مضمونها مجلداً ضخماً مبهم المصطلحات والتعابير مهما كان محتواها على غاية من الأهمية، لينحازوا إلى محاضر آخر أقل أهمية، لكنه يجيد الطابع الاستعراضي، ولديه طريقة جذّابة في الإلقاء، بمصطلحات شبابية يمازحهم أحيانا خارج الإطار الأكاديمي الجاف. الطالب الذي يتبع مشاعره لا عقله، قد يتغيب عن محاضرة ما بسبب طريقة إلقاء المحاضر الباردة التي تبعثُ على النعاس، ليحضر بشكل دائم محاضرة أخرى مركزا على شكل المحاضرة الجذاب بغض النظر عن مضمونها.

هذا مثال مبسط للشعبوية، التي ينحاز معها الشعب لمشاعره قبل عقله. فترامب روّج نفسه بطريقةٍ مسرحيّة ساخرة، وبلهجةٍ تحاكي لغة الأطفال. خطاب مسل لم يتطرق فيه إلى مشكلات سياسية حقيقية، وبمعطياتها وأسبابها ونتائجها المتوقعة. بل إنه كان يعرج على ذكر المشكلة والإشارة الى حلول متعجلة متفائلة لها، ولم ينسَ أبداً رفع الشعارات التي تهيّج المشاعر الوطنية وأن “أميركا أولاً”، وما يصاحب ذلك من بيع لوطنيات زائفة.

يقول الشاعر المصري الراحل عبد الرحمن الأبنودي في قصيدته (أنا الدرويش): “ملعون أبوها الحمامة أم غصن زيتون/ معمولة لجل الضحايا يصدقوا الجلّاد”.

فالشعبوية في عالمنا العربي لا تقتصر على الخطابات، بل تمتد من السياسة، إلى الفن، إلى الدين، إلى الجامعات، إلى الشوارع. وتنتشر صور أشخاص هم أبعد ما يكونون عن الوطن والوطنية مزينة بعبارات مؤثرة عن حب الوطن. الشعبويون في عالمنا العربي أشخاص يعرفون جيداً كيف يستهدفون مشاعر الشعب عن طريق الخطب الدينية، أو الألبومات الغنائيّة التي تتغزل بالبطل المغوار حاكم الشعب بل إلههم. التعليم الشعبوي يربي جيلاً كاملاً على شعارات وتاريخ من انتصارات كاذبة. إن أسوأ ما قد يقدمه الشعبويون للجيل الجديد خاصةً هو تلقينهم مقولات مزيّفة جاهزة، ويدربونهم على قول جمل بتقنية (نسخ، لصق) دون فهم المعنى أو الهدف المراد.جاء في تقرير “Human Rights Watch” المعنون بـ “التزايد الخطير في النزعة الشعبويّة”، أن الديماغوجيين يتاجرون في الكلام، ويحشدون الدعم بالتلاعب بالتفسيرات الخاطئة، والحلول الكاذبة، لمشكلات حقيقية، وأنه يتوجب على وسائل الإعلام المساعدة في تسليط الضوء على هذه الميولات الخطيرة، وحثت الحكومات على إعلان التزامها باستمرارية الدفاع عن حقوق الإنسان، وشددت على أهمية دور منظمات المجتمع المدني، وضرورة بناء تحالفات بين مختلف الفئات تؤكد على المصلحة المشتركة في الدفاع عن حقوق الإنسان. أخيراً دعا التقرير لأن يتحمل الشعب المسؤولية، فالحد من انتشار الشعبوية والشعبويين هو مسؤوليتنا جميعاً.

جلنار برهاني، إعلامية سورية: مهارات شعبوية

تؤثر الشعبوية على عقول ومشاعر عامة الشعب، فيحاول الخطاب الشعبوي استغلال ظروف اجتماعية قلقة أو أوضاع اقتصادية سيئة، ليصدح عبر المنابر باسم الشعب مدعياً أنه المخلص، واعدا بحياة رغيدة، ورفاه اجتماعي، ومساواة بين جميع طبقات المجتمع. وصاحب الخطاب الشعبوي يدعي البساطة والتواضع، وربما أنه ترعرع سابقاً في حواري شعبية يعرف معاناة أصحابها، بعدما خبرها بنفسه، يعتمد على عنصر المفاجأة، فنراه يوماً مع الفقراء في منازلهم، ويوماً في الملاعب، وأماكن العبادة، والحدائق العامة…

تختلف أسباب صعود الحركات الشعبوية بين بلد وآخر بحسب اختلاف وتباين الثقافات والديانات والظروف الاجتماعية والاقتصادية. وفي بلدان العالم الثالث فإن وضع الشعب الاقتصادي المتدني بالإضافة إلى الموروث الثقافي والديني يتحمل مسؤولية عن صعود الشعبوية، والشعبوية التي مثلتها الثورة الإسلامية في إيران انتصرت انتصاراً ساحقاً حين استغلت الموروث الديني، والحالة الاقتصادية المتدنية لعامة الشعب الإيراني، والفروقات الاجتماعية الكبيرة بالإضافة إلى التباين الطبقي والثقافي بين فئات الشعب. الصحوة الدينية والوقوف في وجه الظلم والفساد كانا من أهم المبادئ المرسومة في الخطاب الشعبوي.

يقود الفقر إلى تدني الثقافة مما يؤدي الى مجتمع سهل القيادة والتأثر بالكلام المعسول والوعود الوردية، ومن هنا نفهم حساسية أصحاب الخطابات الشعبوية من وسائل نشر الوعي سواء كانت صحفا، أو وسائل إعلام، أو كتبا.. كم مرة سمعنا عن كتب منع نشرها وبيعها في أحد البلاد العربية؟ يقضي صاحب الخطاب الشعبوي على أعدائه من خلال تخوينهم، واتهامهم بالتبعية والعمالة لدول أخرى، ويصل حتى إلى استباحة دمهم، ولا يكتفي باقتلاعهم فكريا بل حتى تصفيتهم جسديا. ويبرع صاحب الخطاب الشعبوي في ترهيب الشعب وتهويله من أخطار داخلية وخارجية، وأحياناً يختلق الخطر ليضع الناس في حالة رعب وخوف من المجهول، ليظهر عند زواله بطلا حقيقيا استطاع حل المشكلة من خلال ذكائه وبراعته في اجتياز المحن التي حلّت في الدولة.

غالباً ما ينجح أصحاب الفكر الشعبوي باحتكار الإعلام المرئي والمسموع، أو استمالته، ومحاربة منصات الإعلام المضاد أو المعارض، حيث أن للإعلام دورا رئيسا في حشد الشعب وترويضه، وزرع أفكار أيديولوجية معينة في عقول أفراد المجتمع، بالإضافة إلى التركيز على محاربة الفكر المعارض وتخوينه ومحاولة إثبات انتمائه إلى أجندات أجنبية.رغم صعود تيارات شعبوية في بعض الدول الأوروبية إلا أنها لا تصمد دائما في الجولات الانتخابية اللاحقة لوجود وعي بالنتائج السلبية التي نتجت عن صعودها (هزيمة اليمين الشعبوي في الدانمارك عام 2019)، في حين أنه لا يزال من الصعب هزيمة الشعبوية في دول العالم الثالث، لانعدام المعارضة ودورها، نتيجة محاربتها بشتى الطرق من قبل الشعبويين. الشعبوية أحد أشكال التطرف السياسي، وداء خطير كان ولا يزال يهدد المجتمعات في كل مكان، وشكّل عائقا أمام تقدمها.

(3)

نتابع في “ضفة ثالثة” ملفا بدأناه حول الشعبوية سياسيا وثقافيا، استطلعنا فيه آراء عدد من الباحثين والكتاب المهتمين بالظاهرة في تجلياتها المتنوعة، وما يتصل بها نظريا وعمليا، بهدف مزيد من التأمل الفكري يكون مفيدا على طريق التأسيس لجهد بحثي قادر على الانتقال بالشعبوية من مستوى المصطلح إلى مستوى المفهوم، حتى يتيح القبض المفهومي على الظاهرة إمكان القدرة على التعامل معها وتوجيهها. وهي دعوة ستبقى مفتوحة لكل من يرغب في إثراء هذا النقاش.

في هذا الجزء الثالث تتمحور آراء المشاركين حول الظاهرة الشعبوية المتأرجحة بين الخطاب القومي والوطني، وبين الخطاب الديني والطائفي، وذلك في سياق بحثهم في نماذج متعددة تتمظهر فيها الشعبوية سياسيا أو دينيا أو قوميا أو في تقاطعاتها مجتمعة.

*****

عمر كوش، كاتب سوري: البوتينية بوصفها المثال الأسوأ للشعبوية

لن يكون رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، آخر زعيم أوروبي يلحق بقطار الشعبوية، الذي يجتاح عالم السياسة في أيامنا، إذ تجلب هذه النزعة، بحلتها الجديدة، المزيد من الشخصيات السياسية إلى سدّة الحكم في دول عديدة، سواء من الشرق أم الغرب.

ولعل أسوأ نسخة من الشخصيات الشعبوية الحاكمة في عالم اليوم هي الشعبوية البوتينية، ممثلة في الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يحكم روسيا الاتحادية منذ العام 2000 وإلى يومنا هذا، حيث تنهض شعبويته على مقولة بناء روسيا العظمى، وجعلها عظيمة، وتعويض الشعب الروسي عما لحق به من ألم وغبن، خلال تاريخه المظلم، المليء بالأزمات الكبرى، والكوارث العامة والوطنية، جراء أنظمة حكم سابقة على حكم النظام البوتيني، ومؤامرات القوى الأجنبية، التي أهانت الشعب الروسي ودولته، طوال سنين عديدة ومريرة.

وقد وصل فلاديمير بوتين إلى حكم روسيا، بوصفه زعيماً منقذاً من حالات الانهيار والخراب، الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، التي عرفتها روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وخصوصاً خلال فترة حكم الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين، حيث وصلت روسيا في عهده إلى حافة الانهيار والإفلاس، نظراً للأزمات الاقتصادية والمالية التي عصفت بها خلال فترة التسعينيات من القرن العشرين المنصرم، وأدت إلى تخريب الاقتصاد الروسي، وإلى فقدان روسيا لدورها الدولي ومكانتها العالمية، لتصبح مجرد دولة ضعيفة تنتظر دعم الدول الغربية.

غير أن بوتين سعى للقبض على الحكم، والبقاء فيه إلى ما لا نهاية، الأمر الذي جعله يدخل في لعبة تبادل الأدوار على كرسي الرئاسة الروسية مع رئيس الوزراء الحالي ديمتري ميدفيديف، حتى بات بإمكانه البقاء في قمة السلطة حتى عام 2024، على الأقل. ولعل مبرره في ذلك يستند إلى براثن شعبويته الممزوجة ببراثن شوفينية قومية روسية، بعد أن ركبه الهوس الشوفيني، وبلغ حداً جعله مهووساً بأصحاب راكبي الدراجات النارية، أو ما يعرفون بنادي ثعالب الليل، المعروفين بأشكالهم المميزة والمخيفة، تجسيداً لنزعته الشعبوية الشوفينية المتغطرسة، وذلك بعد أن استبدت ببوتين نزعتا القوة والعظمة، وادعاء إعادة بناء مجد روسيا الجديد، المشدود إلى قيصرية غابرة، والقائمة على استدعاء الماضي وأمجاده المندثرة، خاصة بعد أن سادت مشاعر الاحباط لدى غالبية الروس إثر السقوط المدوي للنموذج السوفييتي، وسيادة مظاهر انتصار وغطرسة النموذج الغربي.

ولجأ بوتين إلى دغدغة مشاعر الروس بادعاء إعادة بعث القومية الروسية وأمجادها، ورفع شعارات تؤكد ذلك المسعى، وخاصة شعار “روسيا فوق الجميع”، الذي استدعى تحقيقه العودة إلى أساليب وممارسات النموذج السوفييتي في القمع والإكراه والقوة، من خلال اجتراح مفهوم غامض هو “الديمقراطية السيادية”.

وبدلاً من أن يقف هذا المفهوم الغائم حائلاً أمام تدخل القوى الأجنبية في الأمور السيادية لروسيا، تحول إلى حائل أمام الروس أنفسهم، وحقهم في التعبير عن الرأي، والعيش بحرية، وممارسة الديمقراطية التي حلموا بها، فراح النظام البوتيني يشدد من قبضته الأمنية على كافة مفاصل المجتمع، ويحدّ من الحريات العامة، وتدجين الفضاء العام، ومسخ حراك المجتمع، وقولبة الثقافة والسياسة على مقاسه، مقابل تمتع أركان النظام وأزلامه بمختلف الامتيازات من خلال الفساد المستشري والإفساد العام، لذلك لم يتردد النظام البوتيني في بداية 2015 من اغتيال المعارض بوريس نيمتسوف في وضح النهار وبالقرب من الكرملين، عقاباً على قيادته موجة الاحتجاجات غير المسبوقة، التي شهدتها الحملة الانتخابية لفلاديمير بوتين في 2011-2012 عندما كان مرشحا لولاية رئاسية ثالثة.

وتدعي الشعبوية البوتينية الحكم باسم الشعب الروسي، بعد أن تصوره ميتافيزيقاها بوصفه كياناً كلياً متجانساً ومقدساً، واحداً موحداً، ومعصوماً من الخطأ. وعليه لا بد أن تحكم البوتينية روسيا، بوصفها حكم المقدس، المستند إلى دعم كنيسة أرثوذكسية ممالئة له، الأمر الذي وظف كي يبرر احتكار بوتين حق التكلم باسم الشعب، ولا مانع من أن تردد حاشية النظام السياسية ما ينطق به الزعيم الأوحد للشعب، وأن تزايد على الجميع في امتلاك النظام البوتيني ناصية القول والأمر، بما يعني إنكار حق الآخرين في القول، وسلبهم حق الاختلاف في القول والرأي، لذلك ليس مستغرباً أن تعادي الشعبوية البوتينية الأحزاب والنخب السياسية الأخرى، وتهزأ بالمفكرين وأصحاب الرأي الآخر، وتسلب المؤسسات الديمقراطية حقها في الوجود والنشاط، وتعمل على احتكار فسحات تبادل الرأي، وتضيّق الفضاء العام.

بالمقابل، لا تطرح البوتينية وأجهزتها أي برامج واضحة الملامح، بل تقوم بالتلاعب بعقول الجماهير، واستجداء وإثارة عواطفهم القومية، عبر إثارة الرهبة والمخاوف وبناء المزيف من الآمال، والترويج الدعائي لأطروحات وأفكار للأزمات والإشكاليات المعقدة، من خلال طرح حلول بسيطة لمختلف القضايا الداخلية والخارجية، حيث تستند إلى مقولة الانقسام، التي تنهض على بدهية وجود انقسام وصراع بين الشعب وأعدائه في الداخل والخارج، وتضخم وجود مؤامرات داخلية وخارجية، تستهدف سلامة وأمن روسيا وشعبها، مع مراهنتها الدائمة على حتمية انتصار الشعب الروسي، التي تستدعي وحدة الشعب وتماسكه حول قيادته البوتينية، بما يتطلب عدم السماح بوجود تنافس أو معارضة داخلية للزعيم الأوحد، المُلهَم، والقادر على إنقاذ روسيا ومحاربة الأعداء ودحر مؤامراتهم.

عبد الناصر حسو، باحث سوري: أردوغان الشعبوي جداً

الشعبوية مفهوم سياسي واسع، مراوغ، ومضلل، رغم استعماله على نطاق واسع في توصيف الحركات الدينية والقومية واليسارية. وفي قاعدة البيانات العالمية تُصنف خطابات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنها الأكثر شعبوية، ووصفته صحيفة الغارديان بـ”الشعبوي جداً”، لافتة إلى تبنيه خطابات ذات صبغة قومية إسلاموية تعمل على شيطنة الخصوم السياسيين داخل البلاد بهدف تسويق نفسه كقائد إسلامي، وسلطان عثماني مفترض، باستطاعته التصدي للدول الكبرى واستنهاض تاريخ المعارك، مؤكداً أن “العالم أكبر من خمسة” منتقداً هيكلية مجلس الأمن الدولي.

تمسكَن أردوغان بلبوس الليبرالية حتى تمكن من إدارة معركة سياسية ممتهناً خطاباً شعبوياً مع معارضيه في الداخل والخارج، ولم تشفع في الوقت ذاته توسلاته المتكررة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وكان تحالفه مع حزب الحركة القومية التركية انعطافاً تاريخياً للتوجه نحو روسيا الأوراسية، وعدم قطع الخيط الرفيع مع أميركا.

يعتمد أردوغان على لغة تستنهض المشاعر الدينية لدى بسطاء الناس من المسلمين في جميع البلدان الإسلامية وخاصة أكراد شرق تركيا، الذين يرجّحون كفة الميزان لصالحه في الانتخابات. لقد تبنى خطاباً شعبوياً قومياً تجاه الأكراد عامة، فهو لم يصعّد لهجته تجاه أوروبا وأميركا فحسب، بل أيضاً تجاه الأكراد والحزب الديمقراطي الكردي، لاستثمار العنصر القومي والديني في سياساته الداخلية والخارجية، والهجوم على عفرين واحتلاله ضماناً لأمن تركيا، من خلال خطاباته المتناقضة، وهو يرفع القرآن في كل مناسبة مثيراً عواطف مستمعيه بخطابات حماسية وأغان وطنية وتعابير محبوكة، مستخدماً خطابات مغرقة في الشعبوية، ضمن ثنائيات: نحن/هم، أنا /أنت، الأتراك الجيدون/الأتراك السيئون، والتوظيف البنيوي للمقدس الديني، الذي يشكل في جوهر الأصولية الدينية رافداً أساسياً للشعبوية السياسية، مؤمناً بأنه يمثل إرادة الناس الحقيقية، وأن الله إلى جانبه في معركته ضد المؤامرات المحبوكة، كونه يدافع عن الإسلام والأتراك الجيدين، مؤكداً أن “لا صديق للتركي إلا التركي”.

ينوس أردوغان في خطابه السياسي بين الشعبوية وبين القومية الإسلامية، ويستخدم مهارة كلامية في خطاباته الدينية التعبوية موظفاً المقدس الديني لدى البسطاء في تغييب العقل محرضاً على الكراهية في سبيل الظهور كبطل معلناً جملته: “نحن الشعب.. من أنتم؟”، مسقطاً عن خصومه السياسيين صفة الانتماء إلى الوطن والدين، وانطلاقاً من قول الفيلسوف الفرنسي بيير تاغييف: الشعبوي يبدأ بتضليل نفسه قبل الآخر، فأردوغان يعاني من أزمة فكرية قبل أن تكون أزمة سياسية، بدأت أزمته الفكرية منذ أن أطلق شعارات تحريضية: “المساجد ثكناتنا، والقباب خوذاتنا، والمآذن حرابنا، والمؤمنون جنودنا”، مبشراً بفاشية دينية لا تقل عن فاشية الحركات الراديكالية، كداعش والنصرة.

يستغل أردوغان في جميع خطاباته الهجوم على خصومه الافتراضيين، يكلّف تصريحه الشعبوي تركيا الدخول في توترات مجانية مع دول أخرى، مثلاً، ينسحب من مؤتمر دافوس بعد مشادة كلامية مع شمعون بيريز حول الحرب على غزة، موظفاً موقفه وهجومه لمصالحه السياسية، ومهدداً العالم: “إن فقدنا القدس، فلن نتمكن من حماية مكة والمدينة، وإذا سقطت مكة فسنخسر الكعبة”. ينعت إسرائيل بدولة الإرهاب دون التخلي عن علاقاته معها، يغالط نفسه للتأثير على المستمع باستخدام المقدس الديني من أحداث متخيلة، مفترضة، بهدف تحسين موقفه السياسي. يمنح لنفسه حق الوصاية الدينية على المقدسات الإسلامية. ينضمّ إلى تحالف محاربة الإرهاب ويسهل مرور داعش إلى سورية والعراق.

يبدو أن الخطاب الشعبوي التركي بدا أكثر تشدداً بعد انقلاب 2016، للتركيز على قضايا الهوية الدينية مستفيداً من مشاعر الغضب والاحتقانات والإحباطات التي تعيشها الشعوب العربية الإسلامية في ظل أزمات الداخل وتدخلات الخارج، وبسبب الانشقاقات الإثنية والعرقية، والتي تؤدي الخطابات الشعبوية إلى تفاقمها.

بيار عقيقي، كاتب وصحافي لبناني: الشعبوية اللبنانية والخلطة الطوائفية

لكل بيئة أو بلد في العالم تفاعله الخاص مع الشعبوية، مستولداً انسجامه الخاص معها، مما يسمح بتكوين تطرّف محدّد وموجّه. في لبنان مثلاً، يمكن صناعة الشعبوية من عاملين أساسيين: الطائفية والوطنية (وفقاً لبوصلة كل طائفة). ومع أن الأولى هي الأكثر تحفيزاً ورفداً للأفكار الشعبوية في البلاد، إلا أن الثانية تبقى مهمة، خصوصاً في سياق استخدامها من قبل السياسيين والأحزاب في الحملات الانتخابية، لوعد الناخبين بما لا يستطيعون بالأساس تقديمه. في الشعبوية الطائفية يكمن المسار اللبناني في مرحلة ما بعد الاستقلال (1943) في التحرّك وفقاً للسلوك الطوائفي، لسبب عدم قدرة النظام اللبناني عموماً على تكريس مبدأ الانسجام بين اللبنانيين، كونه مصنوعاً بالأساس لتفعيل العصب الطائفي لا الوطني.

بالتالي، كان لكل مرحلة شعبويتها الخاصة، التي تفيد مُحرّكها وخصمه على حدّ سواء. في لبنان ثمّة مبدأ يُترجم بقوة “عدوّي هو حليفي”، ما يعني أن الأحزاب والسياسيين يهاجمون بعضهم البعض في سياق شدّ العصب الطائفي، ومنع انزلاق الساحة من أيديهم لصالح طرف ثالث. ويستخدمون في ذلك كل أنواع الخطابات الشعبوية. فأيام معارك حزب الله وحركة أمل إبان الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990)، كان لرئيس حركة أمل، رئيس المجلس النيابي الحالي، نبيه بري، خطاب شعبوي اعتبر فيه حزب الله بمثابة احتلال مشابه للاحتلال الإسرائيلي قائلاً “لا فرق بين احتلال واحتلال” في منتصف الثمانينيات. اليوم، بري والحزب كالوجهين لعملة واحدة، أقله في العلن. أيضاً في الحرب، كان لرئيس الجمهورية الحالي، قائد الجيش في حينه، ميشال عون، خطاب يعلن فيه حرب تحرير ضد القوات السورية عام 1989، قائلاً “بدّي كسّر راسو لحافظ الأسد” (أي أريد تحطيم رأس الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد). اليوم عون حليف وثيق للنظام السوري. بدوره كانت لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، خطابات شعبوية عدة، إلا أن أبرزها حصل حين تمّ تهجير المسيحيين من الجبل عام 1983، وقتها قال جنبلاط في خطاب أمام أنصاره في قصر الأمير أمين في بيت الدين الشوفية: “ها قد عدنا يا مير أمين”، وهي عبارة تعني السيطرة على القصر، الذي شيّده الأمير بشير الشهابي لابنه أمين، وتحوّلت ملكيته من المطرانية المارونية إلى الدولة اللبنانية ثم قوات جنبلاط. جنبلاط نفسه كان له خطاب في مرحلة ما بعد الحرب، تحديداً في عام 2007، حين توجّه لرئيس النظام السوري بشار الأسد قائلاً: “يا طاغية دمشق، يا قرداً لم تعرفه الطبيعة، يا أفعى هربت منه الأفاعي، يا حوتاً لفظته البحار، يا وحشا من وحوش البراري، يا مخلوقاً من أنصاف الرجال، يا منتجاً إسرائيلياً على أشلاء الجنوب وأهل الجنوب، يا كاذباً وحجاجاً في العراق ومجرماً وسفاحاً في سورية ولبنان”. سابقاً، كان جنبلاط مستنداً على السوريين في حروبه الداخلية. بدوره، الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، توجّه طويلاً في خطابات مهاجمة للإسرائيليين، إلا أنه في لحظة ما قرر التوجه إليها بنفسٍ طائفي في عام 2013 قائلاً “قولوا رافضة، قولوا مجرمين، قولوا ما تريدون واقتلونا حيث شئتم، فنحن شيعة علي بن أبي طالب لن نترك فلسطين”.

وإذا كانت لكل تلك المراحل السابقة شعبوية “خاصة بها”، فإن الشعبوية هذه الأيام تطاول اللاجئين السوريين. الجميع تقريباً يريد استغلال مأساتهم. لذلك تمّ التعامل بشعبوية مطلقة في مسألة لجوئهم إلى لبنان. بالنسبة إلى تيار المستقبل، بقيادة سعد الحريري، فإن “هؤلاء فقراء ويحتاجون للحماية”، وهو ما يعني باللغة اللبنانية الصرف: خزان سني في مواجهة النفوذ الشيعي. بالنسبة إلى التيار الوطني الحرّ بقيادة جبران باسيل، فإن “هؤلاء قنبلة موقوتة يهددون الديمغرافيا المسيحية ويجب إبعادهم من هنا بأي ثمن”.

ومع أن الأفكار المحفّزة للشعبوية تتفاوت في كل حقبة في لبنان، إلا أن العامل الأبرز هو تعلّقها في الذاكرة الجماعية للطائفة، إذ يمكن أن تسمع أغاني لمليشيات اندثرت، وخطابات لأمراء حربٍ ذهبت بلا رجعة، كل يوم، في الأوساط الجامعية والمدرسية والضواحي. ويمكن تفسير ذلك بصناعة “الحنين” إلى ماضٍ كان فيه هؤلاء “أقوياء” في طوائفهم أو خارجها، كما يمكن تفسيره في الحاجة إلى بطلٍ ينبثق من شعبوية ما. يعني ذلك أن لبنان الغارق في طوائفه وأفكارها المحدودة، غير قادر على استيلاد من يكسر حلقة الشعبوية المتناسخة، ويُنهي حالة احتجاز العقل في السياسة والثقافة المجتمعية.

إياد الدليمي، كاتب وصحافي عراقي:  مقتدى الصدر.. شعبوية سياسية لمرجعية تكتمل

يمثل الزعيم الديني العراقي مقتدى الصدر الشعبوية السياسية بأصدق صورها، فالرجل الذي جاء من بعيد ولم يكن معروفاً حتى في أوساط المتدينين الشيعة قبل احتلال العراق، تمكن، مستفيداً من إرث عائلته، والده تحديداً، من أن يكون رجل الإنسان العراقي الفقير، وبطله وملهمه وشجاعه الأول، بل تحول في كثير من الأحيان الى السلطة الشعبية الوحيدة التي يمكن لها أن تقول “لا”؛ وتقف بوجه السلطة التنفيذية وحتى السلطة الاحتلالية للعراق عقب 2003.

ينحدر الصدر من عائلة دينية زاوجت بين العمل الديني والسياسي، فجده محمد حسن الصدر كان رئيساً للوزراء في العراق ابان العهد الملكي عام 1948، وعضو في مجلس الأعيان بعد ذلك، أما والده فهو المرجع الديني الشيعي المعروف محمد صادق الصدر.

هذا التاريخ العائلي الطويل والعريق كان أحد الأسباب التي أهلت مقتدى الصدر لتشكيل تيار كبير في العراق عُرف لاحقاً بالتيار الصدري، فعلى الرغم من تاريخ العائلة إلا أن الابن، مقتدى، لم يكن معروفاً خارج دوائرها ودوائر مقربيها، غير أن الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، منحه فرصة للبروز والظهور.

ما ميز الصدر عن غيره من الشخصيات الدينية في عراق ما بعد 2003، أنه سعى ليكون له خط مغاير، فهو أولاً لم يشترك بنفسه في العملية السياسية، وبقي وتياره الشعبي بعيداً عنها برهة من الزمن. وثانيا، سعى الصدر لاتخاذ مواقف متمايزة عن بقية الشخصيات والقوى الشيعية عقب الاحتلال، فقد أعلن بشكل واضح وصريح رفضه للاحتلال الأميركي، وأعلن عن مواقفه المؤيدة للمقاومة العراقية، وقدم الدعم للمقاومة المسلحة في مدينة الفلوجة عام 2004، رغم أنها مقاومة تختلف معه مذهبياً، بل الأكثر من ذلك أن فصيله المسلح اشتبك مع القوات الأميركية في النجف في ذلك العام.

كل ذلك أسهم في صنع نموذج الصدر، القائد الديني والسياسي الذي يمتلك القدرة على تحريك شارع كبير يمتد على مساحة واسعة من رقعة العراق الجغرافية. ويمتلك اليوم تياراً شعبياً واسعاً، على الرغم من أن له كتلة برلمانية واسعة شاركت في الانتخابات الأخيرة عام 2018، وعلى الرغم من أن بعض الوزارات تدار من قبل أعضاء في التيار الصدري، ومع ذلك بقي تيار الصدر هو تيار الشارع، التيار الذي يضغط به مقتدى الصدر كلما سعى لهدف معين، ولنا في تظاهرات تياره العديدة والواسعة في بغداد والمحافظات أمثلة عديدة لا مجال لذكرها هنا.

التيار الصدري بقيادة مقتدى يعد مثالا على الشعبوية التي صعدت عقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، المشكلة أن هذا التيار حجب صعود نماذج شعبوية أخرى، بل وصادر حتى حق العراقيين في توليد تيار آخر بعيداً عن عباءة الدين، فحتى التيار المدني الذي اشتد عوده في الفترة الثانية من حكم رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي (2010 -2014) سعى التيار الصدري إلى احتوائه وقام بالتحالف معه في انتخابات 2018، وعبر به إلى البرلمان ليذوب التيار المدني ولم يبق له من أثر في ظل هيمنة التيار الصدري.

وعلى الرغم من وجود تيارات سياسية أخرى في العراق إلا أن الشعبوية الصدرية ظلت مهيمنة مستفيدة من تاريخ الصدر وعائلته وأيضاً من النموذج الفقير الذي يقدمه الصدر في يومياته، فهو يسير في بعض الأحيان إلى مسجد الكوفة حيث يلقي خطبه هناك، وفي أحيان أخرى يركب سيارة عادية وحتى تاكسي، ناهيك عن مظاهر الزهد الأخرى التي يبدو عليها، ويضاف إلى كل هذا وذاك موقفه المناهض لحكومةٍ رغم مشاركة تياره السياسي فيها.

لقد ظل تيار الصدر، ورغم امتداده الشعبي الواسع في محافظات الوسط والجنوب، تياراً يفتقر لأي رؤية سياسية أو أيديولوجية تنظمه وتنظم عمله السياسي، وبقي معتمداً على ردات الفعل المتناثرة من وقت لآخر لزعيمه مقتدى الصدر، كما فشل هذا التيار في أن يشكل ظاهرة سياسية قادرة على أن تفرز طبقة تنفيذية يمكن أن تقود العراق بطريقة أفضل، بل إن هذا التيار أفرز في بعض مراحله شخصيات متنفذة اتهمت بالفساد وأخرى اتهمت بعمليات قتل وتطهير طائفي سعى الصدر للتخلص منها.

إن تمدد ظاهرة الصدر بين الفقراء والمعدمين ومعهم أنصاف المثقفين، ربما، لم تسمح لهذا التيار أن يعيد قراءة نفسه بنضج أكبر والخروج برؤية أيديولوجية واضحة قادرة على أن تصنع الفارق في ميدان السياسة بالعراق، هذا ناهيك طبعا عن أن زعيمه، مقتدى الصدر، ما زال يتدرج في مسيرته العلمية والدينية ولم يصل بعد لمرحلة المرجع التي تسمح له بوضع لبنة تيار ديني له أتباع ومقلدون في العراق أو خارجه.

عزيز المصري، باحث فلسطيني: حماس في شعبويتها المتدينة

من يقرأ ويتابع خطابات الحركات الإسلامية يعرف الأسباب التي صنعت لها تلك الشعبية والنفوذ بين الجماهير، وساعدتها في أن تكون الأقوى من بين سواها من الحركات والأحزاب القومية واليسارية والوطنية والليبرالية. فالخطاب الإسلامي يحتوي كافة الإمكانيات والمرتكزات التي تساعده في توظيف صناعة السلطة الاجتماعية للحزب والجماعة، خطاب ذو تأثير روحاني عال، قوي المفعول، وله ركائز أيديولوجية تحقق له مراده.

ينتمي الخطاب السياسي الإسلامي في القواعد والمقدمات، بل في نظام المفاهيم، إلى الخطاب الأيديولوجي والسياسي العربي المعاصر، وهو ينهل معطياته من ذات الثقافة السياسية التي نهلت منها سابقاته: فهو خطاب دعوي، تبشيري، تحريضي، يتجه إلى التعبئة والتجييش والتحشيد مثل سواه مما يشترك معه في ذات الأسس. وهو خطاب يميل إلى أن ينجز تواصلاً سهلاً مع جمهوره يحقق له الظهور والقوة والنفاذ، فهو ليس أكثر من نموذج من نماذج الأيديولوجيا الشعبوية، الأيديولوجيا الأوفر حظاً في مجال تنمية جمهور السياسة. ومع ذلك، فإن القوة الشعبوية في خطاب الإسلاميين تستمد أسبابها من مصادر أخرى مانعة، لا تشترك في الاعتياش منها مع الخطاب الإسلامي سائر الخطابات السياسية الأخرى.

من مرتكزات هذا الخطاب الشعبوي للحركات الإسلامية التي تتوافر في نموذج حركة حماس: توظيف الدين، والعقيدة، والإسلام، واللعب على المشاعر الروحية للجمهور، لتسويق النفس مدافعا عن الإسلام وشرف الأمّة والعقيدة، والسعي لأسلمة المجتمع من بوابة العادات والتقاليد، وإتقان فن الوصول إلى نقاط الضعف الحساسة لدى الجمهور، وكيفية توظيفها بحرفية عالية، تضمن التحشيد والاستقطاب الجماهيري. وليس من فراغ أن قال ماركس جملته المشهورة “الدين أفيون الشعوب”، إذ له مفعول السحر في التعبئة والحشد والاستقطاب. ويمتاز الخطاب الإسلامي بأنه خال من المنافسة، يلعب وحيدا في خانة توظيف الدين في مواجهة التيارات العلمانية واليسارية الليبرالية.

المعارضة وفساد السلطة الحاكمة: وهذه توفر للحركات الإسلامية، ولحركة حماس نموذجا، أوراق قوة للعب على الوتر الشعبوي في الشارع، وتسويق فساد السلطة وتعريته في محاولة لوضع نفسها بديلا محتملا قادرا على معالجة فساد السلطة وأدواتها. فعندما تقوم السلطة الفلسطينية باعتقال كوادر من حماس، تبدأ الدعاية الحمساوية في تصوير الأمر وكأنه للقضاء على المقاومة، وتبدأ بسرد سيرة المعتقل، وأنه ابن شهيد، أو أن أخاه شهيد، وتعتمد حماس هنا على مكانة الشهيد لدى الجماهير، وكيف تقوم السلطة باعتقال شقيق شهيد؟!

المقاومة: من خلال المقاومة استطاعت حركة حماس الحصول على شرعية وأفضلية في الساحة الفلسطينية، والعربية أيضا، باستغلال شعارات شعبوية معتمدة على السلوك السياسي للسلطة الفلسطينية، القائم على المفاوضات والتسوية السياسية السلمية، واعتمدت على خطاب تخويني تكفيري، بالشقين السياسي والديني، لتشويه صورة السلطة، مثل اتهامات قمع السلطة للمقاومة، وأن الاعتقالات ضد كوادر حركة حماس هي لمحاربة الحركة الإسلامية والإسلام، بل وصل أمر استغلالها للخطاب الشعبوي للسيطرة على قطاع غزة، إلى إصدار فتاوى تحلل دم عناصر الأجهزة الأمنية، وحركة فتح، كما وصف القيادي الراحل في حركة حماس، نزار ريان، ما يجري في غزة، بأنه محاربة للزنادقة العلمانيين. هذا الخطاب في فترة من الفترات لعب لصالح حركة حماس في تكريس وجودها في الحكم في قطاع غزة.

ياسر غريب، باحث وشاعر مصري: “الإسلام هو الحل”.. الشعار السحري

أصبحت عبارة “الإسلام هو الحل” منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي أبرز الشعارات السياسية الضاغطة على الشارع المصري والمؤثرة في قراره الانتخابي، فقد استطاعت من خلاله جماعة “الإخوان المسلمين” -المحظورة آنذاك- أن تسيطر على المساحة السياسية المسموح بها للمعارضة بالرغم من عدم امتلاكها حزباً سياسياً.

كانت شعارات الجماعة هي الأقرب إلى نفوس الجماهير من لافتات الأحزاب الأخرى، ساعدها في ذلك تجريف الحياة الحزبية في العهد الناصري ثم خفوت وهج القومية العربية بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967.

صفوف الجماهير التي يحق لها الانتخاب لا طاقة لها بمعاني الليبرالية، الاشتراكية، القومية…إلخ، تلك الألفاظ النخبوية غير المُجرَّبة التي تُزيِّنُ بها الأحزاب الكرتونية المستحدثة لافتتها، وهي بالطبع ألفاظٌ تحملُ دلالات سلبية بفضل الخطاب الديني المسيطر آنذاك! في المقابل ستكون الجموع الغفيرة أكثر تفاعلاً مع التيار الذي ملأ الجدران بشعار “الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا”. وهي عبارات لها قداستها في قلب المتلقي المهمّش، حتى لو لم تكن تحوي بداخلها برنامجاً سياسياً واضح المعالم والأهداف. أضف إلى تلك الشعارات ذلك الخطاب الأممي الحماسي العابر للحدود الوطنية، الذي يداعب القلوب بالحديث عن القضية الفلسطينية وواجب تحرير المسجد الأقصى.

بالشعارات سيتم تحفيز الجماهير وتوجيهها نحو الاختيار، وسيكون لأسبقية شعار “نعم للأيادي المتوضئة” فِعْلَ السحر في الترجيح بين المرشحين البرلمانيين، في إشارة إلى نزاهة مرشحي التيار الإسلامي الذين يتمتعون بالصلاح والتقوى على عكس أعضاء الحزب الوطني الحاكم المستبد الغارقين في الفساد، والذين تأخر شعارهم المضاد “كلنا أيادٍ متوضئة” بلاغةً وتأثيراً.

ولم يكن استنفار الناخبين للخروج بكثافة بحاجة إلى شحن إعلامي أو فني على طريقة “قوم نادي ع الصعيدي وابن أخوه البورسعيدي”؛ إذ كان يكفي أن يَطبع شباب التيار الإسلامي المتحمس على الحوائط عبارة “صوتك أمانة” متبوعة بالآية القرآنية: “وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ، وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ” حتى يخرج الناس إلى صناديق الاقتراع أفواجاً.

وقد حمل السلوك الشعبوي الضاغط الذي أداره التيار الإسلامي بواسطة جماعة الإخوان المسلمين خلال العقود الأربعة الأخيرة العديد من المظاهر ذات العلاقة بالكيانات الدينية والسياسية الأخرى. فعلى الرغم من تناقض مبادئها مع مبادئ جماعة الإخوان المسلمين؛ وجدت الأحزاب السياسية اليمينية واليسارية البارزة أن التحالف مع الجماعة، والانضواء تحت لوائها الشعبوي، هو الاختيار الأنجع للبقاء في المشهد السياسي الصوري.

حزب الوفد الليبرالي، الذي كان له نصيبٌ في حكم مصر قبل يوليو/تموز 1952، والذي يحمل شعار الوحدة الوطنية ممثلة في تعانق الهلال والصليب؛ حاول العودة إلى الحياة السياسية في الانتخابات التشريعية في 1984 عن طريق امتطاء الشعبوية الدينية التي عرفت طريقها إلى الشارع المصري منذ منتصف السبعينيات، وقد تحقق للوفد ما أراد وحصد 57 مقعداً برلمانياً، وهو رقم لم يقترب منه أبداً في كل الانتخابات اللاحقة التي خاضها بمفرده دون مساعدة من الشعبوية الدينية!

في الانتخابات التشريعية التالية 1987، حاول حزبان اشتراكيّان (حزب العمل وحزب الأحرار) تجريب حظهما بالتحالف مع التيار الديني المهيمن على الجماهير؛ وكان من مفارقات نتائج هذه الانتخابات فوز المرشح القبطي جمال أسعد على قائمة هذا التحالف تحت شعار “الإسلام هو الحل”!

وعلى الجانب المسيحي، وجدت الأقلية الأرثوذكسية نفسها مضطرة إلى تكتل شعبوي مضاد، والإعلان عن نفسها باعتبارها كياناً له القدرة على إحداث الفارق الانتخابي. وإذا كان الأقباط -منذ عقود- يُعرِّفون أنفسهم بأنهم “شعب الكنيسة”؛ فقد برز “شعب الكنيسة” موحداً ومتكاتفاً ومشحوناً لصالح المناوئين لمشروع الإسلام السياسي البارز على الساحة المصرية، خاصة بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، وصولاً إلى 30 يونيو/حزيران 2013 وما بعدها.

 (4)

إبراهيم فريحات، أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا: أي شعبوية للمجتمع العربي؟

يصعب فهم مصطلحات مثل الشعبوية دون الاطلاع على السياقات التاريخية والثقافية والمجتمعية التي نشأت وتطورت بها. كذلك لا بد من الأخذ بعين الاعتبار جوانب تأقلم مثل هذه المصطلحات عندما تحط رحالها في سياقات ثقافية جديدة مختلفة عن تلك التي نشأت فيها. فالشعبوية التي يشار إلى نشوئها وتطورها في نهاية القرن التاسع عشر، وتحديداً مع ثورة تحرير الفلاحين في روسيا القيصرية عام ١٨٧٠، وحالة احتجاجات الريف الأميركي ضد المصارف وشركات السكك الحديدية، تتطلب فهماً خاصاً للتعامل معها اليوم في مجتمع آخر مثل المجتمع العربي. وتصبح عملية توطين المصطلح أكثر إلحاحاً عندما يكون المفهوم متغيراً وغير ثابت مثل “الشعبوية”. فبينما ولد مثل هذا المصطلح تاريخياً ليصف عملية الممارسة السياسية للشعب وتقديس دوره في العملية السياسية ككل، أصبحت الشعبوية اليوم تفهم على أنها حالة انتهازية سياسية ترتكز على استثمار مشاعر الشعب، واحتكار تمثيلها، للوقوف ضد الدولة ومؤسساتها بشكل خاص، والنخب المجتمعية بشكل عام.

كان للشعوب العربية دور بارز في ممارسة السياسة في حروب الاستقلال والنضال الوطني ضد الاستعمار الأجنبي. ولربما استمر ذلك أيضاً في لحظات تاريخية محددة مثل مرحلة حكم جمال عبد الناصر، الذي استند إلى شرعية شعبية في حكمه تعدت الحدود الوطنية للدولة المصرية. ولكن بشكل عام، فإن ولادة الدولة الوطنية العربية ما بعد حروب الاستقلال قد قامت على نظام الحكم الدكتاتوري الذي ألغى دور الشعب في العملية السياسية، وحكم بالحديد والنار، مخضعاً الشعب لرغباته وتوجهاته الشخصية، فلم يعد هناك دور سياسي للشعب حتى تكون هناك شعبوية يستغلها ويستثمر بها لاعبون سياسيون، وبذلك فقد أصبحت لدى المجتمعات العربية “شعبوية مقلوبة”، أي أن الشعوب هي التي تأقلم برامجها ونظم حياتها ومتطلباتها الحياتية مراعاة لأهواء ونزوات الحكام وآرائهم المتقلبة وليس العكس. فالمواقف السياسية للشعوب العربية لم تدخل في حسابات الحاكم أصلاً وعليه فلم تتكون لدى المجتمع العربي “شعبوية” بالمفهوم الأوروبي، أو تلك التي نشأ بها في نهاية القرن التاسع عشر.

اختلفت الآراء مع بدايات الربيع العربي، عندما ضعفت الدولة الدكتاتورية وأصبح لممارسة الشعوب للسياسة دور أساسي في العملية السياسية ككل. وبما أن المشاركة الشعبية في العملية السياسية لم تتطور ضمن سياقات تاريخية عربية ملائمة لها، فقد ظهرت الشعبوية في فترة الربيع العربي بشكلها الفج، القائم على ادعاء تمثيل الشعوب، واستغلال عواطفهم الجياشة، وأداة لإقصاء الآخر، على اعتبار أن كل طرف يحاول احتكار شرعية التمثيل للمواقف الشعبية.

الشعبوية نشأت مع ثورة تحرير الفلاحين في روسيا القيصرية قبل الثورة الاشتراكية 

الانتهازية السياسية للاعبين على الساحة العربية ظهرت هي الأخرى بشكلها المتوحش، فلم يعد من المهم ماذا يفكر السياسي وكيف يرى المصلحة الحقيقية لمجتمعه، بل أصبح معيار كسب تأييد الشارع العربي ودغدغة مشاعر الشعوب الثائرة هو المعيار الذي يستند إليه السياسي في بناء مواقفه. وكما يصف فوكوياما الشعبوية بأنها أحد أمراض الديمقراطية الليبرالية، فإن تخبط التجربة الديمقراطية في مرحلة ما بعد الربيع العربي قد ساعد على بروز “شعبوية متخبطة” أو “مشوهة” بهذه المرحلة. هذا لا يعني أن الشعبوية الغربية أفضل حالاً من نظيرتها العربية، ففي حين أن المجتمعات الغربية أنتجت شعبوية يمينية متطرفة فقد أنتجت ثورات الربيع العربي شعبوية ليبرالية متحررة، وبنفس الوقت، ذات نزعة يسارية لم تخلُ من بعد يميني محافظ أيضاً وهو النموذج الشعبوي المشوه وغير المنسجم الذي ذكرناه سابقاً. حالة القفز من النقيض للنقيض تعمق أزمة المجتمع العربي السياسية، والخلاص منها يكمن في بناء دولة المؤسسات التي ستعمل على تحجيم كلتا الظاهرتين الدكتاتورية منها والشعبوية.

ماجد كيالي، كاتب سياسي فلسطيني: عن “الشعبوية” وتداعياتها

أعتقد أن مصطلح الشعبوية هو بمثابة رديف لمصطلح الجماهير، إذ أن كليهما قاما على أسطورة متخيّلة، تم اصطناعها تاريخيا، بوسائل الدعاية والسيطرة الأيديولوجية، الدولتية والحزبية، في حقبة صعود التيارات الأيديولوجية الحديثة، ذات الطابع العصبوي والمغلق والمطلق، سواء كانت قومية أو اشتراكية أو دينية، إذ كل تلك التيارات أضحت بمثابة طوائف هوياتية، أو ما يشبه الطوائف “الدينية” مع أديان أرضية.

وكما شهدنا فإن زعماء، أو قادة الدول والأحزاب، طالما حاولوا الادعاء بالقرب من الشعب، وبالأحرى مماهاة أو اختزال الشعب بهم، أي بشخصهم وبقيادتهم، ولطالما تحدثوا عن الجماهير، وعيّنوا أنفسهم ناطقين باسمها، وحرّاسا على مصالحها، وأوصياء على مستقبلها، فهم بمثابة الآباء الموكّلون.

وعلى أية حال فإن “الشعبوية” في بلداننا تغذّت من عوامل متعددة، أهمها: 1) هيمنة النزعة العاطفية والإرادوية في التفكير السياسي العربي. 2) تعثّر بناء الدولة الحديثة، لصالح الدولة السلطوية، ما أخّر ولادة مجتمع مدني بمعنى الكلمة. 3) الافتقاد لأطر وعلاقات سياسية حداثية، تتأسّس على المواطنة والمصالح المشتركة، والحريات الفردية، وفصل السلطات، وسيادة القانون، والتعددية الحزبية، والمشاركة والانتخاب والتداول. 4) استغراق السياسة العربية، في القرن العشرين، بمواجهة الاستعمار والمشروع الصهيوني والسياسات الإمبريالية في المنطقة، من دون أي مبالاة بالتحديات أو المخاطر الداخلية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي ترتكز على تطوير البشر، والعمران البشري، بحيث لم ننجح لا في مواجهة التحديات الخارجية ولا الداخلية. وبالمعنى التاريخي فإن مصطلح الجمهور (الحديث) يقترن بمصطلح الرعية (الماضوي) الذي يشير إلى كم من الكائنات قائمة خارج مفهوم الأنا الحر، أي التي لا تعي ذاتها الإنسانية والاجتماعية، وهذا هو مقصد النزعة الشعبوية، التي تنمّط البشر، وتجعلهم بمثابة قطيع مطيع، يتربى ويعتاد على الخضوع والخنوع، وحتى أن عديد من مفكري عصر النهضة تعاملوا بتحفّظ مع مفهوم الجماهير أو العوام، وضمنهم محمد عبده والكواكبي، مع مصطلحات مثل الغوغاء والرعاع. وكان ياسين الحافظ، قبل عقود، تحدث عن “الكتلة الهامدة” في الأمة “حيث الشعور بالرعوية إزاء الدولة هو الغالب لدى القسم الأكثر تأخرا من الأمة، وحيث الشعور بالمواطنية لدى القسم الأقل تأخرا لم يصل في حدته إلى مستوى عنيد وقتالي”. ويقول الحافظ: “النمط الميتافيزيقي من الإيمان بـ ’الإنسان العربي’ عجز عن إعطاء أساس واع ودائم للالتزام بالشعب.. ولعب، بما ينطوي من قبليات أسطورية مجافية للعلم، دورا كبيرا في حجز العقل العربي عن اللحاق بالعصر. لقد اثبت فقط كم هو عميق التأخر الذي يسحق الشعب العربي” (ياسين الحافظ “اللاعقلانية في السياسة”، بيروت: دار الطليعة 1975، ص6 ـ7).

على الصعيد الفلسطيني، مثلا، فإن الحركة الوطنية الفلسطينية، منذ انطلاقتها في منتصف الستينيات، نحت نحو تغليب اللغة الشعبوية، الشعاراتية ـ العاطفية والتعبوية، التي تتسم بالإرادوية والذاتية، في خطاباتها السياسية، وذلك على حساب اللغة الواقعية، التي تغتني بالأفكار، وتطرح القضايا، وتفكك الإشكاليات، وتشتغل على الإمكانيات وتطور المعطيات. ولنأخذ مثلا شعار: “حرب التحرير الشعبية طويلة الأمد”، إذ أثبتت التجربة أن الساحة الفلسطينية لم تعرف هذا المصطلح بالممارسة، ولا في مكان، ناهيك عن عدم امتلاك أدواته، أو المعطيات التي تسنده في الواقع، ومع ذلك فقد ظل ذلك الشعار أثيرا عند الفلسطينيين وأدبياتهم الصاخبة. ولنأخذ مثلا شعار: “ديمقراطية البنادق” أو “السياسة تنبع من فوهة البندقية”، وقد بيّنت التجربة أن المبالغة بالبعد العسكري يؤدي إلى اختزال البعد المدني ـ الشعبي، وأن الديمقراطية الفلسطينية كانت مجرد ديمقراطية كلامية، شكلية، لافتقادها لحياة حزبية ولحراك سياسي داخلي، ولمسألة التمثيل والانتخابات وتداول السلطة. والثابت أن الديمقراطية والبندقية (بمعناها كسلطة قسرية زجرية متّجهة للداخل) لا يلتقيان ولا يندمجان ولا يتناغمان. أيضا شعار: “القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للأمة العربية”، في حين بينت التجربة أن تلك القضية، رغم الاحترام لمشاعر الإنسان العربي في كل مكان، لم تكن حقا ذات مكانة مركزية، لا عند الحكومات ولا عند المحكومين، إذ أن لكل شعب قضاياه وحاجاته، أما الحكومات فقد اشتغلت على إعلاء شأن قضية فلسطين من قبيل نيل الشرعية، أو من قبيل الابتزاز أو المزايدة، أو لتحسين صورتها ومكانتها في الداخل والخارج، في حين أن كلها أو معظمها شارك في “مرمطة” الشعب الفلسطيني، كأن فلسطين شيء وشعبها شيء آخر! طبعا يمكن أن نتحدث عن شعارات كثيرة صاخبة، وفارغة أيضا، من مثل “شعب الجبارين” في حين أن الشعب الفلسطيني شعب ضعيف الإمكانيات ومجزأ ومشرد، ويخضع لأنظمة عديدة، ومثل شعار: “سنزلزل الأرض تحت أقدام إسرائيل”، في حين تتزلزل الأرض تحت أقدام الفلسطينيين.

لا مخرج من هذا الوضع إلا بتعزيز التفكير النقدي، وإنزال السياسة والأيديولوجيا من مجال المقدس إلى مجال التداول، ومن المجال الهوياتي إلى المجال المصلحي، ولا بديل إلا بإعلاء شأن المواطنة، في دولة مواطنين أحرار ومستقلين ومتساوين.

خالد الحروب، باحث وأكاديمي فلسطيني: ضحايا التكلس الشعبوي

من زاوية ما، يمكن القول إن دينامية أي مجتمع أو حضارة تتدرج بين حالتين: الحيوية والتكلس. كلما ازداد المجتمع حيوية انطلقت طاقات أفراده وإبداعاتهم المختزنة أو المكبوتة أو المقموعة، واندفع المجتمع بكلّيته (وبدولته وأشكاله السياسية والاجتماعية والاقتصادية) إلى مراحل متنوعة، أكثر صحة وحرية وإنجازاً وانفتاحاً وتفاعلاً. على العكس من ذلك، كلما ازداد المجتمع، أو الحضارة المعنية، تكلسا، كلما طُمست إبداعات أفراده وطاقاتهم، وتعمق انغلاق الذات الجمعية على نفسها، وظلّ المجتمع بالتالي يغرق في مستنقعات ساكنة يأكلها العفن الداخلي. والشعبوية هي إحدى البنى المؤسسة للتكلس الذاتي والجماعي، لأنها تعزز الغرور الثقافي والديني والسياسي، الذي لا يقوم على منطق تبدل الأشياء وتحوّلها، بل يصرّ على نفخ ماضيها ليصل إلى الحاضر، ويحتله، ويحتل المستقبل أيضا. إحدى المعضلات الكبرى للشعبوية، التي تتمظهر سياسيا وقوميا ودينيا، تبعا للسياق المعني، تكمن في تفاقم كوارثها في أوقات الهزيمة والاندحار الحضاري. هنا، تطرح الشعبوية خيارا هروبيا غالبا ما يكون نحو “الماضي التليد”، و”المجد الغابر”، قوميا، أو نحو الالتزام الديني المتنمر والغاضب، بكون هذا الالتزام يمنح الملتزمين به مرتبة أسمى من مرتبة “الآخر المنتصر مادياً”، وهو بالمناسبة ما سماه سيد قطب “استعلاء الإيمان” – أي أن المؤمن (حتى لو كان متخلفاً حضارياً ومادياً) يجب أن يستلهم شعور الاستعلاء والانتصار على غير المؤمن (حتى لو كان متقدماً حضارياً ومادياً). والاتجاه الهروبي الثاني يكون نحو المستقبل الذي سوف يشهد انتصارنا وعودة مجدنا مرة أخرى. وصنفا الهروب هذان لا رافعة لهما سوى الخطاب عالي النبرة والرطانة، المتوجه نحو العاطفة القومية أو الدينية. والشيء الذي يشترك فيه هذان “الهروبان” هو احتقار الحاضر وعدم الالتفات إليه، أو تقديم برامج وتصورات ومقاربات عملية لتغييره. الحاضر هو الضحية الأولى للشعبوية الدينية والقومية، لأن هذه الشعبوية تستمد مفردات خطاباتها، التي تلهب بها الجمهور، من الماضي (الانتقائي وأحيانا المفبرك) لترسم صورة مثالية وخيالية وخالية من العيوب، ثم تقوم ببناء مفردات، وعالم حول المستقبل، مرتبط بذلك الماضي الخيالي. وهكذا يُسترذل الحاضر بكل وطأته وحضوره ومآسيه، وما يترتب على ذلك الاسترذال هو المهم، وهو الاستقالة عن مواجهته، عوض العزم على التصدي له وتغييره.

وفي سياق ظافرية هذه الشعبوية، التي نرى راهنا مظاهر كثيرة لها دينية وثقافية وشوفينية في عالمنا العربي، هناك اعتلالات عديدة يصعب التعرض لها جميعاً في هذه الملاحظات المختصرة. لكن واحدة منها تلحّ على النقاش، ومتعلقة بموقف المثقف من الشعبوية، والمقصود هنا المثقف الحقيقي: أي المثقف الناقد والمثقف القلق. فهنا علينا أن نفرّق بين هذا المثقف الحقيقي وبين ما أسميه “المتثاقف المهرّج”، وهو الحليف العضوي للشعبوية (وللشعوبية أيضا) وأحد أهم ممثليها الرسميين. ونرى أصنافا وتعبيرات وتمظهرات لهذا المتثاقف عبر التهريج الإعلامي والشعبوي، ينتشر في الإعلام اليوم، سواء التلفزيوني أو وسائط الإعلام الاجتماعي المُتاحة للجميع. ويعبر هذا المهرّج المتثاقف عن نفسه إما على شكل شخصية إعلامية (وغالبا تلفزيونية) مستشرسة، أو كاتب منحاز بصفاقة مُدهشة ومتبدلة، أو رجل دين يغرق ويُغرق الآخرين في خطاب طائفي متعصب، أو خطاب ديني متعصب إقصائي، أو متحالف مع سلطة استبدادية، أو في شبه مثقف علماني مُستعل هو الآخر على المجتمع، ويغرق في استشراق ذاتي لا يقدم إلا الجلد الذاتي والعجز الجمعي، وهكذا. وفي هذا السياق التهريجي يكون العقل والمنطق الضحية الثانية الأهم للشعبوية. وإذا جمعنا الحاضر كضحية أولى، والعقل كضحية ثانية، فإن الناتج هو المزيد من التكلس للمجتمع وثقافته ومستقبله، ويغدو المجتمع بالتالي الضحية الأكبر والأكثر نزفاً.

حيان جابر، كاتب فلسطيني: عناصر الشعبوية في خصوصيتها العربية

يمكن تحديد بعض العناصر الرئيسية التي تُكون مجتمعه أو منفردة ملامح السياسة الشعبوية في منطقتنا العربية، على الصعيدين؛ الرسمي ممثلا بالحكومات والرؤساء؛ وغير الرسمي ممثلا بالقوى والأحزاب والجمعيات المعارضة للسلطة. وقد نتمكن كذلك من استخلاص أهم غاياتها وأهدافها، مع الأخذ بعين الاعتبار حداثة الشعبوية المعارضة، إن جاز التعبير، مقارنة بالرسمية، استنادا إلى تاريخ المنطقة الاستبدادي الحافل بقمع واعتقال المعارضين أفرادا أو مجموعات، مهما كان حجمهم أو مكانهم أو حتى خطابهم.

بكل الأحوال تتكون الشعبوية العربية الرسمية من ثلاثة عناصر شبه متساوية القوة. ويتمثل أولها في استعادة وتكرار ذات الشعارات التي تدغدغ أحلام الشعوب، كتحرير الأراضي العربية المحتلة وعلى رأسها فلسطين، والرفاه الاجتماعي والاقتصادي، والسيادة الوطنية، وغيرها من الشعارات الرنانة وفق المرحلة التاريخية ومقتضياتها. ويتمثل ثانيها في الإصرار على الكثير من اللغو الذي يفقد الخطاب أو النهج من أي مضمون فكري، أي يتم إفراغ الشعارات من معانيها ومقاصدها، وبالتالي من مرتكزات تحقيقها، وكأنها كواكب معزولة قائمة بذاتها لا تتأثر بمحيطها ولا تؤثر عليه، وما على الشعب سوى الصبر والمزيد من الصبر الذي يبدو أنه لن ينتهي. وأخيراً لدينا التفرد ورفض الآخر، أي معاداة التعددية، وهو جزء عضوي ورئيسي في المنظومة الاستبدادية، حيث تعتبر أنها المعبّر الوحيد عن الرأي الشعبي الذي لا يحتمل أي تأويل آخر، ومن البديهي الأخذ بذلك كمسلمة غير قابلة للنقد أو النقض والتشكيك، ولا حاجة بتاتا لأي نوع من أنواع البراهين والأدلة على صحتها، بل على العكس يتم بناء سلسلة من القوانين والأفعال الاستبدادية بالاستناد إليها بذريعة درء خطر الأصوات التي لا تمثل الشعب – كل ما يخالفها- خدمة للوطن والمواطن.

وعليه، تعبّر الشعبوية الرسمية- مبدئيا- عن سلوك مقصود، يراد له أن يوحي بمدى قرب الأنظمة من هموم وتطلعات الجماهير بعد إفراغ هذه التطلعات والهموم من مضمونها الرئيسي، بحيث يسهل تضليل الشعب بمدى جدية تحقيق هذه الأهداف والنقاط عموما، لتمضي الأيام والشهور والسنوات دون أي تغيير حقيقي واقعيا، وبتغير طفيف في الخطاب الرسمي، عبر تضمينه سلسلة من الاتهامات التي تحمّل أطرافا وجهات خارجية وداخلية عميلة- معارضة- مسؤولية ابتعادنا عن تحقيق أحلامنا وغاياتنا. ولاستكمال صورة الشعبوية العربية لا بد من تلمس تمددها في الأوساط والأطراف غير الرسمية أو المعارضة، التي كانت الشعوب العربية قد علّقت عليها الكثير من الآمال في أعقاب موجات الثورات العربية الأخيرة – المعروفة إعلاميا بالربيع العربي- في 2010، على اعتبارها نقيض الأنظمة القائمة، حتى اكتشفت الشعوب يوما بعد يوم أن غالبيتها قد تشربت ذات الأسلوب والمنهج التضليلي والتسويفي المتبع من قبل الأنظمة، فضلا عن ذات السلوك المتفرد والقسري، حتى غدت صورة مطابقة ومشوهة عنها لا أكثر؛ حيث غابت التحليلات والنقاشات الجدية والشاملة التي تعنى بدراسة أفق ووسائل تحقيق الأهداف الشعبية لصالح التمسك بذات الخطاب الجامد الشعبوي، الذي يدّعي التمسك بتحقيق الشعارات الشعبية العامة والفضفاضة، حتى عندما تثبت ممارسته عكس ذلك. فالشعب وفق نظرة الشعبويين مجرد دمى يسهل خداعها والتحايل عليها، ولا أهمية حقيقية لإرضائها وكسب ثقتها قولا وفعلا، لثانوية دورها في تزكية هذا النظام أو الرئيس أو ذاك، مقارنة بمركزية الدور الخارجي والأمني، وربما حصريتهما؛ الأمر الذي يجعلنا موقنين بأن الشعبوية السياسية نهج فكري وممارسة عملية تهدف إلى تشويه الوعي الشعبي، وحرفه عن غاياته وأهدافه السامية، والانشغال بصراعات جانبية مدمرة تبعده في الواقع عنها، كما أنها ممارسة منحرفة تسعى إلى تعزيز مجموعة من الأفكار والممارسات المريضة التي تفسد المجتمع أو جزءا منه، مما يعيق مسار نهضته ونهوضه، وهي أخيرا سلطوية واستبدادية تعمل على سحق الآخر أيا كان من أجل مركزة السلطة بيد فرد أو مجموعة محددة ومتحدة، وهو ما يجعل مجابهتها عملية طويلة تبدأ فكريا كي تنتهي بضوابط قانونية ودستورية تعزّز فصل السلطات واستقلالها عن أي قوى تأثير داخلية أم خارجية، سياسية أم اقتصادية.

بشار يوسف، كاتب وصحافي سوري: الخطاب الشعبوي بين اليمين واليسار

خلال السنوات الأخيرة حققت الأحزاب اليمينية، المتطرفة منها خاصة، كثيراً من الانتصارات الانتخابية في عدد من الدول الديمقراطية الغربية، الأمر الذي سمح لها بالوصول إلى الحكم في عدد منها، أو على الأقل كسب مقاعد أكثر في البرلمانات، ما أثار مخاوف كبيرة من انهيار كثير من التوازنات السياسية والاقتصادية، وحتى الاجتماعية، وأعاد إلى الأذهان ما كانت عليه الحال قبيل الحرب العالمية الثانية، في ظل وجود أحزاب يسارية متطرفة، اعتمدت النهج الشعبوي ذاته.

مكاسب الشعبوية ما كانت لتتحقق في الغالب لولا تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تلك الدول، لتعمد أحزاب اليمين المتطرف إلى استهداف مشاعر وحاجات شرائح محددة، وطرح حلول لمشاكلها، عبر إلقاء اللوم على سياسات الحكومة وطريقة تعاملها مع ملفات حساسة، كالهجرة والإرهاب وقوانين العمل والضرائب وغيرها. براغماتية اليمين الشعبوي أفقدت التيارات اليسارية أوراقاً رابحة استندت إليها في خطابها الموجه للطبقات العاملة عبر مناهضتها للنظام الرأسمالي، لكن أفكار اليسار ممثلاً بالتيار الاشتراكي الديمقراطي لم تدرك ما أصاب العمال والطبقة الوسطى من تغيرات عميقة أفقدتها مكانتها الاجتماعية بفعل السياسات الليبرالية والحدود المفتوحة، وترجيح الاعتبارات غير الوطنية.

تغلغلت الشعبوية داخل التيارات اليسارية التي تعادي المؤسسات التقليدية والنخب، وتدعو لإغلاق الحدود بحجة المخاوف الأمنية التي تهدد المجتمع، لتتراجع مبادئ اليسار التقليدي التي تدعو إلى الانفتاح والعالمية والترحيب باللاجئين، فلم تعد الشعبوية حكراً على اليمين الأوروبي.

اليوم بات الترويج لأي خطاب شعبوي أسهل مع زيادة معدلات الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي كمصادر للأخبار، وإعادة نشرها لتصل إلى عدد أكبر من المستخدمين دون التحقق من صحتها، فضلاً عن حجم المعلومات التي يمكن جمعها من هذه المنصات عن حاجات الناخبين وتخوفاتهم، ولعل الحديث عن تأثير ذلك على نتائج الانتخابات الأميركية هو أفضل دليل على ذلك.

اليمين المتطرف في الغرب اعتمد نهجاً سياسياً شعبوياً قريباً من طريقة عمل الشركات، عبر دراسة احتياجات زبائنها المستهدفين، وزيادة مبيعاتها عبر توفير سلع تناسب تطلعاتهم، بغض النظر عن المنفعة الحقيقية التي تقدمها لهم، في حين أن اليسار المتطرف، والأنظمة القومية أو الدينية، استفادت أكثر من خلق الحاجة لدى زبائنها واحتكار توفيرها عبر خلق العدو/ الآخر والتخويف منه والتحريض عليه.

أما في المنطقة العربية، ومنذ نيل الدول استقلالها، ومع غياب وجود خطط اقتصادية وتنموية حقيقية، نزعت الأحزاب الحاكمة، في سبيل تثبيت سلطتها، أو تحقيق مكاسب إقليمية، إلى الاعتماد بشكل كبير على خطاب شعبوي، يغذي ويتغذى من المشاعر الوطنية والقومية، والانتماءات الطائفية، وهو ما تجلى في كثير من الصراعات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، وبلغ ذروته في السنوات الأخيرة. في المقابل، لم تستطع التيارات المعارضة لتلك الأنظمة تقديم نماذج أفضل مما تعارضه، بل إنها أعادت إنتاج خطاب السلطة الشعبوي المعادي للتعددية.

أبو بكر عبد الرحمن، باحث سوداني في العلاقات الدولية: البشير نموذجاً

انتهى شهر العسل في صبيحة الحادي عشر من نيسان/أبريل، ومنه إلى سجن كوبر حيث يقبع عمر البشير الآن نزيلاً يواجه عدداً من التهم الجنائية والمدنية.

شعبوية العسكرة شكلت الحديقة الخلفية للبشير

منحت الخلفية العسكرية أولاً، ثم الدعوية للحركة الإسلامية السودانية ثانياً، البشير الأساس الصلب الذي انطلق منه لحكم السودان، وقد كانت أسمى غايات دولة البشير التي نادى بها: إقامة دولة إسلامية أساسها العدل وتستوعب الآخر، مع رفض الحوار مع الجناح العلماني السوداني للوصول لأرضية مشتركة عبرها تدار الدولة، وسيطر الخطاب الدعوى الشعبوي، من الجهاد وما على شاكلته، كالأساس المتين الذي ثبت به نظام “الإنقاذ الوطني” سيطرته على الدولة، وقد نجح في كسب ود العامة والطبقة المتوسطة من الفقراء وأبناء الهامش، فكان الاندفاع العاطفي نحو الدين والدفاع عن العقيدة، هو الذي شكل اللبنة الأولى لسيطرة “الإنقاذ” فيما بعد على الدولة.

وكما أشرنا فإن شعبوية العسكرة شكلت الحديقة الخلفية للبشير، وارتكز خطابها الموجه للشارع السوداني إلى دعائم: الدفاع عن الدين، الدعوة إلى إسقاط الإمبريالية العالمية وحلفائها، الدبلوماسية التبشيرية الهادفة إلى تقويض الأنظمة السياسية في المنطقة.

كانت خطاباته يتخللها الوعيد والتهديد، تارة يستعير التهديد العبرة من قصص القرآن، وتارة يستلهم من المزاج السوداني العام، موظفا العسكرية المتوحشة (مثل: الزارعنا غير الله اليجي يقّلعنا)، هناك خطابات كان يرسلها للداخل عندما يحس أن هناك تململا داخليا في الحزب أو المؤسسة العسكرية، والأخيرة كان لها وضع خاص: مثلاً في بعض الأحيان يصف معارضيه بأصحاب الغرض، أما خطاباته عن جماعات الكفاح المسلح فكان يستخدم فيها ألفاظ (عملاء وخونة ومارقين ومندسين).

حشود البشير وشعبيته الزائفة تم اختبارها قبل أسابيع أمام القضاء، بحضور يتجاوز ثلاثين فردا، أغلبهم من أقربائه، وغاب مؤيدوه المزيفون الذين كانوا يحتشدون أمامه بالآلاف. حتى الذين كانوا يؤيدون بقاءه (والذين رفعوا عند انطلاق الاحتجاجات شعار” تقعد بس” الذي يقابل شعار المحتجين “تسقط بس”) استندوا إلى اعتقادهم أنه المنقذ، والشخص الوحيد الذي يمتلك عصا الاستقرار والأمن، وبذهابه ستعم الفوضى أرجاء المكان، وكانوا يتساءلون من هو البديل؟

لم يسلم حتى الدين وبعض أهم مقومات الدولة العصرية الحديثة من بطشه، فمفهوم الحرية ظل قاصراً عند الرجل وفي إطارها الضيق، ولم تكن مصطلحات المواطنة والمساواة في خطاباته إلا شعارات للاستهلاك الإعلامي كغيرها من قضايا نحو: محاربة الفساد، وإشاعة الحريات، ومحاسبة المجرمين. البشير لم يحترم حتى الرمزية العسكرية في كثير من الأحيان، فالثقل العسكري الذي أتى به إلى سدة الحكم سرعان ما أصبح تركة ثقيلة عليه، وتخلص من منافسيه واحدا تلو الآخر.

البشير حتى تاريخ سقوطه كان شعبوياً، وكان دائماً ما يرغم معجبيه على طقوس إظهار الشكر والعرفان، وفي كل مسرح تنطلق الشعارات “سير سير يا بشير نحنا جنودك للتعمير”، والحركة الإسلامية التي حملت البشير على أكتافها لم تؤسس دولة تحترم إرثها ولم تترك مجتمعا يدافع عنها، ولم يقدم البشير للسودان على مدى ثلاثة عقود سوى شعبويته الانفعالية، ليصبح السودان دولة فاشلة.

هشام أصلان، كاتب مصري: جميعنا شعبويون بشكل ما

إن الذين تنوعت العلاقة بين نشأتهم وبين أنواع الشارع المديني، سيندهشون حتماً من تصور بعض النخبة لما يمكن تسميته بالشعبوية في الفن، بالرجوع إلى المفهوم العام للفكرة؛ نجومية البلطجي بصورته الحديثة في السينما مثلاً، أو الأغاني الشعبية على امتداد تطورها من أحمد عدوية وصولاً لموسيقى المهرجانات. البعض سيستنكر جمع عدوية ومطربي المهرجانات في جملة واحدة، ناسين استياء النخبة من عدوية وقت ظهوره كما صدمة النخبة الحديثة من مطربي المهرجانات في سنواتنا القريبة.

ليس هناك تفسير للتعالي الثقافي على هذه النماذج سوى القالب الضيق الذي يحب البعض أن يتحدث من داخله لتصدير فكرة باتت كلاسيكية للمثقف. هكذا يمكن أن يفكر الواحد إذ يرى، منذ خرج للدنيا، أن انتشار الأغاني الشعبية لمطربين من قبيل عبد الباسط حمودة أو طارق الشيخ أو رمضان البرنس، ومن قبلهم، طبعاً، أحمد عدوية، لم يكن أبداً مقصوراً على أبناء الحي الشعبي الذي نشأ فيه، ذلك أن الانتشار والقبول هذا لم يكن أقل أبداً بين أبناء طبقات اجتماعية أعلى.

كنت من محظوظين تنوعت علاقة نشأتهم بالشارع. أعيش في حي إمبابة شديد الشعبية، وأذهب للمدرسة في حي الدقي الأرقى طبقياً، ثم أحد المعاهد العالية لدراسة السياحة في مدينة نصر، حي الطبقة الغنية من دون عراقة ثقافية. التقطت أذناي أغاني حسن الأسمر ومن بعده عبد الباسط وطارق الشيخ في مقاهي إمبابة البسيطة، ومن أجهزة الكاسيت الخاصة بسيارات زملاء دراستي الأغنياء في حي مدينة نصر، بينما الأكثر تعقيداً هو التلقي الجيد لأغاني المطربين الشعبيين بأنواعهم بين دوائر أصبحت أوسع في الحياة الثقافية نفسها، وإن كان بعض هذه الدوائر يتعامل معها بمنطق استشراقي، أو من باب الحاجة إلى تقليل مساحة العمق المجهدة واللجوء إلى العدم في لحظات البهجة.

تتجلى ظاهرة محمد رمضان كنموذج لساحة معركة فكرية مفتعلة

في السينما، تتجلى ظاهرة محمد رمضان كنموذج لساحة معركة فكرية مفتعلة على هذه المساحة من التلقي داخل دوائر الثقافة. في البداية، ومع تقديمه أفلام “قلب الأسد” و”عبده موتة”، انهالت عليه اتهامات تجاوزت إفساد الذوق العام إلى التسبب في التشكيل السيء لأدمغة أبناء الأحياء الشعبية الذين سيقلدون طريقته في ارتداء الملابس وحب اللعب بالأسلحة البيضاء وجاذبية تناول المخدرات الرخيصة، اتهامات لطالما رأيتها شديدة السذاجة، أو في وصف أكثر تهذيباً، اتهامات لا علاقة لأصحابها، إن صدقوا في طرحهم، بالأحياء الشعبية “للمدينة”. ربما نجد لدى الباحثين في علوم الاجتماع كلاماً نظرياً أو علمياً يحبه المثقفون. تجربتي الشخصية أكثر بساطة، حيث نشأتي وضعت في رأسي ما يُصعّب الاقتناع بأن أصدقاء طفولتي ومراهقتي هم من يقلدون محمد رمضان، إنما هو من ينهل من حياتهم لأعماله السينمائية، فيما هم يستحقون أن تعبر عنهم الفنون، الأدب والسينما والأغاني، أو على الأقل يستحقون أن يجدوا ما يستمتعون به.

في “إمبابة”، وربما في الأحياء الشعبية الأخرى، لا يطلقون على المُسجل لدى الشرطة في ملفات “إجرام النفس” لقب بلطجي، يقولون عليه “شقي”، وتتفاوت شهرة الأشقياء بحسب مهارتهم في استخدام السلاح الأبيض وعناصر أخرى ليس هنا مجال الدخول فيها. ما أتحفظ عليه في أعمال محمد رمضان ليس تقديمه وبروزته لصورة الشقي بامتياز، ولكن تقديمه إياها في أفلام رديئة الصنع. على التوازي كان أحمد السقا، مثلاً، أكثر حظاً في تقديمه شخصية الشقي في فيلم جيد الصنع مثل “إبراهيم الأبيض”، غير أن من تربوا في إمبابة يعرفون جيداً أن تركيبة الأشقياء، المهرة في اللعب بالمطواة، هم من عبر عنهم باقتدار محمد رمضان وليس أحمد السقا، فقط كان ينقصه حظ أوفر من التعامل مع صناع سينما يشغلهم الفن، وليس فقط شباك التذاكر.

(5)

علي سفر، كاتب وشاعر سوري: عولمة الشعبوية في ميزان ما هو “متاح دوليا

لم يعد التفكير بجوهر الظاهرة الشعبوية هو المهم في هذا الوقت، رغم أن الجمهور يحتاج لمن يشرح له التفاصيل دائماً، ولكن المهم برأيي الآن هو دراسة ملامح ومظاهر الشعبوية في تبدلاتها وظهوراتها بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب!

فهي لم تولد في حيز جغرافي سياسي محدد ومن ثم انتقلت إلى بلدان أخرى كالأيديولوجيات التي يعرفها العالم الحديث، بل هي ممارسة شاعت في كل الأزمات، وتم الحديث عنها في الأدبيات التاريخية دون أن يتم الاتفاق على مصطلح يعبر عنها، ولتبيان الأمر يحتاج الدارس للعودة إلى تبيان جوهرها في الزمان والمكان المحددين من أجل وضعها في السياق الذي يجب أن توضع فيه!

الشعبوية ومن خلال ظواهرها القديمة في الشرق وفي الغرب على حد سواء، مهملة وغير ذات أهمية سوى في كونها نتاجاً لواقع تاريخي، أما في العصر الحديث، فهي نتاج لثقافة متراكمة، لا ترى في الواقع سوى وقود لها، على أرضية فشل المشاريع الرسمية في تحقيق الرفاه، وفي إرضاء النزعات المتطرفة في الأيديولوجيات الاجتماعية والقومية والدينية، ومن هذه الأخيرة نرى النماذج الطائفية والفئوية الأضيق. ففي كل تجمع بشري هناك من يذهب إلى خلق خطاب يرضي الفئات الأكثر حاجة، والأشد تعصباً، ومعاناةً!

وضمن هذا التصور، بالتأكيد باتت الظاهرة متعولمة، ومتكررة، وقابلة للتمثل في كل البيئات الخصبة، ولكن السؤال الذي غالباً ما يراود الباحثين والذي يفتتحون به دراساتهم ومقالاتهم إنما يتمحور حول ما يربط بين ظاهرة ترامب الأميركي وبولسونارو البرازيلي، مع عائلة لوبن الفرنسية، ومع غيرها من الظواهر، كان يواجه بأجوبة تتحدث عن التشابهات في ممارسات كل هؤلاء وغيرهم! ولكن قلة من حاولوا أن يجدوا أجوبة مختلفة، فعلى سبيل المثال، بات من اليسير على هؤلاء لو أرادوا أن يبحثوا في التأثير الخطير لظاهرة غير مؤطرة ضمن أقواس الشعبوية، كظاهرة نظام بشار الأسد وجرائمه، على السياق الشعبوي حول العالم! وربما يسهم تحليل هذا الأمر في تبيان مدى تعولم الظاهرة الشعبوية، فحين يرتكب نظام ما جرائم متتالية ضد شعبه، ويفلت من العقاب، بعد أن يتم تعطيل الآليات المقررة لمثل هذا الواقع في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، من خلال قواعد عمل المجلس نفسه عبر استخدام الفيتو، ولا يتم اللجوء لآليات مضادة للجمود المؤدي لتكرار وقوع الجرائم، فإن هذا الأمر يرسل رسالة للعالم كله تقول بأن ما كان ممنوعاً بحكم الضوابط الدولية، بات متاحاً طالما أن نظاماً كنظام بشار الأسد نجا من العقاب. هذا الواقع ليس جديدا بل يعيد تكرار ما جرى في إسبانيا عام 1936 حينما تمكن انقلابي مثل فرانكو وبدعم من الفاشيين الإيطاليين والنازيين الألمان من إبادة الجمهورية، ونجا من العقاب حينما غضت الدول الديمقراطية الطرف عنه، وكان مؤشراً على إمكانية أن يتسع الخطاب الشعبوي حول أوروبا ليلتهم القارة كلها في حرب مدمرة قتلت عشرات الملايين من البشر.

لقد هدد بشار الأسد وحلفاؤه العالم منذ بداية الثورة ضده، ونفذ تهديده عبر خلق الأزمة تلو الأزمة، وكل واحدة منها كانت تقود المتأثرين إلى التجمع في واقع احتجاجي يحكمه خطاب شعبوي متعاظم، ويكفي أن نحلل تأثير موجات اللجوء إلى أوروبا وتناميها بسبب الأزمة السورية لنرى كيف استفاد الخطاب الشعبوي للأحزاب اليمينية هناك من هذا الواقع ليضخ الروح في مؤيديه!

حسام ميرو، باحث وشاعر سوري: الشعبوية واختلال التوازن في النظام الدولي

تعود الشعبوية اليوم لتحتّل مكانة بارزة في الخطاب والممارسة السياسيين عالمياً، والسنوات الأخيرة تعبّر بشكل واضح عن عدد من الأزمات التي سمحت بعودة الخطاب الشعبوي، فليست مقولة الرئيس الأميركي دونالد ترامب “أميركا أولاً”، إلا أحد تلك التعبيرات الصارخة عن واقع الحال اليوم، وقد خاض الرئيس الأميركي حملته الانتخابية تحت هذا الشعار، ومنذ وصوله إلى الحكم يقوم بتحويل الشعار إلى وقائع سياسية وقانونية واقتصادية.

يستند الخطاب السياسي الشعبوي المعولم، وما ينطوي عليه من قيم ثقافية، إلى إعلاء الروح القومية، بوصفها ركيزة الحماية الأساسية، ويستعيد هذا الخطاب مراحل من التاريخ تنتمي إلى القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، ما يعني أن المحاولات التي جرت لتجاوز تلك المراحل أصابها الكثير من الإخفاق.

بالطبع إن أي حديث عن الشعبوية العالمية لا يمكن فصله عن النظام الدولي القائم، فالفعل وردّ الفعل في هذا النظام، بل وعليه، يخضع لقاعدة الأواني المستطرقة، فقد شهد العالم في الفترة الواقعة بين نهاية الحرب العالمية الثانية ونهاية الحرب الباردة خفوتاً في الخطاب الشعبوي، خصوصاً مع قدرة أوروبا الذهاب نحو بناء مؤسساتي هو الاتحاد الأوروبي، الذي تصدّى لمهامٍ عدة، من بينها محاولة تكريس “الأوروبية” في مواجهة القومية.مع نهاية الحرب الباردة، شهد العالم ثورتين كبريين، هما ثورة التقانة وثورة الاتصالات، مع التبشير بـ”نهاية التاريخ”، بحسب فرنسيس فوكوياما، ورافق ذلك طرح منظومة مفاهيمية ثقافية وإنسانية، تجلّت فيما يسمى “المواطن العالمي”، لكن العقود الثلاثة الماضية، أظهرت أن الصراعات في سوق العمل الدولية هي أكبر من الأطروحات المفاهيمية، التي ساندتها بقوة الشركات العابرة للجنسيات والثقافات.

في أوروبا، وقعت بريطانيا تحت مأزق البريكسيت، وفي إيطاليا وصل حزب الرابطة اليميني/ الشعبوي إلى الحكم، وفي المجر كذلك الأمر، وفي ألمانيا يحقق “حزب البديل” اختراقات كبيرة في انتخابات المقاطعات، وفي روسيا يستعيد الرئيس بوتين السياسات القومية، بما فيها التحالف مع الكنيسة الأرثوذكسية، وصولاً إلى البرازيل التي يرأسها جايير بولسونارو، الذي نجح في انتخابات الرئاسة تحت شعار “البرازيل أولاً”.

منح الفشل في إنتاج نظام دولي متوازن بعد ثلاثة عقود من سقوط القطبية العالمية الفرصة لعودة الشعبوية على نطاق عالمي، كذلك الأمر مع فشل الاتحاد الأوروبي، كمظلة ما فوق قومية، في تحقيق التنمية والرفاه المتوازن لمختلف الشعوب الأوروبية، بل عزز هيمنة اللاعبين الكبيرين تاريخياً؛ ألمانيا وفرنسا.

من جهة أخرى، فشلت الدول والمؤسسات الكبرى في تصحيح مسار الاقتصاد العالمي بعد الأزمة المالية في 2008، بل إن المؤشرات الراهنة تشير إلى أزمة جديدة، ربما تكون أكثر عمقاً وحدة، ما يعني أننا أمام كل العوامل التي تسمح بعودة الشعبوية وانتشارها في العالم، حيث يصبح الارتداد نحو الذات القومية، بكل ما يحمله من خطر عودة وصعود الفاشية، أمراً واسع الاحتمال، في مواجهة الإخفاق في بلورة نظام عالمي متوازن.

عمر بقبوق، كاتب ومخرج مسرحي سوري: شعبوية أم شعبويات؟

قبل الحديث عن عولمة الشعبوية ومتى باتت الشعبوية ظاهرة معولمة، علينا أن نميز ما بين نوعين من الشعبوية: الشعبوية القائمة في العالم الثالث كامتداد لعصر القوميات، الذي انحسر في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي استطاعت أن تصمد وتتكيف مع كل المستجدات العالمية بما في ذلك عصر العولمة الذي بدأ بثمانينيات القرن الماضي، كما هي الحال في الدول العربية. والنوع الثاني هو الشعبوية التي تنامت في أميركا والدول الأوروبية التي وصلت إلى طور الدولة ما بعد القومية؛ وقد تجلى هذا النوع بأبرز صوره بوصول دونالد ترامب إلى السلطة في أميركا، وبمشروع “بريكسيت” القاضي بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وعند الحديث عن الشعبوية لا يبدو أنه من الصواب وضع هذين النوعين من الشعبوية على ذات السوية، حيث أن النوع الأول يتبنى خطاباً شعبوياً شمولياً، تلجأ حكومات ديكتاتورية لفرضه بأساليبها القمعية. وأما النوع الثاني، ففيه يبدو أن الخطاب الشعبوي يستهدف التحركات القومية تحت مستوى الدولة، التي تبنت توجهات سياسية انفعالية تتناقض مع معايير العولمة، ويصل أصحاب هذا الخطاب إلى الرقعة السياسية الفاعلة بطريقة ديمقراطية، وبالاستفادة من الوضع السياسي والاقتصادي القائم في الدولة. وهو ما يمكن لمسه بصورة واضحة في بريطانيا، التي تتجه نحو العزلة بانسحابها من الاتحاد الأوروبي نتيجةً لقرار “البريكسيت” الذي تم الاقتراع عليه بشكل ديموقراطي، دون إغفال أن معظم من صوتوا لصالح “البريكسيت” هم المتضررون من الشكل الاقتصادي المفتوح، من عمال وأصحاب مهن صغيرة، الذين تأثروا سلباً بنتائج العولمة، وما تبعها من حركات هجرة من قبل مواطني الدول الفقيرة نحو المراكز والدول الكبرى، فالطبقات الوسطى والفقيرة في بريطانيا تضررت من حركة الهجرة التي شهدتها أوروبا من دول أوروبا الشرقية الفقيرة نحو دول أوروبا الغربية الغنية.

ولا تختلف الحال في أميركا، فوصول دونالد ترامب إلى السلطة بعد أن قدم مشروع لبناء سور يفصل أميركا عن المكسيك ويحد من الهجرة غير الشرعية، هو مؤشر إلى أن غالبية المنساقين خلف الخطابات الشعبوية القاضية إلى أشكال تجارية أكثر عزلة هم أولئك المتضررون من الشكل التجاري المفتوح الذي فرضته منظمة التجارة العالمية في سنة 1995، أي زمن العولمة.

وذلك ما يدفعني للقول بأن الأفكار المنتشرة حول عولمة الشعبوية هي أفكار ذات طابع نخبوي متعال، تميل نحو التعميم بتفسيرها للظواهر السياسية العالمية دون أن تتعاطى بشكل موضوعي مع المسببات التي أوجدت جمهورا سياسيا لهذا النوع المتطرف من الخطاب الشعبوي في كل بقعة جغرافية على حدة، وتنظر بدونية إلى الجماهير المنخرطة بالتحركات السياسية الميالة للانغلاق والمناهضة للسياسات الاقتصادية الناجمة عن العولمة، حيث أن غالبية المؤيدين للتيارات الشعبوية في بلاد العالم الأول هم من الطبقات الشعبية المعدمة التي تضررت بالشكل الاقتصادي المفتوح. وبدلاً من أن تحاول النخب السياسية والثقافية فهم متطلبات هذه الطبقات الشعبية والبحث بالأسباب والعوامل التي قد تحد من خطر الشعبوية، ظهرت العديد من الأفكار المتطرفة بمناهضتها للتيار الشعبوي، فقللت النخب من شأن هذه الشرائح الشعبية، وشككت العديد من الدراسات بجدوى الديمقراطية التي تعطي لمن وصفتهم بـ”الجهلة” و”الرعاع” القدرة على التأثير بالمستقبل السياسي، لتغالي بعض المقالات مناهضتها لشكل الديمقراطية القائمة وتحملها مسؤولية توجه العالم نحو التطرف، ووجدت بالديمقراطية الإغريقية التي لا تعطي حق المشاركة السياسية الفاعلة سوى للنخب نموذجاً يحتذى به، بل إن الأحداث الأخيرة أعادت استخدام مصطلحات تتعاطى مع هذه الطبقات بدونية، مثل مصطلح “البروليتارية الرثة”، الذي استخدمه كارل ماركس، أو “قاع المجتمع”.  

وهيبة الرايد، باحثة وأكاديمية مغربية: هل باتت الشعبوية ظاهرة معولمة؟

“أينما تكون قوة مهيمنة تكون مقاومة”. هكذا كان تصور فوكو صاحب نظرية “نظام الخطاب” الذي تعمق في تاريخ الشعوب والمؤسسات الاجتماعية للدولة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي (“نظام الخطاب”، ميشيل فوكو، ت. محمد سبيلا، 2012). مع بدايات عصر ما بعد الحداثة وما أنتجته من تأثيرات فكرية ونضالية في الأنظمة السياسية تغير أيضا الخطاب السياسي إلى خطاب يدغدغ المشاعر الجماهيرية والشعبية.

إنها “الشعبوية”، حيث دائما الشعب ضد النخبة الحاكمة، والذي في الغالب، وهذا ما أثبته التاريخ منذ يوليوس قيصر مرورا بنظام هتلر إلى التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وكذلك حملة ترامب الانتخابية “أميركا أولا”، كان الهدف دائما مصلحة خاصة لا عامة على عكس ما كان يدعيه ساسة خطاب الشعبوية. هذا الخطاب الشعبوي المعولم لم يقتصر على العالم الغربي فقط، بل انتشر ليؤثر في العالم العربي أيضا. فهل باتت الشعبوية ظاهرة معولمة؟

هناك مقاربتان متناقضتان للظاهرة الشعبوية. الأولى تفيد أن الظاهرة الشعبوية مرتبطة بالعولمة، فساهمت هذه الأخيرة في انتشار الشعبوية في العالم الغربي والعربي على السواء. مع مطلع تسعينيات القرن الماضي برزت الظاهرة العالمية لثورة المعلومات والاتصالات، خاصة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية ونهاية الحرب الباردة. عُرفت هذه الظاهرة بـالعولمة التي هدفت إلى ترويج وتعميم قيم ومبادئ وسلوكيات عالمية وفق معايير المؤسسة الرأسمالية الغربية التي أبرز أهدافها توحيد سوق الاقتصاد على المستوى العالمي. وعليه تم إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وغيرها من المؤسسات المرتبطة بالعولمة للسيطرة على الشعوب. ومما سرع في ظاهرة العولمة مؤخرا هذه الثورة الهائلة للتكنولوجيا والعالم الرقمي.

كان من السهل إذاً تأثر الكثير من الشعوب في المجتمعات – خاصة العربية-  المستهلكة لمنتوجات العولمة وأن تسارع إلى تبني الخطاب السياسي الشعبوي المعارض للأنظمة ومؤسسات الدولة. هذا الخطاب السياسي الذي نجح بدرجة امتياز فقط لأنه يخاطب مشاعر الإنسان ويتوجه إلى الطبقات الشعبية بطريقة مبسطة بغية التحريض على النظام القائم والنخبة المسيطرة عليه، خاصة بعد تنامي مشاعر الإحباط في الأوساط الشعبية.

أما المقاربة الثانية لخطاب الشعبوية فتعتبر الشعبوية نقيضا للعولمة. فالبعض يرى أن “ولادة ظاهرة معينة من وجهة نظر فلسفية يخلق بالضرورة نقيضها الرافض لها الذي يكون ضعيفا في البداية إلا أنه يزداد قوة مع الزمن على حساب تراجع دور الظاهرة نفسها، فما نلمسه منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 هو تراجع دور العولمة وبروز نقيضها الذي اصطلح على تسميته الشعبوية” (محمد عاطف جمال، الشعبوية نقيض العولمة، جريدة البيان: 10 فبراير 2017). كأنما هنا هجمة مضادة للنموذج الرأسمالي “العولمة” من التيار الشعبوي نفسه لصالح “الشعبوية”.

جرَّت العولمة على العالم أزمات اقتصادية وإنسانية خاصة منذ الأزمة الاقتصادية لسنة 2008 مرورا بأحداث الربيع العربي 2011 وصولا إلى الحراك الشعبي 2017. إن وسائل التواصل الاجتماعي كمظهر للعولمة لعبت دورا مهما في تنامي الشعبوية في العالم، إذ أصبح لها فعلها القوي في تحريك الشعوب، كما شهدنا في احتجاجات السترات الصفراء الفرنسية التي قادها ونظمها الحراك الشعبي. غالبا لم يخطر ببال من ساهموا في تأسيس القيم الرأسمالية للسيطرة على العالم، أن العولمة نفسها ستكون هي الأداة الأساسية لانتشار ظواهر سياسية، اجتماعية، ثورية وشعبوية أيضا.

بين تضارب الأفكار عن الشعبوية والعولمة، يبقى الخطاب الشعبوي من أبرز خطابات الساسة والزعماء لكسب رهان القيادة باسم الجماهير والشعب.

أمل بوشارب، روائية جزائرية: المواقع المتبادلة بين الشعبوية والنخبوية

محاولة البحث في هذا المفهوم قد تكون مثيرة للاهتمام في الأدب العربي، إذا نظرنا إليه في السياق العالمي. إذ تتضمن مدونة الأدب الغربي أجناسا سردية تندرج ضمن ما يعرف باسم الأدب الشعبي popular literature وهو الأدب الموجه للعامة، ويهدف إلى الامتاع بالدرجة الأولى وتحقيق أرباح مادية سريعة، في مقابل الأدب النخبوي الذي يتضمن ناحية فنية عالية وهو موجه إلى خاصة الخاصة. إلا أنه وفي الوقت الحالي أصبحت الحدود بين الأدبين في الغرب غير مرئية وغير قابلة للتحديد بشكل قاطع، بسبب حيوية النقد في متابعة النزعات الإبداعية التي تميل إلى كسر القوالب الجاهزة. بالإضافة إلى عامل الزمن الأساسي للبت في مدى فنية أي عمل، ويكفي أن نعلم بأن شكسبير كان في زمنه يعد من كتاب الأدب الشعبي الموجه لإمتاع جمهور المسرح، لكنه مصنف الآن كأديب نخبوي. أما في الأدب العربي إذا ما طبقنا ذات المقاييس، ونظرنا إلى معيار طلب المتعة الموجهة لأكبر عدد من المتلقين، فسيعود بنا الزمن إلى المعلقات (سهلة الحفظ حينها ومنتشرة على نطاق واسع)، وأشعار سوق عكاظ، مقابل الآداب القديمة التي كان لا يصيب خبرها آنذاك سوى نخبة من الرهبان متعددي الألسن. أما قصائد الفخر والتي كان يباهي بها أعظم شعراء العرب بتفوق خصال قبائلهم عن غيرها، فستصنف كأعمال شعبوية بمصطلحات الصوابية السياسية لهذا الزمن.

هذه المقابلة تدل على أن الاعتقاد المطلق بفكرة الثنائيات الضدية والصراعات بين طرفي نقيض لا تفصل بينهما عادة سوى حدود قابلة للتبدل لا تشكل على الأقل أرضية صلبة للبحث.

والحقيقة أننا إذا ما رغبنا بأن نتوسع في فكرة قابلية تغيير المواقع بين النخبوية والشعبوية/الشعبية في الأدب في إطار الجغرافيا والتاريخ، ووقفنا على معيار مدى فنية المادة المقدمة وقدرتها على الإدهاش من الناحية الإبداعية لتحديد معايير الأدب النخبوي، وذلك في مقابل النصوص المتوقعة والتي تكتب بصيغة محددة formulaic، فسنجد أن أغلب ما ينشر في السوق العربية حاليا، ويصنف على أنه نخبوي، هو تماما ما تنطبق عليه معايير الأدب الشعبي في الغرب سنوات السبعينيات. مع اختلاف مسميات الأجناس السردية بسبب الاختلاف في تطور حركية الشعوب، ومثالنا على ذلك أن مدونة الأدب الشعبي في الغرب، لا سيما في الجنس البوليسي، تتسم بطغيان شخصيات نمطية مكررة على غرار شخصية المحقق الذكي والمرأة الفاتنة التي تحاول إغواءه، والتي ينتهي معها عادة في السرير ثم ينجح في نهاية الرواية بحل لغز الجريمة. ومثل ذلك نجد في الأدب العربي المعاصر شخصيات نمطية أخرى مكررة كالمرأة المضطهدة والمثقف المأزوم/ أو العربي المكبوت في حبكة سوداوية ذات نهاية متوقعة عادة ما توظف هي الأخرى الجنس بقوة بوصفه عنصر جذب معروف في الآداب الشعبية في عصرنا الحالي (الجنس يبيع، وهي قاعدة معروفة في التسويق). ومن الطبيعي ألا يشمل الأدب الشعبي عندنا، كما هي الحال في أميركا، أدب الخيال العلمي والبوليسي، وهما جنسان بدأت ملامحهما بالظهور مع الثورة الصناعية والتقدم التكنولوجي، وكذا انتشار التعليم وتراجع نسبة الأمية في المجتمعات الغربية. في الحالة العربية قد تضم مدونة الأدب الشعبي حاليا، إلى جانب قصص الحب المستحيلة، روايات الحروب والاضطهاد النسوي، والمثلية، إلى جانب الحبكات الإكزوتيكية، والتي ازدهرت جميعها في العقود الأخيرة مع انتشار الحروب والاستعمار الجديد والاهتمام الغربي بترجمة الآداب التابعة subaltern، بالإضافة إلى انتشار الجوائز الأدبية، إذ يبقى العامل المادي مهما في تحديد مسارات الآداب الشعبية وعنصر الدعاية الذي تضمنه، في مقابل الأدب الرفيع الموجه للنخبة، والذي يفترض أنه يتضمن قدرة إبداعية عالية يتحرر فيها الكاتب من الوصفات المسبقة، وهو موجه للقراءة على نطاق ضيق، كحال روايات الخيال العلمي، والتي يعتبر انتشارها في الغرب في إطار شعبي هو أمر أكثر من طبيعي كما ذكرنا، بينما لدينا فإن كتابتها تكون موجهة لنخبة قراء يبحثون عن متعة فكرية بحتة، ويتهيؤون بالأساس على محمول معرفي يؤهلهم لفهم مصطلحاتها بعيدا عن قاموس نشرات الأخبار المبتذل أو مفردات السرير البيولوجية.

والحقيقة أن اعتماد هذه المقاربة للبحث في الخطاب الشعبوي/النخبوي في الأدب العربي حاليا، قد يساعدنا على فهم حالة النمطية الأسلوبية والموضوعاتية السائدة حاليا في سردياتنا، وحتى في الخطاب الشعري، كما من شأنها أيضا أن تساعدنا على تشخيص حالة إخفاق “النخبة” في قيادة قاطرة التغيير المجتمعي إذا كان ما يقدم هو انتاجات نمطية لا ترقى إلى جوهر الفن بوصفه أداة تعبير ثورية تنفر من القوالب الجاهزة وتسعى إلى التجديد.

سارة كرم، روائية ومدربة كتابة إبداعية مصرية: الأدب بين الذاكرة الشعبية والاستهلاك الشعبوي

بداية، لتجنب الخلط الذي قد تحدثه الكلمة في أذهان بعض القراء، الأدب الشعبوي ليس هو الأدب الشعبي، فهذا شيء وذاك شيء آخر تماما. الأدب الشعبوي هو الأدب الاستهلاكي الذي يتملق غرائز الجماهير، وحاجاتهم النفسية السطحية، ولا يأخذهم إلى الأعمق من ذلك أو يرتقي بعقولهم ووعيهم، هو أدب منوم للوعي وليس موقظا له. ولكن كلمة شعبوي لها معنى آخر لا يحمل هذه السمات السلبية وهو يمكن أن يرادف الجماهيرية أو الأدب الذي يلقى رواجا جماهيريا ويجذب عددا كبيرا من القراء. أما الأدب الشعبي فهو ذاكرة حضارية لروح وتراث الشعوب، ونوع خاص من أنواع الأدب يتميز بمصادره الشفاهية.

إذاً هل على الأدب أن يكون شعبويا؟ هل على الأدب أن يكون نخبويا؟ يمكن الإجابة عن هذا السؤال بأكثر من إجابة، ستعكس كل منها حالة مختلفة للأدب. بالنسبة لي فالحالة المثالية: على الأدب أن يكون نخبويا وشعبويا (بالمعنى الإيجابي للكلمة) في الوقت ذاته، أو أن يكون نخبويا فقط.

أما حالة الأدب الشعبوي الخالصة، الأدب الاستهلاكي، فهي التي تشكل انتقاصا من قيمة الأدب.

لتوضيح هذا الأمر أكثر يمكن القول إن هناك أربعة أنواع من الكتاب:

* كاتب كتاباته جيدة، وجاذبة للجماهير (حالة أدب يجمع ما بين النخبوية والشعبوية) أدب جيد، وناجح جماهيريا أيضا، لأنه يمس موضوعات وقضايا مهمة تجذب الجماهير بأسلوب غير معقد. هذا النوع من الأعمال يتمتع بقيمة فنية عالية كما يستطيع جذب الجماهير. يمكن اعتبار أعمال مثل أعمال الروائية التركية أليف شفق، مثالا نموذجيا على هذا النوع من الأدب. وكثير من الأعمال الأدبية التي تعتبر من الخوالد أو الروائع، هي أعمال شعبوية ونخبوية في الوقت ذاته، أعمال مثل روايات تشارلز ديكنز، ودوستويفسكي، ونجيب محفوظ. ويمكن القول إن الاتجاه الواقعي في الأدب يميل لأن يكون نخبويا وشعبويا في الوقت ذاته أكثر من الاتجاهات الأخرى، كالرمزية، والواقعية السحرية، وتيار الوعي، وغيرها من اتجاهات تحتاج لثقافة أكبر لاستيعابها، وهي بذلك أقل شعبوية من الاتجاه الواقعي المألوف.

* كاتب كتاباته جيدة، وغير جاذبة للجماهير (حالة أدب نخبوي) تقرأه نخبة متخصصة أو صفوة من القراء المتمتعين بثقافة عالية وباع طويل في القراءة، أكثر مما تقرأه جماهير غفيرة. نخبوية العمل الأدبي، ربما تعود إلى تعقيد في الأسلوب الفني للعمل، أو تعقيد في المضمون المطروح بحيث يصبح بحاجة إلى ثقافة عالية، أو نوع خاص من الثقافة لاستيعابه، على سبيل المثال ثقافة فلسفية لرواية تطرح فكرة فلسفية معقدة، أو ثقافة عن الأساطير لرواية يقوم مضمونها على توظيف أسطورة قديمة، وربما تعود نخبوية العمل أيضا إلى اللغة نفسها أو الأسلوب اللغوي المستخدم في العمل. هذا الأدب النخبوي مهم، وهو يضيف لتاريخ الأدب وقيمته، ويحتفى به داخل نطاق المتخصصين، ويستفيد منه الأدباء والكتاب الذين يمتلكون ذائقة عالية للقراءة ورغبة في كتابة جيدة ومختلفة.

ما يحضر إلى ذهني الآن كمثال على عمل نخبوي، هو عمل مثل “يولسيس” لجيمس جويس.

* كاتب كتاباته جيدة، وجاذبة للجماهير، لكنه لم يصل لها بعد (حالة أدب يجمع ما بين النخبوية والشعبوية) لكن الكاتب ما زال يشق طريقه.

* كاتب كتاباته غير جيدة، وجاذبة للجماهير (حالة أدب استهلاكي شعبوي) وهذا النوع من الأدب منتشر في السوق، ويتهافت عليه كثير من الشباب والمراهقين، وبعض المبتدئين في عالم القراءة فليس كل المبتدئين في القراءة يتجهون إلى كتابات استهلاكية. أدب الاستهلاك الشعبي السريع، ضئيل القيمة الفنية وقد يكون مهترئا تماما على المستوى الفني، كما أنه ضئيل في قيمة مضمونه، ولهذا لا يصمد مع الزمن.

ما الذي بوسعنا فعله؟ لا شيء! فالأدب الاستهلاكي سيستمر في الوجود، والأدب الجيد أيضا سواء كان نخبويا أو مزيجا ما بين الاثنين ستظل قافلته تسير. ربما أفضل ما يمكن فعله إزاء مواجهة الرداءة بالفعل، هو تجاهلها، وربما حتى عدم توجيه النقد لها، حتى لا نساعد في نشرها أكثر. وبدلا من ذلك توجيه الاهتمام والنقد إلى الأعمال الجيدة.

(6)

معين الطاهر، كاتب وباحث فلسطيني: بين الشعبي والشعبوي

ربما تنحو هذه المداخلة منحًى مختلفاً عمّا كتبه الزملاء الأفاضل، على أهميته، فهي تبتعد عن محاولة التأطير النظري لمفهوم الشعبوية، وتقترب أكثر من تطبيقاته على المستوى العملي، وتلمّس تأثيراته، إيجابية كانت أم سلبية، وإلى أي مدى يمكن رسم حدّ فاصل بينهما، باستخدام نماذج عدة من السياسة والتاريخ.

بداية، يعتقد كاتب المقالة أن ثمة حاجة للتمييز بين مفهومي الشعبية والشعبوية في استخدامهما الواقعي؛ فالشعبوية، من وجهة نظر الكاتب، هي ذلك الانقياد الجارف الذي يستحيل واقعاً يصعب نقده أو مقاومته أو تطويره، ويقف حائلاً في وجه أي تغيير، مستنداً إلى ما حققه في الماضي على الأغلب الأعم. أما الشعبية، فهي مدى اكتساب الفرد أو الفكرة أو التنظيم قبولاً عاماً، وهي ضرورة لازمة لنجاح تلك الأفكار وأدواتها، ومن دونها تنعزل النخب، وتقيم في أبراج عاجية، وتفقد بذلك حتى قدرتها على الإبداع التي تُستمد من الإحساس بالواقع ذاته، والتعايش معه وفيه. كما تفقد الديمقراطية معناها، وتذوي التنظيمات وتموت. وهي شعبية يمكن ضبطها بضوابط تحول بينها وبين تحوّلها إلى شعبوية، وإن كانت هذه وصفة غير مضمونة دائماً، خصوصاً إذا تسلّط الفرد والأيديولوجيا على المجتمع

كم من تنظيم أطلق على نفسه اسم “حزب الشعب”، حتى وإن كان في تكوينه الفكري يمثّل طبقة منه، مثل الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي استبدل اسمه من حزب للطبقة العاملة إلى حزب للشعب! وهو ما قمنا به نحن، مجموعة من الشباب ذوي الميول اليسارية المنتمين إلى حركة “فتح”، في السبعينيات، حين أطلقنا على أنفسنا اسم “خط الشعب” أو “خط الجماهير”. وبعيداً عن النوايا الطيبة التي اجتاحتنا بضرورة تمثّل أماني الشعب ومطالبه وعاداته وتقاليده وأهدافه، فإن مختلف تلك المسمّيات هي تعبير عن حاجة أي تنظيم أو تيار للشعبية كي يزعم أن له صفة تمثيلية تؤهله للقيادة والتوجيه.

من المفترض ضبط هذه الشعبية عبر أدوات مختلفة حتى لا تتحوّل إلى شعبوية، ومن هذه الأدوات اللوائح الداخلية، والحياة الديمقراطية، والانتخابات وتداول السلطة، والقبول بوجود أقلية، واحترام رأيها وحقها في أن تتحوّل إلى أكثرية.

تنمو الشعبوية وتتكاثر في ظل نظام الحزب الواحد، أو سيطرة العسكر على مقاليد البلاد، أو هيمنة عقيدة أو أيديولوجيا بعينها. هنا، يُختزل الشعب بالحزب الذي يُختزل بدوره بالقائد وأفكاره الملهمة، وتُرتهن العقيدة لأيدي ممثّليها، ويصبح نقد برامجهم نقداً للعقيدة ذاتها، وكفراً وتجديفاً. كما يصبح نقد الأيديولوجيا انحرافاً عن الطريق القويم، وخيانة كبرى.

تاريخنا القديم والمعاصر حافل بالأمثلة على ذلك كله؛ تحوّلت شعبية جمال عبد الناصر إلى شعبوية لا مثيل لها، حتى استحال في حياته إمكان نقده أو معارضته، بما في ذلك من قبل أقرانه الحكّام العرب، دون أن يُقدموا على مخاطرة تتعلّق بشعبيتهم هم؛ هُزم في حزيران/ يونيو 1967، ولم يتحمل مسؤولية الهزيمة، ولم يكن غيره ليجرؤ على قبول مشروع روجرز في عام 1970. شكّلت شعبويته حماية لمشروعه الوطني، لكنها في الوقت ذاته شكّلت خطراً على تقدّم المشروع واستمراره.

كان ياسر عرفات نموذجاً آخر للزعامة الوطنية التي اكتسبت شعبوية جارفة؛ أطلق ثورة مسلحة، رافعاً شعار تحرير فلسطين كلها بالكفاح المسلح، ثم قدّم أكبر تنازل تاريخي حول الحقوق الفلسطينية في اتفاق أوسلو، ليعود وينقضّ عليه لدى محاولته إشعال الانتفاضة الثانية.

كلا المثالين السابقين يقودان إلى نتيجة واحدة؛ من الصعب أن تصنع إلهاً وتعارضه، فمشيئة الآلهة مقدسة، وإذا أردت أن تعصيه فلا مناص من أن تخرج من جنته. مهم وضروري أن يكون للقائد كاريزما وشعبية، لكن تحوّلها إلى نمط من الشعبوية يؤذن بمخاطر جمّة، تقود حتماً إلى انهيار الأفكار التي وُلد من رحمها.

ما ينطبق على شعبوية الأفراد ينطبق تماماً على الأفكار والجماعات؛ ماذا لو تناولنا ذلك الشعار الذي راج في صفوف الحركات الإسلامية “الإسلام هو الحل”، كيف يمكن نقضه أو معارضته دون أن يبدو ذلك معارضة للإسلام ذاته؟ طبعاً من الممكن تقديم أي برامج عملية تستند إلى مرجعيات إسلامية أو غيرها، ولكن باعتبارها برامج يقدّمها بشر يصيبون ويخطئون، وهي برامج قابلة للصواب كما هي قابلة للخطأ، ونقدها هو نقد للعاملين عليها. إن هذا النمط من الشعارات الشعبوية التي لديها قدرة عجيبة على حشد الجمهور، دون أن تقدّم له برامج واضحة، يعيق النقد، ويلغي العقل، ويمنع التطور والتقدّم.

على أن ثمة مفهوماً آخر أكثر خطورة، على ما أعتقد، وهو ما يمكن أن يوصف باسم “الشعبوية السلفية”، بمعنى تلك الشعبوية التي تستند، في أفكارها وتعبئتها وحشدها، إلى الماضي، ولعل ذلك يتمثّل في مثالين اثنين؛ أولهما الحركات الدينية التي تعتبر أن ما اجترحه السلف الصالح يشكّل برنامجاً للحاضر. وثانيهما، نراه في حركة “فتح” التي ما زالت في الانتخابات النقابية التي تخوضها تتجاهل بالمطلق واقعها الحالي تحت الاحتلال، والاتفاقات التي عقدتها مع العدو الصهيوني، وسياسات التنسيق الأمني، لتذكّر الجمهور الناخب بأنها كانت أول الرصاص وأول الحجارة، وتطالبه بأن ينتخبها على هذا الأساس، لتعيش الحاضر المؤسف على وقع ماضٍ مزدهر.

أنطوان شلحت، كاتب فلسطيني: الشعبوية في إسرائيل حالياً.. الحاجة إلى “قائد الشعب

تتحدّد النزعة الشعبوية في إسرائيل في الوقت الحالي أكثر من أي شيء آخر في ترويج المقولة التي اعتُمدت عنواناً لهذا الملف- “نحن الشعب، فمن أنتم؟”. وهي تشهد تبنيّاً مُطلقاً من جانب رئيس الحكومة الحالية وزعيم اليمين وحزب الليكود الحاكم بنيامين نتنياهو، وتفاقمت إثر الكشف عن تورطه أخيراً في عدة شبهات فساد.

والحقيقة أن الشعبوية في إسرائيل سبقت نتنياهو واتسم بها رؤساء حكومة سابقون، لكنه قد يكون استلهمها أو ورثها عن الزعيم التاريخي لحزب الليكود مناحيم بيغن. ويعتقد كثيرون أن هذا الأخير ألقى عشية انتخابات الكنيست عام 1981 أحد الخطابات الأكثر شعبوية في تاريخ دولة الاحتلال. وقد خاطب فيه جماهير المحتشدين في تجمع انتخابي نظمه حزب الليكود في قلب تل أبيب، وحدّد خلاله لهجة ما يعرف باسم “الخطاب الطائفي” منذ ذاك اليوم وحتى يومنا هذا. وقبل الخطاب بيوم واحد، وفي سياق اجتماع انتخابي نظمه حزب “المعراخ” (سلف حزب العمل وخلف حزب مباي) في المكان نفسه، كان أحد الفنانين المشهورين أقام فصلاً طائفياً بين المهاجرين من أبناء الطوائف الشرقية حين مايز بين “الرعاع” من “قلعة زئيف” (مقر حزب الليكود)، الذين وصفهم بأنهم “حراس (يحرسون مداخل القواعد العسكرية ومعسكرات الجيش)، إنْ كانوا يخدمون في الجيش أصلاً” وبين “الجنود وقادة الوحدات القتالية ووحدات النخبة” الذين يمثلون ناخبي المعراخ. وجيّر بيغن هذا وجعله لائحة اتهام ضد “المعراخ” الذي ينتهج سياسة الفصل والإقصاء على أساس طائفي، بينما في الواقع “أشقاء نحن كلنا، كلنا يهود، كلنا متساوون!”، وأضاف أن الأمر يبلغ حدّ “الكفر”ـ “أن يجري المسّ بكرامة سبط كامل في إسرائيل، مثلما فعل المعراخ في هذا المكان”.

وفي مقالة بعنوان “نحن الشعب (أنتم لا!) ـ شعبوية احتوائية وشعبوية إقصائية في إسرائيل”، نشرت عام 2010، اعتبر الباحث داني فيلك، من قسم السياسة والحكم في كلية العلوم الإنسانية في جامعة بئر السبع، أن خطاب بيغن ذاك لم يكن مجرد خطاب شعبوي آخر، وإنما كان خطاباً مؤسِّساً تجسدت فيه دلالات كثيرة عن فكرة الشعبوية الإسرائيلية. فأولاً وقبل أي شيء آخر، كما يقول فيلك، أبرز بيغن فكرة “كلنا” في السياق السياسي، التي “لا ترمز إلى الأمّة بأكملها فحسب، بل أيضاً يشير إليها بكونها وحدة ذات مميزات إثنية فريدة” ويجزم بأن من ينتمي إلى “كلنا” هذه فهو متساوٍ مع الجميع. وبذلك أراد بيغن تفكيك خرافة حركة العمل بشأن الطلائعيين المحاربين الذين قدموا من أوروبا إلى أرض قاحلة فأحيوها، واستبدالها بأسطورة اليهودي المحارب الذي يضحي بحياته من أجل “الأمة” كلها ـ تضحية متساوية يبذلها الأشكنازي (الغربي) والسفارادي (الشرقي)، وكلاهما يهوديان في الجوهر ـ وهو فعل ذلك بنجاح فائق من خلال تجنيده الجمهور الواسع لمحاربة نُخب حزب “مباي” القديمة.

وتشكل إسرائيل أرضية مريحة وخصبة لنشوء حركات شعبوية، على خلفية الصراع المستمر القائم فيها دونما حل، في مسألة إقصاء مجموعات اجتماعية مختلفة أو احتوائها. وهذا الوضع يخدم الشعبوية جيداً، إذ تستخدمه في بناء وتشكيل هوية المجموعة، ثم تصويرها وكأنها تتعرض للتهديد أو الإقصاء من مراكز القوة السياسية، نتيجة ممارسة نخبة ما تمنع المجموعة من تحقيق ذاتها ـ تحقيق كان قائماً في الماضي، ظاهرياً، وبالإمكان أن يعود ليتحقق من جديد، إلا إذا جرى إحباط ذلك بفعل أعداء خارجيين. والتهديد الذي تتعرض له “الأمة” و”كلنا” قد يكون من الداخل أيضاً، من طرف “خونة” يتعاونون مع الأعداء، أو حين يضع الأفراد مصالحهم الذاتية قبل المصلحة العامة. وهكذا تطالب الشعبوية كل فرد، فعلياً، بالتضحية بنفسه من أجل “كلنا”. وبذا، فإن الشعبوية هي تجسيد للأيديولوجيا التي تنزع إلى إبراز خصوصية المجموعة قياساً بالمجموعات الأخرى، إضافة إلى أسبقية المجموع على الفرد. ومن هنا مصدر المطلب المطلق بالتضامن التام والكامل مع من يعبر عن روح المجموعة ويقودها إلى هدفها.

وباختصار يمكن القول إن بيغن دعا إلى تصفية نُخبة حزب “مباي” القديمة واستبدالها بـ”سلطة الشعب”. ومن المُلاحظ أن نتنياهو أعلن فور عودته إلى سدة الحكم عام 2009 “الحرب على النُخب”، واتهم الناطقون بلسانه بيغن بأن دعوته السالفة بقيت أشبه بصرخة في واد ولم تُمارس في الواقع الميداني. ومع أن هؤلاء الناطقين اعتبروا أن بيغن نجح في تحقيق ما أسمي “انقلاب 1977” الذي كان واشياً بهزيمة “اليسار الصهيونيّ” سياسياً وصعود اليمين إلى الحُكم، إلا إنهم في الوقت عينه شدّدوا على أن نجاحه هذا اقتصر على “إعادة ترتيب الأثاث داخل البيت”، لكنه فشل في “نقل البيت كلّه”، وبالتالي كان محدوداً. وترسم تصريحات هؤلاء باستمرار صورة واحدة وحيدة هي عبارة عن أغلبية مستبدة تُعدّ نفسها أقلية مضطهدة في أرضها، وهو ما انعكس ببريق أخاذ مثلاً في شتى مراحل سن “قانون القومية الإسرائيلي” الذي

يؤمن بأن هذه الأغلبية هي التي تحتاج إلى دفاع قانوني خاص بها. وفي فترة بيغن، واليوم أيضاً، جرى ويجري اتهام هذه النخب بترويج أيديولوجيات معادية للقومية وبمخاطبة جماعات من خارج المجتمع. وبرأي أصحاب هذا الاتهام أن جمهور الهدف الذي يضعه باحث في الجامعة مثلاً نصب عينيه هو المجتمع الدولي، وليس جيرانه القريبين؛ والمنتج السينمائي يوجّه أفلامه إلى السوق العالمية وليس المحلية؛ ورجل الأعمال يتوجه إلى السوق العالمية ويضع أمواله في “ملاجئ الضريبة” لا في البنوك المحلية. ومن هنا، تحديداً، جاء هذا الفصل والانقسام ما بين “نحن” و “هم” داخل مجتمع دولة الاحتلال.

ولا بُدّ من الإشارة أيضاً إلى أن استبدال تلك النخب كان يهدف إلى خدمة مصالح الاقتصاد العولمي الذي نمت فيه وترعرعت نخبة جديدة استفادت منه. وربما يجري اليوم استبدالها بنخبة تعود إلى الديانة بكونها مصدراً رئيسياً للهوية الإسرائيلية، وهذا موضوع آخر.

تتطلع الشعبوية في إسرائيل عبر نموذجها الحالي، النتنياهوي، إلى إقامة صلة مباشرة بين الشعب بوصفه صاحب السيادة وبين قائده/قيادته من دون واسطة أي مؤسسات مثل السلطتين التشريعية والقضائية، ومثل الأحزاب أو وسائل الإعلام أو منظمات المجتمع المدني وغيرها. وهي تسعى على الصعيد الاقتصادي إلى “اقتصاد الشعب”، مع التشديد على أن الرغبة في تطبيق اقتصاد كهذا تستلزم الحاجة إلى “قائد الشعب”، أي القائد الذي يعبر بصورة شعبوية عن رغبة الشعب وإرادته من خلال الدوس الفظ على أصول وأنظمة الحكم الديمقراطي، التي كانت سائدة من قبل ويجري تصويرها كما لو أنها جزء من النظام القديم الذي يخدم مصالح غريبة ولا يخدم “الأمة” بإخلاص، كما يحدث، بالأساس، في دول تفتقر إلى إرث سياسي عريق، مثلما هي الحال في أوروبا الشرقية مثلاً.

علينا أن نشير أيضاً إلى أن الحركة الصهيونية عرفت على مرّ تاريخها الكثير من الظواهر الشعبوية التي يضيق المجال لذكرها في هذه العجالة، ولا سيما في مجال العلاقة بين الأنا والنحن- الشعب.

جودي الأسمر، كاتبة وإعلامية لبنانية: الشعبوية الفرنسية.. تأويل مضلّل لسياسة ماكرون

حاولت “السترات الصفراء” تقديم عودتها الشاحبة كإرهاص سيشتعل فتيله في “أيلول أسود” لم تفِ به. ما يهمّ أنّه بصرف النظر عن حجم التهويلات، وإن صدقت أو كذبت، أظهر الحراك تجسيداً نوعيّاً لشعبوية لم تشهد الجمهورية الخامسة بضراوتها إلا خلال الحركة الطلابية عام 1968. مادياً فقط، كبّد هذا الحراك خسائر قدّرها وزير المالية الفرنسي برونو لومير ب 0.2 نقطة مئوية من النمو الاقتصادي الفرنسي حتى نهاية الشتاء الماضي، أي ما يصل، حسب “رويترز”، الى 5.7 مليار دولار أميركي.  لكن حراك “السترات الصفراء” أقل تجانساً في التركيبة من سابقاته، وأكثر عنفاً ضدّ الرئيس الى حدّ يدعو لوصفها بأنها شعبوية تبلورت حول ماكرون، قبل أن تكون لصالح إصلاحات اجتماعية قدّم لها الرئيس الفرنسي تنازلات تدريجية لا تبرّر استمرار هذا الشغب الّذي تتضّح بالخلاصة منهجته ضدّ ماكرون نفسه.  

وقد يصحّ القول بأنّ ماكرون يدفع فاتورة حملته الانتخابية النابضة بالرومانسية الثورية، وتسويقه لنفسه في السيرة الذاتية “ثورة” على كونه ضد النظام المسيطر في “ديغاجية” (*) هيمنت على ألسنة الناخبين وخياراتهم، بعدما أزاحت رموز السياسيين التقليديين أمثال ساركوزي وجوبيه وفيون وفالس، ونحّت أحزابهم لصالح “إلى الأمام”. أوحى الرئيس للناخبين المحبطين ببداية خلاص البلاد التي تورّطت بحلول العام 2016 في وهن تخطّى إرادتها، وانسحب على كلّ ميّزات وامتيازات فرنسا التي انزلقت إلى شبه انهيار في تنافسيتها الاقتصادية، وتقلّص في تأثيرها الدبلوماسي، وانكماش لفرنكوفونية ظهرت آنذاك في مؤلفات فرنسية متشائمة بعنوان “المرض الفرنسي”، وكتب أكثر مبيعاً كـ”أوهام غاليّة” و”الانتحار الفرنسي” و”الهوية غير السعيدة” وغيرها، فيما استحدث الاضمحلال (déclinisme) كظاهرة تُدرّس في الجامعات.

إزاء تصحّر معنوي بلغ القعر، رفع ماكرون سقف التوقّعات من الرئيس. فمثلاً، استخدم في أكتوبر 2016 استعارة “جوبيتر” ليسقطها على الرئيس الذي تستحقه البلاد. الرئيس “الجوبيتيري”، حسب الميثولوجيا الرومانية، هو المهيمن على الأرض والسماء وبقية الآلهة، في إشارة لمحاولة استعادة الامتياز الأوروبي الذي انتزعته بروكسل. ثم تناسلت وعوده المتفائلة بتصاريح رصدتها الصحافية الأميركية صوفي بيدير في كتابها حول ماكرون “الثورة الفرنسية”، ضمت بغالبيتها عبارات “مستقبل جديد” و”على أمل أن” ضد ما أسماه بـ”حوانيت مخاوفنا الجماعية”، الذي لن يتغلب عليها الفرنسيون سوى بإيلاء الحكم لمن يصنعه، أي إلى الشعب. وفي سياق سيرته، كتب ماكرون ما يعتبر نبوءة لعهده الذي أفرز شعبوية عمدت لخلط الأوراق في خطابه، وجزّته نحو مساءلة الشعبوية فيه، لا سيما في جانبها الساعي لتأسيس رابط مباشر بين النخبة وشعب يحق له الغضب، إذ قال “ما يغذّي غضب مواطنينا أو رفضهم، هو اقتناعهم بأن السلطة في أيدي قادة ما عادوا يشبهونهم، ولا يفهمونهم، ولا يهتمون بأمرهم، وهذا منبع تعاستنا جميعاً”.

في فرنسا اليوم تأتي الشعبوية بذريعة الآمال الخائبة، وتسوّغ لخيبتها الشغب والعنف والخسائر المادية غير المسؤولة. ولهذه الشعبوية، كما كلّ الشعبويات، خطاب مبهم فضفاض، يتجاهل الرؤى لصالح تأجيج المشاعر بدون التعاطي الجدّيّ مع المشاكل الواقعية. بالمقابل، ميّزت ماكرون تخصصية رؤيته الداخلية والخارجية، فقدّمته نموذجاً يشذّ بالفعل عن السائد- شواذ لولاه لما صار رئيساً. فهل من الوارد، أخيراً، اعتبار خطابه ديماغوجياً؟ ربما، وقد تكون الديماغوجيا وسيلة كل طموح سياسي. لكنّه لا ينحدر الى مستوى شعبوية رصدها الباحث الفرنسي بيار أندريه تاغييف في “تضليل للنفس”.

السترات الصفراء شعبويّة ضلّلت نفسها، وتستمر في سوء إفهام المشروع الرئاسي وفعله ورد فعله. فضلا عن سعيها لإشاعة “التضليل” في فرنسا كمنهج للتعبير عن الذات، يفضي بالمراقبين لسؤال: ماذا يريد هؤلاء؟ منذ رفض الحراك سابقاً دعوة ماكرون للحوار، واستمراره في تخريب المقدرات العامة والخاصة، ينحرف عن المعاناة الحقيقية بمواطنين يجسدون “فرنسات” متضاربة المصالح، للالتفاف حول مطالب ظرفيّة، لا ترتقي لمواجهة ندّية وشرعية مع المنظومة الديمقراطية. ما يجمعها بالديمقراطية هو فقط أن هذه الشعبوية الصفراء مولودها المشوّه.

(*) Dégagisme هو مصطلح سياسي جديد مشتق من فعل dégager نسبة إلى شعار «dégage» أو “إرحل” الذي رفعه تونسيون في كانون الثاني/يناير 2011، واستعمل في بلدان الربيع العربي ودول أوروبية في ما بعد. يقصد به دعوة المحتجين المسؤولين للرحيل عن السلطة دون أن يسعوا إلى الحلول مكانهم، وممارسة الحكم.

سمير الزبن، كاتب وروائي فلسطيني: الشعبوية المؤدبة في السويد

في السويد تستطيع أن تحس في الأشياء دون أن تلمسها مباشرة، إنها تخيم ولا تلامس، بمعنى أن الكثير من الأشياء لا تحدث بطرق مباشرة، إنما بطرق غير مباشرة، والثانية أخطر من الأولى. هذا ما نلمسه بتعامل السويدي مع مشكلة اللاجئين التي باتت المشكلة الطاغية على كل المشاكل الأخرى منذ موجة الهجرة الكبيرة في العام 2015.

السويدي المنتظم المؤيد للحزب العنصري، واضح في موقفه من اللاجئين، هو لا يريدهم، لأنهم لا يمكن أن يكونوا جزءا من المجتمع السويدي والثقافة السويدية، وهذا الموقف لا يتعلق باللاجئين المسلمين فقط، بوصف «فوبيا الإسلام» مرضاً منتشراً على أوسع نطاق في أوروبا، بل بكل القادمين من خارج السويد. ومن المفارقات أن الحزب العنصري في السويد، حاز تأييداً بين قدامى اللاجئين بنسب مرتفعة، وقد تم طرد اثنين من النواب في البرلمان السويدي لحزب اليسار (نائبة من أصول كردية عراقية) ولحزب «مدراتنا» (نائب من أصول إيرانية)، على خلفية التشهير ونشر الأكاذيب حول اللاجئين، وهذا النوع من اللاجئين موجود بكثرة في السويد، ويمكن اعتبارهم هؤلاء «لاجئين كارهين لأنفسهم»، بمعنى أنهم معادون لثقافتهم، وللبشر الذين تنتمون إلى ثقافتهم السابقة.

الشعبوية التي تخترق كل الطيف السياسي والاجتماعي في السويد قصة أخرى، قصة تقوم على تبني أقصى الشعبوية في صيغة تبدو محترمة، يُفترض أن احترام الآخر هي واحدة من أبرز القيم في المجتمع السويدي، لذلك تبدو الشعبوية مؤدبة في هذا البلد، لكنها تقوم بدورها بفعالية. ماذا يقول الخطاب الشعبوي المتخفي وراء الاحترام. يقول إن على السويد أن تساعد اللاجئين، وهذا موقف إنساني من آلامهم، (لكن) وما يتبع هذه الـ(لكن) يلغي ما قبلها. عندما يبقى اللاجئ بلا عمل، فهم يستفيد من التأمينات الاجتماعية، عند ذلك يقول الشعبوي المؤدب، يأتي اللاجئ إلى السويد كي يعيش على الضرائب التي أدفعها من راتبي (الضرائب في السويد من أعلى النسب في العالم) بدل أن تذهب إلى تحسين موازنات المدارس والطرقات وغيرها. وعندما يجد اللاجئ عملاً، وغالباً ما يكون من الأعمال الهامشية ومنخفضة الدخل، هذا أيضاً لا يعجب الشعبوي المؤدب الذي يعود للـ(لكن) ويقول، هذا يعني أن اللاجئ ينافسني على عملي، إنه يسلبني عملي، أنا المواطن في السويد.

لا تقف المسألة على البطالة أو العمل، فهناك مطالبات لا تنتهي من اللاجئين أن يندمجوا في المجتمع السويدي، والاندماج يعني أن طرفين بحاجة الاندماج، اللاجئ والمجتمع السويدي، نجد الشعبوي المؤدب، يقول، أن اللاجئين لا يريدون الاندماج في المجتمع السويدي، في الوقت الذي لا يجد اللاجئ من يتكلم معه من السويديين، لأن السويديين نادراً ما يتحدثون مع بعضهم، وهم ذاتهم بحاجة إلى الاندماج مع بعضهم البعض. وهذا ما يجعل الشعبوي المؤدب، يتهم اللاجئ بأنه لا يريد الاندماج في المجتمع السويدي ويريد أن يستمر في العيش كما كان يعيش في بلده الأصلي، لذلك عندما يرى الشعبوي المؤدب تصرفاً من لاجئ يبدو غريباً بالنسبة له، مباشرة يحتج، أن هذا ليس «موديلا سويدياً» للسلوك. ولا أعرف كيف لشخص جاء متكوناً على السويد في الثلاثينات أو الأربعينات أو الخمسينات من عمره أن يتحول إلى «موديل سويدي»، طبعا، هذا لا يعني أن اللاجئين نوع من الملائكة، إطلاقاً، وهم أيضاً لهم مشاكلهم مع المجتمع الجديد القادمين إليه، يحاولون التمسك بهويتهم في مواجهة المجتمع الجديد الذين يشعرون تجاهه بالنقص أو بالضعف، فيحاولون فعلاً أن يبنوا مجتمعات مغلقة في مواجهة المجتمع السويدي المغلق أصلاً في وجههم، ولكن عندما يتمسكون بهويتهم، يتمسكون بأردأ ما في الهوية، التدين الشعبوي في أسوأ صوره الشكلية.

في كثير من الأحيان يخفي الاحترام السويدي غطرسة تجاه اللاجئين، كما يخفي النقاش حول اللاجئين الكثير من القضايا السويدية التي سعدت جميع الأحزاب بتكنيسها تحت مشكلة اللاجئين. رغم كل هذه المشكلات، هذا لا يغير أن السويد ما زالت من أقل الدول عنصرية، حتى مقارنة بجارتها الدنمارك.

خليل أبو سلمى، كاتب وناشط سياسي فلسطيني: مستقبل فرنسا على محك الشعوبية

على الرغم من هزيمة الأحزاب الشعبوية إلا أن هزيمتها لا تعني أبداً أن شمسها قد غربت من الحياة السياسية والاجتماعية في فرنسا. فوز ماكرون العام 2017 لم يكن، في الحقيقة، خياراً كاملاً للفرنسيين، ما ساعده على الفوز هو ذلك الرعب الذي اجتاح المجتمع الفرنسي بجانبه الليبرالي بسبب تقدم حزب لوبان الشعبوي، حيث شارفت، في مرحلة معينة، على اكتساح الشارع الفرنسي، ما يشكّل تهديداً حقيقياً لمكانة فرنسا وللسلم الأهلي في هذا البلد الرائد في مجال الحريات وحقوق الإنسان.

شعر معظم الفرنسيين أن القيم التي حافظت على مجتمعهم غدت قريبة من مهب رياح الشعبوية اليمينية في حال فوز لوبان، وهذا ما دفعهم إلى انتخاب ماكرون (الأقل شعبوية)، إلا أن الفوز لم يكن سهل المنال بالنسبة لماكرون، ولا يعني هزيمة الشعبوية المنكرة على الإطلاق. الجدير بالذكر أن مؤيدي لوبان أكثرهم من فقراء الفرنسيين، وهم الشريحة الأوسع في المجتمع الفرنسي، على عكس ماكرون القادم من النخبة الاقتصادية ومن أجلها، والمدعوم أوروبياً.

في خطابها بعد هزيمتها طالبت لوبان أنصارها بـ”الاستعداد للمعركة الحاسمة القادمة”. هذه المعركة، التي قد تحسمها لوبان فعلاً، إذا لم يسارع ماكرون إلى إجراء إصلاحات اقتصادية جريئة وحقيقية ترضي الشعب الفرنسي، وتدفع عنه حالة الإحباط بسبب سياساته الاقتصادية القاصرة عن حل حقيقي لأية أزمة من الأزمات الكثيرة التي تعيشها فرنسا، وإلى الآن ما زال ماكرون أميناً للنخبة التي دعمته للوصول إلى قصر الإليزيه، ولا أدري إذا كان بإمكانه أن يختار مستقبل فرنسا على حساب هذه النخبة؟

دعونا نوضح هذا الخوف من المستقبل من خلال الأرقام، فلوبان حصلت على سبعة ملايين صوت في جولة الانتخابات الأولى، واستطاعت أن ترفعها إلى عشرة ملايين بفارق ثلاثة ملايين صوت أضافتها في الجولة الثانية، ونستطيع أن نقول بكثير من الثقة إن أكثر من 90% من هذه الأصوات هي أصوات صافية، بمعنى أن أصحابها يختارون لوبان رئيساً لفرنسا لأنهم يؤيدونها، على خلاف الأصوات التي فاز بها خصمها ماكرون فهي في نسبة كبيرة منها أصوات اضطرارية ليست صافية، و قد تصل نسبة 50% من أصحابها ممن انتخبوه خوفاً من لوبان وليس رغبة بحكمه، هو أهون الشرور، ومنهم أنصار الأحزاب التقليدية التي ظهر أنها لا حظ لها في الفوز، وهؤلاء يتفقون مع ماكرون على مبدأ واحد فقط: ضد لوبان.

أما عدد المصوتين لصالح ماكرون فقد بلغ 20 مليوناً و703 آلاف و694 ناخباً، مقابل 10 ملايين و637 ألفاً و120 ناخباً لصالح منافسته لوبان، هذا الفارق بعدد الأصوات أظنه قد خسره بسبب سياساته التي لم ترقَ إلى أدنى متطلبات الشارع الفرنسي. أضف إلى ذلك أن نسبة العزوف عن الانتخابات بلغت 25.38% (نحو اثني عشر مليون صوت) أضف إليها ثلاثة ملايين بطاقة بيضاء، ثم أضف مليوناً وسبعين ألفاً وهو عدد الأصوات الملغاة، ليصبح لدينا 16 مليون وسبعون ألف ناخب لم يقولوا كلمتهم، وهؤلاء يراقبون برسم المستقبل.

الأمر إذاً ليس كما يبدو من خلال الأرقام، وخسارتها لا تعني خسارة الشعبوية، هي خسرت الانتخابات لكنها لم تخسر شارعها، مقابل ماكرون الذي ربح الانتخابات ولكنه خسر الشارع، لا سيما وأن الجانب الاقتصادي هو الذي لعب الدور الأساسي في حسم أمر الناخبين في النهاية. بتعبير آخر، فإن قسماً كبيراً من الذين لم ينتخبوها لم يفعلوا ذلك لأنها لم تقدم برنامجاً متكاملاً يقدم الحلول لمشكلات فرنسا الكبيرة وأزماتها المستعصية، في حين هم يؤيدون برنامجها السياسي.

حتى ماكرون ذاته، فإن الكثير من المحللين الفرنسيين يصفونه بأنه شعبوي مستنير ليبرالي عولمي على خلاف شعبوية لوبان القومية العنصرية، ولكن شعبويته المستنيرة هذه ستنجب مشكلات جديدة، و البعض رأى أنه لم يكن لِيَهزمَ شعبوية لوبان لو لم يكن شعبوياً مثلها، فهو منذ البداية غادر حزبه الاشتراكي  ليؤسس حركته الشعبية الخاصة به “الجمهورية إلى الأمام”، التي يمكننا- كما سبق- وصفها بالشعبوية المستنيرة، و من خلالها ربما استطاع أن يهرب- بغير قصد- من الرقابة والمحاسبة الحزبية، ويتهمه الكثيرون خاصة في سياسته مع مطالبات حركة السترات الصفراء بأنه تعامل بعنجهية الزعيم و ليس بحكمة الرئيس.

ومن هنا نذكر أن حركة السترات الصفراء لم تقف عند مطالباتها بإصلاحات اقتصادية تنصف الفقراء، بل تجاوزتها إلى مطالبات بتوسيع التمثيل الشعبي في حكم فرنسا، وهذا دليل على شعور الفرنسيين بأن من يدعون تمثيل الشعب الفرنسي لا يمثلونه على وجه الواقع والحقيقة.

مما يؤكد ما نذهب إليه أن لوبان عادت وحصلت على المركز الأول في الانتخابات الأوروبية التي وصفها ماكرون بأنها (حاسمة لمستقبل أوروبا) فقد تصدر حزب “التجمع الوطني” الشعبوي الذي تقوده ماري لوبان نتائج الانتخابات الأوروبية في فرنسا بنسبة 24%، بينما حصلت حركة “الجمهورية إلى الأمام” التي يتزعمها الرئيس ماكرون على نسبة أقل من 23% من الأصوات، وهذه النتائج بالغة الدلالة على مسار الأمور القادم الذي ينذر بأن خطر الشعبوية قادم لا محالة.

رونق فيصل الصميدعي، كاتبة وناشطة عراقية: الشعبوية عراقيا في غياب التعددية

بات تداول مصطلح “الشعبوية” مألوفاً، إذ أصبح واقعاً ملموساً. ولا تقوم الشعبوية على الانتماء لحزب أو عقيدة معينة ورغم تعدد دلالاته تقوم عموما على تمثيل الطبقات الشعبية بطريقة مغايرة لمبادئ الديمقراطية.

وصفها جان مولر في كتابه “ما الشعبوية؟” بأنها معادية للنخبة، تنفي التعددية بالرغم من كون الشعب نفسه متعدداً، فلذلك تصبح نقيضاً للديمقراطية. واقترح مولر في هذا السياق مفهوم الديمقراطية الناقصة ورفض تشبيهها بالديكتاتورية في الدول الأوروبية التي اقتصر تحليله عليها. فما هي حال الشعبوية في الدول التي تنعدم فيها الديمقراطية أو تكاد؟

في ظل انعدام العدالة الاجتماعية والتجارب الديمقراطية تعثرت الشعوب العربية في تحقيق انتقال ديمقراطي سلمي فتحول ما كان من المفترض أن يكون ربيعا عربيا خريفا عربيا وحلقة مفرغة من العنف والفوضى. فساد الخطاب الشعبوي المعتمد على إثارة الحماس والوعود وتوظيف الغضب الشعبي والشحن العاطفي الديني والطائفي والبعيد عن المنطق وإعمال الفكر. خطاب كهذا تتلقفه الجماهير التي تخدعها سهولة الوعود الشعبوية والحلول المؤقتة أو السطحية على حساب الحلول الحقيقية للأزمات والمسائل المعقدة، التي تتوارى خلف عدم احترام عقول الجماهير.

للشعبوية في العراق تاريخ طويل امتد على مدى أكثر من ستة عقود، تجذرت خلالها الشعبوية سياسيا وعشائريا ودينيا طائفيا، تحت حكم العسكريين والبعثيين العراقيين. وعبر توظيف الشعبوية القومية تمكن صدام حسين من السيطرة على زمام الأمور، ووضع حداً للانقلابات العسكرية. واستثمر وسائل الخطاب الشعبوي في تهييج الجماهير، واستنفار العاطفة الجمعية لسوْق الناس الى الحروب، والتصفيق للنهج الاستبدادي، والحفاظ على مزاجٍ عام يخضع لإرادة الفرد، وأرسى بنية تحتية عسكرية للبلاد ليخوض مغامرات عسكرية غير محسوبة سنوات عديدة استنزف معها اقتصاد العراق وموارده البشرية، قبل أن يطاح به على يد الاحتلال الأميركي في أبريل 2003.

اليوم تستمر الشعبوية نشطة في عراق ما بعد صدام حسين، باستمرار الاستقطابات السياسية والاجتماعية، وعدم توافر مؤسسات حكومية ورسمية قوية وناضجة، والخلل الذي تعانيه في أدائها الحكومي والمجتمعي، الذي يترافق مع تنامي التذمر الشعبي حيال قضايا لا زالت تتطلب حلولا نحو: ضعف الخدمات، والصراعات المسلحة، والتمييز الاجتماعي، وضعف سلطة القانون.

تقف الشعبوية والتعددية على طرفي نقيض. فالأولى تستند إلى نهج أحادي في نظرتها إلى السياسة والمجتمع، وهي لا تنسجم مع أطروحة التعددية ضمن الأنظمة الديمقراطية، التي تؤمن بأن التنوع في المجتمعات والحياة السياسية يعتبر مصدر قوة فيها، وأن التوصل إلى تفاهمات وتسويات بين أقطاب القوة والتأثير المختلفة في الوضع الاجتماعي والسياسي في البلد يعد أمراً أساسياً وحيوياً وطبيعياً. خصوصاً أن الساحة السياسية الصحية ينبغي أن تشجع وجود مثل هذا التنوع، حيث تمنع التعددية من تركز السلطة بيد أشخاص أو مجموعات بعينها، طائفية كانت أو حزبية أو عرقية أو غيرها، وبالشكل الذي يمنع تلك المجموعات من فرض إرادتها على الغير. عراق اليوم لا يزال يفتقر إلى التعددية الحقيقية المستمدة أولا من الإيمان بها كقيمة عليا. هناك أمل، فالتغير يبقى سنة كونية وحدها ثابتة لا تتغير، لكن أيضا “لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.

(7/7)

منسجماً مع أهدافه الثقافية، ورسالته الأخلاقية، تحمس موقع “ضفة ثالثة”، الذي بات اليوم موقعاً ثقافياً عربياً رائداً، والقائمون عليه، لاحتضان ملف يتناول الشعبوية، هذه الإشكالية الراهنة في تفاعلها مع العولمة في عصر ما بعد الحداثة، الذي تشعبنت فيه العولمة وتعولمت فيه الشعبوية.

تفاجأنا بحجم الاستجابة والاهتمام اللذين قوبلت بهما دعوتنا من جانب عدد غفير من الزملاء الكتاب والباحثين العرب، ليخرج هدفنا عن حدود ملف بـ حلقات معينة إلى ما يشبه ورشة عمل موسّعة تناولت الشعبوية طولاً وعرضاً، نظرياً وعملياً، وحفرت في زواياها المختلفة، والتي نزعم أن كثيراً منها كان حتى اليوم ينتمي إلى حيّز ما هو غير مفكر به عربياً. لذا نأمل أن يكون هذا الجهد المشترك لجميع المساهمين في هذه الورشة/ الملف (مشكورين) قد شكّل مرجعاً بحثياً يضاف إلى رفوف المكتبة العربية الرقمية. نشكركم جميعاً، ونشكر قرّاء الموقع الذين تفاعلوا مع جهود المشاركين في سعيهم سؤالاً، وإشكالاً، للإحاطة بالإشكالية المركزية (الظاهرة الشعبوية)، وساهموا في إغناء الحوار، مما عكس حاجة القراء إلى الإحاطة الوافية بالظاهرة الشعبوية التي باتت تسيطر على المجتمعات في كل مكان، خطاباً وممارسة، والذي يشعرنا بأن تلك الجهود لم تكن عابرة.

يركز الجزء السابع والأخير من هذا الملف على الشعبوية الثقافية، فينبه عبد الرزاق المصباحي إلى وسائط الثقافة ودورها في تنميط الخطابين الشعبوي والنخبوي. أما عبد الله البياري فيحفر بعمق وتفرد في سوسيولوجيا “الحدّ” ممارسة وتداولاً، معلناً إمكانية تأمل سياسات الحدود والمكان والعمران الشعبوي كتمثيل مكاني/مادي لعلاقة القوى على مستوى اللغة والمكان والإدراك، وعليه فإن تفكيك تلك المكانية/الجسدية/العمرانية هو شكل أساسي من أشكال مقاومة الشعبوية. أما محمد جميل خضر (نبارك له صدور روايته الجديدة “نهاوند”) فيعالج إشكالية العلاقة بين الشعبوي والنخبوي من خلال أبي الفنون (المسرح)، الذي ظل ينوس بين شعبوية ركيكة ونخبوية معزولة، مستشهداً بتشريح عدد من النماذج التطبيقية.

عبد الرزاق المصباحي، ناقد ثقافي مغربي: الشعبوية مفهوماً ثقافياً

يُوظّف توصيف “الشعبوي/ الشعبوية” بشكل سلبي في الأغلب، فالمعني به متهم ببناء خطاب موجه إلى عامة الشعب بغية تحقيق مآرب سياسية أو أيديولوجية معينة، والحقيقة أن هذا الحد خاضع للثنائية الشهيرة (النخبوي/ الشعبي)، التي بموجبها يتم الإعلاء من النخبوي، الذي يؤسس خطابا مبنيا على مرجعيات نظرية؛ في مقابل الشعبوي الذي يوجه خطابه نحو العاطفة، وخاصة منها الدينية والطائفية والجندرية.

وإننا إذا تأملنا هذه الثنائية من منظور الدراسات الثقافية، سنجد أن مؤسسات النخبة هي التي تبني المفهوم السلبي للشعبي والشعبوي، وإلا فإن جون فيسك، الناقد الثقافي البريطاني، يؤكد أنه “لا دليل على أن ما هو شعبي يدعم الهيمنة”، إذا ما قارناه بالنخبة سواء كانت ثقافية أم سياسية التي لها حساباتها وتوازناتها التي تحرص عليها، ولو استدعى الأمر أن تدعم السلطوية أو تغض الطرف عنها.

فلقد شاع مفهوم “الشعبي” في الثقافة اللاتينية، كما يؤكد دوغلاس كالنر، ليدل على كل ما تنتجه الطبقات الهامشية، قصد مواجهة ثقافة المركز ومنجزها المؤسسي، لذلك ظل مفهوم الشعبي في هذه الثقافة مناهضا للسيطرة والتحكم. وفي الثمانينيات، وبفضل منجز الدراسات الثقافية، صارت الثقافة الشعبية موضوعا للدرس النقدي.

لكن كالنر ينبه إلى خطورة الاحتفاء غير النقدي بكل ما يصدر عن الثقافة الشعبية، فليس بالضرورة أن يكون طليعيا ويناهض التحكم والسيطرة ومعبرا عن التنوع الهوياتي، بل قد يكون في خدمة التجبّر.

وإذا أمكننا في وقت سابق أن نميز بين خطاب النخبوي وخطاب الشعبوي، فإنه بعد الطفرة التكنولوجية وظهور وسائط التواصل الاجتماعي، صار من الصعب أن نميز بين الخطابين، ذلك أنهما صارا يبنيان خطابا بالمواصفات عينها تقريبا، فقد استطاعت هذه الوسائط أن تنمّط الخطابين، وتجعلهما خاضعين لمنطقها.

وهذا النوع من التنميط يسميه الناقد الأميركي دوغلاس كالنر وسائط الثقافة، أي أننا لم نعد إزاء ثنائية (نخبوي/ شعبي)، وإنما أمام مفهوم تقني له إشتراطاته التي يخضع لها كل من يقبلها، ويوقع بالموافقة عليها. ولعل المضمر الأخطر في هذه الإشتراطات ما يمنحه لمستعمليه من سلطة مكذوبة، وقدرة على تدمير الآخرين.

وتمثيلا لهذه السلطة المكذوبة التي يتساوى فيها النخبوي والشعبوي، أنه حدث في الشهور الأخيرة أن أعلنت إحدى الجامعات المغربية خبرا عن مناقشة أطروحة دكتوراه في موضوع “منهجية الحوار في تدبير قضايا الخلاف في ضوء القرآن الكريم إبراهيم عليه السلام والحسن الثاني”، فإذا بتدوينات كثيرة في الفيسبوك من قبل المحسوبين على النخبة من كتاب ونقاد وشعراء و(باحثين)، إضافة إلى رواد من مختلف المشارب تسفه العمل، وتتحسر على واقع البحث العلمي، وتسب الباحث وتتهمه بمحاباة السلطة والتملق للملك الراحل.

كل تلك الأحكام القاطعة والنهائية صدرت دون حضور المناقشة، ودون الاطلاع على المنهجية البحثية التي اتبعها الباحث، ودون معرفة النتائج التي توصل إليها. ما يعني أن النخبة، هنا، خاضعة لمنطق وسائط الثقافة التي تفرض أن تساير الأحكام الجماهيرية، وتغذيها، ولا تخالفها، وإن كانت تفتقد إلى المنطق العلمي السليم التي تدعي امتلاكه.

ومن ثم فالشعبوية التي تنتقدها النخبة صارت سلوكا شائعا في خطابها، إلا من استثناءات قليلة؛ لكونها صارت تعلم أن تحقيق بعض المكاسب سواء كانت صغيرة أو كبيرة، يفترض أن تتماهى مع إشتراطات وسائط الثقافة، وتستعيد الخطاب الجماهيري بغض النظر عن علميته أو واقعيته أو مساهمته في تطوير النقاش العمومي والحياة العامة.

محمد جميل خضر، روائي وإعلامي أردني: بندول الفن المسرحي يتأرجح بين شعبوية ركيكة ونخبوية معزولة

ينأى (أبو الفنون) بنفسه بعيداً عن الشعبوية بمعناها السطحيّ الركيك.

وفي حين يفرض مصطلح “الشعبوية” مفاهيم جديدة على صعيد المشهد السياسي العالمي، ويتعمّق ارتباطه هذه الأيام بالعنصرية ودعوات المطالبة بنقاء عرقٍ ما مترفعاً عن باقي أعراق الأرض، فإن (شعبوية) المسرح ظلّت منذ إسخيلوس وسوفوكليس ويوريبيديس وأريستوفانيس وغيرهم، تنشد مخاطبة الجمهور، وصولاً لتحقيق جماهيرية كبرى، حتى لو تطلب الأمر تبسيط مفردات هذا الفن والتخلي عن بعض عناصره التأسيسية مثل الأقنعة والنصوص الشعرية والإضاءة الإخراجية واستخدام السينوغرافيا المرافقة والرقص التعبيري النخبوي وما إلى ذلك.

وكلما دغدغ عملٌ مسرحيٌّ مشاعر الجماهير ولعب على أوتار عواطفهم سواء السياسية أو الغرائزية، كلما قلنا بعقل مطمئن: إن هذا المسرح هو مسرح شعبويّ.

وكلما انحاز عمل مسرحي لجماليات الفن المسرحي وتقنياته الحديثة من بصريات ومؤثرات وموسيقى، وعبّر عن خطابه التطهريّ الإنسانيّ الراقيّ، وخاض بمعرفية وجدانية فلسفية ناضجة في مسائل الخير والشر والعدل والشك واليقين والألم والأمل، كلما قلنا مسنودين بِحُجَّةٍ دامغةٍ: إن هذه المسرح هو مسرح نخبويّ.

وبما أن الوجدان الجمعيّ عند أمة من الأمم، ليس ثابتاً متحجراً كل الوقت وعلى مرّ الأزمان، وبما أن شعبوية المسرح الروماني، على سبيل المثال، تجلّت بما يمكن أن ينسكب من دماء فوق منصة العرض أمام مدرجات تغص بالمستمتعين بالصراع الدمويّ القائم، في حين قد تتحقق شعبوية أخرى بما يمكن أن يلعبه نوع مسرحي من (تنفيس) جماهيري موجّه سياسياً (مسرح دريد لحّام نموذجاً)، وبما يمكن أن يبثه مسرح آخر من عبثية أمام فداحة الواقع المعاش، فيكْرجُ في أعمال من هذا النوع الشتم والازدراء ومعاينة عيوب الواقع وأنظمة الحكم دون أن تقدم هكذا عروض حلولاً ممكنة لما يرزح تحته جمهور عروضهم من أثقال ومآسٍ، فإن الحديث عن شعبوية واحدة هو تغميس خارج الصحن، وبالتالي فإن البحث عن سمات لها تخرج عن نطاق النقد العلمي الرصين.

وكون الفن غير معنيٍّ بتقديم إجابات، كما يرى كثير من الباحثين والمعنيين والمتخصصين، فإن نوع المعاينة المقترحة وذكاءها وحيويتها وجمالياتها، يمكن أن يلعب دوراً في إنضاج لحظة تغيير ما، ويرفع مجسّات التلقي لدى جمهرة النظارة.

عربياً أيضاً فإن (شعبوية) من نوع ما سادت بعد ربيع الثورات العربية، وهي الشعبوية التي تعبّر عن لسان حال السلطات الحاكمة في بلاد العُرْبِ أوطاني من شيطنة لكل إسلام سياسيّ، بغض النظر عن أن ليس جميعه على مذهب واحد. في هذا الإطار قدمت عشرات الأعمال الموجّهة المعبّرة عن أجندات بعينها، دون إجراء أي تغذية راجعة حول ما حققته هذه الأعمال، وهل تسنى لها زيادة الواقفين على شباك تذاكر المسرح (باستثناء تونس وإلى حد ما المغرب والعراق ومصر، فإن معظم الأعمال المسرحية العربية هي عروض في إطار مهرجانات مسرحية تعرض بالمجّان مع قليل جداً من العروض تقدم خارج إطار هذه التظاهرات. فالفن المسرحي العربي هو على وجه العموم، فن نخبويّ يتابعه عدد قليل من المعنيين بالمناسبة أو منظمي الفعالية).

في إطار تعريفه للمسرح الشعبوي، يرى المخرج والأكاديمي الأردني د. محمد خير الرفاعي أنه فن الجماهير، طارحاً في سياق متصل سؤالاً جوهرياً: هل نحن مع الشعب أم مع الفكرة؟ الشعبوية هنا بحسب الرفاعي هي تلمس فكرة موجودة داخل وجدان الناس وتغذيتها مسرحياً “اللعب على وترها، تصعيد دوافعها داخل هذا الوجدان، تكريس وثوقيتها وما إلى ذلك”.

وكما يرى كثيرون غيره، يؤكد الرفاعي أن مسرح دريد لحام هو في إطار المشهد المسرحي العربي، نوع من المسرح التنفيسي السياسي الذي يتبع نظاماً معيناً ويحقق أجنداته، فبرأيه لو كان غير ذلك لما مُنح كل هذه السقوف العالية، مستشهداً بما آلت أحوال رفيقيه في مشواره المسرحي (الشاعر والكاتب محمد الماغوط والفنان نهاد قلعي)، ويعزّز رأيه هذا بالموقف (المستهجن) الذي وقفه دريد لحام ضد ثورة شعبه، مديناً لها ومتخندقاً في صف (نظام البراميل المتفجرة).

من جهته، يرى المخرج والممثل المسرحي الأردني زيد خليل مصطفى، أن المشكلة ليست بالإنتاج المسرحي بل بالتلقي الجماهيري، ذاهباً إلى أن النزعة الاستهلاكية التي تسود محلياً منذ سبعينيات القرن الماضي، انسحبت بأمراضها ومظاهرها على الفن المسرحي. مصطفى رفض النظر إلى المسرح اليومي الذي شاع فترة من الزمن، بوصفه مسرح (كباريه سياسي)، رائياً أن هذا النوع الذي أطلقه النمساوي/ الألماني/ الأميركي ماكس راينهارد (1873-1943) لا يشبه بما حققه من محاكاة للناس وقدرة على تلمس أهوائهم ونزعاتهم ويومياتهم، ما يُقدَّم بين الفينة والأخرى في إطار المسمى نفسه ولكن بدسم منزوع محلياً وعربياً.

“المسرح المعلّب، المقولب، غير الأصيل والمُنْبَتُّ عن محيطه، لا يمكنه أن يصنع فارقاً ولا أن يكون لا شعبوياً ولا نخبوياً”، يقول مصطفى، متأمّلاً في سياق آخر تجربة برتولت بريشت أو بريخت (1898-1956) الذي انصهرت يساريّته واشتراكيته مع موجة عارمة من المد اليساري العالمي، فإذا بأعماله تحقق شعبوية من الطراز المضاد لشعبوية اليمين المتطرف. وإذا بها من منظور آخر نخبوية المحتوى والمستوى والخطاب.

المسرح المحكوم بميزانيات حكومات تنظم مهرجاناته وتفرض أجنداته، لا يمكنه، برأيي، أن يحقق أي شعبوية غير تلك التي يريدها من (يدفع للزمار) فأليس هو كما يقول المثل من (يحدد النغمة)؟

في أفق مغاير يتحرك المسرح الأوروبي على وجه الخصوص والغربي على وجه العموم، وبما أتيح له من حرية تعبير وبعد مدينيٍّ ديمقراطيٍّ حقيقي، في مسار مضاد (تماماً) للشعبوية العنصرية التي يعبّر عنها أوضح تعبير هذا الصعود المقلق لليمين المتطرف في غير دولة أوروبية، ويشكّل ترامب صدمته الجارفة الجارحة.

فإذا بمسرح ما بعد الكولونيالية وإذا بأساليب الإخراج ما بعد الكولونيالي ورؤاه تتخذ، بحسب الباحث د. محمد كريم الساعدي: “من مناهضة الخطاب الثقافي الغربي ذات الامتدادات الكولونيالية في تمييز الحضارة الغربية عن الحضارات الأخرى موضوعاً لها”. في ظلال هذه المرجعية الأخلاقية الرفيعة، نشأ تيار مسرحي أوروبي وأميركي “معارض للواقعية والطبيعية التي أغرقت المسرح بتفاصيل الحياة اليومية والتصوير الفوتوغرافي للأحداث، دون ردة فعل تجاه ما يحدث من قتل وحروب اجتاحت أوروبا والعالم، لذلك جاء المسرح السياسي الذي عمل على توعية الجماهير، لا سيما الطبقة العاملة تجاه الرأسمالية واستغلالها للإنسان وسيطرتها على الأمم”.

الأمثلة في هذا الإطار لا تعد ولا تحصى: مسرحية “راسبوتين” للمخرج الألماني آرفن بسكاتور (1893 – 1966)، مسرح الجنوب الحر في أميركا، مسرحيات الغضب الزنجية، حركة المسرح الحي التي أسسها جوديت مالينا وجوليان بك بعد حرب فيتنام، مسرحية “أسرار وقطع أخرى صغيرة”، التي لم تعتمد على نص مكتوب بل على الارتجال، محتوية على عدد من الإيحاءات ضد حروب أميركا، ومنها الموت الجماعي وانتقاد الرأسمالية من خلال أغنية كلماتها العبارات المكتوبة على الدولار الأميركي، ومن خلال هتافات توضح المشكلة التي يعيشها المجتمع الأميركي في ظل سياسات إمبريالية تسعى إلى إخضاع العالم.

العروض المسرحية ما بعد الكولونيالية لم تتوقف عند حرب فيتنام بل شملت احتلال العراق عام 2003 وما تبعه من أحداث في سجون الاحتلال الأميركي، ومعاملة العراقيين وفق النظرة الكولونيالية القديمة، حيث قدّم المخرج الأميركي أندريا مادوكس ضمن فعاليات مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي، مسرحية “ما الذي أعرفه عن الحرب” للكاتبة مارجولي شيرمان. العرض يكشف بشاعة الخطاب الكولونيالي الأميركي وصورته المتعالية واستهزاءه بالآخر العربي (العراق)، حيث حاول المخرج من خلال العرض أن ينتقد الحرب الأميركية على الشعب العراقي وتجردها من الإنسانية في معاملتها لهذا الشعب، وفكرة المسرحية تدور حول معاناة امرأة أميركية فقدت زوجها في الحرب، وطفل أميركي فقد أباه فيها. وتناول العمل من جانب آخر معاناة العراقيين وأطفالهم من خلال تعرضهم للإهانات والضرب، ومعاناة امرأة عراقية مسنّة لمجرد تمسكها بحقها. كما تعرض المسرحية صوراً من سجن (أبو غريب) والتعذيب الذي حدث فيه وانتهاك حقوق الإنسان على يد الجنود الأميركيين.

الفرنسي جان بول سارتر ومعظم أعماله المسرحية، مسرح العبث واللامعقول، صموئيل بيكيت “في انتظار غودو” وغيرها، مسرحيات يوجين أونيل، مسرحيات جان جانيه، مسرحيات بيتر فايس، أعمال جوناثان هولمز وجون دكستر وغيرهم، وغيرهم، أمثلة حيّة وناصعة على هذا التضاد بين شعبويتين تدعي كل واحدة منهما أنها صوت الشعب وضمير الناس.

من الأعمال المضادة بقوة وعمق للشعبوية العنصرية، مسرحية “شك: أمثولة Doubt: A Parable”، للكاتب والمخرج المسرحي الأميركي المعاصر جون باتريك شانليJohn Patrick Shanley.

فالمسرحية التي عرضت آخر مرّة قبل عامين (2017)، على مسرح سازاك Southwark Playhouse، تجسد صرخة مضيئة متوارية خلف دهاليز الشك، رافضة الوثوقيات الكاذبة، بدءاً من تلك التي أكدت للشعب البريطاني أن الخروج من الاتحاد الأوروبي في صالحه، مستندة إلى حفنة من الأكاذيب؛ وصولاً إلى تلك التي يرددها علينا دونالد ترامب صباح مساء، وهو يدّعي أنه سيعيد عظمة أميركا المتدهورة من جديد. وأنه “الشعب والشعب أنا فمن أنتم”.مخاطر الشعبوية المرتدية قفازات الرجل الأبيض ألقت بظلالها على مختلف أوجه الحياة الأوروبية، خصوصاً مع تدفق آلاف الهاربين من الموت في بلادهم من سورية والعراق وليبيا واليمن وبلاد عربية وآسيوية وأفريقية أخرى، نحو حواضر أوروبية وغربية أساسية مثل ألمانيا والسويد وفرنسا وإنكلترا وهولندا والنمسا والنرويج وكندا وأستراليا وغيرها. وهي المخاطر التي جعلت العنوان الرئيسي لمهرجان أفينيون المسرحي (لعله إلى جانب مهرجان أدنبرة، من أهم التظاهرات المسرحية العالمية)، هو: “شبح الشعبوية الأوروبية مُخَيِّماً”.

هاجسٌ عبّرت عنه بأمانة وفنية عالية مسرحية “أرشيتكتور” من تأليف وإخراج الفرنسي باسكال رامبير (أحد أكثر المسرحيين الفرنسيين الأحياء انتشاراً في العالم)، التي افتتحت الدورة الثالثة والسبعين لمهرجان أفينيون (أقيم ما بين 4 و23 حزيران (يوليو) 2019)، حاملة في طياتها بعض الفرح أيضاً، إذ شارك فيها نجوم من أوساط المسرح الفرنسي من إيمانويل بيار إلى جاك فيبير مروراً بدوني بوداليديس وأودري بوني.

تروي المسرحية التي عرضت في باحة الشرف في قصر الباباوات الذي شهد ولادة المهرجان المسرحي في العام 1947، بأسلوب لا مواربة فيه، قصة عائلة فنانين وفلاسفة ومؤلفين موسيقيين ممزقة في صورة مجازية عن أوروبا المريضة.

تحت عنوان: “المسرح الشعبوي يجب أن يؤخذ على محمل الجد”، يقول الكاتب الإنكليزي مارتن ساندبو في مقال نشرته له “فايننشال تايمز”: “لا خلاف على أن الاشتباك بين الشعبوية والعالمية هو حركة مسرحية، لكنه مسرحٌ غرائبيٌّ يعبّر عن الواقع”.

بين شعبوية ركيكة ونخبوية معزولة، ما تزال الدقات الثلاث لأبي الفنون تشكّل الإلهام الفذ لمن يحلمون بمنصّة كبرى تجري فوقها محاكمة كبرى للشر والشيطان وأعداء الإنسانية والحياة. وما يزال سعد الله ونّوس يهتف: “إننا محكومون بالأمل”.

عبد الله البياري، باحث وأكاديمي فلسطيني: تفكيك معمارية الشعبوية بين المكان والجسد واللغة (1)

فيما الشعبوية عموماً هي نزعة سياسية تقوم على تقديس “الشعب”، فإن الشعب كمقولة سياسية لا يمكن تحديدها بنفس درجة الحسم التي تدعيها الشعبوية (القداسة بنية خطابية وإدراكية عامودية حاسمة)، ما يدفع تلك الديناميات الخطابية والأدائية إلى إنتاج أشكال مختلفة من الترسيمات لفكرة ومقولة، والأهم، مكان “الشعب”، لضبط – بالمنطق الفوكوي- تلك المفارقة. فنجد، مثلاً، شعار حملة ترامب الانتخابية: “لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى! فلنبنِ أسواراً”؛ ويقصد أسواراً تفصل بين الشعب كذات جوهرانية عظيمة، وآخر غريب (ليس) عظيماً، من دون التأمل التاريخي ولا السياسي في بنية الشعب، كمقولة، ولا الآخر كمقولة يفترض أن تكون مقابلة. ومن هنا يمكن تأمل سياسات الحدود والمكان والعمران الشعبوي كتمثيل مكاني/مادي لعلاقة القوى على مستوى اللغة والمكان والإدراك، وعليه فإن تفكيك تلك المكانية/الجسدية/العمرانية هو شكل أساسي من أشكال مقاومة الشعبوية.

الشعبوية.. نزعة سياسية  تقوم على تقديس “الشعب”

يضيء لنا مارتن هايدغر بقوله: “ليس الحدّ ما يتوقف عنده شيءٌ ما، الحدُّ كما أدرك الإغريق ما يبدأ شيءٌ ما حضوره”، وحضور خطاب الشعبوية يبدأ من الحدّ، أي أنّ الشعب (في الشعبوية) يبدأ من الحدّ، وليس في الحدّ، لتصبح مقولة الحدّ الفلسفية والأدائية وحتى المكانية أساساً في تكوين مقولة “الشعب”، على اختلاف تنويعاتها (ترامب نموذجاً).

وإذ ثمة قرابة مطموسة بين المكان والأبجدية؛ فإن سياسات المكان/ العمارة الشعبوية لا تنحصر بين الشعار (السياسي) كلغة، والحدّ – السور- كمكان (لغوي)، بل تمتد إلى خارج تلك المعادلة لترسم شكلاً إدراكياً للذات والآخر، والمكان الذي يجمعهما، ولو أضداداً، وتستند بالأساس على فكرة الحد (2)، وما تستبطنه من فلسفة التعريف بالسلب (3). ولأن “كل ما يحدث لنا؛ يحدث في لغتنا” (هايدغر، ثانيةً!)، لعل تأمل المكان/ العمارة من خلال اللغة هو المدخل المناسب لتأمل المشاهد المكانية للشعبوية حولنا، وكيف نستجيب لها ونتحرك في نصِّها، ونقاومه.

يقول والتر أونغ في كتابه عن “الشفاهية والكتابية” أنَّ “اختراع الطباعة جسَّد العالم في مكان”. والكتابة “كسلسلةٍ من الإشارات الصغيرة تسير في خطٍّ منتظمٍ كجيوش النمل، عبر صفحاتٍ وصفحاتٍ من الورق الأبيض”، وهي بالتالي “موضعةٌ محددةٌ لفكرةٍ مجردةٍ”. هكذا هي الحال بالنسبة للمكان، لذا فاللغة تنتج مكانها أيضاً، وشعار ترامب الشعبوي كذلك فعل!

يصبح السؤال الأساس حينها: هل يمكن مفاوضة تلك الأشكال اللغوية/ المكانيّة/ المعماريّة للشعبوية، وصولاً إلى تفكيكها متعالين عن ثنائية الذات والآخر الحادة التي انبنت عليها؟

بنى ترامب سوراً على حدود بلاده مع المكسيك، ومنذ أسابيع بدأت مجموعة فنية/ معمارية شكلاً من أشكال التفاوض اللغوي مع مفهوم الحدّ المكاني (السور)، باعتباره فاصلاً لغوياً/مكانياً بين الذات والآخر الذي تنبني عليه أدبيات الخطاب الشعبوي، بأن جعلوا على السور أراجيح للأطفال (يُنظر الصورة 1 أعلاه، الأولى من اليمين)، ما استدعى تدخّل حرس الحدود ليحمي منظومة اللغة والمكان، و/ أو الذات والآخر، لكن ما الذي قد تفعله القوة أمام كل هذا المجاز(؟)، وهذا التساؤل هو ثقيل بنفس القدر في الجهة المقابلة من السور/الحد/المجاز(!).

خلق هذا الشكل من التفاوض الأدائي مع بنية الحدّ اللغوية/ المكانية (السور) توتراً في مفهوم الحدّ الفاصل في الخطاب بين مكانين، وبالتالي في شكل الإدراك للعلاقة بين الذات والآخر، بما يخلق شكلاً من أشكال القوة البسيطة للعبة الأطفال تلك، لا تستطيع أن تمحوه قوى الطمس (الجيش) (يُنظر صورة 2 أعلاه، الأولى من اليسار). والعبقري في الأمر، أن تفكيك ذلك الحدّ اللغوي كأداة شعبوية لم يأت من خارجه، كأن يُكسر الحدّ، أو أن يُخترق، فيقع فاعل ذلك في تجريم قانوني (لعبة لغوية أخرى)، إنما من داخل السور/ اللغة/ الحدّ.

الحركية التي أدتها لعبة الأرجوحة بالنسبة لهذا الحدّ (الحدود المكسيكية) هو شكل أدائي من تداول فكرة الحد الفاصل بين طرفين. ونعني أنها تحركت من داخل الحد، وإليه، فهي لم تخل بمنظومة الثنائيّات، الأنا الأميركي، والآخر المكسيكي، فلا يزال كل على “أناه”، لكن خارج الحد، إنما على الأرجوحة، فكلاهما آخره وأناه معاً. بحيث أنها هدمت وغيرت شكل الحدّ ومفهومه العلاقاتي بين الاثنين، بأن مثلت شكلاً مرآوياً يجمع الأنا والآخر الطفلين، في شكل إدراكي أكبر من مفهوم الدولة القانوني في تعريف كلٍ منهما أمام الآخر، فكلاهما طفل، وكلاهما يلعب، وكلهما أنا وآخر.

الأرجوحة هي حركية تقع داخل الحد، باعتباره فضاءً بينياً منفصلاً عن الاثنين معاً، يقوم بذاته بقدر ما يقوم بخلق التعريف السلبي لكل طرفٍ من الطرفين، خارجه.

أنموذج آخر يخلق شكلاً تفاوضياً لغوياً ومكانياً مع عمارة المكان المديني، والتي تتقاطع مع فكرة الشعبوية في أنها قائمة عضوياً على فكرة الفصل بين شيئين/ كيانين جوهرانيين؛ وهما الداخل والخارج، أو العام والخاص، وموضعتهما تقابلياً. فقد قدم الفنان ومصمم الرقصات النمساوي، ويلي دورنر (1959-)، عمله الفني “أجساد في فضاءات حضرية”، مستغلاً الفراغات المدينية البينية في أكثر من مئة مدينة قُدم فيها هذا العمل.

يقوم العمل الفني في أساسه على مشاهد متعددة، تقع داخل الفضاء المديني، مستخدمة الجسد كعلامة سيميائية على العام والخاص والحركة بينهم؛ دون أن يتمرأى الجسد السيميائي بأحدهما. فمثلاً “تملأ” مساحات/ فضاءات/ فراغات مدينية بأجساد بشرية (يُنظر صورة 3 أعلاه، الأولى من اليسار تحت)، وفيه يمتلك الجسد المكان ويحرره من تصنيف اللغة وحدودها؛ وتصنيفها القانوني. ومشهد آخر من خلال خلق تداخل بين العام والخاص مستخدماً الأجساد البشرية (يُنظر الصورة 4 أعلاه، الثانية من اليمين تحت)، أو خلق شكل مادي بالجسد في الفضاء العام (يُنظر الصورة 5 أعلاه، الأولى من اليمين تحت) بما يخلخل ثنائيات العام والخاص، أو الداخل والخارج، أو حتى الأعلى والأسفل، وغيرهم، مستخدماً الجسد في حالته الرخوة. وهي نفس الثنائيات التي تقوم عليها خطابية الشعبوية لتقمع الجسد؛ قتلاً أو منعاً أو وسماً، كما تفعل الأنظمة، حين تحظر التجول، أو تغلق الفضاءات المدينية.

يضيء العمل الأخير على أحد أهم أدوات الأنظمة العربية في امتلاك الفضاء العام وعسكرته (النظامان السوري والمصري كنماذج فجة). فيصبح الميدان/المكان فضاءً لغوياً/مجازياً حين تريد الدولة استلاب معناه لصالحها، بأن تطالب “الشعب” (مقولة غير معرفة أيضاً) بتفويض النظام لفعل شيءٍ ما، والذي عادة ما يكون عسكرة فضاء مديني عام، وتحويله إلى ساحة حرب، بادعاء “المحافظة على عموميته”، كما حدث مع ميدان رابعة العدوية، في القاهرة، في العام 2013.

في المظاهرات الأخيرة التي شهدتها القاهرة، وبعيداً عن الجدل عن محركها الإعلامي ومن أين يأتي (ونعني المقاول محمد علي)، وتأويل كل ذلك، لا شك أن ثمة ذكاء ما في أن تخرج الجموع إلى الأرصفة وتحت البيوت لتعلن موقفها الرافض من النظام، وكيف أن دمج الثنائيات التي هي عمومية الفضاء العام وخصوصية المنازل والأرصفة والتقسيم الحضري، لعبت لعبتها في خلق زخمٍ ما للحراك والتجمع، بات أذكى من فكرة تحرير الفضاءات والميادين العامة من السلطة، وهي الفكرة التي رفدت الحراك الثوري العربي في بداياته 2011.

لعل الرؤية عربياً لهذه المشاهدات في تحوّلات المكان واللغة الشعبوية تدفعنا إلى النظر في أمر ثوراتنا التي لم تخب جمرتها بعد، والتي بدأت بأن احتلت أجساد الشعوب – المادية واللغوية – فضاءاتٍ عامة (الميادين كأمكنة، والسياسة كلغة)، وأعادتها للشعب، ثم ما لبثت قوى الدولة العميقة، مستقوية بأنظمة رجعية إقليمية عربية، أن انقضّت عليها لتفرغ تلك الفضاءات العامة من الأجساد والمعاني، مستخدمة في ذلك كل أعتدتها الحربية، والخطابية.

هل يمكن لنا كجيل يصارع في بلادنا تلك الأشكال الشعبوية والرجعية والعسكرية كلها، أن يخلق شكلاً تفاوضياً جدلياً مع واقعنا وهوسه بالحدود والأجساد، يكسر ثنائياته الحادة المفروضة عليها (مقاومة – ممانعة، إخوان – عسكر، علماني – إسلامي، وغيرها) ويخلق من داخلها صوتاً ثالثاً متعالياً، وديناميكياً، قادراً على خلق واقع جديد، يمتلك هو معناه وحقّ الخيال فيه، وليس جسده فحسب؟

أظننا قادرين/قادرات.

هوامش:

(1) هذه المادة هي إضاءة من بحث غير منشور بعد لكاتب هذا المقال عن موضوعة سوسيولوجيا الحدّ كممارسة وتداول، مقدّم للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية.

(2)  يجب أن نؤكد أن الحد كفكرة إدراكية وفلسفية لها انعكاساتها وتمثلاتها في الواقع والمتخيل، هي أكبر من تنميطها وحصرها في نموذج الشعبوية؛ فالحد فكرة مستبطنة في بنية اللغة مثلاً، ومفهوم الذات والآخر، والأشكال المختلفة للإدراك، وغير ذلك. وإن تناولها هنا ينحصر في غرض التركيز على حركية الخطاب الشعبوي وديناميات بناء المكان، وليس القصد تناول مفهوم الحد بشكله الأوسع من مفهوم الشعبوية.

(3)  التعريف بالسلب، يُقصد به تعريف الذات بما يغيب عنها مما يعرف الآخر، كقولنا مثلاً: “فلان يميني إذاً أنا يساري”.

ضفة ثالثة

باختصار.. ما هي الشعبوية؟/ عصام حمزة

الشعبوية هي برنامج أو حراك سياسي يتحدث باسم المواطن العادي ضد النخبة الحاكمة. كثيرًا ما تجمع الشعبوية عناصر من اليمين واليسار، فتراها تارة تعارض الشركات وأصحاب المصالح المالية والتجارية الكبيرة وتارة تكون مضادة للأحزاب الاشتراكية وأحزاب العمال القائمة.

الشعبوية إذًا هي مفهوم سياسي عام يصلح لوصف فلسفات سياسية معينة في اليمين أو اليسار أو بعيدًا عنهما كليهما، مثل الديمقراطية والاشتراكية وأحزاب العمال والليبرتارية وحتى بعض أشكال الفاشية.

الشعبوية في أبسط أشكالها هي الاعتقاد بأن سياسات الحكومة يجب أن تخضع لإرادة الجماهير بدلًا من مصالح النخبة. تعد الديمقراطية أنقى أشكال الشعبوية. لكن بشكل عام أصبح مصطلح الشعبوية يستخدم في سياقات المعارضة اليمينية وأحيانًا المعارضة الثورية للنخبة التي تحوز مقاليد السياسة والاقتصاد في بلد ما. تنبذ الخطابات الشعبوية النخبة التي تستغل الجماهير وتهدر حقوقهم وتتجاهل أصواتهم. باختصار، الشعبوية كانت معناها الشائع هي معارضة الأرستقراطية و”البلوتوقراطية” (حكم الأثرياء) والنخبوية.

وتعارض شعبوية اليسار سلطة الأغنياء والشركات الكبرى والرأسمالية والسلطة الدينية، بينما يدعي شعبويو اليمين أنهم يمثلون الرجل العادي في مواجهة النخبة الفكرية والثقافية اليسارية.

 أنواع الشعبوية

بما أن الشعبوية شعار رفعته العديد من الحركات السياسية ذات الأجندات المختلفة، ربما تزيد أنواع الشعبوية عما يمكن ذكره، لكن بشكل عام إليكم أهم أصناف الشعبوية كما يراها المنظرون السياسيون:

    الشعبوية الفلاحية: وهي تشير إلى حراك الفلاحين وحلفائهم من النقابات العمالية، مثل الحزب الشعبوي في أمريكا في تسعينات القرن التاسع عشر الذي عارض القوانين والسياسات التي رأى فيها استغلالًا للفلاحين والعمال لصالح أرباب السلطة.

    الشعبوية الديمقراطية: يشير هذا المصطلح إلى الحركات الساعية لإشراك أكبر عدد ممكن من السكان في العملية الديمقراطية من خلال الاستفتاءات وتسجيل الناخبين في القواعد الانتخابية.

    الشعبوية الرجعية: وهو مصطلح يصف شعبوية اليمين المتطرف. وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالسياسات المعادية للمهاجرين والوطنية المتطرفة. حملة دونالد ترامب هي خير مثال على هذا النوع من الشعبوية. ولدى مثل هذه الأحزاب أتباع كثر في العديد من الدول الأوروبية اليوم.

    الشعبوية الاشتراكية: وهي شعبوية اليسار الذي يعارض الرأسمالية ويدعم الشيوعية أو الاشتراكية. لكن هذا المصطلح يستخدم تحديدًا في وصف الثورات والتمردات الاشتراكية في أمريكا اللاتينية.

    الشعبوية حراكًا: “هو الحراك السياسي الذي يتمتع بدعم جمهور الطبقة العاملة والفلاحين لكنه ليس ناتجًا عن سلطة تنظيمية مستقلة نابعة من أي من هذين القطاعين. ويحظى كذلك بدعم شرائح مختلفة من خارج هذين القطاعين ممن يحملون أيديولوجيا مناهضة للوضع القائم”.

    الشعبوية أسلوبًا: هو أسلوب سياسي ينطوي على رابطة وثيقة بين القادة السياسيين وأتباعهم

    الشعبوية باعتبارها أيديولوجيا: “هي كل طائفة أو حراك يقوم على الأسس التالية: الفضيلة كامنة في البسطاء، الذين يشكلون الأغلبية المطلقة، وفي تقاليدهم الجمعية”. وهي الأيديولوجيا التي تحاول حشد جمع متجانس وفضيل ضد مجموعة من النخبة أو “الآخرين” الذين يشكلون خطرًا على حقوق الشعب وقيمه وهويته وازدهاره وصوته.

    الشعوبية كإستراتيجية: “هي استراتيجية سياسية يحاول من خلالها الزعماء الشخصانيون ممارسة السلطة بناء على دعم مباشر وغير مؤسسي من عدد كبير من الأتباع غير المنظمين”.

    الشعبوية في الثقافة السياسية: “هي الاعتقاد بأن السياسة الحكومية يجب أن تمثل رغبات الناس وأن الناس لا يكونون أحرارًا إلا حين يتطابق القانون وإرادتهم”.

تاريخ الشعبوية

لعل أول حركة شعبوية معروفة في التاريخ هي فصيل غير رسمي في مجلس الشيوخ الروماني آمن أفراده بفكرة حشد الجماهير ولجأوا للاستفتاءات لتجاوز مجلس الشيوخ وكان من بينهم يوليوس قيصر وقيصر أغسطس.

ثم كان للشعبوية ظهور آخر في أوروبا بعدها بقرون مع حركة الإصلاح الديني التي سمحت للرجل العادي بقراءة الإنجيل وتأويله والتواصل مع الرب تواصلًا مباشرًا دون وسيط. ثم تبعتها عدة مجموعات مثل القائلين بتجديد العماد الذين اقترحوا تأسيس أنظمة شعبوية ثيوقراطية. ثم شهدت أوروبا عدة ثورات شعبوية قائمة على الأفكار البروتستانتية في ألمانيا وبريطانيا في القرنين السادس عشر والسابع عشر.

في القرن الثامن عشر انفجرت الثورتان الأمريكية والفرنسية اللتان ارتدتا عباءة الشعبوية على الرغم من أنهما كانتا تحت قيادة نخبة من المفكرين. في تسعينات القرن التاسع عشر تأسس أول حزب شعبوي في الولايات المتحدة وكان عماده المزارعون وجماعات العمال الذين شعروا بأن الرأسمالية الأمريكية تحابي نخبة صغيرة من الأغنياء الذين يتربحون عرق العامة. وأكنوا حنقًا خاصًا تجاه سلطة المصارف وشركات السكك الحديدية.

خلال القرن العشرين استخدم مصطلح الشعبوية لوصف حركات وقادة من مختلف الطيف السياسي من بينها الحزب التقدمي الذي أسسه ثيودور روزفلت والمكارثية في الولايات المتحدة في خمسينات القرن العشرين والثورات الاشتراكية الشعبوية في أمريكا اللاتينية، وحزب الشاي.

أشهر مثال معاصر على القادة الشعبويين هو رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب. بل إن هذا الاهتمام الجديد بالشعبوية نتج عن فوزه في انتخابات عام 2016. إحدى الطرق التي يقيس بها الباحثون مدى الشعبوية ويحددون إذا كان زعيم ما أو حزب شعبوي أم لا هي اللغة.

كان خطاب ترامب خلال حملته الانتخابية شعبويًا للغاية. هاجم النخب السياسية، بلغة تتمحور حول الشعب وأكثر من استخدام ضمائر الجمع مثل نحن ولنا. جمع بين لغته الشعبوية وأيديولوجيته اليمينية المتطرفة  لينتج سياسات مثل “أمريكا أولًا” وبناء جدار بين الولايات المتحدة والمكسيك وسياسات اقتصادية حمائية ومعادية للعولمة.

سمح له هذا الخلط بين الخطاب الشعبوي وهذه السياسات برسم خط فاصل بين الشعب والمجموعات الخارجة عن هذا الشعب مثل المسلمين والمكسيكيين والمهاجرين وغيرهم.

إلى جانب ترامب، يمثل البريكسيت أيضًا مثالًا معاصرًا على الشعبوية، بسبب معاداته للنخبة في الاتحاد الأوروبي ولجوئه للاستفتاء الشعبي للتعبير عن “إرادة الشعب”. في أمريكا الجنوبية، ارتبطت الشعبوية باليسار. كان هوجو تشافيز رئيس فنزويلا السابق شعبويًا للغاية في خطاباته، ولعله يمثل أشهر مثال على الزعماء الشعبويين اليساريين.

تركزت شعبوية تشافيز حول القضايا الاجتماعية والاقتصادية. حتى أثناء حكمه صور نفسه معاديًا للمؤسسة السياسية ونخبتها العامة، محولًا عائدات النفط لتمويل البرامج الاجتماعية بهدف توزيع الثروة بين الشعب الفنزويلي لمكافحة الفقر وتعزيز الأمن الغذائي.

الرئيس المكسيكي الحالي، أندري مانويل لوبيز أوبرادور والرئيس البوليفي، إيفو موراليس يمثلان حسب عدد من الآراء اثنين من الزعماء الشعبويين اليساريين. لكن اليسار الشعبوي ليس محصورًا في أمريكا اللاتنينية. في أوروبا، نجد حزبي بوديموس الإسباني وسيريزا اليوناني أبرز مثالين على أحزاب اليسار الشعبوي. لقيت هذه الأحزاب نجاحًا كبيرًا في أعقاب الركود اليوناني. شككت هذه الأحزاب في جدوى ومشروعية الرأسمالية غير المنضبطة ودعت لسياسات اقتصادية ترفع حمل الركود عن عواتق شعوبها.

نقد الشعبوية

يتجسد معظم النقد الموجه للشعبوية في الوقت المعاصر، في منتج وخطاب بعض وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الليبرالية أو المنحازة لليسار الديمقراطي وبعض أحزاب الوسط، ويرى هؤلاء أن الخطاب الشعبوي، على الأقل في موجته الجديدة، يستغل البسطاء والناس العاديين، والبيض المتضررين من التحولات الصناعية والأتمتة، من أجل الوصول إلى السلطة، وإنجاز مقولة قومية شوفينية.

تتجلى الأزمة في الطرح الشعبوي، سواء في شقه اليميني أو اليساري، أنه أثناء إنتاجه لبروبغاندا الانحياز المباشر للشعب، يفرض تعريفات حاسمة لما هو هذا الشعب، بشكل مهموم بالنقاء والأهلانية، ولعل النتيجة الأوضح لذلك هو السياسات المعادية للاجئين ولأي موجات هجرة.

مع ذلك، فإن نقد الأوساط الليبرالية واليسار الديمقراطي للشعبوية، لا يبدو واضحًا في كثير من الأحيان، إذ يبقى السؤال هل يرفض هؤلاء التواصل السياسي المباشر مع الشعب، أم عواقب المد الشوفيني لبعض الأحزاب الشعبوية؟ كما أنه يبدو نقدًا محملًا بمدلولات نخبوية، ترى أن “البسطاء” يمكن استخدامهم وتوظيفهم بسهولة لإنتاج تصور عنصري، دون التطرق إلى النتائج الوخيمة على فئات اجتماعية عديدة، تسببت بها النخب الحاكمة في الغرب ما بعد الحرب العالمية الثانية.

هناك من يطرح حجاجًا فوقيا أيضًا ضد الشعبوية. يمثل الحزب الشيوعي الحاكم في الصين هذا الموقف. يرى الحزب الشيوعي الصيني ومناصروه أن أصلح من يقرر السياسات الحكومية هم الأذكياء والطموحون والمحترفون المخلصون لأيديولوجيا بلادهم. ويرجعون عجز الولايات المتحدة عن الإصلاح إلى المنافسة الحزبية. يرى أنصار النظام الصيني أن الديمقراطية الشعبوية وحرية التعبير ستؤدي إلى نتائج كارثية لأنها قد تحشد الدهماء وغير المتعلمين وتوجههم في اتجاهات خطرة. معظم الطبقة المتعلمة في الصين يعتبرون الجماهير جاهلة ومن الجنون السماح لها بالمشاركة في القرار السياسي. تعتبر الصين نفسها نظامًا ديمقراطيًا يسمح فيه فقط لأعضاء الحزب بالتصويت، ليختاروا من بين مرشحين عدة كلهم من نفس الحزب. ويعتقدون أن هذه الطريقة تضمن كفاءة القيادة.

الاعتقاد بأن الجماهير أجهل وأغبى من أن يترك لها القرار السياسي ليس مقتصرًا على الصين وحدها، فبعض الآباء المؤسسين للولايات المتحدة أعربوا عن أفكار مشابهة. بشكل عام، تمثل هذ الفكرة أحد مبررات الأنظمة الأرستقراطية القديمة التي عد فيها الأرستقراطيون أنفسهم أصلح للحكم بسبب نسبهم وتعليمهم.

تنبع أنواع أخرى من نقد الشعبوية من الصراع بين اليمين واليسار، حيث يتهم كل منهما الآخر بأنه لا يمثل مصالح الجماهير وأنه يستخدم الشعبوية وسيلة لحشد الجماهير للتصويت لصالح مرشحين يعملون لتحقيق مآرب نخب معينة، مثل النخب الفكرية في حالة اليسار أو النخب الاقتصادية في حالة اليمين.

الترا صوت

مقاربتان حول الشعبوية/ موريس عايق

تطرح الشعبوية، مع صعودها الحالي في العديد من الدول، تحدياً سياسياً حول قدرة الأنظمة الديمقراطية على مواجهتها واحتوائها، لكن بالمقابل تطرح الشعبوية تحدياً نظرياً حول مقاربتها، ولا يقتصر التحدي على التفسير والشرح والتعريف، بل يطال أيضاً سؤال زاوية النظر التي نتناول منها الشعبوية ونعاينها من خلالها.

سأتناول هنا مقاربتين حول الشعبوية، الأولى هي مقاربة إرنستو لاكلاو (Laclau, 2005) التي تقيّم الشعبوية إيجابياً، والثانية مقاربة يان-فيرنر مولر (Müller, 2017) السلبية حول الشعبوية. لن تقتصر الغاية على مجرد المقارنة بين المقاربتين، بل تمتد أيضاً إلى محاولة فهم أساس التباين بينهما كمنظورين، التباين المترتب على الأسئلة والغايات المختلفة التي يطرحها كل منهما عند تناوله لسؤال الشعبوية. كذلك، تشترك المقاربتان في أن تناولهما للشعبوية تناول معياري أساساً، يهتم بفهم الشعبوية (نظامها ومنطقها وشعاراتها) وليس بتحليل أصولها الاجتماعية. وفي الختام، طبعاً، محاولة لموضعة سياقنا في إطار التساؤل حول الشعبوية.

مقاربة لاكلاو

لا ينظر لاكلاو إلى الشعبوية بوصفها إيديولوجيا سياسية، بل باعتبارها منطق سياسي. فمنطق الشعبوية يتمثل في استراتيجية سياسية تقسم المجتمع إلى جماعتين أساسيتين: النظام (النخبة) والشعب، ويتشكل هذان القطبان حول حدود المنازعة السياسية نفسها. فالنظام والمجتمع ليسا كيانين أو شيئين محددين بشكل مسبق وموضوعي وتقوم المنازعة بينهما لاحقاً، بل إن المنازعة السياسية التي تشكل المجال السياسي برمته تُشكل بدورها الشعب. لهذا يعتبر لاكلاو الشعب تشكيلاً خطابياً لكونه متغير تابع للمنازعة وليس ثابتاً. على سبيل المثال، إذا نظرنا إلى سوريا في منتصف القرن العشرين حيث تحدد الصراع بشكل أساسي حول ثنائية الريف-المدينة، بين أعيان المدن من جهة، الذين شكلوا النخبة المهيمنة على الدولة والاقتصاد، والريفيين والعمال والطبقات الوسطى الصاعدة حديثاً من جهة أخرى، فيمكن القول أن الشعب وقتها تمثّل بالطبقات الكادحة، وهو ما ادّعته عموماً الحركات اليسارية والقومية وقتها، التي عرفت الشعب بتحالف العمال والفلاحين وصغار الكسبة والمثقفين الثوريين (الشعب العامل). لكن راهناً حيث لم تعد اللغة الطبقية تحدد المنازعة السياسية، بل أخذت المنازعة بعداً دينياً وطائفياً بشكل أساسي، بحيث تم تعريف الشعب بواسطتها بوصفه الغالبية العربية السنية التي أُخرجت من السلطة.

هنا يمكن ملاحظة تباين المنازعة السياسية في السياقين، المنازعة التي يتشكل حولها الشعب. فالمنازعة السياسية التي ينتظم المجال السياسي حولها هي التي تحدد «الشعب» بما يجعل منه تشكيل خطابي داخل المجال السياسي نفسه، وليس اسماً لموجود موضوعي.

يشير لاكلاو إلى أن الشعب، المتكون حول المنازعة السياسية، ليس متماهياً ومنسجماً كما تدعي الايديولوجيا الشعبوية نفسها. على العكس فهو مُشكل من جماعات مختلفة لها مطالب متنوعة ومتباينة تربط فيما بينها سلسلة تكافؤ موحِدة، بحيث تمسي هذه المطالب متكافئة في مواجهة النظام والنخبة الحاكمة بما يسمح لهذه الجماعات بالنظر إلى نفسها بوصفها الشعب متجاوزة اختلافاتها وحتى تناقضاتها الداخلية. إن النجاح في بناء سلسلة تكافؤ مشروط بقدرة إحدى هذه الجماعات على تحقيق الهيمنة، فتقدم لغتها – لغة الجماعة المهيمنة في هذه السلسلة والمستخدمة من قبلها في تفسير وصياغة تصور العالم- باعتبارها لغة عامة يمكن للجماعات الأخرى استخدامها لإعادة صياغة مطالبها بواسطتها.

تعثّر الهيمنة يُبقي كل جماعة حبيسة منازعتها الخاصة مع النظام أو مع جماعة أخرى، دون أن تستطيع هذه الجماعات توحيد صفوفها في مواجهة النظام. إن وجود لغة عمومية وتراث رمزي وأخلاقي مشترك وفكرة عامة عما هو عادل وأخلاقي وأسطورة موحِدة قادرة على إثارة الخيال والعواطف، يسمح للجميع بتقديم طلبات تُعتبر مُحِقة وعادلة من قِبَل الآخرين الذين يمكن لهم أن يتماهوا معها ويعتبروها متوافقة مع مطالبهم في مواجهة النظام. يمكن اعتبار اللغة القومية-اليسارية، والمستمدة بالطبع من الماركسية بشكل واسع، مثالاً ممتازاً على هذا الشكل من الهيمنة التي عرفها العالم الثالث خلال كفاح شعوبه من أجل الاستقلال الوطني أولاً والتنمية ثانياً. فثورات الشعوب صيغت باعتبارها جزء من النضال الطبقي في مواجهة الرأسمالية، فاعتُبرت شعوب العالم الثالث، بطريقة ما، طبقة في مواجهة الرأسمالية، التي تتجلى في العالم الثالث عبر الاستعمار والإمبريالية، ولاحقاً عبر البرجوازية الكومبرادورية. فالنضال ضد الرأسمالية قدم رؤية عامة ومشتركة، بحيث يمكن لأي جماعة -حتى لو لم تكن طبقية- أن تربط نضالها ومطالبها باللغة العامة التي قدمها التقليد الفكري اليساري المهيمن، مما سمح بربط كل هذه الجماعات المختلفة سويةً وكأنها جماعة واحدة تخوض معركة مشتركة ضد الرأسمالية والامبريالية.

فالشعبوية، بوصفها منطق، هي عملية تشكيل الشعب في مواجهة النظام على حدود المنازعة السياسية من خلال إقامة سلسلة تكافؤ بين مطالب الجماعات المتباينة التي تتجمع في هذه السلسلة، حائزةً على لغة عامة ومشتركة. فالشعب يتشكل سياسياً عبر عمليتي المماثلة (سلسلة التكافؤ) والاختلاف (المنازعة). وبحكم أن الشعب يتشكل عبر المجال السياسي نفسه، فإنه ليس معطى ثابت، بل عرضة للتحول بتحول المنازعة أو حدودها.

إن منطق الشعبوية المتمحور حول المنازعة مع النظام يظهر باعتباره منطق السياسة نفسها. وبهذا تناهض الشعبوية التكنوقراطية، التي تحول المطالب إلى عملية بيروقراطية وتقنية، حيث إدارة البشر شكل من إدارة الأشياء. فالتكنوقراطية تلغي إمكانية النقاش السياسي باسم الإدارة العلمية والتقنية. كذلك، تواجه الشعبوية الأنظمة المستبدة والديكتاتورية والأوليغارشية التي تلغي السياسة نفسها وتُحرمها، فتُعيد الشعبوية الشعب إلى مركز العملية السياسية والنضال السياسي. كل سياسة تتطلب شعبوية، أو بتعبير آخر إن السياسة غير ممكنة بدون أن تكون، بقدر ما، شعبوية.

إن ما يجعل من مقاربة لاكلاو للشعبوية مقاربة إيجابية، هو اعتباره الشعبوية مركزية لقضيتين: الأولى جعل السياسة ممكنة في مواجهة خطر التكنوقراطية والبيروقراطية من جهة، وخطر الاستبداد والأوليغارشية من جهة أخرى؛ والثانية أن منطق الشعبوية هو الذي يفسح المجال لدخول الغالبية إلى السياسة بوصفهم فاعلاً سياسياً، الشعب، قادر على تحدي النخبة والنظام.

مقاربة مولر

بالمقابل يقدم مولر مقاربة سلبية وأكثر حذراً وتوجساً تجاه الشعبوية برغم عدد من التقاطعات مع لاكلاو، التقاطعات المتمثلة بالتقليل من أهمية الأصول الاجتماعية والمطالب الإيديولوجية المرافقة للحركات الشعبوية التاريخية في تحديد مفهوم الشعبوية، بمقابل التركيز على منطق الشعبوية المعياري في تنظيم النزاع السياسي بوصفه العامل الحاسم والمميز للشعبوية. يرى مولر أن العداء للنخبة سمة أساسية للشعبوية، ولكنه لا يكفي في ذاته للتدليل عليها. المركزي والحاسم في الشعبوية هو نمط تمثيلها للشعب، فشعارها المركزي «نحن -ونحن وحدنا- نمثّل الشعب» لا يستدعي مجرد «التمثيل» بل يحيل إلى حصرية تمثيل الشعب وإلى البعد الأخلاقي لفكرة الشعب، والمُضمن في الشعار. يجب أن يُفهم التمثيل هنا بوصفه تماهياً بين الحاكم والمحكوم. لا يختلف مولر عن لاكلاو باعتباره أن فكرة الشعب لدى الشعبويين فكرة متخلية، خطابية/سياسية. فالشعب يتعين بحسب فكرة الحركة الشعبوية عنه، والتي تحدد الشعب وحدوده وبالتالي من هو من الشعب ومن هو ليس من الشعب. لكن مولر يتوقف مطولاً على تداعيات احتكار تحديد الشعب من قِبل الحركة الشعبوية، والذي يعتبره موقفاً مهدداً ومعادياً للديمقراطية.

إن فكرة الشعب عند الشعبويين فكرة أخلاقية أساساً، بحيث يصبح النزاع السياسي نزاعاً أخلاقياً بين الخير والشر، بين الحق والباطل، ولا يعود خلافاً بين آراء مختلفة ومتباينة. الخلاف عند الشعبوي هو خلاف أخلاقي، خلاف بين الشعب النقي والطاهر والنخبة الفاسدة والمخادعة والخائنة.

وبحكم الطبيعة الأخلاقية لفكرة الشعب، فإن الشعب لا يقبل بدوره التنوع داخله، فالأخلاقي أيضاً غير متنوع. هذا يعني وحدة وتماهي الشعب، فالشعب هو كذا وكذا، ولا يمكنه أن يكون غير ذلك. مما يستدعي فرض الوحدة، ولو بشكل قسري، على الشعب. فالتباينات ليست من طبيعته، بل هي انحرافات يجب معالجتها أو حتى استئصالها. وبرغم أن الحركة الشعبوية تدعي تمثيلها للشعب، فإنها تتولى تحديده وتعيين حدوده، ومن ينتمي إليه أو من لا ينتمي له أو حتى يخونه، وذلك بحسب إيديولوجيتها. وبهذا يصبح الشعب -في تحديده- تابعاً للحركة الشعبوية. فمثلاً، عندما تنتصر الحركة الشعبوية في استفتاء ما فإنها تعتبر هذا الاستفتاء تمثيلاً لإرادة الشعب. ولكن إن هُزمت في استفتاء آخر، فإنها ترى فيه خداعاً للشعب أو تزويراً لإرادته. فالشعب لا يكون شعباً إلا إذا التقى مع فكرة الحركة الشعبوية عن هذا الشعب. هنا يمكن أن نلحظ تقاطع بين مولر ولاكلاو حول الفكرة الأساسية وهي أن الشعب تشكيل سياسي تقوم به الحركة الشعبوية، وليس واقعة موضوعية تعبر عنها الحركة الشعبوية كما تدعي.

اعتبار الشعب موحداً ومتماهياً في ذاته يجعل الانتقال إلى سياسة هوية في منتهى السهولة، حيث يصبح الصراع بين الشعب وأعداءه وخونته. بالطبع يمكن تعريف الهوية بأشكال متباينة، إثنية وقومية وقد تكون دينية أو طائفية. إذا كان الشعب موحداً، له إرادة موحدة لا تقبل الاختلاف والانقسام، فإن التعبير عن الشعب لا يحتاج إلا إلى صوت واحد، صوت الزعيم الذي يعبر عن الشعب. التمثيل في الشعبوية لا يشترط توسّط النواب والمؤسسات وما يرافقها من عمليات إجرائية تسمح بهذا التمثيل المتعدد (نواب) وإعادة انتخابهم أو إسقاطهم، التمثيل في الشعبوية مباشر ويتحقق عبر التعبير عن الإرادة الحقيقية للشعب، وهذا يتم بواسطة الحركة الشعبوية والزعيم. لا يفترض مولر أن الشعبوية بالضرورة سلطوية ومناهضة للديمقراطية، فيمكن لها الحفاظ على بعض الأشكال الإجرائية للديمقراطية (تعدد حزبي وصحافة حرة لحد ما وهلم) لكنها تضيق على الديمقراطية والتنوع بشكل كبير عبر إعادة صياغة الشروط التي يتم التعبير عن التنوع من خلالها بحيث يكون مهدداً بشكل دائم، واعتمادها على السيطرة على الدولة عبر تقديم الولاء السياسي (أحقية الشعب في السيطرة على الدولة، وهي أحقية لا يمكن نقلها لكل الشعب، بل لمن يعبّرون عن الشعب الحقيقي، أي الموالين للحركة الشعبوية). هنا يفصل مولر بين مبدأين يمكن لهما أن يتعارضا، الديمقراطية والتمثيل، حيث تستند الشعبوية تماماً إلى المبدأ الثاني.

على العكس من لاكلاو، لا يرى مولر في الشعبوية ضمانة في مواجهة التكنوقراطية والبيروقراطية. بل إنه يراهما مشتركتان في خاصية مهمة وهي أنهما تلغيان السياسة، حيث يلغيها التكنوقراطي باسم التقنية والإدارة العلمية، فلا يوجد اختلاف بالرأي حيث الرأي المغاير والمختلف غير علمي وخرافي وغير عقلاني. فيما يلغيها الشعبوي -على الطرف المعاكس والنقيض- باسم الشعب الأخلاقي والحقيقي، فهو بدوره يرد كل خلاف إلى ما هو خارج السياسة، إلى الأخلاق، فلا يعود هناك اختلافات في الرأي، بل هناك موقف أخلاقي معبّر عن الشعب وحقيقته وهويته، وآخر خائن وفاسد. فالشعبوي يلغي السياسة باسم الشعب الحقيقي الأخلاقي.

إن ما يجعل من مقاربة مولر للشعبوية مقاربة سلبية هو أن الشعبوية باعتبارها الشعب فكرة أخلاقية ترد السياسة إلى الأخلاق وتهدد الديمقراطية جدياً. أيضاً، مبدأ حصرية التمثيل الذي يفترض وحدة وتماهياً للشعب بما يلغي التنوع ويدفع إلى فرض الوحدة وبشكل قسري على الشعب. وهذا بدوره يهدد الديمقراطية بشكل حقيقي عبر قمع التنوع والتعدد في الآراء لمصلحة تصور أخلاقي وهوياتي للشعب، فلا يعود هناك قبول للتباين والاختلاف في الرأي -الضروري للسياسة- بل نزاع بين الشعب وخونته، نزاع أخلاقي يلغي السياسة نفسها.

حول المقاربتين

يتمثل المشترك بين المقاربتين في عدد من النقاط، فكلتا المقاربتين لا تفسران الشعبوية بمحتوى الأيديولوجيا التي تستدعيها ولا تشرحانها بالإحالة إلى الشعب باعتباره شيئاً موضوعياً وحقيقياً، مُمثلاً بالحركة الشعبوية، بل تفهمان الشعبوية بوصفها منطق منازعة ثنائي القطبية (النخبة والنظام في مواجهة الشعب) حيث يتحدد الشعب بواسطة الحركة الشعبوية نفسها، التي تتولى تعريفه عبر ايديولوجيتها ومنازعتها السياسية.

إن النظر إلى الشعبوية بشكل إيجابي لدى لاكلاو مرتبط باعتبارها شرط السياسة، كما هي استراتيجية سياسية تفسح المجال للجموع للدخول إلى المجال السياسي والتأثير فيه وإحراز مكتسبات تعزز الحقوق الديمقراطية وتعادل اللاتوازن بين الديمقراطية والليبرالية الذي مال، وبشدة، لصالح الأخيرة في الأنظمة الديمقراطية الليبرالية الحديثة. في المقابل، فإن مولر متوجس من الشعبوية باعتبارها تهديد للديمقراطية لكونها تردّ الخلافات السياسية إلى ما هو غير سياسي، الأخلاق والهوية.

إن التباين بين لاكلاو ومولر يمكن رده إلى اختلافين أساسين. الأول هو اختلاف حول فكرة السياسة ومعناها. ماهي السياسة؟ يبدو أن لاكلاو يفهم السياسة بوصفها صراعاً، ولهذا تكون الشعبوية في أساس السياسة وشرطها في مواجهة تحديات التكنوقراطية/البيروقراطية والأوليغارشية اللتان تلغيان السياسة نفسها. بالمقابل فإن مولر يفهم السياسة بطريقة مغايرة جذرياً، وهي أن السياسة حوار وتبادل للآراء والحجج بين أفراد عقلانيين وأحرار، فتتجلى السياسة بشكل مثالي في الآغورا، المكان العام الذي يتم اللقاء فيه وتبادل الآراء وتبادل الحجج والمحاججة للوصول إلى قرارات مقبولة من الغالبية. هذا الخلاف، طبعاً، هو خلاف أساسي حول الاجتماع البشري ويصعب الجزم فيه وليس هو الموضوع، لكن من الضروري الالتفات إلى تباين الاثنين حول فكرة السياسة، تباين سيكون ناظماً للاختلاف في تقييم الشعبوية. ففي حالة لاكلاو الذي يرى في السياسة نزاع، فإن الشعبوية تمثل شرط السياسة والفعل العام وتمكين الغالبية من تنظيم أنفسهم وانتزاع الديمقراطية في مواجهة سيادة الأقليات الحاكمة والنظام. على العكس، مولر ينظر إلى السياسة كحوار، وبالتالي فإن الشعبوية، بوصفها صراع وحرب، تشكل خطراً على شروط صيانة هذا الحوار واستمراره، وبالتالي فإنها تهدد السياسة نفسها.

سبب آخر للتباين بين الاثنين يظهر في السياق الذي يحكم تناول كل منهما للشعبوية. انطلق لاكلاو من سياق التجارب الأميركية اللاتينية، وكان متأثراً بالتجربة البيرونية في الأرجنتين. ففي أميركا اللاتينية واجهت الشعوب ديكتاتوريات عسكرية، وبعد التحول الديمقراطي واجهت الشعوب الأوليغارشيات الحاكمة المسيطرة على الدولة والثروة برغم وجود الإجراءات الديمقراطية واحترامها. ففي هذا السياق تطلب انتزاع الديمقراطية وتوسيعها صراعاً سياسياً في مواجهة هذه الديكتاتوريات والأوليغارشيات الحاكمة، وهذا بدوره يتطلب تعبئة وحشد وروح نضالية وشجاعة في الإقدام على التضحية، وهذا يحتاج إلى أسطورة سياسية تحرك الجموع وتزودها بسردية جامعة وموحِدة في معركتها من أجل اكتساب حقوقها. بالانتقال إلى السياق الأوروبي -حيث انحلال الخيارات السياسية لمصلحة تصورات معيارية وموحدة مثلتها النيوليبرالية والانتقاص من قيمة الديمقراطية والمشاركة الشعبية والرهانات السياسية بشكل حقيقي لمصلحة إدارة بيروقراطية وتكنوقراطية للمجتمع لا يختلف فيها حزب عن آخر إلا في البلاغة السياسية وحسب- كان التحدي حول كيفية استعادة المبادرة الشعبية ومواجهة اختلال التوازن الهائل لمصلحة الليبرالية وعلى حساب الديمقراطية. بالمقابل فإن مولر ينطلق من سياق مختلف وهو الديمقراطيات البرلمانية المعاصرة المهددة بصعود الشعبويات التي لا تبدي اكتراثاً حقيقياً بالديمقراطية، وتعادي الليبرالية صراحة لمصلحة إيديولوجيات قومية.

هذا التباين العملي يستدعي تبايناً نظرياً وهو موضعة الشعبوية بالنسبة إلى مفهومين آخرين، الديمقراطية والليبرالية، وتالياً فكرة التمثيل. فالديمقراطية لدى مولر لا يمكن صيانتها وتعزيزها بدون ليبرالية تتيح مجالاً للآراء المتنوعة والمختلفة، في حين أن تصور الشعبوية للديمقراطية لا يقوم على التنوع واختلاف الآراء بل على مركزية التمثيل وحصريته، مضافاً إليها تصور توحيدي وأخلاقي للشعب يجعل من هذا التمثيل تمثيلاً لإرادة الشعب. بالمقابل فإن تصور لاكلاو للديمقراطية يقوم على تباينها (وتعارضها المحتمل) مع الليبرالية، بما يعني ضرورة وجود نزوع تمثيلي قوي للشعب لمواجهة انحلال الديمقراطية تحت وطأة الليبرالية والحريات الفردية. فالتباين بين الاثنين يقوم على الاختلاف حول فهم العلاقة بين الديمقراطية والليبرالية ودور التمثيل في صياغة تصور الديمقراطية، وأخيراً حول ماهية التحدي الذي يواجهه الديمقراطية.

تبدو معضلة مقاربة لاكلاو متمثلة في عدم إدراكها للمخاطر الفعلية المرتبطة بالشعبوية التي شخصتها مقاربة مولر. فلا يوجد ما قد يفسر لماذا ستقدم قيادة الحركة الشعبوية (الزعيم بشكل خاص) على بناء مؤسسات وقواعد تضمن الحفاظ على التنوع داخل سلسلة التكافؤ أو تضمن تقسيم السلطة وتضع حدود عليها -بما في ذلك سلطة الزعيم- بشكل يضمن الحفاظ على الديمقراطية داخل الشعبوية دون أن تنحل إلى علاقة تماهي بين الزعيم والشعب، تماهي دوماً ما يقود إلى تحلل الديمقراطية لاحقاً، ولنا في الناصرية مثال ممتاز في السياق العربي عن زعيم شعبوي بامتداد حقيقي ومتجذّر لدى الجمهور، ولكنه انتهى إلى تدمير الديمقراطية والحريات والبنى المؤسساتية الضرورية لحماية وصيانة الديمقراطية، وذلك بسبب سياساته الشعبوية نفسها في الهيمنة والحفاظ على السلطة عبر إضعاف المؤسسات وتنوع الآراء وتعددها بإقصاء من يُشك في ولائهم وتحويل المعارضين إلى خونة أو أعداء.

بالمقابل فإن مولر لا يقدم إجابة مقنعة عن عدم الحاجة إلى الشعبوية عندما يواجه المجال السياسي تهديد التكنوقراطية والبيروقراطية المتزايد لتحويل السياسة إلى شكل من أشكال الإدارة، أو في مواجهة تهديد الاستبداد والديكتاتوريات وتسلط الأوليغارشيات. إن مثل هذه المواجهة تحتاج إلى حشد وتعبئة ومخيلة والكثير من العواطف والمشاعر الجياشة وروح التضحية والانغماس في فكرة عامة أكبر من مجرد «حوار عقلاني في مجال عام» تسمح بحشد الجماهير من أجل المطالبة بحقوقها الديمقراطية وتعزيز مشاركتها.

تبدو الشعبوية بوجهين متناقضين، من جهة هي ضرورية للحفاظ على السياسة في مواجهة التحديات باعتبارها استراتيجية تعبئة وحشد ووصول بالممارسة السياسية إلى ذروتها، ولكنها من جهة أخرى تهديد للسياسة والديمقراطية عندما تعيد تعريف السياسة بماهو غير سياسي، بالإحالة إلى معايير الأخلاق (الخير والشر) والهوية (الأصيل والمزيف) والحقيقة (الصادق والكاذب). تبدو المعضلة مضمنة كلّياً في عملية الهيمنة التي تضمن تلاحم جماعات مختلفة متنوعة لتشكل «الشعب». فالهيمنة تفترض نوعاً من التماهي حول الرأسمال الرمزي والأخلاقي المشترك للجماعة، لكن ضمان الحريات بالمقابل يعني ضمان التنوع والتعدد والاختلاف داخل هذا المجموع بما يسمح بالتعبير عن الاختلافات بما يهدد الوحدة نفسها تحت ثقل ووطأة التنوع وذلك في سياق كفاحي ونضالي. فالحفاظ على التنوع داخل الحركة الشعبوية، وبالتالي الشعب المتخيل، يعني نقل السياسية (المجال العام المفتوح لعرض مختلف الآراء والتباينات) إلى داخل الحركة نفسها، فتصبح الحركة صورة عن المجتمع والمجتمع السياسي تحديداً عوضاً عن تكون فاعل سياسي محدد ومتعين. السؤال يصبح عندها إلى أي حد يمكن القبول بالتنوع داخل الحركة بما لا يهدد وحدة الحركة نفسها وقدرتها على الفعل والحركة؟ نعلم أن هذا السؤال شديد الصعوبة، وتراث الحركات الشيوعية قدم مادة تجريبية هائلة حول سؤال الحزب. فالحزب البلشفي هو من أنجز الثورة بفضل بنيته الحديدية، لكن بنية الحزب البلشفي وتركيبته كانت الطريق المؤدي إلى بناء واحد من أشد الأنظمة شمولية في القرن العشرين. الصعوبة مضافة في الحالة الشعبوية، فعلى العكس من الحركات الشيوعية التي قامت حول ايديولوجيا واضحة المعالم ومرتبطة بفاعل اجتماعي محدد بوضوح شديد وهو الطبقة العاملة، فإن الحركات الشعبوية لا تملك هذه الإيديولوجيا الواضحة ولا تستند على فاعل اجتماعي محدد، بل تُحيل إلى الشعب بكل تنوعاته وفئاته واختلافته، مما يجعلها غائمة وغير متسقة، وهو ما تغطيه بالكثير من الرموز والشعارات وكثافة الإحالة إلى الهوية والأخلاق.

تبدو المسألة صعبة الحل، وربما لا نقدر على تقديم إجابات واضحة بصددها، لكن على الأقل يمكن القول أن مولر يشير إلى خطر حقيقي يهمله لاكلاو، خطر نجده ووجدناه في كل حركة شعبوية تبوأت السلطة، ويزداد في حالة الدول والمجتمعات التي لا تتمتع سابقاً بتراث مؤسساتي وديمقراطي قوي يسمح بالحد من أخطار الحركة الشعبوية مواجهتها، وهو ما شهدناه في بلدان مثل مصر وسوريا والعراق والجزائر، حيث تحولت الأنظمة الشعبوية إلى أنظمة تسلطية، ولاحقاً إلى ديكتوريات وجمهوريات وراثية لا تترد في شن الحروب ضد شعوبها من أجل ضمان سلطتها.

لكن لندفع التساؤل للأمام قليلاً، وذلك بالتركيز على الشعب عوضاً عن الشعبوية، الشعب بوصفه شرط لازم للشعبوية نفسها. الشعب ظاهرة سياسية حديثة لا يمكن فصلها عن نشوء المجال السياسي العام المفتوح للمواطنين وعن التحولات التي أصابت فكرة السيادة، التي صار يُنظر إليها بوصفها ظاهرة طبيعية تجد أساسها في التعاقد بين أفراد (الشعب) ولم تعد ظاهرة فوق طبيعية ذات اساس إلهي أو كوني. ترافق هذا مع ظهور البرجوازي في التاريخ، حيث انحلت الرابطة بين الأفراد والجماعات الطبيعية التي كانوا أعضاء فيها، نقابات أو ملل أو قبائل. غير أن فكرة الشعب حملت دوماً ما هو أكثر من مجرد تعاقد بين أفراد، فالشعب أحال إلى نوع من الوحدة الأخلاقية التي تسمح بنشوء إرادة عامة (روسو) تتجاوز تعارض الإرادات الفردية الخاصة وتنازعها وسياقاتها الظرفية والأنانية، وهذا التجاوز سمح بالنظر إلى الشعب بوصفه مصدر السيادة والشرعية، كما سمح أيضاً إضفاء تصور خيّر على الشعب.

المسألة المركزية التي أود التأكيد عليها والاحتفاظ بها لاحقاً هي فكرة المجال العام. الشعبوية لا تعبر وحسب عن «الشعب»، بل تعبر وتستحضر الشعب السياسي، أي تستحضر الشعب (غالبيته أو جزء واسع من المواطنين) إلى المجال العام السياسي الذي تفتحه ولو بالقوة، فتخلقه أو تعيد تشكيله بطريقة أوسع بكثير من ذي قبل. الشعب لا يوجد إلا في المجال العام، فخلق المجال العام وتوسيعه شرط لازم في تشكيل الشعب، ليس شرطاً سابقاً بالمعنى الزمني، فهما متزامنان ومتضافران، لكن لا يمكن لنا أن نفهم الشعب إلا بالإحالة إلى المجال العام. في المجال العام تقدم الآراء والتصورات بشكل «عقلاني»، بوصفها آراء مسوغة ومبررة حيث نكون ملزمين بتقديم أسباب تبرر اقتناعنا برأي ما أو تدفعنا إلى رفضه، وهذا البعد العقلاني للمجال العام يتحقق عندما تصاغ المبررات بلغة عمومية بما يسمح للجميع من تقييمها، وليس بلغات ذات صلاحية محلية ومقتصرة على الجماعة التي تستخدمها. الحرية الضامنة للتنوع والعقلانية هما سببا ازدهار المجال العام والحفاظ عليه، ومن هنا يمكن لنا فهم معضلة الشعبوية، فهي تفتح المجال العام باستحضار الشعب باعتباره فاعل سياسي، مصدر السيادة في مواجه إدعاءات سيادة أو شرعية أخرى، ولكنها من جهة أخرى -عبر إدعائها حصرية التمثيل لإرادة الشعب والنزوع لصياغة الخلافات في إطار أخلاقي- تخنق الشروط الضرورية لازدهار المجال العام نفسه، وتالياً قتل فكرة الشعب نفسها.

بتعبير آخر فإننا أمام مجموعة من المقولات التي تستدعي بعضها البعض بالضرورة، بحيث لا يمكن الحديث عن إحداها بغياب الآخرى، وهي الشعب – المجال العام (السياسي) – المواطن/الفرد.1

«الشعب» عربياً

بالانتقال إلى السياق العربي فإنه يمكن ملاحظة أن تصور الشعب (الجماعة العربية) ينوس بين قطبين. يتعين الأول في العلاقة التي تربط الجماعة مع الدولة –الكيان السياسي لهذه الجماعة- حيث يتم تعريف هذه الجماعة بوصفها رعية، وعليه تكون الاستعارة النموذجية لوصف علاقة الجماعة بالحاكم هي علاقة الراعي بخرافه. هنا من الضروري إضافة ملاحظة أن العدل لا يتعارض مع تصور العلاقة باعتبارها علاقة حاكم ورعية، بل يحبذه وبشكل أداتي، حيث يصبح العدل استراتيجية سياسية نافعة للحكم وضمان الرياسة. هذه المقاربة للعدل افترضتها السياسة الشرعية أساساً لإقناع الحاكم بضرورة العدل باعتباره ضمان للحكم. بالمقابل، لا علاقة لهذا التصور بالشعب، فالرعيّة ليسوا شعباً، حيث يغيب المجال العام كما السياسة المتجاوزة لمؤامرات البلاط. فالدعوة للعدل لا تعني بالضرورة الدعوة السياسية للشرعية الشعبية. بغياب السياسة والمجال العام لا يبقى هناك معنى للحديث عن الشعب بوصفه فكرة سياسة.

يتحدد القطب الثاني لتصور «الجماعة السياسية» بالنظر إلى العلاقات الداخلية التي تربط الجماعات الفرعية ببعضها البعض، حيث تظهر الجماعة بوصفها عصبية (اثنيات/طوائف/قبائل). في هذه الحالة يبدو الشكل الأساسي لعلاقات الجماعات ببعضها البعض هو الحرب والصراع من أجل السلطة والثروة عبر السيطرة والتحكم بالدولة، وهو ما يترافق مع اشتراط الولاء التام للأفراد الأعضاء في الجماعة، فهم لا يتحددون إلا بوصفهم أعضاء في الجماعة وليس باعتبارهم أفراداً أحرار. هنا أيضاً لا وجود للشعب، مع غياب وجود المجال العام المرتكز على التبادل الحر والعقلاني للآراء التي يعبر عنها أفراد أحرار بدورهم.

في الحالتين القصويتين التي تنظمان السياق العربي المعاصر يغيب الشعب، بوصفه جماعة من المواطنين الأحرار، عن المخيلة السياسة لصالح الرعية أو العصبية. بغياب المفهومين التأسيسيين لأي مخيلة سياسية تستدعي «الشعب» -المجال العام والمواطن/الفرد- يصبح الحديث عن الشعب في السياق العربي بلا معنى حقيقي، وأقرب إلى مقولة بلاغية تُستخدم في الخطب والشعارات، فلا نحن نحتاجها في تحديد سيادة الدولة وتأسيس شرعيتها، ولا نحتاجها لاحقاً في التسويغ الأخلاقي للقوانين والدستور. تصل الحالة إلى أقصى مفارقاتها بالنظر إلى العلاقة التي تربط هوية الانتماء المتخيلة للجماعات القاطنة في الدولة والهوية التي تقدمها الدولة لهم باعتبارها هويتهم وهوية الوطن الذي عليهم أن ينتموا إليه. فالشعب لدينا لا تتحدد هويته بالإحالة إلى الكيان السياسي الذي يقطنه (الدولة)، فهي إما أصغر من هذا الكيان وتحيل إلى بعض الشعب، أو أكبر من الكيان السياسي نفسه جاعلة من شعب الكيان جزءاً من شعب أكبر. وهذا لا يعني أن كل شعب الكيان جزء من شعب أكبر بل بعضه، بحيث يبقى البعض الآخر خارج الشعب. أي أن الهويات التي يمكن أن تشكل إطار لوحدة أخلاقية، أو سيادية، هي نفسها غير متطابقة مع الدولة/الكيان السياسي. حتى أن الدولة تنفي الشرعية والسيادة عن نفسها، بتأكيدها على أن الشرعية للدولة الجامعة للشعب بتمامه، الشعب العربي أو الإسلامي أو الكردي وهلم جرا. من هنا يمكن فهم الموقف غير المبالي بقضايا الديمقراطية والحقوق في الفكر القومي العربي، ولاحقاً لدى الحركات الإسلامية، وتأجيلها إلى ما بعد تحقيق الدولة القومية، وهذا موقف متسق وليس نتيجة لإهمال أو لانعدام حساسية، فإذا كان من غير الممكن فصل الشرعية عن السيادة، وهذه لا تتحقق إلا بالإحالة إلى الشعب، كل الشعب، فالدولة القُطرية غير شرعية في ذاتها، بحيث الشيء الوحيد الشرعي الذي قد تقدم عليه هو حلّ ذاتها في دولة الوحدة. لكن التحول باتجاه الديمقراطية والتعاقد المحض يعني أن الشرعية يمكن ردها إلى جزء من الشعب، وبالتالي قبول أن يكون هذا الجزء من الشعب هو نفسه كل الشعب ومصدر السيادة، وبالتالي رد الإرادة العامة للشعب إلى إرادات منقسمة ومتباينة يمكن أن تحقق نفسها وسيادتها في كيانات سياسية مختلفة.

تتعقد المعضلة لدى الحركات الإسلامية، فلا تقتصر على الإحالة إلى الأمة الإسلامية المتجاوزة للدولة السياسية، بل إن مناط الشرعية والسيادة يعود إلى الله وليس إلى الشعب، حيث تتحقق الشرعية بتحكيم الشريعة، وهكذا فإننا نعود إلى عصر ما قبل السياسة، التي تنحل في الأخلاقي والديني بشكل كلي. غير أنه يمكن التمييز داخل الحركات الإسلامية، فيما يتعلق بالشعبوية، بين نزوعين أساسيين. يتمثل الأول بسياسات الهوية والذات والتي تتبنى بشكل أساسي سياسات تمثيل، الخاصية الأساسية للشعبوية، مدعية أن الحركات الإسلامية هي التعبير الوحيد عن الأمة وإرادتها وهويتها، فالإسلام هو دين الأمة وهويتها والمسلمون غالبية، وهي التي تتحدث باسم الإسلام فتصبح، وبشكل تلقائي، المعبرة الوحيدة عن إرادة الأمة الحقيقية. لا تمانع هذه الحركات بالديمقراطية إجرائياً، بل وربما تُشدد على البعد الإجرائي للديمقراطية التي تقصرها على المنظور التمثيلي (التماهي). نجد هذا النزوع لدى الحركات الإسلامية في سياق النزاعات الطائفية حيث يتم تصعيد خطاب الهوية، كذلك لدى حركات الإسلام السياسية المنبثقة عن الإخوان التي تشدد على قضايا الهوية والأخلاق والذات والحديث باسم أخلاق الشعب وهويته في مواجهة التغريبيين والعلمانيين. عادة ما تكون هذه الحركات أقل تشدداً من الناحية العقائدية، وتبدو أقرب للخليط العقائدي الذي يجمع التصوف بالتسلف، العلماني بالديني، الإصلاحي التجديدي بالتقليدي. النزوع الآخر يتجلى بوصفه أكثر انشغالاً بالإسلام بوصفه حقيقة وعقيدة متجانسة ومتسقة، فهي لا تعبأ بالمسلمين إلا بقدر ما يتماهون هم أنفسهم مع الإسلام. يظهر هذا النزوع أكثر تشدداً ونقاءً عقائدياً، فلا يعبأ بالتمثيل ويعادي الديمقراطية صراحة ودون لبس لصالح تحقيق شرع الله بالكلية، وهذا ما يجعله -مع تطرفه وتشدده- بعيداً عن الشعبوية. ويظهر هذا النزوع عموماً لدى الحركات السلفية (الجهادية أو العلمية أو حتى المعادية للسياسة بالكلية). بالطبع، تجمع غالبية الحركات الإسلامية الواقعية بين هذين النزوعين بنسب متفاوتة.

إن الحركات الإسلامية ذات النزوع الشعبوي تدفع السياسة الشعبوية إلى أقصاها مختزلة إياها في فكرة التمثيل الحصري لإرادة الأمة، وما يزيد من تهديد للديمقراطية وبشكل مضاعف في مثل هذه الاستراتيجية السياسية، هو أن تمثيل الامة يدور بالأصل حول فكرة أخلاقية ودينية عن الأمة، بما يدفع البعد الأخلاقي لتصور الشعب إلى أقصاه مشكلاً خطراً مضاعفاً على الحريات. أيضاً، ومع الانقسامات العديدة للجماعة العربية (المشرقية بخاصة) على أسس دينية وأخلاقية، فإن التركيز على الديني في تصور الهوية لا يلعب دوراً موحداً، بل مقسماً، وخاصة فيما يتعلق بالجماعة التي تشترك في كيان سياسي موحد، بما يجعل من السياسات الشعبوية ذات نجاح محدود من جهة، وخطرة على العيش المشترك من جهة أخرى.

بالمقابل، هل يمكن النظر إلى الشعبوية في السياق العربي باعتبارها استراتيجية سياسية تسمح للشعب باستعادة السياسة وتحريرها من الأنظمة المستبدة للظفر بالديمقراطية؟ الإمكانية موجودة، ولكنها صعبة بالنظر إلى التراثات التي تُحيل إليها الاستراتيجيات الشعبوية، مثل التراث الديني أو بالنظر إلى تجارب الشعبويات التسلطية، لكن الإمكانية تبقى موجودة من خلال التركيز على ماهو مشترك بشكل أكبر وبشكل مرتبط مع تعزيز القيم الديمقراطية نفسها.

لن أحاول هنا الإجابة على سؤال العجز عن بناء سياسات شعبوية عربية، لكن يجب الإشارة إلى أن استدعاء فكرة الشعب تترافق بالضرورة مع الإحالة إلى المجال العام وجماعة المواطنين/الأفراد، وبغياب الشروط الضرورية لهما يجعل من المحتم أن عملية تكوين الشعب لا تنفصل عن خلق المجال العام وجماعة المواطنين وتحقيق شروطها الضرورية المتمثلة في الحريات في مواجهة أي انتقاص منها باعتباره اعتداء يهدد المجال العام نفسه. من الممكن التدليل تاريخياً، ومن سياقنا العربي، على وجود مثل هذه الرابطة بين وجود مجال عام وبين تطور هويات وطنية وشعبية سمحت ببلورة سياسات شعبية وتشكيل رأي عام مؤثر وإن بشكل محدود. وهنا يمكن الإشارة إلى العصر الليبرالي العربي الذي ترافق بوجود مجال عام حول الصحافة الحرة والأندية والأحزاب السياسية والنقابات، وهو ما سمح بتشكيل هوية وطنية تتجاوز الانقسامات الفرعية من جهة، وقادرة على خلق مجال سياسي يسمح بدخول الشعب إليه، تحديداً الطبقات الوسطى الحديثة الصاعدة، والتأثير على النخب الحاكمة وفرض تحولات سياسية تصب بمصلحة الغالبية. بالمقابل، ومع تسلم الأنظمة الشعبوية السلطوية للسلطة وتحطيمها للمجال العام وإغلاقه فإن الهويات الوطنية تراجعت لمصلحة هويات فرعية وعصبيات تم استخدامها في الصراع على السلطة والثروة.

شيء شبيه حصل خلال فترة الربيع العربي، وهي فترة ازدهار للسياسات الشعبية بعد عقود من القمع والمصادرة والاستبداد. خلال الربيع العربي ظهر التقاء لا يمكن التغافل عنه بين شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» واحتلال الساحات العامة، أي مع الخلق الثوري لمجال عام بالقوة وفي مواجهة الشرطة والأمن، وفي هذا المجال العام تم التعبير عن إرادة كائن سياسي اسمه الشعب. إن الفترة الممتدة من ثورة يناير 2011 وحتى انقلاب السيسي عام 2013 هي الفترة التي عرفت أكثر توسع للحريات العامة والوجود في الساحات العامة بوصفها تعبيرات مكانية عن المجال العام، حريات لم تُعهد من قبل، حتى أنها طالت ما اعتبر دوماً التابو الديني والأخلاقي للجمهور. إن الترابط بين خلق المجال العام وتوسيع الحريات من جهة، وتشكيل الشعب من جهة أخرى هي النقطة المركزية لأي مسعى لتأسيس سياسات شعبية تسعى إلى كسر احتكار السلطة وفتح المجال السياسي والظفر بالديمقراطية. لكن اختزال الشعب في هوية أخلاقية مجردة دون أن يرافقها أي مسعى لتشكيل مجال عام، بل على العكس محاولات لإغلاق وضبط المجال العام باسم الأخلاق والمقدسات، لن يؤدي سوى إلى إضعاف أو إنهاء أية محاولة لبناء سياسات شعبية، خاصة في حال مجتمعات تعرف انقسامات أساسية على مستوى الهوية والمرجعيات الرمزية والأخلاقية. إن الحرية هي الشكل الوحيد الذي يمكن للشعب، حتى بوصفه وحدة أخلاقية، أن يكون ممكناً.

    إن الانقسام بين المواطن والفرد هو خاصية اساسية للحداثة، حيث ينفصم الانسان إلى كيانين، اجتماعي وهو البرجوازي (الفرد) وسياسي وهو المواطن. وهذا الانفصام كان موضع سجال واسع في التراث الفلسفي كما كان في مركز الخلاف بين التقليد الليبرالي من جهة والتقليد الجمهوري الديمقراطي من جهة أخرى. هنا لا يعنينا هذا الانقسام في ذاته، بل الأصل المشترك للتقليدين الليبرالي والجمهوري وهو ظهور البرجوازي بوصفه فرد خارج من النظام الطبيعي، نظام الامتيازات والسيادة الإلهية. المعضلات اللاحقة، هي لاحقة على هذا الأصل.

Bibliography

Laclau, E. (2005). On Populist Reason. Verso.

Müller, J.-W. (2017). Was ist Populismus? Suhrkamp.

موقع الجمهورية