الناس

اسطنبول التي ليست لي/ سالينا أباظة

تبدأ علاقة الحب مع المدينة بحسب بول بيرسيادو عبر الخريطة، إذ تحدث عندما يتلاشى جسدنا مع شوارع المدينة وأزقتها ونصبح كياناً واحداً معها.

أشعر أنني أتمعّنُ في مرآه قريبة مني وأنا أحاول تذكر اسطنبول.

المشهد الأول:

جيهانغير، الخامسة والنصف مساءً، أيار/مايو 2016

بيتي الصغير. أتمدد على الأريكة المطلّة على المطبخ، التي نجحنا أخيراً في جلبها بعد أسابيع من الجلوس على الأرض. أصوات الحي تأتي خفيفة ومتباعدة، وحزمة من نور الشمس تنتصف المكان، وتظهر شريكتي خلفها في المطبخ مغطاةً بالضوء. يغمرني شعور جارف بالسكينة، وأردد في نفسي أنني أريد أن أذكر هذه اللحظة لاحقاً، أن أذكر أني شعرت بكثافة أنني أنتمي إلى هنا، أن هذا بيتي وهذا مكاني وأن هذه لحظتي. أمتلك المأوى، أمتلك الحب، و أمتلك جواز سفر يسهل معه استخراج بطاقة الإقامة اللماعة وبطاقة البنك. تبدو الحياة أمامي بكل ألوانها… كان كل هذا حلماً تراكمياً تركَّبَ مع مرور السنين وها أنا أعيشه الآن: أسكن مع شريكتي في بيت اخترناه معاً، تلذذنا بشراء المفروشات وتركيب الأثاث قطعة قطعة، ووضَعت كتبها بعناية على المكتبة الجديدة التي قمتُ بتركيبها، تشاجرنا مع جارنا حول تأخرنا في تركيب الستائر، دعونا الأصدقاء وسهرنا معهم، ينتظم عملي وأستمتع بإنهاء مهامي على مكتبي الصغير في غرفة الجلوس. للحظات قصيرة جداً، بدى كل شيء في مكانه بشكل مدهش، استطعت، وأخيراً، منذ خروجي من سوريا، استطعتُ أن أشعر بالـ«بيت» لأول مرة.

أصبحت اسطنبول بيتي.

بعد عدة أشهر، طبعاً، سأفقد كل ذلك. سترحل الشريكة، سأترك البيت وكل مافيه، وسأكتشف قدراتي الجديدة على التحمل وإعادة البناء عدة مرات، إلى أن أتعلم بصبر أن البيت لا يجب أن يكون خارج أضلعي في الحياة التي اخترتها، سأكون أنا البيت.

//اسطنبول قبل ليلة يوليو//

يوليو 2016:

أزيز الطيران يخرق جدار الصوت فوق اسطنبول. أتكوّر على نفسي تحت أغطية السرير، وأفكر بسرعة: من الذي يفعل ذلك؟ تجيبني الأحداث خلال الأسابيع القادمة: تفعيل قانون الطوارئ، طرد العديد من الموظفين والأكاديميين والتضييق على آخرين، تهم تطير في كل الاتجاهات ضد صحفيين وعاملين في الشأن العام والأحزاب المعارضة.

وهناك أيضاً صورة هذا الوجة، تكبر، وتكبر، وتكثر في الأماكن والساحات العامة، وفي عامين تصبح كبيرة بحجم واجهة بناء في وسط المدينة. إنها أعراضٌ مألوفة جداً.

//اسطنبول بعد ليلة يوليو//

المشهد الثاني:

الشوارع الفرعية لشارع استقلال، حزيران 2017

لهاثٌ وسعالٌ حارق تزيده رائحة نفاّذة، وجهي مغسول بدموعي وأكاد أختنق. المكان مكتظ ولا أعرف أحداً، لكن الجميع يحاولون مساعدة بعضهم بتبادل زجاجات الكولا والمياه التي زودنا بها صاحب الدكان الذي احتشدنا داخله. لا يزال عناصر الأمن يركضون خلف المتظاهرين بكامل عتادهم وبنادق الرصاص المطاطي وقنابل الغاز.

العابرات هنا يتقدمنَ المسير والمواجهات بصرامة. هنّ الأكثر عرضة للتمييز والضغط، وربما هذا جعلهن الأكثر قوة وقدرة على الصدام. في عام 2015، وفي إحدى محاولات التجمع التي منعها الأمن مراراً وتكراراً، تقدمنَ الحشد، ووقفت إحداهنَّ وسط الشارع في وجه عناصر الأمن الذين يحاولون سد الطريق، تصرخ عليهم ثم تخلع حمالة صدرها وترميها في وجوههم؛ أما في عام 2016، وقفت أخرى على باب مقهى اختبأتُ فيه مع حشد صغير تفرق بعد إطلاق قنابل الغاز والرصاص المطاطي، تصرخ على عناصر الأمن الذي يركضون في اتجاهات مختلفة لتفريق ما تبقى من التجمع، ثم تتبع صراخها ببصقة خلف خطاهم.

يذهلني للحظة هذا الوضوح في معارك يوم الفخر. فهنا جمعٌ ملوّنٌ اختار امتلاك جسده، وهنا جمع متشح بالسواد لقوات الأمن اختار تسليم جسده وخياره المتبقي للدولة. يذهلني أيضاً أن هؤلاء لم يعيروا اهتماماً لصراخها وتابعوا الركض لتفريق المتجمعين فيما يشبه المظاهرات الطيارة. يذهلني أكثر أنهم لم يعيروا اهتماماً ايضاً لكل هؤلاء الصحفيين الذي لم يتوقفوا عن تصوير كل ذلك.

لعل هذا الذهول السوري داخلي هو ما دفعني للمشاركة عاماً بعد عام. هذا بالإضافة إلى الرابط الخفي والمتين الذي ينشأ بسحر تام بين أفراد الحشود التي تتشارك هوية ما، تصرخ بألم مشترك ما، يوحدها استبداد مشترك ما. إدراك كل هذه الأشياء المشتركة دفعة واحدة له تأثير النشوة، ربما لأني أدرك فجأة أنني لست وحدي. حدث ذلك أيضاً مرة أخرى في يوم المرأة، إذ لم تمنع البلدية المسير المحدد لهذا اليوم، فاحتشد شارع استقلال كاملاً بآلاف النساء، تركيات، كورديات، سوريات، إيرانيات؛ كويريات، مغايرات، عابرات؛ كبيرات و صغيرات. للحظة شعرت أننا جميعاً امرأة واحدة، غاضبة لكن مرحة، تضحك وتغني حيناً وتهتف بغضب حيناً آخر. حدث ذلك أيضاً في بعض أحياء دمشق التي تمكنا من التظاهر فيها، الحشود هناك قليلة وخجولة لأن المستبد قاتلٌ واللغة المتداولة هي الرصاص الحي. شعرت ضمنها أيضاً بذاك الرابط الخفي والمتين الذي ينشأ مع آخرين سيصبحون أصدقائي لاحقاً.

لكن الفارق عن دمشق كبير. إذ لم يسبق في دمشق -حيث كان عليَّ العودة إلى المنزل قبل أن يهبط الظلام- أن تمكن جسدي من التماهي مع المدينة كما فعل في شوارع اسطنبول، فهنا في الشارع الموازي لـ«ميس سوكاك» يقع مطعم الريان السوري. اختبأتُ عنده بعد أحد هجمات قوات الأمن على مسير الفخر عام 2016، حيث سألني معلم الشاورما -الذي اعتاد مرور العابرات وتناولهنّ الشاورما في محله الصغير- بلهجة سورية محببة حول ما يحدث، فأجبته أثناء سعالي بسعادة انتهاز الفرصة «ما بدن مثليين، يعني شواز» فيقول لي مراعياً مشاركتي واختناقي بالغاز «أي شو بدون فيهون كل مين على دينو الله يعينو» ويناولني كأساً من الماء. وهنا، عند تقاطع «ميس سوكاك» مع الشارع السفلي لاستقلال كلوب «تيمبل» Club Temple، أو المعبد؛ الكلوب الذي احتضن جالية واسعة من السوريين والإيرانيين، فيه لعبوا الموسيقى ورقصوا ولعنوا روح حافظ الأسد، ثم خرجوا آخر ساعات الليل وتقاسموا عربات الميديا المجاورة. في المعبد، أقف وحدي إلى جانب مكبرات الصوت الضخمة في نهاية الأسبوع، أمسك الإيقاع بعيني المغمضتين، وأضيع لساعات متتالية دون أن أعي، هكذا فقط أنسى أني حبيسة هذه المدينة بلا أوراق ثبوتية منذ قرابة العام. في محيط هذه الشوارع من جهة تارلاباشى أيضاً عدة مقاهٍ يجلس فيها العديد من النشطاء المحليين، وتخرج منها المجموعات الصغيرة من المتظاهرين للمشاركة في أيام الفخر أو أيام المرأة السنوية.

في «ميس سوكاك»، الذي أجده يشبهني كثيراً، يحدث كل شيء على هامش شارع استقلال الذي نراه في الصور عالية الجودة في الإعلانات السياحية.

المشهد الثالث:

حي تيبي باشه، غرفتي المطلة على ملعب قاسم باشا ومنطقة بيرا، آذار 2018

لقد تغيّر كل شيء منذ آذار 2016.

بشكل خاص، تغيّرتُ أنا.

مضى أكثر من عام و ثلاثة أشهر منذ أن سُرق جواز السفر. عام و ثلاثة أشهر أحاول فيها التواصل مع القنصلية الروسية في شارع استقلال بشكل أسبوعي، أحاول اقناعهم أنني أنا أنا، وأن أوراقي ليست مزورة. لا يكترث الموظف أن أجدادي من أبخازيا، وأن والدايَّ يسكنان هناك وهذه أوراقهما، لا يهتم إلا بالتفصيل الضيق: تولّد: دمشق/سوريا.

لم يعطني موظف القنصلية أية تفاصيل حول موعد استلام جواز السفر… ثلاثة أشهر، امتدت إلى ستة، ثم تسعة، حتى 18 شهراً كان كل شيء فيها ثقيلاً للغاية: أعمل فلا أستطيع استلام التحويلات دون جواز السفر؛ أفقد بطاقة البنك فلا أستطيع استصدار بطاقة جديدة بسبب جواز السفر؛ أحاول استئجار منزل فلا أعرف المدة التي سأبقاها في البلاد بسبب جواز السفر؛ تنتهي إقامتي في تركيا ولا أستطيع تجديدها بسبب جواز السفر؛ لا أستطيع السفر خارج اسطنبول بسبب جواز السفر. أنا هنا لم أعد سورية، ولا أبخازية، ولا روسية، أنا الآن لا أحد.

أجلس لساعات طويلة أراقب المدينة من شرفة الغرفة. تبدو اسطنبول من هنا ممتدة في كل الاتجاهات، وتبدو معاركي الشخصية وانتصاراتي وخساراتي غير ذات أهمية وسط كل هذه الطبقات المتراصة من المساكن والتجارب.

في الحقيقة، هناك القليل مما يمكن فعله عندما تكون «لا أحد». تمضي الأشهر بطيئة ومعقدة، أتعلّمُ فيها أن أعيش بطريقة جديدة: أتعلّمُ أماكن ضعفي وأتعرّفُ عليها ضعفاً ضعفاً، فتقلّ الأشياء التي أمتلكها وتزيد الأشياء التي أفرط فيها بسهولة. أتعلم أيضاً أن أنغمس في الحياة دون أن أمسك الأشياء والأشخاص والتجارب بيدي أو بقلبي لأني لا أريد لشيء أن يمسكني. أشعر بحريتي تتسع رغم حبس المدينة، وتتسع معها الوحدة التي فسّرتُها مراراً بالضرورة الملازمة لهذه الحرية. لكن الثقل في أيامي يتحول تدريجياً إلى خوف واضح المعالم، أتفادى الخروج إلى الشارع كلما أمكن، ثم شيئاً فشيئاً، أفقد رغبتي بالحديث والكلمات وأهرب إلى عاداتي القديمة، أرسم، ثم أرسم أكثر، أرسم حتى أشعر أني أقول كل شيء.

أنا محاطة بالأصدقاء، وبالعديد من الخسارات العبثية التي لم يكن بوسعي أمامها سوى خيارين: الشعور المفجع بهذه الخسائر، أو البحث عن أسباب ونتائج غير حقيقية وفلسفتها لجعل كل ما يحدث منطقياً، وإن كان أمامي فقط. نعم لقد علمتني *بصوت أجش* هذه الخسارات الفادحة أن لا أمتلك شيئاً أخسره بعد الآن. أعني، بإمكان المرء تعلّم كل ذلك دون دورة الصاعقة1 هذه، بس هيك صار، شو بدنا نعمل؟

1. مخيم تدريب عسكري لطلاب المرحلة الثانوية في سوريا خلال فترة حكم حافظ الأسد، والسنوات الأولى من حكم ابنه

المشهد الرابع:

قاسم باشا، سبتمبر 2018

وجهي يؤلمني كثيراً وصوت ارتطام يتكرر داخل رأسي.

أفتح عيني فأرى الشارع رأسياً، حافة الرصيف الإسمنتية على بعد سنتيمترات عن وجهي، وكل ما أفكر به هو ما إذا كان رأسي قد ارتطم بها. للحظة أشعر أن موتي الذي اقترب كثيراً لن يعني شيئاً لهؤلاء الغرباء، لذا عليَّ أن أنجو بنفسي بأية طريقة. أنهض مترنّحة وقبل أن أستعيد اتزاني تهوي يد الشاب الضخم مرة أخرى علي وجهي، أدور حول نفسي وأسقط مرة أخرى. أزحف نحو هاتفي، أضعه في جيبي بينما أُبعد كلباً ضخماً عني وأتلقى الركلات على ظهري وخصري من شابين آخرين. أنهض مرة أخرى، ضربة أخرى وأهوي من جديد على الأرض. أحاول النهوض بينما يقبض فكا الكلب على ذراعي، أعانقه بقوة لأثني رقبته وأخفف من ألم العض، ولأنني خائفة، خائفة جداً… لا من هذا الكلب الضخم، بل من ثلاثة رجال ينهالون علي بالضرب لأني «شاب أم فتاة؟».

الضربات تستعيد طبقات عتيقة من ذاكرة جسدي المتمرد. في لحظة واحدة أتذكر ركلات رجل الأمن بعد أن أمسكني أثناء هروبي في تشييع في أحد شوارع حي الميدان في دمشق. لم يتوقف إلا عندما دفعه عني شاب ظهر فجأة صارخاً «تركا يلعن ربك بنت»، أتذكر المُدرّسة في الصف الخامس وهي تنهال عليَّ بالضرب أمام الجميع لأني رفضت طوال العام أن أرفع شعري من الأمام مثل سائر فتيات الصف، ثم أتذكر تلك اليد العزيزة التي تسببت بميلان مضحك في أنفي لأنني رفضت إهانة عابرة. في لحظة واحدة، تتكثف كل تلك الذكريات التي سجلها جسدي عبر السنين وتنفجر تحت جلدي، وبعد ذلك تتسع ذاكرتي وتتمدد خارج جسدي نحو أجساد أخرى فترنّ داخلي أسماء عدد من العابرات اللواتي ضُربن أو حتى قُتلن في السنوات الثلاث الماضية في أحياء مختلفة من اسطنبول.

أشعر بغضب شديد. أنا لم أعد أصرخ طلباً للمساعدة، أنا الآن أصرخ على كل تلك الضربات، على المارة المذهولين وعلى صديقي الذي هرب بعيداً وتركني، وعلى صمت سكان الحي. أنا أصرخ بغضب على ضعفي وعلى هذا العالم الذي يسمح باستغلاله، أصرخ لأني لا أريد أن أموت بصمت.

الوجه الآخر من هذا الغضب الشديد كان رغبة لا تقهر بالنجاة، تحوّلَت إلى صوت داخلي يوجهني بأوامر قصيرة:

ابحثي عن المساعدة.

هناك احتمال ارتطام الرأس لذا عليك الوصول إلى مشفى

لا تفكري بالأسباب الآن

سوف تنجين

وصلت سيارة الإسعاف

كرري اسمك واسم العائلة

كرري اسمك، كرريه

أتمدد على السرير في سيارة الإسعاف، أكرر اسمي دون توقف وأشعر بشيء من الأمان إذ تمسح ممرضةٌ الدماء عن جبهتي ووجهي بينما تحاول تلمس مصدر الدماء على رأسي باليد الأخرى. أنا في طريقي إلى المشفى، لقد نجوت.

أغفو.

في اليوم التالي، كتبت:

    سأتعافى.

    هذا الأنف الكبير والعنيد سيتعافى، وهذه القطب المعدنية على رأسي تلؤم الجرح بإصرار. عضات الكلب ستترك ندباً تذكرني أني ناجية وليس ضحية فحسب، وسيختفي هذا التساؤل الموجع: لم؟ لم أنا؟

    سأعود إلى هذا اليوم في ذاكرتي فأجد نفسي التي تمسكت بالحياة، تمكنت من الهرب ومن الوصول إلى المشفى رغم كل شيء.

المشهد الأخير

تيبي باشه، نوفمبر 2018

كان وداع أوندر سريعاً. أوندر، المصور الصحفي الكوردي هو صاحب الشقة التي استأجرتُها منذ عام عندما قرر الذهاب إلى الرقة لتصوير المعارك الدائرة مع القوات الكوردية ضد داعش. ضحكنا عندما أخبرني أنه سيعود إلى اسطنبول وقد يُعتقل من المطار، لكني لم أضحك أبداً عندما اتصل بي صديقه أونور ليخبرني أنه قد اعتُقل بالفعل، طالباً القدوم إلى المنزل لتفريغه من أية أشياء قد تُستعمل ضد أوندر في المحكمة. حدث كل شيء بسرعة مألوفة وقام بنقض الحكم، وريثما تُعاد المحاكمة التي كان يعلم سلفاً أنها لن ترحمه، شاهدته بذهول يقوم باتصالاته مع مختلف المهربين ليستطيع الهروب إلى ألمانيا وكأنه صديقٌ سوريٌ عتيق. وذهب. ترك كل أشيائه في المنزل وذهب مع حقيبة الظهر التي تحوي كاميرته وكتاباً للطريق. عانقته بسرعة، لكن بقوة، عندما أدركت أنه لن يعود إلى هنا -موطنه- قبل مدة طويلة، وتذكرت خروجي السريع من منزلي في دمشق كقاتل هارب من العدالة. تعاهدنا أن نتقابل في المنفى، برلين غالباً، يوماً ما.

بعد ذلك بفترة وجيزة كثرت فيها الوداعات ما بين موجة هجرة جديدة إلى كندا وفرنسا بين أصدقائي السوريين، وموجة هجرة إلى ألمانيا بين الأصدقاء الأتراك. أصبحت اسطنبول تشبه دمشق 2012 قبيل خروجي منها. في الشوارع المختلفة تكتظ الذكريات مع كثيرين لم يعودوا هنا، فتبدو المدينة أكثر ازدحاماً وثقلاً.

الوداع التالي كان لصديقتي الحبيبة داريا. داريا أيضاً شاهدت مدينتها تتغير، وعدداً من أصدقائها ونشطاء المجتمع المدني يواجهون تهماً مختلفة منذ «الانقلاب»، وآخرين آثروا الرحيل عن البلاد خوفاً من مصير مشابه. مع كل هذا التوتر، قررت هي أن ترحل أيضاً. تقابلنا للمرة الأولى منذ قرابة العام والنصف، تشاركنا حباً عميقاً للفن وحقداً على كل ما هو ظالم، وبسرعة اتفقنا على أن نقع بالحب وبالحرية معاً: أن نعيش هذا الحب وندعه يمر عبرنا دون أن نمسكه بيدنا أو بقلبنا، فلا يمسكنا.

أنا وداريا مشينا كثيراً في شوارع المدينة. مررنا من بيوت مهجورة وآثار قديمة، أخبرتني عن البوغروم، عن قصص لأرمن، ويونانين، وأكراد، ويهود، وأقوام كثيرة عاشت هنا عبر العصور ثم رحلت ولم تترك وراءها إلا هذه البيوت المتراصة. «سأشتاق إليك دائماً»، أرسم الجملة بقلم عريض على باب منزلها في كاديكوي وعلى عدة جدران أخرى في المدينة. نحن أيضاً سنترك أثراً يا داريا، غداً عندما نفترق، لأننا سنفترق، سيبقى هذا الأثر فينا حتى وإن زال عن المدينة.

تنتهي قرابة الأعوام الثلاثة في اسطنبول. في أيامي الأخيرة أمشي ببطء في الشوارع التي اعتدت أن أمشيها بسرعة، آخذ وقتي في الوداع وعلى الرغم من أني  أخرج من المدينة بكامل إرادتي إلا أن شيئاً ما يشعرني أنني أنزح مرة أخرى.

يغمرني حزن مرتبك في طريقي إلى المطار. أشعر أني أحببت اسطنبول ولكنها لم تحبني، أتذكر قول أمي «اسطنبول مدينة الغرباء دوماً» وهي تستعيد ذاكرتها في المدينة، ثم شيئاً فشيئاً يتلاشى حزني لأني أدرك أنني غريبة. أنا غريبة بالفعل، وهذا تماماً ما كنته دائماً وما أريد أن أكونه: أعيش في هذه الغربة بين رغبة مستمرة بالانتماء والشعور بالأمان وبين رغبة أشد قوة نحو حريتي.

بعد اسطنبول، أدخل المدن والتجارب بقلب غجري، أعيشها بكثافة ثم أخرج منها بخفّة، أمرّ من الأبنية المهجورة في بيروت فأتذكر سوخومي2؛ أعبر شوارع القاهرة وتعبها فأتذكر دمشق؛ أعبر مني فأتذكر اسطنبول، ويختلط الطعم والروائح بالأصوات والصور. بعد اسطنبول، تعلمتُ أن أشتاق إلى كل المدن دون حنين ودون أن أنتمي إلى أي منها. لا أعرف إن كانت المحطات التالية في حياتي ستمر منها ثانية، لكن حتى ذلك الحين، أحتفظ منها برسم لذراعين يضم صورة لأصدقائي الباقين هناك، وغصناً من الخزامى موشوماً على صدري، وثلاثة ندوب على ذراعي تذكّرني بأنني نجوت.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق